Verse. 5461 (AR)

٧٢ - ٱلْجِنّ

72 - Al-Jinn (AR)

وَّاَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُوْنَ وَمِنَّا الْقٰسِطُوْنَ۝۰ۭ فَمَنْ اَسْلَمَ فَاُولٰۗىِٕكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا۝۱۴
Waanna minna almuslimoona waminna alqasitoona faman aslama faolaika taharraw rashadan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون» الجائرون بكفرهم «فمن أسلم فأولئك تحروْا رشدا» قصدوا هداية.

14

Tafseer

الرازي

تفسير : القاسط الجائر، والمقسط العادل، وذكرنا معنى قسط وأقسط في أول سورة النساء، فالقاسطون الكافرون الجائرون عن طريق الحق، وعن سعيد بن جبير: أن الحجاج قال له حين أراد قتله: ما تقول في؟ قال: قاسط عادل، فقال القوم: ما أحسن ما قال، حسبوا أنه يصفه بالقسط والعدل، فقال الحجاج: يا جهلة إنه سماني ظالماً مشركاً، وتلا لهم قوله: {أية : وَأَمَّا ٱلْقَـٰسِطُونَ } تفسير : [الجن: 15] وقوله: {أية : ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ }تفسير : [الأنعام: 1] {تَحَرَّوْاْ رَشَداً } أي قصدوا طريق الحق، قال أبو عبيدة: تحروا توخوا، قال المبرد: أصل التحري من قولهم: ذلك أحرى، أي أحق وأقرب، وبالحري أن تفعل كذا، أي يجب عليك. ثم إن الجن ذموا الكافرين فقالوا:

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَٰسِطُونَ } الجائرون بكفرهم {فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَٰئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً } قصدوا هداية.

