٧٢ - ٱلْجِنّ
72 - Al-Jinn (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
13
Tafseer
الرازي
تفسير : {لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ } أي القرآن، قال تعالى: {أية : هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } تفسير : [البقرة: 2] {آمنا بِهِ } أي آمنا بالقرآن {فَلاَ يَخَافُ } فهو لا يخاف أي فهو غير خائف، وعلى هذا يكون الكلام في تقدير جملة من المبتدأ والخبر، أدخل الفاء عليها لتصير جزاء للشرط الذي تقدمها، ولولا ذاك لقيل: لا يخف، فإن قيل: أي فائدة في رفع الفعل، وتقدير مبتدأ قبله حتى يقع خبراً له ووجوب إدخال الفاء، وكان ذلك كله مستغنى عنه بأن يقال: لا يخف قلنا: الفائدة فيه أنه إذا فعل ذلك، فكأنه قيل: فهو لا يخاف، فكان دالاً على تحقيق أن المؤمن ناج لا محالة، وأنه هو المختص لذلك دون غيره، لأن قوله: فهو لا يخاف معناه أن غيره يكون خائفاً، وقرأ الأعمش: {فلا يخف }، وقوله تعالى: {بَخْساً وَلاَ رَهَقاً } البخس النقص، والرهق الظلم، ثم فيه وجهان الأول: لا يخاف جزاء بخس ولا رهق، لأنه لم يبخس أحداً حقاً، ولا (رهق) ظلم أحداً، فلا يخاف جزاءهما الثاني: لا يخاف أن يبخس، بل يقطع بأنه يجزي الجزاء الأوفى، ولا يخاف أن ترهقه ذلة من قوله: {أية : تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ } تفسير : [القلم:43]. النوع الثالث عشر: قوله تعالى:
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ} يعني القرآن {آمَنَّا بِهِ} وبالله، وصدّقنا محمداً صلى الله عليه وسلم على رسالته. وكان صلى الله عليه وسلم مبعوثاً إلى الإنس والجنّ. قال الحسن: بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الإنس والجنّ، ولم يبعث الله تعالى قطُّ رسولاً من الجنّ، ولا من أهل البادية، ولا من النساء؛ وذلك قوله تعالى: { أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ } تفسير : [يوسف: 109] وقد تقدم هذا المعنى. وفي الصحيح: « حديث : وبُعثت إلى الأحمر والأسود » تفسير : أي الإنس والجنّ. {فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً} قال ٱبن عباس: لا يخاف أن يُنْقَص من حسناته ولا أن يزاد في سيئاته؛ لأن البخس النقصان، والرَّهَق: العدوان وغشيان المحارم؛ قال الأعشى: شعر : لا شَيْءَ يَنْفَعُنِي مِن دُونِ رُؤْيَتِهَا هل يَشْتَفِي وَامِقٌ مَا لَمْ يُصِبْ رَهَقاً تفسير : الوامق: المحبّ؛ وقد وَمِقَه يَمِقه بالكسر أي أحبّه، فهو وامق. وهذا قول حكاه الله تعالى عن الجِنّ؛ لقوّة إيمانهم وصحة إسلامهم. وقراءة العامة «فَلاَ يَخَافُ» رفعاً على تقدير فإنه لا يخاف. وقرأ الأعمش ويحيـى وإبراهيم «فَلاَ يَخَفْ» جزماً على جواب الشرط وإلغاء الفاء. قوله تعالى: {وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَاسِطُونَ} أي وأنّا بعد ٱستماع القرآن مختلفون، فمنّا من أسلم ومنّا من كفر. والقاسط: الجائر، لأنه عادل عن الحقّ، والمُقْسِط: العادل؛ لأنه عادل إلى الحق؛ [يقال:] قسط: أي جار، وأقسط: إذا عدل؛ قال الشاعر: شعر : قومٌ هُمُ قتلوا ٱبنَ هِندٍ عَنْوَةً عَمْراً وهم قَسَطُوا على النُّعْمَانِ تفسير : قوله تعالى: {فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـٰئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً} أي قصدوا طريق الحق وتوخَّوه ومنه تحرّى القِبلةِ {وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ} أي الجائرون عن طريق الحقّ والإيمان {فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً} أي وَقوداً. وقوله: «فَكَانُوا» أي في علم الله تعالى.
