Verse. 5463 (AR)

٧٢ - ٱلْجِنّ

72 - Al-Jinn (AR)

وَّاَنْ لَّوِ اسْتَــقَامُوْا عَلَي الطَّرِيْقَۃِ لَاَسْقَيْنٰہُمْ مَّاۗءً غَدَقًا۝۱۶ۙ
Waallawi istaqamoo AAala alttareeqati laasqaynahum maan ghadaqan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

قال تعالى في كفار مكة «وأنْ» مخففة من الثقيلة واسمها محذوف، أي وأنهم وهو معطوف على أنه استمع «لو استقاموا على الطريقة» أي طريقة الإسلام «لأسقيناهم ماء غدقا» كثيرا من السماء وذلك بعد ما رفع المطر عنهم سبع سنين.

16

Tafseer

الرازي

تفسير : هذا من جملة الموحى إليه والتقدير: قل أوحي إلي أنه استمع نفر وأن لو استقاموا فيكون هذا هو النوع الثاني مما أوحي إليه، وههنا مسائل: المسألة الأولى: (أن) مخففة من الثقيلة والمعنى: وأوحي إليَّ أن الشأن والحديث لو استقاموا لكان كذا وكذا. قال الواحدي: وفصل لو بينها وبين الفعل كفصل ولا السين في قوله: {أية : أَن لا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً } تفسير : [طه:89] و{أية : عَلِمَ أَن سَيَكُونُ } تفسير : [المزمل:20]. المسألة الثانية: الضمير في قوله: {ٱسْتَقَـٰمُواْ } إلى من يرجع؟ فيه قولان: قال بعضهم: إلى الجن الذين تقدم ذكرهم ووصفهم، أي هؤلاء القاسطون لو آمنا لفعلنا بهم كذا وكذا. وقال آخرون: بل المراد الإنس، واحتجوا عليه بوجهين الأول: أن الترغيب بالانتفاع بالماء الغدق إنما يليق بالإنس لا بالجن والثاني: أن هذه الآية إنما نزلت بعدما حبس الله المطر عن أهل مكة سنين، أقصى ما في الباب أنه لم يتقدم ذكر الإنس، ولكنه لما كان ذلك معلوماً جرى مجرى قوله: {أية : إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ } تفسير : [القدر: 1] وقال القاضي: الأقرب أن الكل يدخلون فيه. وأقول: يمكن أن يحتج لصحة قول القاضي بأنه تعالى لما أثبت حكماً معللاً بعلة وهو الاستقامة، وجب أن يعم الحكم بعموم العلة. المسألة الثالثة: الغدق بفتح الدال وكسرها: الماء الكثير، وقرىء بهما يقال: غدقت العين بالكسر فهي غدقة، وروضة مغدقة أي كثيرة الماء، ومطر مغدوق وغيداق وغيدق إذا كان كثير الماء، وفي المراد بالماء الغدق في هذه الآية ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الغيث والمطر، والثاني: وهو قول أبي مسلم: أنه إشارة إلى الجنة كما قال: {أية : جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } تفسير : [البقرة:25] وثالثها: أنه المنافع والخيرات جعل الماء كناية عنها، لأن الماء أصل الخيرات كلها في الدنيا. المسألة الرابعة: إن قلنا: الضمير في قوله: {ٱسْتَقَـٰمُواْ } راجع إلى الجن كان في الآية قولان: أحدهما: لو استقام الجن على الطريقة المثلى أي لو ثبت أبوهم الجان على ما كان عليه من عبادة الله ولم يستكبر عن السجود لآدم ولم يكفر وتبعه ولده على الإسلام لأنعمنا عليهم، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ ءامَنُواْ وَٱتَّقَوْاْ } تفسير : [المائدة: 65] وقوله: {أية : وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِمْ مّن رَّبّهِمْ لأَكَلُواْ } تفسير : [المائدة: 66] وقوله: {أية : وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ } تفسير : [الطلاق: 2، 3] وقوله: {أية : فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ } تفسير : إلى قوله {أية : وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوٰلٍ وَبَنِينَ } تفسير : [نوح: 12] وإنما ذكر الماء كناية عن طيب العيش وكثرة المنافع، فإن اللائق بالجن هو هذا الماء المشروب والثاني: أن يكون المعنى وأن لو استقام الجن الذين سمعوا القرآن على طريقتهم التي كانوا عليها قبل الاستماع ولم ينتقلوا عنها إلى الإسلام لوسعنا عليهم الرزق، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وٰحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مّن فِضَّةٍ } تفسير : [الزخرف: 33] واختار الزجاج الوجه الأول قال: لأنه تعالى ذكر الطريقة معرفة بالألف واللام فتكون راجعة إلى الطريقة المعروفة المشهورة وهي طريقة الهدى والذاهبون إلى التأويل الثاني استدلوا عليه بقوله بعد هذه الآية {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ } فهو كقوله: {أية : إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً } تفسير : [آل عمران: 178] ويمكن الجواب عنه أن من آمن فأنعم الله عليه كان ذلك الإنعام أيضاً ابتلاء واختباراً حتى يظهر أنه هل يشتغل بالشكر أم لا، وهل ينفقه في طلب مراضي الله أو في مراضي الشهوة والشيطان، وأما الذين قالوا: الضمير عائد إلى الإنس، فالوجهان عائدان فيه بعينه وههنا يكون إجراء قوله: {لأَسْقَيْنَـٰهُم مَّاء غَدَقاً } على ظاهره أولى لأن انتفاع الإنس بذلك أتم وأكمل. المسألة الخامسة: احتج أصحابنا بقوله: {لِنَفْتِنَهُمْ } على أنه تعالى يضل عباده، والمعتزلة أجابوا بأن الفتنة هي الاختبار كما يقال: فتنت الذهب بالنار لاخلق الضلال، واستدلت المعتزلة باللام في قوله {لِنَفْتِنَهُمْ } على أنه تعالى إنما يفعل لغرض، وأصحابنا أجابوا أن الفتنة بالاتفاق ليست مقصودة فدلت هذه الآية على أن اللام ليست للغرض في حق الله. وقوله تعالى: {وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبّهِ } أي عن عبادته أو عن موعظته، أو عن وحيه. يسلكه، وقرىء بالنون مفتوحة ومضمومة أي ندخله عذاباً، والأصل نسلكه في عذاب كقوله: {أية : مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ } تفسير : [المدثر: 42] إلا أن هذه العبارة أيضاً مستقيمة لوجهين الأول: أن يكون التقدير نسلكه في عذاب، ثم حذف الجار وأوصل الفعل، كقوله: {أية : وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ } تفسير : [الأعراف: 155] والثاني: أن يكون معنى نسلكه أي ندخله، يقال: سلكه وأسلكه، والصعد مصدر صعد، يقال: صعد صعداً وصعوداً، فوصف به العذاب لأنه (يصعد فوق طاقة) المعذب أي يعلوه ويغلبه فلا يطيقه، ومنه قول عمر: ما تصعدني شيء ما تصعدتني خطبة النكاح، يريد ما شق علي ولا غلبني، وفيه قول آخر وهو ما روي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن صعداً جبل في جهنم، وهو صخرة ملساء، فيكلف الكافر صعودها ثم يجذب من أمامه بسلاسل ويضرب من خلفه بمقامع حتى يبلغ أعلاها في أربعين سنة، فإذا بلغ أعلاها جذب إلى أسفلها، ثم يكلف الصعود مرة أخرى، فهذا دأبه أبداً، ونظير هذه الآية قوله تعالى: {أية : سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً } تفسير : [المدثر: 17]. النوع الثالث: من جملة الموحى قوله تعالى:

