Verse. 553 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

اَلَمْ تَرَ اِلَى الَّذِيْنَ يَزْعُمُوْنَ اَنَّھُمْ اٰمَنُوْا بِمَاۗ اُنْزِلَ اِلَيْكَ وَمَاۗ اُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيْدُوْنَ اَنْ يَّتَحَاكَمُوْۗا اِلَى الطَّاغُوْتِ وَقَدْ اُمِرُوْۗا اَنْ يَّكْفُرُوْا بِہٖ۝۰ۭ وَيُرِيْدُ الشَّيْطٰنُ اَنْ يُّضِلَّھُمْ ضَلٰلًۢا بَعِيْدًا۝۶۰
Alam tara ila allatheena yazAAumoona annahum amanoo bima onzila ilayka wama onzila min qablika yureedoona an yatahakamoo ila alttaghooti waqad omiroo an yakfuroo bihi wayureedu alshshaytanu an yudillahum dalalan baAAeedan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

ونزل لما اختصم يهودي ومنافق فدعا المنافق إلى كعب بن الأشرف ليحكم بينهما ودعا اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأتياه فقضى لليهودي فلم يرض المنافق وأتيا عمر فذكر اليهودي ذلك فقال للمنافق أكذلك فقال نعم فقتله «ألم ترَ إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أُنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت» الكثير الطغيان وهو كعب بن الأشرف «وقد أمروا أن يكفروا به» ولا يوالوه «ويريد الشيطان أن يضلَّهم ضلالا بعيدا» عن الحق.

60

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما أوجب في الآية الاولى على جميع المكلفين أن يطيعوا الله ويطيعوا الرسول ذكر في هذه الآية أن المنافقين والذين في قلوبهم مرض لا يطيعون الرسول ولا يرضون بحكمه، وانما يريدون حكم غيره، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: الزعم والزعم لغتان، ولا يستعملان في الاكثر الا في القول الذي لا يتحقق. قال الليث: أهل العربية يقولون زعم فلان اذا شكوا فيه فلم يعرفوا أكذب أو صدق، فكذلك تفسير قوله: {هَـٰذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ } أي بقولهم الكذب. قال الاصمعي: الزعوم من الغنم التي لا يعرفون أبها شحم أم لا، وقال ابن الاعربي: الزعم يستعمل في الحق، وأنشد لأمية بن الصلتشعر : وأنّي أدين لكم أنه سينجزكم ربكم ما زعم تفسير : اذا عرفت هذا فنقول: الذي في هذه الآية المراد به الكذب، لأن الآية نزلت في المنافقين. المسألة الثانية: ذكروا في أسباب النزول وجوها: الأول: قال كثير من المفسرين: نازع رجل من المنافقين رجلا من اليهود فقال اليهودي: بيني وبينك أبو القاسم، وقال المنافق: بيني وبينك كعب بن الاشرف، والسبب في ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقضي بالحق ولا يلتفت الى الرشوة، وكعب بن الاشرف كان شديد الرغبة في الرشوة، واليهودي كان محقا، والمنافق كان مبطلا، فلهذا المعنى كان اليهودي يريد التحاكم الى الرسول، والمنافق كان يريد كعب بن الاشرف، ثم أصر اليهودي على قوله، فذهبا اليه صلى الله عليه وسلم، فحكم الرسول عليه الصلاة والسلام لليهودي على المنافق، فقال المنافق لا أرضى انطلق بنا الى أبي بكر، فحكم أبو بكر رضي الله عنه لليهودي فلم يرض المنافق، وقال المنافق: بيني وبينك عمر، فصارا الى عمر فأخبره اليهودي أن الرسول عليه الصلاة والسلام وأبا بكر حكما على المنافق فلم يرض بحكمهما، فقال للمنافق: أهكذا فقال نعم، قال: اصبرا إن لي حاجة أدخل فأقضيها وأخرج اليكما. فدخل فأخذ سيفه ثم خرج اليهما فضرب به المنافق حتى برد وهرب اليهودي، فجاء أهل المنافق فشكوا عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأل عمر عن قصته، فقال عمر: إنه رد حكمك يا رسول الله، فجاء جبريل عليه السلام في الحال وقال: انه الفاروق فرق بين الحق والباطل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: «حديث : أنت الفاروق»تفسير : وعلى هذا القول الطاغوت هو كعب بن الأشرف. الرواية الثانية: في سبب نزول هذه الآية أنه أسلم ناس من اليهود ونافق بعضهم، وكانت قريظة والنضير في الجاهلية إذا قتل قرظي نضريا قتل به وأخذ منه دية مائة وسق من تمر، وإذا قتل نضري قرظيا لم يقتل به، لكن أعطي ديته ستين وسقا من التمر، وكان بنو النضير أشرف وهم حلفاء الأوس، وقريظة حلفاء الخزرج، فلما هاجر الرسول عليه الصلاة والسلام إلى المدينة قتل نضري قرظيا فاختصما فيه، فقالت بنو النضير: لا قصاص علينا، إنما علينا ستون وسقا من تمر على ما اصطلحنا عليه من قبل، وقالت الخزرج: هذا حكم الجاهلية، ونحن وأنتم اليوم إخوة، وديننا واحد ولا فضل بيننا، فأبي بنو النضير ذلك، فقال المنافقون: انطلقوا إلى أبي بردة الكاهن الأسلمي، وقال المسلمون: بل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبى المنافقون وانطلقوا إلى الكاهن ليحكم بينهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ودعا الرسول عليه الصلاة والسلام الكاهن إلى الاسلام فأسلم، هذا قول السدي، وعلى هذا القول الطاغوت هو الكاهن. الرواية الثالثة: قال الحسن: ان رجلا من المسلمين كان له على رجل من المنافقين حق، فدعاه المنافق إلى وثن كان أهل الجاهلية يتحاكمون اليه، ورجل قائم يترجم الأباطيل عن الوثن، فالمراد بالطاغوت هو ذلك الرجل. الرواية الرابعة: كانوا يتحاكمون إلى الأوثان، وكان طريقهم أنهم يضربون القداح بحضرة الوثن، فما خرج على القداح عملوا به، وعلى هذا القول فالطاغوت هو الوثن. واعلم أن المفسرين اتفقوا على أن هذه الآية نزلت في بعض المنافقين، ثم قال أبو مسلم: ظاهر الآية يدل على أنه كان منافقا من أهل الكتاب، مثل أنه كان يهوديا فأظهر الاسلام على سبيل النفاق لأن قوله تعالى: {يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءامَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ } إنما يليق بمثل هذا المنافق. المسألة الثالثة: مقصود الكلام ان بعض الناس أراد أن يتحاكم إلى بعض أهل الطغيان ولم يرد التحاكم إلى محمد صلى الله عليه وسلم. قال القاضي: ويجب أن يكون التحاكم إلى هذا الطاغوت كالكفر، وعدم الرضا بحكم محمد عليه الصلاة والسلام كفر، ويدل عليه وجوه: الأول: انه تعالى قال: {يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى ٱلطَّـٰغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ } فجعل التحاكم إلى الطاغوت يكون ايمانا به، ولا شك أن الايمان بالطاغوت كفر بالله، كما أن الكفر بالطغوت إيمان بالله. الثاني: قوله تعالى: {فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } إلى قوله: {أية : وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً } تفسير : [النساء: 65] وهذا نص في تكفير من لم يرض بحكم الرسول عليه الصلاة والسلام. الثالث: قوله تعالى: {أية : فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَـٰلِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }تفسير : [النور: 63] وهذا يدل على أن مخالفته معصية عظيمة، وفي هذه الآيات دلائل على أن من رد شيئا من أوامر الله أو أوامر الرسول عليه الصلاة والسلام فهو خارج عن الاسلام، سواء رده من جهة الشك أو من جهة التمرد، وذلك يوجب صحة ما ذهبت الصحابة اليه من الحكم بارتداد مانعي الزكاة وقتلهم وسبي ذراريهم. المسألة الرابعة: قالت المعتزلة: ان قوله تعالى: {وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَـٰلاً بَعِيداً } يدل على أن كفر الكافر ليس بخلق الله ولا بارادته، وبيانه من وجوه: الأول: أنه لو خلق الله الكفر في الكافر وأراده منه فأي تأثير للشيطان فيه، وإذا لم يكن له فيه تأثير فلم ذمه عليه؟ الثاني: انه تعالى ذم الشيطان بسبب انه يريد هذه الضلالة؟ فلو كان تعالى مريداً لها لكان هو بالذم أولى من حيث ان كل من عاب شيئا ثم فعله كان بالذم أولى قال تعالى: {أية : كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ } تفسير : [الصف: 3] الثالث: ان قوله تعالى في أول الآية صريح في إظهار التعجب من أنهم كيف تحاكموا إلى الطاغوت مع أنهم قد أمروا أن يكفروا به، ولو كان ذلك التحاكم بخلق الله لما بقي التعجب، فانه يقال: إنما فعلوا لاجل أنك خلقت ذلك الفعل فيهم وأردته منهم، بل التعجب من هذا التعجب أولى، فان من فعل ذلك فيهم ثم أخذ يتعجب منهم انهم كيف فعلوا ذلك كان التعجب من هذا التعجب أولى. واعلم أن حاصل هذا الاستدلال يرجع إلى التمسك بطريقة المدح أو الذم، وقد عرفت منا انا لا نقدح في هذه الطريقة إلا بالمعارضة بالعلم والداعي والله أعلم. ثم قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيْتَ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: بين في الآية الأولى رغبة المنافقين في التحاكم إلى الطاغوت، وبين بهذه الآية نفرتهم عن التحاكم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم. قال المفسرون: إنما صد المنافقون عن حكم الرسول عليه الصلاة والسلام لأنهم كانوا ظالمين؛ وعلموا أنه لا يأخذ الرشا وانه لا يحكم إلا بمر الحكم، وقيل: كان ذلك الصد لعداوتهم في الدين. المسألة الثانية: يصدون عنك صدودا، أي يعرضون عنك، وذكر المصدر للتأكيد والمبالغة كأنه قيل: صدودا أي صدود.

القرطبي

تفسير : روى يزيد بن زُريع عن داود بن أبي هند عن الشّعبيّ قال: كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة، فدعا اليهوديُّ المنافق إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنه علم أنه لا يقبل الرّشْوة. ودعا المنافق اليَهوديَّ إلى حكامهم؛ لأنه علم أنهم يأخذون الرّشوة في أحكامهم؛ فلما اختلفا ٱجتمعا على أن يُحكّما كَاهِناً في جُهينة؛ فأنزل الله تعالىٰ في ذلك: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ} يعني المنافق. {وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ} يعني اليهودي. {يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ} إلى قوله: {وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} وقال الضحاك: دعا اليهوديُّ المنافق إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، ودعاه المنافقُ إلى كعب بن الأشرف وهو {ٱلطَّاغُوتِ}. ورواه أبو صالح عن ٱبن عباس قال: حديث : كان بين رجل من المنافقين ـ يُقال له بشر ـ وبين يهوديّ خصومة؛ فقال اليهوديّ: انطلق بنا إلى محمد، وقال المنافق: بل إلى كعب بن الأشرف ـ وهو الذي سمّاه الله {ٱلطَّاغُوتِ} أي ذو الطغيان؛ فأبى اليهوديّ أن يخاصمه إلاَّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلما رأى ذلك المنافق أتى معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى لليهوديّ. فلما خرجا قال المنافق: لا أرضى، ٱنطلق بنا إلى أبي بكر؛ فحكم لليهوديّ فلم يرض ـ ذكره الزّجّاج ـ وقال: ٱنطلق بنا إلى عمر فأقبلا على عمر فقال اليهوديّ: إنا صرّنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إلى أبي بكر فلم يرض؛ فقال عمر للمنافق: أكذاك هو؟ قال: نعم. قال: رُويْدَكُما حتى أخرج إليكما. فدخل وأخذ السّيف ثم ضرب به المنافق حتى بَردَ، وقال: هكذا أقضي على من لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله؛ وَهَرب اليهوديّ، ونزلت الآية، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنت الفَارُوق». ونزل جبريل وقال: إن عمر فَرّق بين الحقّ والباطلتفسير : ؛ فسُمِّي الفاروق. وفي ذلك نزلت الآيات كلّها إلى قوله: {وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} وٱنتصب: {ضَلاَلاً} على المعنى، أي فيضلون ضلالاً؛ ومثله قوله تعالىٰ: { أية : وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً } تفسير : [نوح: 17]. وقد تقدّم هذا المعنى مستوفى. و {صُدُوداً} ٱسم للمصدر عند الخليل، والمصدر الصدّ. والكوفيون يقولون: هما مصدران.

ابن كثير

تفسير : هذا إنكار من الله عز وجل على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله، وعلى الأنبياء الأقدمين، وهو مع ذلك يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله، كما ذكر في سبب نزول هذه الآية أنها في رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما، فجعل اليهودي يقول: بيني وبينك محمد، وذاك يقول: بيني وبينك كعب بن الأشرف. وقيل: في جماعة من المنافقين ممن أظهروا الإسلام، أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية. وقيل غير ذلك، والآية أعم من ذلك كله، فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة، وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت ههنا، ولهذا قال: {يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّـٰغُوتِ} إلى آخرها. وقوله: {يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً} أي: يعرضون عنك إعراضاً كالمستكبرين عن ذلك، كما قال تعالى عن المشركين: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا} تفسير : [لقمان: 21] وهؤلاء بخلاف المؤمنين الذين قال الله فيهم: {أية : إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} تفسير : [النور: 51] الآية. ثم قال تعالى في ذم المنافقين: {فَكَيْفَ إِذَآ أَصَـٰبَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} أي: فكيف بهم إذا ساقتهم المقادير إليك في مصائب تطرقهم بسبب ذنوبهم، واحتاجوا إليك في ذلك؟ {ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً} أي: يعتذرون إليك، ويحلفون ما أردنا بذهابنا إلى غيرك، وتحاكمنا إلى أعدائك، إلا الإحسان والتوفيق، أي: المداراة والمصانعة، لا اعتقاداً منا صحة تلك الحكومة؛ كما أخبرنا تعالى عنهم في قوله: {أية : فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَـٰرِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ} تفسير : ـ إلى قوله ـ {أية : فَيُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِىۤ أَنفُسِهِمْ نَـٰدِمِينَ} تفسير : [المائدة: 52]. وقد قال الطبراني: حدثنا أبو زيد أحمد بن يزيد الحوطي، حدثنا أبو اليمان، حدثنا صفوان بن عمرو عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان أبو برزة الأسلمي كاهناً يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه، فتنافر إليه ناس من المشركين، فأنزل الله عز وجل: { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ} ـ إلى قوله ـ {إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً}. ثم قال تعالى: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِى قُلُوبِهِمْ} هذا الضرب من الناس هم المنافقون، والله يعلم ما في قلوبهم، وسيجزيهم على ذلك؛ فإنه لا تخفى عليه خافية، فاكتف به يا محمد فيهم، فإنه عالم بظواهرهم وبواطنهم. ولهذا قال له: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} أي: لا تعنفهم على ما في قلوبهم {وَعِظْهُمْ} أي: وانههم عما في قلوبهم من النفاق وسرائر الشر، {وَقُل لَّهُمْ فِىۤ أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً} أي: وانصحهم فيما بينك وبينهم بكلام بليغ رادع لهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : ونزل لما اختصم يهودي ومنافق فدعا المنافق إلى كعب بن الأشرف ليحكم بينهما ودعا اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأتياه فقضى لليهودي فلم يرضَ المنافق وأتيا عمر فذكر له اليهودي ذلك فقال للمنافق أكذلك؟ فقال نعم فقتله {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى ٱلطَّٰغُوتِ } الكثير الطغيان وهو كعب بن الأشرف {وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ } ولا يوالوه {وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَٰلاً بَعِيداً } عن الحق.