البيضاوي
تفسير : {وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ } أي القرآن. { آمَنَّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبّهِ فَلاَ يَخَافُ } فهو لا يخاف، وقرىء «فَلاَ يُخَفَّفُ» والأول أدل على تحقيق نجاة المؤمنين واختصاصها بهم. {بَخْساً وَلاَ رَهَقاً } نقصاً في الجزاء ولا أن يرهقه ذلة، أو جزاء بخس لأنه لم يبخس لأحد حقاً ولم يرهق ظلماً، لأن من حق المؤمن بالقرآن أن يجتنب ذلك. {وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَـٰسِطُونَ } الجائرون عن طريق الحق وهو الإيمان والطاعة. {فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً } توخوا رشداً عظيماً يبلغهم إلى دار الثواب. {وَأَمَّا ٱلْقَـٰسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً } توقد بهم كما توقد بكفار الإِنس. {وَأَنْ لَوِ ٱسْتَقَـٰمُواْ } أي أن الشأن لو استقام الجن أو الإِنس أو كلاهما. {عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ } أي على الطريقة المثلى. {لأَسْقَيْنَـٰهُم مَّاء غَدَقاً } لوسعنا عليهم الرزق، وتخصيص الماء الغدق وهو الكثير بالذكر لأنه أصل المعاش والسعة ولعزة وجوده بين العرب. {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ } لنختبرهم كيف يشكرونه، وقيل معناه أن لو استقام الجن على طريقتهم القديمة ولم يسلموا باستماع القرآن لوسعنا عليهم الرزق مستدرجين لهم لنوقعهم في الفتنة ونعذبهم في كفرانهم. {وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبّهِ } عن عبادته أو موعظته أو وحيه. {يَسْلُكْهُ } يدخله وقرأ غير الكوفيين بالنون. {عَذَاباً صَعَداً } شاقاً يعلو المعذب ويغلبه مصدر وصف به. {وَأَنَّ ٱلْمَسَـٰجِدَ لِلَّهِ } مختصة به. {فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً } فلا تعبدوا فيها غيره، ومن جعل {أن } مقدرة باللام علة للنهي ألغى فائدة الفاء، وقيل المراد بـ {ٱلْمَسَـٰجِدِ } الأرض كلها لأنها جعلت للنبي عليه الصلاة والسلام مسجداً. وقيل المسجد الحرام لأنه قيل المساجد ومواضع السجود على أن المراد النهي عن السجود لغير الله، وآرابه السبعة أو السجدات على أنه جمع مسجد. {وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ } أي النبي عليه الصلاة والسلام وإنما ذكر بلفظ العبد للتواضع فإنه واقع موقع كلامه عن نفسه، والاشعار بما هو المقتضى لقيامه. {يَدْعُوهُ } يعبده {كَادُواْ } كاد الجن. {يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً } متراكمين من ازدحامهم عليه تعجباً مما رأوا من عبادته وسمعوا من قراءته، أو كاد الإنس والجن يكونون عليه مجتمعين لإِبطال أمره، وهو جمع لبدة وهي ما تلبد بعضه على بعض كلبدة الأسد، وعن ابن عامر «لُبَداً» بضم اللام جمع لبدة وهي لغة. وقرىء «لَبَداً» كسجداً جمع لابد و «لِبَداً» كصبر جمع لبود. {قَالَ إِنَّمَا ٱدْعُواْ رَبّى وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً } فليس ذلك ببدع ولا منكر يوجب تعجبكم أو إطباقكم على مقتي، وقرأ عاصم وحمزة «قل» على الأمر للنبي عليه الصلاة والسلام ليوافق ما بعده. {قُلْ إِنّى لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَداً } ولا نفعاً أو غياً، عبر عن أحدهما باسمه وعن الآخر باسم سببه أو مسببه إشعاراً بالمعنيين.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ } القرآن {ءَامَنَّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ } بتقدير هو بعد الفاء {بَخْساً } نقصاً من حسناته {وَلاَ رَهَقاً } ظلماً بالزيادة في سيئاته.