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ} هذا من قول الله تعالى. أي لو آمن هؤلاء الكفار لوسّعنا عليهم في الدنيا وبسطنا لهم في الرزق. وهذا محمول على الوحي؛ أي أوحى إليّ أن لو ٱستقاموا. ذكر ٱبن بحر: كل ما في هذه السورة من «إن» المكسورة المثقلة فهي حكاية لقول الجِن الذين ٱستمعوا القرآن، فرجعوا إلى قومهم منذرين، وكل ما فيها من أن المفتوحة المخففة فهي وحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال ٱبن الأنباري: ومن كسر الحروف وفتح «وَأَنْ لَوِ ٱسْتَقَامُوا» أضمر يميناً تامًّا، تأويلها: والله أن لو ٱستقاموا على الطريقة؛ كما يقال في الكلام: والله أَنْ قمتَ لقمتُ، ووالله لو قمتَ قمتُ؛ قال الشاعر: شعر : أَما واللَّهِ أن لو كُنتَ حُرًّا وما بِالحُرّ أنتَ ولا العتِيقِ تفسير : ومن فتح ما قبل المخففة نسَقها ـ أعنى الخفيفة ـ على «أَوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ»، «وَأَنْ لَوِ ٱسْتَقَامُوا» أو على «آمَنَّا بِهِ» وبأن لو ٱستقاموا. ويجوز لمن كسر الحروف كلها إلى «أن» المخففة، أن يعطف المخففة على «أَوحِيَ إِلَيَّ» أو على «آمَنَّا بِهِ»، ويستغني عن إضمار اليمين. وقراءة العامة بكسر الواو من «لوِ» لالتقاء الساكنين. وقرأ ٱبن وثّاب والأعمش بضم الواو. و{مَّآءً غَدَقاً} أي واسِعاً كثيراً، وكانوا قد حُبِس عنهم المطر سبع سنين؛ يقال: غَدِقَتِ العينُ تَغدَق، فهي غَدِقة، إذا كثر ماؤها. وقيل: المراد الخلق كلُّهم أي {وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ} طريق الحق والإيمان والهدى وكانوا مؤمنين مطيعين {لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً } أي كثيراً {لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} أي لنختبرهم كيف شكرهم فيه على تلك النعم. وقال عمر في هذه الآية: أينما كان الماء كان المال، وأينما كان المال كانت الفتنة. فمعنى «لأَسْقَيْنَاهُمْ» لوسَّعنا عليهم في الدنيا؛ وضرَبَ الماء الغَدَق الكثير لذلك مثلاً؛ لأن الخير والرزق كله بالمطر يكون، فأقيم مقامه؛ كقوله تعالى: { أية : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ آمَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ } تفسير : [الأعراف: 96] وقوله تعالى: { أية : وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم } تفسير : [المائدة: 66] أي بالمطر. والله أعلم. وقال سعيد بن المسيّب وعطاء بن أبي رَبَاح والضحاك وقَتادة ومقاتل وعطية وعُبيد بن عمير والحسن: كان والله أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين، ففتحت عليهم كنوز كسرى وقيصر والمقوقس والنجاشيّ ففُتنوا بها، فوثبوا على إمامهم فقتلوه. يعني عثمان بن عفّان. وقال الكلبيّ وغيره: «وَأَنَّ لَوِ ٱسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيَقَةِ» التي هم عليها من الكفر فكانوا كلهم كفاراً لوسّعنا أرزاقهم مكراً بهم وٱستدراجاً لهم، حتى يَفتتنوا بها، فنعذبهم بها في الدنيا والآخرة. وهذا قول قاله الربيع ٱبن أنس وزيد بن أسلم وٱبنه والكلبيّ والثّمالي ويَمَان بن رَباب وٱبن كيسان وأبو مِجْلَز؛ وٱستدلّوا بقوله تعالى: { أية : فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ } تفسير : [الأنعام: 44] الآية. وقوله تعالى: { أية : وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ } تفسير : [الزخرف: 33] الآية؛ والأوّل أشبه؛ لأن الطريقة معرّفة بالألف واللام، فالأوجب أن تكون طريقته طريقة الهدى؛ ولأن الاستقامة لا تكون إلا مع الهدى. وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخُدريّ رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : أخْوف ما أخاف عليكم ما يُخرج الله لكم من زَهْرة الدنيا» قالوا: وما زهرة الدنيا؟ قال: «بركات الأرض..تفسير : وذكر الحديث. وقال عليه السلام: « حديث : فوالله ما الفقرَ أخشى عليكم، وإنما أخشى عليكم أن تُبسط عليكم الدنيا (كما بُسطت على مَن قبلكم) فتنافسوها كما تنافسوها فتهلكَكم كما أهلكتهم .تفسير : قوله تعالى: {وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ} يعني القرآن؛ قاله ٱبن زيد. وفي إعراضه عنه وجهان: أحدهما عن القبول، إن قيل إنها في أهل الكفر. الثاني عن العمل، إن قيل إنها في المؤمنين. وقيل: «وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ» أي لم يشكر نعمه {يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً} قرأ الكوفيون وعيّاش عن أبي عمرو «يَسْلُكْهُ» بالياء وٱختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ لذكر ٱسم الله أوّلا فقال: « وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ». الباقون «نَسْلُكْهُ» بالنون. وروى عن مسلم بن جُندب ضم النون وكسر اللام. وكذلك قرأ طلحة والأعرج وهما لغتان، سلكه وأسلكه بمعنًى؛ أي ندخله. {عَذَاباً صَعَداً} أي شاقًّا شديداً. قال ٱبن عباس: هو جبل في جهنم. الخدري، كلما جعلوا أيديهم عليه ذابت. وعن ٱبن عباس: أن المعنى مشقة من العذاب. وذلك معلوم في اللغة أن الصَّعَد: المشقة، تقول: تصَعَّدني الأمر: إذا شقّ عليك؛ ومنه قول عمر: ما تَصعَّدني شيء ما تَصعدتني خُطبة النكاح، أي ما شقّ عليّ. وعذاب صَعَدٌ أي شديد. والصَّعَد: مصدر صَعِد؛ يقال: صَعِدَ صَعَداً وصُعوداً، فوصف به العذاب؛ لأنه يتصعد المعذّب أي يعلوه ويغلبه فلا يطيقه. وقال أبو عبيدة: الصَّعَد مصدر؛ أي عذاباً ذا صَعَدٍ، والمشي في الصَّعود يشقّ. والصَّعود. العقبة الكئود. وقال عكرمة: هو صخرة ملساء في جهنم يُكلَّف صعودها؛ فإذا ٱنتهى إلى أعلاها حُدِر إلى جهنم. وقال الكلبيّ: يكلّف الوليد بن المغيرة أن يصعد جبلاً في النار من صخرة ملساء، يُجذب من أمامه بسلاسل، ويُضرب من خلفه بمقامع حتى يبلغ أعلاها، ولا يبلغ في أربعين سنة. فإذا بلغ أعلاها أُحْدِر إلى أسفلها، ثم يكلّف أيضاً صعودَها، فذلك دأبه أبداً، وهو قوله تعالى: {سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً}.

المحلي و السيوطي

تفسير : قال تعالى في كفار مكة {وَأَنْ } مخففة من الثقيلة واسمها محذوف، أي وأنهم وهو معطوف على أنه استمع {لَوْ ٱسْتَقَٰمُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ } أي طريقة الإِسلام {لأَسْقَيْنَٰهُم مَّآءً غَدَقاً } كَثيراً من السماء وذلك بعد ما رفع المطر عنهم سبع سنين.