الشوكاني

تفسير : قوله: {وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ } هم الذين آمنوا بالنبيّ صلى الله عليه وسلم. {وَمِنَّا ٱلْقَـٰسِطُونَ } أي: الجائرون الظالمون الذين حادوا عن طريق الحق ومالوا إلى طريق الباطل، يقال: قسط إذا جار، وأقسط: إذا عدل {فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً } أي: قصدوا طريق الحق. قال الفراء: أمَّوا الهدى. {وَأَمَّا ٱلْقَـٰسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً } أي: وقوداً للنار توقد بهم، كما توقد بكفرة الإنس {وَأَلَّوِ ٱسْتَقَـٰمُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ } هذا ليس من قول الجنّ بل هو معطوف على {أية : أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مّنَ ٱلْجِنّ } تفسير : [الجن: 1] والمعنى: وأوحي إليّ أن الشأن لو استقام الجنّ أو الإنس، أو كلاهما على الطريقة، وهي طريقة الإسلام، وقد قدّمنا أن القراء اتفقوا على فتح أن هٰهنا. قال ابن الأنباري: والفتح هنا على إضمار يمين تأويلها والله أن لو استقاموا على الطريقة كما فعل، يقال في الكلام: والله لو قمت لقمت، كما في قول الشاعر:شعر : أما والله أن لو كنت حرّا ولا بالحرّ أنت ولا العتيق تفسير : قال: أو على {أوحي إليّ أنه استمع}، {وأن لو استقاموا}، أو على {آمنا به} أي: آمنا به، وبأن لو استقاموا. قرأ الجمهور بكسر الواو من (لو) لالتقاء الساكنين. وقرأ ابن وثاب، والأعمش بضمها {لأَسْقَيْنَـٰهُم مَّاء غَدَقاً } أي: كثيراً واسعاً. قال مقاتل: ماء كثيراً من السماء، وذلك بعد ما رفع عنهم المطر سبع سنين. وقال ابن قتيبة: المعنى لو آمنوا جميعاً لوسعنا عليهم في الدنيا، وضرب الماء الغدق مثلاً؛ لأن الخير كله والرزق بالمطر، وهذا كقوله: {أية : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ ءامَنُواْ وَٱتَّقَوْاْ } تفسير : [المائدة: 65] الآية، وقوله: {أية : وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ }تفسير : [الطلاق: 2 ـ 3] وقوله: {أية : فقلت ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ ٱلسَّمَاء عَلَيْكُمْ مُّدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوٰلٍ وَبَنِينَ }تفسير : [نوح: 10 ــ 12] الآية. وقيل: المعنى: وأن لو استقام أبوهم على عبادته، وسجد لآدم ولم يكفر، وتبعه ولده على الإسلام لأنعمنا عليهم، واختار هذا الزجاج. والماء الغدق: هو الكثير في لغة العرب. {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ } أي: لنختبرهم، فنعلم كيف شكرهم على تلك النعم. وقال الكلبي: المعنى وأن لو استقاموا على الطريقة التي هم عليها من الكفر، فكانوا كلهم كفاراً، لأوسعنا أرزاقهم مكراً بهم واستدراجاً حتى يفتنوا بها، فنعذبهم في الدنيا والآخرة. وبه قال الربيع بن أنس، وزيد بن أسلم، وابنه عبد الرحمٰن، والثمالي، ويمان بن زيان، وابن كيسان، وأبو مجلز، واستدلوا بقوله: {أية : فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلّ شَىْء } تفسير : [الأنعام: 44]، وقوله: {أية : وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وٰحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مّن فِضَّةٍ } تفسير : [الزخرف: 33] الآية، والأوّل أولى {وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً } أي: ومن يعرض عن القرآن، أو عن العبادة، أو عن الموعظة، أو عن جميع ذلك يسلكه أي: يدخله عذاباً صعداً أي: شاقاً صعباً. قرأ الجمهور: "نسلكه" بالنون مفتوحة. وقرأ الكوفيون، وأبو عمرو في رواية عنه بالياء التحتية، واختار هذه القراءة أبو عبيد، وأبو حاتم لقوله: {عَن ذِكْرِ رَبّهِ } ولم يقل "عن ذكرنا". وقرأ مسلم بن جندب، وطلحة بن مصرّف، والأعرج بضم النون وكسر اللام من أسلكه، وقراءة الجمهور من سلكه. والصعد في اللغة المشقة، تقول تصعد بي الأمر: إذا شقّ عليك، وهو مصدر صعد، يقال: صعد صعداً وصعوداً، فوصف به العذاب مبالغة؛ لأنه يتصعد المعذب أي: يعلوه ويغلبه فلا يطيقه. قال أبو عبيد: الصعد مصدر، أي: عذاباً ذا صعد. وقال عكرمة: الصعد هو صخرة ملساء في جهنم يكلف صعودها، فإذا انتهى إلى أعلاها حدر إلى جهنم، كما في قوله: {أية : سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً }تفسير : [المدثر: 17] والصعود: العقبة الكئود. {وَأَنَّ ٱلْمَسَـٰجِدَ لِلَّهِ } قد قدّمنا اتفاق القراء هنا على الفتح، فهو معطوف على أنه استمع، أي: وأوحي إليّ أن المساجد مختصة بالله. وقال الخليل: التقدير ولأن المساجد. والمساجد: المواضع التي بنيت للصلاة فيها. قال سعيد بن جبير: قالت الجنّ: كيف لنا أن نأتي المساجد، ونشهد معك الصلاة، ونحن ناؤون عنك؟ فنزلت. وقال الحسن: أراد بها كل البقاع؛ لأن الأرض كلها مسجد. وقال سعيد بن المسيب، وطلق بن حبيب: أراد بالمساجد الأعضاء التي يسجد عليها العبد، وهي القدمان والركبتان واليدان والجبهة، يقول: هذه أعضاء أنعم الله بها عليك، فلا تسجد بها لغيره فتجحد نعمة الله، وكذا قال عطاء. وقيل: المساجد هي الصلاة؛ لأن السجود من جملة أركانها، قاله الحسن: {فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً } من خلقه كائناً ما كان. {وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ } قد قدّمنا أن الجمهور قرءوا هنا بفتح «أن»، عطفاً على أنه استمع، أي: وأوحي إليّ أنّ الشأن لما قام عبد الله، وهو النبيّ صلى الله عليه وسلم {يَدْعُوهُ } أي: يدعوا الله ويعبده، وذلك ببطن نخلة، كما تقدّم حين قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ويتلو القرآن، وقد قدّمنا أيضاً قراءة من قرأ بكسر «إن» هنا، وفيها غموض وبعد عن المعنى المراد {كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً } أي: كاد الجنّ يكونون على رسول الله صلى الله عليه وسلم لبداً أي: متراكمين من ازدحامهم عليه لسماع القرآن منه. قال الزجاج: ومعنى {لِبَداً }: يركب بعضهم بعضاً، ومن هذا اشتقاق هذه اللبود التي تفرش. قرأ الجمهور: {لبداً} بكسر اللام وفتح الباء. وقرأ مجاهد، وابن محيصن، وهشام بضم اللام وفتح الباء، وقرأ أبو حيوة، ومحمد بن السميفع، والعقيلي، والجحدري بضم الباء واللام. وقرأ الحسن، وأبو العالية، والأعرج بضم اللام وتشديد الباء مفتوحة. فعلى القراءة الأولى المعنى ما ذكرناه، وعلى قراءة ضم اللام يكون المعنى كثيراً، كما في قوله: {أية : أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً } تفسير : [البلد: 6] وقيل المعنى: كاد المشركون يركب بعضهم بعضاً حرداً على النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقال الحسن، وقتادة، وابن زيد: لما قام عبد الله محمد بالدعوة، تلبدت الإنس والجنّ على هذا الأمر ليطفئوه، فأبى الله إلاّ أن ينصره ويتم نوره. واختار هذا ابن جرير. قال مجاهد: {لِبَداً} أي: جماعات، وهو من تلبد الشيء على الشيء، أي: اجتمع، ومنه اللبد الذي يفرش لتراكم صوفه، وكل شيء ألصقته إلصاقاً شديداً، فقد لبدته، ويقال للشعر الذي على ظهر الأسد: لبدة، وجمعها لبد، ويقال للجراد الكثير: لبد؛ ويطلق اللبد بضم اللام وفتح الباء على الشيء الدائم، ومنه قيل لنسر لقمان: لبد لطول بقائه، وهو المقصود بقول النابغة:شعر : أخنى عليها الذي أخنى على لبد تفسير : {قَالَ إِنَّمَا ٱدْعُو رَبّى} أي: قال عبد الله إنما أدعو ربي وأعبده {وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً } من خلقه. قرأ الجمهور: {قال} وقرأ عاصم، وحمزة: "قل" على الأمر. وسبب نزولها أن كفار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إنك جئت بأمر عظيم، وقد عاديت الناس كلهم، فارجع عن هذا فنحن نجيرك. {قُلْ إِنّى لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَداً } أي: لا أقدر أن أدفع عنك ضرّاً ولا أسوق إليكم خيراً. وقيل: الضرّ الكفر، والرشد الهدى، والأوّل أولى لوقوع النكرتين في سياق النفي، فهما يعمان كل ضرر وكل رشد في الدنيا والدين. {قُلْ إِنّى لَن يُجِيرَنِى مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٌ } أي: لا يدفع عني أحد عذابه إن أنزله بي {وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً } أي: ملجأ ومعدلاً وحرزاً، والملتحد معناه في اللغة الممال أي: موضعاً أميل إليه. قال قتادة: مولى. وقال السديّ: حرزاً، وقال الكلبي: مدخلاً في الأرض مثل السرب. وقيل: مذهباً ومسلكاً، والمعنى متقارب، ومنه قول الشاعر:شعر : يا لهف نفسي ولهفاً غير مجدية عني وما من قضاء الله ملتحد تفسير : والاستثناء في قوله: {إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ ٱللَّهِ } هو من قوله {لا أملك} أي: لا أملك ضرّاً ولا رشداً إلاّ التبليغ من الله، فإن فيه أعظم الرشد، أو من ملتحداً، أي: لن أجد