Verse. 5476 (AR)

٧٣ - ٱلْمُزَّمِّل

73 - Al-Muzzammil (AR)

يٰۗاَيُّہَا الْمُزَّمِّلُ۝۱ۙ
Ya ayyuha almuzzammilu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا أيها المزمل» النبي وأصله المتزمل أُدغمت التاء في الزاي، أي المتلفف بثيابه حين مجيء الوحي له خوفا من لهيبته.

1

Tafseer

الرازي

تفسير : فيه مسألتان: المسألة الأولى: أجمعوا على أن المراد بالمزمل النبي عليه السلام، وأصله المتزمل بالتاء وهو الذي تزمل بثيابه أي تلفف بها، فأدغم التاء في الزاي، ونحوه المدثر في المتدثر، واختلفوا لم تزمل بثوبه؟ على وجوه أحدها: قال ابن عباس: أول ما جاءه جبريل عليه السلام خافه وظن أن به مساً من الجن، فرجع من الجبل مرتعداً وقال: زملوني، فبينا هو كذلك إذ جاء جبريل وناداه وقال: يا أيها المزمل وثانيها: قال الكلبي: إنما تزمل النبي عليه السلام بثيابه للتهيء للصلاة وهو اختيار الفراء وثالثها: أنه عليه السلام كان نائماً بالليل متزملاً في قطيفة فنودي بما يهجن تلك الحالة، وقيل: يا أيها النائم المتزمل بثوبه قم واشتغل بالعبودية ورابعها: أنه كان متزملاً في مرط لخديجة مستأنساً بها فقيل له: {يأَيُّهَا ٱلْمُزَّمّلُ * قُمِ ٱلَّيْلَ } كأنه قيل: اترك نصيب النفس واشتغل بالعبودية وخامسها: قال عكرمة: يا أيها الذي زمل أمراً عظيماً أي حمله والزمل الحمل، وازدمله احتمله. المسألة الثانية: قرأ عكرمة {ٱلْمُزَّمّلُ } و {أية : ٱلْمُدَّثّرُ } تفسير : [المدثر: 1] بتخفيف الزاي والدال وتشديد الميم والثاء على أنه اسم فاعل أو مفعول، فإن كان على اسم الفاعل كان المفعول محذوفاً والتقدير يا أيها المزمل نفسه والمدثر نفسه وحذف المفعول في مثل هذا المقام فصيح قال تعالى: {أية : وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَىْء } تفسير : [النمل: 23] أي أوتيت من كل شيء شيئاً، وإن كان على أنه اسم المفعول كان ذلك لأنه زمل نفسه أو زمله غيره، وقرىء (يا أيها المتزمل) على الأصل.

القرطبي

تفسير : فيه ثمان مسائل: الأولى: قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ } قال الأخفش سعيد: «المُزَّمِّل» أصله المتزمل؛ فأدغمت التاء في الزاي وكذلك «المدثّر». وقرأ أُبيّ بن كعب على الأصل «الْمُتَزَمِّل»و «المتدثّر». وسعيد: «الْمُزَّمِّلْ». وفي أصل «المزَّمِّل» قولان: أحدهما أنه المحتمل؛ يقال: زَمَل الشيء إذا حمله، ومنه الزَّاملة؛ لأنها تحمل القُمَاش. الثاني أن المزَّمِّل هو المتلفِّف؛ يقال: تزمل وتدثَّر بثوبه إذا تغطى. وزمَّل غيره إذا غطّاه، وكل شيء لُفِّف فقد زمل ودثر؛ قال ٱمرؤ القيس: شعر : كبِيرُ أنـاسٍ في بِجَادٍ مُزَمَّـلٍ تفسير : الثانية: قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ } هذا خطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وفيه ثلاثة أقوال: الأوّل قول عكرمة {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ } بالنبوّة والملتزم للرسالة. وعنه أيضاً: يا أيها الذي زُمِّلَ هذا الأمر أي حُمِّله ثم فتر، وكان يقرأ «يَأَيُّهَا المُزَمِّلُ» بتخفيف الزاي وفتح الميم وتشديدها على حذف المفعول، وكذلك «المُدَثِّر» والمعنى المزمِّل نفسه والمدثِّر نفسه، أو الذي زَمَّله غيره. الثاني «يَا أيُّها الْمُزَّمِّل» بالقرآن، قاله ٱبن عباس. الثالث المزمل بثيابه، قاله قتادة وغيره. قال النخعي: كان متزملاً بقطيفةٍ. قالت عائشة: بِمرطٍ طوله أربعة عشر ذراعاً، نصفه عليّ وأنا نائمة، ونصفه على النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو يصلّي، واللَّهِ ما كان خَزًّا ولا قَزًّا ولا مِرعِزاءَ ولا إِبرِيسما ولا صُوفاً، كان سَداه شَعراً، ولُحمته وَبَراً، ذكره الثعلبيّ. قلت: وهذا القول من عائشة يدلّ على أن السورة مَدَنِيّة؛ فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يَبْن بها إلاّ في المدينة. وما ذُكر من أنها مكية لا يصحّ. والله أعلم. وقال الضحاك: تزمل بثيابه لمنامه. وقيل: بلغه من المشركين سوء قولٍ فيه، فٱشتد عليه فتزمل في ثيابه وتدثر، فنزلت: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ } و{يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ}. وقيل: كان هذا في ٱبتداء ما أوحى إليه، فإنه لما سمع قول الملك ونظر إليه أخذته الرعدة فأتى أهله فقال: «حديث : زمّلوني دثروني»تفسير : روى معناه عن ٱبن عباس. وقالت الحكماء: إنما خاطبه بالمزمّل والمدّثر في أوّل الأمر؛ لأنه لم يكن بعد ٱدّثر شيئاً من تبليغ الرسالة. قال ٱبن العربي: وٱختلف في تأويل «يَٰأَيُّهَا الْمُزَّمِّل» فمنهم من حمله على حقيقته، قيل له: يا من تلفّف في ثيابه أو في قطيفته قم؛ قاله إبراهيم وقتادة. ومنهم من حمله على المجاز، كأنه قيل له: يا من تزمل بالنبوّة؛ قاله عكرمة. وإنما يسوغ هذا التفسير لو كانت الميم مفتوحة مشدّدة بصيغة المفعول الذي لم يسم فاعله، وأما هو بلفظ الفاعل فهو باطل. قلت: وقد بينا أنها على حذف المفعول: وقد قرىء بها، فهي صحيحة المعنى. قال: وأما من قال إنه زمّل القرآن فهو صحيح في المجاز، لكنه قد قدّمنا أنه لا يحتاج إليه. الثالثة: قال السُّهَيْلِي: ليس المزمّل بٱسم من أسماء النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولم يعرف به كما ذهب إليه بعض الناس وعدُّوه في أسمائه عليه السلام، وإنما المزمّل ٱسم مشتق من حالته التي كان عليها حين الخطاب، وكذلك المدثّر. وفي خطابه بهذا الاسم فائدتان: إحداهما الملاطفة؛ فإنّ العرب إذا قصدت ملاطفة المخاطب وترك المعاتبة سموه، بٱسم مشتق من حالته التي هو عليها؛ كـ حديث : ـقول النبيّ صلى الله عليه وسلم لعلي حين غاضب فاطمة رضي الله عنهما، فأتاه وهو نائم وقد لصق بجنبه التراب فقال له: «قم يا أبا تراب» » تفسير : إشعاراً له أنه غير عاتب عليه، وملاطفةً له. وكذلك « حديث : قوله عليه السلام لحذيفة: «قم يا نومان» » تفسير : وكان نائماً ملاطفةً له، وإشعاراً لِترك العتب والتأنيب. فقول الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: «يَأَيُّهَا الْمُزَّمِّلْ قُم» فيه تأنيسٌ وملاطفةٌ؛ ليستشعر أنه غير عاتب عليه. والفائدة الثانية: التنبيه لكل متزمل راقد ليله ليتنبه إلى قيام الليل وذكر الله تعالى فيه؛ لأن الاسم المشتق من الفعل يشترك فيه مع المخاطب كل من عمل ذلك العمل وٱتصف بتلك الصفة. الرابعة: قوله تعالى: {قُمِ ٱلْلَّيْلَ} قراءة العامة بكسر الميم لالتقاء الساكنين. وقرأ أبو السَّمَّال بضم الميم إتباعاً لضمة القاف. وحكى الفتح لخفته. قال عثمان بن جنّي: الغرض بهذه الحركة التبليغ بها هرباً من ٱلتقاء الساكنين، فبأي حركة تحرّكت فقد وقع الغرض. وهو من الأفعال القاصرة غير المتعدّية إلى مفعول، فأما ظرف الزمان والمكان فسائغ فيه، إلا أن ظرف المكان لا يتعدّى إليه إلا بواسطة؛ لا تقول: قمت الدار حتى تقول قمت وسط الدار وخارج الدار. وقد قيل: إن «قم» هنا معناه صَلِّ؛ عبّر به عنه وٱستعير له حتى صار عرفاً بكثرة الاستعمال. الخامسة: «اللَّيْلَ» حدّ الليل: من غروب الشمس إلى طلوع الفجر. وقد تقدّم بيانه في سورة «البقرة» وٱختلف: هل كان قيامه فرضاً وحتماً، أو كان ندباً وحضًّا؟ والدلائل تقوى أن قيامه كان حتماً وفرضاً؛ وذلك أن الندب والحضّ لا يقع على بعض الليل دون بعض؛ لأن قيامه ليس مخصوصاً به وقتاً دون وقت. وأيضاً فقد جاء التوقيف بذلك عن عائشة وغيرها على ما يأتي. وٱختلف أيضاً: هل كان فرضاً على النبيّ صلى الله عليه وسلم وحده، أو عليه وعلى من كان قبله من الأنبياء، أو عليه وعلى أمته؟ ثلاثة أقوال: الأوّل قول سعيد بن جبير لتوجه الخطاب إليه خاصة. الثاني قول ٱبن عباس، قال: كان قيام الليل فريضة على النبيّ صلى الله عليه وسلم وعلى الأنبياء قبله. الثالث قول عائشة وٱبن عباس أيضاً وهو الصحيح؛ كما في صحيح مسلم عن زرارة بن أوْفَى: أن سعد بن هشام بن عامر أراد أن يغزو في سبيل الله... الحديث، وفيه: فقلت لعائشة: أنبئيني عن قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: ألست تقرأ {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ } قلت: بلى! قالت فإن الله عز وجل ٱفترض قيام الليل في أوّل هذه السورة، فقام صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولاً، وأمسك الله عز وجل خاتمتها ٱثني عشر شهراً في السماء، حتى أنزل الله عز وجل في آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوّعاً بعد فريضة. وذكر الحديث. وذكر وكيع ويَعْلَى قالا: حدّثنا مِسْعر عن سِماك الحنفي قال: سمعت ٱبن عباس يقول لما أنزل أوّل {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ } كانوا يقومون نحواً من قيامهم في شهر رمضان حتى نزل آخرُها، وكان بين أوّلها وآخرها نحو من سنة. وقال سعيد بن جبير: مكث النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه عشر سنين يقومون الليل، فنزل بعد عشر سنين: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلْلَّيْلِ} فخفّف الله عنهم. السادسة: قوله تعالى: {إِلاَّ قَلِيلاً} ٱستثناء من الليل، أي صلّ الليل كله إلا يسيراً منه؛ لأن قيام جميعه على الدوام غير ممكن، فٱستثنى منه القليل لراحة الجسد. والقليل من الشيء ما دون النصف؛ فحكي عن وهب بن منبّه أنه قال: القليل ما دون المعشار والسدس. وقال الكلبي ومقاتل: الثلث. ثم قال تعالى: {نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً} فكان ذلك تَخْفيفاً إذ لم يكن زمان القيام محدوداً، فقام الناس حتى ورمت أقدامهم، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: {عَلِمَ أَلَّن تُحْصُوهُ}. وقال الأخفش: «نِصْفَهُ» أي أو نصفَه؛ يقال: أعطه درهما درهمين ثلاثة: يريد: أو درهمين أو ثلاثة. وقال الزجاج: «نِصفَه» بدل من الليل و{إِلاَّ قَلِيلاً} ٱستثناء من النصف. والضمير في «منه» و«عليه» للنصف. المعنى: قم نصف الليل أو ٱنقص من النصف قليلاً إلى الثلث أو زد عليه قليلاً إلى الثلثين؛ فكأنه قال: قم ثلثي الليل أو نصفه أو ثلثه. وقيل: إن «نِصْفَهُ» بدل من قوله «قَلِيلاً» وكان مخيراً بين ثلاث: بين قيام النصف بتمامه، وبين الناقص منه، وبين قيام الزائد عليه؛ كأن تقدير الكلام: قم الليل إلا نصفه، أو أقل من نصفه، أو أكثر من نصفه. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : يَنزل الله عز وجل إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يمضي ثلث الليل الأوّل، فيقول أنا الملِك أنا الملِك من ذا الذي يدعوني فأستجيب له من ذا الذي يسألني فأعطيه من ذا الذي يستغفرني فأغفر له، فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر » تفسير : . ونحوه عن أبي هريرة وأبي سعيد جميعاً وهو يدل على ترغيب قيام ثلثي الليل. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة: قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : إذا مضى شطر الليل ـ أو ثلثاه ـ ينزل الله » تفسير : ... الحديث. رواه من طريقين عن أبي هريرة هكذا على الشك. وقد جاء في كتاب النسائي عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شَطْر الليل الأوّل، ثم يأمر منادياً يقول: هل من داع يُستجاب له؟ هل من مستغفر يُغفر له؟ هل من سائل يُعطَى؟ » تفسير : صحّحه أبو محمد عبد الحقّ؛ فبين هذا الحديث مع صحته معنى النزول، وأن ذلك يكون عند نصف الليل. وخرّج ٱبن ماجه من حديث ٱبن شهاب، عن أبي سَلَمة وأبي عبد الله الأغر، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : ينزل ربنا تبارك وتعالى حين يبقى ثلث الليل الآخِر كل ليلة فيقول من يسألني فأعطيَه؟ من يدعوني فأستجيبَ له؟ من يستغفرني فأغفرَ له؟ حتى يطلع الفجر » تفسير : . فكانوا يستحبون صلاة آخر الليل على أوّله. قال علماؤنا: وبهذا الترتيب ٱنتظم الحديث والقرآن، فإنهما يبصران من مشكاة واحدة. وفي الموطأ وغيره من حديث ٱبن عباس: حديث : بتُّ عند خالتي ميمونة حتى إذا ٱنتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل، ٱستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام إلى شَنّ معلق فتوضأ وضوءاً خفيفاًتفسير : . وذكر الحديث. السابعة: ٱختلف العلماء في الناسخ للأمر بقيام الليل؛ فعن ٱبن عباس وعائشة أن الناسخ للأمر بقيام الليل قوله تعالى: { أية : إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلْلَّيْلِ } تفسير : [المزمل: 20] إلى آخر السورة. وقيل قوله تعالى: { أية : عَلِمَ أَلَّن تُحْصُوهُ } تفسير : [المزمل: 20]. وعن ٱبن عباس أيضاً: هو منسوخ بقوله تعالى: { أية : عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ } تفسير : [المزمل: 20]. وعن عائشة أيضاً والشافعيّ ومقاتل وٱبن كيسان: هو منسوخ بالصلوات الخمس. وقيل الناسخ لذلك قوله تعالى: { أية : فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ } تفسير : [المزمل: 20]. قال أبو عبد الرحمن السُّلَمي: لما نزلت «يَٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ» قاموا حتى ورمت أقدامهم وسُوقهم، ثم نزل قوله تعالى: { أية : فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ } تفسير : [المزمل: 20]. قال بعض العلماء: وهو فرض نُسخ به فرض؛ كان على النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة لفضله؛ كما قال تعالى: { أية : وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ } تفسير : [الإسراء: 79]. قلت: القول الأوّل يعم جميع هذه الأقوال، وقد قال تعالى: { أية : وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ } تفسير : [البقرة: 43] فدخل فيها قول من قال إن الناسخ الصلوات الخمس. وقد ذهب الحسن وٱبن سيرين إلى أن صلاة الليل فريضة على كل مسلم ولو على قدر حلْب شاة. وعن الحسن أيضاً أنه قال في هذه الآية: الحمد لله تطوّع بعد الفريضة. وهو الصحيح إن شاء الله تعالى؛ لما جاء في قيامه من الترغيب والفضل في القرآن والسنة. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أجعل للنبيّ صلى الله عليه وسلم حصيراً يصلّي عليه من الليل، فتسامع الناس به، فلما رأى جماعتهم كره ذلك، وخشي أن يُكتب عليهم قيام الليل، فدخل البيت كالمغضَب، فجعلوا يتنحنحون ويتفلون فخرج إليهم فقال: « حديث : «أيها الناس ٱكْلَفوا من الأعمال ما تُطِيقون، فإن الله لا يَمَلّ من الثواب، حتى تَمَلُّوا من العمل، وإن خيرَ العمل أدومُه وإن قلّ». فنزلت: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ } فكُتب عليهم، فأنزل بمنزلة الفريضة، حتى إن كان أحدُهم ليَربُط الحبل فيتعلقُ به، فمكثوا ثمانية أشهر، فرحمهم الله وأنزل: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلْلَّيْلِ} فردهم الله إلى الفريضة، ووضع عنهم قيام الليل إلا ما تطوّعوا به ». تفسير : قلت: حديث عائشة هذا ذكره الثعلبيّ، ومعناه ثابت في الصحيح إلى قوله: «وإن قَلَّ» وباقيه يدل على أن قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ } نزل بالمدينة وأنهم مكثوا ثمانية أشهر يقومون. وقد تقدّم عنها في صحيح مسلم: حولاً. وحكى الماورديّ عنها قولاً ثالثاً وهو ستة عشر شهراً، لم يذكر غيره عنها. وذكر عن ٱبن عباس أنه كان بين أوّل المزّمل وآخرها سنة؛ قال: فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان فرضاً عليه. وفي نسخة عنه قولان: أحدهما: أنه كان فرضه عليه إلى أن قبضه الله تعالى. الثاني: أنه نسخ عنه كما نسخ عن أمته. وفي مدّة فرضه إلى أن نسخ قولان: أحدهما: المدّة المفروضة على أمته في القولين الماضيين، يريد قول ٱبن عباس حولاً، وقول عائشة ستة عشر شهراً. الثاني: أنها عشر سنين إلى أن خفف عنه بالنسخ زيادةً في التكليف، ليميزه بفعل الرسالة؛ قاله ٱبن جبير. قلت: هذا خلاف ما ذكره الثعلبيّ عن سعيد بن جبير حَسْب ما تقدّم فتأمله. وسيأتي لهذه المسألة زيادة بيان في آخر السورة إن شاء الله تعالى. الثامنة ـ قوله تعالى: {وَرَتِّلِ ٱلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} أي لا تعجل بقراءة القرآن بل ٱقرأه في مَهَل وبيان مع تدبر المعاني. وقال الضحاك: ٱقرأه حرفاً حرفاً. وقال مجاهد: أحبّ الناس في القراءة إلى الله أعقلهم عنه. والترتيل التنضيد والتنسيق وحسن النظام؛ ومنه ثغر رَتِل ورَتَل، بكسر العين وفتحها: إذا كان حسن التنضيد. وتقدّم بيانه في مقدّمة الكتاب. وروى الحسن حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم مرّ برجل يقرأ آية ويبكي، فقال: «ألم تسمعوا إلى قول الله عز وجل: {وَرَتِّلِ ٱلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} هذا الترتيل»تفسير : . وسمع عَلْقَمةُ رجلاً يقرأ قراءة حسنة فقال: لقد رتّل القرآن، فِداه أبي وأمّي، وقال أبو بكر بن طاهر: تدبَّر في لطائف خطابه، وطالب نفسك بالقيام بأحكامه، وقلبَك بفهم معانيه، وسرَّك بالإقبال عليه. وروى عبد الله بن عمرو قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : يؤتَى بقارىء القرآن يوم القيامة، فيوقف في أوّل درج الجنة ويقال له ٱقرأ وٱرتقِ ورتِّل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها » تفسير : خرجه أبو داود وقد تقدّم في أوّل الكتاب. وروى أنس أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يمدّ صوته بالقراءة مدّاً.

البيضاوي

تفسير : مكية، وآيها تسع عشرة أو عشرون بسم الله الرحيم الرحيم { يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمّلُ } أصله المتزمل من تزمل بثيابه إذا تلفف بها فأدغم التاء في الزاي وقد قرىء به، وبـ «ٱلْمَزَّمّلُ » مفتوحة الميم ومكسورتها أي زمله غيره، أو زمل نفسه، سمي به النبي عليه الصلاة والسلام تهجيناً لما كان عليه فإنه كان نائماً، أو مرتعداً مما دهشه من بدء الوحي متزملاً في قطيفة أو تحسيناً له. حديث : إذ روي: أنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي متلففاً بمرط مفروش على عائشة رضي الله تعالى عنها فنزلتتفسير : أو تشبيهاً له في تثاقله بالمتزمل لأنه لم يتمرن بعد في قيام الليل، أو من تزمل الزمل إذا تحمل الحمل أي الذي تحمل أعباء النبوة. {قُمِ ٱلَّيْلَ } أي قم إلى الصلاة، أو داوم عليها فيه، وقرىء بضم الميم وفتحها للإتباع أو التخفيف. {إِلاَّ قَلِيلاً }. {نّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً أَوْ زِدْ عَلَيْهِ } الاستثناء {مِّنَ ٱلَّيْلِ } و {نّصْفَهُ } بدل من {قَلِيلاً } وقلته بالنسبة إلى الكل، والتخيير بين قيام النصف والزائد عليه كالثلثين والناقص عنه كالثلث، أو {نّصْفَهُ } بدل من {ٱلَّيْلَ } والاستثناء منه والضمير في {مِنْهُ } و {عَلَيْهِ } للأقل من النصف كالثلث فيكون التخيير بينه وبين الأقل منه كالربع، والأكثر منه كالنصف أو للنصف والتخيير بين أن يقوم أقل منه على البت وأن يختار أحد الأمرين من الأقل والأكثر، أو الاستثناء من إعداد الليل فإنه عام والتخيير بين قيام النصف والناقص عنه الزائد عليه. {وَرَتّلِ ٱلْقُرْءانَ تَرْتِيلاً } اقرأه على تؤدة وتبيين حروف بحيث يتمكن السامع من عدها من قوله ثغر رتل ورتل إذا كان مفلجاً. {إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً } يعني القرآن فإنه لما فيه من التكاليف الشاقة ثقيل على المكلفين سيما على الرسول صلى الله عليه وسلم إذ كان عليه أن يتحملها ويحملها أمته، والجملة اعتراض يسهل التكليف عليه بالتهجد، ويدل على أنه مشق مضاد للطبع مخالف للنفس، أو رصين لرزانة لفظه ومتانة معناه، أو ثقيل على المتأمل فيه لافتقاره إلى مزيد تصفية للسر وتجريد للنظر، أو ثقيل في الميزان أو على الكفار والفجار، أو ثقيل تلقيه لقوله عائشة رضي الله تعالى عنها: رأيته عليه الصلاة والسلام ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه وإن جبينه ليرفض عرقاً. وعلى هذا يجوز أن يكون صفة للمصدر والجملة على هذه الأوجه للتعليل مستأنف، فإن التهجد يعد للنفس ما به تعالج ثقله. {إِنَّ نَاشِئَةَ ٱلَّيْلِ } إِن النفس التي تنشأ من مضجعها إلى العبادة من نشأ من مكانه إذا نهض وقام قال:شعر : نَشَأْنَا إِلَى خَوْصٍ بَرَانِيهَا السُّرَى وَأَلْصِقَ مِنْهَا مُشْرِفَاتِ القَمْاحِدِ تفسير : أو قيام الليل على أن الـ {نَاشِئَةَ } له أو العبادة التي تنشأ بالليل أي تحدث، أو ساعات الليل لأنها تحدث واحدة بعد أخرى، أو ساعاتها الأول من نشأت إذا ابتدأت. {هِىَ أَشَدُّ وَطْأً } أي كلفة أو ثبات قدم، وقرأ أبو عمرو وابن عامر وطاء بكسر الواو وألف ممدودة أي مواطأة القلب اللسان لها، أو فيها أو موافقة لما يراد منها من الخضوع والإِخلاص. {وَأَقْوَمُ قِيلاً } أي وأسد مقالاً أو أثبت قراءة لحضور القلب وهدوء الأصوات.

ابن كثير

تفسير : يأمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يترك التزمل، وهو التغطي في الليل، وينهض إلى القيام لربه عز وجل؛ كما قال تعالى: {أية : تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} تفسير : [السجدة: 16] وكذلك كان صلى الله عليه وسلم ممتثلاً ما أمره الله تعالى به من قيام الليل، وقد كان واجباً عليه وحده كما قال تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا} تفسير : [الإسراء: 79] وههنا بيّن له مقدار ما يقوم فقال تعالى: { يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ قُمِ ٱلَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً } قال ابن عباس والضحاك والسدي: { يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ} يعني: يا أيها النائم. وقال قتادة: المزمل في ثيابه. وقال إبراهيم النخعي: نزلت وهو متزمل بقطيفة، وقال شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس: { يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ} قال: يا محمد زملت القرآن. وقوله تعالى: {نِّصْفَهُ} بدل من الليل { أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً أَوْ زِدْ عَلَيْهِ} أي: أمرناك أن تقوم نصف الليل بزيادة قليلة أو نقصان قليل، لا حرج عليك في ذلك. وقوله تعالى: {وَرَتِّلِ ٱلْقُرْءَانَ تَرْتِيلاً} أي: اقرأه على تمهل، فإنه يكون عوناً على فهم القرآن وتدبره. وكذلك كان يقرأ صلوات الله وسلامه عليه، قالت عائشة رضي الله عنها: كان يقرأ السورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها. وفي صحيح البخاري عن أنس: أنه سئل عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كانت مداً، ثم قرأ: { بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} يمد بسم الله، ويمد الرحمن، ويمد الرحيم. وقال ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة رضي الله عنها أنها سئلت عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كان يقطع قراءته آية آية {أية : بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} تفسير : [الفاتحة: 1 ــــ 4] رواه أحمد وأبو داود والترمذي. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن عاصم عن ذر عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يقال لقارىء القرآن: اقرأ وارقَ ورتِّلْ كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها» تفسير : ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث سفيان الثوري به، وقال الترمذي: حسن صحيح. وقد قدمنا في أول التفسير الأحاديث الدالة على استحباب الترتيل وتحسين الصوت بالقراءة كما جاء في الحديث: «حديث : زينوا القرآن بأصواتكم» تفسير : و «حديث : ليس منا من لم يتغن بالقرآن» تفسير : و «حديث : لقد أوتي هذا مزماراً من مزامير آل داود» تفسير : يعني: أبا موسى، فقال أبو موسى: لو كنت أعلم أنك كنت تسمع قراءتي، لحبرته لك تحبيراً. وعن ابن مسعود أنه قال: لا تنثروه نثر الرمل، ولا تهذوه هذَّ الشعر، قفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة، رواه البغوي. وقال البخاري: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا عمرو بن مرة: سمعت أبا وائل قال: جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: قرأت المفصل الليلة في ركعة. فقال: هذاً كهذ الشعر؟ لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرن بينهن، فذكر عشرين سورة من المفصل، سورتين في ركعة. وقوله تعالى: { إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً} قال الحسن وقتادة: أي: العمل به. وقيل: ثقيل وقت نزوله من عظمته، كما قال زيد بن ثابت رضي الله عنه: أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفخذه على فخذي فكادت ترض فخذي. وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عمرو بن الوليد عن عبد الله بن عمرو قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله هل تحس بالوحي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أسمع صلاصل، ثم أسكت عند ذلك، فما من مرة يوحى إلي إلا ظننت أن نفسي تقبض» تفسير : تفرد به أحمد. وفي أول صحيح البخاري عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها: أن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف يأتيك الوحي؟ فقال: «حديث : أحياناً يأتي في مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً، فيكلمني، فأعي ما يقول» تفسير : قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي صلى الله عليه وسلم في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقاً، هذا لفظه. وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود، أخبرنا عبد الرحمن عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن كان ليوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو على راحلته، فتضرب بجرانها. وقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور عن معمر عن هشام بن عروة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوحي إليه، وهو على ناقته، وضعت جرانها، فما تستطيع أن تحرك حتى يسرى عنه. وهذا مرسل، الجران: هو باطن العنق، واختار ابن جرير أنه ثقيل من الوجهين معاً. كما قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كما ثقل في الدنيا ثقل يوم القيامة في الموازين. وقوله تعالى: {إِنَّ نَاشِئَةَ ٱلَّيْلِ هِىَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً} قال أبو إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: نشأ، قام بالحبشية، وقال عمر وابن عباس وابن الزبير: الليل كله ناشئة، وكذا قال مجاهد وغير واحد، يقال: نشأ، إذا قام من الليل. وفي رواية عن مجاهد: بعد العشاء، وكذا قال أبو مجلز وقتادة وسالم وأبو حازم ومحمد بن المنكدر. والغرض أن ناشئة الليل هي ساعاته وأوقاته، وكل ساعة منه تسمى ناشئة، وهي الآنات، والمقصود أن قيام الليل هو أشد مواطأة بين القلب واللسان، وأجمع على التلاوة، ولهذا قال تعالى: {هِىَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً} أي: أجمع للخاطر في أداء القراءة وتفهمها من قيام النهار؛ لأنه وقت انتشار الناس، ولغط الأصوات، وأوقات المعاش. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا أبو أسامة، حدثنا الأعمش: أن أنس بن مالك قرأ هذه الآية: {إن ناشئة الليل هي أشد وطئاً وأصوب قيلاً} فقال له رجل: إنما نقرؤها: وأقوم قيلاً، فقال له: إن أصوب وأقوم وأهيأ وأشباه هذا واحد. ولهذا قال تعالى: { إِنَّ لَكَ فِى ٱلنَّهَارِ سَبْحَاً طَوِيلاً} قال ابن عباس وعكرمة وعطاء بن أبي مسلم: الفراغ والنوم، وقال أبو العالية ومجاهد وأبو مالك والضحاك والحسن وقتادة والربيع بن أنس وسفيان الثوري: فراغاً طويلاً. وقال قتادة: فراغاً وبغية ومتقلباً. وقال السدي: {سَبْحَاً طَوِيلاً} تطوعاً كثيراً. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله تعالى: { إِنَّ لَكَ فِى ٱلنَّهَارِ سَبْحَاً طَوِيلاً} قال: لحوائجك، فأفرغ لدينك الليل: قال: وهذا حين كانت صلاة الليل فريضة، ثم إن الله تبارك وتعالى منّ على عباده، فخففها ووضعها، وقرأ: { قُمِ ٱلَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً} إلى آخر الآية، ثم قرأ: {أية : إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَىِ ٱلَّيْلِ وَنِصْفَهُ} تفسير : حتى بلغ {أية : فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} تفسير : [المزمل: 20] وقال تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً} تفسير : [الإسراء: 79] وهذا الذي قاله كما قاله. والدليل عليه ما رواه الإمام أحمد في مسنده حيث قال: حدثنا يحيى، حدثنا سعيد، وهو ابن أبي عروبة عن قتادة عن زرارة بن أوفى، عن سعيد بن هشام: أنه طلق امرأته ثم ارتحل إلى المدينة ليبيع عقاراً له بها، ويجعله في الكراع والسلاح، ثم يجاهد الروم حتى يموت، فلقي رهطاً من قومه، فحدثوه أن رهطاً من قومه ستة أرادوا ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «حديث : أليس لكم فيّ أسوة حسنة؟» تفسير : فنهاهم عن ذلك، فأشهدهم على رجعتها، ثم رجع إلينا فأخبرنا أنه أتى ابن عباس فسأله عن الوتر فقال: ألا أنبئك بأعلم أهل الأرض بوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، قال: ائت عائشة فسلها، ثم ارجع إليّ فأخبرني بردها عليك. قال: فأتيت على حكيم بن أفلح، فاستلحقته إليها فقال: ما أنا بقاربها؛ إني نهيتها أن تقول في هاتين الشيعتين شيئاً، فأبت فيهما إلا مضياً، فأقسمت عليه فجاء معي، فدخلنا عليها فقالت: حكيم؟ وعرفته، قال: نعم. قالت: من هذا الذي معك؟ قال: سعيد بن هشام. قالت: من هشام؟ قال: ابن عامر. قال: فترحمت عليه وقالت: نعم المرء كان عامراً. قلت: يا أم المؤمنين أنبئيني عن خلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى. قالت: فإن خلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن، فهممت أن أقوم، ثم بدا لي قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: يا أم المؤمنين أنبئيني عن قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: ألست تقرأ هذه السورة: { يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ}؟ قلت: بلى. قالت: فإن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولاً حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك الله خاتمتها في السماء اثني عشر شهراً، ثم أنزل الله التخفيف في آخر هذه السورة، فصار قيام الليل تطوعاً من بعد فريضة. فهممت أن أقوم، ثم بدا لي وتر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا أم المؤمنين أنبئيني عن وتر رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: كنا نعد له سواكه وطهوره، فيبعثه الله لما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك ثم يتوضأ، ثم يصلي ثمان ركعات، ولا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، فيجلس ويذكر ربه تعالى ويدعو، ثم ينهض وما يسلم، ثم يقوم ليصلي التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله وحده، ثم يدعوه، ثم يسلم تسليماً يسمعنا، ثم يصلي ركعتين وهو جالس بعد ما يسلم، فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني، فلما أسن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذه اللحم، أوتر بسبع، ثم صلى ركعتين وهو جالس بعد ما يسلم، فتلك تسع يا بني، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى صلاة أحب أن يداوم عليها، وكان إذا شغله عن قيام الليل نوم أو وجع أومرض، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة، ولا أعلم نبي الله صلى الله عليه وسلم قرأ القرآن كله في ليلة حتى أصبح، ولا صام شهراً كاملاً غير رمضان. فأتيت ابن عباس فحدثته بحديثها فقال: صدقت، أما لو كنت أدخل عليها، لأتيتها حتى تشافهني مشافهة، هكذا رواه الإمام أحمد بتمامه، وقد أخرجه مسلم في صحيحه من حديث قتادة بنحوه. [طريق أخرى عن عائشة رضي الله عنها في هذا المعنى] قال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا زيد بن الحباب، وحدثنا ابن حميد، حدثنا مهران قالا جميعاً، واللفظ لابن وكيع: عن موسى بن عبيدة، حدثني محمد بن طحلاء عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أجعل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حصيراً يصلي عليه من الليل، فتسامع الناس به، فاجتمعوا فخرج كالمغضب، وكان بهم رحيماً، فخشي أن يكتب عليهم قيام الليل، فقال: «حديث : أيها الناس اكلفوا من الأعمال ما تطيقون؛ فإن الله لا يمل من الثواب حتى تملوا من العمل، وخير الأعمال ما ديم عليه» تفسير : ونزل القرآن: { يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ قُمِ ٱلَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً أَوْ زِدْ عَلَيْهِ} حتى كان الرجل يربط الحبل ويتعلق، فمكثوا بذلك ثمانية أشهر، فرأى الله ما يبتغون من رضوانه، فرحمهم فردهم إلى الفريضة وترك قيام الليل. ورواه ابن أبي حاتم من طريق موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف، والحديث في الصحيح بدون زيادة نزول هذه السورة، وهذا السياق قد يوهم أن نزول هذه السورة بالمدينة، وليس كذلك، وإنما هي مكية، وقوله في هذا السياق: إن بين نزول أولها وآخرها ثمانية أشهر غريب، فقد تقدم في رواية أحمد أنه كان بينهما سنة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة عن مسعر عن سماك الحنفي، سمعت ابن عباس يقول: أول ما نزل أول المزمل، كانوا يقومون نحواً من قيامهم في شهر رمضان، وكان بين أولها وآخرها قريب من سنة، وهكذا رواه ابن جرير عن أبي كريب عن أبي أسامة به، وقال الثوري ومحمد بن بشر العبدي، كلاهماعن مسعر عن سماك عن ابن عباس: كان بينهما سنة، وروى ابن جرير عن أبي كريب عن وكيع عن إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس مثله. وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران عن سفيان عن قيس بن وهب عن أبي عبد الرحمن قال: لما نزلت: { يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ} قاموا حولاً حتى ورمت أقدامهم وسوقهم حتى نزلت: {فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} قال: فاستراح الناس. وكذا قال الحسن البصري والسدي. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن سعيد بن هشام قال: فقلت، يعني: لعائشة: أخبرينا عن قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: ألست تقرأ: { يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ}؟ قلت: بلى، قالت: فإنها كانت قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى انتفخت أقدامهم، وحبس آخرها في السماء ستة عشر شهراً، ثم نزل. وقال معمر عن قتادة: { قُمِ ٱلَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً} قاموا حولاً أو حولين حتى انتفخت سوقهم وأقدامهم، فأنزل الله تخفيفها بعد في آخر السورة. وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب القمي عن جعفر عن سعيد، هو ابن جبير، قال: لما أنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم: { يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ} قال: مكث النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الحال عشر سنين يقوم الليل كما أمره، وكانت طائفة من أصحابه يقومون معه، فأنزل الله تعالى عليه بعد عشر سنين: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَىِ ٱلَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ} إلى قوله تعالى {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} فخفف الله تعالى عنهم بعد عشر سنين، ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن عمرو بن رافع عن يعقوب القمي به. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: {قُمِ ٱلْلَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً} فشق ذلك على المؤمنين، ثم خفف الله تعالى عنهم ورحمهم، فأنزل بعد هذا: {أية : عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى ٱلأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ} تفسير : إلى قوله تعالى {أية : فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} تفسير : [المزمل: 20] فوسع الله تعالى وله الحمد ولم يضيق، وقوله تعالى: {وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً} أي: أكثر من ذكره، وانقطع إليه، وتفرغ لعبادته، إذا فرغت من أشغالك وما تحتاج إليه من أمور دنياك؛ كما قال تعالى: {أية : فَإِذَا فَرَغْتَ فَٱنصَبْ} تفسير : [الشرح: 7] أي: إذا فرغت من أشغالك، فانصب في طاعته وعبادته؛ لتكون فارغ البال، قاله ابن زيد بمعناه أو قريب منه، قال ابن عباس ومجاهد وأبو صالح وعطية والضحاك والسدي: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً} أي: أخلص له العبادة، وقال الحسن: اجتهد وأبتل إليه نفسك. وقال ابن جرير: يقال للعابد: متبتل، ومنه الحديث المروي: نهى عن التبتل، يعني: الانقطاع إلى العبادة وترك التزوج. وقوله تعالى: { رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلاً} أي: هو المالك المتصرف في المشارق والمغارب الذي لا إله إلا هو، وكما أفردته بالعبادة، فأفرده بالتوكل، فاتخذه وكيلاً؛ كما قال تعالى في الآية الأخرى: {أية : فَٱعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} تفسير : [هود: 123] وكقوله: {أية : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} تفسير : [الفاتحة: 5] وآيات كثيرة في هذا المعنى فيها الأمر بإفراد العبادة والطاعة لله، وتخصيصه بالتوكل عليه.

المحلي و السيوطي

تفسير : { يَـٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ } النبي وأصله المتزمّل أدغمت التاء في الزاي، أي المتلفف بثيابه حين مجيء الوحي له خوفاً منه لهيبته.