ابن عطية

تفسير : الضمير في قوله {استقاموا} قال أبو مجلز والفراء والربيع بن أنس وزيد ابن أسلم والضحاك بخلاف عنه: الضمير عائد على قوله {أية : من أسلم}تفسير : [الجن: 14]، و {الطريقة} طريقة الكفر، لو كفر من أسلم من الناس {لأسقيناهم} إملاء لهم واستدراجاً. وقال قتادة وابن جبير وابن عباس ومجاهد الضمير عائد على "القاسطين". والمعنى على طريقة الإسلام والحق لأنعمنا عليهم، وهذا المعنى نحو قوله: {أية : ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم} تفسير : [المائدة: 65]، وقوله {أية : لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم} تفسير : [المائدة: 66]. وهذا قول أبين لأن استعارة الاستقامة للكفر قلقة. وقرأ الأعمش وابن وثاب "وأن لوُ" بضم الواو. وقال أبو الفتح هذا تشبيه بواو الجماعة اشتروا الضلالة، والماء الغدق: هو الماء الكثير. وقرأ جمهور الناس "غدَقاً" بفتح الدال، وقرأ عاصم في رواية الأعشى عنه بكسرها. وقوله تعالى: {لنفتنهم} إن كان المسلمون فمعناه لنختبرهم، وإن كان القاسطون فمعناه لنمتحنهم ونستدرجهم، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: حيث يكون الماء فثم المال، وحيث يكون المال فثم الفتنة، ونزع بهذه الآية، وقال الحسن وابن المسيب وجماعة من التابعين: كانت الصحابة سامعين مطيعين، فلما فتحت كنوز كسرى وقيصر وثب بعثمان فقتل وثارت الفتن. و {يسلكه} معناه يدخله، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بفتح الياء أي "يسلكه" الله، وقرأ بعض التابعين "يُسلكه" بضم الياء من أسلك وهما بمعنى، وقرأ باقي السبعة "نسلكه" بنون العظمة، وقرأ ابن جبير "نُسلِكه" بنون مضمومة ولام مكسورة. و {صعداً} معناه شاقاً، تقول فلان في صعد من أمره أي في مشقة، وهذا أمر يتصعدني، وقال عمر: ما تصعدني شيء كما تصعدني خطبة النكاح، وقال أبو سعيد الخدري وابن عباس: صعد جبل في النار، وقرأ قوم "صُعُوداً" بضم الصاد والعين، وقرأ الجمهور بفتح الصاد والعين، وقرأ ابن عباس والحسن بضم الصاد وفتح العين، وقال الحسن: معناه لا راحة فيه، ومن فتح الألف من {أن المساجد لله} جعلها عطفاً على قوله {أية : قل أوحي إلي أنه} تفسير : [الجن: 1]، ذكره سيبويه، و {المساجد} قيل أراد بها البيوت التي هي للعبادة والصلاة في كل ملة. وقال الحسن: أراد كل موضع سجد فيه كان مخصوصاً لذلك أو لم يكن، إذ الأرض كلها مسجد لهذه الأمة. وروي أن هذه الآية نزلت بسبب تغلب قريش على الكعبة، حينئذ فقيل لمحمد صلى الله عليه وسلم: المواضع كلها لله فاعبده حيث كان وقال ابن عطاء: {المساجد}: الآراب التي يسجد عليها، واحدها مسجد بفتح الجيم، وقال سعيد بن جبير: نزلت الآية لأن الجن قالت يا رسول الله: كيف نشهد الصلاة معك على نأينا عنك: فنزلت الآية يخاطبهم بها على معنى أن عبادتكم حيث كنتم مقبولة. وقال الخليل بن أحمد: معنى الآية، ولأن {المساجد لله فلا تدعوا} أي لهذا السبب، وكذلك عنده {أية : لإيلاف قريش} تفسير : [قريش: 1] {أية : فليعبدوا} تفسير : [قريش: 3] وكذلك عنده {أية : وأن هذه أمتكم أمة} تفسير : [الأنبياء: 92، المؤمنون: 52]. و {المساجد} المخصوصة بينة التمكن في كونها لله تعالى فيصح أن تفرد للصلاة والدعاء وقراءة العلم، وكل ما هو خالص لله تعالى، وأن لا يتحدث بها في أمور الدنيا. ولا يتخذ طريقاً، ولا يجعل فيها لغير الله نصيب، ولقد قعدت للقضاء بين المسلمين في المسجد الجامع بالمرية مدة، ثم رأيت فيه من سوء المتخاصمين وأيمانهم وفجور الخصام وعائلته ودخول النسوان ما رأيت تنزيه البيت عنه فقطعت القعود للأحكام فيه. وقوله عز وجل: {وأنه لما قام عبد الله} يحتمل أن يكون خطاباً من الله تعالى، ويحتمل أن يكون إخباراً عن الجن، وقرأ بعض القراء على ما تقدم "وأنه" بفتح الألف، وهذا عطف على قوله {أية : أنه استمع}تفسير : [الجن: 1]، والعبد على هذه القراءة قال قوم: هو نوح، والضمير في {كادوا} لكفار قومه، وقال آخرون، هو محمد، والضمير في {كادوا} للجن. المعنى أنهم {كادوا} يتقصفون عليه لاستماع القرآن، وقرأ آخرون منهم "وإنه لما قام" بكسر الألف، والعبد محمد عليه السلام، والضمير في {كادوا} يحتمل أن يكون للجن على المعنى الذي ذكرناه، ويحتمل أن يكون لكفار قومه وللعرب في اجتماعهم على رد أمره، ولا يتجه أن يكون العبد نوحاً إلا على تحامل في تأويل نسق الآية، وقال ابن جبير: معنى الآية، إنما قول الجن لقومهم يحكون، والعبد محمد صلى الله عليه وسلم. والضمير في {كادوا} لأصحابه الذين يطوعون له ويقتدون به في الصلاة، فهم عليه لبد. واللبد الجماعات شبهت بالشيء المتلبد بعضه فوق بعض، ومنه قول عبد بن مناف بن ربع: [البسيط] شعر : صافوا بستة أبيات وأربعة حتى كأن عليهم جانياً لبدا تفسير : يريد الجراد سماه جانياً لأنه يجني كل شيء، ويروى جابياً بالباء لأنه يجبي الأشياء بأكله، وقرأ جمهور السبعة وابن عباس: "لِبداً" بكسر اللام جمع لِبدة، وقال ابن عباس: أعواناً. وقرأ ابن عامر بخلاف عنه وابن مجاهد وابن محيصن: "لُبَداً" بضم اللام وتخفيف الباء المفتوحة وهو جمع أيضاً. وروي عن الجحدري: "لُبُدا" بضم اللام والباء. وقرأ أبو رجاء: "لِبداً" بكسر اللام، وهو جمع لا بد فإن قدرنا الضمير للجن فتقصفهم عليه لاستماع الذكر، وهذا تأويل الحسن وقتادة و {أدعو} معناه أعبده، وقرأ جمهور السبعة وعلي بن أبي طالب: "قال إنما"، وهذه قراءة تؤيد أن العبد نوح، وقرأ عاصم وحمزة بخلاف عنه: "قال إنما" وهذه تؤيد بأنه محمد عليه السلام وإن كان الاحتمال باقياً من كليهما. واختلف القراء في فتح الياء من {ربي} وفي سكونها. ثم أمر تعالى محمداً نبيه عليه السلام بالتبري من القدرة وأنه لا يملك لأحد {ضراً ولا رشداً}، بل الأمر كله لله. وقرأ الأعرج "رُشُداً" بضم الراء والشين، وقرأ أبيّ بن كعب "لكم غياً ولا رشداً". وقولهم {من دونه} أي من عند سواه. و "الملتحد": الملجأ الذي يمال إليه ويُركَن، ومنه الإلحاد الميل، ومنه اللحد الذي يمال به إلى أحد شقي القبر.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُواْ} لو أقاموا على طريق الكفر والضلال {لأَسْقَيْنَاهُم} لأغرقناهم كآل فرعون أو كثرنا الماء لإنبات زروعهم وكثرة أموالهم. {لِّنَفْتِنَهُمْ} بزينة الدنيا أو بالاختلاف بينهم بكثرة المال أو بالعذاب كقولهم {أية : هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ}تفسير : [الذاريات: 13]. {وَمَن يُعْرِضْ} عن قبول القرآن يسلطه عذاباً قاله جماعة. أو لو استقاموا على الهدى والطاعة "ع" {لأَسْقَيْنَاهُم} لهديناهم الصراط المستقيم "ع" أو لأوسعنا عليهم الدنيا أو لأعطيناهم عيشاً رغداً أو مالاً واسعاً {غَدَقاً} عذباً معيناً "ع" أو كثيراً واسعاً قال عمر رضي الله ـ تعالى ـ عنه: حيثما كان الماء كان المال وحيثما كان المال كانت الفتنة {لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} في الدنيا بالاختبار أو بتطهيرهم من الكفر أو بأخراجهم من الشدّة والجدب إلى الرخاء والخصب أو لنفتنهم فيه في الآخرة بتخليصهم وإنجائهم من فتنت الذهب إذا خلصت غشه بالنار {أية : وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً} تفسير : [طه: 40] خلصناك من فرعون أو نصرفهم عن النار {أية : وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ} تفسير : [الإسراء: 73] ليصرفونك {وَمَن يُعْرِضْ} منهم عن العمل بالقرآن. {عَذَاباً صَعَداً} جب في النار أو جبل فيها إذا وضع عليه يده أو رجله ذابت فإذا رفعها عادت. مأثور أو مشقة من العذاب "أو عذاب لا راحة فيه أو صخرة في النار يكلفون صعودها على وجوههم فإذا رقوها حدروا فذلك دأبهم أبداً".