من دونه ملجأ إلاّ التبليغ. قال مقاتل: ذلك الذي يجيرني من عذابه. وقال قتادة: إلاّ بلاغاً من الله، فذلك الذي أملكه بتوفيق الله، فأما الكفر والإيمان فلا أملكهما. قال الفراء: لكن أبلغكم ما أرسلت به، فهو على هذا منقطع. وقال الزجاج: هو منصوب على البدل من قوله: {مُلْتَحَدًا } أي: ولن أجد من دونه ملتحداً إلاّ أن أبلغ ما يأتي من الله، وقوله: {وَرِسَـٰلَـٰتِهِ } معطوف على {بلاغاً} أي: إلاّ بلاغاً من الله، وإلاّ رسالاته التي أرسلني بها إليكم، أو إلاّ أن أبلغ عن الله، وأعمل برسالاته، فآخذ نفسي بما آمر به غيري. وقيل: الرسالات معطوفة على الاسم الشريف، أي: إلاّ بلاغاً عن الله وعن رسالاته، كذا قال أبو حيان ورجحه {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } في الأمر بالتوحيد لأن السياق فيه {فإن لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ } قرأ الجمهور بكسر إن على أنها جملة مستأنفة. وقرىء بفتح الهمزة؛ لأن ما بعد فاء الجزاء موضع ابتداء، والتقدير: فجزاؤه أن له نار جهنم. أو فحكمه أن له نار جهنم، وانتصاب {خَـٰلِدِينَ فِيهَا } على الحال، أي: في النار، أو في جهنم، والجمع باعتبار معنى مَن كما أن التوحيد في قوله: {فَإِنَّ لَهُ } باعتبار لفظها، وقوله: {أَبَدًا } تأكيد لمعنى الخلود، أي: خالدين فيها بلا نهاية {حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ } يعني: من العذاب في الدنيا أو في الآخرة. والمعنى لا يزالون على ما هم عليه من الإصرار على الكفر وعداوة النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين حتى إذا رأوا الذي يوعدون به {فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً } أي: من هو أضعف جنداً ينتصر به، وأقلّ عدداً أهم أم المؤمنون؟ {قُلْ إِنْ أَدْرِى أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ } أي: ما أدري أقريب حصول ما توعدون من العذاب {أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبّى أَمَداً } أي: غاية ومدّة. أمره الله سبحانه أن يقول لهم هذا القول لما قالوا له: متى يكون هذا الذي توعدنا به؟ قال عطاء: يريد أنه لا يعرف يوم القيامة إلاّ الله وحده، والمعنى أن علم وقت العذاب علم غيب لا يعلمه إلاّ الله. قرأ الجمهور: {ربي} بإسكان الياء. وقرأ الحرميان، وأبو عمرو بفتحها، "وَمِنْ" في: {مَنْ أَضْعَفُ } موصولة، وأضعف خبر مبتدأ محذوف، أي: هو أضعف، والجملة صلة الموصول، ويجوز أن تكون استفهامية مرتفعة على الابتداء، وأضعف خبرها، والجملة في محل نصب سادة مسدّ مفعولي أدري، وقوله: {أَقَرِيبٌ } خبر مقدّم {وَمَا تُوعَدُونَ } مبتدأ مؤخر. {عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ } قرأ الجمهور بالرفع على أنه بدل من ربي، أو بيان له، أو خبر مبتدأ محذوف، والجملة مستأنفة مقرّرة لما قبلها من عدم الدراية. وقرىء بالنصب على المدح. وقرأ السدي علم الغيب بصيغة الفعل ونصب الغيب، والفاء في: {فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً } لترتيب عدم الإظهار على تفرّده بعلم الغيب، أي: لا يطلع على الغيب الذي يعلمه، وهو ما غاب عن العباد أحداً منهم، ثم استثنى فقال: {إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ } أي: إلاّ من اصطفاه من الرسل، أو من ارتضاه منهم لإظهاره على بعض غيبه؛ ليكون ذلك دالاً على نبوّته. قال القرطبي: قال العلماء: لما تمدح سبحانه بعلم الغيب، واستأثر به دون خلقه كان فيه دليل أنه لا يعلم الغيب أحد سواه، ثم استثنى من ارتضى من الرسل، فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم، وجعله معجزة لهم ودلالة صادقة على نبوّتهم، وليس المنجم ومن ضاهاه ممن يضرب بالحصى، وينظر في الكف، ويزجر بالطين ممن ارتضاه من رسول، فيطلعه على ما يشاء من غيبه، فهو كافر بالله مفتر عليه بحدسه وتخمينه وكذبه. وقال سعيد بن جبير: إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ هو جبريل، وفيه بعد. وقيل: المراد بقوله: {إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ } فإنه يطلعه على بعض غيبه، وهو ما يتعلق برسالته كالمعجزة، وأحكام التكاليف، وجزاء الأعمال، وما يبينه من أحوال الآخرة، لا ما لا يتعلق برسالته من الغيوب، كوقت قيام الساعة ونحوه. قال الواحدي: وفي هذا دليل على أن من ادّعى أن النجوم تدله على ما يكون من حادث فقد كفر بما في القرآن. قال في الكشاف: وفي هذا إبطال للكرامات، لأن الذين تضاف إليهم، وإن كانوا أولياء مرتضين فليسوا برسل، وقد خصّ الله الرسل من بين المرتضين بالاطلاع على الغيب، وإبطال للكهانة والتنجيم؛ لأن أصحابهما أبعد شيء من الارتضاء، وأدخله في السخط. قال الرازي: وعندي لا دلالة في الآية على شيء مما قالوه إذ لا صيغة عموم في غيبه، فتحمل على غيب واحد، وهو وقت القيامة لأنه واقع بعد قوله: {أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ } الآية. فإن قيل: فما معنى الاستثناء حينئذٍ؟ قلنا: لعله إذا قربت القيامة يظهره، وكيف لا؟ وقد قال: {أية : ويَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَاء بِٱلْغَمَـٰمِ وَنُزّلَ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ تَنزِيلاً } تفسير : [الفرقان: 25] فتعلم الملائكة حينئذٍ قيام القيامة، أو هو استثناء منقطع أي: من ارتضاه من رسول يجعل من بين يديه ومن خلفه حفظة يحفظونه من شرّ مردة الجنّ والإنس. ويدلّ على أنه ليس المراد به لا يطلع أحداً على شيء من المغيبات أنه ثبت، كما يقارب التواتر أن شقاً وسطيحاً كانا كاهنين وقد عرّفا بحديث النبيّ صلى الله عليه وسلم قبل ظهوره، وكانا مشهورين بهذا العلم عند العرب حتى رجع إليهما كسرى. فثبت أن الله تعالى قد يطلع غير الرسل على شيء من المغيبات، وأيضاً أطبق أهل الملل على أن معبر الرؤيا يخبر عن أمور مستقبلة، ويكون صادقاً فيها، وأيضاً قد نقل السلطان سنجر بن ملك شاه كاهنة من بغداد إلى خراسان، وسألها عن أمور مستقبلة، فأخبرته بها، فوقعت على وفق كلامها. قال: وأخبرني ناس محققون في علم الكلام والحكمة أنها أخبرت عن أمور غائبة بالتفصيل، فكانت على وفق خبرها. وبالغ أبو البركات في كتاب التعبير في شرح حالها وقال: فحصت عن حالها ثلاثين سنة، فتحققت أنها كانت تخبر عن المغيبات إخباراً مطابقاً. وأيضاً فإنا نشاهد ذلك في أصحاب الإلهامات الصادقة، وقد يوجد ذلك في السحرة أيضاً، وقد نرى الأحكام النجومية مطابقة، وإن كانت قد تتخلف، ولو قلنا إن القرآن يدل على خلاف هذه الأمور المحسوسة لتطرّق الطعن إلى القرآن، فيكون التأويل ما ذكرنا، انتهى كلامه. قلت: أما قوله إذ لا صيغة عموم في غيبه، فباطل، فإن إضافة المصدر واسم الجنس من صيغ العموم، كما صرّح به أئمة الأصول وغيرهم. وأما قوله: أو هو استثناء منقطع، فمجرّد دعوى يأباه النظم القرآني. وأما قوله: إن شقاً وسطيحاً إلخ، فقد كانا في زمن تسترق فيه الشياطين السمع، ويلقون ما يسمعونه إلى الكهان، فيخلطون الصدق بالكذب، كما ثبت في الحديث الصحيح. وفي قوله: {أية : إِلاَّ مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ } تفسير : [الصافات: 10] ونحوها من الآيات، فباب الكهانة قد ورد بيانه في هذه الشريعة، وأنه كان طريقاً لبعض الغيب بواسطة استراق الشياطين حتى منعوا ذلك بالبعثة المحمدية. وقالوا: {أية : وأَنَاْ لَمَسْنَا ٱلسَّمَاء فَوَجَدْنَـٰهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَـٰعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً }تفسير : [الجن: 8 ـ 9] فباب الكهانة في الوقت الذي كانت فيه مخصوص بأدلته، فهو من جملة ما يخصص به هذا العموم، فلا يرد ما زعمه من إيراد الكهانة على هذه الآية. وأما حديث المرأة الذي أورده فحديث خرافة، ولو سلم وقوع شيء مما حكاه عنها من الأخبار لكان من باب ما ورد في الحديث «حديث : إن في هذه الأمة محدّثين، وإن منهم عمر» تفسير : فيكون كالتخصيص لعموم هذه الآية لا انقضاء لها، وأما ما اجترأ به على الله وعلى كتابه من قوله في آخر كلامه. فلو قلنا: إن القرآن يدلّ على خلاف هذه الأمور المحسوسة لتطرق الطعن إلى القرآن، فيقال له: ما هذه بأوّل زلة من زلاتك، وسقطة من سقطاتك، وكم لها لديك من أشباه ونظائر نبض بها عرق فلسفتك، وركض بها الشيطان الذي صار يتخبطك في مباحث تفسيرك، يا عجباً لك أيكون ما بلغك من خبر هذه المرأة ونحوه موجباً لتطرّق الطعن إلى القرآن، وما أحسن ما قاله بعض أدباء عصرنا:شعر : وإذا رامت الذبابة للشمـ ـس غطاء مدّت عليها جناحا تفسير : وقلت من أبيات:شعر : مهب رياح سدّه بجناح وقابل بالمصباح ضوء صباح تفسير : فإن قلت: إذن قد تقرّر بهذا الدليل القرآني أن الله يظهر من ارتضى من رسله على ما شاء من غيبه، فهل للرسول الذي أظهره الله على ما شاء من غيبه أن يخبر به بعض أمته؟ قلت: نعم، ولا مانع من ذلك. وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا ما لا يخفى على عارف بالسنة المطهرة، فمن ذلك ما صحّ أنه قام مقاماً أخبر فيه بما سيكون إلى يوم القيامة، وما ترك شيئًا مما يتعلق بالفتن ونحوها، حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه، وكذلك ما ثبت من أن حذيفة بن اليمان كان قد أخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يحدث من الفتن بعده، حتى سأله عن ذلك أكابر الصحابة ورجعوا إليه. وثبت في الصحيح وغيره «أن عمر بن الخطاب سأله عن الفتنة التي تموج كموج البحر، فقال: إن بينك وبينها باباً، فقال عمر: هل يفتح أو يكسر؟ فقال: بل يكسر، فعلم عمر أنه الباب، وأن كسره قتله»، كما في الحديث الصحيح المعروف أنه قيل لحذيفة: هل كان عمر يعلم ذلك؟ فقال: نعم كان يعلم أن دون غد الليلة. وكذلك ما ثبت من إخباره لأبي ذرّ بما يحدث له، وإخباره لعليّ بن أبي طالب بخبر ذي الثدية، ونحو هذا مما يكثر تعدده، ولو جمع لجاء منه مصنف مستقلّ. وإذا تقرّر هذا فلا مانع من أن يختصّ بعض صلحاء هذه الأمة بشيء من أخبار الغيب التي أظهرها الله لرسوله، وأظهرها رسوله لبعض أمته، وأظهرها هذا البعض من الأمة لمن بعدهم، فتكون كرامات الصالحين من هذا القبيل، والكل من الفيض الرّباني بواسطة الجناب النبويّ. ثم ذكر سبحانه أنه يحفظ ذلك الغيب الذي يطلع عليه الرسول فقال: {فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً } والجملة تقرير للإظهار المستفاد من الاستثناء، والمعنى: أنه يجعل سبحانه بين يدي الرسول ومن خلفه حرساً من الملائكة يحرسونه من تعرّض الشياطين لما أظهره عليه من الغيب، أو يجعل بين يدي الوحي وخلفه حرساً من الملائكة يحوطونه من أن تسترقه الشياطين، فتلقيه إلى الكهنة، والمراد من جميع الجوانب. قال الضحاك: ما بعث الله نبياً إلاّ ومعه ملائكة يحفظونه من الشياطين أن يتشبهوا بصورة الملك، فإذا جاءه شيطان في صورة الملك قالوا: هذا شيطان فاحذره، وإن جاءه الملك قالوا: هذا رسول ربك. قال ابن زيد: {رَّصَداً}، أي: حفظة يحفظون النبيّ صلى الله عليه وسلم من أمامه وورائه من الجنّ والشياطين. قال قتادة، وسعيد بن المسيب: هم أربعة من الملائكة حفظة. وقال الفراء: المراد جبريل. قال في الصحاح: الرصد القوم يرصدون كالحرس يستوي فيه الواحد والجمع والمؤنث، والرصد للشيء الراقب له، يقال: رصده يرصده رصداً ورصداً، والترصد الترقب، والمرصد موضع الرصد. {لّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَـٰلَـٰتِ رَبّهِمْ } اللام متعلق بـ {يسلك}، والمراد به: العلم المتعلق بالإبلاغ الموجود بالفعل، وأن هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، والخبر الجملة، والرسالات عبارة عن الغيب الذي أريد إظهاره لمن ارتضاه الله من رسول، وضمير أبلغوا يعود إلى الرصد. وقال قتادة، ومقاتل: ليعلم محمد أن الرسل قبله قد أبلغوا الرسالة كما بلغ هو الرسالة، وفيه حذف تتعلق به اللام، أي: أخبرناه بحفظنا الوحي ليعلم أن الرسل قبله كانوا على حالته من التبليغ. وقيل: ليعلم محمد أن جبريل ومن معه قد أبلغوا إليه رسالات ربه، قاله سعيد بن جبير. وقيل: ليعلم الرسل أن الملائكة قد بلغوا رسالات ربهم. وقيل: ليعلم إبليس أن الرسل قد أبلغوا رسالات ربهم من غير تخليط. وقال ابن قتيبة، أي: ليعلم الجنّ أن الرسل قد أبلغوا ما أنزل إليهم، ولم يكونوا هم المبلغين باستراق السمع عليهم. وقال مجاهد: ليعلم من كذب الرسل أن الرسل قد بلغوا رسالات ربهم. قرأ الجمهور: {ليعلم} بفتح التحتية على البناء للفاعل. وقرأ ابن عباس، ومجاهد، وحميد، ويعقوب، وزيد بن علي بضمها على البناء للمفعول، أي: ليعلم الناس أن الرسل قد أبلغوا. وقال الزجاج: ليعلم الله أن رسله قد أبلغوا رسالاته، أي: ليعلم ذلك عن مشاهدة كما علمه غيباً. وقرأ ابن أبي عبلة، والزهري بضم الياء وكسر اللام {وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ } أي: بما عنده الرصد من الملائكة، أو بما عند الرسل المبلغين لرسالاته، والجملة في محل نصب على الحال من فاعل يسلك بإضمار قد، أي: والحال أنه تعالى قد أحاط بما لديهم من الأحوال. قال سعيد بن جبير: ليعلم أن ربهم قد أحاط بما لديهم فبلغوا رسالاته، {وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَىْء عَدَداً } من جميع الأشياء التي كانت والتي ستكون، وهو معطوف على أحاط، وعدداً يجوز أن يكون منتصباً على التمييز محوّلاً من المفعول به، أي: وأحصى عدد كل شيء، كما في قوله: {أية : وَفَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُوناً }تفسير : [القمر: 12] ويجوز أن يكون منصوباً على المصدرية، أو في موضع الحال: معدوداً، والمعنى: أن علمه سبحانه بالأشياء ليس على وجه الإجمال، بل على وجه التفصيل، أي: أحصى كل فرد من مخلوقاته على حدة. وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال {ٱلْقَـٰسِطُونَ } العادلون عن الحقّ. وأخرج ابن جرير عنه في قوله: {وَأَلَّوِ ٱسْتَقَـٰمُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ } قال: أقاموا ما أمروا به {لأَسْقَيْنَـٰهُم مَّاء غَدَقاً } قال: معيناً. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن السديّ قال: قال عمر: {وَأَلَّوِ ٱسْتَقَـٰمُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَـٰهُم مَّاء غَدَقاً لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ } قال: حيثما كان الماء كان المال، وحيثما كان المال كانت الفتنة. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس: {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ } قال: لنبتليهم به. وفي قوله: {وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً } قال: شقة من العذاب يصعد فيها. وأخرج هناد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والحاكم وصححه عنه في قوله: {يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً } قال: حبلاً في جهنم. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً {عَذَاباً صَعَداً } قال: لا راحة فيه. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {وَأَنَّ ٱلْمَسَـٰجِدَ لِلَّهِ } قال: لم يكن يوم نزلت هذه الآية في الأرض مسجد إلاّ مسجد الحرام ومسجد إيلياء ببيت المقدس. وأخرج ابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل عن ابن مسعود قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة إلى نواحي مكة، فخط لي خطاً، وقال: «لا تحدثن شيئًا حتى آتيك، ثم قال: لا يهولنك شيئًا تراه»، فتقدم شيئًا؛ ثم جلس، فإذا رجال سود كأنهم رجال الزطّ، وكانوا كما قال الله تعالى: {كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً }. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال: لما سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يتلو القرآن كادوا يركبونه من الحرص لما سمعوه، ودنوا منه، فلم يعلم بهم حتى أتاه الرسول، فجعل يقرئه: {قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مّنَ ٱلْجِنّ }. وأخرج عبد بن حميد، والترمذي وصححه، وابن جرير، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والضياء في المختارة عنه أيضاً في الآية قال: «لما أتى الجنّ إلى رسول الله، وهو يصلي بأصحابه يركعون بركوعه، ويسجدون بسجوده، فعجبوا من طواعية أصحابه، فقالوا لقومهم: لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبداً». وأخرج ابن المنذر عنه أيضاً: {لَّمَا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ } أي: يدعو الله. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه {كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً } قال: أعواناً. وأخرج ابن المنذر، وابن مردويه عنه أيضاً: {فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ } قال: أعلم الله الرسول من الغيب الوحي، وأظهره عليه مما أوحي إليه من غيبه، وما يحكم الله، فإنه لا يعلم ذلك غيره. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه أيضاً: {رَّصَداً } قال: هي معقبات من الملائكة يحفظون رسول الله من الشياطين حتى تبين الذي أرسل إليهم به، وذلك حتى يقول أهل الشرك: قد أبلغوا رسالات ربهم. وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً قال: ما أنزل الله على نبيه آية من القرآن إلاّ ومعها أربعة من الملائكة يحفظونها، حتى يؤدّوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قرأ: {عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً } يعني: الملائكة الأربعة {لّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَـٰلَـٰتِ رَبّهِمْ }.