الشوكاني

تفسير : قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ } فيه تعجيب لرسول الله من حال هؤلاء الذين ادعوا لأنفسهم أنهم قد جمعوا بين الإيمان بما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو: القرآن، وما أنزل على من قبله من الأنبياء، فجاءوا بما ينقض عليهم هذه الدعوى ويبطلها من أصلها، ويوضح أنهم ليسوا على شيء من ذلك أصلاً، وهو إرادتهم التحاكم إلى الطاغوت، وقد أمروا فيما أنزل على رسول الله، وعلى من قبله أن يكفروا به، وسيأتي بيان سبب نزول الآية، وبه يتضح معناها. وقد تقدّم تفسير الطاغوت، والاختلاف في معناه. قوله: {وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَـٰنُ } معطوف على قوله: {يُرِيدُونَ } والجملتان مسوقتان لبيان محل التعجب، كأنه قيل: ماذا يفعلون؟ فقيل: يريدون كذا، ويريد الشيطان كذا. وقوله: {ضَلاَلاً } مصدر للفعل المذكور بحذف الزوائد كقوله: {أية : وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مّنَ ٱلأرْضِ نَبَاتاً }تفسير : [نوح: 17] أو مصدر لفعل محذوف دلّ عليه الفعل المذكور، والتقدير: ويريد الشيطان أن يضلهم فيضلون ضلالاً. والصدود: اسم للمصدر، وهو الصدّ عند الخليل، وعند الكوفيين أنهما مصدران، أي: يعرضون عنك إعراضاً. قوله: {فَكَيْفَ إِذَا أَصَـٰبَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } بيان لعاقبة أمرهم، وما صار إليهم حالهم، أي: كيف يكون حالهم {إِذَا أَصَـٰبَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ } أي: وقت إصابتهم، فإنهم يعجزون عند ذلك، ولا يقدرون على الدفع. والمراد: {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } ما فعلوه من المعاصي التي من جملتها التحاكم إلى الطاغوت {ثُمَّ جَاءوكَ } يعتذرون عن فعلهم، وهو عطف على {أَصَـٰبَتْهُمْ } وقوله: {يَحْلِفُونَ } حال، أي: جاءوك حال كونهم حالفين {إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً } أي: ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك إلا الإحسان لا الإساءة، والتوفيق بين الخصمين لا المخالفة لك. وقال ابن كيسان: معناه: ما أردنا إلا عدلاً، وحقاً مثل قوله: {أية : وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ ٱلْحُسْنَىٰ } تفسير : [التوبة: 107] فكذبهم الله بقوله: {أُولَـئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِى قُلُوبِهِمْ } من النفاق والعداوة للحق. قال الزجاج: معناه: قد علم الله أنهم منافقون {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } أي: عن عقابهم. وقيل عن قبول اعتذارهم: {وَعِظْهُمْ } أي: خوّفهم من النفاق {وَقُل لَّهُمْ فِى أَنفُسِهِمْ } أي: في حق أنفسهم. وقيل: معناه: قل لهم خالياً بهم ليس معهم غيرهم {قَوْلاً بَلِيغاً } أي: بالغاً في وعظهم إلى المقصود مؤثراً فيهم، وذلك بأن توعدهم بسفك دمائهم، وسبي نسائهم، وسلب أموالهم {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ } «من» زائدة للتوكيد {إلاَّ لِيُطَاعَ } فيما أمر به ونهى عنه {بِإِذُنِ ٱللَّهِ } بعلمه. وقيل بتوفيقه: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } بترك طاعتك، والتحاكم إلى غيرك {جَاءوكَ } متوسلين إليك متنصلين عن جناياتهم، ومخالفتهم {فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ } لذنوبهم، وتضرعوا إليك حتى قمت شفيعاً لهم، فاستغفرت لهم، وإنما قال: {وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ } على طريقة الالتفات لقصد التفخيم لشأن الرسول صلى الله عليه وسلم {لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً } أي: كثير التوبة عليهم والرحمة لهم. قوله: {فَلاَ وَرَبّكَ }.قال ابن جرير: قوله: {فَلا } ردّ على ما تقدم ذكره، تقديره فليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك، وما أنزل من قبلك، ثم استأنف القسم بقوله: {وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ } وقيل: إنه قدّم «لا» على القسم اهتماماً بالنفي، وإظهاراً لقوته، ثم كرره بعد القسم تأكيداً، وقيل: لا مزيدة لتأكيد معنى القسم لا لتأكيد معنى النفي، والتقدير: فوربك لا يؤمنون، كما في قوله: {أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوٰقِعِ ٱلنُّجُومِ }تفسير : [الواقعة: 75] {حَتَّىٰ يُحَكّمُوكَ } أي: يجعلوك حكماً بينهم في جميع أمورهم لا يحكمون أحداً غيرك وقيل: معناه: يتحاكمون إليك، ولا ملجىء لذلك {فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } أي: اختلف بينهم واختلط، ومنه الشجر لاختلاف أغصانه، ومنه قول طرفة:شعر : وهم الحكام أرباب الهـدى وسعاة الناس في الأمر الشجر تفسير : أي: المختلف، ومنه: تشاجر الرماح، أي: اختلافها {ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مّمَّا قَضَيْتَ } قيل: هو معطوف على مقدّر ينساق إليه الكلام، أي: فتقضي بينهم، ثم لا يجدوا. والحرج: الضيق، وقيل: الشك، ومنه قيل للشجر الملتفّ: حرج وحرجة، وجمعها حراج. وقيل: الحرج: الإثم، أي: لا يجدون في أنفسهم إثماً بإنكارهم ما قضيت {وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً } أي: ينقادوا لأمرك، وقضائك انقياداً لا يخالفونه في شيء. قال الزجاج: {تَسْلِيماً } مصدر مؤكد، أي: ويسلمون لحكمك تسليماً لا يدخلون على أنفسهم شكاً، ولا شبهة فيه. والظاهر أن هذا شامل لكل فرد في كل حكم، كما يؤيد ذلك قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } فلا يختص بالمقصودين بقوله: {يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى ٱلطَّـٰغُوتِ } وهذا في حياته صلى الله عليه وسلم، وأما بعد موته، فتحكيم الكتاب والسنة، وتحكيم الحاكم بما فيهما من الأئمة والقضاة إذا كان لا يحكم بالرأي المجرد مع وجود الدليل في الكتاب والسنة، أو في أحدهما. وكان يعقل ما يردّ عليه من حجج الكتاب والسنة، بأن يكون عالماً باللغة العربية، وما يتعلق بها من نحو وتصريف ومعاني وبيان عارفاً بما يحتاج إليه من علم الأصول، بصيراً بالسنة المطهرة، مميزاً بين الصحيح وما يلحق به، والضعيف وما يلحق به، منصفاً غير متعصب لمذهب من المذاهب، ولا لنحلة من النحل، ورعاً لا يحيف، ولا يميل في حكمه، فمن كان هكذا فهو قائم في مقام النبوّة، مترجم عنها، حاكم بأحكامها. وفي هذا الوعيد الشديد ما تقشعر له الجلود، وترجف له الأفئدة، فإنه أوّلاً أقسم سبحانه بنفسه مؤكداً لهذا القسم بحرف النفي بأنهم لا يؤمنون، فنفى عنهم الإيمان الذي هو رأس مال صالحي عباد الله، حتى تحصل لهم غاية هي تحكيم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لم يكتف سبحانه بذلك حتى قال: {ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مّمَّا قَضَيْتَ } فضم إلى التحكيم أمراً آخر، وهو عدم وجود حرج، أي: حرج في صدورهم، فلا يكون مجرد التحكيم، والإذعان كافياً حتى يكون من صميم القلب عن رضاً واطمئنان وانثلاج قلب وطيب نفس، ثم لم يكتف بهذا كله، بل ضمّ إليه قوله: {وَيُسَلّمُواْ } أي: يذعنوا، وينقادوا ظاهراً وباطناً، ثم لم يكتف بذلك، بل ضم إليه المصدر المؤكد، فقال: {تَسْلِيماً } فلا يثبت الإيمان لعبد حتى يقع منه هذا التحكيم، ولا يجد الحرج في صدره بما قضي عليه، ويسلم لحكم الله وشرعه، تسليماً لا يخالطه ردّ، ولا تشوبه مخالفة. وقد أخرج ابن أبي حاتم، والطبراني بسند قال السيوطي: صحيح عن ابن عباس، قال: كان برزة الأسلمي كاهناً يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه، فتنافر إليه ناس من المسلمين، فأنزل الله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ } الآية. وأخرج ابن إسحاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه قال: كان الجلاس بن الصامت قبل توبته، ومعقب بن قشير، ورافع بن زيد، كانوا يدّعون الإسلام، فدعاهم رجال من قومهم من المسلمين في خصومة كانت بينهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعوهم إلى الكهان حكام الجاهلية، فنزلت الآية المذكورة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله: {يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى ٱلطَّـٰغُوتِ } قال: الطاغوت رجل من اليهود كان يقال له: كعب بن الأشرف، وكانوا إذا ما دعوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ليحكم بينهم قالوا: بل نحاكمكم إلى كعب، فنزلت الآية. وأخرج ابن جرير، عن الضحاك مثله. وأخرج البخاري، ومسلم، وأهل السنن، وغيرهم عن عبد الله بن الزبير: أن الزبير خاصم رجلاً من الأنصار قد شهد بدراً مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله في شراج من الحرّة، وكانا يسقيان به كلاهما النخل. فقال الأنصاري: سرح الماء يمرّ، فأبى عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك"تفسير : ، فغضب الأنصاري، وقال يا رسول الله آن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: "حديث : اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، ثم أرسل الماء إلى جارك"تفسير : ، واستوعى رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير حقه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه سعة له وللأنصاري، فلما أحفظ رسول الله الأنصاري. استوعى للزبير حقه في صريح الحكم، فقال الزبير: ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك {فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ }. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، من طريق ابن لهيعة عن الأسود: أن سبب نزول الآية أنه اختصم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان، فقضى بينهما، فقال المقضيّ عليه: ردنا إلى عمر، فردهما، فقتل عمر الذي قال ردّنا، ونزلت الآية، فأهدر النبي صلى الله عليه وسلم دم المقتول، وأخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن مكحول، فذكر نحوه، وبين أن الذي قتله عمر كان منافقاً، وهما مرسلان، والقصة غريبة، وابن لهيعة فيه ضعف.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوآ أَن يَكْفُرواْ بِهِ} اختلف فيمن نزلت هذه الآية على قولين: أحدهما: أنها نزلت في رجل من المنافقين ورجل من اليهود كان بينهما خصومة، فقال اليهودي: أحاكمك إلى أهل دينك لأني أعلم أنهم لا يقبلون الرشوة، وقال المنافق: أحاكمك إلى اليهود منهم كعب بن الأشرف، لأنه علم أنهم يقبلون الرشوة، فاصطلحا أن يتحاكما إلى كاهن من جهينة، فأنزل الله فيهما هذه الآية {أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ} يعني المنافق {وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ} يعني اليهودي. {يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ} يعني الكاهن، وهذا قول الشعبي ومجاهد. والثاني: أنها نزلت في رجلين من بني النضير وبني قريظة، وكانت بنو قريظة في الجاهلية إذا قتلت رجلاً من بني النضير أقادوا من القاتل، وكانت بنو النضير في الجاهلية إذا قتلت رجلاً من بني قريظة لم تَقُد من القاتل وأعطوا ديته ستين وَسْقاً من تمر، فلما أسلم ناس من بني قريظة وبني النضير، قتل رجل من بني النضير رجلاً من بني قريظة فتحاكمواْ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النَّضِيِرِيُّ لرسول الله: إنا كنَّا في الجاهلية نعطيهم الدية ستين وَسَقاً من تمر، فنحن نعطيهم اليوم ذلك، وقالت بنو قريظة: نحن إخوان في النسب والدين وإنما كان ذلك عليه الجاهلية وقد جاء الإسلام، فأنزل الله تعالى يعيِّرهم بما فعلواْ {أية : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} تفسير : [المائدة:45]، ثم ذكر قول بني النضير {أية : أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} تفسير : [المائدة: 50] ثم أَخَذَ النَّضِيرِيَّ فقتله بالقرظي، فتفاخرت النضير وقريظة ودخلواْ المدينة، فتحاكموا إلى أبي بردة الأسلمي الكاهن، فأنزل الله في ذلك {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُم ءَامَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ} تفسير : [النساء:60] يعني في الحال، {وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ} يعني حين كانوا يهوداً. {يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ} يعني أبا بردة الأسلمي الكاهن، وهذا قول السدي. قوله تعالى: {فَكَيفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةُ..} الآية في سبب نزولها قولان: أحدهما: أن عمر قتل منافقاً لم يرض بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء إخوانه من المنافقين يطالبون بدمه، وحلفواْ بالله أننا ما أردنا في المطالبة بدمه إلا إحساناً إلى النساء، وما يوافق الحق في أمرنا. والثاني: أن المنافقين بعد القَوَدِ من صاحبهم اعتذرواْ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في محاكمتهم إلى غيره بان قالواْ ما أردنا في عدولنا عنك إلا توفيقاً بين الخصوم وإحساناً بالتقريب في الحكم دون الحمل على مُرّ الحق، فنزلت هذه الآية. قوله تعالى: {أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ مَا فِي قُلُوبِهِم} يعني من النفاق الذي يضمرونه. {فَأَعْرِضْ عَنهُم وَعِظْهُم} وفي الجمع بين الإعراض والوعظ مع تنافي اجتماعهما في الظاهر - ثلاثة أوجه: أحدها: أعرض عنهم بالعداوة لهم وعِظهم فيما بدا منهم. والثاني: أعرض عن عقابهم وعظهم. والثالث: أعرض عن قبول الأعذار منهم وعظهم. {وَقُل لَّهُم فِي أَنْفُسِهِم قَوْلاً بَلِيغاً} فيه قولان: أحدهما: أن يقول لهم: إن أظهرتم ما في قلوبكم قتلكم، فإنه يبلغ من نفوسهم كل مبلغ، وهذا قول الحسن. والثاني: أن يزجرهم عما هم عليه بأبلغ الزواجر.

ابن عطية

تفسير : تقول العرب: زعم فلان كذا، في الأمر الذي يضعف فيه التحقيق وتتقوى فيه شبه الإبطال، فغاية درجة الزعم إذا قوي أن يكون مظنوناً، يقال: "زَعم" بفتح الزاي وهو المصدر، "وزُعم" بضمها وهو الاسم وكذلك زعم المنافقين أنهم مؤمنون، هو مما قويت فيه شبهة الإبطال لسوء أفعالهم، حتى صححها الخبر من الله تعالى عنهم، ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : بئس مطية الرجل زعموا" تفسير : وقد قال الأعشى: [المتقارب] شعر : ونُبّئْتُ قَيْساً وَلَمْ أبْلُهُ كَمَا زَعَمُوا خَيْرَ أهْلِ الْيَمَنْ تفسير : فقال الممدوح: وما هو إلا الزعم وحرمه، وإذا قال سيبويه: زعم الخليل، فإنما يستعملها فيما انفرد الخليل به، وكان أقوى رتب "زعم" أن تبقى معها عهدة الخبر على المخبر، و "أن" معمولة لـ {يزعمون} وقال عامر الشعبي وغيره: نزلت الآية في منافق اسمه بشر، خاصم رجلاً من اليهود، فدعاه اليهودي إلى المسلمين لعلمه أنهم لا يرتشون، وكان هو يدعو اليهودي إلى اليهود لعلمه أنهم يرتشون، فاتفقا بعد ذلك على أن أتيا كاهناً كان بالمدينة فرضياه، فنزلت هذه الآية فيهما وفي صنفيهما، "فالذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل" على محمد هم المنافقون، "والذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل" من قبله هم اليهود، وكل قد أمر في كتابه بالكفر بالطاغوت، و {الطاغوت} هنا الكاهن المذكور، فهذا تأنيب للصنفين، وقال ابن عباس: {الطاغوت} هنا هو كعب بن الأشرف, وهو الذي تراضيا به, فعلى هذا إنما يؤنب صنف المنافقين وحده، وهم الذين آمنوا بما أنزل على محمد وبما أنزل من قبله بزعمهم، لأن اليهود لم يؤمروا في شرعهم بالكفر بالأحبار، وكعب منهم، وذكر النقاش: أن كعباً هذا أصله من طيىء وتهود، وقال مجاهد: نزلت في مؤمن ويهودي، وقالت فرقة: نزلت في يهوديين. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذان القولان بعيدان من الاستقامة على ألفاظ الآية، وقال السدي: نزلت في المنافقين من قريظة والنضير، وذلك أنهم تفاخروا بسبب تكافؤ دمائهم، إذ كانت النضير في الجاهلية تدي من قتلت، وتستقيد إذا قتلت قريظة منهم، فأبت قريظة لما جاء الإسلام، وطلبوا المنافرة، فدعا المؤمنون منهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ودعا المنافقون إلى أبي بردة الكاهن، فنزلت الآية فيهم، وحكى الزجّاج: أن المنافق المتقدم الذكر أو غيره اختصم عند النبي صلى الله عليه وسلم فقضى في أمره، فخرج وقال لخصمه: لا أرضى بحكمه، فذهبا إلى أبي بكر فقضى بينهما، فقال المنافق: لا أرضى، فذهبا إلى عمر فوصفا له جميع ما فعلا، فقال لهما: اصبرا حتى أقضي حاجة في منزلي ثم أخرج فأحكم بينكما، فدخل وأخذ سيفه وخرج، فضرب المنافق حتى برد، وقال: هذا حكمي فيمن لم يرض بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية، وقال الحسن: احتكم المنافقون بالقداح التي يضرب بها عند الأوثان فنزلت الآية. و {يضلهم} معناه: يتلفهم، وجاء {ضلالاً} على غير المصدر تقديره: "فيضلون ضلالاً"، و {بعيداً} عبارة عن عظم الضلال وتمكنه حتى يبعد الرجوع عنه والاهتداء معه. وقرأ الجمهور "تَعالَوا" بفتح اللام، وقرأ الحسن فيما روى عنه قتادة "تعالُوا" بضمة، قال أبو الفتح: وجهها أن لام الفعل من "تعاليت" حذفت تخفيفاً، وضمت اللام التي هي عين الفعل، وذلك لوقوع واو الجمع بعدها، كقولك: تقدموا وتأخروا، وهي لفظة مأخوذة من العلو، لما استعملت في دعاء الإنسان وجلبه وأشخاصه، سيقت من العلو تحسيناً للأدب، كما تقول: ارتفع إلى الحق، ونحوه، و {رأيت} هي رؤية عين لمن صد من المنافقين مجاهرة وتصريحاً، وهي رؤية قلب لمن صد منهم مكراً وتخابثاً ومسارقة حتى لا يعلم ذلك منه إلا بالتأويل عليه والقرائن الصادرة عنه، فإذا كانت رؤية عين فـ {يصدون} في موضع نصب على الحال، وإذا كانت رؤية قلب فـ {يصدون} نصب على المفعول الثاني، و {صدوداً} مصدر عند بعض النحاة من صد، وليس عند الخليل بمصدر منه، والمصدر عنده "صداً" وإنما ذلك لأن فعولاً إنما هو مصدر للأفعال غير المتعدية، كجلس جلوساً، وقعد قعوداً و"صد" فعل متعد بنفسه مرة كما قال: {أية : فصدهم عن السبيل} تفسير : [النمل: 24- العنكبوت:38]، ومرة بحرف الجر كقوله تعالى: {يصدون عنك صدوداً} وغيره، فمصدره: صد، و {صدوداً} اسم.

