٧٢ - ٱلْجِنّ
72 - Al-Jinn (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
28
Tafseer
الرازي
تفسير : قوله تعالى: {لّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَـٰلَـٰتِ رَبّهِمْ } فيه مسائل: المسألة الأولى: وحَّد الرسول في قوله: {أية : إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ } تفسير : [الجن: 27] ثم جمع في قوله: {أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَـٰلَـٰتِ رَبّهِمْ } ونظيره ما تقدم من قوله: {أية : فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ } تفسير : [الجن: 23]. المسألة الثانية: احتج من قال بحدوث علم الله تعالى بهذه الآية لأن معنى الآية ليعلم الله أن قد أبلغوا الرسالة، ونظيره قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ } تفسير : [محمد: 31] والجواب من وجهين الأول: قال قتادة ومقاتل: ليعلم محمد أن الرسل قد أبلغوا الرسالة كما بلغ هو الرسالة، وعلى هذا، اللام في قوله: {لِيَعْلَمَ } متعلق بمحذوف يدل عليه الكلام كأنه قيل: أخبرناه بحفظ الوحي ليعلم أن الرسل قبله كانوا على مثل حالته من التبليغ الحق، ويجوز أن يكون المعنى ليعلم الرسول أن قد أبلغوا أي جبريل والملائكة الذين يبعثون إلى الرسل رسالات ربهم، فلا يشك فيها ويعلم أنها حق من الله الثاني: وهو اختيار أكثر المحققين أن المعنى ليعلم الله أن قد أبلغ الأنبياء رسالات ربهم، والعلم ههنا مثله في قوله: {أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ مِنكُمْ } تفسير : [آل عمران: 142] والمعنى ليبلغوا رسالات ربهم فيعلم ذلك منهم. المسألة الثالثة: قرىء {لِيَعْلَمَ } على البناء للمفعول. أما قوله: {وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ } فهو يدل على كونه تعالى عالماً بالجزئيات، وأما قوله: {وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَىْء عَدَداً } فهو يدل على كونه عالماً بجميع الموجودات، فإن قيل: إحصاء العدد إنما يكون في المتناهي، وقوله: {كُلّ شَىْء } يدل على كونه غير متناه، فلزم وقوع التناقض في الآية، قلنا: لا شك أن إحصاء العدد إنما يكون في المتناهي، فأما لفظة {كُلّ شَىْء } فإنها لا تدل على كونه غير متناه، لأن الشيء عندنا هو الموجودات، والموجودات متناهية في العدد، وهذه الآية أحد ما يحتج به على أن المعدوم ليس بشيء، وذلك لأن المعدوم لو كان شيئاً، لكانت الأشياء غير متناهية، وقوله: {وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَىْء عَدَداً } يقتضي كون تلك المحصيات متناهية، فيلزم الجمع بين كونها متناهية وغير متناهية وذلك محال، فوجب القطع بأن المعدوم ليس بشيء حتى يندفع هذا التناقض. والله سبحانه وتعالى أعلم، والحمد لله رب العالمين، وصلاته وسلامه على سيد المرسلين، وخاتم النبيين محمد النبي وآله وصحبه أجمعين.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {لِّيَعْلَمَ} قال قتادة ومقاتل: أي ليعلم محمد أن الرسل قبله قد أبلغوا الرسالة كما بلّغ هو الرسالة. وفيه حذف يتعلق به اللام؛ أي أخبرناه بحفظنا الوحي ليعلم أن الرسل قبله كانوا على مثل حالته من التبليغ بالحقّ والصدق. وقيل: ليعلم محمد أن قد أبلغ جبريل ومن معه إليه رسالة ربه؛ قاله ٱبن جبير. قال: ولم ينزل الوحي إلا ومعه أربعة حفظة من الملائكة عليهم السلام. وقيل: ليعلم الرسل أن الملائكة بلّغوا رسالات ربهم. وقيل: ليعلم الرسول أيُّ رسول كان أن الرسل سواه بلّغوا. وقيل: أي ليعلم إبليس أن الرسل قد أبلغوا رسالات ربهم سليمة من تخليطه وٱستراق أصحابه. وقال ٱبن قتيبة: أي ليعلم الجنّ أن الرسل قد بلّغوا ما نزل عليهم ولم يكونوا هم المبلّغين بٱستراق السمع عليهم. وقال مجاهد: ليعلم من كذّب الرسل أن المرسلين قد بلّغوا رسالات ربهم. وقراءة الجماعة «لِيَعْلَمَ» بفتح الياء وتأويله ما ذكرناه. وقرأ ٱبن عباس ومجاهد وحُميد ويعقوب بضم الياء أي ليُعْلِم الناس أنّ الرسل قد أبلغوا. وقال الزجاج: أي ليعلم الله أن رسله قد أبلغوا رسالاته بفتح الياء؛ كقوله تعالى: { أية : وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّابِرِينَ } تفسير : [آل عمران:142] المعنى: ليعلم الله ذلك علم مشاهدة كما علمه غيباً. {وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ} أي أحاط علمه بما عندهم، أي بما عند الرسل وما عند الملائكة. وقال ٱبن جبير: المعنى: ليعلم الرسل أن ربهم قد أحاط علمه بما لديهم، فيبلّغوا رسالاته. {وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً} أي أحاط بعدد كل شيء وعرفه وعلمه فلم يخف عليه منه شيء. و«عَدَداً» نصب على الحال، أي أحصى كل شيء في حال العدد، وإن شئت على المصدر، أي أحصى وعدّ كل شيء عدداً، فيكون مصدر الفعل المحذوف. فهو سبحانه المحصي المحيط العالم الحافظ لكل شيء. وقد بينا جميعه في الكتاب الأسنى، في شرح أسماء الله الحسنى. والحمد لله وحده.