الشوكاني

تفسير : قوله: {يأَيُّهَا ٱلْمُزَّمّلُ } أصله المتزمل، فأدغمت التاء في الزاي، والتزمل: التلفف في الثوب. قرأ الجمهور: {المزمل} بالإدغام. وقرأ أبيّ: "المتزمل" على الأصل. وقرأ عكرمة بتخفيف الزاي، ومثل هذه القراءة قول امرىء القيس:شعر : كأن ثبيرا في أفانين وبله كبير أناس في لحاد مزّمل تفسير : وهذا الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وقد اختلف في معناه، فقال جماعة: إنه كان يتزمل صلى الله عليه وسلم بثيابه في أوّل ما جاءه جبريل بالوحي فرقاً منه حتى أنس به. وقيل المعنى: يا أيها المزمل بالنبوّة، والملتزم للرسالة. وبهذا قال عكرمة وكان يقرأ: "يا أيها المزمل" بتخفيف الزاي وفتح الميم مشدّدة اسم مفعول. وقيل المعنى: يا أيها المزمل بالقرآن. وقال الضحاك: تزمل بثيابه لمنامه. وقيل: بلغه من المشركين سوء قول، فتزمل في ثيابه وتدثر، فنزلت: {يأَيُّهَا ٱلْمُزَّمّلُ } و{يأَيُّهَا ٱلْمُدَّثّرُ } [المدثر: 1]. وقد ثبت أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما سمع صوت الملك، ونظر إليه أخذته الرعدة، فأتى أهله، وقال: «حديث : زملوني دثروني»تفسير : وكان خطابه صلى الله عليه وسلم بهذا الخطاب في أول نزول الوحي. ثم بعد ذلك خوطب بالنبوّة والرسالة {قُمِ ٱلَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً } أي: قم للصلاة في الليل. قرأ الجمهور: {قم} بكسر الميم لالتقاء الساكنين. وقرأ أبو السماك بضمها اتباعاً لضمة القاف. قال عثمان بن جني: الغرض بهذه الحركة الهرب من التقاء الساكنين فبأيّ حركة تحرك فقد وقع الغرض. وانتصاب الليل على الظرفية. وقيل: إن معنى {قم} صلّ، عبر به عنه واستعير له. واختلف هل كان هذا القيام الذي أمر به فرضاً عليه أو نفلاً؟ وسيأتي إن شاء الله ما روي في ذلك. وقوله: {إِلاَّ قَلِيلاً } استثناء من الليل أي: صلّ الليل كله إلاّ يسيراً منه، والقليل من الشيء هو ما دون النصف. وقيل: ما دون السدس. وقيل: ما دون العشر. وقال مقاتل، والكلبي: المراد بالقليل هنا الثلث، وقد أغنانا عن هذا الاختلاف قوله {نّصْفَهُ } إلخ، وانتصاب {نصفه} على أنه بدل من الليل. قال الزجاج: نصفه بدل من الليل، وإلاّ قليلاً استثناء من النصف، والضمير في منه وعليه عائد إلى النصف. والمعنى: قم نصف الليل، أو انقص من النصف قليلاً إلى الثلث، أو زد عليه قليلاً إلى الثلثين، فكأنه قال: قم ثلثي الليل أو نصفه أو ثلثه. وقيل: إن نصفه بدل من قوله {قليلاً} فيكون المعنى: قم الليل إلاّ نصفه، أو أقلّ من نصفه، أو أكثر من نصفه، قال الأخفش: نصفه أي: أو نصفه، كما يقال: أعطه درهماً درهمين ثلاثة، يريد، أو درهمين، أو ثلاثة. قال الواحدي: قال المفسرون: أو انقص من النصف قليلاً إلى الثلث، أو زد على النصف إلى الثلثين، جعل له سعة في مدة قيامه في الليل، وخيره في هذه الساعات للقيام، فكان النبيّ صلى الله عليه وسلم وطائفة معه يقومون على هذه المقادير، وشقّ ذلك عليهم، فكان الرجل لا يدري كم صلّى، أو كم بقي من الليل، فكان يقوم الليل كله حتى خفف الله عنهم، وقيل: الضميران في منه وعليه راجعان للأقل من النصف، كأنه قال: قم أقل من نصفه، أو قم أنقص من ذلك الأقلّ، أو أزيد منه قليلاً، وهو بعيد جداً، والظاهر أن نصفه بدل من قليلاً، والضميران راجعان إلى النصف المبدل من {قليلاً}. واختلف في الناسخ لهذا الأمر. وقيل: هو قوله: {أية : إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَىِ ٱلَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ } تفسير : [المزمل: 20] إلى آخر السورة. وقيل: هو قوله: {عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ} وقيل: هو قوله: {عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ }. وقيل: هو منسوخ بالصلوات الخمس، وبهذا قال مقاتل، والشافعي، وابن كيسان. وقيل: هو قوله: {أية : فَٱقْرَءواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ }تفسير : [المزمل: 20] وذهب الحسن، وابن سيرين إلى أن صلاة الليل فريضة على كل مسلم ولو قدر حلب شاة {وَرَتّلِ ٱلْقُرْءانَ تَرْتِيلاً } أي: اقرأه على مهل مع تدبر. قال الضحاك: اقرأه حرفاً حرفاً. قال الزجاج: هو أن يبيّن جميع الحروف، ويوفي حقها من الإشباع. وأصل الترتيل التنضيد، والتنسيق، وحسن النظام، وتأكيد الفعل بالمصدر يدلّ على المبالغة على وجه لا يلتبس فيه بعض الحروف ببعض، ولا ينقص من النطق بالحرف من مخرجه المعلوم مع استيفاء حركته المعتبرة. {إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً } أي: سنوحي إليك القرآن، وهو قول ثقيل. قال قتادة: ثقيل، والله فرائضه وحدوده. قال مجاهد: حلاله وحرامه. قال الحسن: العمل به. قال أبو العالية: ثقيلاً بالوعدوالوعيد، والحلال والحرام. وقال محمد بن كعب: ثقيل على المنافقين والكفار لما فيه من الاحتجاج عليهم والبيان لضلالهم، وسبّ الٰهتهم. وقال السديّ: ثقيل بمعنى كريم من قولهم فلان ثقيل عليّ، أي: يكرم عليّ. قال الفراء: ثقيلاً رزيناً ليس بالخفيف السفساف. لأنه كلام ربنا. وقال الحسين بن الفضل: ثقيلاً لا يحمله إلاّ قلب مؤيد بالتوفيق ونفس مزينة بالتوحيد. وقيل: وصفه بكونه ثقيلاً حقيقة لما ثبت أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته وضعت جرانها على الأرض، فما تستطيع أن تتحرّك حتى يسري عنه. {إِنَّ نَاشِئَةَ ٱلَّيْلِ } أي: ساعاته وأوقاته؛ لأنها تنشأ أوّلاً فأوّلاً، يقال: نشأ الشيء ينشأ: إذا ابتدأ وأقبل شيئًا بعد شيء، فهو ناشىء، وأنشأه الله فنشأ، ومنه نشأت السحاب: إذا بدأت، فناشئة فاعلة من نشأ ينشأ، فهي ناشئة. قال الزجاج: ناشئة الليل كل ما نشأ منه، أي: حدث، فهو ناشئة، قال الواحدي: قال المفسرون: الليل كله ناشئة، والمراد أن ساعات الليل الناشئة، فاكتفى بالوصف عن الاسم الموصوف. وقيل: إن ناشئة الليل هي النفس التي تنشأ من مضجعها للعبادة أي: تنهض، من نشأ من مكانه: إذا نهض. وقيل: الناشئة بالحبشية قيام الليل، وقيل: إنما يقال لقيام الليل ناشئة: إذا كان بعد نوم. قال ابن الأعرابي: إذا نمت من أوّل الليل ثم قمت فتلك المنشأة والنشأة، ومنه ناشئة الليل. قيل: وناشئة الليل هي ما بين المغرب والعشاء، لأن معنى نشأ ابتدأ، ومنه قول نصيب:شعر : ولولا أن يقال صبا نصيب لقلت بنفسي النشأ الصغار تفسير : قال عكرمة، وعطاء: إن ناشئة الليل بدوّ الليل. وقال مجاهد وغيره: هي في الليل كله؛ لأنه ينشأ بعد النهار، واختار هذا مالك. وقال ابن كيسان: هي القيام من آخر الليل. قال في الصحاح: ناشئة الليل أوّل ساعاته. وقال الحسن: هي ما بعد العشاء الآخرة إلى الصبح {هِىَ أَشَدُّ وَطْأً } قرأ الجمهور: {وطأ} بفتح الواو وسكون الطاء مقصورة، واختار هذه القراءة أبو حاتم. وقرأ أبو العالية، وابن أبي إسحاق، ومجاهد، وأبو عمرو، وابن عامر، وحميد، وابن محيصن، والمغيرة، وأبو حيوة بكسر الواو وفتح الطاء ممدودة، واختار هذه القراءة أبو عبيد، فالمعنى على القراءة الأولى أن الصلاة في ناشئة الليل أثقل على المصلي من صلاة النهار؛ لأن الليل للنوم. قال ابن قتيبة: المعنى أنها أثقل على المصلي من ساعات النهار، من قول العرب: اشتدّت على القوم وطأة السلطان: إذا ثقل عليهم ما يلزمهم منه، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «أية : اللَّهمّ اشدد وطأتك على مضر» تفسير : والمعنى على القراءة الثانية أنها أشدّ مواطأة، أي: موافقة، من قولهم: واطأت فلاناً على كذا مواطأة ووطاء: إذا وافقته عليه. قال مجاهد، وابن أبي مليكة: أي أشد موافقة بين السمع والبصر، والقلب واللسان لانقطاع الأصوات والحركات فيها، ومنه {أية : لّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ }تفسير : [التوبة: 37] أي: ليوافقوا. وقال الأخفش: أشدّ قياماً. وقال الفرّاء أي: أثبت للعمل، وأدوم لمن أراد الاستكثار من العبادة، والليل وقت الفراغ عن الاشتغال بالمعاش، فعبادته تدوم ولا تنقطع. وقال الكلبي: أشدّ نشاطاً {وَأَقْوَمُ قِيلاً } أي: وأشدّ مقالاً، وأثبت قراءة لحضور القلب فيها وهدوء الأصوات، وأشدّ استقامة واستمراراً على الصواب؛ لأن الأصوات فيها هادئة والدنيا ساكنة، فلا يضطرب على المصلي ما يقرؤه. قال قتادة، ومجاهد: أي أصوب للقراءة، وأثبت للقول؛ لأنه زمان التفهم. قال أبو عليّ الفارسي: أقوم قليلاً، أي: أشدّ استقامة لفراغ البال بالليل. قال الكلبي: أي أبين قولاً بالقرآن. وقال عكرمة: أي أتمّ نشاطاً وإخلاصاً وأكثر بركة. وقال ابن زيد: أجدر أن يتفقه في القرآن. وقيل: أعجل إجابة للدعاء. {إِنَّ لَكَ فِى ٱلنَّهَارِ سَبْحَاً طَوِيلاً } قرأ الجمهور: {سبحاً} بالحاء المهملة أي: تصرفاً في حوائجك، وإقبالاً وإدباراً، وذهاباً ومجيئاً. والسبح: الجري والدوران، ومنه السباحة في الماء لتقلبه ببدنه ورجليه، وفرس سابح، أي: شديد الجري. وقيل: السبح الفراغ أي: إن لك فراغاً بالنهار للحاجات، فصلّ بالليل. قال ابن قتيبة: أي تصرّفاً، وإقبالاً وإدباراً في حوائجك وأشغالك. وقال الخليل: إن لك في النهار سبحاً، أي: نوماً، والتسبح التمدّد. قال الزجاج: المعنى إن فاتك في الليل شيء فلك في النهار فراغ للاستدراك. وقرأ يحيـى بن يعمر، وأبو وائل، وابن أبي عبلة: "سبخاً" بالخاء المعجمة. قيل: ومعنى هذه القراءة: الخفة والسعة والاستراحة. قال الأصمعي: يقال: سبخ الله عنك الحمى، أي: خففها، وسبخ الحرّ فتر وخفّ، ومنه قول الشاعر:شعر : فسبخ عليك الهمّ واعلم بأنه إذا قدّر الرحمٰن شيئًا فكائن تفسير : أي: خفف عنك الهمّ. والتسبيخ من القطن: ما ينسج بعد الندف، ومنه قول الأخطل:شعر : فأرسلوهنّ يذرين التراب كما تذري سبائخ قطن ندف أوتار تفسير : قال ثعلب: السبخ بالخاء المعجمة التردّد والاضطراب، والسبخ السكون. وقال أبو عمرو: السبخ النوم والفراغ. {وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبّكَ } أي: ادعه بأسمائه الحسنى. وقيل: اقرأ باسم ربك في ابتداء صلاتك، وقيل: اذكر اسم ربك في وعده ووعيده لتوفر على طاعته، وتبعد عن معصيته. وقيل المعنى: دم على ذكر ربك ليلاً ونهاراً، واستكثر من ذلك. وقال الكلبي: المعنى صلّ لربك {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً } أي: انقطع إليه انقطاعاً بالاشتغال بعبادته، والتبتل: الانقطاع، يقال: بتلت الشيء أي: قطعته وميزته من غيره، وصدقة بتلة، أي: منقطعة من مال صاحبها، ويقال للراهب متبتل: لانقطاعه عن الناس، ومنه قول الشاعر:شعر : تضيء الظلام بالعشاء كأنها منارة ممسى راهب متبتل تفسير : ووضع {تبتيلاً} مكان تبتلاً لرعاية الفواصل. قال الواحدي: والتبتل رفض الدنيا وما فيها والتماس ما عند الله. {رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ } قرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر، وابن عامر بجرّ ربّ على النعت لربك، أو البدل منه، أو البيان له. وقرأ الباقون برفعه على أنه مبتدأ، وخبره {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } أو على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو ربّ المشرق، وقرأ زيد بن عليّ بنصبه على المدح. وقرأ الجمهور: {المشرق والمغرب} مفردين. وقرأ ابن مسعود، وابن عباس "المشارق والمغارب" على الجمع. وقد قدّمنا تفسير المشرق والمغرب، والمشرقين والمغربين، والمشارق والمغارب {فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلاً } أي: إذا عرفت أنه المختص بالربوبية، فاتخذه وكيلاً، أي: قائماً بأمورك، وعوّل عليه في جميعها. وقيل: كفيلاً بما وعدك من الجزاء والنصر {وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ } من الأذى والسب والاستهزاء، ولا تجزع من ذلك {وَٱهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً } أي: لا تتعرّض لهم، ولا تشتغل بمكافأتهم. وقيل: الهجر الجميل الذي لا جزع فيه. وهذا كان قبل الأمر بالقتال. {وَذَرْنِى وَٱلْمُكَذّبِينَ } أي: دعني وإياهم، ولا تهتم بهم فإني أكفيك أمرهم وأنتقم لك منهم. قيل: نزلت في المطعمين يوم بدر، وهم عشرة وقد تقدّم ذكرهم. وقال يحيـى بن سلام: هم بنو المغيرة. وقال سعيد بن جبير: أخبرت أنهم اثنا عشر {أُوْلِى ٱلنَّعْمَةِ } أي: أرباب الغنى والسعة والترفه واللذة في الدنيا {وَمَهّلْهُمْ قَلِيلاً } أي: تمهيلاً قليلاً على أنه نعت لمصدر محذوف، أو زماناً قليلاً على أنه صفة لزمان محذوف، والمعنى أمهلهم إلى انقضاء آجالهم. وقيل: إلى نزول عقوبة الدنيا بهم كيوم بدر، والأول أولى لقوله: {إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالاً } وما بعده، فإنه وعيد لهم بعذاب الآخرة، والأنكال جمع نكل، وهو القيد، كذا قال الحسن، ومجاهد، وغيرهما. وقال الكلبي: الأنكال: الأغلال، والأوّل أعرف في اللغة، ومنه قول الخنساء:شعر : أتوك فقطعت أنكالهم وقد كنّ قبلك لا تقطع تفسير : وقال مقاتل: هي أنواع العذاب الشديد. وقال أبو عمران الجوني: هي قيود لا تحلّ {وَجَحِيماً } أي: ناراً مؤججة {وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ } أي: لا يسوغ في الحلق بل ينشب فيه، فلا ينزل، ولا يخرج. قال مجاهد: هو الزقوم. وقال الزجاج: هو الضريع، كما قال: {أية : لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ }تفسير : [الغاشية: 6] قال: وهو شوك العوسج، قال عكرمة: هو شوك يأخذ بالحلق لا يدخل ولا يخرج، والغصة: الشجا في الحلق، وهو ما ينشب فيه من عظم أو غيره، وجمعها غصص {وَعَذَاباً أَلِيماً } أي: ونوعاً آخر من العذاب غير ما ذكر. {يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ } انتصاب الظرف إما بذرني، أو بالاستقرار المتعلق به لدينا، أو هو صفة لعذاب، فيتعلق بمحذوف أي: عذاباً واقعاً يوم ترجف، أو متعلق بـ {أليماً}. قرأ الجمهور: {ترجف} بفتح التاء وضم الجيم مبنياً للفاعل، وقرأ زيد بن عليّ على البناء للمفعول. مأخوذ من أرجفها، والمعنى: تتحرك وتضطرب بمن عليها، والرجفة: الزلزلة والرعدة الشديدة {وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً } أي: وتكون الجبال، وإنما عبر عنه بالماضي لتحقق وقوعه، والكثيب الرمل المجتمع، والمهيل الذي يمرّ تحت الأرجل. قال الواحدي: أي رملاً سائلاً يقال لكل شيء أرسلته إرسالاً من تراب، أو طعام: أهلته هيلاً. قال الضحاك، والكلبي: المهيل الذي إذا وطئته بالقدم زلّ من تحتها، وإذا أخذت أسفله انهال. ومنه قول حسان:شعر : عرفت ديار زينب بالكثيب كخط الوحي في الورق القشيب تفسير : {إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَـٰهِداً عَلَيْكُمْ } الخطاب لأهل مكة أو لكفار العرب أو لجميع الكفار. والرسول محمد، والمعنى: يشهد عليكم يوم القيامة بأعمالكم {كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً } يعني: موسى. {فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ ٱلرَّسُولَ } الذي أرسلناه إليه وكذبه، ولم يؤمن بما جاء به، ومحل الكاف النصب على أنها نعت لمصدر محذوف، والمعنى: إنا أرسلنا إليكم رسولاً فعصيتموه، كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً فعصاه {فَأَخَذْنَـٰهُ أَخْذاً وَبِيلاً } أي: شديداً ثقيلاً غليظاً، والمعنى: عاقبنا فرعون عقوبة شديدة غليظة بالغرق؛ وفيه تخويف لأهل مكة أنه سينزل بهم من العقوبة مثل ما نزل به، وإن اختلف نوع العقوبة. قال الزجاج أي: ثقيلاً غليظاً، ومنه قيل للمطر: وابل. وقال الأخفش: شديداً، والمعنى متقارب، ومنه طعام وبيل: إذا كان لا يستمرأ، ومنه قول الخنساء:شعر : لقد أكلت بجيلة يوم لاقت فوارس مالك أكلاً وبيلا تفسير : {فَكَيْفَ تَتَّقُونَ } أي: كيف تقون أنفسكم {إِن كَفَرْتُمْ } أي: إن بقيتم على كفركم {يَوْماً } أي: عذاب يوم {يَجْعَلُ ٱلْوِلْدٰنَ شِيباً } لشدّة هوله، أي: يصير الولدان شيوخاً، والشيب جمع أشيب، وهذا يجوز أن يكون حقيقة، وأنهم يصيرون كذلك، أو تمثيلاً؛ لأن من شاهد الهول العظيم تقاصرت قواه وضعفت أعضاؤه، وصار كالشيخ في الضعف وسقوط القوّة، وفي هذا تقريع لهم شديد وتوبيخ عظيم. قال الحسن: أي كيف تتقون يوماً يجعل الولدان شيباً إن كفرتم، وكذا قرأ ابن مسعود، وعطية، ويوماً مفعول به لتتقون. قال ابن الأنباري: ومنهم من نصب اليوم بكفرتم، وهذا قبيح، والولدان الصبيان، ثم زاد في وصف ذلك اليوم بالشدّة، فقال: {السَّمَاء مُنفَطِرٌ بِهِ } أي: متشققة به لشدّته وعظيم هوله، والجملة صفة أخرى ليوم، والباء سببية، وقيل: هي بمعنى في أي: منفطر فيه، وقيل: بمعنى اللام أي: منفطر له، وإنما قال: {منفطر} ولم يقل: "منفطرة" لتنزيل السماء منزلة شيء لكونها قد تغيرت، ولم يبق منها إلاّ ما يعبر عنه بالشيء. وقال أبو عمرو بن العلاء: لم يقل: "منفطرة"؛ لأن مجازها السقف، كما قال الشاعر:شعر : فلو رفع السماء إليه قوما لحقنا بالسماء وبالسحاب تفسير : فيكون هذا، كما في قوله: {أية : وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَاء سَقْفاً مَّحْفُوظاً }تفسير : [الأنبياء: 32]. وقال الفرّاء: السماء تذكر وتؤنث. وقال أبو عليّ الفارسي: هو من باب الجراد المنتشر، والشجر الأخضر، و {أية : أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ }تفسير : [القمر: 20] قال أيضاً: أي السماء ذات انفطار. كقولهم: امرأة مرضع، أي: ذات إرضاع على طريق النسب، وانفطارها لنزول الملائكة، كما قال: {أية : إِذَا ٱلسَّمَاء ٱنفَطَرَتْ } تفسير : [الانفطار: 1] وقوله: {أية : ٱلسَّمَـٰوٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ } تفسير : [الشورى: 5]. وقيل: منفطر به، أي: بالله، والمراد: بأمره، والأوّل أولى {كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً } أي: وكان وعد الله بما وعد به من البعث والحساب وغير ذلك كائناً لا محالة، والمصدر مضاف إلى فاعله، أو وكان وعد اليوم مفعولاً، فالمصدر مضاف إلى مفعوله. وقال مقاتل: كان وعده أن يظهر دينه على الدين كله. وقد أخرج أحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة، والبيهقي في سننه عن سعد بن هشام قال: قلت لعائشة: أنبئيني عن قيام رسول الله، قالت: ألست تقرأ هذه السورة {يأَيُّهَا ٱلْمُزَّمّلُ }؟ قلت: بلى، قالت: فإن الله افترض قيام الليل في أولّ هذه السورة، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولاً حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك الله خاتمتها في السماء اثني عشر شهراً، ثم أنزل التخفيف في آخر هذه السورة، فصار قيام الليل تطوّعاً من بعد فرضه، وقد روي هذا الحديث عنها من طرق. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، ومحمد بن نصر، والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: لما نزلت أوّل المزمل كانوا يقومون نحواً من قيامهم في شهر رمضان حتى نزل آخرها، وكان بين أوّلها وآخرها نحو من سنة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن نصر عن أبي عبد الرحمٰن السلمي قال: لما نزلت يا أيها المزمل قاموا حولاً حتى ورمت أقدامهم وسوقهم حتى نزلت {أية : فَٱقْرَءواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ }تفسير : [المزمل: 20] فاستراح الناس. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن نصر، وابن مردويه، والبيهقي في سننه من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: في المزمل: {قُمِ ٱلَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً نّصْفَهُ } نسختها الآية التي فيها: {أية : عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَٱقْرَءواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْءانِ } تفسير : [المزمل: 20] وناشئة الليل أوّله كان صلاتهم أوّل الليل، يقول: هذا أجدر أن تحصوا ما فرض الله عليكم من قيام الليل، وذلك أن الإنسان إذا نام لم يدر متى يستيقظ، وقوله: {أَقْوَمُ قِيلاً } هو أجدر أن يفقه قراءة القرآن، وقوله: {إِنَّ لَكَ فِى ٱلنَّهَارِ سَبْحَاً طَوِيلاً } يقول: فراغاً طويلاً. وأخرج الحاكم وصححه عنه في قوله: {يأَيُّهَا ٱلْمُزَّمّلُ } قال: زملت هذا الأمر فقم به. وأخرج ابن المنذر عنه في الآية أيضاً قال: يتزمل بالثياب. وأخرج الفريابي، عن أبي صالح عنه أيضاً: {وَرَتّلِ ٱلْقُرْءانَ تَرْتِيلاً } قال: تقرأ آيتين ثلاثاً ثم تقطع لا تهدر. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن منيع في مسنده، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ومحمد بن نصر عنه أيضاً: {وَرَتّلِ ٱلْقُرْءانَ تَرْتِيلاً } قال: بيّنه تبييناً. وأخرج العسكري في المواعظ عن عليّ بن أبي طالب مرفوعاً نحوه. وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن نصر، والحاكم وصححه عن عائشة:« أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا أوحي إليه، وهو على ناقته وضعت جرانها، فما تستطيع أن تتحرّك حتى يسرّي عنه، وتلت {إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً }». وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن نصر، والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: {إِنَّ نَاشِئَةَ ٱلَّيْلِ } قال: قيام الليل بلسان الحبشة إذا قام الرجل قالوا: نشأ. وأخرج البيهقي عنه قال: {نَاشِئَةَ ٱلَّيْلِ } أوّله. وأخرج ابن المنذر، وابن نصر عنه أيضاً قال: الليل كله ناشئة. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: {نَاشِئَةَ ٱلَّيْلِ } بالحبشة قيام الليل. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، وابن نصر، والبيهقي في سننه عن أنس بن مالك قال: {نَاشِئَةَ ٱلَّيْلِ } ما بين المغرب والعشاء. وأخرج عبد بن حميد، وابن نصر، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم في الكنى عن ابن عباس في قوله: {إِنَّ لَكَ فِى ٱلنَّهَارِ سَبْحَاً طَوِيلاً } قال: السبح الفراغ للحاجة والنوم. وأخرج أبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي في الدلائل عن عائشة قالت: لما نزلت: {وَذَرْنِى وَٱلْمُكَذّبِينَ أُوْلِى ٱلنَّعْمَةِ وَمَهّلْهُمْ قَلِيلاً } لم يكن إلاّ يسيراً حتى كانت وقعة بدر. وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود {إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالاً } قال: قيوداً. وأخرج عبد بن حميد، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي عن ابن عباس: {وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ } قال: شجرة الزقوم. وأخرج الحاكم وصححه عنه في قوله: {كَثِيباً مَّهِيلاً } قال: المهيل الذي إذا أخذت منه شيئًا تبعك آخره. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً {كَثِيباً مَّهِيلاً } قال: الرمل السائل، وفي قوله: {أَخْذاً وَبِيلاً } قال: شديداً. وأخرج الطبراني، وابن مردويه عنه أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ {يَجْعَلُ ٱلْوِلْدٰنَ شِيباً } قال: «حديث : ذلك يوم القيامة، وذلك يوم يقول الله لآدم: قم، فابعث من ذريتك بعثاً إلى النار، قال: من كم يا ربّ؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، وينجو واحد، فاشتدّ ذلك على المسلمين، فقال حين أبصر ذلك في وجوههم: إن بني آدم كثير، وإن يأجوج، ومأجوج من ولد آدم، إنه لا يموت رجل منهم حتى يرثه لصلبه ألف رجل، ففيهم وفي أشباههم جنة لكم»تفسير : وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود نحوه بأخصر منه. وأخرج الفريابي، وابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله: {السَّمَاء مُنفَطِرٌ بِهِ } قال: ممتلئة بلسان الحبشة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال: مثقلة موقرة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً في الآية قال: يعني: تشقق السماء.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {يا أيها المزمِّلُ} قال الأخفش: أصله المتزمل فأدغم التاء في الزاي، وكذا المدثر. وفي أصل المزمل: قولان: أحدهما: المحتمل، يقال زمل الشيء إذا حمله، ومنه الزاملة التي تحمل القماش. الثاني: المزمل هو المتلفف، قال امرؤ القيس: شعر : كأن ثبيراً في عرائين وبْله كبيرُ أناسٍ في بجادٍ مُزَمّلِ. تفسير : وفيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يا أيها المزمل بالنبوة، قاله عكرمة. الثاني: بالقرآن، قاله ابن عباس. الثالث: بثيابه، قاله قتادة. قال إبراهيم: نزلت عليه وهو في قطيفة. {قُمِ الليلَ إلا قليلاً} يعني صلِّ الليل إلا قليلاً، وفيه وجهان: أحدهما: إلا قليلاً من أعداد الليالي لا تقمها. الثاني: إلا قليلاً من زمان كل ليلة لا تقمه وقد كان فرضاً عليه. وفي فرضه على مَنْ سواه من أُمّته قولان: أحدهما: فرض عليه دونهم لتوجه الخطاب إليه، ويشبه أن يكون قول سعيد ابن جبير. الثاني: أنه فرض عيله وعليهم فقاموا حتى ورمت أقدامهم، قاله ابن عباس وعائشة. وقال ابن عباس: كانوا يقومون نحو قيامه في شهر رمضان ثم نسخ فرض قيامه على الأمة، واختلف بماذا نسخ عنهم على قولين: أحدهما: بالصلوات الخمس وهو قول عائشة. الثاني: بآخر السورة، قاله ابن عباس. واختلفوا من مدة فرضه إلى أن نسخ على قولين: أحدهما: سنة، قال ابن عباس: كان بين أول المزمل وآخرها سنة. الثاني: ستة عشر شهراً، قالته عائشة، فهذا حكم قيامه في فرضه ونسخه على الأمة. فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان فرضاً عليه، وفي نسخه عنه قولان: أحدهما: المدة المفروضة على أمته في القولين الماضيين. الثاني: أنها عشر سنين إلى أن خفف عنها بالنسخ زيادة في التكليف لتميزه بفضل الرسالة، قاله سعيد بن جبير. قوله " قم الليلَ إلاّ قليلاً" لأن قيام جميعه على الدوام غير ممكن فاستثنى منه القليل لراحة الجسد، والقليل من الشيء ما دون النصف. حكي عن وهب بن منبه أنه قال: القليل ما دون المعشار والسدس. وقال الكلبي ومقاتل: القليل الثلث. وَحدُّ الليل ما بين غروب الشمس وطلوع الفجر الثاني. ثم قال تعالى: {نِصْفَهُ أو انقُصْ مِنْهُ قليلاً} فكان ذلك تخفيفاً إذا لم يكن زمان القيام محدوداً، فقام الناس حتى ورمت أقدامهم، فروت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قام في الليل فقال: أيها الناس اكلفوا من الأعمال ما تطيقون، فإن اللَّه لا يمل من الثواب حتى تملوا من العمل، وخير الأعمال ما ديم عليه. ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: " عَلِم أنْ لن تُحْصوه فتابَ عليكم فاقْرَؤوا ما تيسّر من القرآن". {أوزِدْ عليه ورَتِّل القرآنَ تَرْتيلاً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: بيّن القرآن تبياناً، قاله ابن عباس وزيد بن أسلم. الثاني: فسّرْه تفسيراً، قاله ابن جبير. الثالث: أن تقرأه على نظمه وتواليه، لا تغير لفظاً ولا تقدم مؤخراً مأخوذ من ترتيل الأسنان إذا استوى نبتها وحسن انتظامها، قاله ابن بحر. {إنّا سنُلْقي عليكَ قوْلاً ثَقيلاً} وهو القرآن، وفي كونه ثقيلاً أربعة تأويلات: أحدها: أنه إذا أوحي إليه كان ثقيلاً عليه لا يقدر على الحركة حتى ينجلي عنه، وهذا قول عائشة وعروة بن الزبير. الثاني: العمل به ثقيل في فروضه وأحكامه وحلاله وحرامه، قاله الحسن وقتادة. الثالث: أنه في المزان يوم القيامة ثقيل، قاله ابن زبير. الرابع: ثقل بمعنى كريم، مأخوذ من قولهم: فلان ثقيل عليّ أي كريم عليّ، قاله السدي. ويحتمل تأويلً خامساً: أن يكون ثقيل بمعنى ثابت، لثبوت الثقيل في محله، ويكون معناه أنه ثابت الإعجاز لا يزول إعجازه أبداً. {إنّ ناشئةَ الليل هي أَشدُّ وطْئاً} فيها ستة تأويلات: أحدها: أنه قيام الليل، بالحبشية، قاله ابن مسعود. الثاني: أنه ما بين المغرب والعشاء، قاله أنس بن مالك. الثالث: ما بعد العشاء الآخرة، قاله الحسن ومجاهد. الرابع: أنها ساعات الليل لأنها تنشأ ساعة بعد ساعة، قاله ابن قتيبة. الخامس: أنه بدء الليل، قاله عطاء وعكرمة. السادس: أن الليل كل ناشئة، قال ابن عباس: لأنه ينشأ بعد النهار. وفي " أشد وطْئاً" خمسة تأويلات: أحدها: مواطأة قلبك وسمعك وبصرك، قاله مجاهد. الثاني: مواطأة قولك لعملك، وهو مأثور. الثالث: مواطأة عملك لفراغك، وهو محتمل. الرابع: أشد نشاطاً، قاله الكلبي، لأنه زمان راحتك. الخامس: قاله عبادة: أشد وأثبت وأحفظ للقراءة. وفي قوله: {وأَقْوَمُ قِيلاً} ثلاثة تأويلات: أحدها: معناه أبلغ في الخير وأمعن في العدل، قاله الحسن. الثاني: أصوب للقراءة وأثبت للقول لأنه زمان التفهم، قاله مجاهد وقتادة، وقرأ أنس بن مالك " وأهيأ قيلاً" وقال أهيأ وأقوم سواء. الثالث: أنه أعجل إجابة للدعاء، حكاه ابن شجرة. {إن لك في النهارِ سَبْحاً طويلاً} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يعني فراغاً طوياً لنَومك وراحتك، فاجعل ناشئة الليل لعبادتك، قاله ابن عباس وعطاء. الثاني: دعاء كثيراً، قاله السدي وابن زيد والسبح بكلامهم هو الذهاب، ومنه سبح السابح في الماء. {واذكر اسم ربك} فيه وجهان: أحدهما: اقصد بعملك وجه ربك. الثاني: أنه إذا أردت القراءة فابدأ بسم الله الرحمن الرحيم، قاله ابن بحر. ويحتمل وجهاً ثالثاً: واذكر اسم ربك في وعده ووعيده لتتوفر على طاعته وتعدل عن معصيته. {وتَبتَّلْ إليه تَبْتِيلاً} فيه أربعة تأويلات: أحدها: أخلص إليه إخلاصاً، قاله مجاهد. الثاني: تعبد له تعبداً، قاله ابن زيد. الثالث: انقطع إليه انقطاعاً، قاله أبو جعفر الطبري، ومنه مريم البتول لانقطاعها إلى الله تعالى، وجاء في الحديث النهي عن التبتل الذي هو الانقطاع عن الناس والجماعات. الرابع: وتضرّع إليه تضرّعاً. {ربُّ المشْرِقِ والمْغرِبِ} فيه قولان: أحدهما: رب العالَمِ بما فيه لأنهم بين المشرق والمغرب، قاله ابن بحر. الثاني: يعني مشرق الشمس ومغربها. وفي المراد بالمشرق والمغرب ثلاثة أوجه: أحدها: أنه استواء الليل والنهار، قاله وهب بن منبه. الثاني: أنه دجنة الليل ووجه النهار، قاله عكرمة. الثالث: أنه أول النهار وآخره، لأن نصف النهار أوله فأضيف إلى المشرق، ونصفه آخره فأضيف إلى المغرب. {فاتّخِذْهُ وَكيلاً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: مُعيناً. الثاني: كفيلاً. الثالث: حافظاً.

ابن عطية

تفسير : قوله تعالى: {يا أيها المزمل} نداء للنبي صلى الله عليه وسلم، واختلف الناس لمَ نودي بهذا، فقالت عائشة والنخعي وجماعة: لأنه كان وقت نزول الآية متزملاً بكساء، والتزمل: الالتفاف في الثياب بضم وتشمير، ومنه قول امرئ القيس: [الطويل] شعر : كأن أبانا في أفانين ودقة كبير أناس في بجاد مزمل تفسير : أي ملفوف، وخفض مزمل في هذا البيت هو على الجوار، وإنما هو نعت لكبير، فهو عليه السلام على قول هؤلاء، إنما دعي بهيئة في لباسه. وقال قتادة، كان تزمل في ثيابه للصلاة واستعد فنودي على معنى يا أيها المستعد للعبادة المتزمل لها، وهذا القول مدح له صلى الله عليه وسلم. وقال عكرمة معناه: {يا أيها المزمل} للنبوءة وأعبائها، أي المتشمر المجدّ. وقال جمهور المفسرين والزهري بما في البخاري من أنه عليه السلام لما جاءه الملك في غار حراء وحاوره بما حاوره رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خديجة فقال: زملوني زملوني: فنزلت {أية : يا أيها المدثر} تفسير : [المدثر: 1]، وعلى هذا نزلت {يا أيها المزمل}. وفي مصحف ابن مسعود وأبي بن كعب "يا أيها المتزمل". وقرأ بعض السلف "يا أيها المزَمَّل" بفتح الزاي وتخفيفها وفتح الميم وشدها، والمعنى الذي زمله أهله أو زمل للنبوءة. وقرأ عكرمة "يا أيها المزمِّل" بكسر الميم المشددة وتخفيف الزاي أي المزمل نفسه، واختلف الناس في هذا الأمر بقيام الليل كيف كان؟ فقال جمهور أهل العلم: هو أمر على جهة الندب مذ كان لم يفرض قط، ويؤيد هذا: الحديث الصحيححديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام ليلة في رمضان خلف حصير احتجره فصلى وصلى بصلاته ناس ثم كثروا من الليلة القابلة ثم غص المسجد بهم في الثالثة أو الرابعة فلم يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فحصبوا بابه فخرج مغضباً وقال:" إني إنما تركت الخروج لأني خفت أن يفرض عليكم".تفسير : وقيل إنه لم يكلمهم إلا بعد الصبح. وقال آخرون: كان فرضاً في وقت نزول هذه الآية. واختلف هؤلاء فقال بعضهم: كان فرضاً على النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، وبقي كذلك حتى توفي عليه السلام، وقيل: بل نسخ عنه ولم يمت إلا والقيام تطوع، وقال بعضهم: كان فرضاً على الجميع ودام الأمر على ما قال سعيد بن جبير عشر سنين، وقالت عائشة وابن عباس دام عاماً، وروي عنها أيضاً ثمانية أشهر ثم رحمهم الله تعالى. فنزلت: {أية : إن ربك يعلم أنك تقوم} تفسير : [المزمل: 20] فخفف عنهم. وقال قتادة بقي عاماً أو عامين. وقرأ أبو السمال "قمُ الليل" بضم الميم لاجتماع الساكنين، والكسر في كلام العرب أكثر كما قرأ الناس، وقوله تعالى: {نصفه} يحتمل أن يكون بدلاً من قوله {قليلاً}، وكيف ما تقلب المعنى، فإنه أمر بقيام نصف الليل أو أكثر شيء أو أقل شيء، فالأكثر عند العلماء لا يزيد على الثلثين، والأقل لا ينحط عن الثلث ويقوي هذا حديث ابن عباس في بيت ميمونة قال: فلما انتصف الليل أو قبله بقليل قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويلزم على هذا الذي ذكرناه أن يكون نصف الليل قد وقع عليه الوصف بقليل، وقد يحتمل عندي قوله {إلا قليلاً}، أن يكون استثناء من القيام، فيجعل الليل اسم جنس، ثم قال {إلا قليلاً}، أي الليالي التي تخل بقيامها عند العذر البين. وهذا النظر يحسن مع القول مع الندب جداً. وقد تكلم الجرجاني رحمه الله في نظمه في هذه الآية بتطويل وتدقيق غير مفيد أكثره غير صحيح. وقرأ الجمهور: "أوُ انقص" بضم الواو، وقرأ الحسن وعاصم وحمزة بكسر الواو، وقرأ عيسى بالوجهين، والضمير في {منه} و {عليه} عائدان على النصف، وقوله تعالى: {ورتل القرآن} معناه في اللغة تمهل وفرق بين الحروف لتبين. والمقصد أن يجد الفكر فسحة للنظر وفهم المعاني، وبذلك يرق القلب ويفيض عليه النور والرحمة. قال ابن كيسان: المراد تفهمه تالياً له ومنه الثغر الرتل الذي بينه فسخ وفتوح. وروي أن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت بينة مترسلة لو شاء أحد أن يعد الحروف لعدها. والقول الثقيل: هو القرآن. واختلف الناس لم سماه {ثقيلاً}، فقالت جماعة من المفسرين: لما كان يحل في رسول الله من ثقل الجسم حتى أنه كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته بركت به، وحتى كادت فخذه أن ترض فخذ زيد بن ثابت رحمه الله. وقال أبو العالية والقرطبي: بل سماه {ثقيلاً} لثقله على الكفار والمنافقين بإعجازه ووعيده ونحو ذلك. وقال حذاق العلماء: معناه ثقيل المعاني من الأمر بالطاعات والتكاليف الشرعية من الجهاد ومزاولة الأعمال الصالحة دائمة، قال الحسن: إن الهذ خفيف ولكن العمل ثقيل. وقوله تعالى: {إن ناشئة الليل هي أشد وطئاً}، قال ابن جبير وابن زيد هي لفظة حبشية نشأ الرجل إذا قام من الليل، فـ {ناشئة} على هذا، جمع ناشئ، أي قائم، و {أشد وطئاً} معناه ثبوتاً واستقلالاً بالقيام، {وأقوم قيلاً}، أي بخلو أفكارهم وإقبالهم على ما يقرأونه. وقال ابن عمر وأنس بن مالك وعلي بن الحسين: {ناشئة الليل} ما بين المغرب والعشاء، وقالت عائشة ومجاهد: القيام بعد النوم، ومن قام أول الليل قبل النوم فلم يقم ناشئة، وقال ابن جبير وابن زيد وجماعة: {ناشئة الليل} ساعاته كلها لأنها تنشأ شيئاً بعد شيء. وقال أبو مجلز وابن عباس وابن الزبير والحسن: ما كان بعد العشاء فهو {ناشئة}، وما كان قبلها فليس بـ {ناشئة}، قال ابن عباس: كانت صلاتهم أول الليل فهي {أشد وطئاً} أي أجدر أن يحصوا ما فرض الله عليكم من القيام لأن الإنسان إذا نام لا يدري متى يستيقظ؟ وقال الكسائي: {ناشئة الليل} أوله، وقال ابن عباس وابن الزبير: الليل كله {ناشئة} و {أشد وطئاً}، على هذا يحتمل أن يكون أشد ثبوتاً فيكون نسب الثبوت إليها من حيث هو القائم فيها. ويحتمل أن يريد أنها صعبة القيام لمنعها النوم كما قال "اللهم اشدد وطأتك على مضر" فذكرها تعالى بالصعوبة ليعلم عظم الأجر فيها كما وعد على الوضوء على المكاره والمشي في الظلام إلى المساجد ونحوه. وقرأ الجمهور: "وَطْئاً" بفتح الواو وسكون الطاء، وقرأ أبو عمرو ومجاهد وابن الزبير وابن عباس: "وطاء" على وزن فعال، والمعنى موافقة لأنه يخلو البال من أشغال النهار وأشغابه، فيوافق قلب المرء لسانه، وفكره عبارته فهذه مواطأة صحيحة، وبهذا المعنى فسر اللفظ مجاهد وغيره، وقرأ قتادة في رواية حسين: "وِطاء" بكسر الواو وسكون الطاء والهمزة مقصورة، وقرأ أنس "وأصوب قيلاً"، فقيل له إنما هو {أقوم}، فقال: أقوم وأصوب وأهيأ واحد. وقوله تعالى: {إن لك في النهار سبحاً طويلاً} أي تصرفاً وتردداً في أمورك كما يتردد السابح في الماء. ومنه سمي الفرس سابحاً لتثنيه واضطرابه، وقال قوم من أهل العلم إنما معنى الآية التنبيه على أنه إن فات حزب الليل بنوم أو عذر فليخلف بالنهار فإن فيه {سبحاً طويلاً}، وقرأ يحيى بن يعمر وعكرمة: "سبخاً طويلاً" بالخاء منقوطة، ومعناه خفة لك من التكاليف، والتسبيخ التخفيف، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ولا تسبخي عنه" تفسير : لعائشة في السارق الذي سرقها، فكانت تدعو عليه، معناه لا تخففي عنه. قال أبو حاتم: فسر يحيى السبح بالنوم. وقال سهل: {واذكر اسم ربك} يراد اقرأ بسم الله الرحمن الرحيم في ابتداء صلاتك، {وتبتل} معناه: انقطع من كل شيء إلا منه وأفرغ إليه. قال زيد بن أسلم: التبتل رفض الدنيا ومنه تبتل الحبل، وقولهم في الهبات ونحوها بتلة، ومنه البتول، و {تبتيلاً} مصدر على غير المصدر، وقرأ حمزة والكسائي وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر: "ربِّ المشرق" بالخفض على البدل من {ربك}، وقرأ الباقون وحفص عن عاصم: "ربُّ" على القطع أي هو رب أو على الابتداء والخبر {لا إله إلا هو}. وقرأ ابن عباس وأصحاب عبد الله: "رب المشارق والمغارب" بالجمع. والوكيل: القائم بالأمر الذي يوكل إليه الأشياء، وقوله تعالى: {واصبر على ما يقولون} الآية، قيل هي موادعة منسوخة بآية السيف، والمراد بالآية قريش. وقال بعض العلماء: قوله {واهجرهم هجراً جميلاً} منسوخ، وأما الصبر على ما يقولون فقد يتوجه أحياناً ويبقى حكمه، وفيما يتوجه من الهجر الجميل من المسلمين، قال أبو الدرداء: إنا لنكشر في وجوه قوم وإن قلوبنا لتقليهم. والقول الأول أظهر لأن الآية إنما هي في كفر قريش وردهم رسالته وإعلائهم بذلك لا يمكن أن يكون الحكم في هذه المعاني باقياً.