ابن عبد السلام

تفسير : {الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ} نزلت في يهودي وأنصاري منافق اختصما فطلب اليهودي المحاكمة إلى أهل الإسلام، لعلمه أنهم لا يرتشون وطلب المنافق المحاكمة إلى اليهود لعلمه أنهم يرتشون، فاصطلحا أن يتحاكما إلى كاهن من جهينة {يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ} أي المنافق، {وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ} اليهودي، أو نزلت في اليهود، تحاكموا إلى أبي بردة الأسلمي الكاهن. {ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ} في الحال {وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ} حين كانوا يهوداً و{الطَّاغُوتِ} الكاهن.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {ألم تر الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به} قال ابن عباس: نزلت في رجل من المنافقين يقال له بشر كان بينه وبين يهودي خصومة فقال اليهودي ننطلق إلى محمد وقال المنافق بل ننطلق إلى كعب بن الأشرف وهو الذي سماه الله الطاغوت فأبى اليهودي أن يخاصمه إلاّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأى المنافق ذلك أتى معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لليهودي. فلما خرجا من عنده لزمه المنافق وقال انطلق بنا إلى عمر فأتيا عمر فقال اليهودي اختصمت أنا وهذا إلى محمد فقضى لي عليه فلم يرض بقضائه وزعم أنه مخاصمي إليك فقال عمر للمنافق أكذلك قال؟ قال نعم فقال لهما عمر: رويداً حتى أخرج إليكما فدخل عمر البيت وأخذ السيف واشتمل عليه ثم خرج فضرب به المنافق حتى برد وقال: هكذا أقضي بين من لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله فنزلت هذه الآية وقال جبريل إن عمر فرق بين الحق والباطل فسمي الفاروق. وقال السدي كان ناس من اليهود قد أسلموا ونافق بعضهم وكانت قريظة والنضير في الجاهلية وكانت قريظة حلفاء الخزرج والنضير حلفاء الأوس وكان إذا قتل رجل من بني قريظة رجلاً من بني النضير قتل به أو أخذت ديته مائة وسق من تمر، وإذا قتل رجل من بني النضير رجلاً من قريظة لم يقتل به وأعطى ديته ستين وسقاً فلما جاء الإسلام وهاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة قتل رجل من النضير رجلاً من قريظة فاختصموا في ذلك فقال بنوا النضير كنا وأنتم قد اصطلحنا على أن نقتل منكم ولا تقتلوا منا وديتنا مائة وسق وديتكم ستون وسقاً فنحن نعطيكم ذلك فقالت الخزرج هذا شيء كنتم فعلتموه في الجاهلية لكثرتكم وقلتنا فقهرتمونا على ذلك، فاليوم نحن إخوة في الدين فلا فضل لكم علينا فقال المنافقون منهم ننطلق إلى أبي بردة الكاهن الأسلمي وقال المسلمون من الفريقين بل ننطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأبى المنافقون وانطلقوا إلى أبي بردة الكاهن ليحكم بينهم فقال أطعموا اللقمة يعني الخطر فقالوا لك عشرة أوسق فقال لا بل مائة وسق ديتي فأبوا أن يعطوه إلاّ عشرة أوسق وأبى أن يحكم بينهم فأنزل الله عز وجل آيتي القصاص وأنزل هذه الآية: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} الزعم والزعم بضم الزاي وفتحها لغتان وأكثر ما يستعمل الزعم بمعنى القول الذي لا يتحقق. وقيل هو حكاية قول يكون مظنة للكذب ولذلك قيل زعم مطية الكذب والمراد به في هذه الآية الكذب لأن الآية نازلة في المنافقين وظاهر الآية يدل على أنها نازلة في الذين نافقوا من مؤمني أهل الكتاب ويدل عليه قوله آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يرون أن يتحاكموا إلى الطاغوت يعني كعب بن الأشرف في قول ابن عباس سماه الله طاغوتاً لأفراطه في الطغيان وعداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل هو أبو بردة الكاهن في قول السدي وقد أمروا أن يكفروا به يعني بالطاغوت لأن الكفر بالطاغوت إيمان بالله عز وجل: {يريد الشيطان أن يضلهم} يعني عن طريق الهدى والحق {ضلالاً بعيداً}.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ...} الآية: تقولُ العربُ: زَعَمَ فُلاَنٌ كَذَا؛ في الأَمْرِ الذي يَضْعُفُ فيه التحقيقُ، وغايةُ دَرَجَةِ الزَّعْم إذا قَوِيَ: أنْ يكون مظْنُوناً، وإذا قال سِيبَوَيْه: زَعَمَ الخَلِيلُ، فإنما يستعملُها فيما ٱنْفَرَدَ الخَلِيلُ به؛ وكَأَنَّ أقْوَىٰ رُتَبِ «زَعَمَ» أنْ تبقَىٰ معها عُهْدة الخَبَر على المُخْبِرِ. قال عامرٌ الشَّعبيُّ: نزلَتِ الآيةُ في منافِقٍ ٱسْمُهُ بِشْرٌ، خاصَمَ رجلاً من اليهودِ، فدعاه اليهوديُّ إلى المُسْلِمِينَ؛ لعلمه أنهم لاَ يَرْتَشُونَ، وكان المنافِقُ يدعو اليهودِيَّ إلى اليهودِ؛ لعلمه أنَّهم يرتَشُونَ، فَٱتَّفَقَا بَعْدَ ذلك علَىٰ أنْ أَتَيَا كَاهِناً كَانَ بالمدينةِ، فَرَضِيَاهُ، فنزَلَتْ هذه الآيةُ فيهما، وفي صِنْفَيْهِمَا، فالذينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنوا بما أنزل علَىٰ محمَّد ـــ عليه السلام ـــ هم المنافِقُونَ، والذين يَزْعُمُونَ أنهم آمنوا بما أُنْزِلَ من قبله هم اليهودُ، وكلٌّ قد أُمِرَ في كتابه بالكُفْر بالطَّاغوت، والطَّاغُوتُ هُنَا الكَاهِنُ المذْكُور، فهذا تأنيبٌ للصِّنْفَيْنِ. وقال ابنُ عبَّاس: الطَّاغُوتُ هنا هو كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وهو الذي تراضَيَا به، وقيل غير هذا. وقوله: {رَأَيْتُ}، هي رؤْيَةُ عَيْنٍ لمن صَدَّ من المنافقين مجاهَرَةً وتصريحاً، وهي رؤيةُ قَلْبٍ لِمَنْ صَدَّ منهم مكْراً وتخابُثاً ومُسَارَقَةَ حتى لاَ يُعْلَمَ ذلك مِنْه إلا بالقرائِنِ الصَّادِرَةِ عنه. وقوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا أَصَـٰبَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ}، قالت فرقة: هي في المنافقينَ الَّذين ٱحتَكَموا؛ حَسْبَمَا تقدَّم، فالمعنَىٰ: فكَيْفَ بهم إذا عاقَبَهُمُ اللَّه بهذه الذُّنوب بنِقْمَةٍ منه، ثم حَلَفُوا، إنْ أردْنَا بالاحتكامِ إلى الطَّاغُوتِ إلاَّ توفيقَ الحُكْمِ وتقريبَهُ. وقوله تعالى: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ}: تكذيبٌ لهم وتوعُّد، أي: فهو سبحانَهُ مجازيهم، فأَعْرِضْ عنهم، وعظْهم بالتَّخْوِيفِ مِنْ عذابِ اللَّه وغيره من المَوَاعظ. وقوله سبحانه: {وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ}. قال * ص *: أي: قل لهم خالياً بِهِمْ؛ لأنَّ النُّصْح، إذا كان في السِّرِّ، كان أَنْجَحَ، أو: قُلْ لهم في حال أنفُسِهِمُ النَّجِسَةِ المنطويةِ على النِّفاق قولاً يَبْلُغُ منهم الزَّجْر عن العَوْد إلَىٰ ما فَعَلوا. انتهى. واختلف في «القَوْلِ البَلِيغِ»، فقيل: هو الزجْرُ والردْعُ والكَفُّ بالبَلاَغَةِ من القَوْل، وقيل: هو التوعُّد بالقَتْل، إن ٱستداموا حالة النِّفَاق؛ قاله الحسن، وهذا أبْلَغُ ما يكون في نُفُوسهم، والبَلاَغَةُ مأخوذةٌ من بُلُوغ المراد بالقَوْل.