ابن عبد السلام
تفسير : {لَمَّا سَمِعْنَا} القرآن من الرسول صدقنا به وكان مبعوثاً إلى الإنس والجن قال الحسن لم يبعث الله ـ تعالى ـ رسولاً قط من الجن ولا من أهل البادية ولا من النساء لقوله: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ}تفسير : [يوسف: 109]. {بَخْساً} نقصاً من حسناته ولا زيادة في سيئاته البخس: النقصان والرهق: العدوان وهذا من قول الجن.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً} [الآية: 13]. قال الواسطى: حقيقة الإيمان ما أوجب الأمان فمن بقى فى مخاوف المرتابين لم يبلغ إلى حقيقة الايمان.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً} اى من يعرف ربه فلا يخشى على نفسه السقوط من الدرجات ولا يبقى فى حجب المجاهدات بل يبلغ الى انوار المشاهدات قال الواسطى حقيقة الايمان ما اوجب الايمان فمن بقى فى مخاوف للمرتابين لم يبلغ الى حقيقة الايمان.
اسماعيل حقي
تفسير : {وانا لما سمعنا الهدى} اى القرءآن الذى يهدى للتى هى أقوم {آمنا به} من غير تأخير وتردد {فمن يؤمن بربه} وبما أنزله من الهدى {فلا يخاف} اى فهو لا يخاف فالكلام فى تقدير مبتدأ وخبر ولذلك دخلت الفاء لولا ذلك القيل لا يخف وفائدة رفع الفعل ووجوب ادخال الفاء انه دال على تحقيق ان المؤمن ناج لا محالة وانه المختص بذلك دون غيره {بخسا} اى نقصا فى الجزآء {ولا رهقا} ولا أن ترهقه ذلة وتغشاه او جزآء بخس ولا رهق اى ظلم اذ لم يبخس احدا حقا ولا رهق اى ظلم احدا فلا يخاف جزاء هما وفيه دلالة على ان من حق من آمن بالله أن يجتنب المظالم ومنه قوله عليه السلام حديث : المؤمن من امنه الناس على انفسهم واموالهمتفسير : قال الواسطى رحمه الله حقيقة الايمان ما اوجب الامان فمن بقى فى مخاوف المرتابين لم يبلغ الى حقيقة الايمان.
الجنابذي
تفسير : {وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ} اى القرآن او الرّسالة او الولاية {آمَنَّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ} الفاء للسّببيّة {فَلاَ يَخَافُ بَخْساً} نقصاً او ظلماً او مشاحّة فى الحساب او فقأً لعينه {وَلاَ رَهَقاً} قد مضى الرّهق قبيل ذلك، عن الكاظم (ع) انّه قال: الهدى الولاية، آمنّا بمولانا فمن آمن بولاية مولاه فلا يخاف بخساً ولا رهقاً، قيل: تنزيلٌ؟ - قال: لا، تأويلٌ.