ابن عبد السلام

تفسير : {الْمُزَّمِّلُ} المتحمل زمل الشيء حمله ومنه الزاملة أو المتلفف المزمل بالنبوّة أو القرآن أو بثيابه قيل نزلت وهو في قطيفة.

النسفي

تفسير : مكية وهي تسع عشرة آية بصري وثمان عشرة شامي بسم الله الرحمٰن الرحيم {يأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ } أي المتزمل وهو الذي تزمل في ثيابه أي تلفف بها بإدغام التاء في الزاي. كان النبي صلى الله عليه وسلم نائماً بالليل متزملاً في ثيابه فأمر بالقيام للصلاة بقوله {قُمِ ٱلَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِّصْفَهُ } بدل من {ٱلَّيْلَ } و{إِلاَّ قَلِيلاً } استثناء من قوله {نّصْفَهُ } تقديره: قم نصف الليل إلا قليلاً من نصف الليل {أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ } من النصف. بضم الواو: غير عاصم وحمزة {قَلِيلاً } إلى الثلث {أَوْ زِدْ عَلَيْهِ } على النصف إلى الثلثين، والمراد التخيير بين أمرين بين أن يقوم أقل من نصف الليل على البت، وبين أن يختار أحد الأمرين وهما النقصان من النصف والزيادة عليه، وإن جعلت {نِّصْفَهُ } بدلاً من {قَلِيلاً } كان مخيراً بين ثلاثة أشياء: بين قيام نصف الليل تاماً، وبين قيام الناقص منه، وبين قيام الزائد عليه. وإنما وصف النصف بالقلة بالنسبة إلى الكل وإلا فإطلاق لفظ القليل ينطلق على ما دون النصف ولهذا قلنا: إذا أقرّ أن لفلان عليه ألف درهم إلا قليلاً أنه يلزمه أكثر من نصف الألف {وَرَتّلِ ٱلْقُرْءانَ } بين وفصل من الثغر المرتل أي المفلج الأسنان، وكلام رَتَلٌ بالتحريك أي مرتل، وثغر رتل أيضاً إذا كان مستوي البنيان. أو اقرأ على تؤدة بتبيين الحروف وحفظ الوقوف وإشباع الحركات {تَرْتِيلاً } هو تأكيد في إيجاب الأمر به وأنه لا بد منه للقارىء {إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ } سننزل عليك {قَوْلاً ثَقِيلاً } أي القرآن لما فيه من الأوامر والنواهي التي هي تكاليف شاقة ثقيلة على المكلفين، أو ثقيلاً على المنافقين، أو كلام له وزن ورجحان ليس بالسفساف الخفيف. {إِنَّ نَاشِئَةَ ٱلَّيْلِ } بالهمزة: سوى ورش: قيام الليل. عن ابن مسعود رضي الله عنه. فهي مصدر من نشأ إذا قام ونهض على فاعلة كالعافية، أو العبادة التي تنشأ بالليل أي تحدث، أو ساعات الليل لأنها تنشأ ساعة فساعة، وكان زين العابدين رضي الله عنه يصلي بين العشاءين ويقول هذه ناشئة الليل {هِىَ أَشَدُّ } {وطاءً} { وِفَـٰقاً } شامي وأبو عمرو أي يواطيء فيها قلب القائم لسانه. وعن الحسن: أشد موافقة بين السر والعلانية لانقطاع رؤية الخلائق. وغيرهما {وَطْأ} أي أثقل على المصلي من صلاة النهار لطرد النوم في وقته من قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اللهم اشدد وطأتك على مضر»تفسير : {وَأَقْوَمُ قِيلاً } وأشد مقالاً وأثبت قراءة لهدوء الأصوات وانقطاع الحركات {إِنَّ لَكَ فِى ٱلنَّهَارِ سَبْحَاً طَوِيلاً } تصرفاً وتقلباً في مهماتك وشواغلك ففرّغ نفسك في الليل لعبادة ربك أو فراغاً طويلاً لنومك وراحتك {وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ } ودم على ذكره في الليل والنهار، وذكر الله يتناول التسبيح والتهليل والتكبير والصلاة وتلاوة القرآن ودراسة العلم {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ } انقطع إلى عبادته عن كل شيء. والتبتل: الانقطاع إلى الله تعالى بتأميل الخير منه دون غيره. وقيل: رفض الدنيا وما فيها والتماس ما عند الله {تَبْتِيلاً } في اختلاف المصدر زيادة تأكيد أي بتّلك الله فتبتل تبتيلاً أو جيء به مراعاة لحق الفواصل. {رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ } بالرفع أي هو رب أو مبتدأ خبره {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } وبالجر: شامي وكوفي غير حفص بدل من {رَبَّكَ } وعن ابن عباس رضي الله عنهما على القسم بإضمار حرف القسم نحو: الله لأفعلن، وجوابه لا إله إلا هو كقولك: والله لا أحد في الدار إلا زيد {فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلاً } ولياً وكفيلاً بما وعدك من النصر، أو إذا علمت أنه ملك المشرق والمغرب وأن لا إله إلا هو فاتخذه كافياً لأمورك. وفائدة الفاء أن لا تلبث بعد أن عرفت في تفويض الأمور إلى الواحد القهار إذ لا عذر لك في الانتظار بعد الإقرار. {وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ } فيّ من الصاحبة والولد وفيك من الساحر والشاعر {وَٱهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً } جانبهم بقلبك وخالفهم مع حسن المحافظة وترك المكافأة. وقيل: هو منسوخ بآية القتال {وَذَرْنِى } أي كِلْهم إليّ فأنا كافيهم {وَٱلْمُكَذِّبِينَ } رؤساء قريش مفعول معه أو عطف على {ذَرْنِى }أي دعني وإياهم {أُوْلِى ٱلنَّعْمَةِ } التنعم وبالكسر الإنعام وبالضم المسرة {وَمَهِّلْهُمْ } إمهالاً {قَلِيلاً } إلى يوم بدر أو إلى يوم القيامة {إِنَّ لَدَيْنَا } للكافرين في الآخرة {أَنكَالاً } قيوداً ثقالاً جمع نِكْل {وَجَحِيماً } ناراً محرقة {وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ } أي الذي ينشب في الحلوق فلا ينساغ يعني الضريع والزقوم {وَعَذَاباً أَلِيماً } يخلص وجعه إلى القلب. ورُوي «حديث : أنه صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية فصعق»تفسير : وعن الحسن أنه أمسى صائماً فأتي بطعام فعرضت له هذه الآية فقال: ارفعه. ووضع عنده الليلة الثانية فعرضت له فقال: ارفعه، وكذلك الليلة الثالثة فأخبر ثابت البناني وغيره فجاءوا فلم يزالوا به حتى شرب شربة من سويق.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {يا أيها المزمل} هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأصله المتزمل وهو الذي تزمل في ثيابه أي تلفف. قال المفسرون كان النبي صلى الله عليه وسلم يتزمل في ثيابه أول ما جاءه جبريل فرقاً منه فكان يقول زملوني زملوني حتى أنس به. وقيل خرج يوماً من البيت وقد لبس ثيابه فناداه جبريل يا أيها المزمل، وقيل معناه متزمل النبوة أي حاملها والمعنى زملت هذا الأمر فقم به واحمله فإنه أمر عظيم وإنما لم يخاطب بالنبي والرسول لأنه كان في أول الأمر ومبدئه، ثم خوطب بالنبي والرسول بعد ذلك، وقيل كان صلى الله عليه وسلم قد نام وهو متزمل في ثوبه فنودي يا أيها المزمل {قم الليل} أي للصلاة والعبادة واهجر هذه الحالة واشتغل بالصلاة والعبودية وكان قيام الليل فريضة في ابتداء الإسلام {إلا قليلاً} أي صل الليل إلا قليلاً تنام فيه وهو الثلث ثم بين قدر القيام فقال تعالى: {نصفه} أي قم نصف الليل {أو انقص منه قليلاً} أي إلى الثلث.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {أو انقص} بكسر الواو للساكنين: حمزة وعاصم وسهل. الآخرون: بضمها للإتباع {ناشية} بالياء: يزيد والشموني والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف. الباقون. بالهمزة {وطأ} بكسر الواو وسكون الطاء: ابن عامر وأبو عمرو. الآخرون: بالمد مصدر واطأت مواطأة ووطاء {رب المشرق} بالخفض على البدل {من ربك} ابن عامر ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل. الباقون: بالرفع على المدح أي هورب. {ونصفه وثلثه} بالنصب فيهما: عاصم وحمزة وعلى وابن كثير وخلف. الوقوف {المزمل} ه لا {إلا قليلاً} ه لا {قليلاً} ه لا {ترتيلاً} ه {ثقيلاً} ه {قيلاً} ه ط {طويلاً} ه ط {تبتيلاً} ه ط بالخفض لا يقف {وكيلاً} ه {جميلاً} ه م {قليلاً} ه {وجحيماً} ه لا {أليماً} ه وقد قيل يوصل بناء على أن يوم ظرف لدينا والوقف أجوز لأن ثبوت إلا نكال لا يختص بذلك اليوم بل المراد ذكر يوم كذا أو يوم كذا ترون ما ترون. {مهيلاً} ه {رسولاً} ه {وبيلا} ه {شيباً} ه لا بناء على أن ما بعده صفة يوماً {به} ط {مفعولاً} ه {تذكرة} ج للشرط مع الفاء {سبيلاً} ه {معك} ط {والنهار} ه {القرآن} ط {مرضى} لا للعطف {من فضل الله} لا لذلك {في سبيل الله} ج لطول الكلام والوصل أولى للتكرار {فاقرؤا} ه {منة} لا للعطف {حسناً} ط {أجرأ} ط لاختلاف الجملتين {الله} ط {رحيم} ه. التفسير {المزمل} أصله المتزمل وهو الذي تزمل في ثيابه أي تلفف بها، فأدغم التاء في الزاء ونحوه المدثر في المثر والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم بالإتفاق إلا أنهم اختلفوا في سببه. فعن ابن عباس: أول ما جاءه جبرائيل عليه السلام خافه فظن أن به مساً من الجن فرجع من الجبل مرتعداً وقال: زملوني فبينا هو كذلك إذ جاءه الملك وناداه {يا أيها المزمل} فهذه السورة على هذا القول من أوائل ما نزل من القرآن قال الكلبي: إنما تزمل النبي صلى الله عليه وسلم بثيابه ليتهيأ للصلاة فأمر بأن يدوم على ذلك ويواظب عليه. ومثله عن عائشة وقد سئلت عن تزمله فقال: إنه صلى الله عليه وسلم كان تزمل مرطاً سداه شعر ولحمته وبر طوله أربع عشرة ذراعاً نصفه علي وأنا نائمة ونصفه عليه وهو يصلي. وقيل: أنه صلى الله عليه وسلم كان نائماً بالليل متزملاً في قطيفة فنودي بما يهجن تلك الحالة لأنها فعل من لا يهمه أمر ولا يعنيه شأن فأمر أن يختار على الهجود التهجد وعلى التزمل الموجب للاستثقال في النوم التشمر للعبادة، وقال عكرمة: إشتقاقه من الزمل الحمل ومنه أزدمله أي احتمله، والمعنى يأيها الذي احتمل أمراً عظيماً يريد أعباء النبوة ويناسبه التكليف بعده بقيام الليل. قال ابن عباس: إنه كان فريضة عليه بناء على ظاهر الأمر ثم نسخ. وقيل: كان واجباً عليه وعلى أمته في صدر الإسلام فكانوا على ذلك سنة أو عشر سنين، ثم نسخ بالصلوات الخمس، قال جار الله: قوله {نصفه} بدل من الليل و {إلا قليلاً} استثناء من النصف كأنه قال: قم أقل من نصف الليل أو انقص من النصف قليلاً أو زد على النصف، خيره بين أمرين بين أن يقوم أقل من نصف الليل على البت، وبين أن يختار أحد الأمرين: النقصان من النصف أو الزيادة عليه. وإن شئت جعلت {نصفه} بدلاً من {قليلاً} لأن النصف قليل بالنسبة إلى الكل، ولأن الواجب إذا كان هو النصف لم يخرج صاحبه عن العهدة لا بزيادة شيء فيصير الواجب بالحقيقة نصفاً فشيئاً فيكون الباقي أقل منه، فكان تخييراً بين ثلاث بين قيام النصف بتمامه، وبين قيام الناقص منه، وبين قيام الزائد عليه، فلك أن تقول: على تقدير إبدال النصف من الليل إن الضمير في {منه} و{عليه} راجع إلى الأقل من النصف فكأنه قيل: قم أقل من نصف الليل أو قم أنقص القليل أو أزيد منه قليلاً فيكون التخيير فيما وراء النصف إلى الثلث مثلاً، وإن شئت على تقدير إبدال النصف من {قليلاً} جعلت {قليلاً} الثاني بمعنى نصف النصف وهو الربع كأنه قال: أو انقص منه قليلاً نصفه ويجعل المزيد على هذا القليل أعني الربع كأنه قيل: أو زد عليه أي على الربع قليلاً نصفه وهو الثمن فيكون تخييراً بين النصف وحده والرابع والثمن معاً والربع وحده، هذا حاصل كلامه مع بعض الإيضاح. وأما في التفسير الكبير فقد اختار أن المراد بقوله {قليلاً} الثلث لقوله تعالى في السورة {إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة} ففيه دليل على أن أكثر المقادير الواجبة كان الثلثين إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم ربما يتفق له خطأ بالإجتهاد أو النوم فينقص شيء منه إلى النصف أو إلى الثلث على قراءة الخفض. وليس هذا مما يقدح في العصمة لعسر هذا الضبط على البشر ولا سيما عند اشتغاله بالنوم ولذلك قال {علم أن لن تحصوه} فيصير تقدير الآية. قم الثلثين ثم نصف الليل. أو انقص من النصف، أو زد عليه. والغرض التوسعة وأن أكثر الفرض هو الثلثان وأقله الثلث ليكون النقصان من النصف بقدر الزيادة. عن الكلبي قال: كان الرجل يقوم حتى يصبح مخافة أن لا يحفظ ما بين النصف والثلث والثلثين. ثم علم أدب القراءة فقال {ورتل القرآن ترتيلاً} وهو قراءة على تأن وتثبت ولا تحصل إلا بتبيين الحروف وإشباع الحركات ومنه " ثغر مرتل " إذا كان بين الثنايا افتراق ليس بالكثير، ومنه قال الليث: الترتيل تنسيق الشيء وثغر رتل حسن التنضيد كنور الأقحوان. سئلت عائشة عن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: لا كسر دكم. هذا لو أراد السامع أن يعد حروفه لعدها. وفي قوله {ترتيلاً} زيادة تأكيد في الإيجاب وأنه لا بد للقاريء منه لتقع قراءته عن حضور القلب وذكر المعاني فلا يكون كمن يعثر على كنز من الجواهر عن غفلة وعدم شعور. حين أمره بقيام الليل وبتدبر القرآن فيه وعده بقوله {إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً} كأنه قال: صير نفسك بأنوار العبادة والتلاوة مستعداً لقبول الفيض الأعظم وهو القرآن وما فيه من الأوامر والنواهي التي هي تكاليف شاقة على نفوس البشر. وقيل: ثقله أنه كان إذا نزل عليه الوحي تربد جلده وارفض جبينه عرقاً. ومنه قيل " برحاء الوحي ". وقال الحسن: أراد ثقله في الميزان وقال أبو علي الفارسي: ثقيل على المنافقين من حيث إنه يهتك أستارهم وقال الفراء: كلام له وزن وموقع لأنه حكمة وبيان ليس بالسفساف وما لا يعبأ به. وقيل: باقٍ على وجه الدهر لأن الثقيل من شأنه أن لا يزول عن حيزه. وقيل: يثقل إدراك معانيه وإحضارها. والفرق بين أقسامها من المحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ والظاهر والمؤل. ثم عاد إلى حكمة الأمر بقيام الليل فقال {إن ناشئة الليل} فيها قولان: أحدهما أنها ساعات الليل إما كلها لأنها تنشأ أي تحدث واحدة بعد أخرى، وإما الساعات الأول ما بين المغرب والعشاء وهو قول زين العابدين وسعيد بن جبير والضحاك والكسائي وذلك أنها مباديء نشوء الليل. والثاني أنها عبارة عن الأمور التي تحدث في الليل. وعلى هذا اختلفوا فمنهم من قال: هي النفس الناشئة بالليل أي التي تنشأ من مضجعها للعبادة أي تنهض وترتفع من نشأت السحابة إذا ارتفعت. ومنهم من قال: هي مصدر كالعاقبة أي قيام الليل. ولا بد من سبق النوم لما روي عبيد بن عمير قلت لعائشة: رجل قام من أول الليل أتقولين له قام ناشئة الليل؟ قالت: لا إنما الناشئة القيام بعد النوم. وقد فسرها بعض أهل المعنى بالواردات الروحانية والخواطر النورانية والإنفعالات النفسانية للإبتهاج بعالم القدس وفراغ النفس من الشواغل الحسية التي تكون بالنهار. الوطاء والمواطأة الموافقة. قال الحسن: يعني النفس أشد موافقة بين السر والعلانية أو القلب أو اللسان لانقطاع رؤية الخلائق، أو يواطيء فيها قلب القائم لسانه، إن أردت الساعات، أو القيام. ومن قرأ وطأ بغير فالمعنى أشد ثبات قدم وأبعد من الزلل وأثقل وأغلظ على المصلي من صلاة النهار ومنه قوله " اللهم أشدد وطأتك على مضر " {وأقوم قيلاً} وأشد مقالاً وأثبت قراءة لهدوّ الأصوات وسكون الحركات فلا يكون بين القراءة وبين تفهم معانيها حائل ولا مشوش. قال في الكشاف: عن أنس إنه قرأ و "أصوب قيلاً " فقيل له: يا أبا حمزة إنما هي {أقوم} فقال: إنهما واحد. قال ابن جني: وهذا يدل على أن القوم كانوا يعتبرون المعاني ولا يلتفتون نحو الألفاظ. قال العلماء الراسخون: هذا النقل يوجب القدح في القرآن فالواجب أن يحمل النقل لو صح على أنه فسر أحد اللفظين بالآخر لا أنه زعم أن تغيير لفظ القرآن جائز. ثم أكد أمر قيام الليل بقوله {إن لك في النهار سبحاً طويلاً} قال المبرد: أي تصرفاً وتقلباً في مهماتك فلا تفرغ لخدمة الله إلا بالليل ومنه السابح لتقلبه بيديه ورجليه. وقال الزجاج: أراد أن ما فاتك من الليل شيء فلك في النهار فراغ تقدر على تداركه فيه. وقيل: أن لك في النهار مجالاً للنوم والإستراحة وللتصرف في الحوائج. ثم بين أن أشرف الأعمال عند قيام الليل ما هو فصله في شيئين ذكر إسم الرب والتبتل إليه وهو الإنقطاع إلى الله بالكلية والتبتل القطع، الأول مقام السالك والثاني مقام المشاهد. فالأول كالأثر والثاني كالعين وإنما لم يقل وبتل نفسك إليه تبتيلاً لأن المقصود بالذات هو التبتل فبين أولاً ما هو المقصود ثم أشار أخيراً إلى سببه تأكيداً مع رعاية الفاصلة. ثم أشار إلى الباعث إلى التبتل فقال {رب المشرق والمغرب} لأن التكميل والأحسان موجب المحبة وجبلت القلوب على حب من أحسن إليها والمحبة تقتضي الإقبال على المحبوب بالكلية {لا إله إلا هو} وهو إشارة إلى كماله تعالى في ذاته والكمال محبوب لذاته، وهذا منتهى مقامات الطالبين وإنه يستدعي رفع الإختيار من البين وتفويض الأمر بالكلية إلى المحبوب الحقيقي حتى أن المحبوب لو كان رضاه في عدم التبتل إليه رضي المحب بذلك، وإن كان رضاه في التبتل والتوجه نحوه فهو المطلوب لا من حيث إنه تبتل بل من حيث إنه مراد المحبوب الحق جل ذكره. وقوله {فاتخذه وكيلاً} كالنتيجة لما قبله، وفيه إن من لم يفوض كل الأمور إليه لم يكن راضياً بإلهيته معترفاً بربوبيته، وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم أنه سيكفيه شر الكفار وأعداء الدين. ثم أمره بالصبر عند الإختلاط بالهجر الجميل إذا أراد أن لا يخالطهم. والهجر الجميل أن يخالفهم بقلبه ويداريهم بالإغضاء وترك المكافآت ومن المفسرين من قال: إنه منسوخ بآية القتال وقد عرفت مراراً أنه لا ضرورة إلى التزام النسخ. في أمثال هذه الآية. ثم أمره بأن يخلي بينه وبين المكذبين أصحاب الترفه. والنعمة بالفتح التنعم وهم صناديد قريش ولم يكن هناك منع ولكنه سبحانه أجرى الكلام على عادة المحاورات، والغرض أنه سبحانه يكفي في رفع شرور الكفرة ودفع إيذائهم ثم فصل ما سيعذب به أهل التكذيب مما يضاد تنعمهم. والإنكال جمع نكل بالكسر أو نكل بالضم وهي القيود الثقال. عن الشعبي: إذا ارتفعوا استلفت بهم. والطعام ذو الغصة هو الذي ينشب في الحلق كالزقوم والضريع فلا ينساغ، وقد يمكن حمل هذه الأمور على العقوبات الروحانية فالإنكال عبارة عن بقاء النفس في قيود العلائق الحسية والملكات الوهمية، والجحيم نيران الحسرة والحيرة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة. ثم إنه يتجرع غصة الحرمان وألم الفراق الجلال والبقاء في ظلمة الضلال والتنوين في هذه الألفاظ للتعظيم أو النوع. ثم وصف اليوم فيه هذه الأحوال والأهوال فقال {يوم ترجف الأرض والجبال} الرجفة الزلزلة والكثيب الرمل المجتمع " فعلي" " بمعنى " " مفعول " من كثب الشيء جمعه. وقال الليث: الكثيب نثر التراب أو الشيء يرمي به. وسمي الكثيب كثيباً لأن ترابه دقاق كأنه نثر بعضه على بعض لرخاوته، والمهيل السائل تراب مهيل ومهيول أي مصبوب وإنما لم يقل كثيبة مهيلة لأنها باسرها تجتمع فتصير واحداً، أو المراد كل واحد منها، وحين خوف المكذبين بأهوال الآخرة خوفهم بأهوال الدنيا مثل ما جرى على الأمم السابقة لا سيما فرعون وجنوده. وإنما خصص قصة موسى بالذكر لأن أمته أكثر الأمم الباقية ومعجزاته أبهر فكان تشبيه نبينا صلى الله عليه وسلم بحال أنسب. ومعنى {شاهدا عليكم} كما مر في قوله {أية : ويكون الرسول عليكم شهيداً} تفسير : [البقرة: 143] إنما عرّف الرسول ثانياً لأنه ينصرف إلى المعهود السابق في الذكر والأخذ الوبيل الثقيل الغليظ ومنه الوابل للمطر العظيم. قال أبو زيد: هو الذي لا يستمر ألو خامته ومنه كلأ مستوبل. ثم عاد إلى توبيخهم مرة بعد أخرة قائلاً {فكيف تتقون إن كفرتم يوماً} وانتصب {يوماً} على أنه مفعول به {لتتقون} أي كيف تحذرون ذلك اليوم لو كفرتم أي إن جحدتم يوم الجزاء فكيف تدعون تقوى الله وخوف عقابه؟ ويجوز أن يكون ظرفاً {لتتقون} أي فكيف لكم بالتقوى يوم القيامة إن كفرتم في الدنيا؟ ثم ذكر من هول ذلك اليوم شيئين: الأول أنه يجعل الولدان شيئاً جمع أشيب نحو بيض جمع أبيض فقيل: إنه وصفه بالطول بحيث يبلغ الأطفال فيه أوان الشيخوخة والشيب. والأكثرون على أنه مثل في الشدة كما قيل " يوم يشيب نواصي الأطفال " والأصل فيه قول الحكماء إن الهموم والأحزاب تسرع الشيب لإقتضائهما احتباس الروح إلى داخل القلب المستتبع لانطفاء الحرارة الغريزية المستعقب لفجاجة الأخلاط واستيلاء البلغم المتكرج. وليس المراد أن هول ذلك اليوم يجعل الولدان شيباً حقيقة لأن إيصال الألم والخوف إلى الصبيان غير جائز. وجوزه بعضهم بناء على أن ذلك اليوم أمر غير داخل تحت التكليف وقد حكي أن رجلاً أمسى فاحم الشعر كحنك الغراب وأصبح وهو أبيض الرأس واللحية فقال: أرأيت القيامة والنار في المنام ورأيت الناس يقادون في السلاسل إلى النار، فمن هول ذلك وأصبحت كما ترون. الثاني قوله {السماء منفطر به} وإنما ذكر السماء لأن تأنيثه غير حقيقي، أو بتأويل السقف، أو بتأويل الشيء المنفطر أو ذات انفطار. والباء في {به} بمعنى " في " عند الفراء، أو للآلة نحو فطرت العود بالقدوم أي أنها تنفطر بسبب هول ذلك اليوم، أو تثقل به إثقالاً يؤدي إلى إنفطارها كقوله {أية : ثقلت في السموات والأرض}تفسير : [الأعراف: 187] {كان وعده} أي وعد الله وقيل وعد اليوم فيكون من باب إضافة المصدر إلى المفعول {إن هذه} الآيات المشتملة على التكاليف والتخاويف {تذكرة} موعظة شافية {فمن شاء إتخذ إلى} قرب {ربه سبيلاً} بالإتعاظ والإدكار والتوسل بالطاعة والتجنب عن المعصية. قال المفسرون: إن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه شمروا بعد نزول أوائل السورة عن ساق الجد في شأن قيام الليل، وتركوا الرقاد حتى انتفخت أقدامهم واصفرت ألوانهم فلا جرم رحمهم ربهم وخفف عنهم قائلاً {إن ربك يعلم أنّك تقوم أدنى من ثلثي الليل} أقل منهما. قال أهل المعاني والبيان: إنما استعير الأدنى للأقل لأن المسافة بين الشيئين إذا دنت قل ما بينهما من الأحياز {و} تقوم {نصفة وثلثه} وهذا مطابق لما مر أو لأن التخيير بين النصف والناقص منه إلى الثلث وبين الزائد على النصف إلى الثلثين. ومن قرأ بالجر فمعناه يقوم أقل من الثلثين وهو النصف، وأقل من النصف وهو ثلثه، وأقل من الثلث وهو الربع وهو مطابق للوجه الآخر.و قوله {وطائفة} عطف على المستتر في {يقوم} وجاز من غير تأكيد للفصل {والله يقدر الليل والنهار} فلا يعرف ما مضى من كل منهما أي آن يفرض إلا هو. وهذا الحصر ينبيء عنه بناء الكلام على الإسم دون الفعل. ثم أكد المعنى المذكور بقوله {علم أن لن تحصوه} أي لا يصح منكم ضبط أوقات الليل كما هي إلا أن تأخذوا بالأوسع الأحوط وذلك شاق عليكم {فتاب عليكم} ما فرط منكم في مساهلة حصر الأوقات ورفع تبعته عنكم {فاقرؤا ما تيسر من القرآن} الأكثرون على أن القراءة ههنا عبارة عن الصلاة كما يعبر عنها بالقيام والركوع والسجود، والمعنى فصلوا ما تيسر عليكم بالليل فيكون هذا ناسخاً للأول. ثم إنهما نسخاً جميعاً بالصلوات الخمس، أو نسخ هذا وحده بهن. وعن بعضهم أنها القراءة حقييقة. وروي " حديث : من قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه القرآن ومن قرأ مائة آية أو خمسين كتب من القانتين "تفسير : ثم بيّن الحكمة في النسخ فقال {علم} وهو استئناف على تقدير السؤال عن وجه النسخ. و" أن " في قوله {أن سيكون} مخففة من الثقيلة اسمها الشأن و " كان " تامة أي سيوجد {منكم مرضى} هي جمع مريض {وآخرون} عطف عليه في الموضعين سوى الله سبحانه بين المسافرين للكسب الحلال والمجاهدين في سبيله فما أنصف من جانبه من العلماء مستنكفاً عنه إلى طلب ما لم يجوز أخذ الأجرة عليه كالإمامة والقضاء والتدريس يرى أنه منصب من المناصب الدينية فيضع دينه للذة خيالية لا اعتداد بها عند العقلاء. عن عبد الله بن عمر: ما خلق الله موتة أموتها بعد القتل في سبيل الله أحب إليّ من أن أموت بين شعبتي رحل أضرب في الأرض أبتغي من فضل الله، وعن عبد الله ابن مسعود مرفوع ظناً. أيما رجل جلب شيئاًً إلى مدينة من مدائن المسلمين صابراً محتسباً فباعه بسعر يومه كان عند الله من الشهداء. وظاهر أن المرضى لا يمكنهم الإشتغال بالتجهد لمرضهم. وأما المسافرون والمجاهدون فمشتغلون في النهار بالأعمال الشاقة، فلو اشتغلوا بالعبادة في الليل لتوالت أسباب المشقة عليهم قوله {فاقرؤا ما تيسر منه} من إعادة الأوّل تأكيداً للرخصة، عن ابن عباس: سقط عن أصحاب النبي قيام الليل وصار تطوعاً وبقي ذلك فريضاً على النبي صلى الله عليه وسلم.ثم أمر بإقامة الصلوات الخمس وإيتاء الزكاة وهذا أيضاً مما يغلب على الظن أن الآية مدنية. وقيل: هي زكاة الفطر. ثم أشار إلى صدقة التطوع بقوله {وأقرضوا الله} ويحتمل أني عود هذا أيضاً إلى الزكاة أي أقرضوا الله بإيتاء الزكاة، وفيه أن إخراج الزكاة ينبغي أن يكون على أحسن وجه من مراعاة النية الخالصة والصرف إلى المستحقين وكونها من أطيب الأموال لا أقل من الوسط. ثم حث على الإنفاق مطلقاً بقوله {وما تقدموا} الآية وقوله {هو} صيغة الفصل. وقوله {خيراً} ثاني مفعولي {تجدوه} ثم حرض على الإستغفار في جميع الأحوال وإن كان طاعات لما عسى أن يقع فيها تفريط وإليه المرجع والمآب.