ابن عادل

تفسير : لما أوْجَب الطَّاعَة على جميع المُكَلَّفين في الآيةِ الأولَى، ذكر في هذه الآيةِ أن المُنَافقين والذين في قُلُوبهم مَرَضٌ لا يُطيعُون الرَّسُولَ، ولا يَرْضُونَ بحُكْمِهِ، وإنما يُريدُون حُكْمَ غيره، و "الزَّعم" بفتح الزَّاي وضمها وكسرها مصدر زَعَم، وهو قَوْل يَقْتَرِنُ به اعتِقَادٌ ظَنِّيٌّ؛ قال: [الطويل] شعر : 1814- فَإنْ تَزْعُمينِي كُنْتُ أجْهَلُ فِيكُمُ فَإنِّي شَرَيْتُ الْحِلْمَ بَعْدَكَ بِالجَهْلِ تفسير : قال ابنُ دُرَيْد: أكثرُ ما يَقَعُ على البَاطِلِ، وقال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ زَعَمُوا ". تفسير : وقال الأعْشى: [المتقارب] شعر : 1815- وَنُبِّئْتُ قَيْساً وَلَمْ أبْلُهُ كَمَا زَعَمُوا خَيْرَ أهْلِ الْيَمَنْ تفسير : فقال المَمْدُوح: وما هُو إلا الزَّعْم، وحَرَمَهُ ولم يُعْطِه شَيْئاً، وذكر صَاحِبُ العين أنَّها تَقَع غَالِباً [على "أنَّ"] وقد تَقَعُ في الشِّعْر على الاسْمِ، وأنشد بيت أبي ذُؤيْب، وقول الآخر: [الخفيف] شعر : 1816- زَعَمَتْنِي شَيْخاً وَلَسْتُ بِشَيْخٍ إنَّمَا الشَّيْخُ مَنْ يَدِبُّ دبِيبَا تفسير : قيل: ولا يُسْتَعْمَل في الأكْثَرِ إلا في القَوْلِ الذي لا يَتَحَقَّقُ. قال الليث: أهْل العَرَبيَّةِ يَقُولُون: زَعم فُلانٌ؛ إذَا شَكُّوا فيه فلم يَعْرِفُوا أكذبَ أمْ صَدَق؛ وكذلك تَفْسِير قوله: {أية : هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ} تفسير : [الأنعام: 136] أي: بقولهم الكَذِب. قال الأصْمَعِيّ: الزَّعُومُ من الغَنَم الذي لا يُعْرَفُ أبها شحم أم لا وقال ابن الأعْرَابِيّ: الزَّعْم قد يُسْتَعْمل في الحَقِّ، وأنشد لأميَّة بن أبي الصَّلْت: [المتقارب] شعر : 1817- وإنِّي أدينُ لَكُمْ أنَّهُ سَيَجْزيكُمُ رَبُّكُمْ مَا زَعَمْ تفسير : وزعم [تكُون] بمعنى: ظَنَّ وأخَوَاتِهَا، فيتعَدَّى لاثْنَيْنِ في هَذِه الآيَةِ، و "أنَّ" سادَّةٌ مَسَدَّ مفْعُوليها، وتكون بمعْنَى" "كَفَل" فتتعدى لِوَاحِدٍ؛ ومنه: {أية : وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ} تفسير : [يوسف: 72]، وبمعنى رَأس، وكذب وسَمُن، وهَزُلَ، فلا تتعَدَّى، وقرأ الجمهور: {أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ} مبنياً للمَفْعُول، وقُرِئا مبنيَّيْن للفاعِلِ، وهو اللَّه - تعالى -. فصل: سبب نزول الآية روي في سبب النُّزُولِ وُجُوه: أحدُها: قال الشَّعْبِي: كان بَيْنَ رَجُلٍ من اليَهُودِ ورَجُلٍ من المُنَافِقِين خُصُومَة، فقال اليَهُودِيّ: نتحاكمُ إلى مُحَمَّد؛ لأنه عَرَفَ أنَّهُ عَرَفَ أنَّهُ لا يأخُذ الرَّشْوَة، ولا يَمِيلُ في الحُكْمِ، وقال المُنَافِقُ: نتحَاكمُ إلى اليَهُودِِ؛ لِعْلِمه أنَّهم يأخذُون الرَّشْوَة ويميلُون في الحُكْمِ، فاتَّفَقَا على أن يَأتِيَا كَاهِناً في جُهَيْنَةَ، فَيَتَحَاكَمَا إلَيْه، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآية. قال جابر: كَانَتِ الطَّواغِيتُ التي يَتَحَاكَمُون إليها واحدٌ في جُهَيْنَة، ووَاحِدٌ في أسْلَم، وفي كُلِّ حَيٍّ واحدٌ كَهَّان. وروى الكَلْبِي عن أبِي صَالِح عن ابن عبَّاسٍ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ من المُنَافِقِين يُقال لَهُ: بشر، كان بَيْنَهُ وبَيْنَ يَهُودِيّ خُصُومَة، فقال اليَهُودِيّ: نَنْطَلِقُ إلى مُحَمَّد، وقال المُنَافِق: بل إلى كَعْبِ بن الأشْرَف، وهُوَ الذي سَمَّاهُ اللَّهُ طاغُوتاً، فأبَى اليَهُودِيُّ أن يُخَاصِمَه إلاَّ إلى رسُول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رَأى المُنَافِق ذَلِك، أتَى معه إلى رسُول الله صلى الله عليه وسلم، فَقَضَى رسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم لليهُودِيِّ، فلما خَرَجَا من عِنْدِه، قال المُنَافِقُ: لا أرْضَى [بهذا الحكم] فانْطلقْ بِنَا إلى أبِي بكْرٍ، فحكم لليَهُودِيِّ، فلم يَرْضَ، ذكره الزَّجَّاج. فَلَزِمَهُ المُنَافِقِ وقال: انْطلِقْ بَنَا إلى عُمَر، فَصَار إلى عُمَر، فقال اليَهُودِيُّ [لعمر] اخْتَصَمْتُ أنَا وهَذَا إلى محمَّدٍ، فقضى [لي] عليْهِ، فلم يَرْض بقَضَائِهِ، وزَعَم أنه يُخَاصم إلَيْكَ، فقال عمر: [للمُنَافِقِ] أكذلك؟ قال: نَعَم؛ فقال لهما: رُوَيْدَكُمَا حتى أخْرُجَ إلَيْكَما. فدخَلَ عُمَرُ البَيْتَ وأخذَ السَّيْفَ واشْتَمل عَلَيْه، ثم خَرَجَ، فَضَرَبَ بِهِ المُنَافِقَ حَتَّى برد، وقال: هكذا أقْضِي بَيْن مَنْ لَمْ يَرْضَ بِقَضَاء اللَّه ورسُولِهِ، فنَزَلَت هذه الآية. وقال جِبْريل - عليه السلام -: إن عُمَر فرّق بين الحقِّ والبَاطِلِ، فَسُمِّي الفَارُوق. وقال السُّدِّي: كان نَاسٌ من اليَهُود [قد] أسْلَمُوا ونَافَقَ بعضُهُم، وكانَتْ قُرَيْظَةُ والنَّضيرُ في الجَاهِليَّة، إذا قَتَلَ رَجُلٌ من بَنِي قُرَيْظَة [رَجُلاً من بني النَّضِير قُتِلَ بِهِ، أو أخذ ديتَهُ مئة وَسْقٍ من تَمْرٍ، وإذا قتل رَجُلٌ من بني النضير رَجُلاً من قُرَيْظة لم يُقْتَل بِهِ] وأعْطَى ديتهُ سِتِّين وسْقاً، وكانت النَّضِير وهم حُلَفَاءُ الأوْسِ أشْرَف وأكْثَر من قُرَيْظَة، وهم حُلَفَاءُ الخَزْرَج، فَلَمَّا جَاء الإسْلاَمُ، وهاجر النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إلى المَدِينَةِ قَتَل رجُلٌ من النَّضِير رَجُلاً من قُرَيْظَة، فاخْتَصَمُوا في ذَلِكَ، فقال بَنُو النَّضِير: كُنَّا وأنتم اصْطَلَحْنَا على أن نَقْتُل مِنكُم ولا تَقْتُلُون مِنَّا، وديتُكم سِتُّون وَسْقاً، وديَتُنَا مئةُ وَسْقٍ، فنحن نُعْطِيكُم ذَلِك. فقالت الخَزْرج: هذا شَيْءٌ كنتم فَعَلْتُمُوه في الجَاهِليَّةِ؛ لكَثْرَتِكُم وقِلَّتِنا فَقَهَرتُمُونا، ونحن وأنْتُم اليَوْم إخوةٌ، ودينُنَا ودِينُكُم وَاحِدٌ، فلا فَضْلَ لكُم عَلَيْنَا، فقال المُنَافِقُون مِنْهم: انْطَلِقُوا بِنَا إلى أبِي بردة الكَاهِن الأسْلمِيّ، وقال المُسْلِمُون من الفَريقَيْن: لا بلْ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فأبى المُنافِقُونَ فانْطَلَقُوا إلى أبِي بردة ليَحْكُمَ بَيْنَهُم، فقال: أعْطُوا اللُّقْمَة، يعني: الخطر، فقالوا: لَكَ عَشْرَة أوْسُق، فقال: لاَ بَلْ مئة وَسْقٍ ديَتِي، فأبَوْا أن يعطوهُ فوقَ عَشْرَة أوْسُق، فأبَى أنْ يَحْكُمَ بيْنَهُم، فأنزَلَ اللَّه - تعالى - آيتي القِصَاصِ، فدَعَا النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم الكَاهِن إلى الإسْلامِ فأسْلَمَ، وعلى هذه الرِّوَايَة فالطَّاغُوتُ هو الكَاهِن. وقال الحَسَن: إن رَجُلاً من المُسْلِمِينِ كان لَهُ على رَجُلٍ من المُنَافِقِين حَقٌّ، فدَعَاهُ المُنَافِقُ إلى وَثَنٍ كان أهْلُ الجَاهِليَّةِ يَتَحَاكَمُون إلَيْهِ، ورَجُلٌّ قائِمَ يترجَّم الأبَاطيلَ عن الوثَنِ، فالمُرَادُ بالطَّاغُوتِ؛ هو ذَلِكَ الرَّجُل، وقيلَ: كانوا يَتَحَاكَمُون إلى الأوْثَانِ، وكانَ طَريقُهم [أنهم] يَضْرِبُونَ القِدَاحَ بِحَضْرَةِ الوَثَنِ، فما خَرَجَ على القِدَاحِ حَكَمُوا بِهِ، وعلى هَذَا فالطَّاغُوتُ الوَثَنِ. قال أبو مُسْلِم: ظاهر الآيَةِ يَدُلُّ على أنه كان المُخَاصِمُ منافِقاً من أهْلِ الكِتَاب، كان يُظهر الإسْلامَ عَلَى سبيل النِّفَاقِ، لأن قوله - تعالى -: {يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ} إنما يليقُ بمثل هذا المُنافِقِ. قوله: {يُرِيدُونَ} حال من فَاعِل [{يَزْعُمُونَ} أو من {ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ}. وقوله: {وَقَدْ أُمِرُوۤاْ} حال من فَاعِل] {يُرِيدُونَ} فهما حالان مُتَدَاخِلان، {أَن يَكْفُرُواْ} في مَحَلِّ نَصْب فقط إن قدَّرْت تعدية "أمر" إلى الثَّانِي بِنَفْسِه، وإلا ففيها الخِلاَفُ المَشْهُور، والضَّمِير في [بِهِ] عَائِدٌ على الطَّاغُوتِ، وقد تقدَّم أنه يُذَكَّر ويُؤنَّث، والكلام عليه في البَقَرة. وقرأ عبَّاس بن الفضل: "أن يكفروا بهن"، بضمير جَمْع التَّأنيث. فصل قال القاضي: يَجِبُ أن يَكُونَ التحَاكُم إلى الطَّاغُوتِ كالكُفرِ، وعدم الرِّضَى [بِحُكْمِ] مُحَمَّد - عليه السلام - كُفْرٌ؛ لوجوه: أحدها: قوله: {يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ} فجعل التَّحاكم [إلى لطَّاغُوت] مقابلاً للكُفْر به، وهذا يَقْتَضِي أن التَّحَاكُم إلى الطَّاغُوت كُفْر باللَّه، كما أن الكُفْرَ بالطَّاغُون إيمانٌ باللَّهِ. ثانيها: قوله - [تعالى] -: {أية : فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} تفسير : [النساء: 65] وهذا نَصٌّ في تكْفِير من لَمْ يَرْضَ بحُكْم الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام -. وثالثها: قوله - تعالى -: {أية : فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} تفسير : [النور: 63] وهذه الآياتُ تَدُلُّ على أنَّ من رَدَّ شيئاً من أوَامِرِ اللَّه والرَّسُول فهُو خَارِجٌ عن الإسْلام، سواءٌ رَدَّهُ من جِهَةِ الشِّرْكِ أو من جِهَةِ التَّمَرُّد، وذلك يُوجِبُ صِحَّة ما ذَهَبَتْ إليه الصَّحَابَة - رضي الله عنهم - من الحُكْمِ بارْتِدَادِ مَانِعِي الزَّكاة، وقَتْلِهم، وسَبْي ذراريهم. قوله: {أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً} في {ضَلاَلاً} ثلاثة أقوال: أحدُها: أنه مصْدَرٌ على غير المَصْدَر، نحو: {أية : أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً} تفسير : [نوح: 17]، والأصْل "إضلالاً" و "إنباتاً" فهو [اسْم] مصدر لا مَصْدَر. والثاني: أنه مَصْدَر لمطَاوع {أَضَلَّ} أي: أضَلَّهُم فَضَلُّوا ضَلاَلاً. والثالث: أن يَكُون من وَضْعِ أحد المَصْدَرَيْن مَوْضِع الآخَر. فصل قالت المعتزِلَةُ: قوله - تعالى -: {وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً} يدُلُّ على أن كُفْر الكَافِرِ ليس بِخَلْق [الله - تعالى -] ولا بإرَادَته؛ لأنه لو خَلَقَ الكُفْر في الكَافِرِ وأرَادَهُ منه، فأيُّ تأثيرٍ للشَّيْطَانِ فيه، وأيضاً فإنَّه ذَمٌّ للشيطان؛ بسبب أنَّه يُريد هذه الضَّلالة، فلو كان - تعالى - مُرِيداً لها، لَكَانَ هُو بالذَّمِّ أوْلى، لأن [كُلَّ] من عابَ شيئاً ثم فَعلَهُ، كان بالذَّمِّ أوْلَى به؛ قال - تعالى -: {أية : كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} تفسير : [الصف: 3] وأيضاً فإنَّه تعَجُّبٌ من تحاكُمِهِم إلى الطَّاغُوتِ، مع أنَّهمُ أمِرُوا أن يَكْفُرُوا به، ولو كَانَ ذلك التَّحاكُم بِخَلْقِ اللَّهِ، لما بقي التَّعَجُّب، فإنه يُقالُ: إنك خَلَقْتَ ذلك الفِعْلَ فيهم، وأرَدْتَهُ مِنْهُم، بل التَّعَجُّب من هذا التَّعَجُّب [هو] أولى. وجوابُهم المُعارضَة بالعِلْم والدَّاعِي.

البقاعي

تفسير : ولما كان التقدير - كما أفهمه آخر الآية وأشعر به أولها بعد أن جمع الخلق على طاعته بالطريق الذي ذكره: فمن أبى ذلك فليس بمؤمن، دل عليه بقوله معجباً مخاطباً لأكمل الخلق الذي عرفه الله المنافقين في لحن القول: {ألم تر} وأشار إلى بعدهم عن على حضرته بقوله: {إلى الذين} وإلى كذبهم ودوام نفاقهم بقوله: {يزعمون أنهم آمنوا} أي أوجدوا هذه الحقيقة وأوقعوها في أنفسهم {بما أنزل إليك} ودل على أن هذا الزاعم المنافق كان من أهل الكتاب قبل ادعاء الإسلام بقوله: {وما} أي ويزعمون أنهم آمنوا بما {أنزل من قبلك} أي من التوراة والإنجيل، قال الأصبهاني: ولا يستعمل - أي الزعم - في الأكثر إلا في القول الذي لا يتحقق، يقال: زعم فلان - إذا شك فيه فلم يعرف كذبه أو صدقه، والمراد أن هؤلاء قالوا قولاً هو عند من لا يعلم البواطن أهل لأن يشك فيه بدليل أنهم {يريدون أن يتحاكموا} أي هم وغرماؤكم {إلى الطاغوت} أي إلى الباطل المعرق في البطلان {وقد} أي والحال أنهم قد {أمروا} ممن له الأمر {أن يكفروا به} في كل ما أنزل من كتابك وما قبله، ومتى تحاكموا إليه كانوا مؤمنين به كافرين بالله, وهو معنى قوله: {ويريد الشيطان} بإرادتهم ذلك التحاكم {أن يضلهم} أي بالتحاكم إليه {ضلالاً بعيداً *} بحيث لا يمكنهم معه الرجوع إلى الهدى. وهذه الآية سبب تسمية عمر رضي الله عنه بالفاروق لضربه عنق منافق لم يرض بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة ذكرها الثعلبي من رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما. ولما ذكر ضلالهم بالإرادة ورغبتهم في التحاكم إلى الطاغوت، ذكر فعلهم فيه في نفرتهم عن التحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: {وإذا قيل لهم} أي من أي قائل كان {تعالوا} أي أقبلوا رافعين أنفسكم من وهاد الجهل إلى شرف العلم {إلى ما أنزل الله} أي الذي عنده كل شيء {وإلى الرسول} أي الذي تجب طاعته لأجل مرسله مع أنه أكمل الرسل الذين هم أكمل الخلق رسالة، رأيتهم - هكذا كان الأصل، ولكنه أظهر الوصف الذي دل على كذبهم فيما زعموه من الإيمان فقال: {رأيت المنافقين يصدون} أي يعرضون {عنك} وأكد ذلك بقوله: {صدوداً} أي هو في أعلى طبقات الصدود. ولما تسبب عن هذا تهديدهم، قال - مهولاً لوعيدهم بالإبهام والتعجيب منه بالاستفهام، معلماً بأنهم سيندمون حين لا ينفعهم الندم، ولا يغني عنهم الاعتذار -: {فكيف} أي يكون حالهم {إذا أصابتهم مصيبة} أي عقوبة هائلة {بما قدمت أيديهم} مما ذكرنا ومن غيره. ولما كان الذي ينبغي أن يكون تناقضهم بعيداً لأن الكذب عند العرب كان شديداً؛ قال: {ثم جاءوك} أي خاضعين بما لينت منهم تلك المصيبة حال كونهم {يحلفون بالله} أي الحاوي لصفات الكمال من الجلال والجمال غير مستحضرين لصفة من صفاته {إن} أي ما {أردنا} أي في جميع أحوالنا وبسائر أفعالنا {إلا إحساناً وتوفيقاً *} أي أن تكون الأمور على الوجه الأحسن والأوفق لما رأينا في ذلك مما خفي على غيرنا - وقد كذبوا في جميع ذلك. ولما ذكر سبحانه وتعالى بعض ما يصدر منهم من التناقضات وهم غير محتشمين ولا هائبين، قال معلماً بشأنهم معلماً لما يصنع بهم: {أولئك} أي البعداء عن الخير {الذين يعلم الله} أي الحاوي لنعوت العظمة {ما في قلوبهم} أي من شدة البغض للإسلام وأهله وإن اجتهدوا في إخفائه عنه، ثم سبب تعليماً لما يصنع بهم وإعلاماً بأنهم لا يضرون إلا أنفسهم قوله: {فأعرض عنهم} أي عن عقابهم وعن الخشية منهم وعن عتابهم، لأنهم أقل من أن يحسب لهم حساب {وعظهم} أي وإن ظننت أن ذلك لا يؤثر، لأن القلوب بيد الله سبحانه وتعالى يصطنعها لما أراد متى أراد {وقل لهم في أنفسهم} أي بسببها وما يشرح أحوالها ويبين نقائصها من نفائسها، أو خالياً معهم، فإن ذلك أقرب إلى ترقيقهم {قولاً بليغاً *} أي يكون في غاية البلاغة في حد ذاته.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس قال‏:‏ كان أبو برزة الأسلمي كاهناً يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه، فتنافر إليه ناس من المسلمين‏.‏ فأنزل الله ‏{‏ألم ترَ إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا‏} ‏ إلى قوله ‏ {‏إحساناً وتوفيقا‏ً}.‏ وأخرج ابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ ‏"‏كان الجلاس بن الصامت قبل توبته، ومعتب بن قشير، ورافع بن زيد، وبشير، كانوا يدَّعون الإسلام، فدعاهم رجال من قومهم من المسلمين في خصومة كانت بينهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم،فدعوهم إلى الكهان حكام الجاهلية‏.‏ فأنزل الله فيهم ‏ {‏ألم تَر إلى الذين يزعمون‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏"‏‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الشعبي قال‏:‏ كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة - وفي لفظ‏:‏ ورجل ممن زعم أنه مسلم - فجعل اليهودي يدعوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأنه قد علم أنه لا يأخذ الرشوة في الحكم، ثم اتفقا على أن يتحاكما إلى كاهن في جهينة‏.‏ فنزلت ‏ {‏ألم ترَ إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ إلى قوله ‏ {‏ويسلموا تسليماً‏}‏‏.‏ وأخرج ابن جرير عن سليمان التيمي قال‏:‏ زعم حضرمي أن رجلاً من اليهود كان قد أسلم، فكانت بينه وبين رجل من اليهود مدارأة في حق‏.‏ فقال اليهودي له‏:‏ انطلق إلى نبي الله‏.‏ فعرف أنه سيقضي عليه فأبى، فانطلقا إلى رجل من الكهان، فتحاكما إليه‏.‏ فأنزل الله ‏ {‏ألم ترَ إلى الذين يزعمون‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال‏:‏ ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في رجل من الأنصار، ورجل من اليهود، في مدارأة كانت بينهما في حق تدارآ فيه فتحاكما إلى كاهن كان بالمدينة، وتركا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعاب الله ذلك عليهما، وقد حدثنا أن اليهودي كان يدعوه إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم، وكان يعلم أنه لا يجوز عليه، وكان يأبى عليه الأنصاري الذي زعم أنه مسلم‏.‏ فأنزل الله فيهما ما تسمعون، عاب ذلك على الذي زعم أنه مسلم وعلى صاحب الكتاب‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال‏:‏ ‏"‏كان ناس من اليهود قد أسلموا ونافق بعضهم، وكانت قريظة والنضير في الجاهلية إذا قتل الرجل من بني النضير قتلته بنو قريظة قتلوا به منهم، فإذا قتل رجل من بني قريظة قتلته النضير أعطوا ديته ستين وسقاً من تمر، فلما أسلم أناس من قريظة والنضير قتل رجل من بني النضير رجلاً من بني قريظة، فتحاكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال النضيري‏:‏ يا رسول الله إنا كنا نعطيهم في الجاهلية الدية فنحن نعطيهم اليوم الدية‏؟‏ فقالت قريظة‏:‏ لا، ولكنا إخوانكم في النسب والدين، ودماؤنا مثل دمائكم، ولكنكم كنتم تغلبونا في الجاهلية، فقد جاء الإسلام، فأنزل الله تعالى يعيرهم بما فعلوا فقال {أية : وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} ‏تفسير : [‏المائدة: 45‏]‏ يعيرهم، ثم ذكر قول النضيري‏:‏ كنا نعطيهم في الجاهلية ستين وسقا ونقتل منهم ولا يقتلون منا فقال ‏{أية : ‏أفحكم الجاهلية يبغون‏} تفسير : ‏[‏المائدة: 50‏]‏ فأخذ النضيري فقتله بصاحبه‏.‏ فتفاخرت النضير وقريظة فقالت النضير‏:‏ نحن أقرب منكم‏.‏ وقالت قريظة‏:‏ نحن أكرم منكم‏.‏ فدخلوا المدينة إلى أبي برزة الكاهن الأسلمي فقال المنافقون من قريظة والنضير‏:‏ انطلقوا بنا إلى أبي برزة ينفر بيننا فتعالوا إليه، فأبى المنافقون وانطلقوا إلى أبي برزة وسألوه فقال‏:‏ أعظموا اللقمة‏.‏ يقول‏:‏ أعظموا الخطر‏.‏ فقالوا: لك عشرة أوساق قال‏:‏ لا، بل مائة وسق ديتي، فإني أخاف أن أنفر النضير فتقتلني قريظة، أو أنفر قريظة فتقتلني النضير‏.‏ فأبوا أن يعطوه فوق عشرة أوساق، وأبى أن يحكم بينهم فأنزل الله ‏ {‏يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت‏}‏ إلى قوله ‏ {‏ويسلموا تسليما‏ً}‏"‏‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله ‏{‏يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت‏} ‏ قال‏:‏ الطاغوت‏.‏ رجل من اليهود كان يقال له كعب بن الأشرف، وكانوا إذا ما دعوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ليحكم بينهم قالوا‏:‏ بل نحاكمهم إلى كعب‏.‏ فذلك قوله ‏ {‏يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت‏} ‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال‏:‏ تنازع رجل من المنافقين ورجل من اليهود فقال المنافق‏:‏ اذهب بنا إلى كعب بن الأشرف، وقال اليهودي‏:‏ اذهب بنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله ‏ {ألم ترَ إلى الذين يزعمون‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ وأخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس قال‏:‏ كان رجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بينهما خصومة، أحدهما مؤمن والآخر منافق، فدعاه المؤمن إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف‏.‏ فأنزل الله ‏ {‏وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً‏} ‏‏.‏ وأخرج الثعلبي عن ابن عباس في قوله ‏ {‏ألم ترَ إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية قال‏‏ ‏"‏نزلت في رجل من المنافقين يقال له بشر، خاصم يهودياً فدعاه اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف، ثم إنهما احتكما إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقضى لليهودي فلم يرض المنافق‏.‏ وقال‏:‏ تعال نتحاكم إلى عمر بن الخطاب‏.‏ فقال اليهودي لعمر‏:‏ قضى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرض بقضائه‏.‏ فقال للمنافق‏:‏ أكذلك‏؟‏‏!‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ فقال عمر‏:‏ مكانكما حتى أخرج إليكما‏.‏ فدخل عمر فاشتمل على سيفه، ثم خرج فضرب عنق المنافق حتى برد ثم قال‏:‏ هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله‏:‏ فنزلت‏"‏‏.‏ وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله ‏{‏يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت‏} ‏ قال‏:‏ هو كعب بن الأشرف‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال‏:‏ الطاغوت والشيطان في صورة إنسان يتحاكمون إليه وهو صاحب أمرهم‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه قال‏:‏ سألت جابر بن عبد الله عن الطواغيت التي كانوا يتحاكمون إليها‏؟‏ قال‏:‏ إن في جهينة واحداً، وفي أسلم واحداً، وفي هلال واحداً، وفي كل حي واحداً، وهم كهان تنزل عليهم الشياطين‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج ‏ {‏وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول‏} ‏ قال‏:‏ دعا المسلم المنافق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحكم‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن عطاء في قوله ‏ {‏يصدون عنك صدودا‏ً}‏ قال‏:‏ الصدود.‏ الإعراض‏. ‏ وأخرج ابن المنذر عن مجاهد ‏ {‏فكيف إذا أصابتهم مصيبة‏} ‏ في أنفسهم، وبين ذلك ما بينهما من القرآن، هذا من تقديم القرآن‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله ‏ {‏أصابتهم مصيبة‏} ‏ يقول‏:‏ بما قدمت أيديهم في أنفسهم، وبين ذلك ما بين ذلك ‏"‏قل لهم قولاً بليغا‏ً"‏‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن ‏ {‏فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم‏}‏ قال‏:‏ عقوبة لهم بنفاقهم وكرههم حكم الله‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ‏ {‏فأعرض عنهم‏} ‏ ذلك لقوله ‏{‏وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغا‏ً} ‏‏.‏