ابن عبد السلام

تفسير : {الْقَاسِطُونَ} الخاسرون أو الفاجرون أو الناكثون القاسط: الجائر لعدوله عن الحق والمقسط العادل لعدوله إلى الحق.

البقاعي

تفسير : ولما كان هذا ظاهراً في أنهم أسلموا كلهم، قالوا نافين لهذا الظاهر مؤكدين لأن إسلامهم مع شديد نفرتهم لا يكاد يصدق: {وأنا منا} أي أيها الجن {المسلمون} أي المخلصون في صفة الإسلام للهادي فأسلموه قيادهم فهم عريقون في ذلك مقسطون مستقيمون، فلا يفارقون الدليل فهم على الصراط السوي العدل الرضي، ومنا الجافون الكافرون {ومنا القاسطون} وهم الجائرون عن المنهج الأقوم الساقطون في المهامه المجاهل التي ليس بها معلم، فهم بربهم كافرون، ومنا المقسطون، يقال: قسط - إذا جار جوراً، أسقطه عن رتبة الإنسان إلى رتبة أدنى الحيوان، وأقسط - إذا أزال الجور فعدل، فالآية من الاحتباك: "المسلمون" يدل على الكافرين، و "القاسطون" يدل على المقسطين. ولما كانوا قد علموا مما سمعوا من القرآن أنه لا بد من البعث للجزاء، سببوا عن هذه القسمة قولهم: {فمن أسلم} أي أوقع الإسلام كله بأن أسلم ظاهره وباطنه للدليل من الجن ومن غيرهم. ولما كان في مقام الترغيب في الحق، ربط بفعلهم ذلك تسبيباً عنه قوله مدحاً لهم: {فأولٰئك} أي العالو الرتبة {تحروا} أي توخوا وقصدوا مجتهدين {رشداً *} أي صواباً عظيماً وسداداً، كان - لما عندهم من النقائص - شارداً عنهم فعالجوا أنفسهم حتى ملكوه فجعلوه لهم منزلاً، من قولهم: الحرا - بالقصر: أفحوص القطاة يأوي إليه الظبي، والناحية والموضع، وما أحراه بكذا: ما أوجبه له، وبالحرا أن يكون كذا أي خليق كونه، وفلان حري بكذا أي خليق، وقد يجيء بالحر - من غير ياء، يراد به بالجهد، وتحريت الشيء: قصدت ناحيته، فكان لهم ذلك إلى الجنة سبباً، ومن قسط فأولئك ضنوا فنالوا غياً وشططاً. ولما عرفوا بالأمن الاعتصام بطاعة الله، نبهوا على خطر التعرض لبطشه فقالوا: {وأما القاسطون} أي العريقون في صفة الجور عن الصواب من الجن وغيرهم فأولئك أهملوا أنفسهم فلم يتحروا لها فضلوا فأبعدوا عن المنهج فوقعوا في المهالك التي لا منجى منها: {فكانوا} بجبلاتهم {لجهنم} أي النار البعيدة القعر التي تلقاهم بالتجهم والكراهة والعبوسة {حطباً *} توقد بهم النار فهي في اتقاد ما داموا أحياء، وهم أحياء ما دامت تتقد لا يموتون فيستريحون ولا يحيون فينتعشون، فالآية من الاحتباك، وهو منطوق لما أوجبه من السياق لا مفهوم: ذكر التحري أولاً دليلاً على تركه ثانياً وذكر جهنم ثانياً دليلاً على حذف الجنة أولاً، وسر ذلك أنهم في مقام الترهيب فذكروا ما يحذر، وطووا ما يجب العلم به لأن الله تعالى لا يضيع لأحد أجراً بل لا يقتصر على ما يقابل الحسنة في العرف بل لا بد أن يزيد عليها تسعة أضعافها وعنده المزيد ولا حول ولا قوة لنا إلا به سبحانه وتعالى. ولما رغب ورهب سبحانه على ألسنة الجن بما هداهم له ونور قلوبهم به، وكانت الآية السالفة آخر ما حكى عنهم، وكان التقدير: أوحي إلي أن القاسطين من قومي وغيرهم لو آمنوا فعل بهم من الخير ما فعل بمؤمني الجني حين آمنوا، فأغناهم الله في الدنيا بحلاله عن حرامه من غير كلفة فكسا لهم كل عظم لقوه لحماً أوفر ما كان، وأعاد لهم كل روث رأوه أحسن ما كان ببركة هذا النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم {وأن} أي وأوحي إليّ أن الشأن العظيم {لو استقاموا} أي طلب القاسطون من الخلق كلهم الجن والإنس القوم وأوجدوه، كائنين {على الطريقة} أي التي لا طريقة غيرها وهي التي فهمها الجن من القرآن من الإسلام والإقساط المؤدية إلى الفلاح في الدارين. ولما كان الماء أصل كل خير كما قال تعالى في قصة نوح عليه الصلاة والسلام{أية : يرسل السماء عليكم مدراراً}تفسير : [نوح: 11] وكان منه كل شيء حيّ وكان عزيزاً عند العرب، قال معظماً له بالالتفات إلى مظهر العظمة: {لأسقيناهم} أي جعلنا لهم بما عندنا من العظمة {ماء غدقاً *} أي كثيراً عظيماً عظيم النفع نكثر به الرزق ونزين به الأرض ونرغد به العيش. ولما كانت نعمه فضلاً منه وليس مستحقة عليه بعبادة ولا غيرها، قال تعالى معرفاً غايتها استحقاق الثواب أو العقاب على ما كتبه على نفسه سبحانه ولا يبدل القول لديه وأن جميع ما يعامل به عباده سبحانه وتعالى من نفع وضر إنما هو فتنة لهم يستخرج ما جبلوا عليه من حسن أو قبيح: {لنفتنهم} أي نعاملهم معاملة المختبر بما لنا من العظمة {فيه} أي في ذلك الماء الذي تكون عنه أنواع النعم لينكشف حال الشاكر والكافر، قال الرازي: وهذا بعد ما حبس عنهم المطر سنين - انتهى. وقال غيره: قال عمر رضي الله تعالى عنه: أينما كان الماء كان المال، وأينما كان المال كانت الفتنة. وقال الحسن وغيره: كانوا سامعين مطيعين ففتحت عليهم كنوز كسرى وقيصر ففتنوا بها فوثبوا بإمامهم فقتلوه - يعني عثمان رضي الله تعالى عنه ويجوز أن يكون مستعاراً للعلم وأنواع المعارف الناشئة عن العبادات التي هي للفنوس كالنفوس للأبدان وتكون الفتنة بمعنى التخليص من الهموم الرذائل في الدنيا والنقم في الآخرة، من فتنت الذهب - إذا خلصته من غشه. ولما كان التقدير: فمن يقبل على ذكر ربه ننعمه في دار السلام أبداً، عطف عليه قوله: {ومن يعرض} أي إعراضاً مستمراً إلى الموت {عن ذكر ربه} أي مجاوزاً عن عبادة المحسن إليه المربي له الذي لا إحسان عنده من غيره {يسلكه} أي ندخله {عذاباً} يكون مطرفاً له كالخيط يكون في ثقب الخرزة في غاية الضيق {صعداً *} أي شاقاً شديداً يعلوه ويغلبه ويصعد عليه، ويكون كل يوم أعلى مما قبله جزاء وفاقاً، فإن الإعراض كلما تمادى زمانه كان أقوى مما كان. ولما كان التقدير: لأنه أوحى إليّ أن الأمر على ما تتعارفونه بينكم من أن من خدم غير سيده عذبه أبداً، عطف عليه قوله مبيناً لسيرة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وما يجب لهم من الكمال الذي يكون بقوتي العلم والعمل، والتكميل الذي يكون بهما مع قوة البيان، ومن لم يكن كاملاً لم يتصور منه تكميل ليكون له ولد قلب كما أن من لم يكن بالغاً لم يتحقق منه ولد صلب، ومبيناً لما يجوز عليهم وما يستحيل منهم وما لله تعالى من العناية بشأنهم: {وأن} أي وأوحى إليّ أن {المساجد} أي مواضع السجود من العالم الآفاقي من الأرض ومن العالم النفسي من الجسد - كما قاله سعيد بن جبير وطلق بن حبيب {لله} أي مختصة بالملك الأعظم {فلا تدعوا} أي بسبب ذلك أيها المخلوقون على وجه العادة {مع الله} أي الذي له جميع العظمة {أحداً *} لأن من تعبد لغير سيده في ملك سيده الذي هو العالم الآفاقي وبآلة سيده الذي هو العالم النفسي كان أشد الناس لوماً وعقوبة فكيف يليق بكم أن يخلق لكم وجهاً ويدين ورجلين وأرضاً تنتفعون بها وسماء تتم فنعها فتسجدون بالأعضاء التي أوجدها لكم في الأرض التي أمكنكم من الانتفاع بها تحت السماء التي أتم منافعها بها لغيره فتكونون قد صرفتم نعمة السيد التي يجب شكره عليها لغيره أيفعل هذا عاقل؟ قال البغوي: فإن جعلت المساجد مواضع الصلاة فواحدها بكسر الجيم، وإن جعلتها الأعضاء فواحدها بفتح الجيم.

اسماعيل حقي

تفسير : {وانا منا المسلمون} اى بعد استماع القرءآن {ومنا القاسطون} الجائرون عن طريق الحق الذى هو الايمان والطاعة فالقاسط الجائر لانه عادل عن الحق والمقسط العادل لانه عادل الى الحق يقال قسط اذا جاروأقسط اذا عدل وقد غلب هذا الاسم اى القاسط على فرقة معاوية ومنه الحديث خطابا لعلى رضى الله عنه (تقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين) فالناكثون اصحاب عائشة رضى الله عنها فانهم الذين نكثوا البيعة اى نقضوها واستنزلوا عائشة وساروا بها الى البصرة على جمل اسمه عسكر ولذا سميت الوقعة يوم الجمل والقاسطون اصحاب معاوية لانهم قسطوا اى جاروا حين حاربوا الامام الحق والواقعة تعرف بيوم صفين والمارقون الخوارج فانهم الذين مرقوا اى خرجوا من دين الله واستحلوا القتال مع خليفة رسول الله عليه السلام وهم عبد الله ابن وهب الراسى وحرقوص بن زهير البجلى المعروف بذى الثدية وتعرف تلك الواقعة بيوم النهروان هى من ارض العراق على اربعة فراسخ من بغداد {فمن اسلم} بس هركه كردن نهاد امر خدايرا همجنانجه ما كرده ايم قال سعدى المفتى يجوز أن يكون من كلام الجن ويجوز أن يكون مخاطبة من الله لرسوله ما فيما بعده من الآيات {فاولئك} اشارة الى من اسلم والجمع باعتبار المعنى {تحروا} التحرى فى الاصل طلب الآحرى والاليق قولا او فعلا اى طلبوا وقصدوا {رشدا} يقال رشد كنصر وفرح رشد او رشدا رشادا اهتدى كما فى القاموس اى اهتدآء الى طريق الحق والصواب يبلغهم على دار الثواب فتحرى الرشد مجاز عن ذلك بعلاقة السببية وبالفارسية قصد كرده انداره راست وازان بمقصد خواهندرسيد. ودل على ان للجن ثوابا على اعمالهم لانه ذكر سبب الثواب وموجبه وقد سبق تحقيقه.

الجنابذي

تفسير : {وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَاسِطُونَ} اى الخارجون عن الحقّ {فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـٰئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً} عن الباقر (ع) اى الّذين اقرّوا بولايتنا.