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَأَلَّوِ ٱسْتَقَـٰمُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ...} الآية، قال ابن عباس وقتادة ومجاهد وابن جبير: الضميرُ في قوله: {ٱسْتَقَـٰمُواْ} عائِدٌ عَلى القاسِطينَ، والمعنى: لوِ اسْتَقَامُوا على طريقةِ الإسْلاَمِ والحَقِّ لأَنْعَمْنَا عليهم، وهذا المعنى نحوُ قوله تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوْاْ }تفسير : [المائدة:65] إلى قوله: {أية : لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم} تفسير : [المائدة:66] والقَاسِطُ الظَّالِم، والماء الغَدَقُ هو الماءُ الكثيرُ، و{لِّنَفْتِنَهُمْ}: معناه: لنختبرَهم، قال عمر بن الخطاب ـــ رضي اللَّه عنه ـــ: حيْثُ يكونُ الماءُ فَثَمَّ المالُ، وحَيْثُ المالُ فَثَمَّ الفِتْنَةُ، ونَزَعَ بهذه الآية، وقال الحسن وجماعة من التابعين: كانتِ الصحابَةُ ـــ رضي اللَّه عنهم ـــ سَامِعينَ مُطِيعينَ فَلَمَّا فُتِحْتْ كُنُوزُ كِسْرَى وقَيْصَرَ على الناس، ثَارَتِ الفِتَن، و«نُسْلكه» نُدْخلُه، و{صَعَداً}: معناه: شَاقًّا، وقال ابن عباس وأبو سعيد الخدري: {صعداً} جَبَلٌ في النارِ، {وَأَنَّ ٱلْمَسَـٰجِدَ لِلَّهِ} قيل: أرادَ البيوتَ التي للعبادةِ والصلاةِ في كلِّ ملةٍ، وقال الحسن: أرادَ بها كلَّ موضِع يُسْجَدُ فيه؛ إذ الأَرْضُ كلها جُعِلَتْ مَسْجِداً لهذه الأمة، ورُوِيَ: أنّ هذه الآيةَ نَزَلَتْ بسبب تَغَلُّبِ قريشٍ عَلى الكعبةِ حينئذٍ، فقيل للنبي صلى الله عليه وسلم المواضعُ كلُّها لِلَّهِ فَاعْبُدْه حيثُ كنتَ، قال * ع *: والمسَاجِدُ المخصوصَةُ بَيِّنَةُ التَمَكُنِ في كونها لِلَّهِ تعالى، فيصلُحُ أنْ تُفْرَدَ للعبادةِ، وكلِّ مَا هُوَ خَالِصٌ لِلَّهِ تعالى، وأنْ لاَ يُتَحَدَّثَ بها في أمورِ الدنيا، ولا يُجْعَلُ فيها لِغَيرِ اللَّهِ نَصِيبٌ.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ} [الآية: 16]. قال الواسطى: أى على معنى الإخلاص والرضا والصدق واليقين لأسقيناهم شربة تقوّيهم على المكث على طريق الاستقامة فيثبتون بتولية من هو قائم على كل نفس بما كسبت وكل من أمره بإقامة شىء حجبه عن نفسه لما بدل لهم عند أنفسهم من الربوبية متوحدين بذلك الأمر وإقامتها كلما ضربهم بالاقتدار حجبهم بالعزة والافتخار.

القشيري

تفسير : الاستقامة على الطريقة تقتضي إكمالَ النعمةِ وإكثارَ الراحةِ. والإعراضُ عن الله يُوجِب تَنَغُّصَ العَيْشِ ودوامَ العقوبة.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم} اى لما عاينوا فى اهل معارفى استقاموا فى طوارقات انوار مشاهدتى وصبروا فى واردات بحار حقائق وجودى لاسقينا ارواحهم وعقولهم وقلوبهم مياه بحار اسرارى وانهار انوارى قال بعضهم هو القيام على سبيل السنة والميل الى اهل الصلاح لكشفنا على قلوبهم ماء الوداد.

اسماعيل حقي

تفسير : {وان لو استقاموا} ان مخففة من الثقيلة والجملة معطوفة قطعا على انه استمع والمعنى واوحى الى ان الشان لو استقام الجن او الانس او كلاهما {على الطريقة} التى هى ملة الاسلام {لاسقيناهم ماء غدقا} الاسقاء والسقى بمعنى وقال الراغب السقى والسقيا هو أن تعطيه ماء ليشرب والاسقاء أن تجعل له ذلك له حتى يتناوله كيف شاء كما يقال اسقيته نهرا فالاسقاء ابلغ وغدق من باب علم اذا غزر وصف الماء به للمبالغة فى غزارته كرجل عدل وتخصيص الماء الكثير بالذكر لانه اصل السعة وان كان اصل المعاش هو اصل الماء لا كثرته ولعزة وجوده بين العرب قال عمر رضى الله عنه اينما كان الماء كان العشب واينما كان العشب كان المال واينما كان المال كانت الفتنة والمعنى لاعطيناهم مالا كثيرا وعيشا رغدا ووسعنا على الرزق فى الدنيا وبالفارسية هرآيينه بدهيم ايشان را آب بسيار بعد ازنتل سالى يعنى روزى برايشان فراخ كردنيم. وفيه دلالة على ان الجن يأكلون ويشربون ولكن فيه تفصيل وقد سبق وقال بعض اهل المعرفة المراد بالاستقامة على الطريقة هو القيام على سبيل السنة والميل الى اهل الصلاح وبالاسقاء الافاضة على قلوبهم ماء الوداد.