المحلي و السيوطي
تفسير : {لِيَعْلَمَ } الله علم ظهور {أن } مخففة من الثقيلة أي أنه {قَدْ أَبْلَغُواْ } أي الرسل {رِسَٰلَٰتِ رَبِّهِمْ } روعي بجمع الضمير معنى من {وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ } عطف على مقدر، أي فعلم ذلك {وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَىْءٍ عَدَداً } تمييز وهو محوّل عن المفعول والأصل أحصى عدد كل شَيْءٍ.
ابن عبد السلام
تفسير : {لِّيَعْلَمَ} محمد صلى الله عليه وسلم أن جبريل عليه السلام قد بلغ إليه رسالة ربه وما نزل جبريل عليه السلام إلا ومعه ملائكة حفظة أو ليعلم محمد صلى الله عليه وسلم أنّ الرسل قبله قد بلغت الرسالات وحفظت أو ليعلم مكذب الرسل أنّ الرسل قد بلغت أو لعلم الجن أنّ الرسل بلغوا الوحي ولم يكونوا هم المبلغين باستراق السمع أو ليعلم الله ـ تعالى ـ أنّ رسله قد بلغوا رسالاته.
الخازن
تفسير : {ليعلم} أي ليعلم محمد صلى الله عليه وسلم {أن} أي أن جبريل قد بلغ إليه رسالات ربه وقيل معناه ليعلم محمد أن الرسل قبله قد أبلغوا رسالات ربهم وأن الله قد حفظهم ودفع عنهم. وقيل معناه ليعلم الله أن الرسل {قد أبلغوا رسالات ربهم} فيعلم الله ذاك ظاهراً موجوداً فيوجب فيه الثواب {وأحاط بما لديهم} أي علم الله ما عند الرسل فلا يخفى عليه شيء من أمورهم {وأحصى كل شيء عدداً} قال ابن عباس: أحصى ما خلق وعرف ما خلق لم يفته شيء حتى مثاقيل الذر والخردل، والله سبحانه وتعالى أعلم بمراده وأسرار كتابه.
ابو السعود
تفسير : وقولُه تعالى: {لّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَـٰلَـٰتِ رَبّهِمْ} متعلقٌ بـيسلكُ غايةٌ لهُ من حيثُ إنَّه مترتبٌ على الإبلاغ المترتبِ عليه إذ المرادُ به العلمُ المتعلقُ بالإبلاغ الموجود بالفعلِ، وأنْ مخففةٌ من الثقيلةِ واسمُها الذي هو ضميرُ الشأنِ محذوفٌ والجملةُ خبرُها، ورسالاتِ ربِّهم عبارةٌ عن الغيبِ الذي أُريدَ إظهارُ المُرتضَى عليهِ والجمعُ باعتبار تعددِ أفرادِه، وضميرُ أبلغُوا إمَّا للرصَدِ فالمَعْنى أنَّه تعالَى يسلُكهم من جميع جوانبِ المرتَضى ليعلمَ أنَّ الشأنَ قد أبلغُوه رسالاتِ ربِّهم سالمةً عن الاختطافِ والتخليط علماً مستتبعاً للجزاءِ، وهُو أنْ يعلَمُه موجوداً حاصلاً بالفعل كَما في قولِه تعالى: { أية : حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ} تفسير : [سورة محمد، الآية 31] والغايةُ في الحقيقه هو الإبلاغُ والجهادُ وإيرادُ علمهِ تعالَى لإبراز اعتنائِه تعالى بأمرِهما والإشعار بترتيب الجزاءِ عليهما والمبالغة في الحثِّ عليهما والتحذير عن التفريط فيهما وإما لمن ارتضَى والجمعُ باعتبارِ مَعْنى مَنْ كَما أنَّ الإفرادَ في الضميرين السابقينِ باعتبار لفظِهما فالمَعْنى ليعلمَ أنَّه قد أبلغَ الرسلَ الموحَى إليهم رسالات ربِّهم إلى أُممهم كما هيَ من غير اختطافٍ ولا تخليطِ بعد ما أبلغها الرصَدُ إليهم كذلكَ. وقولُه تعالَى: {وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ} أيْ بَما عندَ الرَّصَدِ أو الرُّسلِ عليهم السَّلامُ حالٌ من فاعلِ يسلكُ بإضمارِ قَدْ أو بدونِه على الخلافِ المشهورِ جيءَ بها لتحقيقِ استغنائِه تعالى في العلمِ بالإبلاغِ عمَّا ذُكِرَ من سلكِ الرصدِ على الوجِه المذكورِ أي يسلكُهم بـينَ يديه ومن خلفه يترتبُ عليه علمُه تعالَى بما ذُكِرَ والحالُ أنَّه تعالَى قد أحاطَ بما لديِهم من الأحوالِ جميعاً. {وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَىْء} مما كانَ وما سيكونُ {عَدَدًا} أي فرداً فرداً وهُو تميـيزٌ منقولٌ من المفعول به كقوله تعالى: { أية : وَفَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُوناً} تفسير : [سورة القمر، الآية 12] والأصلُ أحصَى عددَ كلِّ شيءٍ وقيلَ: هو حالٌ أي معدوداً محصوراً أو مصدرٌ بمَعْنى إحصاءً وأيَّا ما كان ففائدتُه بـيانُ أنَّ علمَهُ تعالَى بالأشياء ليس على وجهٍ كليَ إجمالي بلْ على وجهٍ جزئي تفصيلي فإنَّ الإحصاءَ قد يرادُ به الإحاطةُ الإجماليةُ كما في قولِه تعالى: { أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} تفسير : [سورة إبراهيم، الآية 24 وسورة النحل، الآية 18] أي لا تقدروا على حصرها إجمالاً فضلاً عن التفصيلِ وذلكَ لأنَّ أصلَ الإحصاءِ أنَّ الحاسبَ إذا بلغ عَقداً معيناً من عُقودِ الأعدادِ كالعشرةِ والمائةِ والألفِ وضعَ حصاةً ليحفظَ بها كميةً ذلكَ العقدِ فيبنِي عَلَى ذلكَ حسابَهُ هذا وأمَّا مَا قيلَ: مِنْ أنَّ قولَه تعالى: {وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ} الخ معطوفٌ على مقدرٍ يدلُّ عليه قولُه تعالى ليعلمَ كأنه قيل: قد علمَ ذلكَ وأحاطَ بما لديهم الخ فبمعزلٍ من السدادِ. عن النبـي صلى الله عليه وسلم: " حديث : مَنْ قرأَ سورةَ الجنِّ كانَ لهُ بعددِ كُلِّ جِنيَ صدَّقَ مُحمداً وَكذَّبَ به عتقُ رقبةٍ".