ابو السعود

تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءامَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ} تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجيباً له من حال الذين يخالفون ما مرَّ من الأمر المحتومِ ولا يطيعون الله ولا رسولَه، ووصفُهم بادعاء الإيمانِ بالقرآن وبما أنزل من قبله ــ أعني التوراةَ ــ لتأكيد التعجيبِ وتشديدِ التوبـيخِ والاستقباحِ بإظهار كمالِ المبايَنةِ بـين دعواهم وبـين ما صدر عنهم، وقرىء الفعلانِ على البناء للفاعل، وقولُه عز وجل: {يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى ٱلطَّـٰغُوتِ} استئنافٌ سيق لبـيان محلِّ التعجيبِ مبنيٌّ على سؤال نشأ من صدر الكلامِ، كأنه قيل: ماذا يفعلون؟ فقيل: يريدون الخ. روي عن ابن عباس رضي الله عنهما «حديث : أن منافقاً خاصَم يهودياً فدعاه اليهوديُّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاه المنافِقُ إلى كعب بنِ الأشرف، ثم إنهما احتكما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرضَ بقضائه فقال عمرُ للمنافق: أهكذا؟ قال: نعم، فقال عمرُ: مكانَكما حتى أخرُجَ إليكما فدخل فاشتمل على سيفه ثم خرج فضربَ به عُنقَ المنافق حتى بَرَد، ثم قال: هكذا أقضي لمن لم يرضَ بقضاء الله وقضاء رسولِه فنزلت فهبَط جبريلُ عليه الصلاة والسلام وقال: إن عمرَ فرَّق بـين الحقِّ والباطلِ فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أنت الفاروقُ"»تفسير : ، فالطاغوتُ كعبُ بنُ الأشرفِ سُمِّيَ به لإفراطه في الطغيان وعداوةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أو على التشبـيه بالشيطان والتسميةِ باسمه، أو جُعل اختيارُ التحاكمِ إلى غير النبـيِّ صلى الله عليه وسلم ــ على التحاكم إليه ــ تحاكماً إلى الشيطان. وقال الضحاك: المرادُ بالطاغوت كَهَنةُ اليهودِ وسَحَرتُهم. وعن الشعبـي: أن المنافقَ دعا خصمَه إلى كاهن من جُهَينةَ فتحاكما إليه. وعن السدي: أن الحادثةَ وقعت في قتيلٍ بـين بني قُريظةَ والنَّضِير، فتحاكم المسلمون من الفريقين إلى النبـي صلى الله عليه وسلم وأبىٰ المنافقون منهما إلا التحاكمَ إلى أبـي بُرْدةَ الكاهنِ الأسلميِّ، فتحاكموا إليه، فيكون الاقتصارُ حينئذ في معرِض التعجيبِ والاستقباحِ على ذِكر إرادةِ التحاكمِ دون نفسِه مع وقوعِه أيضاً للتنبـيه على أن إرادتَه مما يقضي منه العجَبَ، ولا ينبغي أن يدخُلَ تحت الوقوعِ فما ظنُّك بنفسه وهذا أنسبُ بوصف المنافقين بادّعاء الإيمانِ بالتوراة فإنه كما يقتضي كونَهم من منافقي اليهودِ يقتضي كونَ ما صدَرَ عنهم من التحاكم ظاهِرَ المنافاةِ لادعاء الإيمانِ بالتوراة، وليس التحاكمُ إلى كعب بن الأشرف بهذه المثابةِ من الظهور، وأيضاً فالمتبادِرُ من قوله تعالى: {وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ} كونُهم مأمورين بكفره في الكتابـين وما ذاك إلا الشيطانُ وأولياؤُه المشهورون بولايته كالكَهنة ونظائرِهم لا مَنْ عداهم ممن لم يشتهِرْ بذلك، وقرىء {أَن يَكْفُرُواْ بِهَا} على أن الطاغوتَ جمعٌ كما في قوله تعالى: {أية : أَوْلِيَاؤُهُمُ ٱلطَّـٰغُوتُ يُخْرِجُونَهُم } تفسير : [البقرة، الآية 257] والجملةُ حال من ضمير يريدون مفيدةٌ لتأكيد التعجيبِ وتشديد الاستقباحِ كالوصف السابقِ، وقولُه عز وعلا: {وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَـٰلاً بَعِيداً} عطفٌ على يريدون داخلٌ في حكم التعجيبِ فإن اتّباعَهم لمن يريد إضلالَهم وإعراضَهم عمن يريد هدايتَهم أعجبُ من كل عجيب. وضلالاً إما مصدرٌ مؤكّدٌ للفعل المذكورِ بحذف الزوائدِ كما في قوله تعالى: {أية : وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا} تفسير : [آل عمران، الآية 37] أي إضلالاً بعيداً وإما مصدرٌ مؤكِّدٌ لفعله المدلولِ عليه بالفعل المذكورِ أي فيَضِلّوا ضلالاً، وأياً ما كان فوصفُه بالبُعد الذي نُعِت موصوفُه للمبالغة.

السلمي

تفسير : وقله عز وجل: {يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ} [الآية: 60]. قال أبو عثمان رحمه الله: يعنى إلى إرادتهم وأهوائهم وأمثالهم وأشكالهم. قال الله عز وجل: {وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ} أن يخالفوه. وقال بعضهم رحمه الله: أعظم طاعة لك نفسك فلا تركن إليها فى شىء من أوامرها وإن أمرتك بالطاعة فإنها تخفى عنك شرها وتبدى لك خيرها.

القشيري

تفسير : أظهروا الإخلاص، ونافقوا في السِّر، ففضحهم - سبحانه - على لسان جبريل عليه السلام بقوله {يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ} أي يرفضوه. فمن حاد عن طريقه ورجع إلى غير أستاذه استوجب الحرمان والذم.

اسماعيل حقي

تفسير : {ألم تر الى الذين يزعمون} اى يدعون والمراد بالزعم هنا الكذب لان الآية نزلت فى المنافقين {انهم آمنوا بما انزل اليك} اى بالقرآن {وما انزل من قبلك} اى بالتوراة وغيرها من الكتب المنزلة وكأنه قيل ماذا يفعلون فقيل {يريدون ان يتحاكموا الى الطاغوت} عن ابن عباس ان منافقا خاصم يهوديا فدعاه اليهودى الى النبى عليه السلام لانه كان يقضى بالحق ولا يلتفت الى الرشوة ودعاه المنافق الى كعب بن الاشرف لانه كان شديد الرغبة الى الرشوة واليهودى كان محقا والمنافق كان مبطلا ثم اصر اليهودى على قوله فاحتكما الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحكم لليهودى فلم يرض المنافق وقال نتحاكم الى عمر فقال اليهودى لعمر قضى لى رسول الله فلم يرض بقضائه وخاصم اليك فقال عمر للمنافق أكذلك فقال نعم فقال مكانكما حتى اخرج اليكما فاشتمل على سيفه ثم خرج فضرب به عنق المنافق حتى مات وقال هكذا اقضى لمن لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله فنزلت فهبط جبرائيل عليه السلام وقال ان عمر فرق بين الحق والباطل فسمى الفاروق فالطاغوت كعب بن الاشرف سمى به لافراطه فى الطغيان وعداوة الرسول وفى معناه ومن يحكم بالباطل ويؤثر لاجله {وقد امروا ان يكفروا به} اى والحال انهم قد امروا ان يتبرأو من الطاغوت {ويريد الشيطان} اى كعب بن الاشرف او حقيقة الشيطان عطف على يريدون {ان يضلهم ضلالا بعيدا} اى اضلالا بعيدا لا غاية له فلا يهتدون.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {رأيت المنافقين}، وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالنفاق وذمًا لهم به. وكان القياس: رأيتهم، و {صدودًا}: مصدر، أو اسم مصدر الذي هو الصد، والفرق بينه وبين المصدر: أن المصدر اسم للمعنى الذي هو الحدث، واسم المصدر اسم للفظ المحسوس، و {يحلفون} حال. و {في أنفسهم} يتعلق بقُل، وقيل ببليغًا. وهو ضعيف؛ لأن الصفات لا يتقدم عليها معمولها، اللهم إلا أن يتوسع في الظروف. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ألم تر} يا محمد {إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} وهم المنافقون، {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت}، كعب بن الأشرف لفرط طغيانه. وفي معناه كل من يحكم بالباطل، {وقد أُمروا أن يكفروا به}، ويؤمنوا بالله ويرضوا بحكمه. {ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيدًا}، بأن يصرفهم عن حكم الله ورسوله. قال ابن عباس: إنَّ منافقًا خَاصَمَ يَهُودِيًّا فَدَعَاهُ اليَهُوديُّ إلى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف، ثم اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحكم لليهودي بالحق؛ فلم يرض المنافق، وقال: نتحاكم إلى عُمَر، فقال اليهودي: نعم فذهبا إلى عمر رضي الله عنه فقال اليهودي: قضى لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرضى بقضائه وخاصم إليك، فقال عمر للمنافق: أكذلك؟. قال: نعم، فقال: على رسلكما حتى أخرج إليكما، فدخل وأخذ سيفه فخرج، فضرب به عنق المنافق حتى برد، وقال: هكذا أقضي لمن لم يرضَ بقضاء الله ورسوله، فنزلت الآية.. وقال جبريل رضي الله عنه: إن عمر فرّق بين الحق والباطل. فسُمي الفاروق. {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين} أي: بعضَهم، {يصدون عنك} غير راضين بحكمك {صدودًا} عظيمًا. {فكيف} يكون حالهم {إذا أصابتهم مصيبة} كقتل عمر المنافقَ، بسبب ما قدمت {أيديهم} من عدم الرضى بحكم الله، {ثم جاؤوك} يطلبون ديّة صاحبهم، {يحلفون بالله إن أردنا} بالإنصراف إلى عمر {إلا أحسانًا} منه بالخصمين، {وتوفيقاً} بينهما، قطعًا للنزاع بينهما، قال تعالى: {أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم} من النفاق، فلا يغني عنهم الكتمان والحلف الكاذب من الله شيئًا، أو يعلم الله ما في قلوبهم من الطمع في الدية، {فأعرض عنهم}، أي: عن قبول معذرتهم ولا تمكنهم من طمعهم، {وقل لهم في أنفسهم}، أي: خاليًا بهم {قولاً بليغًا} يبلغ إلى قلوبهم، ويؤثر فيهم، لينزجروا عن طلب دم صاحبهم، وإنما أمر أن يعظهم خاليّا لأن النصح في ذلك أنجح، وأقرب للقبول، ولذلك قيل: من نصحك وَحدَكَ فقد نصحك، ومن نصحك مع الناس فقد فضحك. والله أعلم. الإشارة: كل من دخل تحت ولاية شيخ التربية، وجب أن يرد حكوماته كلها إليه، ويرضى بما قضى عليه، وترى بعض الفقراء يزعمون أنهم في تربية الشيخ وتحت أحكامه، ثم يتحاكمون إلى حُكام الجور وقضاة الزمان في أمر الدنيا وما يرجع إليها، فهؤلاء قد ضلوا ضلالاً بعيدًا. إلا أن يتوبوا ويُصلحوا ما أفسدوا، بإصلاح قلب الشيخ حتى يجبر كسرهم، فالمريد الصادق لا يصل إلى الحاكم، ولو ذهب ماله كله، فإن كان ولا بد. فليوكل عنه في ذلك. فيكيف إذا أصابت هؤلاء مصيبة وهي ظلمة القلب، وفتنة الدنيا بسبب ما قدمت أيديهم من تخطى حكم شيخهم إلى حُكم غيره، ثم جاؤوك يحلفون بالله ما أردنا إلا أحسانًا وهو حفظ مالنا، وتوفيقًا بيننا وبين خصمنا، فيجب على الشيخ أن يُعرض عن عتابهم ويذكرهم حتى يتوبوا، فإن تابوا فإن الله غفور رحيم.