فرات الكوفي

تفسير : قال: حدثنا أبو القاسم العلوي [قال: حدثنا فرات] معنعناً: عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: {أية : إنّ الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا}تفسير : [30/ فصلت و13/ الأحقاف] فقال: هو والله ما أنتم عليه {وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءً غدقاً} يعني من [أ: ما] جرى فيه شيء من شرك الشيطان يعني {على الطريقة} على الولاية في الأصل عند الأظلة حين أخذ الله الميثاق من ذرية آدم {لأسقيناهم ماءً غدقاً} قال: كنا وضعنا أظلتهم في الماء الفرات العذب. قال: حدثنا الحسن بن علي بن رحيم معنعناً: عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه قال: افتقدت أمير المؤمنين عليه السلام لم أره بالمدينة أياماً فغلبني الشوق [لأراه. أ (خ ل) فجئت [ب: شوق محبته] فأتيت أم سلمة المخزومية فوقفت بالباب فخرجت وهي تقول: من بالباب؟ فقلت: أنا جابر بن عبد الله. فقالت: يا جابر ما حاجتك؟ قلت: إني فقدت [ب: افتقدت] سيدي أمير المؤمنين [عليه السلام و. ب] لم أره بالمدينة مذ [أ: منذ] أيام فغلبني الشوق إليه أتيتك لأسألك ما فعل أمير المؤمنين. فقالت: يا جابر أمير المؤمنين في السفر. فقلت: في أي سفر؟ فقالت: يا جابر علي في برجات منذ ثلاث! فقلت: في أي برجات؟ فأجافت الباب [ب: بالباب] دوني فقالت: يا جابر ظننتك أعلم مما أنت [فيه. أ، ب] صر إلى مسجد النبي [صلى الله عليه وآله وسلم. أ، ب] فإنك سترى علياً [صلوات الله عليه. أ] فأتيت المسجد فإذا أنا بساجد من نورٍ وسحاب من نور ولا أرى علياً [صلوات الله عليه. أ] فقلت: يا عجبا غرتني أم سلمة فتلبثت [ب: فلبثت] قليلاً إذ تطامن السحاب وانشقت ونزل منها أمير المؤمنين وفي كفه سيف يقطر دماً، فقام إليه الساجد فضمه إليه وقبل بين عينيه وقال: الحمد لله يا أمير المؤمنين الذي نصرك على أعدائك وفتح على يديك، لك إليَّ حاجة؟ قال: حاجتي إليك تقرء ملائكة السماوات مني السلام وتبشرهم بالنصر. ثم ركب السحاب فطار فقمت إليه وقلت: يا أمير المؤمنين إني لم أرك بالمدينة أياماً فغلبني الشوق إليك فأتيت أم سلمة المخزومية لأسألها عنك فوقفت بالباب فخرجت وهي تقول: من بالباب؟ فقلت: أنا جابر [بن عبد الله الأنصاري. أ، ب] فقالت: ما حاجتك يا أخا الأنصار؟ فقلت: إني فقدت أمير المؤمنين ولم أره بالمدينة فأتيتك لأسألك ما فعل أمير المؤمنين؟ فقال: يا جابر اذهب إلى المسجد فإنك ستراه فأتيت المسجد فإذا أنا بساجد من نور وسحاب من نورٍ ولا أراك فلبثت قليلاً إذ تطامن السحاب وانشقت ونزلت وفي يدك سيف يقطر دماً فأين كنت يا أمير المؤمنين؟ قال: يا جابر كنت في برجات منذ ثلاث. فقلت: وايش! صنعت في برجات؟ فقال لي: يا جابر ما أغفلك أما علمت أن ولايتي عرضت على أهل السماوات و من فيها وأهل الأرضين [ب: الأرض] ومن فيها فأبت طائفة من الجن ولايتي فبعثني حبيبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بهذا السيف فلما وردت الجنّ افترقت الجن ثلاث فرق: فرقة طارت بالهواء فاحتجبت مني، وفرقة آمنت بي وهي الفرقة التي نزلت فيها الآية من {قل أوحي} وفرقة جحدتني [ظ] حقي فجادلتها بهذا السيف سيف حبيبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حتى قتلتها عن آخرها. فقلت: الحمد لله يا أمير المؤمنين فمن كان الساجد؟ فقال لي: يا جابر كان [أ: إن] الساجد أكرم الملائكة على الله صاحب الحجب وكله الله [تعالى. ر] بي إذا كان أيام الجمعة [ويوم الجمعة!. أ، ب] يأتيني بأخبار السماوات والسلام من الملائكة ويأخذ السلام من ملائكة السماوات إلي. قال: حدثنا أبو القاسم العلوي [قال: حدثنا فرات] معنعناً: عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام في قول الله [عز ذكره. أ، ب]: {فمن أسلم فأولئك تحروا رشداً} الذين أقروا بولايتنا فأولئك تحروا رشداً {وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءً غدقاً لنفتنهم فيه} قتل الحسين [عليه. السلام. أ] {ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذاباً صعداً وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً} وإن الأئمة من أهل بيت محمد صلى الله عليه وآله وسلم فلا تتخذ وآمن غيرهم إماماً {وإنه لما قام عبد الله يدعوه} يعني محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يدعوهم إلى ولاية علي كادت قريش {[كادوا. ر] يكونون عليه لبداً} [أي. ر] يتعاون [ق، خ: يتعادون] عليه {قل: إنما أدعو ربي} أي أمر ربي {[ولا أشرك به أحداً قل إني. ر] لا أملك لكم ضراً ولا رشداً} [أي. ر] إن أراد الله أن يضلكم عن ولايته ضراً ولا رشداً {قل: إني لن يجيرني من الله أحدٌ} إن [كتمت ما] أمرت به {ولن أجد من دونه ملتحداً} يعني: ولا {إلا بلاغاً من الله} أبلغكم ما أهدى [ق: أمرني] الله به من ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام {ومن يعص الله ورسوله} في ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام [ر: ولايته] {فإن له نار جهنم خالدين فيها أبداً} قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: حديث : يا علي أنت قسيم النار تقول هذا لي وهذا لك، قالوا: فمتى يكون ما تعدنا يا محمد من أمر علي والنار؟ فأنزل الله تعالى: {حتى إذا رأوا ما يوعدون} يعني الموت والقيامة {فسيعلمون من أضعف ناصراً وأقل عدداً} قالوا: فمتى يكون هذا؟ قال الله لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم: {قل: إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمداً} قال: أجلاً {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول} تفسير : قال: يعني علي المرتضى من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو منه قال الله: {فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً} قال: في قلبه العلم و من خلفه الرصد يعلمه علمه ويزقه العلم زقاً ويعلمه الله إلهاماً، قال: فالإلهام [من الله. أ، ب] والرصد التعليم من النبي صلى الله عليه وآله وسلم بلغ الله: أن قد بلّغ رسالات ربي {وأحاط} [علي. ق] بما لدى الرسول من العلم {وأحصى كل شيءٍ عدداً} ما كان وما يكون منذ خلق الله آدم [عليه الصلاة والسلام. ر] إلى أن تقوم الساعة من فتنة أو زلزلة أو خسف أو قذف أو أمة هلكت فيما مضى أو تهلك فيما بقى، فكم من إمام جائر أو عادل أو من يموت موتاً أو يقتل قتلاً، وكم من إمام مخذول لا يضره خذلان من خذله وكم من إمام منصور لا ينفعه نصرة من نصره. [فرات. ب] قال: حدثني علي بن محمد بن علي بن عمر الزهري معنعناً: عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى: {وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءاً غدقاً} قال: لو استقاموا على ولاية [أمير المؤمنين. أ] علي بن أبي طالب عليه السلام ما ضلوا أبداً. [فرات. ب، ش] قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري [قال: حدثني محمد بن أحمد المدائني قال: حدثني هارون بن مسلم عن الحسين بن علوان عن علي بن غراب عن الكلبي عن أبي صالح. ش]: عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى: {ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذاباً صعداً} قال: {ذكر ربه} ولاية علي بن أبي طالب عليه [وعلى أولاده. ش. الصلاة و. أ] السلام [والتحية والاكرام. أ].