السلمي
تفسير : قوله: {وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً} [الآية: 28]. وقال البزاز: هو أوجدها فأحصاها عددًا.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً} اظهر قهر سلطان جبروته على كل ذرة من العرش الى الثرى فانه موجد الاشياء والعالم بها قبل ايجادها ظاهر او باطنا صغارا او كبار قال القاسم هو اوجدها فاحصاها عددا.
اسماعيل حقي
تفسير : {ليعلم ان قد ابلغوا رسالات ربهم} متعلق بيسلك غاية له من حيث انه مترتب على الابلاغ المترتب عليه اذ المراد به العلم المتعلق بالابلاغ الموجود بالفعل وان مخففة من الثقيلة واسمها الذى هو ضمير الشأن محذوف والجملة خبرها والابلاغ الايصال وبالفارسية رسانيدن. ورسالات ربهم عبارة عن الغيب الذى اريد اظهار المرتضى عليه والجمع باعتبار تعدد افراده وضمير أبلغوا اما للرصد فالمعنى انه تعالى يسلكهم من جميع جوانب المرتضى ليعلم ان الشأن قد أبلغوه رسالات ربهم سالمة عن الاختطاف والتخليط علما مستتبعا للجزآء وهو أن يعلمه موجودا حاصلا بالفعل كما فى قوله تعالى حتى نعلم المجاهدين منكم والغاية فى الحقيقة هو الا بلاغ والجهاد وايراد علمه تعالى لابراز اعتنائه تعالى بأمرهما والاشعار بترتيب الجزآء عليهما والمبالغة فى الحث عليهما والتحذير من التفريط فيهما واما لمن ارتضى والجمع باعتبار معنى من كما ان الافراد فى الضميرين السابقين باعتبار لفظهما فالمعنى ليعلم انه قد ابلغ الرسل الموحى عليهم رسالات ربهم الى اممهم كما هى من غير اختطاف ولا تخليط بعد ما ابلغها الرصد اليهم كذلك {واحاط بما لديهم} اى بما عند الرصد او الرسل حال عن فاعل يسلك باضمار قد او بدونه على الخلاف المشهور جيء بها لتحقيق استغنائه تعالى اى وقد احاط بما لديهم من الاحوال جميعا {واحصى} علم علما بالغا الى حد الاحاطة تفصيلا وبالفارسية وشمرده است {كل شئ} مما كان وما سيكون {عددا} اى فردا فردا فكيف لا يحيط بما لديهم قال القاسم هو اوجدها فأحصاها عددا وقال ابن عباس رضى الله عنهما احصى ما خلق وعرف عدد ما خلق لم يفته علم شئ حتى مثاقيل الذر والخردل (قال الكشافى) مراد كمال علم است وتعلق آن بجميع معلومات يعنى معلومى مطلقا از دآئره علم او خارج نيست شعر : هرجه دانستنى است درد وجهان نيست ازعلم شاملش بنهان تفسير : قوله عددا تمييز منقول من المفعول به كقوله وفجرنا الارض عيونا والاصل احصى عدد كل شئ وفائدته بيان ان علمه تعالى بالاشياء ليس على وجه كلى اجمالى بل على وجه جزئى تفصيلى فان الاحصاء قد يراد به الاحاطة الاجمالية كما فى قوله تعالى وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها اى لا تقدروا على حصرها اجمالا فضلا عن التفصيل وذلك لان اصل الاحصاء ان الحاسب اذا بلغ عقدا معينا من عقود الاعداد كالعشر والمائة والالف وضع حصاة ليحفظ بها كمية ذلك العقد فيبنى على ذلك حسابه وهذه الآية مما يستدل به على ان المعدوم ليس بشئ لانه لو كان شيأ لكانت الاشياء غير متناهية وكونه احصى عددها يقتضى كونها متناهية لان احصاء العدد انما يكون فى المتناهى فيلزم الجمع بين كونها متناهية وغير متناهية وذلك محال فوجب القطع بأن المعدوم ليس بشئ حتى يندفع هذا التناقض والتنافى كذا فى حواشى ابن الشيخ رحمه الله. تمت سورة الجن بعون الله ذى الطول والمن فى عصر الثلاثاء السابع من ذى القعدة من شهور سنة ست عشرة ومائة وألف
الجنابذي
تفسير : {لِّيَعْلَمَ} الله {أَن قَدْ أَبْلَغُواْ} الى الرّسل الّذين هم الملائكة او الرّسل البشريّون {رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ} والمعنى ليظهر علمه بذلك او ليعلم الرّسول (ص) ان قد ابلغ الملائكة او ابلغ الرّسل الماضون رسالات ربّهم {وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ} عطف على عالم الغيب ورفع لتوهّم ان يكون لله علم حادث كما يتوهّم من قوله ليعلم {وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً} تأكيد وتعميم بعد تخصيصٍ.