اطفيش
تفسير : {وَإِنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الهُدَى آمَنَّا بِهِ} وهو القرآن والإيمان به إيمان بالله ونبيه وغيرهما {فَمَنْ يُؤْمِنُ بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ} خبر لمحذوف بدليل الفاء أو الرفع أى فهو لا يخاف فالجملة إسمية للتحقيق إن المؤمن ناج لا محالة مختص بعدم الخوف والظاهر أن الإختصاص مستفاد من المقام وليس معنى لهذه الجملة والجملة جواب الشرط ولو قدرت قد التحقيقية أو التوقعية لصح أي فقد لا يخاف. وقيل لا تقدير وإن الأداة لم تعمل الجزم وإن الربط تارة بالجزم وتارة بالفاء وقرأ الايش فلا يخف بالجزم فالفاء زائدة ولا نافية أو رابطة ولا ناهية. {بَخْساً} نقصاً فى الجزاء أو جزاء بخس وذلك فى ثواب حسناته لا ينقص منها شئ فإن الحق أن الجن مثابون. {وَلاَ رَهَقًا} ولا ان ترهقه ذلة كما ترهق الكافر أو لا يخاف تساؤلا رهقا لانه لم يبخس حقا لأحد ولا رهق ظلماً أحدً ففيه إشارة أن من حق المؤمن اجتناب المظالم حديث : فإن المؤمن كما قال صلى الله عليه وسلم من أمنه الناس على أنفسهم وأموالهمتفسير : ، وقيل الرهق ما يغشاه من مكروه، وعن ابن عباس البخس نقص الحسنات والرهق الزيادة فى السيئات.
اطفيش
تفسير : {وَأنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى} القرآن. {آمَنَّا بِهِ} على الفور بلا تأخير. {فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ} أى لأَنه من يؤمن بربه. {فَلاَ يَخَافُ} فهو لا يخاف أو فقد لا يخاف بقد التى للتحقيق وإِنما قدرت لأَن قوله تعالى لا يخاف يصلح أن يكون شرطاً فيجب تجريده من الفاء وجزمه وأجاز ابن مالك أن لا يقدر المبتدأ ولا قد وأن الجملة فى محل جزم لكثرة ورود ذلك فى المنفى بلا، وورد بلا نفى أيضاً مثل فينتقم الله منه. {بَخْساً} نقصاً على الظلم فى الجزاء ويستعمل البخس بمعنى النقص ولو بلا ظلم. {وَلاَ رَهَقاً} ذلاً يغشاه ومادة (ر هـ ق) الإِشراف على الشئ يقال غلام مراهق أى يقارب وتغشى النار الكفرة والنار غاشية لهم والليل يغشى النهار، والمعنى أن الله عدل لا ينقص من حسنات المؤمن أو من ثوابه، ولا يجور عليه بعدم قبول توبته وقد تاب نصوحاً ولا بزيادة فى سيئاته ولا يحمل ذنب غيره عليه ولا باذلاً له وقد فعل ما يعزه وليس فى هذا المعنى ما يوهم أن الله يجور على الكافر بل هو بأَعماله يستحق النقص عن بلوغ الخير لا يناله البتة ويستحق الإِذلال وذلك أولى من أن يفسر البخس والرهق بالجزاء بهما استعمالاً للسبب فى مقام المسبب بمعنى أن الله تعالى لا يبخس أحداً ولا يقارب ظلمه فليس المؤمن يخاف جزاء يترتب عليهما وما مر أولى لأَنه حقيقة ظاهرة المعنى لا مجاز.