الثعالبي

تفسير : قوله عز وجل: {يَٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ} نداءٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال السهيلي: المُزَّمِّلُ اسمٌ مشتقٌ من حالتِه التي كَانَ عليها ـــ عليه السلام ـــ حينَ الخطابِ، وكذلكَ المدَّثِّرُ، وفي خطابِه بهذَا الاسْمِ فائِدَتان: إحداهما: الملاطفةُ فإنَّ العربَ إذا قَصَدَتْ ملاطَفَةَ المخاطَبِ، وتَرْكَ معاتَبَتهِ سَمَّوْهُ بٱسْمٍ مشتقٍ من حالتِه، كقوله ـــ عليه السلام ـــ لعلي حين غَاضَبَ فاطمةَ: قُمْ أبا تُرَابٍ، إشعاراً له أنه غَيْرُ عاتبٍ عليه، وملاطَفَةً له، والفائدة الثانية: التنبيهُ لكلِّ مُتَزَمِّلٍ راقدٍ ليلَه؛ لينتبهَ إلى قيامِ الليل وذكرِ اللَّه فيه، لأنَّ الاسْمَ المشتق من الفعلِ، يَشْتَرِكُ فيه معَ المخاطَب كلُّ مَنْ عَمِلَ بذلك العملِ، واتَّصَفَ بتلك الصفةِ، انتهى، والتَزَمُّلُ الاِلْتِفَافُ في الثياب، قال جمهور المفسرين وهو في البخاري وغيره: حديث : إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لمَّا جَاءَه المَلَكُ في غار حراء وَحَاوَرَه بما حَاوَرَه به، رَجَعَ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى خَدِيجَةَ فَقَال: زَمِّلُوني زَمِّلُوني؛ فنزلت «يأيها المدثر» تفسير : و[على هذا نزلت «يأيها المزمل»]. وقوله تعالى: {قُمِ ٱلَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً} قال جمهور العلماءِ: هو أمْرُ نَدْبٍ، وقيل كَانَ فَرْضاً وقْتَ نزول الآيةِ، وقال بعضُهم: كان فرضاً على النبي صلى الله عليه وسلم خاصَّةً وبَقِيَ كذلك حتى تُوُفِّي، وقيل غير هذا. وقوله تعالى: {نِّصْفَهُ} يحتملُ: أن يكونَ بَدَلاً من قوله قليلاً، * ص *: {إِلاَّ قَلِيلاً} استثناءٌ من الليلِ، و{نِّصْفَهُ} قيل: بَدَلٌ من الليل وعلى هذا يكون استثناءُ {إِلاَّ قَلِيلاً} منه، أي: قم نصفَ الليل إلا قليلاً منه، والضميرُ في قوله: {أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ}، {أَوْ زِدْ عَلَيْهِ} عائدٌ على النصْفِ وقيل: {نِّصْفَهُ}: بدل من قوله: {إِلاَّ قَلِيلاً} قَالَ أبو البَقَاءِ، وهو أشْبَهُ بظاهرِ الآيةِ، انتهى، قال * ع *: وكَيْفَ مَا تَقَلَّبَ المعنى فإنه أمْر بقيامِ نصفِ الليلِ، أو أكْثَر شيئاً أو أقَلَّ شيئاً، فالأكْثر عند العلماء لا يُزِيدُ على الثُّلثَيْنِ، والأقَلُّ لاَ يَنْحَطُّ عَن الثلثِ، ويُقَوِّي هذا حديثُ ابنِ عَبَّاسٍ في مَبِيتهِ في بيت ميمونة؛ قال: فلما انْتَصَفَ الليلُ أو قَبْلَه بقليلٍ أو بعده بقليل، قام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قال * ع *: ويلزمُ على هذا البَدَلِ الذي ذَكَرْنَاه أن يكونَ نصفُ الليل قَدْ وَقَعَ عليه الوصفُ بقليلٍ، وقَدْ يحتملُ عندي قوله: {إِلاَّ قَلِيلاً} أنْ يكون استثناءً من القيام، فنجعلُ الليلَ اسْم جِنْسٍ ثم قال: {إِلاَّ قَلِيلاً} أي: إلا الليالي التي تُخِلُّ بقيامِها لعذرٍ، وَهَذَا [النظرُ يَحْسُنُ مَعَ القولِ بالنَّدْبِ جِدًّا، قال * ص *: وهذا [النَّظَرُ خلافُ ظاهرِ الآية، انتهى، والضميرُ في {مِنْهُ} و{عَلَيْهِ} عائِدَان على] النصف. وقوله سبحانه: {وَرَتِّلِ}: معناه في اللغةِ: تَمَهَّلْ وَفَرِّقْ بَيْنَ الحروفِ، لَتَبِينَ، والمقْصِدُ أنْ يَجِدَ الفِكْرُ فُسْحَةً للنَّظَرِ وفَهْمِ المعاني، وبذلكَ يَرِقُّ القَلْبُ، ويَفِيضُ عليه النُّورُ والرحمة، قال ابن كيسان: المُرادُ: تَفْهَمُه تالياً له، ورُوِي في صحيح الحديث: أن قراءةَ رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم كانَتْ بيِّنَةً مُتَرسِّلَةً، لو شاء أحَدُ أنْ يَعُدَّ الحروفَ لعَدَّها، قال الغزاليُّ في «الإحياء»: واعْلَمْ أنَّ التَرْتِيلَ والتَّؤُدَةَ أقْرَبُ إلى التوقير والاحترامِ، وأشَدُّ تأثيراً في القلبِ من الهَدْرَمَةِ والاسْتِعْجَالِ، والمَقْصُودُ مِنَ القراءَةِ التفكُّرُ، والترتيلُ مُعِينٌ عَلَيْهِ، وللناس عاداتٌ مختلفة في الخَتْمِ، وأوْلَى مَا يُرْجَعُ إليه في التقديراتِ قَوْلُ النبي صلى الله عليه وسلم وَقَدْ قَال ـــ عليه الصَّلاةُ والسلام ـــ: «حديث : مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ في أَقَلِّ مِن ثَلاَثٍ، لَمْ يَفْقَهْهُ»تفسير : وذلك لأَنَّ الزيادةَ عليهَا تمنعُ الترتيلَ المطلوبَ، وقَدْ كَرِهَ جماعةٌ الختمَ في يومٍ ولَيْلَةٍ، والتفصيلُ في مقدار القراءة أنَّه إنْ كَانَ التالي من العُبَّادِ السالكينَ طريقَ العَمَلِ، فلا يَنْبَغِي له أن يَنْقُصَ من خَتْمَتَيْنِ في الأُسْبُوعِ، وإنْ كانَ من السالكينَ بأعْمَالِ القَلْبِ وضرُوب الفِكْر، أو من المشغولين بِنَشْرِ العلمِ فَلا بأسَ أنْ يَقْتَصِر في الأُسْبُوعِ على ختمةٍ، وإنْ كَانَ نَافِذَ الفِكْرِ في مَعَانِي القرآن فَقَدْ يكتفِي في الشهر بمرةٍ لحاجَتِهِ إلى كَثْرَةِ التَّرْدِيدِ والتأمُّل، انتهى، ورَوَى ابنُ المباركِ في «رقائقه»: قال: حدثنا إسماعيل عن أبي المتوكِّل الناجي: «حديث : أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَامَ ذَاتَ لَيْلَةٍ بِآيَةٍ مِنَ القُرْآنِ يُكَرِّرُهَا عَلَىٰ نَفْسِهِ»تفسير : ، انتهى.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ}، أصله "المُتزمِّلُ" فأدغمت التاء في الزاي، يقال: تزمَّل يتزمل تزملاً، فإذا أريد الإدغام: اجتلبت همزة الوصل، وبهذا الأصل قرأ أبي بن كعب. وقرأ عكرمة: "المُزمِّل" - بتخفيف الزاي وتشديد الميم - اسم فاعل، وعلى هذا فيكون فيه وجهان: أحدهما: أن أصله "المُزتمِل" بوزن "مفتعل" فأبدلت التاء ميماً وأدغمت، قاله أبو البقاء، وهو ضعيف. والثاني: أنه اسم فاعل من "زمل" مشدداً، وعلى هذا، فيكون المفعول محذوفاً، أي: المزمل جسمه. وقرىء كذلك إلا أنه بفتح الميم اسم مفعول منه أي: "المُلفَّفُ، والتزمل: التلفف، يقال: تزمل زيد بكساء، أي: الفت به؛ وقال ذو الرُّمَّة: [الطويل] شعر : 4918 - وكَائِنْ تَخطَّت نَاقتِي مِنْ مفَازةٍ ومِنْ نَائِمٍ عَنْ ليْلِهَا مُتزمِّلِ تفسير : وقال امرؤ القيس: [الطويل] شعر : 4919 - كَأنَّ ثَبِيراً فِي أفَانينِ ودقِهِ كَبِيرُ أنَاسٍ في بجَادٍ مُزمَّلِ تفسير : وهو كقراءة بعضهم المتقدمة فصل في بيان لمن الخطاب في الآية هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وفيه ثلاثةُ أقوالٍ: الأول: قال عكرمة: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ} بالنبوة المتزمل بالرسالة، وعنه: يا أيها الذي زمل هذا الأمر، أي: حمله ثم فتر، وكان يقرأ: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزمَّلُ} - بتخفيف الزاي وفتح الميم وتشديدها، على حذف المفعول، وكذلك: "المدثر"، والمعنى: المزمل نفسه والمدثر نفسه، والذي زمله غيره. الثاني: قال ابن عباس: يا أيها المزمل بالقرآن. الثالث: قال قتادة: يا أيها المزمل بثيابه. قال النخعيُّ: كان متزملاً بقطيفة عائشة رضي الله عنها بمرط طوله أربعة عشر ذراعاً نصفه عليّ، وأنا نائمة ونصفه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، والله ما كان خزاً ولا قزاً ولا مرعزاء ولا إبريسم ولا صوفاً، كان سداه شعراً ولحمته وبراً، ذكره الثعلبي. قال القرطبيُّ: "وهذا القول من عائشة يدل على أنَّ السورة مدنية، فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يبنِ بها إلاَّ بالمدينة، والقول بأنها مكية لا يصح". وقال الضحاكُ: تزمل لمنامه. وقيل: بلغه من المشركين سوء قول فيه، فاشتد عليه فتزمل، وتدثر، فنزل: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ} {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ}. وقيل: كان هذا في ابتداء أمر ما أوحي إليه فإنه لما سمع صوت الملك، ونظر إليه أخذته الرعدة، فأتى أهله، وقال: زمِّلوني، دثِّرُونِي. روي معناه عن ابن عباس، قال: أول ما جاءه جبريل خافه، وظن أن به مساً من الجنِّ، فناداه، فرجل من الجبل مرتعداً وقال: زمِّلُوني، زمِّلُونِي. وقال الكلبيُّ: إنما تزمل النبي بثيابه ليتهيأ للصلاة، وهو اختيار الفراءِ. وقيل: إنه - عليه الصلاة والسلام - كان نائماً بالليل متزملاً في قطيفة فنودي بما يهجر تلك الحالة، فقيل له: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ} قم واشتغل بالعبودية. وقيل: معناه يا من تحمل أمراً عظيماً، والزمل: الحمل. قال البغويُّ: قال الحكماء: كان هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم في أول الوحي قبل تبليغ الرسالة، ثم خوطب بعد بالنبي، والرسول. فصل في نفي كون "المزمل" اسماً للنبي صلى الله عليه وسلم قال السهيليُّ: ليس المزمل باسم من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم كما ذهب إليه بعض الناس، وعدوه في أسمائه صلى الله عليه وسلم وإنما "المُزمِّلُ" اسم مشتق من حالته التي كان عليها حين الخطاب، وكذلك كان المُدثِّرُ. وفي خطابه بهذا الاسم فائدتان: إحداهما: الملاطفة، فإن العرب إذا قصدت ملاطفة المخاطب وترك المعاتبة، سموه باسم مشتق من حالته التي هو عليها حديث : لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي - رضي الله عنه - حين غاضب فاطمة - رضي الله عنها - فأتاه وهو نائم وقد لصق جنبه بالتراب، فقال له: "قُمْ أبَا تُرابٍ"تفسير : إشعاراً له بأنه غير عاتب عليه، وملاطفة له وإشعاراً بترك العتب، [وملاطفاً له وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام لحذيفة: قم يا نومان ملاطفة له، وإشعاراً بترك العتب والتأنيب] - وكان نائماً - فقول الله تعالى لمحمد - عليه الصلاة والسلام -: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ قُمِ} فيه تأنيس له، وملاطفة ليستشعر أنه غير عاتب عليه. والفائدة الثانية: التنبيه لكل متزمل راقد ليله ليتنبه إلى قيام الليل، وذكر الله تعالى فيه لأن الاسم المشتق من الفعل يشترك فيه مع المخاطب كل من عمل ذلك العمل، واتصف بتلك الصفة. قوله: {قُمِ ٱلْلَّيْلَ}. العامة: على كسر الميم لالتقاء الساكنين. وأبو السمال: بضمها، إتباعاً لحركة القاف. وقرىء: بفتحها طلباً للخفة. قال أبو الفتح: الغرض: الهرب من التقاء الساكنين، فبأيِّ حركة تحرك الأول حصل الغرض. قال شهاب الدين: "إلا أن الأصل: الكسر، لدليل ذكره النحويون، و "الليل" ظرف للقيام وإن استغرقه الحدث الواقع فيه، هذا قول البصريين، وأما الكوفيون فيجعلون هذا النوع مفعولاً به". قال القرطبي: "وهو من الأفعال القاصرة الغير متعدية إلى مفعول، فأما ظرف المكان والزمان فسائغ فيه، إلا أن ظرف المكان لا يتعدى إليه إلا بواسطة، لا تقول: "قمت الدار" حتى تقول: "قُمْتُ وسَط الدَّارِ، وخارج الدارِ"، وقد قيل هنا: إن "قم" معناه: صل، عبر به هنا واستعير له حتى صار عرفاً بكثرة الاستعمال". فصل في حد الليل الليل: حده من غروب الشمس إلى طلوع الفجر وقد تقدم بيانه في البقرة. قال القرطبيُّ: "واختلف هل كان قيامه فرضاً أو نفلاً؟ والدلائل تقوي أن قيامه كان فرضاً لأن الندب لا يقع على بعض الليل دون بعض لأن قيامه ليس مخصوصاً بوقت دون وقتٍ". واختلف هل كان فرضاً على النبي صلى الله عليه وسلم وحده، أو عليه وعلى من كان قبله من الأنبياء، أو عليه وعلى أمته، ثلاثة أقوالٍ: الأول: قول سعيد بن جبيرٍ لتوجه الخطاب إليه. الثاني: قول ابن عباسٍ، قال: كان قيامُ الليل فريضة على النبي صلى الله عليه وسلم والأنبياء قبله. الثالث: قول عائشة وابن عباس أيضاً وهو الصحيح أنه كان فرضاً عليه وعلى أمته، لما روى "مسلم": "حديث : أن سعد بن هشام بن عامر قال لعائشة رضي الله عنها: أنبئيني عن قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ألست تقرأ: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ} قلت: بلى، قالت: فإن الله - عز وجل - افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولاً، وأمسك الله - عز وجل - خاتمتها اثني عشر شهراً في السماء، حتى أنزل الله - عز وجل - في آخر السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعاً بعد أن كان فريضة ". تفسير : وروى وكيع، ويعلى ابن عباس قال: لما نزلت: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ} كانوا يقومون نحواً من قيامهم في شهر رمضان حتى نزل آخرها، وكان بين نزول أولها وآخرها نحو من سنة. وقال سعيد بن جبير: مكث النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عشر سنين يقومون الليل، فنزلت بعد عشر سنين {أية : إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلْلَّيْلِ وَنِصْفَهُ} تفسير : [المزمل: 20] فخفف الله عنهم. وقيل: كان قيام الليل واجباً، ثم نسخ بالصلوات الخمس. وقيل: عسر عليهم تمييز القدر الواجب فقاموا الليل كلَّه فشق ذلك عليهم فنسخ بقوله في آخرها {أية : فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ} تفسير : [المزمل: 20] وكان بين الوجوب ونسخه سنة. وقيل: نسخ التقدير بمكة وبقي التهجد، حتى نسخ بالمدينة. وقيل: لم يجب التهجد قط لقوله {أية : وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ}تفسير : [الإسراء: 79]، ولأنه لو وجب عليه صلى الله عليه وسلم لوجب على أمته لقوله تعالى {أية : وَٱتَّبِعُوهُ}تفسير : [الأعراف: 158]، والنسخ على خلاف الأصل، ولأنه فرض تعيين المقدار أي المكلف وذلك ينافي الوجوب. قوله: {إِلاَّ قَلِيلاً نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً}. للناس في هذا كلام كثير، واستدلال على جواز استثناء الأكثر، والنصف، واعتراضات وأجوبة. قال شهاب الدين: وها أنا أكذر ذلك محرراً له بعون الله تعالى: اعلم أن في هذه الآية ثمانية أوجه: أحدها: أن "نِصْفهُ" بدل من "اللَّيْلِ" بدل بعض من كل، و "إلاَّ قَليْلاً" استثناء من النصف، كأنه قيل: [قُم أقل من نصف الليل، والضمير في "مِنْهُ" و "عليه" عائد على النصف، والمعنى: التخيير بين أمرين: بين أن يقوم أقل من نصف الليل على البت]، وبين أن يختار أحد الأمرين وهما النقصان من النصف، والزيادة عليه، قاله الزمخشريُّ. وناقشه أبو حيَّان: "بأنه يلزم منه تكرار اللفظ، ويصير التقدير: قم نصف الليل إلا قليلاً من نصف الليل، قال: وهذا تركيب ينزه القرآن عنه". قال شهاب الدين: والوجه في إشكال، لكن لا من هذه الحيثية، فإن الأمر فيها سهل بل لمعنى آخر - سأذكره إن شاء الله تعالى قريباً -، وجعل أبو البقاء هذا الوجه مرجوحاً فإنه قال: والثاني: هو بدل من "قليلاً" - يعني النصف - قال: وهو أشبه بظاهر الآية لأنه قال: "أو انقُصْ مِنْهُ"، "أو زِدْ عليْهِ"، والهاء فيهما للنصف، فلو كان الاستثناء من النصف لصار التقدير: قم نصف الليل إلا قليلاً، أو انقص منه قليلاً، والقليل المستثنى غير مقدر فالنقصان منه لا يعقل. قال شهاب الدين: "والجواب عنه: أن بعضهم قد عين هذا القليل، فعن الكلبي، ومقاتل: هو الثلث فلم يكن القليل غير مقدر، ثم إن في قوله تناقضاً فإنه قال: "والقليل المستثنى غير مقدر فالنقصان منه لا يعقل"، فأعاد الضمير على القليل، وفي الأول أعاده على النصف، ولقائل أن يقول: قد ينقدح هذا الوجه بإشكال قوي، وهو أنه يلزم منه تكرار المعنى الواحد، وذلك أن قوله: قُمْ نصف الليل إلا قليلاً، بمعنى أنقص من نصف الليل، لأن ذلك القليل، هو بمعنى النقصان وأنت إذا قلت: "قم نصف الليل إلا القليل من النصف، وقم نصف الليل، أو انقص من النصف" وجدتهما بمعنى واحد، وفيه دقة فتأمله، ولم يذكر الحوفيُّ غير هذا الوجه المتقدم، وقد عرف ما فيه، وممن ذهب إليه أيضاً الزجاجُ فإنه قال: "نِصفَهُ" بدل من "الليل" و "إلاَّ قَلِيلاً" استثناء من النصف، والضمير في "مِنْهُ" و "عَليْهِ" عائد للنصف، والمعنى: قُم نصف الليل، أو انقص من النصف قليلاً إلى الثلث، أو زد عليه إلى الثلثين، فكأنه قال: قم ثلثي الليل، أو نصفه، أو ثلثه". قال شهاب الدين: "والتقديرات التي يبرزونها ظاهرة حسنة إلا أن التركيب لا يساعد عليها لما عرفت من الإشكال المذكور آنفاً". الثاني: أن يكون "نِصفَهُ" بدلاً من "قَلِيْلاً" وإليه ذهب الزمخشري وأبو البقاء، وابن عطية. قال الزمخشريُّ: "وإن شئت جعلت "نِصفَهُ" بدلاً من "قَلِيْلاً" وكان تخييراً بين ثلاث: بين قيام النصف بتمامه، وبين قيام الناقص منه، وبين قيام الزائد عليه، وإنَّما وصف النصف بالقلة بالنسبة إلى الكل". وهذا هو الذي جعله أبو البقاء أشبه من جعله بدلاً من "اللَّيْلِ" كما تقدم. إلا أن أبا حيان اعترض هذا، فقال: "وإذا كان "نِصفَهُ" بدلاً من "إلاَّ قليلاً"، فالضميرُ في "نصفهُ" إما أن يعود على المبدل منه، أو على المستثنى منه، وهو "الليْل" لا جائزٍ أن يعود على المبدل منه؛ لأنه يصير استثناء مجهول من مجهول، إذ التقدير: إلا قليلاً نصف القليل، وهذا لا يصح له معنى ألبتَّة، وإن عاد الضمير إلى "اللَّيْلِ" فلا فائدة في الاستثناء من "الليْلِ"،إذ كان يكون أخصر، وأفصح، وأبعد عن الإلباس: قم الليل نصفه، وقد أبطلنا قول من قال: "إلاَّ قَليلاً" استثناء من البدل، وهو "نِصْفَهُ" وأنَّ التقدير: قم الليل نصفه إلا قليلاً منه، أي من النصف، وأيضاً ففي دعوى أن "نِصفَهُ" بدل من "إلاَّ قَلِيلاً"، والضمير في "نِصْفَهُ" عائد على "الليْلِ"، إطلاق القليل على النصف، ويلزم أيضاً أن يصير التقدير: إلا نصفه فلا تقمه، أو انقص من النصف الذي لا تقومه، وهذا معنى لا يصلح، وليس المراد من الآية قطعاً". قال شهاب الدين: يقول بجواز عوده على كل منهما، ولا يلزم محذور، أما ما ذكره من أنه يكون استثناء مجهول من مجهول فممنوع، بل هو استثناء معلوم من معلوم، لأنا بينا أن القليل قدر معين وهو الثلث، والليل ليس بمجهول، وأيضاً فاستثناء المبهم قد ورد، قال الله تعالى: {أية : مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ}تفسير : [النساء: 66]، وقال تعالى: {أية : فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ}تفسير : [البقرة: 249]، وكان حقه أن يقول: لأنه بدل مجهول من مجهول، وأما ما ذكره من أنه "أخصر منه، وأوضح" كيت وكيت، أما الأخصر، فمسلم وأما أنه يلبس، فممنوع، وإنما عدل عن اللفظ الذي ذكره لأنه أبلغ، وبهذا الوجه استدل من قال: يجوز استثناء النصفِ، والأكثر، [ووجه الدلالة على الأول أنه جعل قليلاً مستثنى من الليل ثم فسَّر ذلك القليل بالنصف، فكأنه قيل قم الليل إلا نصفه] ووجه الدلالة على الثاني: أنه عطف "أوْ زِدْ عليْهِ" على "انْقُصْ مِنْهُ"، فيكون قد استثنى الزائد على النصف، لأن الضمير في "مِنْهُ" وفي "عَليْهِ" عائد على النصف وهو استدلال ضعيف لأن الكثرة إنَّما جاءت بالعطف، وهو نظير أن يقول: له عندي عشرةٌ إلا خمسة درهماً درهماً، فالزيادة على النصف بطريق العطف، لا بطريق أن الاستثناء أخرج الأكبر بنفسه. الثالث: إن "نِصفَهُ" بدل من "الليل" [أيضاً كما تقدَّم في الوجه الأول، إلا أن الضمير في "مِنْهُ" و "عَليْهِ" عائد على الأقل من النصف،] وإليه ذهب الزمشخريُّ، فإنه قال: "وإن شئت قلت: لما كان معنى {قُمِ ٱلْلَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً نِّصْفَهُ} إذا أبدلت النصف من الليل يكون المعنى: قم أقل من نصف الليل، فيرجع الضمير في "مِنْهُ" و "عَليْهِ"، إلى الأقل من النصف، فكأنه قيل: قم أقل من نصف الليل، أو قم أنقص من ذلك الأقل، أو أزيد منه قليلاً، فيكون التخيير فيما وراء النصف بينه وبين الثلث". الرابع: أن يكون "نِصفَهُ" بدلاً من "قَلِيْلاً" كما تقدم؛ إلا أنك تجعل القليل الثاني ربع الليلِ، وقد أوضح الزمخشري هذا أيضاً، فقال: "ويجوز إذا أبدلت "نِصْفَهُ" من "قَلِيْلاً" وفسرته به أن تجعل "قَلِيلاً" الثاني بمعنى نصف النصف بمعنى الربع، كأنه قيل: أو انقص منه قليلاً نصفه، وتجعل المزيد على هذا القليل أعني الربع نصف الربع، كأنه قيل: أو زد عليه قليلاً نصفه، ويجوز أن تجعل الزيادة لكونها مطلقة تتمة الثلث، فيكون تخييراً بين النصف، والثلث، والربع" انتهى. واختار ابن الخطيب هذا الوجه مع الوجه الثاني: فقال: وقد أكثر الناس في هذه الآية، وفيها وجهان ملخصان: أحدهما: أن القليل في قوله: "إِلاَّ قَليْلاً"، هو الثلث، لأن قوله تعالى في آخر السورة: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلْلَّيْلِ وَنِصْفَهُ}، يقتضي أن أكثر المقادير الواجبة هو الثلثان، فيكون قيامُ الثلث جائزاً، وهو قوله: {إلاَّ قَلِيلاً} فكأنه قيل: قم ثلثي الليل، ثم قال: "نِصْفَهُ" فمعناه: أو قم نصفه، من باب قولهم: "جالس الحسن، أو ابن سيرين" على الإباحة، فحذف العاطف، فالتقدير: قم الثلثين، أو قم النصف، أو انقص من النصف، أو زد عليه، فعلى هذا يكون الثلثان أقصى الزيادة، والثلث أقصى النقصان، فيكون الواجب هو الثلث، والزائد عليه مندوباً، فإن قيل: فيلزم على قراءة الخفض في "نصفه" و "ثلثه" أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم ترك من الواجب الأدنى، لأنه تعالى قال: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلْلَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ} فيكون المعنى أنك تقوم أقل من الثلثين، وأقل من النصف وأقل من الثلث، فإذا كان الثلث واجباً كان النبي صلى الله عليه وسلم تاركاً للواجب؟ قلنا: المقدر للشيء قد ينقص منه لعدم انضباطه لأنه باجتهاد فربما أخطأ، فهو كقوله تعالى: {أية : عَلِمَ أَن لَّنْ تُحْصُوهُ}تفسير : [المزمل: 20]. الثاني: أن "نِصْفَهُ" تفسير لـ"قَلِيْلاً" لأن النصف قليل بالنسبة إلى الكل لأن المكلف بالنصف لا يخرج عن العهدة بيقين، إلا بزيادة شيء قليل عليه فيصير في الحقيقة نصفاً وشيئاً، فيكون الباقي بعد ذلك أقل من النصف، فالمعنى: قم نصف الليل، أو انقص منه نصفه، وهو الربع، أو زد عليه نصفه، وهو الربع، فيصير المجموع ثلاثة أرباع، فيكون مخيراً بين أن يقوم تمام النصف، أو ربع الليل، أوثلاثة أرباعه، وحينئذ يزول الإشكال بالكلية، لأن الربع أقل من الثلث، وذلك أن قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلْلَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ} يدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يقم ثلثي الليل، ولا نصفه ولا ثلثه، لأن الواجب لما كان هو الربع فقط، لم يلزم ترك قيام الثلث. الوجه الخامس: أن يكون {إِلاَّ قَلِيلاً} استثناء من القيام، فيجعل "الليْل" اسم جنس، ثم قال: {إِلاَّ قَلِيلاً}، أي: إلا الليالي التي تُخِلّ فيها، أي تترك في قيامها القدر البين ونحوه، وهذا النظر يحسن مع القول بالندب، قاله ابن عطية، احتمالاً من عنده وهذا خلافُ الظاهرِ، وهو تأويل بعيد. السادس: قال الأخفش: الأصل قم الليل إلا قليلاً أو نصفه، قال: كقولك: "أعطه درهماً درهمين ثلاثة". وهذا ضعيف جداً، لأن فيه حذف حرف العطفِ، وهو ممنوعٌ، لم يردْ منه إلا شيء شاذ ممكن تأويله، كقولهم: "أكَلتُ لحْماً سَمَكاً تَمْراً". وقول الآخر: [الخفيف] شعر : 4920 - كَيْفَ أصْبحْتَ كيْفَ أمْسيْتَ ممَّا يَنْزِعُ الوُدَّ في فُؤادِ الكَريمِ تفسير : أي: "لحماً وسمكاً وتمراً"، وكذا: كيف أصبحت، وكيف أمسيت، وقد خرج الناس هذا على بدل النداء. السابع: قال التبريزي: الأمر بالقيام، والتخيير في الزيادة، والنقصان وقع على الثلثين في آخر الليل، لأن الثلث الأول وقت العتمة، والاسثتناء وارد على المأمورية، فكأنه قال: قم ثلثي الليل إلا قليلاً أي ما دون نصفه "أو زِدْ عليْهِ"، أي على الثلثين، فكان التخيير في الزيادة، والنقصان واقعاً على الثلثين، وهذا كلام غريب لا يظهر من هذا التركيب. الثامن: أن "نِصْفَهُ" منصوب على إضمار فعل، أي: قم نصفه، حكاه مكي عن غيره، فإنه قال: "نِصْفَهُ" بدل من "الليْلِ". وقيل: "انتصب على إضمار: قم نصفه". قال شهاب الدين: "وهذا في التحقيق، وهو وجه البدل الذي ذكره أولاً، لأن البدل على نية تكرار العامل". فصل في نسخ الأمر بقيام الليل اختلفوا في الناسخ للأمر بقيام الليل، فعن ابن عباس وعائشة: أن الناسخ قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلْلَّيْلِ} إلى آخرها، وقيل: قوله تعالى: {عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ} وعن ابن عباس أيضاً: أنه منسوخ بقوله {عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ}، وعن عائشة أيضاً، والشافعي وابن كيسان: هو منسوخ بالصلوات الخمس، وقيل: الناسخ قوله تعالى: {فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ}. قال أبو عبد الرحمن السلمي: لما نزلت {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ} قاموا حتى ورمت أقدامهم وسوقهم ثم نزل قوله تعالى: {فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ}. قال بعض العلماء: وهو فرض نسخ به فرض كان على النبي صلى الله عليه وسلم خاصة لفضله كما قال تعالى: {وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ}. قال القرطبيُّ: "والقول الأول يعم جميع هذه الأقوال، وقد قال تعالى: {أية : وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ}تفسير : [البقرة: 43]. فدخل فيها قول من قال: إن الناسخِ الصلوات الخمس، وذهب الحسن وابن سيرين إلى أن صلاة الليل كانت فريضة على كلِّ مسلمٍ، ولو على قدر حلب شاة، وعن الحسن أيضاً أنه قال في هذه الآية: الحمد لله تطوع بعد الفريضة، وهو الصحيح - إن شاء الله تعالى - لما جاء في قيامه من الترغيب، والفضل في القرآن، والسنة". قالت عائشة رضي الله عنها: حديث : كنت أجعل للنبي صلى الله عليه وسلم حصيراً يصلي عليه من الليل، فتسامع الناس به فلما رأى جماعتهم كره ذلك، وخشي أن يكتب عليهم قيام الليل، فدخل البيت كالمغضب، فجعلوا يتحنحون، ويتفلون، فخرج إليهم فقال: "أيُّهَا النَّاسُ تكلَّفُوا مِن العمل ما تُطيقُونَ، فإنَّ اللَّه لا يمَلُّ من الثواب حتَّى تَملُّوا من العملِ، وإنَّ خَيْرَ العمَلِ أدومهُ، وإنْ قَلَّتفسير : ، فنزلت {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ}، فكتب عليهم، وأنزل بمنزلة الفريضة حتى إن كان أحدهم ليربط الحبل، فيتعلق به، فمكثوا ثمانية أشهرٍ، فنزل قوله: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلْلَّيْلِ}، فردهم الله إلى الفريضة، ووضع عنهم قيام الليل، إلا ما تطوعوا به. قال القرطبيُّ: ومعنى حديث عائشة رضي الله عنها ثابت في الصحيح، إلى قوله: "وإنْ قَلَّ" وباقيه يدل على أن قوله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ} نزل بالمدينة، وأنهم مكثوا ثمانية أشهرٍ يقومون، وقد تقدم عنها في "صحيح مسلم" حولاً. وحكى الماورديُّ عنها قولاً ثالثاً: وهو ستة عشر شهراً لم يذكر غيره عنها، وذكر عن ابن عباس رضي الله عنه: أنه كان بين أول "المُزمِّل" وآخرها سنة، قال: فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان فرضاً عليه، وقيل في نسخه عنه قولان: أحدهما: أنه كان فرضاً عليه إلى أن مات. والثاني: أنه نسخ عنه كما نسخ عن أمته، وفي مدة فرضه إلى أن نسخ قولان: أحدهما: المدة المفروضة على أمته في القولين الماضيين، يريد قول ابن عباس حولاً، وقول عائشة ستة عشر شهراً. الثاني: "أنها عشر سنين إلى أن خفف عنه بالنسخ". قوله: {وَرَتِّلِ ٱلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً}، أي: لا تعجل في قراءة القرآنِ بل اقرأه على مهل وهينة، وبينه تبييناً مع تدبر المعاني. قال المبرد: أصله من قولهم: "ثغر رتل ورتل" بفتح العين وكسرها إذا كان حسن التنضيد، ورتلت الكلام ترتيلاً، إذا جملت فيه، ويقال: ثغر رتل إذا كان بين الثنايا افتراق قليل. فقوله تعالى: {تَرْتِيلاً} تأكيد في إيجاب الأمر به، وأنه مما لا بد منه للقارىء. روى الحسن: حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم مر برجل يقرأ آية ويبكي، فقال:"أَمْ تَسمعُوا إلى قولِ اللَّهِ تعالى: {وَرَتِّلِ ٱلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً}، هذا الترتيل ". تفسير : وروى "أبو داود" عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يُؤتَى بِقَارِىء القُرآنِ يَوْم القِيامةِ، فيُوقَفُ فِي أول دَرجِ الجنَّةِ، ويقال له: اقْرَأ وارْقَ ورتلْ كَمَا كُنْتَ تُرتِّلُ في الدُّنيا فإنَّ منزلتك عِنْدَ آخِرِ آية تقرؤها ".

البقاعي

تفسير : لما تقدم في آخر الجن من تعظيم الوحي وأن من تعظيمه حفظ المرسل به من جميع الآفات المفترة عن إبلاغه بما له سبحانه من إحاطة العلم والقدرة وندب نبيه الذي ارتقاه لرسالته والاطلاع على ما أراده من غيبه صلى الله عليه وسلم أول هذه إلى القيام بأعباء النبوة بالمناجاة بهذا الوحي في وقت الأنس والخلوة بالأحباب، والبسط والجلوة لمن دق الباب، للاعتلاء والمتاب، المهيىء لحمل أعباء الرسالة، والمقوي على أثقال المعالجة لأهل الضلالة، فقال معبراً بالأداة الصالحة للقرب والبعد المختصة بأنه لا يقال بعدها إلا الأمور التي هي في غاية العظمة، أشار إلى أنه صلى الله عليه وسلم يراد به غاية القرب بالأمور البعيدة عن تناول الخلق بكونها خوارق للعادات ونواقض للمألوفات المطردات، وأما التزمل فهو وإن كان من آلات ذلك إلا أنه من الأمور العادية، فهو دون ما يراد من التهيئة لذلك الاستعداد، وبالتزمل لكونه منافياً للقيام في الصلاة: {يا أيها المزمل *} أي الذي أخفى شخصه وستر أمره وما أمرناه به - بما أشار إليه التزمل الذي مدلوله التلفف في الثوب على جميع البدن والاختفاء ولزوم مكان واحد، ولأنه يكون منطرحاً على الأرض كما "حديث : قال صلى الله عليه وسلم في قتلى أحد - زملوهم بثيابهم ودمائهم"تفسير : مع الإشارة إلى الإخفاء أيضاً بإدغام تاء التفعل، وربما أشار الإدغام إلى أن الستر بالثوب لم يعم جميع البدن، كما يأتي في المدثر على أن فيه مع ذلك إشارة إلى البشارة بالقوة على حمل أعباء ما يراد به، من قولهم: زمل الشيء - إذا رفعه وحمله، والازدمال: احتمال الشيء، وزملت الرجل على البعير وغيره - إذا حملته عليه، ومن زملت الدابة في عدوها - إذا نشطت، والزامل من حمر الوحش الذي كأنه يظلع من نشاطه، ورجل إزميل: شديد، والزاملة: بعير يستظهر به الرجل لحمل طعامه ومتاعه عليه، ويقال للرجل العالم بالأمر: هو ابن زوملتها، وقال ابن عطاء: يا أيها المخفي ما تظهره عليه من آثار الخصوصية! هذا أوان كشفه، وقال عكرمة: يا أيها الذي حمل هذا الأمر، وقال السدي: أراد يا أيها النائم، وقال غيره: كان هذا في ابتداء الوحي بالنبوة، والمدثر في ابتداء الوحي بالرسالة، ثم خوطب بعد ذلك بالنبي والرسول: {قم} أي في خدمتنا بحمل أعباء نبوتنا والازدمال بالاجتهاد في الاحتمال، واترك التزمل فإنه مناف للقيام. ولما كان الاجتهاد في الخدمة دالاًّ على غاية المحبة، وكانت النية خيراً من العمل، وكان الإنسان مجبولاً على الضعف، وكان سبحانه لطيفاً بهذه الأمة تشريفاً لإمامها صلى الله عليه وسلم، رضى منا سبحانه بصدق التوجه إلى العمل وجعل أجورنا أكثر من أعمالنا، فجعل إحياء البعض إحياء للكل، فأطلق اسم الكل وأراد البعض فقال: {الليل} أي الذي هو وقت الخلوة والخفية والستر، فصل لنا في كل ليلة من هذا الجنس وقف بين يدينا بالمناجاة والأنس بما أنزلنا عليك من كلامنا فإنا نريد إظهارك وإعلاء قدرك في البر والبحر والسر والجهر، وقيام الليل في الشرع معناه الصلاة فلذا لم يقيده، وهي جامعة لأنواع الأعمال الظاهرة والباطنة، وهي عمادها، فذكرها دال على ما عداها. ولما كان للبدن حظ في الراحة قال مستثنياً من الليل: {إلا قليلاً *} أي من كل ليلة، ونودي هذا النداءلأنه صلى الله عليه وسلم حديث : لما جاءه الوحي بغار حراء رجع إلى خديجة زوجته رضي الله تعالى عنها يرجف فؤاده فقال: "زملوني زملوني! لقد خشيت على نفسي". فسألته رضي الله عنها عن حاله، فلما قص عليها أمره - قال: "خشيت على نفسي" تفسير : يعني أن يكون هذا مبادىء شعر أو كهانة، وكل ذلك من الشياطين وأن يكون الذي ظهر له بالوحي ليس بملك، وكان صلى الله عليه وسلم يبغض الشعر والكهانة غاية البغضة، فقالت له وكانت وزيرة صدق: "كلا والله! لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم وتقري الضيف وتحمل الكل وتعين على نوائب الحق " ونحو هذا من المقال الذي يثبت، وفائدة التزمل أن الشجاع الكامل إذا دهمه أمر هو فوق قواه ففرق أمره فرجع إلى نفسه، وقصر بصره وبصيرته على حسه، اجتمعت قواه إليه فقويت جبلته الصالحة على تلك العوارض التخييلية فهزمتها فرجع إلى أمر الجبلة العلية، وزال ما عرض من العلة البدنية. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما كان ذكر إسلام الجن قد أحرز غاية انتهى مرماها وتم مقصدها ومبناها، وهي الإعلام باستجابة هؤلاء وحرمان من كان أولى بالاستجابة، وأقرب في ظاهر الأمر إلى الإنابة، بعد تقدم وعيدهم وشديد تهديدهم، صرف الكلام إلى أمره صلى الله عليه وسلم بما يلزمه من وظائف عبادته وما يلزمه في أذكاره من ليله ونهاره، مفتتحاً ذلك بأجمل مكالمة وألطف مخاطبة {يا أيها المزمل} [المزمل: 1] وكان ذلك تسلية له صلى الله عليه وسلم كما ورد {أية : فلا تذهب نفسك عليهم حسرات}تفسير : [فاطر: 8] إلى آخره، وليحصل منه الاكتراث بعناد من قدم عناده وكثرة لججه، وأتبع ذلك بما يشهد لهذا الغرض ويعضده وهو قوله تعالى{أية : فاصبر صبراً جميلاً}تفسير : [المعارج: 5]{أية : واصبر على ما يقولون واهجرهم هجراً جميلاً وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلاً}تفسير : [المزمل: 10 - 11] وهذا عين الوارد في قوله تعالى:{أية : فلا تذهب نفسك عليهم حسرات}تفسير : [فاطر: 8] وفي قوله{أية : نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار}تفسير : [ق: 45] ثم قال:{أية : إن لدينا أنكالاً}تفسير : [المزمل: 12] فذكر ما أعد لهم، وإذا تأملت هذه الآي وجدتها قاطعة بما قدمناه، وبان لك التحام ما ذكره، ثم رجع الكلام إلى التلطف به عليه الصلاة والسلام وبأصحابه - رضي الله عنهم أجمعين - وأجزل جزاءهم مع وقوع التقصير ممن يصح منه تعظيم المعبود الحق جل جلاله{أية : علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤوا ما تيسر من القرآن}تفسير : [المزمل: 20] ثم ختم السورة بالاستغفار من كل ما تقدم من عناد الجاحدين المقدم ذكرهم فيما قبل من السور إلى ما لا يفي العباد المستجيبون به مما أشار إليه قوله تعالى:{أية : علم أن لن تحصوه}تفسير : [المزمل: 20] انتهى. ولما كان الليل اسماً لما بين غروب الشمس وطلوع الفجر، وكان قيامه في غاية المشقة، حمل سبحانه من ثقل ذلك، فقال مبيناً لمراده بما حط عليه الكلام بعد الاستثناء، ومبدلاً من جملة المستثنى والمستثنى منه: {نصفه} أي الليل، فعلم أن المراد بالقليل المستثنى النصف، وسماه قليلاً بالنسبة إلى جميع الليل، وبالنسبة إلى النصف الذي وقع إحياؤه، لأن ما يلي بالعمل أكثر مما لا عمل فيه، ويجوز أن يكون "نصفه" بدلاً من الليل، فيكون كأنه قيل: قم نصف الليل إلا قليلاً وهو السدس أو انقص منه إلى الربع، وجاءت العبارة هكذا لتفيد أن من قام ثلث الليل بل ربعه فما فوقه كان محيياً لليل كله. ولما كانت الهمم مختلفة بالنسبة إلى الأشخاص وبالنسبة إلى الأوقات قال: {أو انقص منه} أي هذا النصف الذي أمرت بقيامه، أو من النصف المستثنى منه القليل على الوجه الثاني وهو الثلث {قليلاً *} فلا تقمه حتى لو أحييت ثلث الليل على الوجه الأول أو ربعه على الوجه الثاني كنت محيياً له كله في فضل الله بالتضعيف {أو زد عليه} أي على النصف قليلاً كالسدس مثلاً، فيكون الذي تقومه الثلثين مثلاً، وعلى كل تقدير من هذه التقادير يصادف القيام - وهو لا يكون إلا بعد النوم: الوقت الذي يباركه الله بالتجلي فيه فإنه صح أنه ينزل سبحانه عن أن يشبه ذاته شيئاً أو نزوله نزول غيره بل هو كناية عن فتح باب السماء الذي هو كناية عن وقت استجابة الدعاء - حين يبقى ثلث الليل - وفي رواية: حين يبقى شطر الليل الآخر - إلى سماء الدنيا فيقول: هل من سائل فأعطيه، هل من تائب فأتوب عليه، هل من كذا هل من كذا حتى يطلع الفجر. وكان هذا القيام في أول الإسلام فرضاً عليهم على التخيير بين هذه المقادير الثلاثة فكانوا يشقون على أنفسهم، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم حتى يصبح مخافة أن لا يحفظ القدر الواجب، وكذا بعض أصحابه رضي الله تعالى عنهم واشتد ذلك عليهم حتى انتفخت أقدامهم، وكان هذا قبل فريضة الخمس، فنزل آخرها بالتخفيف بعد سنة{أية : علم أن لن تحصوه}تفسير : [المزمل: 20] الآيات، فصار قيام الليل تطوعاً بعد فريضة. ولما أمر بالقيام وقدر وقته وعينه، أمر بهيئة التلاوة على وجه عام للنهار معلم بأن القيام بالصلاة التي روحها القرآن فقال: {ورتل القرآن} أي اقرأه على تؤدة وبين حروفه بحيث يتمكن السامع من عدها وحتى يكون المتلو شبيهاً بالثغر المرتل وهو المفلج المشبه بنور الأقحوان، فإن ذلك موجب لتدبره فتكشف له مهماته وينجلي عليه أسراره وخفياته، قال ابن مسعود رضي الله عنه: ولا تنثروه نثر الدقل ولا تهذوه هذ الشعر، ولكن قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب ولا يكن هم أحدكم آخر السورة. روى الترمذي عن عائشة رضي الله عنها: "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قام حتى أصبح بآية، والآية {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} تفسير : [المائدة: 118] ولما أعلم سبحانه بالترتيل أعلم بشرفه بالتأكيد بالمصدر فقال: {ترتيلاً *}. ولما كان المراد منه صلى الله عليه وسلم الثبات للنبوة ومن أمته الثبات في الاقتداء به في العمل والأمر والنهي، وكان ذلك في غاية الصعوبة، وكان الإنسان عاجزاً إلا بإعانة مولاه، وكان العون النافع إنما يكون لمن صفت نفسه عن الأكدار وأشرقت بالأنوار، وكان ذلك إنما يكون بالاجتهاد في خدمته سبحانه، علل هذا الأمر بقوله مبيناً للقرآن الذي أمر بقراءته ما هو وما وصفه، معلماً أن التهجد يعد للنفس من القوى ما به يعالج المشقات، مؤكداً لأن الإتيان بما هو خارج عن جميع أشكال الكلام لا يكاد يصدق: {إنا} أي بما لنا من العظمة {سنلقي} أي قريباً بوعد لا خلف فيه فتهيأ لذلك بما يحق له. ولما كان المقام لبيان الصعوبة، عبر بأداة الاستعلاء فقال: {عليك} وأشار إلى اليسر مع ذلك إشارة إلى {أية : ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر}تفسير : [القمر: 17] بالتعبير بما تدور مادته على اليسر والخفة فقال: {قولاً} يعني القرآن {ثقيلاً *} أي لما فيه من التكاليف الشاقة من جهة حملها وتحميلها للمدعوين لأنها تضاد الطبع وتخالف النفس، ومن جهة رزانة لفظه لامتلائه بالمعاني مع جلالة معناه وتصاعده في خفاء فلا يفهمه المتأمل ويستخرج ما فيه من الجواهر إلا بمزيد فكر وتصفية سر وتجريد نظر، فهو ثقيل على الموافق من جميع هذه الوجوه وغيرها، وعلى المخالف من جهة أنه لا يقدر على رده ولا يتمكن من طعن فيه بوجه مع أنه ثقيل في الميزان وعند تلقيه وله وزن وخطر وقدر عظيم، روي في الصحيح:"حديث : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه الوحي يفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقاً في اليوم الشاتي الشديد البرد" وكان صلى الله عليه وسلم - إذا أنزل عليه الوحي وهو راكب على ناقته وضعت جرانها فلا تكاد تتحرك حتى يسري عنه" تفسير : قال القشيري: وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن سورة الأنعام نزلت عليه جملة واحدة وهو راكب فبركت ناقته من ثقل القرآن وهيبته، وهو مع ثقله على الأركان خفيف على اللسان سهل التلاوة والحفظ على الإنسان.