الجنابذي

تفسير : {وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ} ان هذه مخفّفة من الثّقيلة والمجموع معطوف على قوله انّه استمع نفرٌ، او ان زائدة فى الكلام والجملة ابتداء كلام من الله {عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ} اى الولاية او الطّريقة المعهودة المأخوذة من الآباء وهى طريقة الكفر، ونظير الوجهين قوله تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ آمَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [الأعراف:96] وقوله تعالى: {أية : وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ} تفسير : [الزخرف:33] {لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً} اى كثيراً، لمّا كان الماء عزيز الوجود فى ملك العرب وكان جلّ الخيرات منوطاً به كنّى به عن كثرة الخيرات، وعن الصّادق (ع): لافدناهم علماً كثيراً يتعلّمونه من الائمّة (ع)، وعن الباقر (ع) يعنى لو استقاموا على ولاية امير المؤمنين (ع) علىٍّ (ع) والاوصياء (ع) من ولده وقبلوا طاعتهم فى امرهم ونهيهم لاسقيناهم ماءً غدقاً يقول: لاشربنا قلوبهم الايمان.

الهواري

تفسير : قال الله تعالى: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُواْ عَلَى الطَّرِيقَةِ} يعني المشركين، لو استقاموا على الإِيمان {لأََسْقَيْنَاهُمْ مَّآءً غَدَقاً} أي: ماء رَوَاء. والماء عيش الناس؛ به تنبت زروعهم وتعيش مواشيهم. وهو مثل قول هود لقومه: {يَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} أي: من شرككم (أية : يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَاراً) تفسير : [هود:52] وكقوله: (أية : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقُوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ) تفسير : [الأعراف:96]، وكقول نوح لقومه: (أية : اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ...)تفسير : إلى آخر الآية. [نوح:10-12]. قال عز وجل: {لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} أي: لنختبرهم فيه فنعلم كيف شكرهم. قال تعالى: {وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ} أي: لا يؤمن {يَسْلُكْهُ} أي: ندخله {عَذَاباً صَعَداً} أي: لا راحة فيه. وتفسير مجاهد: مشقة من العذاب. [قال ابن عباس: جبلاً في جهنم]. ذكروا عن كعب قال: هو قوله عز وجل: (أية : سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً) تفسير : وتفسيره في المدثر. [17]. قوله عز وجل: {وَأَنَّ الْمَسْاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ اللهِ أَحَداً} قال الحسن: ما من قوم غير المسلمين يقومون في مساجدهم إلا وهم يشركون بالله فيها، فأخلصوا لله فيها.

اطفيش

تفسير : {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا} الخ. عطف على أنه استمع كأَنه قيل وأُوحى إِليَّ أن لو استقاموا، واسم أن ضميرهم، أى وأنهم أو الشأن أى أنه والواو للإِنس والجن، وقيل الجن، وعن ابن عباس للقاسطين والمراد لو دخلوا الدين واستقاموا عليه وفى رد الضمير للجن نظر لأَنه قيل لا ينتفعون بالمطر ولا يحرثون إِلا إِن أُريد بسقى الماء الغدق الكناية عن توسيع الرزق. {عَلَى الطَّرِيقَةِ} دين الإسلام. {لأَسْقَيْنَاهُم ماءً غَدَقاً} مطبقاً واسعاً، وخص الماء مع أن المراد مطلق توسيع الرزق لأَن الماء أصل المعاش وكثرته سبب للسعة، كما قيل المال حيث الماء والوبال حيث الاشتهاء، ولعزته عند العرب ولا سيما الأَعراب.

الالوسي

تفسير : قوله تعالى: {وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ} الخ معطوف قطعاً على قوله سبحانه {أية : أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ}تفسير : [الجن: 1] ولا يضر تقدم المعطوف على غيره على القول به لظهور الحال وعدم الالتباس. و(أن) مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن وقرأ الأعمش وابن وثاب بضم واو لو والمعنى وأوحي إليَّ أن الشأن لو استقام الإنس والجن أو كلاهما {عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ } التي هي ملة الإسلام {لاَسْقَيْنَـٰهُم مَّاء غَدَقاً } أي كثيراً. وقرأ عاصم في رواية الأعمش بكسر الدال والمراد لوسعنا عليهم الرزق. وتخصيص الماء الغدق بالذكر لأنه أصل المعاش وكثرته أصل السعة فقد قيل المال حيث الماء ولعزة وجوده بين العرب.

ابن عاشور

تفسير : اتفق القراء العشرة على فتح همزة: {أن لو استقاموا}، فجملة {أن لوِ استقاموا} معطوفة على جملة {أية : أنه استمع نفر من الجن}تفسير : [الجن: 1]، والواو من الحكاية لا من المحكي، فمضمونها شأن ثانٍ مما أوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأمره الله أن يقوله للناس. والتقدير: وأوحي إليّ أنه لو استقام القاسطون فأسلموا لما أصابهم الله بإمساك الغيث. و {أن} مخففة من الثقيلة، وجيء بـ {أن} المفتوحة الهمزة لأن ما بعدها معمول لفعل {أية : أوحي}تفسير : [الجن: 1] فهو في تأويل المصدر، واسمها محذوف وهو ضمير الشأن وخبره {لو استقاموا} إلى آخر الجملة. وسبك الكلام: أوحي إليَّ إسقاءُ الله إياهم ماء في فرض استقامتهم. وضمير {استقاموا} يجوز أن يعود إلى القاسطين بدون اعتبار القيد بأنهم من الجن وهو من عود الضمير إلى اللفظ مجرداً عن مَا صْدَقِه كقولك: عندي درهم ونصفه، أي نصف درهم آخر. ويجوز أن يكون عائداً إلى غير مذكور في الكلام ولكنه معروف من المقام إذ السورة مسوقة للتنبيه على عناد المشركين وطعنهم في القرآن، فضمير {استقاموا} عائد إلى المشركين، وذلك كثير في ضمائر الغيبة التي في القرآن، وكذلك أسماء الإِشارة كما تنبهنا إليه ونبهنا عليه، ولا يناسب أن يعاد على القاسطين من الجن إذ لا علاقة للجن بشرب الماء. والاستقامة على الطريقة: استقامة السير في الطريق وهي السير على بصير بالطريق دون اعوجاج ولا اغترار ببنيات الطريق. و {الطريقة}: الطريق: ولعلها خاصة بالطريق الواسع الواضح كما تقدم آنفاً في قوله {أية : كُنَّا طرائق قِدَداً}تفسير : [الجن: 11]. والاستقامة على الطريقة تمثيل لهيئة المتصف بالسلوك الصالح والاعتقاد الحق بهيئة السائر سيراً مستقيماً على طريقة، ولذلك فالتعريف في {الطريقة} للجنس لا للعهد. وقوله: {لأسقيناهم ماء غدقاً:}وعد بجزاء على الاستقامة في الدّين جزاءً حسناً في الدنيا يكون عنواناً على رضى الله تعالى وبشارة بثواب الآخرة قال تعالى: {أية : من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون}تفسير : [النحل: 97]. وفي هذا إنذار بأنه يوشك أن يمسك عنهم المطر فيقعوا في القحط والجوع وهو ما حدث عليهم بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ودعائه عليهم بسنين كَسِنِي يوسف فإنه دعا بذلك في المدينة في القنوت كما في حديث «الصحيحين» عن أبي هريرة وقد بينا ذلك في سورة الدخان. وقد كانوا يوم نزول هذه الآية في بحبوحة من العيش وفي نخيل وجنات فكان جَعْل ترتُّبِ الإِسقاء على الاستقامة على الطريقة كما اقتضاه الشرط بحرف {لو} مشيراً إلى أن المراد: لأدَمْنا عليهم الإِسقاء بالماء الغَذَق، وإلى أنهم ليسوا بسالكين سبيل الاستقامة فيوشك أن يُمسك عنهم الري ففي هذا إنذار بأنهم إن استمروا على اعوجاج الطريقة أمسك عنهم الماء. وبذلك يتناسب التعليل بالإِفتان في قوله: {لنفتنهم فيه} مع الجملة السابقة إذ يكون تعليلاً لما تضمنَه معنى إدامة الإِسقاء فإنه تعليل للإِسقاء الموجود حين نزول الآية وليس تعليلاً للإِسقاء المفروض في جواب {لو} لأن جواب {لو} منتفٍ فلا يصلح لأن يُعلل به، وإنما هم مفتونون بما هم فيه من النعمة فأراد الله أن يوقظ قلوبهم بأن استمرار النعمة عليهم فتنة لهم فلا تغرنهم. فلام التعليل في قوله: {لنفتنهم فيه} ظرف مستقر في موضع الحال من {ماء غدقاً} وهو الماء الجاري لهم في العيون ومن السماء تحت جناتهم وفي زروعهم فهي حال مقارنة. وبهذا التفسير تزول الحيرة في استخلاص معنى الآية وتعليلها. والغدَق: بفتح الغين المعجمة وفتح الدال الماء الغزير الكثير. وجملة {لِنَفْتِنَهم فيه} إدماج فهي معترضة بين جملة {وأن لو استقاموا على الطريقة} الخ وبين جملة {ومن يعرض عن ذكر ربّه} الخ. ثم أكدت الكناية عن الإِنذار المأخوذة من قوله: {وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم} الآية، بصريح الإِنذار بقوله: {ومن يعرض عن ذكر ربّه نسلكه عذاباً صعداً}، أي فإن أعرضوا انقلب حالهم إلى العذاب فسلكنا بهم مسالك العذاب. والسَّلك: حقيقته الإِدخال، وفعله قاصر ومتعد، يقال: سلكه فسلك، قال الأعشى: شعر : كما سَلكَ السِّكيَّ في الباب فَيْتق تفسير : أي أدخل المِسمار في الباب نَجَّارٌ. وتقدم عند قوله تعالى: {أية : كذلك نسلكه في قلوب المجرمين}تفسير : في سورة الحجر (12). واستعمل السَلك هنا في معنى شدة وقوع الفعل على طريق الاستعارة وهي استعارة عزيزة. والمعنى: نعذبه عذاباً لا مصرف عنه. وانتصب {عذاباً} على نزع الخافض وهو حرف الظرفية، وهي ظرفية مجازية تدل على أن العذاب إذا حلّ به يحيط به إحاطة الظرف بالمظروف. والعدول عن الإِضمار إلى الإِظهار في قوله: {عن ذكر ربّه} دون أن يقول: عن ذكرنا، أو عن ذكري، لاقتضاء الحال الإِيماءَ إلى وجه بناء الخبر فإن المعرض عن ربّه الذي خلقه وأنشأه ودبره حقيق بأن يسلك عذاباً صعداً. والصّعَد: الشاق الغالِبُ، وكأنه جاءٍ من مصدر صَعد، كفرح إذا علا وارتفع، أي صَعِد على مفعوله وغلبه، كما يقال: عَلاَه بمعنى تمكن منه، {أية : وأن لا تعلوا على الله}تفسير : [الدخان: 19]. وقرأ الجمهور {نسلكه} بنون العظمة ففيه التفات. وقرأه عاصم وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف {يسلكه} بياء الغائب فالضمير المستتر يعود إلى ربّه.