اطفيش

تفسير : {وَإِنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا القَاسِطُونَ} المائلون عن طريق الهدى الإيمان والطاعة يقال فلان قاسط أى جاير اشتقاقاً من القسط بفتح القاف وقاسط أى عادل إشتقاقاً من القسط بكسرها وفعل الأول كضرب يضرب والثاني كضرب يضرب ونصر ينصر وعن سعيد بن جبير أن الحجاج قال له حين أراد قتله ما تقول فىّ قال قاسط عادل فقال القوم ما أحسن ما قال حسبوا أنه يصفه بالقسط والعدل فقال الحجاج يا جهله إنه سماني ظالماً جايراً وروى ظالماً مشركاً ولا يصح أن يريد أن الحجاج مشرك وتلا لحجاج لهم {وَأمَّا الْقَاسِطُونَ} قيل وتلا أيضاً {أية : ثم الذين كفروا بربهم يعدلون}تفسير : {فَمَنْ أَسْلَمَ فَأوُلَئِكَ تَحَرَّوْا} قصدوا *{رَشَدًا} هداية وتنكيره تعظيم أى رشداً عظيماً يبلغهم إلى دار الثواب وكفى بذلك وعداً لهم حيث ذكر سبب الثواب والله أعدل من أن يعاقب الجاير ولا يثيب الراشد فبطل قول بعضهم أنه لا ثواب للجن وأن فى الآية دليلا على ذلك يعني عليهم العقاب دون الثواب حيث ذكر تحريهم دون ثوابه وذكر عقباهم بقوله {وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ} المشركون {فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً} وقوداً يوم القيامة وعبر بالماضى لتحقق الوقوع وإحضار ذلك العذاب العظيم والظاهر أن قوله فمن أسلم اليّ حطباً من كلامه لا من كلام الجن ويتألمون بالنار ولو خلقوا من النار لقدرة الله على تعذيب النار ولتفات وما بين النار ولتغيرهم عن حال النار واستغنى عن ذكر ما مر تبين بقوله {فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا} أو تقدر فيه إما {وَإِنْ} مخففة وإسمها محذوف وجوبا ضمير الشان أو ضمير غير الشان محذوفا جوازا، وأوجب بعضهم الأول وعلى الثاني فالتقدير انهم وهكذا فى مثل ذلك {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا} أى الجن والعطف على انه استمع فهو من جملة الموحي *{عَلَى الطَّرِيقَةِ} المثلى أي لو ثبت أبوهم الجان على ما كان عليه من عبادة الله ولم يستكبر عن السجود لادم ولم يكفر وتبعه ولده على الإسلام *{لأسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا} أي واسعا كثيراً وهذه كناية عن الأنعام وتوسيع الرزق لأن الماء أصل المعاش وسعة الرزق وهو عزيز الوجود بين العرب وقرئ بكسر الدال.

اطفيش

تفسير : {وَأنَّا} معشر الجن. {مِنَّا المُسْلِمُونَ} من حين سمعناهم نحن {وَمِنَّا القَاسِطُونَ} المائلون عن الإِسلام وهم من حضر منا القرآن ولم يؤمن، وسائر الجن الكفرة أو من الجن مسلمون بالإِنجيل الذى لم يغير وعمل به وترتب على ذلك أنهم قسمان أهل جنة وأهل نار كما قال: {فَمَنْ أسْلَمَ} من الجن والإِنس، وقيل أرادوا الجن أذعن للتوحيد والعمل بمقتضاه. {فَأُولَئِكَ} أى من أسلم والجمع لمعنى من كما أن الإِفراد فى أسلم للفظها وإِشارة البعد لتعظيمهم. {تَحَرَّوْا} قصدوا. {رَشَداً} صلاحاً عظيماً يوصلهم إِلى الجنة ولم يذكر الجنة بل سببها كذكر الشئ بذكر برهانه الذى لا يتخلف وهو لا يخلف الوعد ولا الوعيد.

الالوسي

تفسير : {وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَـٰسِطُونَ } الجائرون عن طريق الحق الذي هو الإيمان والطاعة، يقال قسط الرجل إذا جار وأنشدوا: شعر : قوم هم قتلوا ابن هند عنوة عمرا وهم قسطوا على النعمان تفسير : {فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـئِكَ } الإشارة إلى من أسلم والجمع باعتبار المعنى {تَحَرَّوْاْ } توخوا وقصدوا {رَشَدًا } عظيماً مبلغهم إلى الدار للثواب. وقرأ الأعرج (رشداً) بضم الراء وسكون الشين.

ابن عاشور

تفسير : قرأ الجمهور وأبو جعفر بكسر الهمزة. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص وخلف بفتحها وهو من قول الجن وهو عطف على المجرور بالباء. والمقصود بالعطف قوله: {فمن أسلم فأولئك تحَرَّوْا رشداً} وما قبله توطئة له، أي أصبحنا بعد سماع القرآن منا المسلمون، أي الذين اتبعوا ما جاء به الإِسلام مما يليق بحالهم ومنا القاسطون، أي الكفارون المعرضون وهذا تفصيل لقولهم: { أية : وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك}تفسير : [الجن: 11] لأن فيه تصريحاً بأن دون ذلك هو ضد الصلاح. والظاهر أن من منتهى ما حكي عن الجن من المدرَكات التي عبر عنها بالقول وما عطف عليه. {فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـٰئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً} الظاهر أن هذا خارج عن الكلام المحكي عن الجن، وأنه كلام من جانب الله تعالى لموعظة المشركين من الناس فهو في معنى التذييل. وإنما قرن بالفاء لتفريعه على القصة لاستخلاص العبرة منها، فالتفريع تفريع كلام على كلام وليس تفريع معنى الكلام على معنى الكلام الذي قبله. والتحري: طلب الحَرَا بفتحتين مقصوراً واويّاً، وهو الشيء الذي ينبغي أن يفعل، يقال: بالحرّي أن تفعل كذا، وأحْرى أن تفعل. والرشَد: الهدى والصواب، وتنوينه للتعظيم. والمعنى: أن من آمن بالله فقد توخى سبب النجاة وما يحصل به الثواب لأن الرشد سبب ذلك. والقاسط: اسم فاعل قسط من باب ضَرب قَسْطاً بفتح القاف وقسوطاً بضمها، أي جار فهو كالظلم يراد به ظلم المرء نفسه بالإِشراك. وفي «الكشاف»: أن الحجاج قال لسعيد بن جبير حين أراد قتله ما تقول فيَّ؟ قال: قَاسط عَادِل، فقال القومُ: مَا أحسَنَ ما قالَ! حسبوا أنه وصفه بالقِسط (بكسر القاف) والعدل، فقال الحجاج: يا جَهلة إنه سمّاني ظالماً مشركاً وتلا لهم قوله تعالى: {وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً} وقولَه تعالى: {أية : ثم الذين كفروا بربّهم يعدلون}تفسير : [الأنعام: 1] اهــــ. وشبه حلول الكافرين في جهنم بحلول الحطب في النار على طريقة التمليح والتحقير، أي هم لجهلهم كالحطب الذي لا يعقل كقوله تعالى: { أية : فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة}تفسير : [البقرة: 24]. وإقحام فعل (كانوا) لتحقيق مصيرهم إلى النّار حتى كأنهم كانوا كذلك من زمن مضى.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 14- وأنا منا المسلمون المِقرّون بالحق ومنا الحائدون عن طريق الهدى، فمن أسلم فأولئك قصدوا سبيل الحق مجتهدين فى اختياره. 15- وأما الجائرون عن طريق الإسلام فكانوا لجهنم وقوداً. 16- وأنه لو أطاع الإنس والجن ما يدعوهم إليه الإسلام ولم يحيدوا عنه لأعطاهم الله الماء الكثير الذى يحتاجون إليه. 17- لنختبرهم فيه كيف يشكرون لله نعمه عليهم، ومَن يُعرض عن عبادة ربه يدخله عذاباً شاقاً لا يطيقه. 18- وأُوحى إلىَّ أن المساجد لله - وحده - فلا تدعوا فيها غيره وأخلصوا لعبادته وحده. 19- وأُوحى إلىَّ أنه لما قام عبد الله - محمد - فى صلاته يعبد الله كاد الجن يكونون عليه جماعات ملتفة، تعجباً مما رأوه وسمعوه. 20- قل: إنما أعبد ربى - وحده - ولا أشرك به فى العبادة أحداً. 21- قل: إنى لا أملك لكم دفع ضر ولا تحصيل هداية ونفع. 22- قل: إنى لن يدفع عنى عذاب الله أحد إن عصيته، ولن أجد من دونه ملجأ أفر إليه من عذابه.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْقَاسِطُونَ} {فَأُوْلَـٰئِكَ} (14) - وَأَنَّا مِنَّا المُؤْمِنُونَ، الذِينَ أَطَاعُوا اللهَ وَأَخْبَتُوا إِلَيْهِ، وَعَمِلُوا صَالِحاً يَرْضَاهُ، وَمِنَّا الجَائِرُونَ عَنِ النَّهْجِ القَوِيمِ، الخَارِجُونَ عَنْ طَاعَةِ اللهِ. وَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَأَطَاعَهُ، فَقَدْ اجْتَهَدَ فِي سُلُوكِ الطَّرِيقِ المُوصِلِ لِلسَّعَادَةِ. القَاسِطُونَ - الجَائِرُونَ بِكُفْرِهِمْ عَنْ طَرِيقِ الهُدَى. المُقْسِطُ - العَادِلُ. تَحَرَّوْا رَشَداً - قَصَدُوا خَيْراً وَصَلاَحاً وَهُدًى.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَأُوْلَـٰئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً} معناه تَوجَّهُوا.