السيوطي

تفسير : أخرج البزار والطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الدلائل عن جابر قال‏:‏ اجتمعت قريش في دار الندوة فقالوا‏:‏ سموا هذا الرجل اسماً تصدر الناس عنه، فقالوا‏:‏ كاهن، قالوا‏:‏ ليس بكاهن، قالوا‏:‏ مجنون‏.‏ قالوا‏:‏ ليس بمجنون‏.‏ قالوا‏:‏ يفرق بين الحبيب وحبيبه، فتفرق المشركون على ذلك، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فتزمل في ثيابه وتدثر فيها، فأتاه جبريل فقال‏:‏ ‏ {‏يا أيها المزمل‏} ‏ ‏{‏يا أيها المدثر‏}.‏ وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة والبيهقي في سننه عن سعد بن هشام قال‏:‏ قلت لعائشة‏:‏ أنبئيني عن قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ قالت‏:‏ ألست تقرأ هذه السورة ‏ {‏يا أيها المزمل‏} ‏ قلت‏:‏ بلى قالت‏:‏ فإن الله قد افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولاً حتى انتفخت أقدامهم وأمسك الله خاتمتها في السماء اثني عشر شهراً، ثم أنزل الله التخفيف في آخر هذه السورة، فصار قيام الليل تطوعاً من بعد فريضة‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عائشة قالت‏:‏ نزل القرآن ‏{‏يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا‏ً} ‏ حتى كان الرجل يربط الحبل ويتعلق فمكثوا بذلك ثمانية أشهر فرأى الله ما يبتغون من رضوانه فرحمهم وردهم إلى الفريضة وترك قيام الليل‏. وأخرج محمد بن نصر في كتاب الصلاة والحاكم وصححه عن جبير بن نفير قال‏:‏ سألت عائشة عن قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل فقالت‏:‏ ألست تقرأ ‏ {‏يا أيها المزمل‏}‏ قلت‏:‏ بلى‏.‏ قالت‏:‏ هو قيامه‏.‏ وأخرج عبدالله بن أحمد في زوائد الزهد ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة عن عائشة قالت‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم قلما ينام من الليل لما قال الله له‏:‏ {‏قم الليل إلا قليلا‏ً}‏ ‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم ومحمد بن نصر والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال‏:‏ لما نزلت أول المزمل كانوا يقومون نحواً من قيامهم في شهر رمضان حتى نزل آخرها، وكان بين أولها وآخرها نحو من سنة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن نصر عن أبي عبد الرحمن السلمي قال‏:‏ نزلت ‏ {‏يا أيها المزمل‏} ‏ قاموا حولاً حتى ورمت أقدامهم وسوقهم حتى نزلت {‏فاقرءُوا ما تيسر منه‏}‏ فاستراح الناس‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال‏:‏ لما نزلت ‏ {‏يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا‏ً} ‏ مكث النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الحال عشر سنين يقوم الليل كما أمره الله، وكانت طائفة من أصحابه يقومون معه، فأنزل الله بعد عشر سنين ‏{‏إن ربك يعلم أنك تقوم‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏فأقيموا الصلاة‏} ‏ فخفف الله عنهم بعد عشر سنين‏.‏ وأخرج أبو داود في ناسخه ومحمد بن نصر وابن مردويه والبيهقي في السنن من طريق عكرمة عن ابن عباس قال في المزمل‏:‏ ‏{‏قم الليل إلا قليلاً نصفه‏}‏ الآية التي فيها ‏{‏علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرأوا ما تيسر منه‏} ‏ وناشئة الليل أوله. كانت صلاتهم أول الليل يقول‏:‏ هو أجدر أن تحصوا ما فرض الله عليكم من قيام الليل، وذلك أن الإِنسان إذا نام لم يدر متى يستيقظ وقوله‏:‏ ‏ {و‏أقوم قيلا‏ً} ‏ يقول‏:‏ هو أجدر أن تفقه قراءة القرآن وقوله‏:‏ ‏{‏إن لك في النهار سبحاً طويلا‏ً} ‏ يقول‏:‏ فراغاً طويلا‏ً. وأخرج ابن أبي حاتم عن إبراهيم النخعي في قوله‏:‏ ‏{‏يا أيها المزمل‏}‏ قال‏:‏ نزلت وهو في قطيفة‏.‏ وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏يا أيها المزمل‏}‏ قال‏:‏ زملت هذا الأمر فقم به‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن نصر عن عكرمة في قوله‏:‏ ‏ {‏يا أيها المزمل‏}‏ قال‏:‏ زملت هذا الأمر فقم به وفي قوله‏:‏ ‏ {‏يا أيها المدثر‏}‏ قال‏:‏ دثرت هذا الأمر فقم به‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏يا أيها المزمل‏}‏ قال‏:‏ النبي صلى الله عليه وسلم يتدثر بالثياب‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن نصر عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏يا أيها المزمل‏} ‏ قال‏:‏ هو الذي تزمل بثيابه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير في قوله‏:‏ ‏ {‏يا أيها المزمل‏} ‏ قال‏:‏ النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج الفريابي عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏ورتل القرآن ترتيلاً‏}‏ قال‏:‏ يقرأ آيتين ثلاثة ثم يقطع لا يهذرم‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن منيع في مسنده ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏ورتل القرآن ترتيلا‏ً} ‏ قال‏:‏ بينه تبيينا‏ً. وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏يقال لصاحب القرآن يوم القيامة اقرأ وأرق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الديلمي بسند واه عن ابن عباس مرفوعاً إذا قرأت القرآن فرتله ترتيلاً وبينه تبييناً، لا تنثره نثر الدقل ولا تهذه هذا الشعر، قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب، ولا يكونن هم أحدكم آخر السورة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن نصر والبيهقي في سننه عن إبراهيم قال‏:‏ قرأ علقمة على عبدالله فقال‏:‏ رتله فإنه يزين القرآن‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏ورتل القرآن ترتيلا‏ً} ‏ قال‏:‏ ترسل فيه ترسيلا‏ً.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن نصر وابن المنذر عن قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏ورتل القرآن ترتيلاً‏} ‏ قال‏:‏ بلغنا أن عامة قراءة النبي صلى الله عليه وسلم كانت المد‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏ورتل القرآن ترتيلا‏ً} ‏ قال‏:‏ بينه تبييناً‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في قوله‏:‏ ‏{‏ورتل القرآن ترتيلا‏ً}‏ قال‏:‏ اقرأه قراءة بينة‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن نصر والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏ورتل القرآن ترتيلاً‏} ‏ قال‏:‏ بعضه على أثر بعض‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير في قوله‏:‏ ‏ {‏ورتل القرآن ترتيلا‏ً}‏ قال‏:‏ فسره تفسيرا‏ً.‏ وأخرج العسكري في المواعظ عن علي‏:‏ ‏"‏حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن قول الله‏:‏ ‏{‏ورتل القرآن ترتيلاً‏} ‏ قال‏:‏ ‏بينه تبييناً ولا تنثره نثر الدقل ولا تهذه هذا الشعر، قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي مليكة عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أنها سئلت عن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم فقالت‏:‏ إنكم لا تستطيعونها، فقيل لها‏:‏ أخبرينا بها، فقرأت قراءة ترسلت فيها‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن طاوس قال‏:‏ ‏"‏حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أي الناس أحسن قراءة‏؟‏ قال‏:‏ الذي إذا سمعته يقرأ رأيت أنه يخشى الله ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال‏:‏ مر رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على رجل يقرأ آية ويبكي ويرددها فقال‏:‏ ألم تسمعوا إلى قول الله‏:‏ ‏ {‏ورتل القرآن ترتيلاً‏} ‏ هذا الترتيل‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن الضريس عن أبي هريرة أو أبي سعيد قال‏:‏ يقال لصاحب القرآن يوم القيامة اقرأ وأرق فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن الضريس عن مجاهد قال‏:‏ القرآن يشفع لصاحبه يوم القيامة يقول‏:‏ يا رب جعلتني في جوفه فأسهرت ليله، ومنعته من كثير من شهواته، ولكل عامل من عمله عماله، فيقال له‏:‏ أبسط يدك فيملأ من رضوان، فلا يسخط عليه بعده، ثم يقال له‏:‏ اقرأ وأرقه، فيرفع بكل آية درجة ويزاد بكل آية حسنة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك بن قيس قال‏:‏ يا أيها الناس علموا أولادكم وأهاليكم القرآن فإنه من كتب له من مسلم يدخله الله الجنة أتاه ملكان فاكتنفاه فقالا له‏:‏ اقرأ وارتق في درج الجنة حتى ينزلا به حيث انتهى علمه من القرآن‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن الضريس عن بريدة قال‏:‏ سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏إن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرجل الشاحب، فيقول له‏:‏ هل تعرفني‏؟‏ فيقول‏:‏ ما أعرفك، فيقول‏:‏ أنا صاحبك القرآن الذي أظمأتك في الهواجر، وأسهرت ليلك، وإن كل تاجر من وراء تجارته، وإنك اليوم من وراء كل تجارة‏.‏ قال‏:‏ فيعطى الملك بيمينه والخلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويكسي والده حلتين لا يقوم لهما أهل الدنيا، فيقولان‏:‏ بم كسينا هذا؟ فيقال لهما‏:‏ بأخذ ولدكما القرآن‏.‏ ثم يقال له‏:‏ اقرأ واصعد درج الجنة وعرفها، فهو في صعود ما دام يقرأ هذا كان أو ترتيلاً‏ . تفسير : أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن نصر عن قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلا‏ً} ‏ قال‏:‏ يثقل من الله فرائضه وحدوده‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن نصر عن الحسن في قوله‏:‏ ‏{‏قولاً ثقيلا‏ً} ‏ قال‏:‏ العمل به‏.‏ وأخرج ابن نصر وابن المنذر عن الحسن في قوله‏:‏ ‏ {‏قولاً ثقيلا‏ً}‏ قال‏:‏ ثقيل في الميزان يوم القيامة‏.‏ وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن جرير وابن نصر والحاكم وصححه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوحى إليه، وهو على ناقته، وضعت جرانها فما تستطيع أن تتحوّل حتى يسري عنه، وتلت ‏ {‏إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً‏}‏ ‏.‏ وأخرج أحمد ‏ ‏‏حديث : عن عبدالله بن عمرو قال‏:‏ سألت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت‏:‏ يا رسول الله هل تحس بالوحي‏؟‏ فقال‏: "أسمع صلاصل ثم أسكت عند ذلك فما من مرة يوحى إليّ إلا ظننت أن نفسي تقبض ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوحي إليه لم يستطع أحد منا أن يرفع إليه طرفه حتى ينقضي الوحي‏.‏ أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن نصر وابن المنذر والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏إن ناشئة الليل‏} ‏ قال‏:‏ قيام الليل بلسان الحبشة إذا قام الرجل قالوا‏:‏ نشأ‏.‏ وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن أبي مليكة قال‏:‏ سألت ابن عباس وابن الزبير عن ناشئة الليل قالا‏:‏ قيام الليل‏.‏ وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال‏:‏ ناشئة الليل أوّله‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن الضريس عن ابن عباس قال‏:‏ الليل كله ناشئة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن مسعود في قوله‏:‏ ‏ {‏إن ناشئة الليل‏}‏ قال‏:‏ هي بالحبشية قيام الليل‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك ‏ {‏إن ناشئة الليل‏} ‏ قال‏:‏ قيام الليل بلسان الحبشة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن نصر عن أبي ميسرة قال‏:‏ هو بلسان الحبشة نشأ أي‏:‏ قام‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن نصر عن أبي مليكة قال‏:‏ سئل ابن عباس عن قوله‏:‏ ‏{‏ناشئة الليل‏}‏ قال‏:‏ أي الليل قمت فقد أنشأت‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ‏ {‏إن ناشئة الليل‏} ‏ قال‏:‏ كل شيء بعد العشاء الآخرة ناشئة‏. وأخرج عبد بن حميد وابن نصر والبيهقي في سننه عن الحسن قال‏:‏ كل صلاة بعد العشاء الآخرة فهو ناشئة الليل‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن نصر عن أبي مجلز ‏ {‏إن ناشئة الليل‏}‏ قال‏:‏ ما كان بعد العشاء الآخرة إلى الصبح فهو ناشئة‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن نصر عن مجاهد ‏ {‏إن ناشئة الليل‏} ‏ قال‏:‏ أي ساعة تهجدت فيها فتهجد من الليل‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن نصر والبيهقي في سننه عن أنس بن مالك في قوله‏:‏ ‏ {‏إن ناشئة الليل‏} ‏ قال‏:‏ ما بين المغرب والعشاء‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير مثله‏.‏ وأخرج ابن نصر والبيهقي عن عليّ بن حسين قال‏:‏ ‏{‏ناشئة الليل‏} ‏ قيام ما بين المغرب والعشاء‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن حسين بن عليّ أنه رؤي يصلي فيما بين المغرب والعشاء فقيل له‏:‏ في ذلك فقال‏:‏ إنها من الناشئة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ‏{‏ناشئة الليل‏} ‏ مهموزة الياء هي ‏ {‏أشد وطأ‏}‏ بنصب الواو وجزم الطاء يعني المواطاة‏.‏ وأخرج أبو يعلى وابن جرير ومحمد بن نصر وابن الأنباري في المصاحف عن أنس بن مالك أنه قرأ هذه الآية ‏"‏إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأصوب قيلاً‏"‏ فقال له رجل‏:‏ انا نقرؤها ‏ {‏وأقوم قيلا‏ً}‏ فقال‏:‏ إن أصوب وأقوم وأهيأ وأشباه هذا واحد‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن نصر وابن المنذر عن مجاهد ‏{‏هي أشد وطأ‏}‏ قال‏:‏ أشد مواطاة لك في القول ‏{‏وأقوم قيلاً‏} ‏ قال‏:‏ افرغ لقلبك‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن مجاهد ‏ {‏أشد وطأ‏}‏ قال‏:‏ أن توطىء سمعك وبصرك وقلبك بعضه بعضاً ‏ {‏وأقوم قيلاً‏} ‏ قال‏:‏ أثبت للقراءة‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن نصر عن قتادة ‏{‏أشد وطأ‏} ‏ قال‏:‏ أثبت في الخير ‏ {‏وأقوم قيلا‏ً}‏ قال أجرأ على القراءة‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏وأقوم قيلا‏ً} ‏ قال‏:‏ أدنى من أن يفقه القرآن، وفي قوله‏:‏ ‏{‏إن لك في النهار سبحاً طويلاً‏}‏ قال‏:‏ فراغاً، وفي قوله‏:‏ ‏{‏تبتل إليه تبتيلا‏ً} ‏ قال‏:‏ أخلص لله إخلاصا‏ً. وأخرج عبد بن حميد وابن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم في الكني عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏إن لك في النهار سبحاً طويلاً‏}‏ قال‏:‏ السبح الفراغ للحاجة والنوم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن نصر عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏سبحاً طويلاً‏} ‏ قال‏:‏ فراغا‏ً. وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك والربيع مثله‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن نصر وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ‏{‏سبحاً طويلاً‏} ‏ قال‏:‏ فراغاً طويلاً ‏{‏وتبتل إليه تبتيلاً‏}‏ قال‏:‏ أخلص له الدعوة والعبادة‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد ‏ {‏وتبتل إليه تبتيلا‏ً} ‏ قال‏:‏ أخلص له المسألة والدعاء إخلاصا‏ً.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ‏ {‏وتبتل إليه تبتيلا‏ً} قال‏:‏ أخلص له إخلاصا‏ً.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ‏{‏رب المشرق والمغرب‏}‏ بخفض رب‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ‏ {‏رب المشرق والمغرب‏} ‏ قال‏:‏ وجه الليل ووجه النهار‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله‏:‏ ‏{‏واهجرهم هجراً جميلاً‏} ‏ قال‏:‏ اصفح ‏ {‏وقل سلام‏} ‏ قال‏:‏ هذا قبل السيف والله أعلم‏.‏

ابو السعود

تفسير : مكية وآيُها تسع عشرة أو عشرون {يَـٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمّلُ} أي المُتزمِّلُ، مِنْ تَزمَّلَ بثيابِه إذَا تلفّف بهَا فأُدْغمَ التاءُ في الزَّاي وقَدْ قُرِىءَ عَلى الأصلِ وقُرِىءَ المُزَمِّلُ من زمَّلَة مبنياً للمفعولِ ومبنياً للفاعلِ. وقيلَ: خُوطِبَ به النبـيُّ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تهجيناً لما كانَ عليهِ من الحالةِ، حيثُ كانَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ متلففاً بقطيفةٍ مُستعداً للنومِ كما يفعلهُ مَنْ لا يَهمُّهُ أمرٌ ولا يعنيهِ شأنٌ فأُمرَ بأنْ يتركَ التزملَ إلى التشمر للعبادةِ والهجودِ إلى التهجدِ، وقيلَ: دخلَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ على خديجةَ وقد جَئِثَ فرقاً أولَ ما أتاهُ جبريلُ عليهما السَّلامُ وبوادُره ترعدُ فقالَ زَمِّلوني زَمِّلونِي فحسبَ أنَّه عرضَ له فبـينَا هو على ذلك إذْ نادَاهُ جبريلُ فقال: يا أيُّها المزمِّلُ فيكونُ تخصيصُ وصفِ التزمُّلِ بالخطابِ للملاطفةِ والتأنيس، كا في قولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لعليَ رضيَ الله عنه حينَ غاضبَ فاطمةَ رضيَ الله عنها فأتاهُ وهو نائمٌ وقد لصقَ بجنبهِ الترابُ قُمْ يا أبا تُرابٍ ملاطفةً له وإشعاراً بأنَّه غيرُ عاتبٍ عليه، وقيلَ المعْنى: يا أيُّها الذي زُمِّلَ أمْراً عظيماً هُو أمرُ النبوةِ أي حملَه والزملُ الحملُ وازدملَهُ أي احتملَهُ، فالتعرضُ للوصفِ حينئذٍ للإشعارِ بعلِّيتهِ للقيامِ، أو للأمرِ به فإنَّ تحميلَهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لأعباءِ النبوةِ مما يوجبُ الاجتهادَ في العبادةِ {قُمِ ٱلَّيْلَ} أيْ قُمْ إلى الصلاِة. وانتصابُ الليلِ على الظرفيةِ وقيل: القيامُ مستعارٌ للصلاةِ ومَعْنى قُمْ صَلِّ. وقُرِىءَ بضمِّ الميمِ وبفتحِها. {إِلاَّ قَلِيلاً} استثناءٌ من الليلِ. وقولُه تعالى: {نّصْفَهُ} بدلٌ من الليلِ الباقي بعدَ الثُّنْيا بدلَ الكُلِّ أيْ قُمْ نصفَهُ، والتعبـيرُ عن النصفِ المُخرَجِ بالقليل لإظهارِ كمالِ الاعتدادِ بشأنِ الجزءِ المُقَارِنِ للقيامِ والإيذانِ بفضلِه وكونِ القيامِ فيهِ بمنزلةِ القيامِ في أكثرِه في كثرةِ الثوابِ، واعتبارُ قلتهِ بالنسبةِ إلى الكلِّ مع عرائِه عن الفائدةِ خلافُ الظَّاهرِ {أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ} أي أنقُص القيامَ من النصفِ المقارنِ له في الصُّورة الأولى {قَلِيلاً} أي نقصاً قليلاً أو مقداراً قليلاً بحيثُ لا ينحطُّ إلى نصف النصفِ.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ}[1] قال: المزمل الذي تزمل في الثياب وضمها عليه، وهو في الباطن اسم له معناه: يا أيها الجامع نفسه ونفس الله عنده.

السلمي

تفسير : قال ابن عطاء: يا أيها المخفى ما يظهر عليك من آثار الخصوصية آن أوان كشفه فأظهره فقد أيّدناك ممن يتبعك ويوافقك ولا يخذلك ولا يخالفك وهو أبو بكر رضى الله عنه وعلى بن أبى طالب رضى الله عنه.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً}. أي: المتزمل المتلفِّف في ثيابِه. وفي الخبر: "حديث : أنه كان عند نزول هذه الآية عليه مِرْطُ من شَعْرٍ وَبَرٍ، وقالت عائشة رضي الله عنها: كان نصفُه عليَّ وأنا نائمة، ونصفه على رسول الله وهو يُصَلِّي، وطولُ المِرْطِ أربعةُ عشر ذراعاً ". تفسير : {نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ ٱلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً}. {قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً} نصفَه بَدَلٌ منه؛ أي: قم نصف الليل، وأَنْقِصْ من النصف إلى الثلث أو زِدْ على الثلث، فكان عليه الصلاة والسلام في وجوب قيام الليل مُخَيَّراً ما بين ثلث الليل إلى النصف وما بين النصف إلى الثلث. وكان ذلك قبل فَرْضِ الصلوات الخمس، ثم نُسِخَ بعد وجوبها على الأمة - وإن كانت بقيت واجبة على الرسول صلى الله عليه سلم. ويقال: يا أيها المتزمل بأعباء النبوَّة.. {قُمِ ٱلَّيلَ}. ويقال: يا أيها الذي يُخْفِي ما خصصناه به قُمْ فأنذِرْ.. فإنّا نصرناك. ويقالك قُمْ بنا.. يا مَنْ جعلنا الليل ليسكن فيه كلُّ الناس.. قُمْ أنت. فليسكنْ الكلُّ.. ولْتَقُمْ أنت. ويقال: لمَّا فَرَضَ عليه القيام بالليل أخبر عن نَفْسِه لأجل أُمَّته وإكراماً لشأنه وقدرة. وفي الخبر: "حديث : أنه ينزل كلَّ ليلة إلى السماء الدنيا..." تفسير : ولا يُدْرَى التأويل للخبر، أو أنَّ التأويل معلوم.. وإلى أن ينتهي إلى التأويل فللأحبابِ راحاتٌ كثيرة، ووجوهٌ من الإحسان موفورة. قوله جلّ ذكره: {وَرَتِّلِ ٱلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً}. ارْتَعْ بِسِرِّك في فَهْمِه، وَتأَنَّ بلسانِك في قراءته.

البقلي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ قُمِ ٱلْلَّيْلَ} ان الله سبحانه اشتاق الى مناجاة حبيبه صلى الله عليه وسلم فناداه ان يقوم فى اجواف الليالى بحسن الاقبال ونعت الاستقامة فى مشاهدته فانه المقام المحمود الذى خصه الله به دون غيره وهذا كقوله فتهجد به نافلة لك عسى ان يبعثك ربك مقاما محمودا وتميته بالمزمل لانه مخفى عن عيون اهل الحدثان لا يطلع على ما خصه الله به من لطفيات قربه وغرائبات دانوه احد من العرش الى الثرى اى قم عن مكمن الغيب واظهر شرائفات اصطفائيتك برفعك اعلاما نبوتك ورايت رسالتك فانك مؤيد منصور كان متزملا بكساء لا طلاعة بامتناع احدية الازل بان لا يدركها هل الحدثان فمن هموم فقدانها دخل تحت كساء الحياء والاجلال من ظهور عظمة الحق له وهو فى منزل بين رجاء الوجدان وخوف الفقدان قال ابن عطا ايها المخفى ما يظهره عليك من أثار الخصوصية ان اوان كشفه فاظهره فقد ايدناك ممن يتبعك ولا يخذلك ولا يخالفكم وهو ابو بكر الصديق وعلى بن ابي طالب وقال القاسم يا ايها المزمل بالنبوة ويا ايها المدثر بالرسالة.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا ايها المزمل} اى المتزمل من تزمل بثيابه اذا تلفف بها وتغطى فأدغم التاء فى الزاى فقيل المزمل بتشديدين كان عليه السلام نائما بالليل متزملا فى قطفية اى دثار مخمل فأمر أن يترك التزمل الى التشمر للعبادة ويختار التهجد على الهجود وقال ابن عباس رضى الله عنهما اول ما جاءه جبريل خافه فظن ان به مسا من الجن فرجع من جبل حرآء الى بيت خديجة مرتعدا وقال زملونى فبينما هو كذلك اذ جاء جبريل وناداه وقال يا ايها المزمل وعن عكرمة ان المعنى يا أيها الذى زمل امرا عظيما اى حمله والزمل الحمل وازدمله احتمله قال السهيلى رحمه الله ليس المزمل من اسمائه عليه السلام التى يعرف بها كما ذهب اليه بعض الناس وعده فى اسمائه وانما المزمل مشتق من حالته التى كان عليها حين الخطاب وكذا المدثر وفى خطابه بهذا الاسم فائدتان احداهما الملاطفة فان العرب اذا قصدت ملاطفة المخاطب وترك الماتبة سموه باسم مشتق من حالته التى هى عليها كقول النبى عليه السلام لعلى رضى الله عنه حين غاضب فاطمة رضى الله عنها اى اغضبها واغضبته فأتاه وهو نائم قد لصق بجنبه التراب فقال له حديث : قم يا أبا ترابتفسير : اشعارا بأنه غير عاتب عليه وملاطفة له وكذلك قوله عليه السلام لحذيفة رضى الله عنه حديث : قم يا نومان تفسير : وكان نائما ملاطفة واشعارا بترك العتب والتأديب فقول الله تعالى لمحمد عليه السلام يا ايها المزمل تأنيس وملاطفة ليشعر انه غير عاتب عليه والفائدة الثانية التنبيه لكل متزمل راقد ليله لينتبه الى قيام الليل وذكر الله فيه لان الاسم المشتق من الفعل يشترك فيه مع المخاطب كل من عمل بذلك العمل واتصف بتلك الصفة انتهى وفى فتح الرحمن الخطاب الخاص بالنبى عليه السلام كأيها المزمل ونحوه عام للامة الا بدليل يخصه وهذا قول احمد والحنفية والمالكية وقال اكثر الشافعية لا يعمهم الا بدليل وخطابه عليه السلام لواحد من الامة هل يعم غيره قال الشافعى والحنفية والاكثر لا يعم وقال أبو الخطاب من ائمة الحنابلة ان وقع جوابا عم والا فلا.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: { يا أيها المزَّمِّلُ} أي: المتزمّل، وهو الذي تزمّل في ثيابه، أي: التفّ بها، بإدغام التاء في الزاي. قال السهيلي: المزمّل: اسم مشتق من الحال التي كان عليها صلى الله عليه وسلم حين الخطاب، وكذلك المُدَّثِر. وفي خطابه بهذا الاسم فائدتان: إحداهما الملاطفة؛ فإنّ العرب إذا قصدت ملاطفةَ المخاطَب، وتَرْكَ عتابه، سَمَّوه باسم مشتق من حالته، كقوله صلى الله عليه وسلم لعليّ حين غاضب فاطمة: "حديث : قم أبا تراب " تفسير : إشعاراً له أنه غير عاتب عليه، وملاطفةَ له. والفائدة الثانية: التنبيه لكل متزمّل، راقد ليله، لينتبه إلى قيام الليل وذكرِ الله فيه؛ لأنّ الاسم المشتق من الفعل يشترك فيه المخاطَب، وكل مَن عمل بذلك العمل، واتصف بتلك الصفة. هـ. وكان صلى الله عليه وسلم ذات ليلة متزمِّلاً في ثيابه نائماً، فنزل جبريل يأمره بقيام الليل بقوله: {قَمْ الليلَ} أي: قُم للصلاة بالليل، فـ"الليل" نصب على الظرفية، و {إلاَّ قليلاً}: استثناء من الليل، و {نِصْفَه}: بدل من "الليل" الباقي بعد الثنيا، بدل الكل، أي: قُم نصفه، أو: مِن "قليلاً"، والتعبير عن النصف المخرج بالقليل لإظهار كمال الاعتداد بشأن الجزاء المقارن للقيام، والإيذان بفضله، وكون القيام فيه بمنزلة القيام في أكثره في كثرة الثواب. {أو انقُصْ منه}؛ من النصف نقصاً {قليلاً} إلى الثلث، {أو زِدْ عليه}، على النصف إلى الثلثين، فالمعنى: تخييره صلى الله عليه وسلم بين أن يقوم نصفَه أو أقلّ منه أو أكثر. وقيل: "نصفه" بدل من "الليل"، و"إلاّ قليلاً" مستثنى من النصف، فالضمير في "منه" و"عليه" للنصف، والمعنى: التخيير بين أمرين، بين أن يقوم أقل من نصف على البت، وبين أن يختار أحد الأمرين، وهما النقصان من النصف، والزيادة عليه، والذي يليق بجزالة التنزيل هو الأول. أنظر أبا السعود. والجمهور: أن الأمر هنا للندب، وقيل: كان فرضاً وقت نزول الآية، وقيل: كان فرضاً على النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، وبقي كذلك حتى تُوفي. {وَرَتِّلِ القرآن} في أثناء قيامك بالليل، أي: اقرأه على تُؤدة وتبيين حروفٍ ترتيلاً بليغاً بحيث يتمكن السامع مِن عَدٍّها، من قولهم: ثغر رَتَل: إذا كان مفلّجاّ. وترتيلُ القرأن واجب، فمَن لم يرتِّله فهو آثم إذا أخلَّ بشيء من أداء التجويد، كترك الإشباع أو غيره. والمقصود من الترتيل: تدبُّر المعاني، وإجالة الفكر في أسرار القرآن. قال في الإحياء: واعلم أنّ الترتيل أشد تأثيراً في القلب من الهذرمة والاستعجال، والمقصود من القرآن: التفكُّر، والترتيلُ مُعين عليه. وسيأتي في الإشارة تمامه إن شاء الله. {إِنَّا سنُلْقِي} أي: سنُنزل {عليك قولاً ثقيلاً} وهو القرآن العظيم، المنطوي على تكاليف شاقة ثقيلة على المكلّفين، أو: ثقيلاً على المنافقين، أو: ثقيلاً لرزانة لفظه، ومتانة معناه، أو: ثقيلاً على المتأمِّل؛ لافتقاره إلى مزيد تأمُّل وتفرُّغ للسر، وتجريدٍ للنظر، أو ثقيلاً في الميزان، أو ثقيلاً تلقيه من جبريل، فقد كان عليه السلام ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البردِ، فَيَفْصِم عنه، وإنّ جبينه لَيتَفَصَّدُ عَرَقاً. {إِن ناشئةَ الليلِ} أي: قيام الليل، مصدر من "نشأ" إذا قام ونهض، على وزن فاعلة، كالعافية العاقبة، أو: إنَّ النفس التي تنشأ مِن مضجعها إلى العبادة، أي: تنهض، أو: إن العبادة التي تنشأ بالليل، أي: تحدث، أو: ساعات الليل؛ لأنها تنشأ ساعة فساعة، وكان زين العابدين يُصلّي بين العشاءين ويقول: هذه ناشئة الليل. قلت: وهذا وقت كان السلف يحرصون على عمارته بأنواع العبادات؛ لأنه يمحوا ظلمة النهار التي تُكتسب من شغل الدنيا. {هي أشَدُّ وَطْأً} أي: موافقة للقلب. وقرأ البصري والشامي (وِطاء) أي: وِفاقاً، أي: يوافق فيها القلبُ اللسانَ، وعن الحسن: أشدّ موافقة بين السر والعلانية؛ لانقطاع رؤية الخلائق وغيرها، أو: أشدّ ثباتَ قَدَم وكلفة، أي: أثقل على المصلي من صلاة النهار؛ لطرد النوم في وقته، من قوله عليه السلام: " حديث : اللهم اشْدُدْ وطْأَتَك على مُضَرَ " تفسير : {وأقْوَمُ قِيلاً} أي: أصْوب مقالاً، وبه قرأ أنس، فقيل له: إنما هو أقوم فقال: أقوم وأصوب واحد، وإنما كانت قراءة الليل أصوب قولاً؛ لقلة خطأ اللسان فيها؛ لتفرُّغه من ثقل الطعام، وقيل: المعنى: أثبت قراءةً؛ لحضور القلب؛ لهدوّ الأصوات، وانقطاع الحركات. {إِنّ لك في النهار سَبْحاً طويلاً} أي: تصرُّفاً وتقلُّباً في مهمّاتك, واشتغالاً بتعليم أمتك، فتفرّغ بالليل لعبادة ربك. {واذكر أسْمَ ربك} أي: دُم على ذكره في الليل والنهار، على أي وجهٍ، من تسبيح وتهليل وتكبير، وقراءة قرآن، وتدريس علم. {وتبتلْ إِليه} أي: انقطع إلى عبادته عن كل شيءٍ، بمجامع الهمة، واستغراق العزيمة. والتبتُّل: الانقطاع إلى الله تعالى بتأميل الخير منه دون غيره، وقيل: رفض الدنيا وما فيها، والتماس ما عند الله. وأكّده بقوله: {تبتيلا} زيادةً في التحريض، مع ما فيه من رعاية الفواصل. {ربُّ المشرقِ والمعربِ} أي: هو رب، أو: مبتدأ خبره: {لا إِله إلاّ هو}، ومَن قرأه بالجر فبدل من "ربك"، وقيل: على إضمار القسم، وجوابه: لا إله إلاّ هو، أي: وربِّ المشرق لا إله إلا هو، كقولك: والله لا أحد في الدار. {فاتَّخِذْه وَكِيلا} أي: وليًّا وكفيلاً بما وعدك من النصر والعز. والفاء لترتيب ما قبله، أي: إذا علمت أنه ملك المشرق والمغرب، وأن لا إله إلا هو، فاتخذه كفيلاً لأمورك. {واصبرْ على ما يقولون} في جانبي من الصاحِبة والولد، وفيك مِن الساحر والشاعر، {واهجرهم هَجْراً جميلاً} بأن تُجانبهم وتداريَهم ولا تجافهم، بل كِلْ أمرهم إلى ربهم، كما يُعرب عنه ما بعده، أون: جانبهم بقلبك, وخالطِهم بجسمك مع حسن المخالطة وترك المكافأة، وقيل: هو منسوخ بآية القتال. الإشارة: يا أيها المتزمّل بالعلوم والمعارف والأسرار، قُم الليل شكراً لِما أُسدي إليك من النعم الغزار، ولذلك لمّا امتثل هذا الأمر بغاية جهده حتى تفطّرت قدماه، قال: "حديث : أفلا أكون عبداً شكوراً"تفسير : ، وقيام الليل لا يخص بالصلاة، بل لكل مقام مقال، فقيام العُبَّاد والزُهَّاد للتهجد والتلاوة والأذكار والاستغفار بالأسحار، وقيام العارفين لفكرة الشهود والاستبصار، وهي صلاة القلوب الدائمة. وقوله تعالى: {ورتِّل القرآنَ ترتيلا} خطاب لأهل التهجُّد، وهم ألوان مختلفة، فمنهم مَن يقطع الليل في سورة أو آية يُرددها، وهم أهل الخوف المزعِج، أو الشوق المقلِق، ومنهم مَن يختم القرآن في مدة قليلة، فمنهم مَن كان يختمه في كل ليلة في ركعة، ومنهم مَن كان يختمه في ليلة مرتين، ومنهم مَن كان يختمه بين الظهر والعصر، أو بين المغرب والعشاء. وكان أبو حنيفة والشافعي يختمانه في رمضان ستين مرة، وابن القاسم صاحب مالك تسعين مرة،وابن عباس مائة مرة، وكان سليمان بن عمير يختمه ثلاث ختمات في كل ليلة، ويجامع أهله بعد كل ختمة. وكان رجل بالمشرق، يُقال له " أبو عيسى التلمساني"، يختم القرآن بين اليوم والليلة اثنتي عشرة ألف مرة، فذكر ذلك بمدينة سبتة، بحضور الفقيه العزفي، فقال الفقيه: لون كان يقول: القرآن القرآن ما أتمّ اثنتي عشر ألف مرة، فاغتاظ الرجل الذي نقل ذلك، فخرج إلى المشرق، فأتى ببينةٍ مُصحِّحة من قاض إلى قاض بصحة ذلك. قلت: وهذا من باب الخوارق التي تكون للصالحين، تطوي لهم مسافة الكلام كما تُطوى لهم مسافة الزمان والمكان، وقد كان داود عليه السلام تُسرج له دابته، فيقرأ الزبور قبل أن تُسرج، كما في الصحيح، وذكر الفرغاني في شرح التائية: أنَّ رجلاً كان يختم القرآن بين الحِجر إلى الركن اليماني، فأنكر بعضٌ ذلك عليه، فأخذ بأذنه وقرأ فيها من الفاتحة إلى الختم، وهو يسمع حرفاً حرفاً، فسبحان القادر على كل شيء؟!. وقوله تعالى: {إِنَّا سنُلقي عليك قولاً ثقيلا}، قال القشيري: (ثقيلاً) أي: له خطْر, ويقال: لا يقوى عليه إلاَّ مَن أيّد بقوة سماوية، ورُبّي في حجر التقريب. هـ. قال الورتجبي: وكيف لا يثقل قولهُ سبحانه وهو قديم، وأجدر أن تذوب تحت سطوات عزيته الأرواح والأشباح والأكوان والحدثان، بل هو بذاته يحمل صفاته لا غير، وكان عليه السلام مؤيداَ بالاتصاف بالحق، فكان يحمل الحق بالحق. هـ. المراد منه. (إنَّ ناشئة الليل) أي: نشأة الفكرة في الليل هي أشد وطأً، أي: موافقة، وغرقاً في بحر الذات، وتيار الصفات؛ لتفرغ القلب حينئذ من شواغل الحس. وكان الشيخ " أبو يزيد" يخرج كل ليلة إلى الصحراء، ويبيت واقفاً على أطراف قدميه، شاخصاً ببصره إلى السماء، فقال لمَن رآه كذلك: دَوَّرَني الحق تعالى في الفلك العلوي والسفلي، وأطلعني على عجائب ملكوته... الخ كلامه، وما كانت إلاَّ فكرته غاصت في بحر الذات، ودارت مع التجليات العلوية والسفلية, ووقوفه في ذلك لغلبة الحال، ولله رجال في زماننا هذا يقلبون الوجود، ويَدُورون معه، وهم على فُرشهم، لتمكُّنهم من الشهود بلا تعب. وقوله تعالى: {إن لك في النهار سَبْحاً طويلا} السَبح هو العوم، أي: إنَّ لك في النهار عوماً طويلاً في بحار الأحدية، فاستغرق ليلك ونهارك في ذلك، واذكر اسم ربك بقلبك وروحك وسرك، وهو عين السَبْح المتقدم، وتبتّل إليه تبتيلاً في الظاهر والباطن، فبالتبتُّل يحصل الوصول، وبذكر الاسم باللسان يحصل الذكر للجنان، ثم يسبح في بحر العيان. رب المشرق والمغرب، أي: مشرق العيان ومغرب قمر الإيمان، بسطوع شمس العيان. لا إله إلا هو فاتخذه وكيلاً، وثِقْ به كفيلاً يعطك عطاءً جزيلاً، ويمنحك فخراً جليلاً، واصبر على ما يقولون في جانبك، فإنَّ الداخل على الله منكور، والراجع إلى الناس مبرور. {واهجرهم هجراً جميلاً}، قال القشيري: أي: عاشِرهم بظاهرك، وبايِنْهم بسرِّك وقلبك، ويُقال: الهجرُ الجميل: ما يكون بحق ربك، لا بحظِّ نفسك. هـ. وإذا هَجَرْتَ أهل الإنكار، فكِلْ أمرهم إلى الواحد القهّار، كما قال تعالى: {وَذَرْنِي وَٱلْمُكَذِّبِينَ أُوْلِي ٱلنَّعْمَةِ}.