الطوسي

تفسير : المعنى واللغة: عجب الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) في هذه الآية ممن يزعم أنه آمن بما أنزل على محمد (صلى الله عليه وسلم)، وما أنزل من قبله بأن قال ألم ينته علمك إلى هؤلاء الذين ذكرنا وصفهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمرهم الله أن يكفروا به. وقال الحسن، والجبائي: نزلت الآية في قوم منافقين احتكموا إلى الأوثان بضرب القداح. وقد بينا معنى الطاغوت فيما تقدم. وقيل في معناه ها هنا قولان: أحدهما - أنه كاهن تحاكم إليه رجل من المنافقين، ورجل من اليهود هذا قول الشعبي، وقتادة. وقال السدي اسمه أبو بردة. الثاني - قال ابن عباس، ومجاهد، والربيع، والضحاك: إنه كعب ابن الاشرف رجل من اليهود، فاختار المنافق التحاكم إلى الطاغوت، وهو رجل يهودي. وقيل: كعب بن الاشراف، لأنه يقبل الرشوة، واختار اليهودي التحاكم إلى محمد نبينا (صلى الله عليه وسلم) لأنه لا يقبل الرشوة. ومعنى الطاغوت ذو الطغيان - على جهة المبالغة في الصفة - فكل من يعبد من دون الله فهو طاغوت، وقد تسمى به الأوثان كما تسمى بأنها رجس من عمل الشيطان، ويوصف به كل من طغى، بأن حكم بخلاف حكم الله تعالى غير راض بحكمه تعالى. وروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع) أن الآية في كل من يتحاكم إلى من يحكم بخلاف الحق، و (زعم)، يحتاج إلى اسم، وخبر، {وإنهم} في الآية نائب عن الاسم، والخبر، لأنها على معنى الجملة، ومخرج المفرد، وليس بمنزلة ظننت ذلك، لأنه على معنى المفرد ومخرج المفرد، لأن قولك: زعمت أنه قائم يفيد ما يفيد هو قائم، وكذلك ظننت ذاك، لأنه يدل دلالة الاشارة إلى ما تقدر علمه عند المخاطب. وقوله: {ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً} يدل على بطلان قول المجبرة: إن الله تعالى يفعل المعاصي ويريدها، لأن الله تعالى نسب إضلالهم إلى أنه بارادة الشيطان على وجه الذم لهم، فلو أراد تعالى أن يضلهم بخلق الضلال فيهم، لكان ذلك أوكد وجوه الذم في إضلالهم. وأصل الضلال الهلاك بالعدول عن الطريق المؤدي إلى البغية، لأنه ضد الهدى الذي هو الدلالة على الطريق المؤدي إلى البغية، وله تصرف كثير يرجع إلى هذه النكتة ذكرناه فيما مضى. وأضله الله معناه: سماه الله ضالا أو حكم عليه به، كما يقال أكفره بمعنى سماه بالكفر، ولا يجوز أن يقال أكفره الله بمعنى أنه دعاه إلى الكفر، لأنه منزه عن ذلك، فتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

الجنابذي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ} اى الخارج من حكومة العقل الّذى هو علىّ (ع) البالغ فى الطغيان عليه {وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ} اى بمن خرج عن حكومة العقل وحكم الله {وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً} بعد ما بيّن وجوب طاعة الله فيما انزل وطاعة الرّسول فيما حكم وطاعة ولىّ الامر يعنى صاحب الامارة الباطنة وصاحب عالم الامر مقابل الخلق وبيّن وجوب الرّدّ الى كتاب الله والى الرّسول (ص) وقد عيّن فى الكتاب وبيّن الرّسول من هو ولىّ الامر وترجمان الكتاب والسّنة وقد لزم منه انّ من خرج عن طاعة الله وطاعة الرّسول (ص) ونبذ قولهما فى تعيين ولىّ الامر وراء ظهره لم يكن مؤمناً وظهر ذلك بحيث لاخفاء فيه خاطب رسوله على سبيل التّعجيب من بلادة من اتّبع الشّيطان باضلال الطّاغوت فانّ القضيّة وان لم تكن بعد لكنّها مشهودة لمحمّد (ص) فالآية ان كانت نازلة فى الزّبير بن العوّام ورجل من اليهود كما ورد انّ الزّبير نازع يهوديّاً فى حديقة فقال الزّبير: نرضى بابن شيبة اليهودىّ وقال اليهودىّ: نرضى بمحمّد (ص) فنزلت حرمة المحاكمة الى الطّاغوت وسلاطين الجور وقضاتهم، وحرمة ما اخذ بحكمهم قد وردت عن ائمّتنا المعصومين، فعن الصّادق (ع) للاشارة الى تعميم الآية: ايّما رجل كان بينه وبين اخ له مماراة فى حقّ فدعاه الى رجلٍ من اخوانه ليحكم بينه وبينه فأبى الاّ ان يرافعه الى هؤلاء كان بمنزلة الّذين قال الله: الم ترى الى الّذين يزعمون (الآية)، وعنه انّه سئل عن رجلين من اصحابنا يكون بينهما منازعة فى دين او ميراث فتحاكما الى السّلطان او الى القضاة؛ ايحلّ ذلك؟ - فقال: من تحاكم الى الطّاغوت فحكم له فانّما يأخذ سحتاً وان كان حقّه ثابتاً لانّه اخذ بحكم الطّاغوت وقد امر الله ان يكفر به، قيل: كيف يصنعان؟ـ قال: انظروا الى من كان منكم قد روى حديثنا ونظر فى حلالنا وحرامنا وعرف احكامنا فارضوا به حكماً فانّى قد جعلته عليكم حاكماً فاذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فانّما بحكم الله استخفّ وعلينا ردّ، والرادّ علينا الرادّ على الله وهو على حدّ الشرك بالله. تحقيق حديث انظروا الى من كان منكم وقد روى هذا الخبر فى الكافى بتغيير يسير وقوله: الى من كان منكم مقصوده من كان قد دخل فى هذا الامر وعرف ولايتنا وقبل الدّعوة الباطنة وبايع معنا البيعة الخاصّة الولويّة لامن انتحل الاسلام كاكثر العامّة او بايع على يد من لا يجوز البيعة على يده كخلفاء الزّور، وقوله: قد روى حديثنا، مراده انّ العارف لهذا الامر لا ينصب نفسه لرواية الحديث الاّ ان يؤذن له بحسب استعداده واستحقاقه وقوله: نظر فى حلالنا وحراما يعنى به انّ الدّاخل فى هذا الامر ما لم يستعدّ للنّظر فى حلالنا وحرامنا بخروجه من حكومة النّفس والشّيطان وباصلاح نفسه بقدر استعداده من تخليته عن الرّذائل وتحليته بالفضائل لا يؤذن له فى النّظر الى ما هو خارج عن نفسه بل يلقى اليه ما هو تكليفه ويؤمر بالعمل به حتّى يخلص من غوائل نفسه فاذا خلص يؤذن له فى النّظر الى ما هو خارج عن نفسه، وقوله: عرف احكامنا، يعنى بسماع اشخاصها منّا او بسماع كليّاتها بحيث تنطبق على الجزئيّات لانّ المعرفة تستعمل فى العلوم الجزئيّة الحاصلة من المدارك الجزئيّة وقوله: فارضوا به حكماً، يعنى انّ الاوصاف المذكورة تدلّ على انّه منصوب منّا مأذون من قبلنا وكلّ من كان منصوباً منّا لا بدّ من الرّضا بحكومته لانّ حكومته باذننا هى حكومتنا، وقوله: فانّى قد جعلته عليكم حاكماً، مؤكّداً بانّ واسميّة الجملة وتكرار النّسبة بتقديم المسند اليه قريناً بقد وما ضويّة المسند يدلّ مثل سابقه على انّ الجعل والنّصب قد وقع منه سابقاً؛ فالحديث دليل على الاذن الخاصّ الحاصل للموصوف بهذه الاوصاف وعلى انّ هذه الاوصاف امارات هذا الاذن. هذا فى الكبير، وامّا فى الصّغير فالمراد التّحاكم الى الطّاغوت التّحاكم الى الخيال وقبول حكومته باضلال شيطان الوهم وحيلته وهما مظهر الطّاغوت والشّيطان فى الصّغير، فمن اكل ولبس ونكح وجمع المال بحكومة الخيال فهو آكل السّحت، {أية : وَشَارِكْهُمْ فِي ٱلأَمْوَالِ وَٱلأَوْلادِ} تفسير : [الإسراء:64]، اشارة اليه، وقد امروا ان يكفروا بحكومته الخيال، ويرجعوا الى كتاب القلب ورسول العقل؛ وعلىّ الرّوح، فمن رجع الى حكومة علىّ الرّوح الجارية على لسان رسول العقل الثّابتة فى كتاب القلب فكلّ ما فعل فهو حلال وان كان يرى صورته خلافاً، وكلّ ما فعل بحكومة الخيال فهو حرام وان كان يرى صورته وفاقاً، فالصّوم والصّلوة والحجّ والجهاد من اتباع الشّيطان سحت وعصيان، والنّوم والنّكاح والاكل والمزاح من اتباع علىّ (ع) طاعة واحسان. ونعم ما قال المولوىّ قدّس سرّه: شعر : مشورت يا نفس خود كرسيكنى هرجه كويدكن خلاف آن دنى كر نماز وروزه مسَفرما يدت نفس سُكار است سُكرى زايدت تفسير : وقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ}تفسير : [الأنعام: 121]، {أية : وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} تفسير : [الأنعام: 119[، اشارة الى هذا، وقد قال المولوىّ روّح الله روحه: شعر : هرجه كيرد علّتى علّت شود كفر كيرد كاملى ملّت شود ازسموم نفس جون باعلّتى هرجه كَيرى تو مرض را آلتى

اطفيش

تفسير : {أَلَم تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزعُمُونَ أَنَهُم آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ}: الذين يزعمون أنهم آمنوا بالقرآن هم رجل من المنافقين اسمه بشر ومن معه منهم، وما قبله من كتب الله تعالى. والطاغوت: كعب بن الأشرف، والتحاكم: أن يدعو كل واحد من الخصماء الآخر الى الحكم، سواء اتفقا على حاكم، أو دعا أحدهما الى حاكم والآخر الى حاكم آخر، كما هنا، فالرجل المنافق دعا الى الطاغوت الذى هو كعب، وخصمه وهو يهودى دعا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبى إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم له، ولما خرجا من عنده لزمه المنافق وقال: انطلق الى عمر، فأتيا عمر فقال اليهودى: اختصمت انا وهذا الى محمد، فقضى لى عليه فلم يرضى بقضائه، وزعم أنه مخاصمى اليك، فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم، فقال لهما عمر: رويدا أخرج اليكما، فدخل عمر البيت وأخذ سيفا واشتمل عليه ثم خرج فضرب به المنافق حتى برد فقال: هكذا أقضى لمن لم يرضى بقضاء الله ورسوله فنزلت الآية: {أَلَم تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزعُموُنَ} الى آخرها، ونزل: {أية : وما أرسلنا من رسول الا ليطاع}تفسير : الى: {أية : تسليما} تفسير : وقال جبريل: ان عمر فرق بين الحق والباطل، فسمى الفاروق، وهذا تفسير ابن عباس رضى الله عنهما. وقال عامر الشعبى: نزلت الآية فى منافق اسمه بشر، خاصم رجلا من اليهود، فدعا اليهودى الى المسلمين لعلمه أنهم لا يرتشون، ودعاه المنافق الى اليهود لعلمه بأنهم يرتشون فاتفقا بعد ذلك أن يأتيا كاهنا كان بالمدينة فرضياه، فنزلت هذه الآية. وعلى هذا فالطاغوت: الكاهن، وقيل: {الَّذِينَ يَزعُموُنَ أَنَهُم آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبلِكَ} شمل المنافق وشبهه، ولهم قوله: {بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ} واليهود ومن معه، ولهم قوله: {وَمَا أُنزِلَ مِن قَبلِكَ} ومثل هذا ما رواه السدى: أن المنافق من اليهود، والمشهور أنه من الأنصار. قال: ظهر الاسلام وخاصم مع يهودى، وأنه قتل رجل من بنى النضير رجلا من بنى قريظة، وكانت دية القرظى على النضيرى ستين وسقاً من تمر ولا يحد القتل، ودية النضيرى على القرظى مائة وسق، وان شاء الولى قتله ولم يأخذ الدية، والخزرج مع قريظة، والأوس مع النضيرى، وقالت الخزرج وقريظة: هذا في الجاهلية لقلتنا وكثرتكم، والآن جمعنا الاسلام معشر الأوس والخزرج، فقال المنافقون من الفريقين: ننطلق الى أبى بردة الكاهن الأسلمى، وقال المسلمون من الفريقين: بل ننطلق الى النبى صلى الله عليه وسلم، فأبى المنافقون وانطلقوا الى أبى بردة الكاهن ليحكم بينهم، فقال: أطعموا اللقمة، يعنى الخطر، قال: لكم عشرة أوسق، فقالوا: بل مائة وسق، فأبوا إلا عشرة فنزلت آية القصاص وهذه الآية. وقرىء ببناء أنزل للفاعل فى الموضعين وسمى كعبا أو أبا بردة طاغوتا لكثرة طغيانه، أو هو اسم للشيطان استعير لأحدهما، أو هو الشيطان سمى التحاكم الى أحدهما تحاكما اليه، لأنه سبب أمركما قال: {وَقَد أُمِرُوا أَن يَكفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيطَانُ أَن يُضِلَّهُم ضَلالاً بَعِيداً}: وجملة قد أمروا حال من واو يريدون، وجملة يريد الشيطان معطوفة على جملة الحال، ولو اختلفتا بالمضى والمضارعة، لأن المعنى فيهما حال، وعلى أن الطاغوت الشيطان، فذكر الشيطان من وضع الظاهر موضع المضمر، ليلوح الى أن المتحاكم الى الشيطان يحترق بالنار في الآخرة، كما يحترق الشيطان بالشهب في الدنيا، وبنار الآخرة في الآخرة، أو يبعد عن الحق، ورضا الله، كما بعد الشيطان، فان الشيطان من معنى الاحتراق أو من معنى البعد. وقرأ عباس بن الفضل: أن يكفروا بها عى أن الطاغوت للجماعة، كما يجىء مفرد قال الله تعالى: {أية : أوليائهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات}.

اطفيش

تفسير : {ألَمْ تَرَ} تعجب {إلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ} يقولون قولا كاذباً، وقيل يظنون، وفيه أنهم لا يظنون أنهم آمنوا بالقرآن بل يعلمون أنهم كفروا به {أَنَّهُمْ ءَامَنُوا بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ} حال، أو كأنه قيل ما شأنهم، فقال يريدون {أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ} الكثير الطغيان أو الرئيس فى الضلال {وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ} أى بدينه، أو معنى الكفر به أن لا يعتبروه فى أمر دينه، وهو هنا كعب بن الأشرف لأن فيه كثرة الطغيان والرياسة فى الضلال، أو إلى الشيطان، مع أن التحاكم إلى كعب، لكن لما كان سبب التحاكم إليه الشيطان قال إلى الشيطان، أو سماه شيطاناً استعارة أو حقيقة، أو لأن الشيطان هوالحامل له على التحاكم إلى كعب، فالتجوز إرسالى دعا يهودى بشراً المنافق أن يتحاكما إلى النبى صلى الله عليه وسلم، ودعاه المنافق إلى كعب وتحاكما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحكم لليهودى، فطلبه المنافق أن يعيدا إلى عمر رضى الله عنه، فمضيا إليه، فقال اليهودى: قد حكم لى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرض بشر، فقال لبشر: أكذلك؟ فقال: نعم، فقال: رويداً حتى أخرج إليكما، فدخل عمر البيت، وأخذ سيفه، فضرب به بشراً وقال: هكذا أقضى على من لم يرض بقضاء الله ورسوله، ونزلت الآية، وقال لجبريل: إن عمر فرق بين الحق والباطل فلقب بالفاروق {وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ} المدكور باسم الطاغوت أو جنس الشيطان {أن يُضِلَّهُمْ} عن الحق {ضَلاَلاً بَعِيداً} أى إضلالا بعيداً عن الحق أو يضلهم فيضلوا إضلالا بعيداً.