اطفيش
تفسير : {لِيَعْلَمَ} الرسول {أنْ} أي أنه {قَدْ أَبْلَغُوا} جبريل والملائكة النازلون بالوحي أو ليعلم الله أنه قد بلغ الأنبياء اي ليتعلق علمه بالتبليغ موجوداً كما تعلق به قبل وجوده فأفرد أولا مراعاة للفظ من وجمع ثانيا مراعاة لمعناها *{رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ} أي أبلغوها كما هي بلا زيادة أو نقص وبلا تغيير وقال ابن جبير ليعلم محمد أن الملائكة الحفظة الرصد النازلين بين يدي جبريل وخلفه قد أبلغوا رسالات ربهم وقال مجاهد ليعلم من كذب أن الرسل قد بلغت وقيل ليعلم ذلك الرسول أن الرسل قبله قد أبلغوا رسالات ربهم وأن الله حافظهم ودافع عنهم وقرئ ليعلم بالبناء للمفعول *{وأحَاطَ} أي الله وهو مقدر لعود ضمير يعلم إلى الله تعالى والواو للحال بلا تقدير قد ولا مبتدأ أو بتقدير أحدهما أو للإستئناف أو للعطف على محذوف أي فعلم ذلك وأحاط *{بِمَا لَدَيْهِمْ} أي بما عند الرسل من الحكم والشرائع ولا يفوته شيء ولا ينساه *{وأحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً} من قطر ورمل وذر وورق وماء البحار قطرة قطرة فكيف لا يحيط بما عند الرسل وعدداً مميز محول عن المفعول أي أحصي عدد كل شيء أو حال من كل أي أحصي كل شيء معدوداً أو مفعول مطلق نائب عن الاحصاء اللهم ببركة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم وبركة هذه السورة أخز النصارى وأهنهم وأكسر شوكتهم وغلب المسلمين والموحدين عليهم صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
اطفيش
تفسير : {لّيَعْلَمَ} الضمير المستتر عائد إِلى من هو والرسول المرتضى. {أنْ} أى أنه والضمير للشأن {قَدْ أبْلَغُوا} أى أبلغ الملائكة الراصدون إِليه أى إِلى ذلك الرسول {رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ} الموحى بها إِليه التى أظهرها الله تعالى لهم وللملائكة الراصدين لا بالكنه، والمشهور أن المبلغ جبريل وحده وضمير الجمع فى الموضعين مراعاة للمجموع إِذ كان جبريل من جملة الملائكة، كقولك بنو تميم أكرموا زيداً والمكرم واحد وإِكرامهم واسع وتريد واحدا أو لا مانع من إِرادة الجمع لأَنه قد يجئ غير جبريل كإِسرافيل وحده أو مع جبريل أو الجمع تعظيماً لجبريل، وجاء عن ابن عباس لا آية إِلا معها أربعة من الملائكة يحفظونها حتى تصل النبى - صلى الله عليه وسلم - وقرأ الآية ويروى أنه جاء مع سورة الأنعام سبعون ألف ملك. {وَأحَاطَ} الله تعالى. {بِمَا لَدَيْهِمْ} عند الرصد، {وَأحْصَى} أى الله {كُلَّ شَيءٍ} مما كان أو يكون أو هو فى حال النزول. {عَدَداً} فرداً فرداً وجزءا جزءا وأصحاب الكرامات ليسوا على يقين مما انكشف لهم بل ترجيح بخلاف الرسل فإِنهم على يقين، فإِن حاصل الاية ليعلم الرسول أن ما أبلغ إِليه حق من الله، لا شئ من غير الله تعالى وأنه أبلغته إِليه الملائكة الآتون به من الله عز وجل، ويجوز أن يكون ضمير يعلم الله عز وجل، ويجوز أن يراد بضمير الجمع فى الموضعين الرسل أفرد الضمير أو لا مراعاة للفظ فى قوله من رسول وجمعه بعد ذلك مراعاة لما قصد به من الجنس فالمعنى ليعلموا أنهم قد ابلغوا إِلى أقوامهم ما هو حق والله الموفق ولا حول ولا قوة إِلا بالله العلى العظيم - وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الالوسي
تفسير : {لِيَعْلَمَ } متعلق بيسلك وعلة له، والضمير لمن أي لأجل أن يعلم ذلك المرتضى الرسول ويصدق تصديقاً جازماً ثابتاً مطابقاً للواقع {أَن قَدْ أَبْلَغُواْ } أي الشأن قد أبلغ إليه الرصد وهو من قبيل بنوا تميم قتلوا زيداً فإن المبلغ في الحقيقة واحد معهم وهو جبريل عليه السلام كما هو المشهور من أنه المبلغ من بين الملائكة عليهم السلام إلى الأنبياء {رِسَـٰلَـٰتِ رَبّهِمْ } وهي الغيوب المظهر عليها كما هي من غير اختطاف ولا تخليط وعلى هذا فليكن {أية : مَنِ}تفسير : [الجن: 27] مبتدأ وجملة {إِنَّهُ يَسْلُكُ} خبره وجىء بالفاء لكونه اسم موصول وقوله تعالى: {وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ } أي بما عند الرصد {وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَىْء } أي مما كان ومما سيكون {عَدَدًا } أي فرداً فرداً حال من