الطوسي

تفسير : قرأ ابن عامر وابوعمرو (وطاء) بكسر الواو والمد جعله مصدرا ل (واطأ) يواطئ مواطأة، ووطاء. ومعناه إن ناشئة الليل وعمل ناشئة الليل يواطئ لسمع القلب اكثر مما يواطئ ساعات النهار، لان البال افرغ للانقطاع عن كثير مما يشغل بالنهار. الباقون - بفتح الواو - مقصورة، وروي عن الزهري - بكسر الواو - مقصورة، ومنه قوله صلى الله عليه وآله:حديث : اللهم اشدد وطاءك على مضرتفسير : ، وقرأ {رب المشرق} بالجر كوفي غير حفص ويعقوب بدلا من (ربك). الباقون بالرفع على الاستئناف، فيكون رفعا بالابتداء وخبره (لا إله إلا هو) ويجوز أن يكون خبر الابتداء بتقدير هو رب المشرق. هذا خطاب من الله تعالى للنبي صلى الله عليه وآله وقيل: إن المؤمنين داخلون فيه على وجه لتبع. يقول الله له {يا أيها المزمل} ومعناه الملتف في ثيابه، يقال تزمل في ثيابه، فهو متزمل إذا التف. والاصل (متزمل) فأدغم التاء في الزاي لان الزاي قريبة المخرج من التاء، وهو ابدى في المسموع من التاء. وقال قتادة: معناه المتزمل بثيابه، وقال عكرمة: المتزمل بعباء النبوة، وكل شئ لفف، فقد تزمل، قال امرء القيس: شعر : كأن اباناً في أفانين ودقه كبير اناس في بجاد مزمل تفسير : يعني كبير اناس مزمل في بجاد وهو الكساء، وجره على المجاورة للبجاد. وقوله {قم الليل إلا قليلاً} أمر من الله تعالى للنبي صلى الله عليه وآله بقيام الليل إلا القليل منه، وقال الحسن: إن الله فرض على النبي والمؤمنين أن يقوموا ثلث الليل فما زاد، فقاموه حتى تورمت أقدامهم، ثم نسخ تخفيفاً عنهم. وقال غيره: هو نفل لم ينسخ، لانه لو كان فرضاً لما كان مخيراً في مقداره - ذكره الجبائي - وإنما بين تخفيف النفل. وقال قوم: المرغب فيه قيام ثلث الليل او نصف الليل او الليل كله إلا القليل. ولم يرغب بالآية في قيام جميعه لانه تعالى قال {إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلاً أو زد عليه} يعني على النصف. وقال الزجاج {نصفه} بدل من {الليل} كقولك ضربت زيداً رأسه. والمعنى: قم نصف الليل إلا قليلا او انقص منه قليلا. والمعنى قم نصف الليل او انقص من نصف الليل أو زد على نصف الليل، وذلك قبل ان يتعبد بالخمس صلوات. وقال ابن عباس والحسن وقتادة: كان بين أول السورة وآخرها - الذي نزل فيه التخفيف - سنة. وقال سعيد بن جبير: عشر سنين. وقال الحسن وعكرمة: نسخت الثانية بالأولى. والاولى أن يكون على ظاهره، ويكون جميع ذلك على ظاهره مرغباً في جميع ذلك إلا أنه ليس بفرض وإن كانت سنة مؤكدة. والنصف أحد قسمي الشيء المساوى للآخر فى المقدار. والقليل من الشيء الناقص عن قسمه الآخر، وكلما كان أنقص كان أحق باطلاق الصفة، وما لا يعتد به من النقصان لا يطلق عليه. {ورتل القرآن ترتيلا} أمر من الله تعالى له بأن يرتل القرآن والترتيل ترتيب الحروف على حقها فى تلاوتها، وتثبت فيها، والحدر هو الاسراع فيها وكلاهما حسنان إلا أن الترتيل - ها هنا - هو المرغب فيه. وقال مجاهد: معناه ترسل فيه ترسلا. وقال الزجاج: معناه بينه تبييناً أي بين جميع الحروف، وذلك لا يتم بأن يعجل فى القراءة. وقوله {إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا} اخبار من الله تعالى لنبيه أنه سيطرح عليه قولا ثقيلا. وقال الحسن وقتادة: إنه يثقل العمل به لمشقة فيه. وقال ابن زيد: معناه العمل به ثقيل فى الميزان والأجر، ليس بشاق. وقيل: معناه قول عظيم الشأن، كما تقول هذا الكلام رزين، وهذا قول له وزن إذا كان واقعاً موقعه. وقوله {إن ناشئة الليل هي أشد وطأ} قال مجاهد: ناشئة الليل التهجد في الليل. وقال الحسن وقتادة: هو ما كان بعد العشاء الآخرة، وعن ابي جعفر وابي عبد الله عليهما السلام أنهما قالا: هو القيام آخر الليل إلى صلاة الليل. وقال قوم: ناشئة الليل ابتداء عمل الليل شيئاً بعد شيء إلى آخره. والناشئة الظاهرة بحدوث شيء بعد شيء، واضافته إلى الليل توجب انه من عمل الليل الذي يصلح أن ينشأ فيه. وقوله {هي أشد وطأ} من قرأ - بالفتح - مقصوراً، قال معناه: لقوة الفكر فيه أمكن موقعاً. وقيل: هو أشد من عمل النهار، وقال مجاهد: معناه واطأ اللسان القلب مواطأة ووطاء والوطاء المهاد المذلل للتقلب عليه، فكذلك عمل الليل الذي هو أصلح له فيه تمهيد للتصرف فى الدلائل وضروب الحكم ووجوه المعاني. وقوله {وأقوم قيلا} أي أشد استقامة وصواباً لفراغ البال، وانقطاع ما يشغل القلب. والمعنى إن عمل الليل أشد ثباتاً من عمل النهار، وأثبت فى القلب من عمل النهار، والأقوم الأخلص استقامة، لأنه القول يشمل المعنى على ما فيه استقامة وفيه اضطراب. وقد يقل ذلك ويكثر، وهو فى القول ظاهر كما هو في الخط، ففيه الحرف المقوم وفيه الحرف المضطرب. وقال ابن زيد: معناه أقوم قراءة لفراغه من شغل الدنيا، وقال أنس: معناه أصوب. وقال مجاهد: معناه اثبت. وقوله {إن لك في النهار سبحاً طويلاً} قال قتادة: معناه إن لك يا محمد في النهار متصرفاً ومنقلباً أي ما تقضي فيه حوائجك. وقرأ يحيى ابن معمر بالخاء، وكذلك الضحاك، ومعناه التوسعة. يقال اسبخت القطن إذا وسعته للندف: ويقال لما تطاير من القطن وتفرق عند الندف سبائخ، والسبح المر السهل في الشيء، كالمر في الماء، والسبح في عمل النهار هو المر في العمل الذي يحتاج فيه إلى الضياء. وأما عمل الليل فلا يحتاج فيه إلى ضياء لتمكن ذلك العمل كالفكر في وجوه البرهان وتلاوة القرآن. وقال الجبائي في نوادره {لك في النهار سبحاً} أي نوماً، وقال الزجاج: معناه إن فاتك شيء بالليل فلك في النهار فراغ تقضيه. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله {واذكر اسم ربك} يعني اسماء الله الحسنى التي تعبد بالدعاء بها {وتبتل إليه تبتيلاً} أي انقطع اليه انقطاعاً، فالتبتل الانقطاع إلى عبادة الله، ومنه مريم البتول وفاطمة البتول، لانقطاع مريم الى عبادة الله، وانقطاع فاطمة عن القرين، ومنه قول الشاعر: شعر : كأن لها في الارض نسياً تقصه إذا ماغدت وإن تكلمك تبلت تفسير : أي بقطع كلامها رويداً رويداً، وقيل: الانقطاع إلى الله تأميل الخير من جهته دون غيره، وجاء المصدر على غير الفعل، كما قال {أية : أنبتكم من الأرض نباتاً}تفسير : وقيل: تقديره تبتل نفسك اليه تبتيلا، فوقع المصدر موقع مقاربه. وقوله {رب المشرق والمغرب} من رفع فعلى انه خبر مبتدإ محذوف، وتقديره: هو رب المشرق، ومن جر جعله بدلا من قوله {ربك} وتقديره إذكر اسم رب المشرق وهو مطلع الشمس موضع طلوعها ورب المغرب، يعني موضع غروبها، وهو المتصرف فيها والمدبر لما بينهما {لا إله إلا هو} أي لا أحد تحق له العبادة سواه {فاتخذه وكيلا} أي حفيظاً للقيام بامرك فالوكيل الحفيظ بأمر غيره. وقيل: معناه اتخذه كافلا لما وعدك به. ثم قال {واصبر} يا محمد {على ما يقول} هؤلاء الكفار من أذاك وما يشغل قلبك {واهجرهم هجراً جميلاً} فالهجر الجميل اظهار الجفوة من غير ترك الدعاء إلى الحق على وجه المناصحة.

الجنابذي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ} تزمّل تلفّف بالثّياب او اللّحاف او امثال ذلك او اختفى، والخطاب خاصّ بالنّبىّ (ص) او عامّ وكان النّبىّ (ص) يتلفّف بثيابه او لحافه وينام او كان متلفّفاً باحكام الرّسالة وكان يختفى من النّاس تأنّفاً من المقابلة مع امثالهم، والمعنى يا من تلحّفت باللّحاف او بثيابك او بأحكام الرّسالة، او المعنى يا من اختفى ممّا يرى من مدّعى الرّياسة ويرى انّ معاداتهم كانت شيئاً عن العاقل.

الأعقم

تفسير : {يأيها المزمل} المتلحف قال امرئ القيس: شعر : كأن شراً في عرانين وبله كبير أناس في بجاد مزمل تفسير : وهو الذي يزمل في ثيابه أي يلفف بها بادغام التاء في الزاي ونحوه المدثر وقرئ المتزمل على الأصل {قم الليل إلاَّ قليلاً} فاشتد عليهم محافظة الوقت نصف الليل أو أقل أو أكثر وكانوا يقومون حتى يصبح فشق ذلك عليهم وورمت أقدامهم فخفف الله عنهم ونسخت هذه الآية، وقيل: بين أن فرضت هذه الصلاة حتى نسخت سنة عن الحسن وابن عباس، وقيل: ثمانية أشهر عن عائشة، وقيل: هذا بمكة قبل فرض الصلاة الخمس ثم نسخ بالخمس، وقيل: كان بينهما عشرين سنة ولما سماه الكفار بأسماء شقت عليه قالوا: ساحر شاعر كاهن مجنون تزمل بثيابه ونام فأتاه جبريل ثم قال: يأيها المزمل يأيها المتدثر أي: قم في الليل للصلاة عن أكثر المفسرين، وقال أبو مسلم: قم لقراءة القرآن، وقيل: كان هذا في ابتداء الوحي ولم يكن أدى شيئاً من الوحي {إلا قليلاً} استثناء {نصفه} بدل من الليل {أو أنقص منه قليلاً} من النصف فترده إلى الثلث {أو زد عليه} على النصف إلى الثلثين فخيّره بين هذه المنازل وصار ذلك موكولاً إلى اجتهاده {ورتّل القرآن ترتيلاً}، قيل: ترسل فيه ترسيلاً، وقيل: بيّنه بياناً شافياً، وقيل: فسّره تفسيراً وأصل الترتيل أن يأتي بالحرف تامّاً بعضه على أثر بعض {إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً} قيل: ثقل العمل به للمشقة فيه، وقيل: ثقيلاً في الميزان، وقيل: ثقيلاً في الوعيد والحرام والحلال {إن ناشئة الليل} موافقة ساعاته كلها وكل ساعة ناشئة لإِنشائها وجمعها ناشئات، وقيل: ساعات التهجد، وقيل: ناشئة الليل بين المغرب والعشاء عن علي بن الحسين وكان يصلي بينهما ويقول هذه ناشئة الليل، وقيل: القيام آخر الليل {أشد وطأ} يعني يواطئ قلبه وسمعه وبصره ولسانه، فأما وطأ قيل: أثبت {وأقوم قيلاً} قيل: أقوم قراءة وأصوب لفراغ قلبه من شغل الدنيا {إن لك في النهار سبحاً طويلاً} قيل: سبحاً متفرقاً ومتقلبا في حوائج المعاش {واذكر اسم ربك} داوم على ذكره في ليلك ونهارك {وتبتل إليه تبتيلاً} قيل: أخلص إليه إخلاصاً، وقيل: انقطع إليه انقطاعاً، وقيل: توكل عليه توكلاً {رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلاً} قيل: حافظاً، وقيل: فوض أمرك إليه واعتمد عليه.

الهواري

تفسير : تفسير سورة المزّمّل، وهي مكية كلها {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله عز وجل: {يَآ أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} وهو المتزمل بثيابه، يعني النبي عليه السلام {قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً أَوْ زِدْ عَلَيْهِ}. ذكروا عن الحسن أن رجلاً خرج ليلة يريد المسجد، فسمع قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدنا من الباب. فسمع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حسحسةً فقال: من هذا؟ فقال: أنا فلان بن فلان، سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحببت أن أصلي بصلاته. فقال له: ادخل. فصلّى بصلاته معه. فلما أصبح ذكر ذلك لخاصة من أصحابه. فترصّدوا تلك الساعة، فدنوا من باب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمع حسيستهم فقال: من هذا؟ فقالوا: فلان بن فلان وفلان بن فلان، أحببنا أن نصلي بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ادخلوا. فدخلوا حتى امتلأت الحجرة. وقَفَوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة، فسقط القوم نعاساً. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارجعوا إلى حالكم فليصل الرجل بقدر ما يستطيع، فإنكم لا تطيقون ما يطيق رسول الله صلى الله عليه وسلم. إن أعلمَكم بأمر الله رسولُ الله، وأقواكم في أمر الله رسولُ الله، فإنكم قد تعرّضتم لأمر إن أخذتم به لن تقوموا به. فأنزل الله عز وجل: تصديق نبيه: {يَآ أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} فقام القوم اثني عشر شهراً حتى انتفخت أقدامهم. ثم أنزل الله رخصة: (أية : عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَاقْرَأُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ) تفسير : [المزمل:20]. قول عز وجل: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} أي: بيّنه تبياناً. وتفسير مجاهد: ترسّل فيه ترسُّلاً، وهو واحد. ذكروا عن محمد بن عبد الرحمن قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ يُرتِّل ويفسّر. ذكروا عن صالح مولى التوأمة قال: كان ابن عباس يقرأ الآية ثم يسكت كقدر ما أعلمتك، ثم يقرأ الآية الأخرى. وكان جاراً لي؛ فقلت: لم يكن يفعل هذا؟ قال: من أجل تأويل القرآن. ذكروا عن أبي حمزة قال: قلت لابن عباس: إنني رجل خفيف القراءة أهذرم القراءة. فقال: لأن أقرأ سورة البقرة وأرتل وأرسل فيها وأتدبرها أحبُّ إلي من أقرأ القرآن أجمع هذرمة.

اطفيش

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلْ} أصله المتزمل أبدلت التاء زايا وأدغمت في الزاي أي طالب الالتفاف في الثوب وكاسب الالتفاف وقرئ بالأصل وقرئ بتخفيف الزاي اي الذي لف نفسه وغطاها وقرئ بتخفيفها وفتح الميم أي الذي هو ملفوف مغطى حديث : وكان صلى الله عليه وسلم يتزمل في ثيابه أول ما جاءه جبريل فرقا منه وكان يقول زملوني زملوني حتى أنس بهتفسير : . رويحديث : جاءه الوحي في غار حراء فرجع الى خديجة يرتعد فقال زملوني فنزل {يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلْ} {يا أيها المدثر} تفسير : وقيل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نائما بالليل متزملا في قطيفة فنبه ونودي بما يهجن إليه الحال التي كان عليها من التزمل في قطيفة واستعداد ما يثقل النوم كما يفعل من لا يهمه أمر والمراد بقولنا يهجن يعيب وليس فيه سوء أدب كما زعم بعض لانا نعني به أنه تعالى ردعه عن تلك الحالة ونقله الى أخرى لا غير ذلك وفي ذلك زجر لغيره أيضا عن تلك الحال وقيل كان متزملا في مرط لعائشة يصلي فهو على هذا ليس بتهجين بل هو ثناء عليه وتحسين لحاله وأمر بالمداومة عليها وإشارة لغيره أن يفعل ويداوم وسئلت عائشة ما كان تزمله قالت تزمل في مرط طوله أربع عشرة ذراعاً نصفه عليّ وأنا نائمة ونصفه عليه وهو يصلي وسئلت مم كان فقالت سداه شعر ولحمته وبر وقيل خرج يوماً من البيت وقد لبس ثيابه فناداه جبريل يا أيها المزمل وخاطبه بذلك ملاطفة وملاينة في الخطاب وأنه لا عتاب كقوله صلى الله عليه وسلم لعلي لما دخل عليه وقد لصق جنبه بالتراب قم اباتراب وذلك حين مغاضبته له مع فاطمة وكان ذلك في بدء أمر الوحي وبعد ذلك خوطب بالنبي والرسول، وعن عكرمة ان المعنى يا أيها الذي زمل أمراً عظيماً أي حمله أي تحمل أعباء النبوة وقم بها أو شبه تثاقله بالتزمل لأنه لم يتمرن إذ ذاك في قيام الليل ومن قال إنه تزمل في مرط عائشة فنودي {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلْ} فليست الآية عنده نازلة في بدء الوحي لأن عائشة دخل عليها في المدينة وإنما يقول في بدئه من قال إنه مثلا في مرط خديجة وهي حية في حينئد وقيل القول بأنه مرط عائشة كذاب صراح.

اطفيش

تفسير : أصله المتزمل كما قرأ به أُبى، أُبدلت التاء زاياً وأُدغمت فى الزاى وهو من التفعل للطلب، أى زملينى يا خديجة رضى الله عنها، وكان يتعبد فى حراء فجاءه جبريل أول ما جاءه فضمه حتى بلغ منه الجهد وأطلقه فقال اقرأ فقال ما أنا بقارئ فضمه كذلك إِلى ثلاث فقال {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} "أية : اقرأ باسم ربك" تفسير : [العلق: 1] إلى "أية : ما لم يعلم" تفسير : [العلق: 5] فرجع إلى خديجة رضى الله عنها كالمغشى عليه أو كالمحموم فقال زملينى فلحقه جبريل وهو مزمَّل أو بعد الخروج عن الغطاء، والتزمل التغطى، والتزميل التغطية، وقيل تزمل بثيابه دون أن يأمر بتزميله على أن قريشاً قالوا فى دار الندوة سموه باسم ينفر الناس عنه، فقيل: ساحر فقالوا: ليسه. فقالوا: كاهن فقالوا: ليسه. وقالوا: مجنون. فقالوا: ليسه، وقاموا على أن يقولوا مفرق بين الأَحبة فبلغه ذلك فتزمل فى ثيابه كالحازن فأَتاه جبريل فى حينه فناداه باسم مشتق من فعله على عادة العرب فى ذلك تأنيساً له كالملاعب وتنشيطاً على تلقى الوحى، وكذا على القول الأَول، كما غاضب عليٌّ فاطمة لشئ بينهما ونام على تراب لصق بجنبه فدخل عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال قم يا أبا تراب فكان هذا كنية له بعد، وليس كما قيل: أنه عتاب لطيف بالرأفة ليستعد لما وعد الله عز وجل فى قوله: إِنا سنلقى إِلخ. وأن التزمل كفعل من لا يهمه أمر فإِن ذلك سوء أدب، وإِنما يفسر خطابه بالعتاب حيث هو ظاهر فيه بلا تكلف كقوله عز وجل: "أية : عبس" تفسير : [عبس: 1] إِلخ، ويندفع سوء الأَدب بأَن أراد نهيه عن شكل من لا يهتم بما يهم وقد تزمل فى ثيابه للصلاة، وقيل المراد المستعد لحمل أعباء الرسالة فيكون استعارة تبعية من تزمل الحمل الثقيل أى عالج حمله، وفيه أنه نبئ حين نزول ذلك إِنما يكون رسولاً بعد إِلا أن يقال أنه سيكون متحملاً للرسالة وما هنا استعداد له أو هذا بعد قصة خديجة المذكورة، وجاء فى حديث جابر بن عبد الله أنه قال - صلى الله عليه وسلم - كنت على جبل حراء فنوديت يا محمد إِنك رسول الله، وقيل تزمل فى ثيابه فخرج ولقيه جبريل عند الباب فقال له {يا أيها المزمل} وقيل نام متزملاً فى ثيابه فناداه بذلك، وقيل كان يتزمل فى ثيابه فى أول الوحى خوفاً من جبريل قبل أن يأنس به والصحيح الأَول وعليه الجمهور.

الالوسي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ} أي المتزمل من تزمل بثيابه إذا تلفف بها فأدغم التاء في الزاي. وقد قرأ أبـي على الأصل، وعكرمة (المزمل) بتخفيف الزاي وكسر الميم أي المزمل جسمه أو نفسه وبعض السلف (المزمل) بالتخفيف وفتح الميم اسم مفعول، ولا تدافع بين القراآت فإنه عليه الصلاة والسلام هو زمل نفسه الكريمة من غير شبهة لكن إذا نظر إلى أن كل أفعاله من الله تعالى فقد زمله / غيره ولا حاجة إلى أن يقال أنه صلى الله عليه وسلم زمل نفسه أولاً ثم نام فزمله غيره أو أنه زمله غيره أولاً ثم سقط عنه ما زمل به فزمل هو نفسه. والجمهور على أنه صلى الله عليه وسلم لما جاءه الملك في غار حراء وحاوره بما حاوره رجع إلى خديجة رضي الله تعالى عنها فقال حديث : زملوني زملوني تفسير : فنزلت{أية : يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ}تفسير : [المدثر: 1] وعلى أثرها نزلت {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ} وأخرج البزار والطبراني في «الأوسط» وأبو نعيم في «الدلائل» عن جابر رضي الله تعالى عنه قال لما اجتمعت قريش في دار الندوة فقالوا سموا هذا الرجل اسماً تصدر الناس عنه فقالوا كاهن قالوا ليس بكاهن قالوا مجنون قالوا ليس بمجنون قالوا ساحر قالوا ليس بساحر قالوا يفرق بين الحبيب وحبيبه فتفرق المشركون على ذلك فبلغ ذلك النبـي صلى الله عليه وسلم فتزمل في ثيابه وتدثر فيها فأتاه جبريل عليه السلام فقال {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ} {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ} ونداؤه عليه الصلاة والسلام بذلك تأنيس له وملاطفة على عادة العرب في اشتقاق اسم للمخاطب من صفته التي هو عليها حديث : كقوله صلى الله عليه وسلم لعلي كرم الله تعالى وجهه حين غاضب فاطمة رضي الله تعالى عنها فأتاه وهو نائم وقد لصق بجنبه التراب قم أبا تراب تفسير : قصداً لرفع الحجاب وطي بساط العتاب وتنشيطاً له ليتلقى ما يرد عليه بلا كسل: شعر : وكل ما يفعل المحبوب محبوب تفسير : وزعم الزمخشري أنه عليه الصلاة والسلام نودي بذلك تهجيناً للحالة التي عليها من التزمل في قطيفة واستعداده للاستثقال في النوم كما يفعل من لا يهمه أمر ولا يعنيه شأن إلى آخر ما قال مما ينادي عليه كما قال الأكثرون بسوء الأدب ووافقه في بعضه من وافقه. وقال صاحب «الكشف» أراد أنه عليه الصلاة والسلام وصف بما هو ملتبس به يذكره تقاعده فهو من لطيف العتاب الممزوج بمحض الرأفة ولينشطه ويجعله مستعداً لما وعده تعالى بقوله سبحانه: {أية : إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً}تفسير : [المزمل: 5] ولا يربأ برسول الله صلى الله عليه وسلم عن مثل هذا النداء فقد خوطب بما هو أشد في قوله تعالى: {أية : عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ }تفسير : [عبس: 1] ومثل هذا من خطاب الإدلال والترؤف لا يتقاعد ما في ضمنه من البر والتقريب عما في ضمن {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ} {يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ} من التعظيم والترحيب انتهى ولا يخفى أنه لا يندفع به سوء أدب الزمخشري في تعبيره فإنه تعالى وإن كان له أن يخاطب حبيبه بما شاء لكنا نحن لا نجري على ما عامله سبحانه به بل يلزمنا الأدب والتعظيم لجنابه الكريم، ولو خاطب بعض الرعايا الوزير بما خاطبه به السلطان طرده الحجاب وربما كان العقاب هو الجواب. وقيل كان صلى الله عليه وسلم متزملاً بمرط لعائشة رضي الله تعالى عنها يصلي فنودي بذلك ثناءً عليه وتحسيناً لحاله التي كان عليها،ولا يأباه الأمر بالقيام بعد، إما لأنه أمر بالمداومة على ذلك والمواظبة عليه أو تعليم له عليه الصلاة والسلام وبيان لمقدار ما يقوم على ما قيل. نعم أورد عليه أن السورة من أوائل ما نزل بمكة ورسول الله صلى الله عليه وسلم إنما بنى على عائشة رضي الله تعالى عنها، بالمدينة مع أن الأخبار الصحيحة متضافرة بأن النداء المذكور كان وهو عليه الصلاة والسلام في بيت خديجة رضي الله تعالى عنها ويعلم منه حال ما روي عن عائشة أنها سئلت ما كان تزميله صلى الله عليه وسلم قالت كان مرطاً طوله أربع عشرة ذراعاً نصفه علي وأنا نائمة ونصفه عليه وهو يصلي وكان سداه شعراً ولحمته وبراً. وتكلف صاحب «الكشف» فقال الجواب: أنه عليه الصلاة والسلام عقد في مكة فلعل المرط بعد العقد صار إليه صلى الله عليه وسلم، نعم دل على أنه بعد وفاة خديجة إنما إشكال في قول عائشة نصفه علي الخ وجوابه أنه يمكن أن يكون قد بات صلى الله عليه وسلم في بيت الصديق رضي الله تعالى عنه ذات ليلة وكان المرط على عائشة وهي طفلة والباقي لطوله على النبـي عليه الصلاة والسلام فحكت ذلك أم المؤمنين إذ لا دلالة على أنها حكاية ما بعد البناء، فهذا ما يتكلف لصحة هذا القول انتهى وأنت تعلم أن هذا الحديث لم يقع في الكتب الصحيحة / كما قاله ابن حجر بل هو مخالف لها، ومثل هذه الاحتمالات لا يكتفى بها بل قال أبو حيان إنه كذب صريح. وعن قتادة كان صلى الله عليه وسلم قد تزمل في ثيابه للصلاة واستعد لها فنودي بيا أيها المزمل على معنى يا أيها المستعد للعبادة. وقال عكرمة المعنى يا أيها المزمل للنبوة وأعبائها، والزمل كالحمل لفظاً ومعنى، ويقال ازدمله أي احتمله وفيه تشبيه أجراه مراسم النبوة بتحمل الحمل الثقيل لما فيهما من المشقة. وجوز أن يكون كناية عن المتثاقل لعدم التمرن. وأورد عليه نحو ما أورد على وجه الزمخشري، ومع صحة المعنى الحقيقي واعتضاده بالأحاديث الصحيحة لا حاجة إلى غيره كما قيل.