الشنقيطي

تفسير : وهذا كما قال تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم}تفسير : [المائدة: 66] وقوله: {أية : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ آمَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ}تفسير : [الأعراف: 96] فكلها نصوص على أن الأمة إذا استقامت على الطريقة القويمة شرعة الله لفتح عيلهم بركات من السماء والأرض. ومثل ذلك قوله تعالى: {أية : فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً}تفسير : [نوح: 10-12]. ومفهوم ذلك أن من لم يستقم على الطريقة فقد يكون انحرافه أو شركه موجباً لحرمانه من نعمة الله تعالى عليه، كما جاء صريحاً ي قوله: {أية : وَٱضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ}تفسير : [الكهف: 32-34]. فهذه نعمة كاملة، كما وصف الله تعالى: {أية : فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـٰذِهِ أَبَداً وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً}تفسير : [الكهف: 34-37] إلى قوله:{أية : وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَٰلَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً}تفسير : [الكهف: 42-43]. وما أشبه الليلة بالبارحة فيما يعيشه العالم الإسلامي اليوم بين الاتجاهين المتناقضين الشيوعي والرأسمالي. وما أثبته الواقع من أن المعسكر الشيوعي الذي أنكر وجود الله وكفر بالذي خلقه من تراب ثم من نطفة ثم سواه رجلاً، فانه وكل من يسير في فلكه مع مدى تقدمه الصناعي، فإنه مفتقر لكافة الأمم الأخرى في استيراد القمح، وإن روسيا بنفسها لتفرج عن بعض احتياطها من الذهب لتشتري قمحاً. ولا زالت تشتريه من المعسكر الرأسمالي. وهكذا الدول الإسلامية التي تأخذ في اقتصادياتها بالمذهب الاشتراكي المتفرع من المذهب الشيوعي. فإنها بعد أن كانت تفيض بإنتاجها الزراعي على غيرها، أصبحت تستورد لوازمها الغذائية من خارجها، وتلك سنة الله في خلقه، ولو كانوا مسلمين كما قص الله تعالى علينا قصة أصحاب الجنة {أية : إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلاَ يَسْتَثْنُونَ فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ}تفسير : [القلم: 17-19] إلى قوله {أية : فَأَصْبَحَتْ كَٱلصَّرِيمِ}تفسير : [القلم:20] إلى قوله {أية : قَالُواْ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} تفسير : [القلم: 29]. ولذا كانت الزكاة طهرة للمال ونماء له. وقوله {لَنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} أي نختبرهم فيما هم فاعلون من شكر النعمة وصرفها فيما يرضي الله، أم الطغيان بها ومنع حقها؟ {أية : إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ}تفسير : [العلق: 6-7] {أية : إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً}تفسير : [الكهف: 7]،{أية : إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَٱللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ}تفسير : [التغابن: 15-16].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: على الطريقة: أي الإِسلام. ماء غدقا: أي مالا كثيرا وخيرات كبيرة. لنفتنهم فيه: أي نختبرهم أيشكرون أم يكفرون. عن ذكر ربه: أي القرآن وشرائعه وأحكامه. عذابا صعدا: أي شاقا. فلا تدعوا: أي فيها مع الله أحدا. عبد الله يدعوه: أي محمد صلى الله عليه وسلم يدعو الله ببطن نخلة. عليه لبدا: أي في ركوب بعضهم بعضا تزاحما لأجل أن يسمعوا قراءته. ضرا ولا رشدا: أي غيا ولا خيرا. ملتحدا: أي ملتجأ ألجأ إليه فأحفظ نفسي. أي بلاغا: أي لا أملك إلا البلاغ إليكم. وأقل عددا: أي أعوانا المسلمون أم الكافرون. معنى الآيات: قوله تعالى {وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ} أي وأوحى إليّ أن لو استقام هؤلاء المشركون من كفار قريش استقاموا على الإِيمان والتوحيد والطاعة لله ولرسوله - وهم يشكون القحط - {لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً} فتكثر أموالهم وتتسع أرزاقهم، {لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} أي لنختبرهم في ذلك الخير الكثير أيشكرون أم يكفرون؟ ثم إن شكروا زادهم، وإن كفروا سلبهم وعذبهم. وقوله تعالى {وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ} أي القرآن وما يدعو إليه من الإِيمان وصالح الأعمال ولم يتخلَّ عن الشرك وسوء الأفعال {يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً} أي نُدخله في عذاب شاق في الدنيا بالذل والمهانة والفقر والرذالة والنذالة. وفي الآخرة في جهنم حيث السموم والحميم، والضريع والزقوم. وقوله {وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً} أي ومما أوحي إليّ أن المساجد لله فإِذا دخلتموها للعبادة فلا تدعو فيها مع الله أحدا إذ كيف البيت له وأنت فيه وتدعو معه غيره زيادة على أن الشرك محرم وصاحبه في النار فإِنه من غير الأدب أن يكون المرء في بيت كريم ويدعو معه غيره من فقراء الخلق أو أغنيائهم وقوله {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً} أي وأوحي إليّ أنّه لما قام عبدالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم يدعو ربّه في الصلاة ببطن نخلة كاد الجن أن يكونوا عليه لبدا أي كالشيء المتلبد بعضه فوق بعض. وقوله {قُلْ إِنَّمَآ أَدْعُواْ رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً} هذا إجابة لقريش عندما قالوا له صلى الله عليه وسلم لقد جئت بأمر عظيم وقد عاديت الناس كلهم فارجع عن هذا فنحن نجيرك أي نحفظك فأُمر أن يقول لهم إنما أدعو ربي أي أعبده إلهاً واحداً ولا أشرك به أحدا. وأن يقول أيضا إني لا أملك لكم يا معشر قريش الكافرين ضرا ولا رشدا أي ضلالا ولا هداية إنما ذلك لله وحده يضل من يشاء ويهدي من يشاء وأمر أن يقول لهم أيضا إني لن يجيرني من الله أحد إن أنا عصيته وأطعتكم، ولن أجد من دونه أي من غيره ملتحدا أي ملتجأ التجأ إليه. وقوله إلا بلاغاً من الله ورسالاته أي لا أملك لكم ضراً ولا رشداً إلا بلاغاً من الله ورسالته فإِني أبلغكم عنه ما أمرني به وأرشدكم إلى ما أرسلني به من الهدى والخير والفوز وقوله {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} أي يخبر تعالى موعداً أن من يعصي الله بالشرك به وبرسوله بتكذيبه وعدم اتباعه فيما جاء به فإِن له جزاء شركه وعصيانه نار جهنم خالدين فيها أبدا. وقوله {حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً} أي فإِن استمروا على شركهم وتكذيبهم حتى إذا رأوا ما يوعدون من عذاب يوم القيامة فسيعلمون عندئذ من أضعف ناصراً أي من ناصره ضعيف أو قوي، ومن أقل عدداً من أعوانه المؤمنون محمد وأصحابه أم هم المشركون المكذبون. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- الاستقامة على منهج الله تعالى القائم على الإِيمان والطاعة لله ورسوله يفضي بسالكه إلى الخير الكثير والسعادة الكاملة في الدنيا والآخرة. 2- المال فتنة وقل من ينجح فيها قال عمر رضي الله عنه أينما يكون الماء يكون المال وأينما يكون المال تكون الفتنة. 3- حرمة دعاء غير الله في المساجد وفي غيرها إلا أنها في المساجد أشد قبحا. 4- الخير والغير والهدى والضلال لا يملكها إلا الله فليطلب ذلك منه لا من غيره. 5- معصية الله والرسول موجبة لعذاب الدنيا والآخرة.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَأَلَّوِ} {ٱسْتَقَامُواْ} {لأَسْقَيْنَاهُم} (16) - وََأَنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى طَرِيقَةِ الإِيْمَانِ بِاللهِ، والطَّاعَةِ لَهُ، لأَوْسَعَ اللهُ عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا، وَلأَنْزَلَ السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ فِي كُفَّارِ قُرَيْشٍ حِينَمَا مُنِعُوا المَطَرَ سَبْعَ سِنِينَ). عَلَى الطَّرِيقَةِ - عَلَى طَرِيقَةِ الهُدَى وَالإِيْمَانِ.