فاعل {يَسْلُكُ} بتقدير قد أو بدونه جىء به لمزيد الاعتناء بأمر علمه تعالى بجميع الأشياء وتفرده سبحانه بذلك على أتم وجه بحيث لا يشاركه سبحانه في ذلك الملائكة الذين هم وسائط العلم، فكأنه قيل لكن المرتضى الرسول يعلمه الله تعالى بواسطة الملائكة بعض الغيوب مما له تعلق ما برسالته والحال أنه تعالى قد أحاط علماً بجميع أحوال أولئك / الوسائط وعلم جل وعلا جميع الأشياء بوجه جزئي تفصيلي فأين الوسائط منه تعالى أو حال من فاعل {أَبْلَغُواْ} جىء به للإشارة إلى أن الرصد أنفسهم لم يزيدوا ولم ينقصوا فيما بلغوا كأنه قيل ليعلم الرسول أن قد أبلغ الرصد إليه رسالات ربه في حال أن الله تعالى قد علم جميع أحوالهم وعلم كل شيء فلو أنهم زادوا أو نقصوا عند الإبلاغ لعلمه سبحانه فما كان يختارهم للرصدية والحفظ. هذا ما سنح لذهني القاصر في تفسير هذه الآيات الكريمة ولست على يقين من أمره بيد أن الاستدلال بقوله سبحانه{أية : فَلاَ يُظْهِرُ} تفسير : [الجن: 26] الخ على نفي كرامة الأولياء بالإطلاع على بعض الغيوب لا يتم عليه لأن قوله تعالى: {فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً } في قوة قضية سالبة جزئية لدخول ما يفيد العموم في حيز السلب - وأكثر استعمالاته لسلب العموم وصرح به فيما هنا في «شرح المقاصد» - لا لعموم السلب وهو سلب جزئي فلا ينافي الإيجاب الجزئي، كأن يظهر بعض الغيب على ولي على نحو ما قال بعض أهل السنة في قوله تعالى{أية : لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ}تفسير : [الأنعام: 103] ولا يرد أن الاستثناء يقتضي أن يكون المرتضى الرسول مظهراً على جميع غيبه تعالى بناءً على أن الاستثناء من النفي يقتضي إيجاب نقيضه للمستثنى ونقيض السالبة الجزئية الموجبة الكلية مع أنه سبحانه لا يظهر أحداً كائناً من كان على جميع ما يعلمه عز وجل من الغيب وذلك لانقطاع الاستثناء المصرح به ابن عباس، وكذا لا يرد أن الله تعالى نفي إظهار شيء من غيبه على أحد إلا على الرسول فيلزم أن لا يظهر سبحانه أحداً من الملائكة على شيء منه لأن الرسول هنا ظاهر في الرسول البشري لقوله تعالى: {أية : فَإِنَّهُ يَسْلُكُ}تفسير : [الجن: 27] الخ وذلك ليس إلا فيه كما لا يخفى على من علم حكمة ذلك، ويلزم أن لا يظهر أيضاً أحداً من الأنبياء الذين ليسوا برسل بناءً على إرادة المعنى الخاص من الرسول هنا وذلك لما ذكرنا أولاً، وكذا لا يرد أنه يلزم أن لا يظهر المرتضى الرسول على شيء من الغيوب التي لا تتعلق برسالته ولا يخل الإظهار عليها بالحكمة التشريعية إذ لا حصر للبعض المظهر فيما يتعلق بالرسالة، وإنما أشير إلى المتعلق بها لاقتضاء المقام لذلك، وكون كل غيب يظهر عليه الرسول لا يكون إلا متعلقاً برسالته محل توقف. وللمفسرين هٰهنا كلام لا بأس بذكره بما له وما عليه حسب الإمكان ثم الأمر بعد ذلك إليك فنقول: لما كان مذهب أكثر أهل السنة القول بكرامة الولي بالإطلاع على الغيب وكان ظاهر قوله تعالى {أية : عَالِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ} تفسير : [الجن: 26] الخ دالاً على نفيها ولذا قال الزمخشري: إن في هذا إبطال الكرامات أي في الجملة وهي ما كان من الإظهار على الغيب لأن الذين تضاف إليهم وإن كانوا أولياء مرتضين فليسوا برسل وقد خص الله تعالى الرسل من بين المرتضين بالإطلاع على الغيب وإبطال الكهانة والتنجيم لأن أصحابهما أبعد شيء من الارتضاء وأدخله في السخط انتهى أنجدوا وأتهموا وأيمنوا وأشأموا في تفسير الآية على وجه لا ينافي مذهبهم ولا يتم عليه استدلال المعتزلي على مذهبه فقال الإمام: ليس في قوله تعالى {عَلَىٰ غَيْبِهِ} صيغة عموم فيكفي العمل بمقتضاه أن لا يظهر تعالى خلقه على غيب واحد من غيوبه فنحمله على وقت وقوع القيامة، فيكون المراد من الآية أنه تعالى لا يظهر هذا الغيب لأحد، فلا يبقى في الآية دلالة على أنه سبحانه لا يظهر شيئاً من الغيوب لأحد، ويؤكد ذلك وقوع الآية بعد قوله تعالى: {أية : قُلْ إِنْ أَدْرِى أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ}تفسير : [الجن: 25] والمراد به وقوع يوم القيامة ثم قال: فإن قيل إذا حملتم ذلك على القيامة فكيف قال سبحانه { إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ} مع أنه لا يظهر هذا الغيب لأحد من رسله، قلنا بل يظهره عند القرب من إقامة القيامة وكيف لا وقد قال تعالى{أية : وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ وَنُزِّلَ ٱلْمَلاَئِكَةُ تَنزِيلاً}تفسير : [الفرقان: 25] ولا شك أن الملائكة يعلمون في ذلك الوقت، وأيضاً يحتمل أن يكون هذا الاستثناء منقطعاً كأنه قيل عالم الغيب فلا يظهر على غيبه المخصوص وهو قيام القيامة أحداً، ثم قيل إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه حفظة يحفظونه من شر مردة الإنس والجن انتهى. وتعقب بأن في غيبه / ما يدل على العموم كما سمعت أولاً، والسياق لا يأباه اللهم إلا أن يطعن في ذلك، وأيضاً ظاهر جوابه الأول عن القيل كون المراد بالرسول في الآية الرسول الملكي ويأباه ما بعد من قوله تعالى: {أية : فَإِنَّهُ يَسْلُكُ}تفسير : [الجن: 27] الخ على أن علم الملائكة بوقت الساعة يوم تشقق السماء ليس من الإظهار على الغيب بل هو من إظهار الغيب وإبرازه للشهادة كإظهار المطر عند نزوله وما في الأرحام عند وضعه إلى غير ذلك، وأيضاً الانقطاع على الوجه الذي ذكره بعيد جداً إذ فيه قطع المناسبة بين السابق واللاحق بالكلية اللهم إلا أن يقال مثله لا يضر في المنقطع. وقيل إن الإظهار على الغيب بمعنى الإطلاع عليه على أتم وجه بحيث يحصل به أعلى مراتب العلم، والمراد عموم السلب ولا يضر في ذلك دخول ما يفيد العموم في حيز النفي لأن القاعدة أكثرية لا مطردة لقوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ }تفسير : [الحديد: 23] وقوله سبحانه: {أية : وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} تفسير : [البقرة: 276] وقد نص على ذلك العلامة التفتازاني، فيكون المعنى فلا يظهر على شيء من غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول فإنه سبحانه يظهره على شيء من غيبه بأن يسلك الخ ولا يرد كرامة الولي إذ ليست من الإظهار المذكور إذ لا يحصل له أعلى مراتب العلم بالغيب الذي يخبر به وإنما يحصل له ظنون صادقة أو نحوها وكذا شأن غيره من أرباب الرياضات من الكفرة وغيرهم. وتعقب بأن من الصوفية من قال كالشيخ محي الدين قدس سره بنزول الملك على الولي وإخباره إياه ببعض المغيبات أحياناً ويرشد إلى نزوله عليه قوله تعالى:{أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ} تفسير : [الأحقاف: 13] الآية وكون ما يحصل له إذ ذاك ظن أو نحوه لا علم كالعلم الحاصل للرسول بواسطة الملك لا يخلو عن بحث، بل قد يحصل له بواسطة الإلهام والنفث في الروع نحو ما يحصل للرسول، وأيضاً يلزم أن لا يظهر الملك على الغيب إذ الرسول المستثنى رسول البشر على ما هو الظاهر، والتزام أنه لا يظهر بالمعنى السابق ويظهر بواسطته مما لا وجه له أصلاً، وأيضاً يلزم أن ما يحصل للنبـي غير الرسول بالمعنى الأخص المتبادر هنا ليس بعلم بالمعنى المذكور وهو كما ترى. وقيل المراد بالغيب في الموضعين الجنس والإظهار عليه على ما سمعت وكذا عدم ورود الكرامة والبحث فيه كالبحث في سابقه وزيادة. وقال صاحب «الكشف» في الرد على الزمخشري الغيب إن كان مفسراً بما فسره في قوله تعالى{أية : يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ} تفسير : [البقرة: 3] فالآية حجة عليه لأنه جوز هنالك أن يعلم بإعلامه تعالى أو بنصبه الدليل وهذا الثاني أعني القسم العقلي تنفيه الآية وترشد إلى أن تهذيب طرق الأدلة أيضاً بواسطة الأنبياء عليهم السلام والعقل غير مستقل، وأهل السنة عن آخرهم على أن الغيب بذلك المعنى لا يطلع عليه إلا رسول أو آخذ منهم وليس فيه نفي الكرامة أصلاً، وإن أراد الغائب عن الحس في الحال مطلقاً فلا بد من التخصيص بالاتفاق فليس فيه ما ينفيها أيضاً، وإن فسر بالمعدوم كما ذكره في قوله تعالى {أية : عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ}تفسير : [الأنعام: 73] فلا بد أيضاً من التخصيص، وكذلك لو فسر بما غاب عن العباد أو بالسر على أن ظاهر الآية أنه تعالى عالم كل غيب وحده لا يظهر على غيبه المختص به وهو ما يتعلق بذاته تعالى وصفاته عز وجل بدلالة الإضافة إلا رسولاً وهو