سيد قطب

تفسير : يروى في سبب نزول هذه السورة أن قريشاً اجتمعت في دار الندوة تدبر كيدها للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وللدعوة التي جاءهم بها. فبلغ ذلك رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فاغتم له؛ والتف بثيابه وتزمل ونام مهموماً. فجاءه جبريل عليه السلام بشطر هذه السورة الأول {يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً.. الخ} وتأخر شطر السورة الثاني من قوله تعالى: {إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل..} إلى آخر السورة. تأخر عاماً كاملاً. حين قام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وطائفة من الذين معه، حتى ورمت أقدامهم، فنزل التخفيف في الشطر الثاني بعد اثني عشر شهراً. وتروى رواية أخرى تتكرر بالنسبة لسورة المدثر كذلك ـ كما سيجيء في عرض سورة المدثر إن شاء الله. وخلاصتها أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يتحنث في غار حراء ـ قبل البعثة بثلاث سنوات ـ أي يتطهر ويتعبد ـ وكان تحنثه ـ عليه الصلاة والسلام ـ شهراً من كل سنة ـ هو شهر رمضان ـ يذهب فيه إلى غار حراء على مبعدة نحو ميلين من مكة، ومعه أهله قريباً منه. فيقيم فيه هذا الشهر، يطعم من جاءه من المساكين، ويقضي وقته في العبادة والتفكير فيما حوله من مشاهد الكون، وفيما وراءها من قدرة مبدعة.. وهو غير مطمئن لما عليه قومه من عقائد الشرك المهلهلة، وتصوراتها الواهية، ولكن ليس بين يديه طريق واضح، ولا منهج محدد، ولا طريق قاصد يطمئن إليه ويرضاه. وكان اختياره ـ صلى الله عليه وسلم ـ لهذه العزلة طرفاً من تدبير الله له ليعده لما ينتظره من الأمر العظيم. ففي هذه العزلة كان يخلو إلى نفسه، ويخلص من زحمة الحياة وشواغلها الصغيرة؛ ويفرغ لموحيات الكون، ودلائل الإبداع؛ وتسبح روحه مع روح الوجود؛ وتتعانق مع هذا الجمال وهذا الكمال؛ وتتعامل مع الحقيقة الكبرى وتمرن على التعامل معها في إدراك وفهم. ولا بد لأي روح يراد لها أن تؤثر في واقع الحياة البشرية فتحولها وجهة أخرى.. لا بد لهذه الروح من خلوة وعزلة بعض الوقت، وانقطاع عن شواغل الأرض، وضجة الحياة، وهموم الناس الصغيرة التي تشغل الحياة. لا بد من فترة للتأمل والتدبر والتعامل مع الكون الكبير وحقائقه الطليقة. فالاستغراق في واقع الحياة يجعل النفس تألفه وتستنيم له، فلا تحاول تغييره. أما الانخلاع منه فترة، والانعزال عنه، والحياة في طلاقة كاملة من أسر الواقع الصغير، ومن الشواغل التافهة فهو الذي يؤهل الروح الكبير لرؤية ما هو أكبر، ويدربه على الشعور بتكامل ذاته بدون حاجة إلى عرف الناس، والاستمداد من مصدر آخر غير هذا العرف الشائع! وهكذا دبر الله لمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يعده لحمل الأمانة الكبرى، وتغيير وجه الأرض، وتعديل خط التاريخ.. دبر له هذه العزلة قبل تكليفه بالرسالة بثلاث سنوات. ينطلق في هذه العزلة شهراً من الزمان، مع روح الوجود الطليقة، ويتدبر ما وراء الوجود من غيب مكنون، حتى يحين موعد التعامل مع هذا الغيب عندما يأذن الله. فلما أن أذن، وشاء ـ سبحانه ـ أن يفيض من رحمته هذا الفيض على أهل الأرض، جاء جبريل عليه السلام إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو في غار حراء.. وكان ما قصه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أمره معه فيما رواه ابن إسحق عن وهب بن كيسان، عن عبيد، قال: "حديث : فجاءني جبريل وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب فقال: أقرأ. قال: قلت: ما أقرأ (وفي الروايات: ما أنا بقارئ) قال: فغتني به (أي ضغطني) حتى ظننت أنه الموت. ثم أرسلني فقال: اقرأ. قلت: ما أقرأ. قال: فغتني حتى ظننت أنه الموت. ثم أرسلني فقال: اقرأ. قلت: ما أقرأ: قال: فغتني حتى ظننت أنه الموت. ثم أرسلني فقال: اقرأ. قال: قلت: ماذا أقرأ؟ قال: ما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود لي بمثل ما صنع بي. فقال: {اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم. الذى علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم}.. قال: فقرأتها. ثم انتهى فانصرف عني. وهببت من نومي فكأنما كتبت في قلبي كتاباً. قال: فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتاً من السماء يقول: يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل. قال: فرفعت رأسي إلى السماء أنظر. فإذا جبريل في صورة رجل، صاف قدميه في أفق السماء يقول: يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل. قال: فوقفت أنظر إليه. فما أتقدم وما أتأخر. وجعلت أحول وجهي عنه في آفاق السماء. قال: فلا أنظر في ناحية إلا رأيته كذلك. فما زلت واقفاً ما أتقدم أمامي وما أرجع ورائي، حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي، فبلغوا أعلى مكة، ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني ذلك. ثم انصرف عني وانصرفت راجعاً إلى أهلي، حتى أتيت خديجة، فجلست إلى فخذها مضيفاً إليها (أي ملتصقاً بها مائلاً إليها) فقالت: يا أبا القاسم أين كنت؟ فوالله لقد بعثت في طلبك حتى بلغوا مكة ورجعوا إليّ. ثم حدثتها بالذي رأيت فقالت: "أبشر يا بن عم واثبت. فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة " تفسير : ثم فتر الوحي مدة عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى أن كان بالجبل مرة أخرى فنظر فإذا جبريل، فأدركته منه رجفة، حتى جثى وهوى إلى الأرض، وانطلق إلى أهله يرجف، يقول:"حديث : زملوني. دثروني"تفسير : ففعلوا. وظل يرتجف مما به من الروع. وإذا جبريل يناديه: {يا أيها المزمل}.. (وقيل: يا أيها المدثر) والله أعلم أيتهما كانت. وسواء صحت الرواية الأولى عن سبب نزول شطر السورة. أو صحت هذه الرواية الثانية عن سبب نزول مطلعها، فقد علم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم - أنه لم يعد هناك نوم! وأن هنالك تكليفاً ثقيلاً، وجهاداً طويلاً، وأنه الصحو والكد والجهد منذ ذلك النداء الذي يلاحقه ولا يدعه ينام! وقيل لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ {قم}.. فقام. وظل قائماً بعدها أكثر من عشرين عاماً! لم يسترح. ولم يسكن. ولم يعش لنفسه ولا لأهله. قام وظل قائماً على دعوة الله. يحمل على عاتقه العبء الثقيل الباهظ ولا ينوء به. عبء الأمانة الكبرى في هذه الأرض. عبء البشرية كلها، وعبء العقيدة كلها، وعبء الكفاح والجهاد في ميادين شتى. حمل عبء الكفاح والجهاد في ميدان الضمير البشري الغارق في أوهام الجاهلية وتصوراتها، المثقل بأثقال الأرض وجواذبها، المكبل بأوهاق الشهوات وأغلالها.. حتى إذا خلص هذا الضمير في بعض صحابته مما يثقله من ركام الجاهلية والحياة الأرضية بدأ معركة أخرى في ميدان آخر.. بل معارك متلاحقة.. مع أعداء دعوة الله المتألبين عليها وعلى المؤمنين بها، الحريصين على قتل هذه الغرسة الزكية في منبتها، قبل أن تنمو وتمد جذورها في التربة وفروعها في الفضاء، وتظلل مساحات أخرى.. ولم يكد يفرغ من معارك الجزيرة العربية حتى كانت الروم تعدّ لهذه الأمة الجديدة وتتهيأ للبطش بها على تخومها الشمالية. وفي أثناء هذا كله لم تكن المعركة الأولى ـ معركة الضمير ـ قد انتهت. فهي معركة خالدة، الشيطان صاحبها؛ وهو لا يني لحظة عن مزاولة نشاطه في أعماق الضمير الإنساني.. ومحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ قائم على دعوة الله هناك. وعلى المعركة الدائبة في ميادينها المتفرقة. في شظف من العيش والدنيا مقبلة عليه. وفي جهد وكد والمؤمنون يستروحون من حوله ظلال الأمن والراحة. وفي نصب دائم لا ينقطع.. وفي صبر جميل على هذا كله. وفي قيام الليل. وفي عبادة لربه، وترتيل لقرآنه وتبتل إليه، كما أمره أن يفعل وهو يناديه: {يا أيها المزمل. قم الليل إلا قليلا. نصفه أو انقص منه قليلا، أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا. إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلا. إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا. إن لك في النهار سبحاً طويلا. واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا، رب المشرق والمغرب لا إلـه إلا هو فاتخذه وكيلا. واصبر على ما يقولون واهجرهم هجراً جميلا}. وهكذا قام محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهكذا عاش في المعركة الدائبة المستمرة أكثر من عشرين عاماً. لا يلهيه شأن عن شأن في خلال هذا الأمد. منذ أن سمع النداء العلوي الجليل وتلقى منه التكليف الرهيب.. جزاه الله عنا وعن البشرية كلها خير الجزاء.. وشطر السورة الأول يمضي على إيقاع موسيقي واحد. ويكاد يكون على روي واحد. هو اللام المطلقة الممدودة. وهو إيقاع رخي وقور جليل؛ يتمشى مع جلال التكليف، وجدية الأمر، ومع الأهوال المتتابعة التي يعرضها السياق.. هول القول الثقيل الذي أسلفنا، وهول التهديد المروّع: {وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلاً، إن لدينآ أنكالاً وجحيماً، وطعاماً ذا غصة وعذاباً أليماً}.. وهول الموقف الذي يتجلى في مشاهد الكون وفي أغوار النفوس: {يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيباً مهيلاً}.. {فكيف تتقون إن كفرتم يوماً يجعل الولدان شيباً، السمآء منفطر به، كان وعده مفعولاً}. فأما الآية الآخيرة الطويلة التي تمثل شطر السورة الثاني؛ فقد نزلت بعد عام من قيام الليل حتى ورمت أقدام الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وطائفة من الذين معه. والله يعدّه ويعدّهم بهذا القيام لما يعدّهم له! فنزل التخفيف، ومعه التطمين بأنه اختيار الله لهم وفق علمه وحكمته بأعبائهم وتكاليفهم التي قدرها في علمه عليهم.. أما هذه الآية فذات نسق خاص. فهي طويلة وموسيقاها متموجة عريضة، وفيها هدوء واستقرار، وقافية تناسب هذا الاستقرار: وهي الميم وقبلها مد الياء: {غفور رحيم}. والسورة بشطريها تعرض صفحة من تاريخ هذه الدعوة. تبدأ بالنداء العلوي الكريم بالتكليف العظيم. وتصور الإعداد له والتهيئة بقيام الليل، والصلاة، وترتيل القرآن، والذكر الخاشع المتبتل. والاتكال على الله وحده، والصبر على الأذى، والهجر الجميل للمكذبين، والتخلية بينهم وبين الجبار القهار صاحب الدعوة وصاحب المعركة!.. وتنتهي بلمسة الرفق والرحمة والتخفيف والتيسير. والتوجيه للطاعات والقربات، والتلويح برحمة الله ومغفرته: {إن الله غفور رحيم}.. وهي تمثل بشطريها صفحة من صفحات ذلك الجهد الكريم النبيل الذي بذله ذلك الرهط المختار من البشرية ـ البشرية الضالة، ليردها إلى ربها، ويصبر على أذاها، ويجاهد في ضمائرها؛ وهو متجرد من كل ما في الحياة من عرض يغري، ولذاذة تُلهي، وراحة ينعم بها الخليون. ونوم يلتذه الفارغون! والآن نستعرض السورة في نصها القرآني الجميل. {يا أيها المزمل. قم الليل إلا قليلاً. نصفه أو انقص منه قليلاً، أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلاً. إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً. إن ناشئة الليل هي أشد وطأً وأقوم قيلاً. إن لك في النهار سبحاً طويلاً، واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلاً. رب المشرق والمغرب لا إلـه إلا هو فاتخذه وكيلاً}.. {يا أيها المزمل. قم..}.. إنها دعوة السماء، وصوت الكبير المتعال.. قم.. قم للأمر العظيم الذي ينتظرك، والعبء الثقيل المهيأ لك. قم للجهد والنصب والكد والتعب. قم فقد مضى وقت النوم والراحة.. قم فتهيأ لهذا الأمر واستعد.. وإنها لكلمة عظيمة رهيبة تنتزعه ـ صلى الله عليه وسلم ـ من دفء الفراش، في البيت الهادئ والحضن الدافئ. لتدفع به في الخضم، بين الزعازع والأنواء، وبين الشد والجذب في ضمائر الناس وفي واقع الحياة سواء. إن الذي يعيش لنفسه قد يعيش مستريحاً، ولكنه يعيش صغيراً ويموت صغيراً. فأما الكبير الذي يحمل هذا العبء الكبير.. فماله والنوم؟ وماله والراحة؟ وماله والفراش الدافئ، والعيش الهادئ؟ والمتاع المريح؟! ولقد عرف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حقيقة الأمر وقدّره، فقال لخديجة ـ رضي الله عنها ـ وهي تدعوه أن يطمئن وينام: "حديث : مضى عهد النوم يا خديجة"تفسير : ! أجل مضى عهد النوم وما عاد منذ اليوم إلا السهر والتعب والجهاد الطويل الشاق! {يا أيها المزمل. قم الليل إلا قليلاً. نصفه أو انقص منه قليلاً. أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلاً}.. إنه الإعداء للمهمة الكبرى بوسائل الإعداد الإلهية المضمونة.. قيام الليل. أكثره أكثر من نصف الليل ودون ثلثيه. وأقله ثلث الليل.. قيامه للصلاة وترتيل القرآن. وهو مد الصوت به وتجويده. بلا تغن ولا تطر ولا تخلع في التنغيم. وقد صح عن وتر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالليل أنه لم يتجاوز إحدى عشرة ركعة. ولكنه كان يقضي في هذه الركعات ثلثي الليل إلا قليلاً، يرتل فيه القرآن ترتيلاً. "روى الإمام أحمد في مسنده قال: حدثنا يحيى بن سعيد ـ هو ابن أبي عروبة ـ عن قتادة، عن زرارة ابن أوفى، عن سعيد بن هشام.. أنه أتى ابن عباس فسأله عن الوتر فقال: ألا أنبئك بأعلم أهل الأرض بوتر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ؟ قال: نعم. قال: ائت عائشة فسلها، ثم ارجع إلي فأخبرني بردها عليك.. ثم يقول سعيد بن هشام: قلت: يا أم المؤمنين أنبئيني عن خلق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى. قالت: فإن خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان القرآن. فهممت أن أقوم، ثم بدا لي قيام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قلت: يا أم المؤمنين، أنبئيني عن قيام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قالت: ألست تقرأ هذه السورة: {يا أيها المزمل}؟ قلت: بلى. قالت: فإن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة؛ فقام رسول الله ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ وأصحابه حولاً حتى انتفخت أقدامهم. وأمسك الله ختامها في السماء اثني عشر شهراً. ثم أنزل التخفيف في آخر هذه السورة، فصار قيام الليل تطوعاً من بعد فريضة.. فهممت أن أقوم، ثم بدا لي وتر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقلت: يا أم المؤمنين أنبئيني عن وتر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم - قالت: كنا نعد له سواكه وطهوره، فيبعثه الله كما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوّك ثم يتوضأ، ثم يصلي ثمان ركعات لا يجلس فيهن، إلا عند الثامنة، فيجلس ويذكر ربه تعالى ويدعو، ثم ينهض وما يسلم، ثم يقوم ليصلي التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله وحده، ثم يدعوه، ثم يسلم تسليماً يسمعنا. ثم يصلي ركعتين وهو جالس بعدما يسلم، فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني، فلما أسن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأخذ اللحم أوتر بسبع ثم صلى ركعتين وهو جالس بعدما يسلم، فتلك تسع يا بني. وكان رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إذا صلى صلاة أحب أن يداوم عليها. وكان إذا شغله عن قيام الليل نوم أو وجع أو مرض صلى من نهار اثنتي عشرة ركعة. ولا أعلم نبي الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قرأ القرآن كله في ليلة حتى أصبح، ولا صام شهراً كاملاً غير رمضان.." وكان هذا الإعداد للقول الثقيل الذي سينزله الله عليه.. {إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً}.. هو هذا القرآن وما وراءه من التكليف.. والقرآن في مبناه ليس ثقيلاً فهو ميسر للذكر. ولكنه ثقيل في ميزان الحق، ثقيل في أثره في القلب: {أية : لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله} تفسير : فأنزله الله على قلب أثبت من الجبل يتلقاه.. وإن تلقي هذا الفيض من النور والمعرفة واستيعابه، لثقيل، يحتاج إلى استعداد طويل. وإن التعامل مع الحقائق الكونية الكبرى المجردة، لثقيل، يحتاج إلى استعداد طويل. وإن الاتصال بالملأ الأعلى وبروح الوجود وأرواح الخلائق الحية والجامدة على النحو الذي تهيأ لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لثقيل، يحتاج إلى استعداد طويل. وإن الاستقامة على هذا الأمر بلا تردد ولا ارتياب، ولا تلفت هنا أو هناك وراء الهواتف والجواذب والمعوقات، لثقيل، يحتاج إلى استعداد طويل. وإن قيام الليل والناس نيام، والانقطاع عن غبش الحياة اليومية وسفسافها؛ والاتصال بالله، وتلقي فيضه ونوره، والأنس بالوحدة معه والخلوة إليه، وترتيل القرآن والكون ساكن، وكأنما هو يتنزل من الملأ الأعلى وتتجاوب به أرجاء الوجود في لحظة الترتيل بلا لفظ بشري ولا عبارة؛ واستقبال إشعاعاته وإيحاءاته وإيقاعاته وفي الليل الساجي.. إن هذا كله هو الزاد لاحتمال القول الثقيل، والعبء الباهظ والجهد المرير الذي ينتظر الرسول وينتظر من يدعو بهذه الدعوة في كل جيل! وينير القلب في الطريق الشاق الطويل، ويعصمه من وسوسة الشيطان، ومن التيه في الظلمات الحافة بهذا الطريق المنير. {إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلاً}.. {ناشئة الليل} هي ما ينشأ منه بعد العشاء؛ والآية تقول: {إن ناشئة الليل هي أشد وطأ}: أي أجهد للبدن، {وأقوم قيلاً}: أي أثبت في الخير (كما قال مجاهد) فإن مغالبة هتاف النوم وجاذبية الفراش، بعد كد نهار، أشد وطأ وأجهد للبدن؛ ولكنها إعلان لسيطرة الروح، واستجابة لدعوة الله، وإيثار للأنس به، ومن ثم فإنها أقوم قيلاً، لأن للذكر فيها حلاوته، وللصلاة فيها خشوعها، وللمناجاة فيها شفافيتها. وإنها لتسكب في القلب أنساً وراحة وشفافية ونوراً، قد لا يجدها في صلاة النهار وذكره.. والله الذي خلق هذا القلب يعلم مداخله وأوتاره، ويعلم ما يتسرب إليه وما يوقع عليه، وأي الأوقات يكون فيها أكثر تفتحاً واستعداداً وتهيؤاً، وأي الأسباب أعلق به وأشد تأثيراً فيه. والله ـ سبحانه ـ وهو يعد عبده ورسوله محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليتلقى القول الثقيل، وينهض بالعبء الجسيم، اختار له قيام الليل، لأن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلاً. ولأن له في النهار مشاغله ونشاطه الذي يستغرق كثيراً من الطاقة والالتفات: {إن لك في النهار سبحاً طويلاً}.. فلينقض النهار في هذا السبح والنشاط، وليخلص لربه في الليل، يقوم له بالصلاة والذكر: {واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلاً}.. وذكر اسم الله، ليس هو مجرد ترديد هذا الإسم الكريم باللسان، على عدة المسبحة المئوية أو الألفية! إنما هو ذكر القلب الحاضر مع اللسان الذاكر؛ أو هو الصلاة ذاتها وقراءة القرآن فيها. والتبتل هو الانقطاع الكلي عما عدا الله، والاتجاه الكلي إليه بالعبادة والذكر، والخلوص من كل شاغل ومن كل خاطر، والحضور مع الله بكامل الحس والمشاعر. ولما ذكر التبتل وهو الانقطاع عما عدا الله، ذكر بعده ما يفيد أنه ليس هناك إلا الله، يتجه إليه من يريد الانجا. {رب المشرق والمغرب، لا إله إلا هو، فاتخذه وكيلاً}.. فهو رب كل متجه.. رب المشرق والغرب.. وهو الواحد الأحد الذي لا إله إلا هو. فالانقطاع إليه هو الانقطاع للحقيقة الوحيدة في هذا الوجود؛ والتوكل عليه هو التوكل على القوة الوحيدة في هذا الوجود. والاتكال على الله وحده هو الثمرة المباشرة للاعتقاد بوحدانيته، وهيمنته على المشرق والمغرب، أي على الكون كله.. والرسول الذي ينادى: قم.. لينهض بعبئه الثقيل، في حاجة ابتداء للتبتل لله والاعتماد عليه دون سواه. فمن هنا يستمد القوة والزاد للعبء الثقيل في الطريق الطويل ثم وجه الله الرسول إلى الصبر الجميل على ما يلقاه من قومه من الاتهام والإعراض والصد والتعطيل. وأن يخلي بينه وبين المكذبين! ويمهلهم قليلاً. فإن لدى الله لهم عذاباً وتنكيلاً: {واصبر على ما يقولون واهجرهم هجراً جميلا. وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا. إن لدينآ أنكالاً وجحيما. وطعاماً ذا غصة وعذاباً أليما. يوم ترجف الأرض والجبال، وكانت الجبال كثيباً مهيلا.. إنآ أرسلنآ إليكم رسولاً شاهداً عليكم كمآ أرسلنآ إلى فرعون رسولا، فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذاً وبيلا. فكيف تتقون إن كفرتم يوماً يجعل الولدان شيباً، السمآء منفطر به كان وعده مفعولا}.. وإذا صحت الرواية الأولى عن نزول مطلع هذه السورة في بدء البعثة، فإن هذا الشوط الثاني منها يكون قد نزل متأخراً بعد الجهر بالدعوة، وظهور المكذبين والمتطاولين، وشدتهم على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعلى المؤمنين. فأما إذا صحت الرواية الثانية فإن شطر السورة الأول كله يكون قد نزل بمناسبة ما نال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أذى المشركين وصدهم عن الدعوة. وعلى أية حال فإننا نجد التوجيه إلى الصبر، بعد التوجيه إلى القيام والذكر، وهما كثيراً ما يقترنان في صدد تزويد القلب بزاد هذه الدعوة في طريقها الشاق الطويل، سواء طريقها في مسارب الضمير أو طريقها في جهاد المناوئين، وكلاهما شاق عسير.. نجد التوجيه إلى الصبر. {واصبر على ما يقولون}.. مما يغيظ ويحنق، {واهجرهم هجراً جميلاً}.. لا عتاب معه ولا غضب، ولا هُجر فيه ولا مشادة. وكانت هذه هي خطة الدعوة في مكة ـ وبخاصة في أوائلها.. كانت مجرد خطاب للقلوب والضمائر، ومجرد بلاغ هادئ ومجرد بيان منير. والهجر الجميل مع التطاول والتكذيب، يحتاج إلى الصبر بعد الذكر. والصبر هو الوصية من الله لكل رسول من رسله، مرة ومرة ومرة؛ ولعباده المؤمنين برسله. وما يمكن أن يقوم على هذه الدعوة أحد إلا والصبر زاده وعتاده، والصبر جنته وسلاحه، والصبر ملجؤه وملاذه. فهي جهاد.. جهاد مع النفس وشهواتها وانحرافاتها وضعفها وشرودها وعجلتها وقنوطها.. وجهاد مع أعداء الدعوة ووسائلهم وتدبيرهم وكيدهم وأذاهم. ومع النفوس عامة وهي تتفصى من تكاليف هذه الدعوة، وتتفلت، وتتخفى في أزياء كثيرة وهي تخالف عنها ولا تستقيم عليها. والداعية لا زاد له إلا الصبر أمام هذا كله، والذكر وهو قرين الصبر في كل موضع تقريباً! اصبر على ما يقولون واهجرهم هجراً جميلاً.. وخل بيني وبين المكذبين، فأنا بهم كفيل: {وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلاً}.. كلمة يقولها الجبار القهار القوي المتين.. {وذرني والمكذبين}.. والمكذبون بشر من البشر، والذي يتهددهم هو الذي أنشأهم ابتداء وخلق هذا الكون العريض {بكن} ولا تزيد! ذرني والمكذبين.. فهي دعوتي. وما عليك إلا البلاغ. ودعهم يكذبون واهجرهم هجراً جميلاً. وسأتولى أنا حربهم، فاسترح أنت من التفكير في شأن المكذبين! إنها القاصمة المزلزلة المذهلة حين يخلو الجبار، إلى هذه الخلائق الهينة المضعوفة.. {أولي النعمة} مهما يكن من جبروتهم في الأرض على أمثالهم من المخاليق! {ومهلهم قليلاً} ولو مهلهم الحياة الدنيا كلها ما كانت إلا قليلاً. وإن هي إلا يوم أو بعض يوم في حساب الله. وفي حسابهم هم أنفسهم حين تطوى، بل إنهم ليحسونها في يوم القيامة ساعة من نهار! فهي قليل أياً كان الأمد، ولو مضوا من هذه الحياة ناجين من أخذ الجبار المنتقم الذي يمهل قليلاً ويأخذ تنكيلاً: {إن لدينا أنكالاً وجحيماً وطعاماً ذا غصة وعذاباً أليماً}.. والأنكال ـ هي القيود ـ والجحيم والطعام ذو الغصة الذي يمزق الحلوق والعذاب الأليم.. كلها جزاء مناسب {لأولي النعمة}! الذين لم يرعوا النعمة، ولم يشكروا المنعم، فاصبر يا محمد عليهم صبراً جميلاً وخل بيني وبينهم. ودعهم فإن عندنا قيوداً تنكل بهم وتؤذيهم، وجحيماً تجحمهم وتصليهم، وطعاماً تلازمه الغصة في الحلق، وعذاباً أليماً في يوم مخيف.. ثم يرسم مشهد هذا اليوم المخيف: {يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيباً مهيلاً}.. فها هي ذي صورة للهول تتجاوز الناس إلى الأرض في أكبر مجاليها. فترجف وتخاف وتتفتت وتنهار. فكيف بالناس المهازيل الضعاف! ويلتفت السياق أمام مشهد الهول المفزع، إلى المكذبين أولي النعمة، يذكرهم فرعون الجبار، وكيف أخذه الله أخذ عزيز قهار: إنا أرسلنا إليكم رسولاً شاهداً عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً، فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذاً وبيلاً}. هكذا في اختصار يهز قلوبهم ويخلعها خلعاً، بعد مشهد الأرض والجبال وهي ترجف وتنهار. فذلك أخذ الآخرة وهذا أخذ الدنيا؛ فكيف تنجون بأنفسكم وتقوها هذا الهول الرعيب؟ {فكيف تتقون ـ إن كفرتم ـ يوماً يجعل الولدان شيباً السماء منفطر به؟}.. وإن صورة الهول هنا لتنشق لها السماء، ومن قبل رجفت لها الأرض والجبال. وإنها لتشيب الولدان. وإنه لهول ترتسم صوره في الطبيعة الصامتة، وفي الإنسانية الحية.. في مشاهد ينقلها السياق القرآني إلى حس المخاطبين كأنها واقعة.. ثم يؤكدها تأكيداً. {كان وعده مفعولاً}.. واقعاً لا خلف فيه. وهو ما شاء فعل وما أراد كان! وأمام هذا الهول الذي يتمثل في الكون كما يتمثل في النفس يلمس قلوبهم لتتذكر وتختار طريق السلامة.. طريق الله.. {إن هذه تذكرة، فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً}.. وإن السبيل إلى الله لآمن وأيسر، من السبيل المريب، إلى هذا الهول العصيب! وبينما تزلزل هذه الآيات قوائم المكذبين، تنزل على قلب الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ والقلة المؤمنة المستضعفة إذ ذاك بالروح والثقة واليقين. إذ يحسون أن ربهم معهم، يقتل أعداءهم وينكل بهم. وإن هي إلا مهلة قصيرة، إلى أجل معلوم. ثم يقضى الأمر، حينما يجيء الأجل ويأخذ الله أعداءه وأعداءهم بالنكال والجحيم والعذاب الأليم. إن الله لا يدع أولياءه لأعدائه، ولو أمهل أعداءه إلى حين... والآن يجيء شطر السورة الثاني في آية واحدة طويلة، نزلت بعد مطلع السورة بعام على أرجح الأقوال: {إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه، وطآئفة من الذين معك. والله يقدر الليل والنهار. علم أن لن تحصوه فتاب عليكم، فاقرءوا ما تيسر من القرآن. علم أن سيكون منكم مرضى. وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله. فاقرءوا ما تيسر منه، وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، وأقرضوا الله قرضاً حسناً، وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيراً وأعظم أجراً، واستغفروا الله، إن الله غفور رحيم}.. إنها لمسة التخفيف الندية، تمسح على التعب والنصب والمشقة. ودعوة التيسير الإلهي على النبي والمؤمنين. وقد علم الله منه ومنهم خلوصهم له. وقد انتفخت أقدامهم من القيام الطويل للصلاة بقدر من القرآن كبير. وما كان الله يريد لنبيه أن يشقى بهذا القرآن وبالقيام. إنما كان يريد أن يعده للأمر العظيم الذي سيواجهه طوال ما بقي له من الحياة. هو والمجموعة القليلة من المؤمنين الذين قاموا معه. وفي الحديث مودة وتطمين: {إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك}.. إنه رآك! إن قيامك وصلاتك أنت وطائفة من الذين معك قبلت في ميزان الله.. إن ربك يعلم أنك وهم تجافت جنوبكم عن المضاجع؛ وتركت دفء الفراش في الليلة القارسة، ولم تسمع نداء المضاجع المغري وسمعت نداء الله.. إن ربك يعطف عليك ويريد أن يخفف عنك وعن أصحابك.. {والله يقدر الليل والنهار}.. فيطيل من هذا ويقصر من ذاك. فيطول الليل ويقصر. وأنت ومن معك ماضون تقومون أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه. وهو يعلم ضعفكم عن الموالاة. وهو لا يريد أن يعنتكم ولا أن يشق عليكم. إنما يريد لكم الزاد وقد تزودتم فخففوا على أنفسكم، وخذوا الأمر هيناً: {فاقرءوا ما تيسر من القرآن}.. في قيام الليل بلا مشقة ولا عنت.. وهناك ـ في علم الله ـ أمور تنتظركم تستنفد الجهد والطاقة، ويشق معها القيام الطويل: {علم أن سيكون منكم مرضى} يصعب عليهم هذا القيام {وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله}.. في طلب الرزق والكد فيه، وهو ضرورة من ضرورات الحياة. والله لا يريد أن تدعوا أمور حياتكم وتنقطعوا لعبادة الشعائر انقطاع الرهبان! {وآخرون يقاتلون في سبيل الله}.. فقد علم الله أن سيأذن لكم في الانتصار من ظلمكم بالقتال، ولإقامة راية للإسلام في الأرض يخشاها البغاة! فخففوا إذن على أنفسكم {فاقرءوا ما تيسر منه} بلا عسر ولا مشقة ولا إجهاد.. واستقيموا على فرائض الدين: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة}.. وتصدقوا بعد ذلك قرضاً لله يبقى لكم خيره.. {وأقرضوا الله قرضاً حسناً، وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيراً وأعظم أجراً}.. واتجهوا إلى الله مستغفرين عن تقصيركم. فالإنسان يقصر ويخطئ مهما جد وتحرى الصواب: {واستغفروا الله إن الله غفور رحيم}.. إنها لمسة الرحمة والود والتيسير والطمأنينة تجيء بعد عام من الدعوة إلى القيام! ولقد خفف الله عن المسلمين، فجعل قيام الليل لهم تطوعاً لا فريضة. أما رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقد مضى على نهجه مع ربه، لا يقل قيامه عن ثلث الليل، يناجي ربه، في خلوة من الليل وهدأة، ويستمد من هذه الحضرة زاد الحياة وزاد الجهاد. على أن قلبه ما كان ينام وإن نامت عيناه، فقد كان قلبه ـ صلى الله عليه وسلم ـ دائماً مشغولاً بذكر الله، متبتلاً لمولاه. وقد فرغ قلبه من كل شيء إلا من ربه. على ثقل ما يحمل على عاتقه، وعلى مشقة ما يعاني من الأعباء الثقال..

ابن عاشور

تفسير : افتتاح الكلام بالنداء إذا كان المخاطب واحداً ولم يكن بعيداً يدل على الاعتناء بما سيلقى إلى المخاطب من كلام. والأصل في النداء أن يكون باسم المنادَى العلم إذا كان معروفاً عند المتكلم فلا يعدل من الاسم العلم إلى غيره من وصف أو إضافة إلاّ لغرض يقصده البلغاء من تعظيم وتكريم نحو {أية : يا أيها النبي}تفسير : [الأنفال: 65]، أو تلطف وتقرب نحو: يا بُنيِّ ويا أبتتِ، أو قصد تهكم نحو: {أية : وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون}تفسير : [الحجر: 6] فإذا نودي المنادي بوصف هيئته من لِبسة أو جِلسة أو ضِجعة كان المقصود في الغالب التلطف به والتحبب إليه ولهيئته، ومنه حديث : قول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب وقد وجده مضطجعاً في المسجد وقد علق تراب المسجد بجنبه «قُم أَبا تراب»تفسير : وحديث : قوله لحذيفة بن اليمان يوم الخندق «قم يا نَوْمانُ»تفسير : ، حديث : وقولِه لعَبْد الرحمان بن صخر الدوسي وقد رءاه حاملاً هِرّة صَغيرةً في كمه «يا أبا هُريرة».تفسير : فنداء النبي بـ {يا أيها المزمل} نداء تلطف وارتفاق ومثله قوله تعالى: {أية : يا أيها المدثر}تفسير : [المدثر: 1]. و {المزمل}: اسم فاعل من تزمل، إذا تلفف بثوبه كالمقرور، أو مريد النوم وهو مثل التدثر في مآل المعنى وإن كان بينهما اختلاف في أصل الاشتقاق فالتزمل مشتق من معنى التلفف، والتدثُر مشتق من معنى اتخاذ الدثار للتدفؤ. وأصل التزمل مشتق من الزَّمْل بفتح فسكون وهو الإِخفاء ولا يعرف لـ (تزمَّل) فعل مجرد في معناه فهو من التفعل الذي تنوسي منه معنى التكلف للفعل، وأريد في إطلاقه معنى شدة التلبس، وكثر مثل هذا في الاشتمال على اللباس، فمنه التزمل ومنه التعَمّم والتأزّر والتقمّص، وربما صَاغوا له صيغة الافتعال مثل: ارتَدى وائتزر. وأصل {المزمل}: المتزمل، أدغمت التاء في الزاي بعد قلبها زاياً لتقاربهما. وهذا التزمل الذي أشارت إليه الآية قال الزهري وجمهور المفسرين: إنه التزمل الذي جرى في قول النبي صلى الله عليه وسلم «زَمِّلُوني زَمِّلُوني» حين نزل من غار حراء بعد أن نزل عليه {أية : اقرأ باسم ربك}تفسير : [العلق: 1] الآيات كما في حديث عروة عن عائشة في كتاب بدء الوحي من «صحيح البخاري» وإن لم يذكر في ذلك الحديث نزول هذه السورة حينئذٍ، وعليه فهو حقيقة. وقيل: هو ما في حديث جابر بن عبد الله قال: «لما اجتمعت قريش في دار الندوة فقالوا: سَمُّوا هذا الرجل اسماً تصدر الناس عنه (أي صِفوه وصفاً تتفق عليه الناس) فقالوا: كاهن، وقالوا: مجنون، وقالوا: ساحر، فصدر المشركون على وصفه بـ (ساحر) فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فحزن وتزمل في ثيابه وتدثر، فأتاه جبريل فقال: {يا أيها المزمل} {أية : يا أيها المدثر}تفسير : [المدثر: 1]. وسيأتي في سورة المدثر أن سبب نزولها رؤيتُه المَلكَ جالساً على كرسي بين السماء والأرض فرجع إلى خديجة يرجف فؤاده فقال: «دثروني»، فيتعين أن سبب ندائه بـ {يا أيها المزمل} كان عند قوله: «زَمِّلِوني»، فذلك عندما اغتمّ من وصف المشركين إياه بالجنون وأن ذلك غير سبب ندائه بـ {يا أيها المدثر} في سورة المدثر. وقيل: هو تزمُّل للاستعداد للصلاة فنودي {يا أيها المزمل قم اللّيل إلاّ قليلاً} وهذا مروي عن قتادة. وقريب منه عن الضحاك وهي أقوال متقاربة. ومحملها على أن التزمُّل حقيقة، وقال عكرمة: معناه زُمِّلْتَ هذا الأمر فقم به، يريد أمر النبوة فيكون قوله: {الليل إلاّ قليلاً} مع قوله: {أية : إن لك في النهار سبحاً طويلاً}تفسير : [المزمل: 7] تحريضاً على استفراغ جهده في القيام بأمر التبليغ في جميع الأزمان من ليل ونهار إلاّ قليلاً من الليل وهو ما يضطر إليه من الهجوع فيه. ومحمل التزمل عنده على المجاز. فإذا كانت سورة المزمل قد أنزلت قبل سورة المدثر كان ذلك دالاً على أن الله تعالى بعد أن ابتدأ رسوله بالوحي بصدر سورة {أية : اقرأ باسم ربك}تفسير : [العلق: 1] ثم أنزل عليه سورة القلم لدحض مقالة المشركين فيه التي دبرها الوليد بن المغيرة أن يقولوا: إنه مجنون. أنزل عليه التلطف به على تزمله بثيابه لما اعتراه من الحزن من قول المشركين فأمره الله بأن يدفع ذلك عنه بقيام الليل، ثم فتر الوحي فلما رأى المَلَكَ الذي أرسل إليه بحِراء تدثر من شدة وقع تلك الرؤية فأنزل عليه {يا أيها المدثر}. فنداء النبي بوصف {المزمل} باعتبار حالته وقت ندائه وَليس المزمل معدوداً من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم قال السهيلي: ولم يعرف به وذهب بعض الناس إلى عدّه من أسمائه. وفعل {قم} مُنزل منزلة اللازم فلا يحتاج إلى تقدير متعلق لأن القيام مراد به الصلاة، فهذا قيام مغاير للقيام المأمور به في سورة المدثر بقوله {أية : قم فأنذر}تفسير : [المدثر: 2] فإن ذلك بمعنى الشروع كما يأتي هنالك. و {الليل}: زمن الظلمة من بعد العشاء إلى الفجر. وانتصب {الليل} على الظرفية فاقتضى الأمر بالصلاة في جميع وقت الليل، ويعلم استثناء أوقات قضاء الضرورات من إغفاء بالنوم ونحوه من ضرورات الإِنسان. وقيام الليل لقب في اصطلاح القرآن والسنة للصلاة فيه ما عدا صلاتي المغرب والعشاء ورواتبهما. وأمْر الرسول بقيام الليل أمْر إيجاب وهو خاص به لأن الخطاب موجه إليه وحده مثل السور التي سبقت نزولَ هذه السورة، وأما قيام الليل للمسلمين فهم اقتدوا فيه بالرسول صلى الله عليه وسلم كما سيأتي في قوله تعالى: {أية : إن ربك يعلم أنك تقوم} تفسير : [المزمل: 20] إلى قوله: {أية : وطائفة من الذين معك}تفسير : [المزمل: 20] الآيات قال الجمهور وذلك قبل أن تفرض الصلوات الخمس في أوقات النهار والليل ولعل حكمة هذا القيام الذي فرض على الرسول صلى الله عليه وسلم في صدر رسالته هو أن تزداد به سريرته زكاء يقوي استعداده لتلقي الوحي حتى لا يحرجه الوحي كما ضغطه عند نزوله كما ورد في حديث البخاري: «حديث : فغطني حتى بلغ مني الجَهد»تفسير : ثم قال: {أية : اقرأ باسم ربّك}تفسير : [العلق: 1] الحديث، ويدل لهذه الحكمة قوله تعالى عقبه: {أية : إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً}تفسير : [المزمل: 5]. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحنث في غار حراء قبيل بعثته بإلهام من الله تعالى، فالذي ألهمه ذلك قبل أن يوحي إليه يجدر بأن يأمره به بعد أن أوحى إليه فلا يبقى فترة من الزمن غير متعبد لعبادة، ولهذا نرجح أن قيام الليل فرض عليه قبل فرض الصلوات الخمس عليه وعلى الأمة. وقد استمر وجوب قيام الليل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فرض الصلوات الخمس تعظيماً لشأنه بكثرة الإِقبال على مناجاة ربه في وقت فراغه من تبليغ الوحي وتدبير شؤون المسلمين وهو وقت الليل كما يدل عليه قوله تعالى: {أية : ومن الليل فتهجّد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً}،تفسير : أي زيادة قرب لك. وقد تقدم في سورة [الإسراء: 79]. فكان هذا حكماً خاصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم وقد ذكره الفقهاء في باب خصائص النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن واجباً على غيره ولم تفرض على المسلمين صلاة قبل الصلوات الخمس. وإنما كان المسلمون يقتدون بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرّهم على ذلك فكانوا يرونه لِزاماً عليهم، وقد أثنى الله عليهم بذلك في آيات كثيرة كقوله تعالى: {أية : تتجافى جنوبُهم عن المضاجع}تفسير : [السجدة: 16]، وسيأتي ذلك عند قوله تعالى: {أية : إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل}تفسير : [المزمل: 20] الآية، قالت عائشة: «إن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة فقام النبي وأصحابه»، على أنه لا خلاف في رفع فرض القيام عن المسلمين. وتقرر أنه مندوب فيه. واختلف في استمرار وجوبه على النبي صلى الله عليه وسلم ولا طائل وراء الاستدلال على ذلك أو عدمه. وقوله: {إلاّ قليلاً} استثناء من {الليل} أي إلاّ قليلاً منه، فلم يتعلق إيجاب القيام عليه بأوقات الليل كلها. و {نصفه} بدل من {قليلاً} بدلاً مطابقاً وهو تبيين لإِجمال {قليلاً} فجعل القليل هنا النصفَ أو أقلَّ منه بقليل. وفائدة هذا الإِجمال الإِيماء إلى أن الأوْلى أن يكون القيام أكثر من مدة نصف الليل وأن جعله نصف الليل رحمة ورخصة للنبي صلى الله عليه وسلم ويدل لذلك تعقيبُه بقوله: {أو انقص منه قليلاً} أي انقص من النصف قليلاً، فيكون زمن قيام الليل أقلّ من نصفه، وهو حينئذٍ قليل فهو رخصة في الرخصة. وقال {أو زد عليه} وهو عود إلى الترغيب في أن تكون مدة القيام أكثر من نصف الليل ولذلك لم يقيد {أو زد عليه} بمثل ما قيد به {أو انقص منه} لتكون الزيادة على النصف متسعة، وقد ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بالعزيمة فقام حتى تورمت قدماه وقيل له في ذلك: «إن الله غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر» فقال: «أفَلا أكونُ عبداً شكوراً». والتخيير المستفاد من حرف {أو} منظور فيه إلى تفاوت الليالي بالطول والقصر لأن لذلك ارتباطاً بسعة النهار للعمل ولأخذ الحظ الفائت من النوم. وبعد فذلك توسيع على النبي صلى الله عليه وسلم لرفع حرج تحديده لزمن القيام فسلك به مسلك التقريب. وجعل ابن عطية {الليل} اسم جنس يصدق على جميع الليالي، وأن المعنى: إلاّ قليلاً من الليالي، وهي الليالي التي يكون فيها عذر يمنعه من قيامها، أي هو استثناء من الليالي باعتبار جزئياتها لا باعتبار الأجزاء، ثم قال: {نصفه} إلى آخره. وتخصيص الليل بالصلاة فيه لأنه وقتُ النوم عادة فأُمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالقيام فيه زيادة في إشغال أوقاته بالإِقبال على مناجاة الله: ولأن الليل وقت سكون الأصوات واشتغال الناس فتكون نفس القائم فيه أقوى استعداداً لتلقي الفيض الرباني. يجوز أن يكون متعلقاً بقيام الليل، أي رتل قراءتك في القيام. ويجوز أن يكون أمراً مستقلاً بكيفية قراءة القرآن جرى ذكره بمناسبة الأمر بقيام الليل، وهذا أولى لأن القراءة في الصلاة تدخل في ذلك. وقد كان نزول هذه السورة في أول العهد بنزول القرآن فكان جملة القرآن حين نزول هذه السورة سورتين أو ثلاثَ سور بناء على أصح الأقوال في أن هذا المقدار من السورة مكي، وفي أن هذه السورة من أوائل السور، وهذا مما أشعر به قوله: {أية : إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً}تفسير : [المزمل: 5] أي سنوحي إليك قرآناً. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقرأ القرآن بمهل وتبيين. والترتيل: جعل الشيء مرتَّلاً، أي مفرقاً، وأصله من قولهم: ثَغْر مرتَّل، وهو المفلج الأسنان، أي المفرق بين أسنانه تفرقاً قليلاً بحيث لا تكون النواجذ متلاصقة. وأريد بترتيل القرآن ترتيل قراءته، أي التمهل في النطق بحروف القرآن حتى تخرج من الفم واضحةً مع إشباع الحركات التي تستحق الإِشباع. ووصَفَتْ عائشة الترتيل فقالت: «لو أراد السامع أن يعُد حروفه لعدها لا كسَرْدِكم هذا». وفائدة هذا أن يرسخ حفظه ويتلقاه السامعون فيعلَقُ بحوافظهم، ويتدبر قارئه وسامعه معانيَه كي لا يسبق لفظُ اللسان عملَ الفهم. قال قائل لعبد الله بن مسعود: قرأت المفصل في ليلة فقال عبد الله: «هَذًّا كهَذِّ الشعر» لأنهم كانوا إذا أنشدوا القصيدة أسرعوا ليظهر مِيزان بَحرها، وتتعاقب قوافيها على الأسماع. والهذُّ إسراع القطع. وأكد هذا الأمر بالمفعول المطلق لإِفادة تحقيق صفة الترتيل. وقرأ الجمهور "أو انقُص" بضم الواو للتخلص من التقاء الساكنين عند سقوط همزة الوصل، حركوا الواو بضمّة لمناسبة ضمة قاف "انقُص" بعدها. وقرأه حمزة وعاصم بكسر الواو على الأصل في التخلص من التقاء الساكنين. ووقع في قوله تعالى: {أو زِدْ عليه ورتل القرآن} إذا (شبعت) فتحة نون القرآن محسِّن الاتِّزان بأن يكون مصراعاً من بحر الكامل أحَذَّ دخَله الإِضمار مرتين.

الشنقيطي

تفسير : بين تعالى المراد من المقدار المطلوب قيامه بما جاء بعده {نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً} [المزمل: 3] أي من نصفه أو زد عليه أي على نصفه، وفي هذه الآية الكريمة وما بعدها بيان لمجمل قوله تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ}تفسير : [الإسراء: 79] الآية. وفيها بيان لكيفية القيام، وهو بترتيل القرآن، وفيها رد على مسألتين اختلف فيهما. الأولى منهما: عدد ركعات قيام الليل، أهو ثماني ركعات أو أكثر؟ وقد خير صلى الله عليه وسلم بين هذه الأزمنة من الليل، فترك ذلك لنشاطه واستعداده وارتياحه. فلا يمكن التعبد بعدد لا يصح دونه ولا يجوز تعديه، واختلف في قيام رمضان خاصة، والأولى أن يؤخذ بما ارتضاه السلف، وقد قدمنا في هذه المسألة رسالة عامة هي رسالة التراويح أكثر من ألف عام في مسجد النَّبي عليه السلام، وقد استقر العمل على عشرين في رمضان. والمسألة الثانية: ما يذكره الفقهاء في كيفية قيام الليل عامة هل الأفضل كثرة الركعات لكثرة الركوع والسجود، وحيث إن أقرب ما يكون العبد إلى الله وهو ساجد، أم طول القيام للقراءة؟ حيث إن للقارئ بكل حرف عشر حسنات، فهنا قوله تعالى: {وَرَتِّلِ ٱلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً } [المزمل: 4] نص على أن العبرة بترتيل القرآن ترتيلاً، وأكد بالمصدر تأكيداً لإرادة هذا المعنى كما قال ابن مسعود: "لا تنثروه نثر الرمل، ولا تهذوه هذا الشِّعر؟ قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة" وقد بينت أم سلمة رضي الله عنها تلاوة رسول الله صلى الله عليه وسلم بقولها: كان يقطع قراءته آية آية {أية : بسم الله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ}تفسير : [الفاتحة: 1-4] رواه أحمد. وفي الصحيح عن أنس: سئل عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كنت مداً ثم قرأ {بسم الله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـم} يمد بسم الله ويمد الرحمن، ويمد الرحيم. تنبيه إن للمد حدوداً معلومة في التجويد حسب تلقي القراء رحمهم الله، فما زاد عنها فهو تلاعب، وما قلّ عنها فهو تقصير في حق التلاوة. ومن هذا يعلم أن المتخذين القرآن كغيره في طريقة الأداء من تمطيط وتزيد لم يراعوا معنى هذه الآية الكريمة، ولا يمنع ذلك تحسين الصوت بالقراءة، كما في قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : زينوا القرآن بأصواتكم ". تفسير : وقال أبو موسى رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو كنت أعلم أنك تسمع قراءتي لحبرته لك تحبيراً. وهذا الوصف هو الذي يتأتى منه الغرض من التلاوة، وهو التدبر والتأمل، كما في قوله تعالى: {أية : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ}تفسير : [النساء: 82]، كما أنه هو الوصف الذي يتأَتى معه الغرض من تخشع القلب كما في قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ}تفسير : [الزمر: 23]، ولا تتأثر به القلوب والجلود إلا إذا كان مرتلاً، فإذا كان كالشعر أو الكلام العادي لما فهم، وإذا كان مطرباً كالأغاني لما أثر. فوجب الترتيل كما بين صلى الله عليه وسلم.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1، 2، 3، 4- يا أيها المتلفف بثيابه، قُمْ الليل مصلياً إلا قليلاً، قُمْ نصفْ الليل أو انقص من النصف قليلاً حتى تصل إلى الثلث، أو زد على النصف حتى تصل إلى الثلثين، واقرأ القرآن متمهلاً مبيناً للحروف والوقوف قراءة سالمة من أى نقصان. 5- إنا سنلقى عليك - أيها الرسول - قرآناً مشتملاً على الأوامر والنواهى والتكاليف الشاقة. 6- إن العبادة التى تكون بالليل، هى أشد رسوخاً فى القلب، وأبْيَن قولاً، لما يكون بالليل من هدوء وصفاء. 7- إن لك فى النهار تقلباً فى مصالحك، واشتغالاً بأمور الرسالة، ففرِّغ نفسك ليلاً لعبادة ربك. 8- وأجر على لسانك ذكر اسم مَن تعهدك بالخلق والتربية، وانقطع لعبادته من كل شئ انقطاعاً تاماً.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: يا أيها المزمل: أي المتلفف بثيابه أي النبي صلى الله عليه وسلم. قم الليل: أي صل. إلا قليلا: أي نصف الليل. نصفه أو انقص منه قليلا: أي انقص من النصف إلى الثلث. أو زد عليه: أي إلى الثلثين فأنت مخير في أيها تفعل تقبل. ورتل القرآن ترتيلا: أي ترسل في قراءته وبيّنه تبييناً. إنا سنلقي عليك قولا: أي قرآنا. ثقيلا: أي محمله ثقيلا العمل به لما يحوى من التكاليف. إن ناشئة الليل: أي ساعة الليل من صلاة العشاء فما فوق كل ساعة تُسمى ناشئة. هي أشد وطئاً: أي هي أقوى موافقة السمع للقلب على تفهم القرآن فيها. وأقوم قيلا: أي أبين قولا وأصوب قراءة من قراءة النهار لسكون الأصوات. واذكر اسم ربك: أي دم على ذكره ليلا ونهارا على أي وجه من تسبيح وتهليل وتحميد. وتبتل إليه تبتيلا: أي انقطع إليه في العبادة وفي طلب الحاجة وفي كل ما يهمك. لا إله إلا هو: أي لا معبود بحق سواه ولا تنبغي العبادة لغيره. فاتخذه وكيلا: أي فوض جميع أمورك إليه فإِنه يكفيك. معنى الآيات: قوله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ} نادى الربّ تبارك وتعالى نبيّه محمداً صلى الله عليه وسلم مذكراً إياه بتلك الساعة السعيدة التي فاجأه فيها الوحي لأول مرة فرجع بها ترجف بوادره فانتهى إلى خديجة وهو يقول زملوني دثروني فالمزمل هو المتزمل أي المتلفف في ثيابه ليقول له قم الليل إلا قليلا أي صل في الليل {نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً} إلى الثلث {أَوْ زِدْ عَلَيْهِ} أي على النصف إلى الثلثين وامتثل الرسول أمر ربّه فقام مع أصحابه حتى تورمت أقدامهم. ثم خفف الله تعالى عنهم ونزل آخر هذه السورة بالرخصة في ترك القيام الواجب وبقى الندب والاستحباب وقوله تعالى {وَرَتِّلِ ٱلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} يرشده ربّه إلى أحسن التلاوة وهي الترسل وعدم السرعة حتى يبيّن الكلمات تبييناً ويترقى القلب في معانيها. وقوله {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً} يخبره ربّه تعالى بأنه سيلقي عليه قولا ثقيلا هو القرآن فإِنه ثقيل مهيب ذو تكاليف العمل بها ثقيل إنها فرائض وواجبات أعلمه ليوطن نفسه على العمل ويهيئها لحمل الشريعة علما وعملا ودعوة. وقوله {إِنَّ نَاشِئَةَ ٱللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً} يخبر تعالى مُعلما أن ساعات الليل من بعد صلاة العشاء إلى آخر الليل القيام فيها يجعل السمع يواطيء القلب على فهم معاني القرآن الذي يقرأه المصلي، وقوله وأقوم قيلا أي أبين قولا وأصوب قراءة من قراءة الصلاة في النهار. وقوله {إِنَّ لَكَ فِي ٱلنَّهَارِ سَبْحَاً طَوِيلاً} يخبر تعالى رسوله بأن له في النهار أعمالاً تشغله عن قراءة القرآن فلذا أرشده إلى قيام الليل وترتيل القرآن لتفرغه من عمل النهار وقوله {وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ} أي داوم على ذكره ليلا ونهارا على أي وجه كان الذكر من تسبيح وتحميد وتكبير وتهليل. وقوله {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ} أي إلى الله {تَبْتِيلاً} أي انقطع إليه في العبادة إخلاصا له وفي طلب حوائجك، وفي كل ما يهمك من أمر دينك ودنياك وقوله {رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ} أي هو تعالى ربّ المشرق والمغرب أي مالك المشرقين والمغربين {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} فلا تنبغي العبادة إلا له ولا تصح الألوهية إلاّ له أيضاً وقوله {فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلاً} أي من كل ما يهمك فإِنه يكفيك وهو على كل شيء قدير. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- الندب إلى قيام الليل وأنه دأب الصالحين وطريق المتقربين. 2- الندب إلى ترتيل القرآن وترك العجلة في تلاوته. 3- صلاة الليل أفضل من صلاة النهار لتواطئ السمع والقلب فيها على فهم القرآن. 4- الندب إلى ذكر الله تعالى بأي وجه من صلاة وتسبيح وطلب علم ودعاء وغير ذلك.