الالوسي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ} خطاب للنبـي صلى الله عليه وسلم، وتعجيب له عليه الصلاة والسلام أي ألم تنظر أو ألم ينته علمك. {إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ} من الزعم وهو كما في «القاموس» «مثلث القول: الحق والباطل والكذب ضد، وأكثر ما يقال فيما يشك فيه» ومن هنا قيل: إنه قول بلا دليل، وقد كثر استعماله بمعنى القول الحق، وفي الحديث عن النبـي صلى الله عليه وسلم «زعم جبريل» وفي حديث ضمام بن ثعلبة رضي الله تعالى عنه «زعم رسولك» وقد أكثر سيبويه في الكتاب من قوله: زعم الخليل كذا ـ في أشياء يرتضيها ـ وفي «شرح مسلم للنووي» أن زعم في كل هذا بمعنى القول، والمراد به هنا مجرد الادعاء أي يدعون. {أَنَّهُمْ ءامَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ} أي القرآن. {وَمَا أُنْزِلَ} إلى موسى عليه السلام {مِن قَبْلِكَ} وهو التوراة، ووصفوا بهذا الادعاء لتأكيد التعجيب وتشديد التوبيخ والاستقباح، وقرىء {أنزل} و {أنزل} بالبناء للفاعل. {يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى ٱلطَّـٰغُوتِ} بيان لمحل التعجيب على قياس نظائره؛ أخرج الثعلبـي وابن أبـي حاتم من طرق عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أن رجلاً من المنافقين يقال له بشر: خاصم يهودياً فدعاه اليهود إلى النبـي صلى الله عليه وسلم ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف، ثم إنهما احتكما إلى النبـي صلى الله عليه وسلم فقضى لليهودي فلم يرض المنافق وقال: تعال نتحاكم إلى عمر بن الخطاب، فقال اليهودي لعمر رضي الله تعالى عنه: قضى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرض بقضائه، فقال للمنافق أكذلك؟ قال: نعم، فقال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما فدخل عمر فاشتمل على سيفه ثم خرج فضرب عنق المنافق حتى برد ثم قال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فنزلت»، وفي بعض الروايات «وقال جبريل عليه السلام إن عمر فرق بين الحق والباطل وسماه النبـي صلى الله عليه وسلم الفاروق رضي الله تعالى عنه»، والطاغوت على هذا كعب / بن الأشرف، وإطلاقه عليه حقيقة بناءاً على أنه بمعنى كثير الطغيان، أو أنه علم لقب له ـ كالفاروق ـ لعمر رضي الله تعالى عنه، ولعله في مقابلة الطاغوت، وفي معناه كل من يحكم بالباطل ويؤثر لأجله، ويحتمل أن يكون الطاغوت بمعنى الشيطان، وإطلاقه على الأخس بن الأشرف إما استعارة أو حقيقة، والتجوز في إسناد التحاكم إليه بالنسبة الإيقاعية بين الفعل ومفعوله بالواسطة، وقيل: إن التحاكم إليه تحاكم إلى الشيطان من حيث إنه الحامل عليه فنقله عن الشيطان إليه على سبيل المجاز المرسل، وأخرج الطبراني بسند صحيح عن ابن عباس أيضاً قال: كان أبو برزة الأسلمي كاهناً يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه فتنافر إليه ناس من المسلمين فأنزل الله تعالى فيهم الآية. وأخرج ابن جرير عن السدي كان أناس من يهود قريظة والنضير قد أسلموا ونافق بعضهم، وكانت بينهم خصومة في قتيل فأبـى المنافقون منهم إلا التحاكم إلى أبـي برزة فانطلقوا إليه فسألوه فقال: أعظموا اللقمة، فقالوا: لك عشرة أوساق فقال: لا بل مائة وسق، فأبوا أن يعطوه فوق العشرة، فأنزل الله تعالى فيهم ما تسمعون وعلى هذا ففي الآية من الإشارة إلى تفظيع التحاكم نفسه ما لا يخفى، وهو أيضاً أنسب بوصف المنافقين بادعاء الإيمان بالتوراة، ويمكن حمل خبر الطبراني عليه بحمل المسلمين فيه على المنافقين ممن أسلم من قريظة والنضير. {وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ} في موضع الحال من ضمير {يُرِيدُونَ} وفيه تأكيد للتعجيب كالوصف السابق، والضمير المجرور راجع إلى الطاغوت وهو ظاهر على تقدير أن يراد منه الشيطان وإلا فهو عائد إليه باعتبار الوصف لا الذات، أي أمروا أن يكفروا بمن هو كثير الطغيان أو شبيه بالشيطان، وقيل الضمير للتحاكم المفهوم من {يَتَحَاكَمُواْ} وفيه بعد، وقرأ عباس بن المفضل بها، وقرىء بهن، والضمير أيضاً للطاغوت لأنه يكون للواحد والجمع، وإذا أريد الثاني أنث باعتبار معنى الجماعة وقد تقدم {وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَـٰلاً بَعِيداً} عطف على الجملة الحالية داخلة في حكم التعجيب، وفيها على بعض الاحتمالات وضع المظهر موضع المضمر على معنى: يريدون أن يتحاكموا إلى الشيطان وهو بصدد إرادة إضلالهم ولا يريدون أن يتحاكموا إليك وأنت بصدد إرادة هدايتهم، و {ضَلاَلاً} إما مصدر مؤكد للفعل المذكور بحذف الزوائد على حد ما قيل في {أية : أَنبَتَكُمْ مّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً } تفسير : [نوح: 17] وإما مؤكد لفعله المدلول عليه بالمذكور أي (فيضلون ضلالاً)، ووصفه بالبعد الذي هو نعت موصوفه للمبالغة.

ابن عاشور

تفسير : استئناف ابتدائي للتعجيب من حال هؤلاء، ناسب الانتقال إليه من مضمون جملة: {أية : إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر}تفسير : [النساء: 59]. والموصول مراد به قوم معروفون وهم فريق من المنافقين الذين كانوا من اليهود وأظهروا الإسلام لقوله: {رأيت المنافقين يصدّون}، ولذلك قال: {يزعمون أنّهم آمنوا بما أنزل إليك}. وقد اختلفت الروايات في سبب نزول هذه الآية اختلافاً متقارباً: فعن قتادة والشعبي أنّ يهودياً اختصم مع منافق اسمه بشر فدعا اليهوديُّ المنافقَ إلى التحاكم عند النبي صلى الله عليه وسلم لعلمه أنّه لا يأخذ الرشوة ولا يجورُ في الحكم، ودعا المنافقُ إلى التحاكم عند كاهن من جُهينة كان بالمدينة. وعن ابن عباس أنّ اليهودي دَعا المنافق إلى التحاكم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنّ المنافقَ دعا إلى كعب بن الأشرف، فأبى اليهودي وانصرفا معاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى لليهودي، فلمّا خرجا، قال المنافق: لا أرضى، انطلِق بنا إلى أبي بكر، فحكم أبو بكر بمثل حكم رسول الله، فقال المنافق: انطلق بنا إلى عمر، فلمّا بلغ عمر، وأخبره اليهودي الخبر وصدَّقه المنافق، قال عمر: رويدكما حتّى أخرج إليكما، فدخل وأخذ سيفه ثم ضرب به المنافق حتّى بَرَد، وقال: هكذا أقضى على من لم يرض بقضاء الله ورسوله. فنزلت الآية وقال جبريل: إن عمر فرّق بين الحقّ والباطل فلقبّه النبي صلى الله عليه وسلم «الفاروق». وقال السدّي: كان بين قُريظة والخزرج حِلف، وبين النَّضير والأوس حلف، في الجاهلية وكانت النضير أكثر وأشرف، فكانوا إذا قتَل قُرَظِيُّ نضيرياً قُتل به وأخذ أهل القتيل دية صاحبهم بعد قتل قاتله، وكانت الدية مائة وسق من تمر، وإذا قتل نضيريّ قرظيّا لم يُقتل به وأعطى ديته فقط: ستّين وسقاً. فلمّا أسلم نفر من قريظة والنضير قتل نضيريّ قُرظيّا واختصموا، فقالت النضير: نعطيكم ستّين وسقاً كما كنّا اصطلحنا في الجاهلية، وقالت قريظة: هذا شيء فعلتموه في الجاهلية لأنّكم كثرتم وقللنا فقهرتمونا، ونحن اليوم إخوَة وديننا ودينكم واحد، فقال بعضهم ــــ وكان منافقاً: انطلقوا إلى أبي بُردة ــــ وكان أبو بردة كاهناً يقضي بين اليهود فيما يتنافرون إليه فيه وقال المسلمون: لا بل ننطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية. (وأبو بردة ــــ بدال بعد الراء ــــ على الصحيح، وكذلك وقع في مفاتيح الغيب وفي الإصابة لابن حجر، ووقع في كتب كثيرة بزاي بعد الراء وهو تحريف اشتبه بأبي برزة الأسلمي نضلة بن عبيد ولم يكن أبو برزة كاهناً قط). ونُسب أبو بردة الكاهن بالأسلمي، وذكر بعض المفسّرين: أنّه كان في جُهيْنة. وبعضهم ذكر أنّه كان بالمدينة. وقال البغوي عن جابر بن عبد الله: «كانت الطواغيت التي يتحاكمون إليها واحد في جُهينة وواحد في أسلم، وفي كلّ حيّ واحد كهّانٌ». وفي رواية عكرمة أنّ الذين عناهم الله تعالى ناس من أسلم تنافروا إلى أبي بردة الأسلمي، وفي رواية قتادة: أنّ الآية نزلت في رجلين أحدهما اسمه بشر من الأنصار، والآخر من اليهود تدَارءا في حقّ، فدعاه اليهودي إلى التحاكم عند النبي صلى الله عليه وسلم لعلمه بأنّه يقضي بالحقّ. ودعاه الأنصاري إلى التحاكم للكاهن لأنّه علم أنّه يرتشي، فيقضي له، فنزلت فيهما هذه الآية. وفي رواية الشعبي مثل ما قال قتادة، ولكنّه وصف الأنصاري بأنّه منافق. وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنّ الخصومة بين منافق ويهودي، فقال اليهودي «لننطلق إلى محمد» وقال المنافق «بل نأتي كعبَ بن الأشرف اليهودي» وهو الذي سَمَّاه الله الطاغوت. وصيغة الجمع في قوله: {الذين يزعمون} مرَاد بها واحد. وجيء باسم موصول الجماعة لأنّ المقام مقام توبيخ، كقولهم: ما بَال أقوام يقولون كذا، ليشمل المقصودَ ومن كان على شاكلته. والزعم: خبر كاذبٌ، أو مشوب بخطأ، أو بحيث يتّهمه الناس بذلك، فإنّ الأعشى لمّا قال يمدح قيساً بن معد يكرب الكندي:شعر : ونُبِّئْتُ قَيْساً ولم أبْلُهُ كما زَعموا خَيْرَ أهل اليَمَنْ تفسير : غضب قيس وقال: «وما هو إلاّ الزعم»، وقال تعالى: {أية : زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا}تفسير : [التغابن: 7]، ويقول المحدّث عن حديث غريب فزعم فلان أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كذا، أي لإلقاء العهدة على المخبر، ومنه ما يقع في كتاب سيبويه من قوله زعم الخليل، ولذلك قالوا: الزعم مطية الكذب. ويستعمل الزعم في الخبر المحقّق بالقرينة، كقوله:شعر : زعم العواذل أنّني في غمرة صَدقوا ولكن غمرتي لا تنجلي تفسير : فقوله {صدقوا} هو القرينة، ومضارعه مثلّث العَيْننِ، والأفصح فيه الفتح. وقد كان الذين أرادوا التحاكم إلى الطاغوت من المنافقين، كما هو الظاهر، فإطلاق الزعم على إيمانهم ظاهر. وعطف قوله {وما أنزل من قبلك} لأنّ هؤلاء المنافقين كانوا من اليهود، وقد دخل المعطوف في حَيّز الزعم فدلّ على أنّ إيمانهم بما أنزل من قبل لم يَكن مطّرداً، فلذلك كان ادّعاؤهم ذلك زعمْا، لانتفاء إيمانهم بالتوراة في أحوال كثيرة مثل هذا، إذ لو كانوا يؤمنون بها حقّا، لم يكونوا ليتحاكموا إلى الكهّان، وشريعة موسى ــــ عليه السلام ــــ تحذّر منهم. وقوله {يريدون} أي يحبّون محبّة تبعث على فعل المحبوب. والطاغوت هنا هم الأصنام، بدليل قوله: {وقد أمروا أن يكفروا به}، ولكن فسّروه بالكاهن، أو بعظيم اليهود، كما رأيت في سبب نزول الآية، فإذا كان كذلك فهو إطلاق مجازي بتشبيه عظيم الكفر بالصنم المعبود لغلوّ قومه في تقديسه، وإمّا لأنّ الكاهن يُتَرجم عن أقوال الصنم في زعمه، وقد تقدّم اشتقاق الطاغوت عند قوله تعالى: {أية : ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت}تفسير : [النساء: 51] من هذه السورة. وإنّما قال {ويريد الشيطان أن يضلّهم ضلالاً بعيداً} أي يحبّ ذلك ويحسنّه لهم، لأنّه ألقى في نفوسهم الدعاء إلى تحكيم الكهّان والانصراف عن حكم الرسول، أو المعنى: يريد أن يضلّهم في المستقبل بسبب فعلتهم هذه لولا أن أيقظهم الله وتابوا ممّا صنعوا. والضلال البعيد هو الكفر، ووصفه بالبعيد مجاز في شدّة الضلال بتنزيله منزلة جنس ذي مسافة كانَ هذا الفرد منه بالغاً غاية المسافة، قال الشاعر:شعر : ضيّعت حزمي في إبعادي الأملا تفسير : وقوله {وإذا قيل لهم تعالوا} الآية أي إذا قيل لهم احضُروا أو إيتوا. فإنّ (تعال) كلمة تدلّ على الأمر بالحضور والإقبال، فمفادها مفاد حرف النداء إلاّ أنّها لا تنبيه فيها. وقد اختلف أيمّة العربية في أنّه فعل أو اسمُ فعلٍ، والأصحّ أنّه فعل لأنّه مشتقّ من مادّة العلوّ، ولذلك قال الجوهري في «الصحاح» «والتعالي الارتفاع»، تقول منه، إذا أمرت: «تعال يا رجل»، ومثله في «القاموس»، ولأنّه تتّصل به ضمائر الرفع، وهو فعل مبني على الفتح على غير سنّة فِعل الأمر، فذلك البناء هو الذي حدا فريقاً من أهل العربية على القول بأنّه اسم فعل، وليس ذلك القول ببعيد، ولم يَرِد عن العرب غير فتح اللام، فلذلك كان كسر اللام في قول أبي فِراس:شعر : أيا جارتَا ما أنصف الدهر بيننا تعالي أقاسمك الهموم تَعالي تفسير : بكسر لام القافية المكسورة، معدوداً لحناً. وفي «الكشّاف» أنّ أهل مكة ــــ أي في زمان الزمخشري ــــ يقولون تعالِي للمرأة. فذلك من اللحن الذي دخل في اللغة العربية بسبب انتشار الدُّخلاء بينهم. ووجه اشتقاق تعالَ من مادّة العلوّ أنّهم تخيّلوا المنادي في علوّ والمنادي (بالفتح) في سفل، لأنّهم كانوا يجعلون بيوتهم في المرتفعات لأنّها أحصن لهم، ولذلك كان أصله أن يدلّ على طلب حضور لنفع. قال ابن عطية في تفسير في قوله تعالى: {أية : وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا} تفسير : في سورة المائدة (104): «تعال نداء ببرّ، هذا أصله، ثم استعمل حيث البرّ وحيث ضدّه». وقال في تفسير آية النساء: «وهي لفظة مأخوذة من العلوّ لمّا استعملت في دعاء الإنسان وجلبه صيغت من العلوّ تحسيناً للأدب كما تقول: ارتفع إلى الحقّ ونحوه». وأعلم أنّ تعال لمّا كانت فعلاً جامداً لم يصحّ أن يصاغ منه غير الأمر، فلا تقول: تعاليت بمعنى حضرت، ولا تنهى عنه فتقول: لا تتعال. قال في «الصحاح» «ولا يجوز أن يقال منه تعاليت ولا ينهى عنه». وفي «الصحاح» عقبه «وتقول: قد تعاليت وإلى أي شيء أتعالى» يعني أنّه يتصرّف في خصوص جواب الطلب لمن قال لك تعال، وتبعه في هذا صاحب «اللسان» وأغفل العبَارة التي قبله، وأمّا صاحب «تاج العروس» فربما أخطأ إذ قال: «قال الجوهري: ولا يجوز أن يقال منه: تعاليت وإلى أي شيء أتعالى» ولعلّ النسخة قد وقع فيها نقص أو خطأ من الناسخ لظنّه في العبارة تكريراً، وإنّما نبّهت على هذا لئلاّ تقع في أخطاء وحيرة. و(تعالوا) مستعمل هنا مجازاً، إذ ليس ثمّة حضور وإتيان، فهو مجاز في تحكيم كتاب الله وتحكيم الرسول في حضوره، ولذلك قال: {إلى ما أنزل الله} إذ لا يحكم الله إلاّ بواسطة كلامه، وأمّا تحكيم الرسول فأريد به تحكيم ذاته لأنّ القوم المخبر عنهم كانوا من المنافقين وهم بالمدينة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم و(صدودا) مفعول مطلق للتوكيد، ولقصد التوصّل بتنوين {صدودا} لإفادة أنّه تنوين تعظيم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: يزعمون: يقولون كاذبين. بما أنزل إليك: القرآن، وما أنزل من قبلك: التوراة. الطاغوت: كل ما عبد من دون الله ورضي بالعبادة والمراد به هنا كعب بن الأشرف اليهودي أو كاهن من كهان العرب. المنافقين: جمع منافق: وهو من يبطن الكفر ويظهر الإِيمان خوفا من المسلمين. يصدون: يعرضون عنك ويصرفون غيرهم كذلك. مصيبة: عقوبة بسبب كفرهم ونفاقهم. إن يريدون: أي ما يريدون. إلا إحسانا: أي صلحاً بين المتخاصمين. وتوفيقا: جمعا وتأليفا بين المختلفين. فأعرض عنهم: أي اصفح عنهم فلا تؤاخذهم. وعظهم: مرهم بما ينبغي لهم ويجب عليهم. قولا بليغا: كلاما قويا يبلغ شغاف قلوبهم لبلاغته وفصاحته. معنى الآيات: روي أن منافقاً ويهوديا اختلفا في شيء فقال اليهودي نتحاكم إلى محمد صلى الله عليه وسلم لعلمه أنه يحكم بالعدل ولا يأخذ رشوة، وقال المنافق نتحاكم إلى كعب بن الأشرف اليهودي فتحاكما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى لليهودي فنزلت فيهما هذه الآية: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ} والمراد بهذا المنافق، {وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ} والمراد به اليهودي والاستفهام للتعجب ألم ينته إلى علمك موقف هذين الرجلين {يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ} "كعب بن الأشرف"، أو الكاهن الجهني، وقد أمرهم الله أن يكفروا به {وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً} حيث زين له التحاكم عند الكاهن أو كعب اليهودي. {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ} ليحكم بينكم رأيت ياللعجب المنافقين يعرضون عنك إعراضا هاربين من حكمك غير راضين بالتحاكم إليك لكفرهم بك وتكذيبهم لك {فَكَيْفَ إِذَآ أَصَٰبَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ} وحلت بهم قارعة بسبب ذنوبهم أيبقون معرضين عنك؟ أم ماذا؟ {ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ} قائلين، ما أردنا إلا الإِحسان في عملنا ذلك والتوفيق بين المتخاصمين. هذا ما دلت عليه الآيات الثلاث، وأما الرابعة وهي قوله تعالى: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً} فإن الله تعالى يشير إليهم بأولئك لبعدهم في الخسة والانحطاط فيقول {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} أي من النفاق والزيغ فهم عرضة للنقمة وسوء العذاب، {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} فلا تؤاخذهم، {وَعِظْهُمْ} آمراً إياهم بتقوى الله والإِسلام له ظاهراً وباطناً مخوفا إياهم من عاقبة سوء أفعالهم بترك التحاكم إليك وتحاكمهم إلى الطاغوت، وقل لهم في خاصة أنفسهم قولا بليغاً ينفذ إلى قلوبهم فيحركها ويذهب عنها غفلتها علهم يرجعون. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- حرمة التحاكم إلى غير كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم إذا وُجد عالم بهما. 2- وجوب الكفر بالطاغوت أيا كان نوعه. 3- وجوب الدعوة إلى التحاكم إلى الكتاب والسنة ووجوب قبولها. 4- استحباب الإِعراض عن ذوي الجهالات، ووعظهم بالقول البليغ الذي يصل إلى قلوبهم فيهزها.