كذلك فإن غيبه تعالى لا يطلع عليه إلا بالإعلام من رسول ملكي أو بشري ولا كل غيبه تعالى الخاص مطلع عليه بل بعضه وأقل القليل منه فدل المفهوم على أن غير هذا النوع الخاص من الغيب لا منع من إطلاع الله تعالى غير الرسول عليه فهذا ظاهر الآية دون تعسف. ثم لو سلم فالثاني، إما مستغرق وإذا قال سبحانه لا يطلع على جميعه أحداً إلا من ارتضى من رسول لم يدل على أنه لا يجوز إطلاع غير الرسول على البعض، وأما مطلق ينزل على الكامل منه فيرجع إلى ما اخترناه وتعاضد دلالتا تشريف الإضافة والإطلاق فلا وجه لتعليقه بهذه الآية، ومنه يظهر أن الاستدلال من الآية على إبطال الكهانة والتنجيم غير ناهض وإن كان إبطالهما حقاً لانكره فضلاً عن تكفير من قال بدلالته على حياة أو موت لأنه كفر بهذه الآية كما نقله شيخنا الطيبـي عن الواحدي / والزجاج وصاحب «المطلع» انتهى وبحث فيه بأن حمل (غيبه) على الغيب الخاص بمعنى ما يتعلق بذاته تعالى وصفاته عز وجل مما لا يناسب السياق، وبأن ظاهر ما قرره على احتمال الاستغراق يقتضي على تقدير اتصال الاستثناء وإيجاب ضد ما نفى للمستثنى أن يظهر الرسول على جميع غيبه تعالى إلى ما يظهر بالتأمل. وذكر العلامة البيضاوي أولاً ما يفهم منه على ما قيل حمل (غيبه) على العموم مع الاختصاص أي عموم الغيب المخصوص به علمه تعالى وحمل{أية : فَلاَ يُظْهِرُ}تفسير : [الجن: 26] على سلب العموم وحمل الرسول على الرسول البشري واعتبار الاستثناء منقطعاً على أن المعنى: فلا يظهر على جميع غيبه المختص به علمه تعالى أحداً إلا من ارتضى من رسول فيظهره على بعض غيبه حتى يكون إخباره به معجزة، فلا يتم الاستدلال بالآية على نفي الكرامة. وفسر الاختصاص بأنه لا يعلمه بالذات ولكنه علماً حقيقياً يقينياً بغير سبب كاطلاع الغير إلا هو سبحانه، وأما علم غيره سبحانه لبعضه فليس علماً للغيب إلا بحسب الظاهر وبالنسبة لبعض البشر. وقيل أراد بالغيب المخصوص به تعالى ما لم ينصب عليه دليل ولا يقدح في الاختصاص علم الغير به بإعلامه تعالى إذ هو إضافي بالنسبة إلى من لم يعلم. وقال ثانياً في الجواب عن الاستدلال: ولعله أراد الجواب عند القوم ما نصه وجوابه تخصيص الرسول بالملك والإظهار بما يكون بغير توسط وكرامات الأولياء على المغيبات إنما تكون تلقياً من الملائكة أي بالنفث في الروع ونحوه، وحاصله أن الاستدلال إنما يتم أن لو تحقق كون المراد بالرسول رسول البشر والملك جميعاً أو رسول البشر فقط وبالإظهار الإظهار بواسطة أولا والكل ممنوع إذ يجوز أن يخص الرسول برسول الملك وأن يراد بالإظهار الإظهار بلا واسطة ويكون المعنى فلا يظهر بلا واسطة على غيبه إلا رسل الملائكة ولا ينافي ذلك إظهار الأولياء على غيبه لأنه لا يكون إلا بالواسطة، وهو جواب بمنع المقدمتين وإن كان يكفي فيه منع أحدهما كما فعل الإمام والتفتازاني في «شرح المقاصد». وتعقب بأن رسل البشر قد يطلعون بغير واسطة أيضاً، وفي قصة المعراج وتكليم موسى عليه السلام ما يكفي في ذلك على أنه قد قيل عليه بعد ما قيل. وأغرب ما قيل في هذا المقام كون (إلا) في قوله تعالى: {أية : إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ }تفسير : [الجن: 27] للعطف والمعنى فلا يظهر على غيبه أحد ولا من ارتضى من رسول وحاله لا يخفى. ثم إن تفسير قوله تعالى: {فَإِنَّهُ يَسْلُكُ } الخ بما سمعت هو الذي عليه جمهور المفسرين وكانت الحفظة الذين ينزلون مع جبريل عليه السلام على نبينا صلى الله عليه وسلم على ما أخرج ابن المنذر وجماعة عن ابن جبير أربعة وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال ما أنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم آية من القرآن إلا ومعها أربعة من الملائكة يحفظونها حتى يؤدونها إلى النبـي صلى الله عليه وسلم ثم قرأ {عَالِمُ ٱلْغَيْبِ} الآية وقد يكون مع الوحي أكثر من ذلك ففي بعض الأخبار أنه نزل مع سورة الأنعام سبعون ألف ملك وجاء في شأن آية الكرسي ما جاء. وقال ابن كمال: لاحت دقيقة بخاطري الفاتر قلما يوجد مثلها في بطون الدفاتر وهي أن المراد{أية : مِن بَيْنِ يَدَيْهِ} تفسير : [الجن: 27] في الآية القوى الظاهرة {وَمِنْ خَلْفِهِ} القوى الباطنة