الثعلبي

تفسير : {وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ} قراءة العامة لو: بكسر الواو. وقرأ الأعمش: لو استقاموا بضم الواو. {عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ} اختلف المفسرون في تأويلها، فقال قوم: معناها وأن لو استقاموا على طريقة الحقّ والإيمان والهدى وكانوا مؤمنين مطيعين. {لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً}، قال عمر ح في هذه الآية: أينما كان الماء كان المال، وأينما كان المال كانت الفتنة، يعني أعطيناهم مالا كثيراً وعيشاً رغيداً ووسعنا عليهم في الرزق وبسطنا لهم في الدنيا {لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} لنختبرهم كيف شكرهم فيما خوّلوا وهذا قول سعيد بن المسيب وعطاء بن رياح والضحاك وقتادة وعبيد بن عمير وعطية ومقاتل والحسن، قال: كان والله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين لله مطيعين فتحت عليهم كنوز كسرى وقيصر، ففتنوا بها فوثبوا بإمامهم فقتلوه يعني عثمان بن عفان. ودليل هذا التأويل قوله سبحانه وتعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم} تفسير : [المائدة: 66] وقوله سبحانه: {أية : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ آمَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [الأعراف: 96] وقوله تعالى: {أية : مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} تفسير : [النحل: 97] وقوله تعالى: {أية : فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً} تفسير : [نوح: 10-11] الآيات. وقال آخرون: معناها وأن لو استقاموا على طريقة الكفر والضلالة وكانوا كفّاراً كلهم لأعطيناهم مالا كثيراً ولوسّعنا عليهم لنفتنهم فيه عقوبة لهم واستدراجاً، حتّى يفتنوا فيعذبهم. وهذا قول الربيع بن أنس وزيد بن أسلم والكلبي والثمالي ويمان بن رباب وابن كيسان وابن مجلد، ودليل هذا التأويل قوله سبحانه: {أية : فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} تفسير : [الأنعام: 44]. وقوله سبحانه وتعالى: {أية : وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ} تفسير : [الزخرف: 33]. وقوله سبحانه: {أية : وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الشورى: 27]. وقوله سبحانه وتعالى: {أية : كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ} تفسير : [العلق: 6-7]. {وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ} قرأ أهل الكوفة ويعقوب وأيوب بالياء وهو اختيار أبي حاتم وأبي عبيد. وقرأ مسلم بن جندب: نُسلكه بضم النون وكسر اللام. وقرأ الآخرون بفتح النون وضم اللام وهما لغتان سلك واسلك بمعنى واحد أي يدخله. {عَذَاباً صَعَداً} قال ابن عباس: شاقاً. السدي: مشقة. قتادة: لا راحة فيه. مقاتل: لا فرج فيه. الحسن: لا يزداد إلاّ شدّة. ابن زيد: متعباً. والأصل فيه أن الصعود يشقّ على الإنسان، ومنه قول عمر: ما تصعدني شيء ما تصعد في خطبة النكاح، أي ما شقّ عليّ. وقال عكرمة: هو جبل في النار. وقال الكلبي: يكلّف الوليد بن المغيرة أن يصعد في النار جبلا من صخرة ملساء حتّى يبلغ أعلاها يجذب من أمامه بالسلاسل، ويضرب بمقامع الحديد حتّى يبلغ أعلاها ولا يبلغه في أربعين سنة، فإذا بلغ أعلاها أجر إلى أسفلها، ثمّ يكلف أيضاً صعودها فذلك دأبه أبداً، وهو قوله: {أية : سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً} تفسير : [المدثر: 17]. {وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ} قال سعيد بن جبير: قالت الجن لنبي الله كيف لنا أن نأتي المسجد ونشهد معك الصلاة ونحن ناؤون عنك؟ فنزلت: وأن المساجد لله {فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً}. قال قتادة: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا بالله، فأمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أن يخلصوا له الدعوة إذا دخلوا المساجد، وأراد بها المساجد كلّها. وقال الحسن: أراد بها البقاع كلها وذلك، أن الأرض جعلت للنبي صلى الله عليه وسلم مسجداً، وكان المسلمون بعد نزول هذه الآية إذا دخل أحدهم المسجد قال: أشهد أن لا إله إلاّ الله والسلام على رسول الله. وقال سعيد بن جبير وطلق بن حبيب: أراد بالمساجد الأعضاء التي يسجد عليها العبد وهي سبعة: القدمان والركبتان واليدان والوجه. وسمعت محمد بن الحسن السلمي يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبو القيّم البزاز يقول: قال ابن عطاء: مساجدك أعضاؤك التي أمرت أن تسجد عليها لا تذللها لغير خالقها. وأخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن زكريا غير مرة، قال: أخبرنا ابن الشرقي، قال: حدّثنا حمدان السلمي، قال: حدّثنا موسى بن إسماعيل ومعلّى بن أسيد ومسلم بن إبراهيم، قالوا: حدّثنا وهيب، قال: حدّثنا ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أُمرتُ أن أسجد على سبعة: أعظم الجبهة وأشار بيده إلى أنفه واليدين والركبتين وأطراف القدمين، وأن لا أكف شعراً ولا ثوباً ". تفسير : وأخبرنا أبو بكر الجوزقي، قال: أخبرنا عمرو بن عبد الله البصري، قال: حدّثنا أحمد بن سلمة، قال: حدّثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدّثنا بكر بن مضر عن ابن الهاد عن محمد بن إبراهيم عن عامر بن سعد عن العباس بن عبد المطلب، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إذا سجد العبد سجد معه سبعة" تفسير : فإن جعلت المساجد المواضع فواحدها