الجيلاني

تفسير : {وَأَنَّا} بعدما سمعنا الهدى والرشد ما كنا نؤمن ونهتدي جميعاً، بل {مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ} المنقادون لحكم الله، وأوامره ونواهيه الواردة في كتابه، المسلمون أمورهم كلها إليه سبحانه {وَمِنَّا ٱلْقَاسِطُونَ} الجاهلون المائلون عن الهداية، المنحرفون عن جادة العدالة الإلهية {فَمَنْ أَسْلَمَ} منَّا، واعتدل وسلم {فَأُوْلَـٰئِكَ} المسلمِمون المسلِّمون {تَحَرَّوْاْ} واجتهدوا ففازوا {رَشَداً} [الجن: 14] يوقظهم عن سِنة الغفلة، ويوصلهم إلى فضاء الوحدة. {وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ} الجائرون الحائرون في تيه الطغيان والكفران {فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ} البعد والخذلان، وسعير الطرد والحرمان {حَطَباً} [الجن: 15] توقد بهم النار، كما توقد بعصاة الإنس وطغاتهم. ثمَّ قال سبحانه: {وَأَلَّوِ} أي: وأن الشأن والأمر أنه؛ أي: الجن والإنس المجبولين على فطرة التكليف {ٱسْتَقَامُواْ} واعتدلوا {عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ} أي: جادة المعرفة والتوحيد {لأَسْقَيْنَاهُم} تلطفاً لهم، وترحماً عليهم {مَّآءً} محيياً لأراضي أجسامهم الميتة بسموم الإمكان، وبحموم الأماني الصاعدة من نيران الطبيعة {غَدَقاً} [الجن: 16] كثيراً إلى حيث يجعل لهم روضة من رياض الجنان. وإنما فعلنا معهم ذلك {لِّنَفْتِنَهُمْ} ونختبرهم {فِيهِ} أي: في التنعم والترفه، كيف يشكرون للنعم؟ وكيف يواظبون على أداء حقوق الكرم؟ ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ويزيد عليها {وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ} وينصرف عن طاعته وعبادته، ويكفر بنعمه، ولم يواظب بأداء حقوق كرمه {يَسْلُكْهُ} ويدخله {عَذَاباً صَعَداً} [الجن: 17] يصعد عليه، ويعلو فوقه، وبالجملة: عذاباً شاقاً شديداً، قاهراً عليه عالياً. ثمَّ قال سبحانه على سبيل التوجيه والتعليم لخُلَّص عباده المؤمنين، والتوبيخ والتعريض للمشركين: {وَ} اعلموا أيها المكلفون من الثقلين {أَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ} المبنية؛ للميل والتقرب نحو الحق مختصة {لِلَّهِ} خاصة خالصة {فَلاَ تَدْعُواْ} وتعبدوا فيها {مَعَ ٱللَّهِ} الواحد الأحد الصمد، المنزه عن الشريك والولد {أَحَداً} [الجن: 18] عن مظاهره ومربوباته. {وَ} بعدما علمتم هذا بتعليم الله إياكم اعلموا {أَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ} أي: النبي المؤيَّد من عنده سبحانه بأنواع العناية والكرامة المستلزمة لأنواع العبادة والإطاعة في المسجد الحرام المعدّ؛ لعباده العليم العلاَّم، القدوس السلام {يَدْعُوهُ} ويعبده، ويتذلل نحوه {كَادُواْ} وقاربوا مشركي الجن والإنس {يَكُونُونَ عَلَيْهِ} ويزدحمون حوله متعجبين {لِبَداً} [الجن: 19] متراكمين، كلبدة الأسد، وهو مستغرق في صلاته بلا التفات منه إليهم إلى أن أوحى إليه بما هم عليه من التعجب والتحير من أمرهم. فقيل له من قِبَل الحق: {قُلْ} يا أكمل الرسل للمزدحمين المتعجبين: {إِنَّمَآ أَدْعُواْ} وأعبد {رَبِّي} الذي ربَّاني على كمال المعرفة والإيقان، وأرسلني أن أدعو عموم المكلفين إلى توحيده {وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ} ومعه {أَحَداً} [الجن: 20] من مظاهره ومصنوعاته. فإن قالوا: هل لك أن تشاركنا معك في عبادتك وخضوعك؟ {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل: {إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ} من تلقاء نفسي {ضَرّاً} يضركم به ويعذبكم إن أردت إضراركم وتعذيبكم {وَلاَ رَشَداً} [الجن: 21] يرشدكم به ويهديكم إن أردت هدياتكم ورشادكم، بل لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً، فكيف لكم؟! بل ما {أية : إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ}تفسير : [الأنعام: 50] والأمر بيد الله العليم الحكيم. فإن قالوا: ما فائدة عبادتك وتخصيصها أياه؟ {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل: لمَ لمْ أعبد ربي، ولم أخصصه بالعبادة، مع {إِنِّي} أعلم منه سبحانه أنه {لَن يُجِيرَنِي} ويحفظني ويمنعني {مِنَ} عذاب {ٱللَّهِ} المنتقم الغيور {أَحَدٌ} من مظاهره، لو أراد عذابي {وَلَنْ أَجِدَ} أبداً {مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً} [الجن: 22] ملجأً وملاذاً ينقذني من بطشه وعذابه، لو جرى مشيئته سبحانه على تعذيبي؟! وبالجملة: لا أملك لكم، ولا لنفسي ضراً ولا نفعاً.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَاسِطُونَ} [الجن: 14]؛ أي: منا من سلم نفسه إلى ملكه - وهو الطليفة - تسليماً حقيقياً، ومنا الجائر الذي ظلم على نفسه بترك التسليم لمسلكه واختياره متشهىً وفق هواه؛ {فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـٰئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً} [الجن: 14]؛ يعني: من صار مستسلماً لشيخه وترك اختيار نفسه قصد طريق الحق والرشاد وتوخاه، {وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ} [الجن: 15] الذين اتبعوا أهواءهم وخالفوا مولاهم وظلموا أنفسهم بمتابعة هواهم والتلذذ بالشهوات العاجلة؛ {فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً} [الجن: 15] أنهم جمعوا حطباً في دار الكسب، وأوقدوا نيران الكبر والحسد حتى صار وجودهم القالبي حطباً، وقواهم النفسية نيراناً فيعذب في دار البوار بتلك الحطب والنار أبداً. {وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً} [الجن: 16]؛ يعني: إن كانت القوى استقامت على طريق العدل والاستقامة في الطريق واجبة لمن أراد وجه الله تعالى {لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً} [الجن: 16] المعرفة كثيراً؛ يعني: أسقيناهم من ينبوع العلم الكثير الماء، المعرفة كثيراً؛ يعني: أسقيناهم من يبنوع العلم الكثير، لا من ينبوع العلم القليل، والعلم الكثير هو: اللدني الفائض من رب العلم الجليل، والعلم القليل: هو الذي يحصل من الفكر بالرأي العليل؛ {لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} [الجن: 17] وهذا مقام الابتلاء؛ يعني: نمتحنهم بالعلم اللدني إن أفشوا سره عند الأغيار؛ {يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً} [الجن: 17]، وإن ستروه وأدوا حق الأمانة؛ يقربه إلى مقام القربة الزلفى، ويزيده من المعارف الذاتية ما لم يطلع عليه أحد. {وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً} [الجن: 17]؛ يعني: من يعرض بعد الاطلاع على المعرفة الذاتية عن ذكر ربه عند المسترشدين فوق طاقتهم {يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً} شاقاً على نفسه، {وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً} [الجن: 18]؛ يعني: مساجد القلوب بنيت في عالم الأنفس لله، فلا تدعو في تلك المساجد مع ذكر الله أحداً؛ يعني: لا تأذن للخواطر الصادة لك عن ذكر الله في دخولها في قلبك، وأكثر تقرر القلب يكون؛ لأجل أن الذاكر يأذن للخاطر الدخول في أثناء الذكر فاحذر أيها السالك عن الخواطر في الذكر القلبي. {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً} [الجن: 19]؛ يعني: إذا أرادت اللطيفة الخفية أن تقوم في مسجد القلب وتشتغل بذكر الله يجمعون عليه الخواطر المتشعّبة جمعاً؛ ليشوشوها ويبطلون توجهها.