ولذلك قال سبحانه: {يَسْلُكُ } الخ أي يدخل حفظة من الملائكة يحفظون قواه الظاهرة والباطنة من الشياطين ويعصمونه من وساوسهم من تينك الجهتين ولو كان المراد حفظة من الجوانب كي لا يقربه الشياطين عند إنزال الوحي فتلقى غير الوحي أو تسمعه فتلقيه إلى الكهنة فتخبر به قبل إخبار الرسول كما ذهب إليه صاحب «التيسير» وغيره لما كان نظم الكلام على الوجه المذكور فإن عبارة {يَسْلُكُ} وتخصيص الجهتين المذكورتين إنما يناسب ما ذكرناه لا ما ذكروه انتهى ولا يخفى أنه نحو من الإشارة ولعل التعبير بيسلك على تفسير الجمهور لتصوير الجهات التي تأتي منها الشياطين بالثغور الضيقة والمسالك الدقيقة وفي ذلك من الحسن ما فيه. وذهب كثير إلى أن ضمير {لِّيَعْلَمَ} لله تعالى وضمير {أَبْلَغُواْ} / إما للرصد أو لمن ارتضى والجمع باعتبار معنى {مَن} كما أن الإفراد في الضميرين قبل باعتبار لفظها والمعنى أنه تعالى يسلكهم ليعلم أن الشأن قد أبلغوا رسالات ربهم علماً مستتبعاً للجزاء وهو أن يعلمه تعالى موجوداً حاصلاً بالفعل كما في قوله تعالى{أية : حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ}تفسير : [محمد: 31] فالغاية في الحقيقة هو الإبلاغ والجهاد، وإيراد علمه تعالى لإبراز اعتنائه تعالى بأمرهما والإشعار بترتب الجزاء عليهما والمبالغة في الحث عليهما والتحذير عن التفريط فيهما. وقوله تعالى: {وَأَحَاطَ } الخ إما عطف على {أية : لاَ يُظْهِرُ}تفسير : [الجن: 26] أو حال من فاعل {يَسْلُكُ} جىء به لدفع التوهم وتحقيق استغنائه تعالى في العلم بالإبلاغ عما ذكر من سلك الرصد على الوجه المذكور، أو عطف كما زعم بعض على مضمر لأن {لِّيَعْلَمَ} متضمن معنى علم فصار المعنى قد علم ذلك وأحاط الخ. وجوز أن يكون ضمير (يعلم) للرسول الموحى إليه وضمير {أَبْلَغُواْ} للرصد النازلين إليه بالوحي، وروي عن ابن جبير ما يؤيده أو للرسل سواه و{أَحَاطَ} الخ عطف على {أَبْلَغُواْ} أو على {لاَ يُظْهِرُ} وعن مجاهد ليعلم من كذب وأشرك أن الرسل قد أبلغوا، وفيه من البعد ما فيه وعليه لا يقع هذا العلم على ما في «البحر» إلا في الآخرة. وقيل ليعلم إبليس أن الرسل قد أبلغوا، وقيل ليعلم الجن أن الرسل قد أبلغوا ما أنزل إليهم ولم يكونوا هم المتلقين باستراق السمع، وكلا القولين كما ترى. ونصب {عَدَداً} عند جمع على أنه تمييز محول عن المفعول به والأصل أحصى عدد كل شيء إلا أنه قال أبو حيان في كونه ثابتاً من لسان العرب خلاف، وأنت تعلم أن التحويل في مثله تقديري وجَوَّزَ أن يكون حالاً أي معدوداً محصوراً ولا يضر تنكير صاحبها للعموم وأن يكون نصباً على المصدر بمعنى إحصاء فتأمل جميع ذلك والله تعالى الموفق لسلوك أحسن المسالك. وقرىء {عالم} بالنصب على المدح و{علم} فعلاً ماضياً {الغيب} بالنصب وقرأ ابن عباس وزيد بن علي {ليعلم} بالبناء للمفعول والزهري وابن أبـي عبلة {ليعلم} بضم الياء وكسر اللام من الإعلام أي ليعلم الله تعالى من شاء أن يعلمه أن قد أبلغوا الخ وقرأ أبو حيوة (رسالة) بالإفراد وقرأ ابن أبـي عبلة {وأحيط... وأحصى كل} بالبناء للمفعول في الفعلين ورفع {كل} على النيابة والفاعل هو الله عز وجل فهو سبحانه المحيط بالأحوال علماً والمحصي لكل شيء عدداً.
د. أسعد حومد
تفسير : {رِسَالاَتِ} (28) - وَاللهُ تَعَالَى يَحْفَظُ رُسُلَهُ لِيتَمَكَّنُوا مِنْ أَدَاءِ رِسَالاَتِهِ، وَيَحْفَظُوا مَا يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِنَ الوَحْيِ لِيَعْلَمَ إِنْ كَانُوا قَدْ بلَّغُوا هَذِهِ الرِّسَالاَتِ؛ وَهُوَ تَعَالَى قَدْ أَحَاطَ عِلْماً بِمَا عِنْدَ الرَّاصِدِ مِنَ المَلاَئِكَةِ، وَأَحْصَى مَا كَانَ وَمَا سَيَكُونُ فَرْداً فَرْداً، فَهُوَ عَالِمٌ بِجَمِيعِ الأَشْيَاءِ، لاَ يُشَارِكُهُ فِي عِلْمِهِ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ لاَ المَلاَئِكَةُ وَلاَ غَيْرُهُمْ.
همام الصنعاني
تفسير : 3361- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ}: [الآية: 28]، قال: ليعلم النبي صلى الله عليه وسلم أن الرسل قد بلغت عن الله، وأن الله حفظها، ودفع عنها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):