الالوسي
تفسير : أي القرآن الذي هو الهدى بعينه {ءَامَنَّا بِهِ} من غير تلعثم وتردد {فَمَن يُؤْمِن بِرَبّهِ } وبما أنزله عز وجل {فَلاَ يَخَافُ } جواب الشرط ومثله من المنفي بلا يصح فيه دخول الفاء وتركها كما صرح به في «شرح التسهيل» إلا أن الأحسن تركها ولذا قدر هٰهنا مبتدأ لتكون الجملة اسمية ولزم اقترانها بالفاء إذا وقعت جواباً إلا فيما شذ من نحو: شعر : من يفعل الحسنات الله يشكرها تفسير : معلوم وبعضهم أوجب التقدير لزعمه عدم صحة دخول الفاء في ذلك أي فهو لا يخاف {بَخْساً } أي نقصاً في الجزاء، وقال الراغب البخس نقص الشيء على سبيل الظلم {وَلاَ رَهَقاً } أي غشيان ذلة من قوله تعالى{أية : وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ}تفسير : [يونس: 27] وأصله مطلق الغشيان. وقال الراغب رهقه الأمر أي غشيه بقهر وفي «الأساس» رهقه دنا منه وصبـي مراهق مدان للحلم وفي «النهاية» يقال رجل فيه رهق إذا كان يخف إلى الشر ويغشاه. وحاصل المعنى فلا يخاف أن يبخس حقه ولا أن ترهقه ذلة فالمصدر أعني {بخساً} مقدر باعتبار المفعول. وليس المعنى على أن غير المؤمن يبخس حقه بل النظر إلى تأكيد ما ثبت له من الجزاء وتوفيره كملاً، وأما غيره فلا نصيب له فضلاً عن الكمال. وفيه أن ما يجزى به غير المؤمن مبخوس في نفسه وبالنسبة إلى هذا الحق فيه كل البخس وإن لم يكن هناك بخس حق كذا في «الكشف» أو فلا يخاف بخساً ولا رهقاً لأنه لم يبخس أحداً حقاً ولا رهقه ظلماً فلا يخاف جزاءهما وليس من إضمار مضاف أعني الجزاء بل ذلك بيان لحاصل المعنى وأن ما ذكر في نفسه مخوف فإنه يصح أن يقال خفت الذنب وخفت جزاءه لأن ما يتولد منه المحذور محذور. وفيه دلالة على أن المؤمن لاجتنابه البخس والرهق لا يخافهما فإن عدم الخوف من المحذور إنما يكون لانتفاء المحذور وجاز أن يحمل على الإضمار وأصل الكلام فمن لا يبخس أحداً ولا يرهق ظلمه فلا يخاف جزاءهما فوضع ما في النظم الجليل موضعه تنبيهاً بالسبب على المسبب، والأول كما قيل أظهر وأقرب مأخذاً. وأخرج ابن المنذر وابن أبـي حاتم عن ابن عباس أنه قال في الآية لا يخاف نقصاً من حسناته ولا زيادة في سيئاته. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة أنه قال فلا يخاف بخساً ظلماً بأن يظلم من حسناته فينتقص منها شيء ولا رهقاً ولا أن يحمل عليه ذنب غيره. وأخرج نحوه عن الحسن، ولعل المعنى الأول أنسب بالترغيب بالإيمان وبلفظ الرهق أيضاً نظراً إلى ما سمعت من قوله تعالى {أية : وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ}تفسير : [يونس: 27]. وقرأ ابن وثاب والأعمش (فلا يخف) بالجزم على أن (لا) ناهية لا نافية لأن الجواب المقترن بالفاء لا يصح جزمه. وقيل الفاء زائدة و(لا) للنفي وليس بشيء. وأياً ما كان فالقراءة الأولى أدل على تحقق أن المؤمن ناج لا محالة وأنه هو المختص بذلك دون غيره وذلك لتقدير هو عليها وبناء الفعل عليه نحو هو عرف ويجتمع فيه التقوى والاختصاص إذا اقتضاهما المقام. وقرأ ابن وثاب (بخساً) بفتح الخاء المعجمة.