القطان

تفسير : الزَّعم: القول. وكثر استعماله في مظنّة الكذب. الطاغوت: الطغيان والمعبود من دون الله. تعرض هذه الآيات الكريمة لوناً من ألوان التمرد على الوضع التشريعي السابق، فقد وصفتْ قَوماً أنهم يؤمنون بما أُنزل الى الرسول والأنبياء السابقين من الكتب، لكنهم يريدون ان يتحاكموا في خصوماتهم الى رؤوس الطغيان والضلال، فيقبلون حكم غير الله. انهم يتحاكمون الى الطاغوت فيحلّلون ما حرم الله، ويحرّمون ما أحل. ولقد أمرهم الله ان يكفروا بالطاغوت، ولا يتحاكموا اليه، الا ان الشيطان يضدّهم عن طريق الحق. واذا قيل لأولئك الذين يزعمون انهم مؤمنون، تعالوا الى ما أنزل الله في القرآن لنعمل به ونحكّمه بيننا، والى الرسول ليحكم بيننا بما أراه الله ـ رأيتَ هؤلاء المنافقين يُعرضون عنك يا محمد ويرغبون عن حكمك. فكيف تكون حالهم إذا نزلتْ بهم مصيبة من جرّاء أعمالهم وخُبث نيّاتهم ولم يجدوا ملجأً الا اليك، فجاؤوك يُقسِمون بالله إنهم ما كانوا يريدون بالتحاكم الى غيرك إلا الإحسان في المعاملة، والتوفيقَ بينهم وبينَ خصومهم. إن الله يعلم حقيقة ما في قلوبهم وكذب قولهم فلا تلتفت يا محمد الى كلامهم، وادعُهم الى الحق بالموعظة الحسنة، وقل لهم قولاً حكيماً يصل الى اعماق نفوسهم. وفي هذا السياق العظيم تبيّن ان التحاكم الى ما أنزل الله والى ما قرره من المصادر التشريعية شرطٌ في صحة الايمان بالله. وقد رويتْ عدة روايات في سبب نزول هذه الآيات منها أن بعض المنافقين تخاصم مع يهودي فقال له اليهودي: أُحاكمك الى أهل دينك.. يَعني الى النبي. فلم يقبل الرجل، وقبل ان يتحاكم الى أحد الكهان. والآية عامة في كل ما يصدّ عن حكم الله، ويعرض عن شرعه.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنُواْ} {ٱلطَّاغُوتِ} {ٱلشَّيْطَانُ} {ضَلاَلاً} (60) - يُنْكِرُ اللهُ تَعَالَى عَلَى مَنْ يَدِّعِي الإِيمَانَ بِاللهِ، وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَهُوَ مَعْ ذَلِكَ يُرِيدُ أنْ يَتَحَاكَمَ فِي فَصْل ِالخُصُومَاتِ إِلى غَيْرِ كِتَابِ اللهِ، وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ. (وَقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي أنْصَارِيٍّ وَيَهُودِيٍّ اخْتَلَفَا فِي شَيْءٍ، فَقَالَ اليَهُودِيُّ: بَيْنِي وَبَيْنَكَ مُحَمَّدٌ. وَقَالَ الأنْصَارِيُّ: بَيْنِي وَبَيْنَكَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ (وَهُوَ مِنْ كُبَرَاءِ اليَهُودِ). وَيَذُمُّ اللهُ تَعَالَى الذِينَ يَعْدِلُونَ عَنْ شَرْعِ اللهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ، إلَى مَا سِوَاهُمَا مِنَ البِاطِلِ (وَهُوَ المُرَادُ هُنَا بِالطَّاغُوتِ)، وَقَدْ أُمِرُوا بِأنْ يَكْفُرُوا بِهِ، وَبِحُكْمِ الجَاهِلِيَّةِ، وََلَكِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْعُوهُمْ إلى اتِّبَاعِهِ لِيُضِلَّهُمْ عَنْ دِينِهِمْ وَشَرْعِهِمْ وَهُدى رَبِّهِمْ، وَيُبْعِدَهُمْ عَنْهَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : نعرف أن {أَلَمْ تَرَ} ألم تعلم، إن كان المعلوم قد سبق الحديث عنه، أو إن كان المعلوم ظاهراً حادثاً بحيث تراه، ونعرف أن الحق عبّر بـ {أَلَمْ تَرَ} في كثير من القضايا التي لم يدركها المخاطب وهو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليدلنا على أن ما يقوله الله - وإن كان خبراً عما مضى - يجب أن تؤمن به إيمانك بالمرئى لك الآن، لأن الله أوثق في الصدق من عينك؛ فعينك قد تخدعك، لكن حاشا أن يخدعنا الله. {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ} والمراد هم المنافقون وبعض من أهل الكتاب الذين زعموا الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم. "والزعم": مطية الكذب، فهم {يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ} وهو القرآن؛ {وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ}، وهو التوراة والإنجيل و {يُرِيدُونَ} بعد ادعاء الإيمان؛ {أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ}، والتحاكم إلى شيء هو: الاستغاثة أو اللجوء إلى ذلك الشيء لينهي قضية الخلاف. فعندما نقول: "تحاكمنا إلى فلان"، فمعنى قولنا هذا: أننا سئمنا من آثار الخلاف من شحناء وبغضاء، ونريد أن نتفق إلى أن نتحاكم، ولا يتفق الخصمان أن يتحاكما إلى شيء إلا إذا كان الطرفان قد أجهدهما الخصام، فهما مختلفان على قضية، وأصاب التعب كُلاًّ منهما. {يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ}. "الطاغوت" - كما عرفنا - هو الشخص الذي تزيده الطاعة طغياناً، فهناك طاغٍ أي ظالم، ولما رأى الناس تخافه استمرأ واستساغ الظلم مصداقاً لقول الحق: {أية : فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ} تفسير : [الزخرف: 54]. وهذا اسمه "طاغوت" مبالغة في الطغيان. والطاغوت يطلق على المعتدى الكثير الطغيان سواء أكان أناساً يُعبدون من دون الله ولهم، تشريعات ويأمرون وينهون، أم كان الشيطان الذي يُغري الناس، أم كان حاكماً جبّاراً يخاف الناس شرّه، وأي مظهر من تلك المظاهر يعتبر طاغوتاً. وقالوا: لفظ الطاغوت يستوي فيه الواحد والمثنى والجمع فتقول رجل طاغوت، ورحلان طاغوت، ورجال طاغوت، يأتي للجمع كقوله الحق: {أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ} تفسير : [البقرة: 257]. ويأتي للمفرد كقوله الحق: {وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ} [النساء: 60]. إذن فمرة يأتي للجمع ومرة يأتي للمفرد، وفي كل حكم قرآني قد نجا سبباً مخصوصاً نزل من أجله الحكم، فلا يصح أن نقول: إن حكماً نزل لقضية معينة ولا يُعدَّى إلى غيرها، هو يُعدَّي إلى غيرها إذا اشترك معها في الأسباب والظروف، فالعبرة بعموم الموضوع لا بخصوص السبب. لقد نزلت هذه الآية في قضية منافق اسمه "بشر". حدث خلاف بينه وبين يهودي، وأراد اليهودي أن يتحاكم إلى رسول الله، وأراد المنافق أن يتحاكم إلى "كعب بن الأشرف"، وكان اليهودي واثقاً أن الحق له ولم يطلب التحاكم إلى النبي حباً فيه، بل حباُ في عدله، ولذلك آثر مَن يعدل، فطلب حكم رسول الله، أما المنافق الذي يعلن إسلامه ويبطن ويخفي كفره فهو الذي قال: نذهب إلى كعب بن الأشرف الطاغوت، وهذه تعطينا حيثية لصدق رسول الله في البلاغ عن الله في قوله: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ}. وكون اليهودي يريد أن يتحاكم إلى رسول الله، فهذه تدل على ثقته في أن رسول الله لن يضيع عنده الحق، ولم يطلب التحاكم إلى كبير من كبراء اليهود مثل "كعب بن الأشرف" لأنه يعرف أنه يرتشي. ويختم الحق الآية: {وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً} فهما حين يتحاكمان إلى الطاغوت وهو "كعب بن الأشرف"؛ وبعد ذلك يقضي لمن ليس له حق، سيغري مثل هذا الحكم كل من له رغبة في الظلم أن يظلم، ويذهب له ليتحاكم إليه! فالضلال البعيد جاء هنا لأن الظلم سيتسلسل، فيكون على القاضي غير العادل وزر كل قضية يُحكم فيها بالباطل، هذا هو معنى {ضَلاَلاً بَعِيداً}، وليت الضلال يقتصر عليهم، ولكن الضلال سيكون ممتداً. ويقول الحق بعد ذلك: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: تنازع رجل من المنافقين ورجل من اليهود، فقال اليهودي: اذهب بنا إِلى محمد، وقال المنافق: اذهب بنا إِلى كعب بن الأَشرف. فَأَنْزَلَ الله: {يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ} [الآية: 60]. وهو كعب بن الأَشرف. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ} [الآية: 64] إِلى قوله: {وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} [الآية: 65]. قال: هذا في المنافقين واليهود، الذين تحاكموا إِلى كعب بن الأَشرف. وقال: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ} [الآية: 66]. كما أَمر موسى قومه {مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ}. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ} [الآية: 65] يعني: شكا. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} [الآية: 62]. قال: أَوجب الله لهم أَن يطيعهم من شاءَ الله من الناس. ثم أَخبر أَنه لا يطيعهم أَحد إِلا بإذن الله. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: الثُبات [الآية: 16]: القليل. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ} [الآية: 72]. إِلى قوله: {مَوَدَّةٌ يٰلَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً} [الآية: 73]. فيما بين ذلك في المنافقين. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ} [الآية: 75]. قال: أَمر الله المؤمنين أَن يقاتلوا عن مستضعفي المؤمنين، من الرجال والنساءِ والولدان.

الأندلسي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ} قيل سبب نزولها أن خصمين اختصما فدعا أحدهما إلى الكاهن والآخر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت. والطاغوت: هو الكاهن، ودل أن أحد المدعين كان منافقاً بدليل قوله: رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً حيث مالوا إلى الكاهن دون الرسول عليه السلام. {فَكَيْفَ} في موضع نصب على الحال تقديره كيف تراهم، أو في موضع رفع أي فكيف صنيعهم. وإذا: ظرف منصوب بتراهم أو بصنيعهم. {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} من الكفر والمصيبة ما ظهر عليهم من الذلة والمسكنة والاستنقاص من المسلمين الخلص. {ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ} جملة في موضع الحال. وقيل: المصيبة هي هدم مسجد الضرار الذي بنوه. {إِنْ أَرَدْنَآ} جملة هي جواب القسم، وإن نافية، بمعنى ما أي ما أردنا في العدول عنك عند التحاكم.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن حال القال من غير الأحوال بقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ} [النساء: 60]، إلى قوله: {يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً} [النساء: 61] والإشارة فيه: إن أهل الطبيعة {يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ} [النساء: 60]؛ يعني: بأركان الشرائع [قبلك وبالقرآن] بِقَالِهم، ثم {يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ} [النساء: 60] طاغوت الهوى، فلو كان حالهم مناسباً لقالهم، لكان تحاكمه إلى الله والرسول في جميع الأحوال لا إلى الهوى ولا إلى العقول المشوبة بشوائب الخيال والوهم والهوى، {وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ} [النساء: 60]، وهذا أحوال المتفلسفة في أهل هذا الزمان أنهم يزعمون أنهم آمنوا بالله ورسوله وبما أنزل إليه من القرآن، ثم يتحاكمون في الأمور الأخروية والمعارف الإلهية إلى العقول الملتبسة بآفات الوهم والخيال المشوبة بالهوى، {وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ} [النساء: 60] في ذلك {أَن يُضِلَّهُمْ} [النساء: 60] من طريق الحق، {ضَلاَلاً بَعِيداً} [النساء: 60]، من الرجوع إلى الحق. {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ} [النساء: 61]؛ أي: لأهل الأهواء والبدع ولأهل الطبيعة، {تَعَالَوْاْ} [النساء: 61] نتحاكم في الأمور {إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ} [النساء: 61]؛ أي: الكتاب والسنة، {رَأَيْتَ ٱلْمُنَٰفِقِينَ} [النساء: 61] يظهرون غيرها، { يَصُدُّونَ عَنكَ} [النساء: 61]؛ أي: متابعتك وسنتك وسيرتك، {صُدُوداً} [النساء: 61]، إعراضاً تماماً، وهذا النفاق دأبهم في جميع الأحوال، صلى الله على سيدنا محمد وآله. وقوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَآ أَصَٰبَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ} [النساء: 62]، ملامة من الحق وسياسة من السلطان {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ} [النساء: 62]، يتحاكمنا إلى العقل وبراهين العقلية دون الشريعة، {إِلاَّ إِحْسَٰناً} [النساء: 62]، إيقاناً في الأدلة {وَتَوْفِيقاً} [النساء: 62] بطريق الصواب وسبيل الحق.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يعجب تعالى عباده من حالة المنافقين. { الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ } مؤمنون بما جاء به الرسول وبما قبله، ومع هذا { يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ } وهو كل من حكم بغير شرع الله فهو طاغوت. والحال أنهم { قد أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ } فكيف يجتمع هذا والإيمان؟ فإن الإيمان يقتضي الانقياد لشرع الله وتحكيمه في كل أمر من الأمور، فمَنْ زعم أنه مؤمن واختار حكم الطاغوت على حكم الله، فهو كاذب في ذلك. وهذا من إضلال الشيطان إياهم، ولهذا قال: { وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالا بَعِيدًا } عن الحق. { فَكَيْفَ } يكون حال هؤلاء الضالين { إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } من المعاصي ومنها تحكيم الطاغوت؟! { ثُمَّ جَاءُوكَ } معتذرين لما صدر منهم، ويقولون: { إِنْ أَرَدْنَا إِلا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا } أي: ما قصدنا في ذلك إلا الإحسان إلى المتخاصمين والتوفيق بينهم، وهم كَذَبة في ذلك. فإن الإحسان كل الإحسان تحكيم الله ورسوله { ومَنْ أحْسَن من الله حكمًا لقوْمٍ يوقنون } . ولهذا قال: { أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ } أي: من النفاق والقصد السيئ. { فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } أي: لا تبال بهم ولا تقابلهم على ما فعلوه واقترفوه. { وَعِظْهُمْ } أي: بين لهم حكم الله تعالى مع الترغيب في الانقياد لله، والترهيب من تركه { وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلا بَلِيغًا } أي: انصحهم سرا بينك وبينهم، فإنه أنجح لحصول المقصود، وبالغ في زجرهم وقمعهم عمَّا كانوا عليه، وفي هذا دليل على أن مقترف المعاصي وإن أعرض عنه فإنه ينصح سرًا، ويبالغ في وعظه بما يظن حصول المقصود به.