مسجد بكسر الجيم، وإن جعلت الأعضاء فواحدها مسجَد بفتح الجيم. وقال الحسن: {وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ} يعني الصلوات فلا تدعوا مع الله أحداً أي أفردوا له التوحيد وأخلصوا له العبادة. وقيل: معناه فردّوها لذكر الله وعبادته فلا تتخذوها متجراً ولا مجلساً ولا طرقاً ولا تجعلوا فيها لغير الله نصيباً. {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ} يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم {يَدْعُوهُ} يقول: لا إله إلاّ الله ويدعوا إليه ويقرأ القرآن {كَادُواْ} يعني: الجن {يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً} أي يركبون بعضهم بعضاً، ويزدحمون ويسقطون حرصاً منهم على استماع القرآن. قاله الضحاك ورواه عطية عن ابن عباس. سعيد بن جبير عنه: هذا من قول النفر من الجن لما رجعوا إلى قومهم أخبروهم بما رأوا من طاعة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم له واهتمامهم به في الركوع والسجود واقتدائهم به في الصلاة. وقال الحسن وقتادة وابن زيد: يعني لما قام عبد الله بالدعوة تلبّدت الجن والإنس، وتظاهروا عليه ليبطلوا الحقّ الذي جاءهم به، ويطفئوا نور الله فأبى الله إلاّ أن يتم هذا الأمر وينصره ويظهره على من ناواه. وأصل اللبد: الجماعات بعضها فوق بعض، ومنه قيل للجراد الكبير: لبدٌ، وتلبد الشعر إذا تراكم. ومنه سمي اللبد لبداً، كما ويقال للشعر على الأسد: لبدة وجمعها لبدٌ، قال زهير: شعر : لدى أسد شاك السلاح خبان له لبد أظفاره لم تُقلّم تفسير : وفيه أربع لغات: لِبَدٌ بكسر اللام وفتح الباء و [هي] قراءة العامة واختيار أبي عبيدة وأبي حاتم واحدتها لِبدة بكسر اللام، ولُبد بضم اللام وفتح الباء وهي قراءة مجاهد وابن محيص وواحدتها لبدة بضم اللام، ولُبُد بضم اللام والباء وهي قراءة أبي حيوة واحدتها لبيد، ولُبّد بضم اللام وتشديد الباء وهي قراءة الحسن وأبي جعفر وواحدها لابد مثل راكع رُكع وساجد وسُجد. {قُلْ} يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه قرأ أكثر القرّاء، وقرأ أبو جعفر والأعمش وعاصم وحمزة {قُلْ} على الأمر {إِنَّمَآ أَدْعُو رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً * قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَداً * قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً} أي ملجأ أميل إليه وقال قتادة: نصراً. الكلبي: مدخلا في الأرض مثل السرب، السدي: جرزاً. قال مقاتل: قال كفار قريش للنبي صلى الله عليه وسلم إنّك أتيت بأمر عظيم لم يسمع بمثله، وقد عاديت الناس كلهم فارجع عن هذا الأمر، فنحن نجزيك، فأنزل الله سبحانه هذه الآيات. وفي قراءة أُبي عنّا (ولا رشداً). {إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَالاَتِهِ} فإن فيه الحوار والأمن والنجاة قاله الحسن. وقال قتادة: إلاّ بلاغاً من الله فذلك الذي أملكه بعون الله وتوفيقه، فإمّا الكفر والإيمان فلا أملكهما. وقيل: لا أملك لكم ضراً ولا رشداً لكن أبلغ بلاغاً من الله، إنّما أنا مرسل ومبلّغ لا أملك إلاّ ما ملكت. {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً * حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ} يعني العذاب. {فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً * قُلْ إِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ} يعني العذاب وقيل: القيامة {أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّيۤ أَمَداً} أجلا وغاية تطول مدتها {عَالِمُ ٱلْغَيْبِ} رفع على نعت قوله ربّي، وقيل: هو عالم الغيب. {فَلاَ يُظْهِرُ} يُطلع {عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ} اصطفى {مِن رَّسُولٍ} فإنه يصطفيه ويُطلعه على ما يشاء من الغيب. {فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ} ذكر بعض الجهات دلالة على جميعها {رَصَداً} حفظة من الملائكة يحفظونه من الشياطين واستماع الجن ليلا يسترقوه فيلقوه إلى كهنتهم. قال سعيد بن المسيب: {رَصَداً} أربعة من الملائكة حفظة. قال مقاتل وغيره: كان الله إذا بعث رسولا أتاه إبليس في صورة جبرائيل يخبره، فبعث الله من بين يديه ومن خلفه رصداً من الملائكة يحرسونه ويطردون الشيطان، فإذا جاءه شيطان في صورة ملك، قالوا: هذا شيطان فاحذر، وإذا جاءه ملك، قالوا: هذا رسول ربّك. {لِّيَعْلَمَ} قرأ ابن عباس ويعقوب بضم الياء، أي ليعلم الناس أن الرسل قد بلّغوا، وقرأ الآخرون بفتح الياء أي ليعلم الرسول أن الملائكة {أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ} عندهم {وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً} فلم يخفَ عليه شيئاً ونصب عدداً على الحال وإن شئت على المصدر أي عد عدداً.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ} معناه عَلَى الإِسلامِ. {لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً} معناه كثيرٌ. واسقَيناهُم: معناه جَعلنَاهُم سُقياً. ويقال الماء الغَدقُ: هو المَالُ، معناه لو آمنوا لوسَّعنا عَلَيهم في الرِّزقِ.

همام الصنعاني

تفسير : 3353- معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً}: [الآية: 16]، قال: لو آمنوا لَوَسَّعَ اللهُ عليهم في الرِّزْق. 3354- حدثنا عبد الرزاق، عن إسْرائيل، عن (ثُوير بن أبي فاختة) قال: سألت سعيد بن جبير، عن قوله تعالى: {لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً}: [الآية: 16]، قال: هو المال.