ابن عاشور
تفسير : قرأ الجمهور وأبو جعفر بكسر الهمزة. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص وخلف بفتحها عطفاً على المجرور في قوله: {أية : فآمنا به}تفسير : [الجن: 2]. والمقصود بالعطف قوله: {فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخساً ولا رهقاً}، وأما جملة {لما سمعنا الهدى ءامنَّا به} فتوطئة لذلك. بعد أن ذكروا قومهم بعذاب الله في الدنيا أو اطمأنوا بتذكُّر ذلك في نفوسهم، عادوا إلى ترغيبهم في الإِيمان بالله وحده، وتحذيرهم من الكفر بطريق المفهوم. وأريد بالهدى القرآن إذ هو المسموع لهم ووصفوه بالهدى للمبالغة في أنه هاد. ومعنى {يؤمن بربه}، أي بوجوده وانفراده بالإِلهية كما يشعر به إحضار اسمه بعنوان الرب إذ الرب هو الخالق فما لا يخلق لا يعبد. وجملة {فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخساً ولا رهقاً} يجوز أن تكون من القول المحكي عن الجن. ويجوز أن تكون كلاماً من الله موجهاً للمشركين وهي معترضة بين الجملتين المتعاطفتين. والبخس: الغبن في الأجر ونحوه. والرهَق: الإِهانة، أي لا يخشى أن يبخس في الجزاء على إيمانه ولا أن يهان. وفهم منه أن من لا يؤمن يُهان بالعذاب. والخلاف في كسر همزة {إنا} وفتحها كالخلاف في التي قبلها. وجملة {فلا يخاف بخساً ولا رهقاً} جواب لِشرط (مَن) جعلت بصورة الجملة الاسمية فقرنت بالفاء مع أن ما بعد الفاء فعل، وشأن جواب الشرط أن لا يقترن بالفاء إلاّ إذا كان غيرَ صالح لأن يكون فعل الشرط فكان اقترانه بالفاء وهو فعل مضارع مشيراً إلى إرادة جعله خبر مبتدأ محذوف بحيث تكون الجملة اسمية، والاسمية تقترن بالفاء إذا وقعت جواب شرط، فكان التقدير هنا: فهو لا يخاف ليكون دَالاً على تحقيق سلامته من خوف البخس والرهق، وليدل عل اختصاصه بذلك دون غيره الذي لا يؤمن بربه، فتقدير المسند إليه قبل الخبر الفعلي يقتضي التخصيص تارة والتقوي أخرى وقد يجتمعان كما تقدم في قوله تعالى: {أية : الله يستهزىء بهم}تفسير : [البقرة: 15]. واجتمعا هنا كما أشار إليه في «الكشاف» بقوله: فكان دالاً على تحقيق أن المؤمن ناج لا محالة وأنه هو المختص بذلك دون غيره. وكلام «الكشاف» اقتصر على بيان مزية الجملة الاسمية وهو يقتضي توجيه العدول عن جزم الفعل لأجل ذلك. وقد نقول: إن العدول عن تجريد الفعل من الفاء وعن جزمه لدفع إيهام أن تكون {لا} ناهية، فهذا العدول صراحة في إرادة الوعد دون احتمال إرادة النهي. وفي «شرح الدماميني على التسهيل»: أن جواب الشرط إذا كان فعلاً منفياً بـ (لا) يجوز الاقتران بالفاء وتركه. ولم أره لغيره وكلام «الكشاف» يقتضي أن الاقتران بالفاء واجب إلاّ إذا قصدت مزية أخرى.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنَّا} (13) - وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا القُرْآنَ الذِي يَهْدِي إِلَى الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ صَدَّقْنَا بِهِ، وَأَقْرَرْنَا بِأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللهِ تَعَالَى. وَمَنْ يُصَدِّقْ بِاللهِ وَبِمَا أَنْزَلَهُ عَلَى رُسُلِهِ فَلاَ يَخَافُ نَقْصاً مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَلاَ ذَنْباً يُحْمَلُ عََلَيْهِ مِنْ سَيِّئَاتِ غَيْرِهِ. البَخْسُ - النَّقْصُ. الرَّهَقُ - الظُّلْمُ وَالْمَكْرُوهُ الذِي يَغْشَى المَظْلُومَ.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً} معناه نُقصانٌ ولا سَفهٌ، ولا طُغيانٌ، ولا خَطيئةٌ، ولا إِثمٌ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):