القطان

تفسير : المزمل: المتلفف بثيابه ومثله المتزمل، يقال ازَّمَّل وتزمل بثوبه التفّ به وتغطى، وزمَّل غيره اذا غطاه.. رتّلِ القرآن ترتيلا: اقرأه على مهل وبين حروفه بوضوح. قولاً ثقيلا: الوحي وما فيه من كلام عظيم وتكاليف شاقة. ناشئةَ الليل: الاستيقاظ من النوم والقيام للصلاة. أشدّ وطأ: اكثر مشقة. وأقومُ قيلا: أثبتُ قراءة وأصوب، لحضور القلب وهدوء الاصوات. سَبْحا: تقلبا وتصرفا في مهام امورك، واشتغالا في امور الرسالة. وتبتَّلْ اليه تبتيلا: انقطع الى الله وأخلص اليه. واتخذْه وكيلا: فوض كل امورك اليه. هذه الآياتُ من أولِ ما نزلَ من الوحي على الرسولِ الكريم صلى الله عليه وسلم، وقد روي في الاحاديث الصحيحة أنه لما جاءه جبريلُ وهو في غار حِراء في أول الوحي خافه الرسول، وظنّ ان به هو مسّاً من الجنّ، فرجع من غار حِراء مرتعِدا يرجُف فؤادُه، فقال لأهله: زمِّلوني زملوني، لقد خشيتُ على نفسي. واخبر خديجةَ الخبر. فنزلت هذه الآياتُ: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ قُمِ ٱلْلَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ ٱلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً}. يا أيها المتلفّف بثيابه، قُم في الليلِ وانشَط للصلاة، لتستعدَّ للأمرِ الجليل، وهو تبليغُ دعوة ربّك للناس. ثم بيّن له المقدارَ الذي يصلّيه: نصفَ الليل، أو أقلَّ من النصف، او زِدْ عليه بقدْرِ ما تستطيع، واقرأ القرآن ببيانٍ ووضوحٍ وترتيل.... وهذا قبل ان تُفرضَ الصلواتُ الخمس. ثم أخبره تعالى بأنه سيُلقي عليه قرآناً عظيماً فيه تكاليفُ شاقة على المكلَّفين، فاستعدَّ لهذا الأمر يا محمد. ثم بيّن له بوضوحٍ أن الصلاةَ بالليل والنهوضَ للعبادة شديدُ الوطأة، ولكنّه أقْوَمُ وأثبتُ لقراءة القرآن، لِحضورِ القلب، ولأن الليلَ تهدأ فيه الأصواتُ وتنقطعُ الحركة، فيكون الذهنُ أجْمَعَ، والنفسُ أصفَى للتدبُّر والتأمل في أسرار القرآن الكريم. {إِنَّ لَكَ فِي ٱلنَّهَارِ سَبْحَاً طَوِيلاً} ان لك في النهارِ وقتاً طويلاً تَصْرِفه في العملِ والاشتغال بأمور الرسالة، ففرّغ نفسَك في اللّيل لعبادةِ ربّك. ثم انتقلَ بعد ذلك إلى أمرِ الرسول الكريم بتبليغ الدعوةِ والانقطاعِ لذلك وتفويضِ أموره كلّها إليه: {وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلاً} استعنْ على تبليغ دعوتك بذِكر الله، وانقطعْ إليه في عبادَتِك وأُمورك جميعها. ثم بين له أنه ليس هناك إلا اللهُ وحدَه، فاتجهْ إليه بالعبادة، هو مالكُ هذا الكون العجيب الكبير، {فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلاً} وفوِّض أمورك إليه، واستمدَّ القوةَ والعون منه لتحملَ العِبء الثقيلَ الذي القي عليك. قراءات: قرأ ابن عامر وابو عمرو: وطاء بكسر الواو وفتح الطاء وبعدها الف. والفعل واطأ يواطئ مواطأة ووطاء. وقرأ الباقون: وطئا بفتح الواو وسكون الطاء. والفعل وطئ وطئا. وقرأ أهل الكوفة غير حفص ويعقوب: رب المشرق، بكسر الباء. والباقون: رب المشرق برفع الباء.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰأَيُّهَا} (1) - حِينَمَا جَاءَ جِبْرِيلُ عََلَيْهِ السَّلاَمُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِالوَحْيِ لأَِوَّلِ مَرَّةٍ، وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءَ، خَافَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَظَنَّ أَنَّ بِهِ مَسّاً مِنَ الجِنِّ، فَرَجَعَ مِنَ الجَبَلِ، مُرْتَعِداً، وَقَالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي. فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَهُ جِبْرِيلُ وَنَادَاهُ ( يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ.. أَيْ يَا أَيُّهَا المُتَلَفِّفُ بِثِيَابِهِ). المُزَّمِّلُ - المُلْتَفُّ بِثِيَابِهِ.

الثعلبي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ} المتلفف بثوبه، وأصله المتزمل فأدغم التاء في الزاء، ومثله يقال: تزمل وتدثر بثوبه إذا تغطى به، وزمل غيره إذا غطّاه. قال امرؤ القيس: شعر : كبير أُناس في بجاد مزمّل تفسير : قال أبو عبد الله الجدلي: سألت عائشة عن قوله سبحانه: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ} ما كان تزميله ذلك؟ قالت: كان مرطاً طوله أربع عشر ذراعاً نصفه عليَّ وأنا نائمة ونصفه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلّي. قال أبو عبد الله: فسألتها ما كان؟ قالت: والله ما كان جزّاً ولا قزّاً ولا مرعزي ولا إبريسم ولا صوفاً كان سداه شعراً ولحمته وبراً. وقال السدي: أراد يا أيها النائم قم فصلِّ. وقال عكرمة: يعني: يا أيُّها الذي زُمّل هذا الأمر أي حُمّله، وكان يقرأ المزمّل بتخفيف الزاي وفتح الميم وتشديدها. وقالت الحكماء: إنّما خاطبه بالمزمل والمدثر في أوّل الأمر؛ لأنّه لم يكن أدّى بعد شيئاً من تبليغ الرسالة. {قُمِ ٱلْلَّيْلَ} قراءة العامة بكسر الميم، وقرأ أبو السماك العدوي: بضمه لضمة القاف {إِلاَّ قَلِيلاً} ثمّ بين فقال: {نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً} إلى الثلث {أَوْ زِدْ عَلَيْهِ} على النصف إلى الثلثين، خيّره بين هذه المنازل، فلما نزلت هذه الآية صلّى النبيّ صلى الله عليه وسلم أصحابه واشتد ذلك عليهم وكان الرجل لا يدري متى ثلث الليل ومتى النصف ومتى الثلثان فكان يقوم حتى يصبح مخافة أن لا يحفظ حتى شقّ عليهم وانتفخت أقدامهم وانتُقعت ألوانهم، فرحمهم الله سبحانه وخفف عنهم ونسخها بقوله: {عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ} الآية [المزمل:20]. وكان بين أوّل السورة وآخرها سنة. وقال سعيد بن جبير: لمّا نزل قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ} مكث النبيّ صلى الله عليه وسلم على هذه الحال عشر سنين يقوم الليل كما أمره الله تعالى، وكانت طائفة من أصحابه يقومون معه، فأنزل الله سبحانه بعد عشر سنين {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ} الآية [المزمل: 20]. فخفف عنهم بعد عشر سنين. وقال مقاتل وابن كيسان: كان هذا قبل أن يفرض الصلوات الخمس، ثمّ نسخ ذلك بالصلوات الخمس. وقال ابن عباس: لما نزل أول المزمّل كانوا يقومون نحو من قيامهم في شهر رمضان، وكان بين أولها وآخرها سنة. وروى أبو سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة، قالت: حديث : كنت أجعل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حصيراً يصلّي عليه من الليل، فتسامع الناس به، فاجتمعوا فلمّا تكثر جماعتهم، كره ذلك وخشى أن يكتب عليهم قيام الليل، فدخل البيت كالمغضب، فجعلوا يتنحنحون ويشتغلون حتّى خرج إليهم، فقال: "يا أيُّها الناس اكلفوا من الأعمال ما تطيقون، فإنّ الله لا يملّ من الثواب حتّى تملّوا من العمل وإنّ خير العمل أدومه وان قلّ" فنزلت عليه: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ * قُمِ ٱلْلَّيْلَ} فكُتبت عليهم وانزلت بمنزلة الفريضة حتى إن كان أحدهم ليربط الحبل فيتعلق به، فمكثوا ثمانية أشهر، فلمّا رأى الله ما يكلّفون ويبتغون به وجه الله ورضاه رحمهم فوضع ذلك عنهم فقال: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلْلَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ} الآية. تفسير : فردّهم إلى الفريضة ووضع عنهم قيام الليل إلاّ ما تطوعوا به. وقال الحسن: في هذه الآية الحمد لله تطوع بعد فريضة. {وَرَتِّلِ ٱلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً}. قال الحسن: اقرأه قراءة، بيّنه تبياناً، وعنه أيضاً: اقرأه على هينتك ثلاث آيات وأربعاً وخمساً. قتادة: تثبت فيه تثبيتاً. ابن كيسان: تفهّمه تالياً له. وقيل: فصّله تفصيلا ولا تعجل في قراءته، وهو من قول العرب: ثغّر رتّل ورتل إذا كان مفلجاً. أبو بكر ابن طاهر: دبّر في لطائف خطابه، وطالب نفسك بالقيام بأحكامه، وقلبك بفهم معانيه، وسرك بالإقبال عليه. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن مالك، قال: حدّثنا عبد الله، قال: حدثني أبي، قال: حدّثنا عبد الرحمن عن سفيان عن عاصم عن زر عن عبد الله بن عمرو عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارقَ ورتل كما ترتل في الدنيا فإن منزلك عند آخر آية تقرأها ". تفسير : {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً} قال الحسن: إنّ الرجل ليهدُّ السورة ولكن العمل به ثقيل. وقال قتادة: ثقيل والله فرائضه وحدوده. ابن عباس: شديداً. أبو العالية: ثقيلا بالوعد والوعيد والحلال والحرام. محمد بن كعب: ثقيلا على المنافقين. الفرّاء: ثقيلا ليس بالخفيف السفساف؛ لأنه كلام ربّنا. عبد العزيز بن يحيى: مهيباً، ومنه يقال للرجل العاقل: هو رزين راجح. وسمعت الأُستاذ أبا القيّم بن جندب يقول: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن مضارب بن إبراهيم يقول: سمعت الحسين بن الفضل وسئل عن هذه الآية، فقال: معناها أنا سنلقي عليك قولا خفيفاً على اللسان ثقيلا في الميزان. وقال أبو بكر بن طاهر: يعني قولا لا يحمله إلاّ قلب مؤيد بالتوفيق ونفس مزيّنة بالتوحيد. وقال القيّم: في هذه الآية سماع العلم من العالم مرّ واستعماله ثقيل لكنه يأتي بالفرح إذا استعمله العبد على جد السنّة وتمام الأدب. وقيل: عنى بذلك أن القرآن عليه ثقيل محمله. قال ابن زيد: هو والله ثقيل مبارك كما ثقل في الدنيا يثقل في الموازين يوم القيامة. أخبرنا أبو الحسين ابن أبي الفضل القهندري، قال: أخبرنا مكي قال: حدّثنا محمد بن يحيى فقال: وفيما قرأت على عبد الله عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة حديث : أن الحرث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشدّ عليّ فينفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحياناً يتمثل الملك رجلا فأعرف ما يقول ". تفسير : قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه في اليوم الشديد البرد فينفصم عنه وان جبينه ليرفض عرقاً. وأخبرنا عبد الله بن حامد، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن يحيى العبدي، قال: حدّثنا أحمد بن نجدة، قال: حدّثنا يحيى الحماني، قال: حدّثنا ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، قالت: حديث : إن كان ليوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على راحلته فيضرب بجرافها . تفسير : {إِنَّ نَاشِئَةَ ٱللَّيْلِ} أي ساعاته كلّها، وكل ساعة منه فهي ناشئة سميت بذلك؛ لأنها تُنشأ، ومنه نشأت السحابة إذا بدت انشاها الله وجمعها ناشيات. أنبأني عقيل، قال: أخبرنا المعافى، قال: أخبرنا ابن جرير، قال: حدثني يعقوب، قال: حدّثنا ابن عليّة قال: أخبرنا حاتم بن صفيرة، قال: قلت لعبد بن أبي مليكة: ألا تحدثني أيّ الليل ناشئة؟ فقال: على الثبت سقطت سألت عنها ابن عباس فزعم أنّ الليل كلّه ناشئة. وسألت ابن الزبير عنها فأخبرني مثل ذلك. وقال سعيد بن جبير وابن زيد: أي ساعة قام من الليل فقد نشأ، وهو بلسان الحبش نشأ إذا قام. وقال عكرمة: ما قمت من أوّل الليل فهو ناشئة. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن ماجة، قال: حدّثنا ابن أيوب، قال: حدّثنا ابن أبي زياد، قال: حدّثنا سيار، قال: حدّثنا جعفر عن الجرير عن بعض أشياخه عن عليّ بن الحسين أنّه كان يصلّي بين المغرب والعشاء ويقول: أما سمعتم قول الله سبحانه: {إِنَّ نَاشِئَةَ ٱللَّيْلِ} هذا ناشئة الليل. وقال أبو مجلد وقتادة: ما كان بعد العشاء فهو ناشئة. وقال عبيد بن عمير: قلت لعائشة: رجل قام من أوّل الليل أيقال له قام ناشئة؟ قالت: لا، إنّما الناشئة القيام بعد النوم. وقال يمان وابن كيسان: هي القيام من آخر الليل. {هِيَ أَشَدُّ وَطْأً} قرأ أبو عمرو وابن عامر وابن محيص: وطأ بكسر الواو ممدوداً، واختاره أبو عبيد على معنى المواطاة والموافقة، وهو أن يواطيء قلبه وسمعه وبصره لسانه. وقرأ الباقون بفتح الواو مقصوراً، أي فراغاً للقلب. قال ابن عباس: كانت صلواتهم أوّل الليل هي أشدّ وطئاً، يقول: هو أجدر أن تحصوا ما فرض الله عليكم من القيام، وذلك أنّ الإنسان إذا نام لم يدرِ متى يستيقظ. وقال قتادة: أثبت في الخير أحفظ للقراة. الفرّاء: أثبت قياماً. القرطبي: أشدّ على المصلّي من صلاة النهار، دليله قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللّهمّ أشدد وطأتك على مضر ". تفسير : ابن زيد: أفرغ له قلباً من النهار، لأنّه لا تعرض له حوائج ولا شيء. الحسن، أشدّ وطأً في الخير وأمنع من الشيطان. {وَأَقْوَمُ قِيلاً} وأصوب قراءة، وعبادة الليل أشدّ نشاطاً وأتم إخلاصاً وأكثر بركة.

الصابوني

تفسير : اللغَة: {ٱلْمُزَّمِّلُ} المتلفف بثيابه يقال: تزمَّل بثوبه أي التف به وتغطَّى، وزمَّل غيره إِذا غطاه قال امرؤ القيس: كبير أناسٍ في بجادٍ مزمَّل {سَبْحَاً} تصرفاً وتقلباً في مهماتك، وأصل السَّبْح العومُ على وجه الماء، واستعير للتصرف والتقلب في شئون الحياة {أَنكَالاً} جمع نِكْلٍ وهو القيد الثقيل الذي يقيد به المجرم {كَثِيباً} الكثيب: الرمل المجتمع {مَّهِيلاً} سائلاً متناثراً منهاراً قال أهل اللغة: المهيل الذي إذا وطأته بالقدم زلَّ من تحتها، وإذا أخذت أسفله انهال، وأصله مهيول كمكيل أصله مكيول {وَبِيلاً} عظيماً شديداً وخيم العاقبة. التفسِير: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ} أي يا أيها المتلفف بثيابه، وأصله المتزمل وهو الذي تلفف وتغطى، وخطابه صلى الله عليه وسلم بهذا الوصف {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ} فيه تأنيسٌ وملاطفة له عليه السلام قال السهيلي؛ إن العرب إذا قصدت ملاطفة المخاطب وترك معاتبته سموه باسم مشتق من حالته التي هو عليها كقول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي - حين غاضب فاطمة وقد نام ولصق بجنبه التراب - قم أبا تراب، إشعاراً بأنه ملاطفٌ له، وغير عاتب عليه، والفائدة الثانية، التنبيهُ لكل متزمل راقد ليله، ليتنبه إلى قيام الليل وذكر الله تعالى، لأنه الاسم المشتق من الفعل، يشترك فيه المخاطب، وكل من اتصف بتلك الصفة، وسبب هذا التزمل ما روي في الصحيح حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جاءه جبريل وهو في غار حراء - في ابتداء الوحي - رجع إلى خديجة يرجف فؤاده فقال: زملوني زملوني، لقد خشيت على نفسي، وأخبرها بما جرى، فنزلت {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ} تفسير : أي يا أيها الذي تلفف بقطيفته، واضطجع في زاوية بيته، وقد أشبه من يُؤثر الراحة والسكون، ويحاول التخلص مما كُلف به من مهمات الأمور {قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً} أي دع التزمل والتلفف، وانشط لصلاة الليل، والقيام فيه ساعات في عبادة ربك، لتستعد للأمر الجليل، والمهمة الشاقة، ألا وهي تبليغ دعوة ربك للناس، وتبصيرهم بالدين الجديد.. ثم وضَّح المقدار الذي ينبغي أن يصرفه في عبادة الله فقال {نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ} أي قم للصلاة والعبادة نصف الليل، أو أقل من النصف قليلاً، أو أكثر من النصف، والمراد أن تكون هذه الساعات طويلة بحيث لا تقل عن ثلث الليل، ولا تزيد على الثلثين قال ابن عباس: إن قيام الليل كان فريضة على رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله {قُمِ ٱلَّيلَ} ثم نسخ بقوله تعالى {فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} وكان بين أول هذا الوجوب ونسخه سنة، وهذه هي السورة التي نسخ آخرها أولها، حيث رحم الله المؤمنين فأنزل التخفيف عليهم بقوله {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلْلَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ...} الآية {وَرَتِّلِ ٱلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} أي اقرأ القرآن أثناء قيامك في الليل قراءة تثبت وتؤَدة وتمهل، ليكون عوناً لك على فهم القرآن وتدبره، قال الخازن: لما أمره تعالى بقيام الليل أتبعه بترتيل القرآن، حتى يتمكن المصلي من حضور القلب، والتفكر والتأمل في حقائق الآيات ومعانيها، فعند الوصول إلى ذكر الله يستشعر بقلبه عظمة الله وجلاله، وعند ذكر الوعد والوعيد يحصل له الرجاء والخوف، وعند ذكر القصص والأمثال يحصل له الاعتبار، فيستنير القلب بنور معرفة الله، والإِسراع في القراءة يدل على عدم الوقوف على المعاني، فظهر بذلك أن المقصود من الترتيل، إنما هو حضور القلب عند القراءة، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطِّع القراءة حرفاً حرفاً - أي يقرأ القرآن بتمهل، ويخرج الحروف واضحة - لا يمر بآية رحمةٍ إلا وقف وسأل، ولا يمر بآية عذابٍ إلا وقف وتعوَّذ.. ثم بعد أن أمره تعالى باطراح النوم، وقيام الليل، وتدبر القرآن وتفهمه، انتقل إلى بيان السبب في هذه الأوامر الثلاثة، ذات التكليف الصعب الشاق فقال {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً} أي سننزل عليك يا محمد كلاماً عظيماً جليلاً، له هيبة وروعةٌ وجلال، لأنه كلام الملك العلاَّم قال الإِمام الفخر: والمراد من كونه ثقيلاً هو عِظَم قدره، وجلالة خطره، وكل شيء نفس وعظم خطره فهو ثقيل، وهذا معنى قول ابن عباس: {قَوْلاً ثَقِيلاً} يعني كلاماً عظيماً، وقيل المراد ما في القرآن من الأوامر والنواهي، التي هي تكاليف شاقة ثقيلة على المكلفين، ووجه النظم عندي أنه لما أمره بصلاة الليل فكأنه قال: إنما أمرتك بصلاة الليل، لأنا سنلقي عليك قولاً عظيماً، ولا بد وأن تصيّر نفسك مستعدة لذلك القول العظيم، وذلك بصلاة الليل، فإن الإِنسان إذا اشتغل بعبادة الله في الليلة الظلماء، وأقبل على ذكره والتضرع بين يديه، استعدت نفسه لإِشراق وجلال الله فيها أقول: وهذا المعنى لطيف في الربط بين قيام الليل، وتلاوة القرآن، فإن الله تعالى كلَّف رسوله أن يدعو الناس إلى دين جديد، فيه تكاليف شاقة على النفس، وأن يكلفهم العمل بشرائعه وأحكامه، ولا شك أن مثل هذا التكليف، يحتاج إلى مجاهدة للنفس ومصابرة، لما فيه من حملهم على ترك ما ألفوه من العقائد، ونبذ ما ورثوه من أسلافهم من العادات، فأنت يا محمد معرَّضٌ لمتاعب كثيرة، وأخطار جمة في سبيل هذه الدعوة، وحمل الناس على قبولها، فكيف يمكنك أن تقوم بهذه المهمة الكبيرة، وأنت على ما أنت عليه من التزمل والتلفف، والخلود إلى الراحة والسكون، والبعد عن المشاقِّ، ومجاهدة النفس بطول العبادة وكثرة التهجد، ودراسة آيات القرآن دراسة تفهم وتدبر؟ فانشط من مضجعك إِذاً، واسهر معظم ليلك في مناجاة ربك، استعداداً لتحمل مشاق الدعوة، والتبشير بهذا الدين الجديد، ويا لها من لفتةٍ كريمة، تيقَّظَ لها قلبُ النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، فشمَّر عن ساعد الجد والعمل، وقام بين يدي ربه حتى تشققت قدماه.. ثم بيَّن تعالى فضل إحياء الليل بالعبادة فقال {إِنَّ نَاشِئَةَ ٱللَّيْلِ} أي إن ساعات الليل وأوقاته التي فيها التفرغ والصفاء، وما ينشئه المرء ويحدثه من طاعةٍ وعبادة، يقوم لها من مضجعه بعد هدأةٍ من الليل {هِيَ أَشَدُّ وَطْأً} أي هي أشد على المصلي وأثقل من صلاة النهار، لأن الليل جعل للنوم والراحة، فقيامه على النفس أشد وأثقل، ومن شأن هذه الممارسة الصعبة أن تقوّي النفوس، وتشد العزائم، وتصلب الأبدان، ولا ريب أن مصاولة الجاحدين أعداء الله تحتاج إلى نفوس قوية، وأبدان صلبة {وَأَقْوَمُ قِيلاً} أي أثبتُ وأبينُ قولاً، لأن الليل تهدأ فيه الأصوات، وتنقطع فيه الحركات، فتكون النفس أصفى، والذهن أجمع، فإن هدوَّ الصوت في الليل، وسكون البشر فيه، أعون للنفس على التدبر والتفطن، والتأمل في أسرار القرآن ومقاصده {إِنَّ لَكَ فِي ٱلنَّهَارِ سَبْحَاً طَوِيلاً} أي إن لك في النهار تصرفاً وتقلباً، واشتغالاً طويلاً في شئونك، فاجعل ناشئة الليل لتهجدك وعبادتك قال في التسهيل: السبحُ هنا عبارة عن التصرف في الأعمال والأشغل والمعنى: يكفيك النهار للتصرف في أشغالك، وتفرغ بالليل لعبادة ربك.. وبعد أن قرر الخطاب الإِلهي هذه المقدمات التي هي بمثابة تمهيدٍ وبساطٍ للدعوة، انتقل إلى أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بتبليغ الدعوة، وتعليمه كيفية السير فيها عملاً، بعد أن مهدها له نظراً فقال {وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً} أي استعن على دعوتك بذكر الله ليلاً ونهاراً، وانقطع إليه انقطاعاً تاماً في عبادتك وتوكلك عليه، ولا تعتمد في شأنٍ من شئونك على غيره تعالى قال ابن كثير: أي أكثر من ذكره وانقطع إليه جلا وعلا، وتفرغ لعبادته إذا فرغت من أشغالك مع إخلاص العبادة له {رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلاً} أي هو جل وعلا الخالق المتصرف بتدبير شئون الخلق، وهو المالك لمشارق الأرض ومغاربها، لا إله غيره ولا ربَّ سواه، فاعتمد عليه وفوّض أمورك إليه {وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ} أي اصبر على أذى هؤلاء السفهاء المكذبين فيما يتقولونه عليك من قولهم: "ساحر، شاعر، مجنون" فإن الله ناصرك عليهم {وَٱهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً} أي اتركهم ولا تتعرض لهم بأذى ولا شتيمة، قال المفسرون: الهجر الجميل هو الذي لا عتاب معه، ولا يشوبه أذى ولا شتم، وقد كان هذا قبل أن يؤمر بالقتال كما قال سبحانه {أية : وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ}تفسير : [الأَنعام: 68] ثم أُمر صلى الله عليه وسلم بقتالهم وقتلهم، والحكمة في هذا أن المؤمنين كانوا بمكة قلة مستضعفين، فأمروا بالصبر وبالمجاهدة الليلية، حتى يُعدُّوا أنفسهم بهذه التربية الروحية على مناجزة الأعداء، وحتى يكثر عددهم فيقفوا في وجه الطغيان، أما قبل الوصول إلى هذه المرحلة فينبغي الصبر والاقتصار على الدعوة باللسان.. ثم قال تعالى متوعداً ومتهدداً صناديد قريش {وَذَرْنِي وَٱلْمُكَذِّبِينَ أُوْلِي ٱلنَّعْمَةِ} أي دعني يا محمد وهؤلاء المكذبين بآياتي، أصحاب الغنى، والتنعم في الدنيا، والترف والبطر فأنا أكفيك شرهم قال الصاوي: المعنى اتركني أنتقم منهم، ولا تشفع لهم، وهذا من مزيد التعظيم له صلى الله عليه وسلم، وإِجلال قدره {وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً} أي وأمْهِلهمْ زمناً يسيراً حتى ينالوا العذاب الشديد قال المفسرون: أمهلهم الله تعالى إلى أن هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، فلما خرج منها سلَّط عليهم السنين المجدبة وهو العذاب العام، ثم قتل صناديدهم ببدر وهو العذاب الخاص.. ثم وصف تعالى ما أعده لهم من العذاب في الآخرة فقال {إِنَّ لَدَيْنَآ أَنكَالاً وَجَحِيماً} أي إنَّ لهم عندنا في الآخرة قيوداً عظيمة ثقيلة يقيدون بها، وناراً مستعرة هي نار الجحيم يحرقون بها قال في التسهيل: الأنكال جمع نِكْل وهو القيد من الحديد، وروي أنها قيود سودٌ من نار {وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ} أي وطعاماً كريهاً غير سائغ، يغصُّ به الإِنسان وهو الزقوم والضريع قال ابن عباس: شوك من نار يعترض في حلوقهم لا يخرج ولا ينزل {وَعَذَاباً أَلِيماً} أي وعذاباً وجيعاً مؤلماً، زيادة على ما ذكر من النكال والأغلال.. ثم ذكر تعالى وقت هذا العذاب فقال {يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ} أي يوم تتزلزل الأرض وتهتز بمن عليها اهتزازاً عنيفاً شديداً هي وسائر الجبال، وذلك يوم القيامة {وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً} أي وتصبح الجبال على صلابتها تلاً من الرمل سائلاً متناثراً، بعد أن كانت صلبة جامدة قال ابن كثير: أي تصير الجبال ككثبان الرمال، بعد ما كانت حجارة صماء، ثم إنها تُنسف نسفاً فلا يبقى منها شيء إلا ذهب كقوله تعالى {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً * فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً * لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً}تفسير : [طه: 105-107] أي لا شيء ينخفض ولا شيء يرتفع.. ذكر تعالى العذاب المؤلم الذي أعده للمشركين، ومكانه وهو الجحيم، وآلاته وهي القيود وطعام الزقوم، ووقته وهو عند اضطراب الأرض وتزلزلها بمن عليها، وأراد بذلك تخويف المكذبين وتهديدهم بأنه تعالى سيعاقبهم بذلك كله، إن بقوا مستمرين في تكذيبهم لرسول الله عليه الصلاة والسلام، ثم أعقبه بتذكيرهم بما حلَّ بالأمم الباغية التي قد خلت من قبلهم، وكيف عصت وتمردت فأنزل بها من أمره ما أنزل، وضرب لهم المثل بفرعون الجبار فقال {إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ} أي بعثنا لكم يا أهل مكة محمداً صلى الله عليه وسلم شاهداً على أعمالكم، يشهد عليكم بما صدر منكم من الكفر والعصيان {كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً} أي كما بعثنا إلى ذلك الطاغية فرعون الجبار، رسولاً من أولئك الرسل العظام "أولي العزم" وهو موسى بن عمران قال الخازن: وإِنما خصَّ فرعون وموسى بالذكر من بين سائر الأمم والرسل، لأن محمداً صلى الله عليه وسلم آذاه أهل مكة واستخفوا به لأنه وُلد فيهم، كما أن فرعون أزدرى بموسى وآذاه لأنه ربَّاه {فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ ٱلرَّسُولَ} أي فكذب فرعون بموسى ولم يؤمن به، وعصى أمره كما عصيتم يا معشر قريش محمداً صلى الله عليه وسلم وكذبتم برسالته {فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً} أي فأهلكناه إهلاكاً شديداً فظيعاً، خارجاً عن حدود التصور، وذلك بإِغراقه في البحر مع قومه قال أبو السعود: وفي الآية التنبيه على أنه سيحيق بهؤلاء ما حاق بأولئك لا محالة، و"الوبيلُ" الثقيل الغليظ من قولهم كلأٌ وبيل أي وخيم لا يستمرأ لثقله.. وبعد أن ذكر الله أخذه لفرعون، وأن ملكه وجبروته لم يدفعا عنه العذاب، عاد فذكَّر كفار مكة بالقيامة وأهوالها ليبيّن لهم أنهم لن يفلتوا من العذاب كما لم يفلت فرعون مما حدث له فقال {فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَانَ شِيباً} أي كيف لا تحذرون وتخافون يا معشر قريش عذاب يوم هائل إن كفرتم بالله ولم تؤمنوا به؟ وكيف تأمنون ذلك اليوم الرهيب الذي يشيب فيه الوليد من شدة هوله، وفظاعة أمره؟ قال الطبري: وإنما تشيب الولدان من شدة هوله وكربه، وذلك حين يقول الله لآدم: أخرج من ذريتك بعث النار، من كل ألفٍ تسعمائة وتسعة وتسعون، فيشيب هنالك كل وليد.. ثم زاد في وصفه وهوْله فقال {السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ} أي السماء متشققة ومتصدّعة من هول ذلك اليوم الرهيب العصيب {كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً} أي كان وعده تعالى بمجيء ذلك اليوم واقعاً لا محالة، لأن الله لا يخلف الميعاد {إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ} أي إن هذه الآيات المخوّفة، التي فيها القوارع والزواجر، عظةٌ وعبرةٌ للناس {فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً} أي فمن شاء من الغافلين الناسين، أن يستفيد من هذه التذكرة قبل فوات الأوان، فليسلك طريقاً موصلاً إلى الرحمن، بالإِيمان والطاعة، فالأسبابُ ميسرة، والسبل معبَّدة، قال المفسرون: والغرض الحضُّ على الإِيمان وطاعة الله عز وجل، والترغيب في الأعمال الصالحة، لتبقى ذخراً في الآخرة.. ثم عادت الآيات الكريمة للحديث عمَّا بدأته في أول السورة من قيام الليل فقال تعالى {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلْلَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ} أي إن ربك يا محمد يعلم أنك تقوم مع أصحابك للتهجد والعبادة أقل من ثلثي الليل، وتارة تقومون نصفه، وتارةً ثلثه كقوله تعالى {أية : كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}تفسير : [الذاريات: 17-18] {وَٱللَّهُ يُقَدِّرُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ} أي والله جل وعلا هو العالم بمقادير الليل والنهار، وأجزائهما وساعاتهما، لا يفوته علم ما تفعلون من قيام هذه الساعات في غلس الظلام ابتغاء رضوانه، وهو تعالى المدبّر لأمر الليل والنهار {عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ} أي علم تعالى أنكم لن تطيقوا قيام الليل كله ولا معظمه، فرحمكم ورجع عليكم بالتخفيف قال الطبري: أي علم ربكم أن لن تطيقوا قيامه، فتاب عليكم بالتخفيف عنكم {فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ} أي فصلوا ما تيسر لكم من صلاة الليل، وإنما عبَّر عن الصلاة بالقراءة، لأن القراءة أحد أجزاء الصلاة قال ابن عباس: سقط عن أصحاب رسول الله قيام الليل وصارت تطوعاً، وبقي ذلك فرضاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم.. ثم بين تعالى الحكمة في هذا التخفيف فقال {عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ} أي علم تعالى أنه سيوجد فيكم من يعجزه المرضُ عن قيام الليل، فخفف عنكم رحمة بكم {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ} أي وقوم آخرون يسافرون في البلاد للتجارة، يطلبون الرزق وكسب المال الحلال {وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي وقوم آخرون وهم الغزاة المجاهدون، يجاهدون في سبيل الله لإِعلاء كلمته ونشر دينه، وكل من هذه الفرق الثلاثة يشقُّ عليهم قيام الليل، فلذلك خفف الله عنهم، ذكر تعالى في هذه الآية الأعذار التي تكون للعباد تمنعهم من قيام الليل، فمنها المرض، ومنها السفر للتجارة، ومنها الجهاد في سبيل الله، ثم كرر الأمر بقراءة ما تيسر من القرآن تأكيداً للتخفيف عنهم قال الإِمام الفخر: أما المرضى فإنهم لا يمكنهم الاشتغال بالتهجد لمرضهم، وأما المسافرون والمجاهدون فهم مشغولون في النهار بالأعمال الشاقة، فلو لم يناموا في الليل لتوالت أسباب المشقة عليهم، فلذلك خفف الله عنهم وصار وجوب التهجد منسوخاً في حقهم {فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} أي فصلوا ما تيسَّر لكم من صلاة الليل، واقرءوا في صلاتكم ما تيسر من القرآن {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ} أي وأدوا الصلاة المفروضة على الوجه الأكمل، والزكاة الواجبة عليكم إلى مستحقيها قال المفسرون: قلَّما يُذكر الأمر بالصلاة في القرآن، إلا ويُقرن معه الأمر بالزكاة، فإن الصلاة عماد الدين بين العبد وربه، والزكاة كذلك عماد الدين بينه وبين إِخوانه، والصلاة أعظم العبادات البدنية، والزكاة أعظم العبادات المالية {وَأَقْرِضُواُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} أي تصدقوا في وجوه البر والإِحسان ابتغاء وجه الله قال ابن عباس: يريد سائر الصدقات سوى الزكاة، من صلة الرحم، وقرى الضيف وغيرهما {وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ} أي أيَّ شيء تفعلوه أيها الناس من وجوه البر والخير تلقوا أجره وثوابه عند ربكم {هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً} أي تجدوا ذلك الأجر والثواب يوم القيامة خيراً لكم مما قدمتم في الدنيا من صلح الأعمال، فإن الدنيا فانية والآخرة باقية، وما عند الله خيرٌ للأبرار {وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ} أي اطلبوا مغفرة الله في جميع أحوالكم، فإن الإِنسان قلَّما يخلو من تقصير أو تفريط {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي عظيم المغفرة، واسع الرحمة.. ختم تعالى السورة بإِرشاد المنفقين المحسنين، إلى أن يطلبوا من الله الصفح والعفو، إذ ربما كانوا لم يخلصوا النية في الإِنفاق، أو لم يحسنوا العمل في الإِقراض، فيضعوا النفقة في غير مواضعها، أو ينفقوها فيما لهم فيه غرض وشهوة، وهو ختم يتناسق مع موضوع الإِنفاق، فسبحان منزل القرآن بأوضح بيان!! البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الطباق بين {ٱنقُصْ مِنْهُ.. أَوْ زِدْ عَلَيْهِ} وبين {ٱلْمَشْرِقِ .. وَٱلْمَغْرِبِ} وبين {ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ}. 2- جناس الاشتقاق {أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً}. 3- تأكيد الفعل بالمصدر مثل {رَتِّلِ ٱلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً} {فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً} زيادة في البيان والإِيضاح. 4- الالتفات من الغيبة إلى الخطاب {إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً} ولو جرى على الأصل لقال إنا أرسلنا إليهم، والغرض من الالتفات التقريع والتوبيخ على عدم الإِيمان. 5- المجاز المرسل {فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ} أراد به الصلاة، فأطلق اسم الجزء على الكل، لأن القراءة أحد أجزاء الصلاة. 6- ذكر العام بعد الخاص {وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ} عمَّم بعد ذكر الصلاة، والزكاة، والإِنفاق ليعم جميع الصالحات. 7- الاستعارة التبعية {وَأَقْرِضُواُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} شبَّه الإِحسان إلى الفقراء والمساكين بإقراض رب العالمين، وهو من لطيف الاستعارة. 8- السجع المرصَّع مثل {إِنَّ لَدَيْنَآ أَنكَالاً وَجَحِيماً * وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً} الخ.

الصابوني

تفسير : [1] تلاوة القرآن التحليل اللفظي {ٱلْمُزَّمِّلُ}: قال اللغويّون: "المزّمل" الملتف في ثيابه، وأصله (المتزمّل) فأدغمت التاء في الزّاي فثقّلت، وكل من التفّ بثوبه فقد تزمّل قال أمرؤ القيس: شعر : كأنّ أبانا في أفَانينِ وَدْقِهِ كبيرُ أُناسٍ في بجَادٍ مزمّل تفسير : وقال ذو الرمّة: ومن نائمٍ عن ليلها متزمّل. {وَرَتِّلِ ٱلْقُرْآنَ}: قال الزجّاج: رتّل القرآن ترتيلاً: بيّنه تبييناً، والتبيين لا يتم إلاّ بإظهار جميع الحروف، وتوفيتها حقها من الإشباع. وقال المبرّد: أصله من قولهم: ثغر رتل إذا كان بين الثنايا افتراق ليس بالكثير، وقال الليث: الترتيل تنسيق الشيء، وثغر رتل: حسن التنضيد. ومعنى الآية: اقرأ القرآن على تُؤدة، وتمهّل، وتبيين حروف، مع تدبر المعاني. {نَاشِئَةَ ٱللَّيْلِ}: أوقات الليل وساعاته، سميت بذلك لأنها تنشأ شيئاً بعد شيء، يقال: نشأ السحاب إذا ابتدأ، فناشئة (فاعلة) من نشأت تنشأ فهي ناشئة، والمراد ساعات الليل الناشئة، فاكتفى بالوصف عن الاسم. وقال الزمخشري: ناشئة الليل: النفس الناشئة بالليل، التي تنشأ من مضجعها إلى العبادة أي تنهض، وأنشد ابن السكيت: شعر : فلمّا أن تَنَشّأ قام خِرْق من الفتيان مختَلَق هضوم تفسير : {أَشَدُّ وَطْأً}: أي أثقلُ على المصلي من ساعات النهار، من قول العرب: اشتدت علينا وطأةُ السلطان، إذا ثقل عليهم ما حمَّلهم من المؤن وفي الحديث: "حديث : اللهمّ اشدُدْ وطأتك على مُضَر" تفسير : فالليل وقت النوم والراحة، فمن شغله بالعبادة فقد تحمل المشقة العظيمة. والمعنى: إن قيام الليل للعبادة، وقضاء ساعاته في الطاعة، أشدّ ثقلاً على النفس، وأرجى عند الله وأقوم. {وَأَقْوَمُ قِيلاً}: أي أشدّ استقامة واستمراراً، وأكثر استقامة على نهج الحق والصواب، لأن الليل تهدأ فيه الأصوات، وتنقطع فيه الحركات فتخلص فيه القراءة، ويفرغ القلب لفهم التلاوة، فلا يكون دون تسمعه وتفهمه حائل. {سَبْحَاً}: قال المبرّد: سبحاً أي تقلباً وتصرفاً في المهمّات كما يتردّد السابح في الماء قال الشاعر: شعر : أباحوا لكم شرقَ البلاد وغربَها ففيها لكم يا صَاحِ سبْحٌ من السّبْح تفسير : قال في "اللسان": السّبْح: الفراغ وفي التنزيل {سَبْحَاً طَوِيلاً} إنما يعني به فراغاً طويلاً وتصرفاً، وقيل: معناه: لك في النهار ما تقضي حوائجك. وقال الزجاج: إن فاتك من الليل شيء من النوم والراحة، فلك في النهار فراغ فاصرفه إليه. وقال ابن عباس: لك في النهار فراغ لنومك وراحتك، فاجعل ناشئة الليل لعبادتك. {وَتَبَتَّلْ}: التبتّل الانقطاع إلى العبادة، ومنه قيل لمريم عليها السلام (البتول) لأنها انقطعت إلى الله تعالى في العبادة، وأصل البتل: القطع، ويقال للراهب (متبتّل) لانقطاعه عن الناس، وانفراده بالعبادة قال أمرؤ القيس: شعر : تضيءُ الظّلامَ بالعشَاء كأنها مَنَارة مُمْسى راهبٍ متبتّل تفسير : {هَجْراً جَمِيلاً}: أي لا تتعرض لهم، وجانبهم ولا تقابلهم بمثل إساءتهم. المعنى الإجمالي يقول الله تعالى ما معناه مخاطباً نبيّه الكريم: يا أيها المتزمّل المتلفّف في ثيابه، قم للأمر العظيم الذي ينتظرك، قم للجهد والنصب، والكدّ والتعب، فقد مضى وقت الراحة، قم فشمّر عن ساعد الجد، وأحي الليل كلّه أو نصفه أو أقل قليلاً، بالصلاة والتضرع، والعبادة والتخشع، لتستعد لنفحاتنا القدسيّة، لأننا سنوحي إليك بهذا القرآن العظيم، الثقيل في الوزن العظيم في الأجر، الرصين في الجزالة والتعبير، فاقرأه بتدبر وتبصر في قيامك بالليل، ورتّله على مهل بخشوع وإنابة فإن قيام الليل بالصلاة، وقضاء ساعاته في الطاعة، أشدّ ثقلاً على النفس، وأرجى للقبول عند الله. ولك يا محمد في النهار تقلباً طويلاً في مهامّك، فاجعل ناشئة الليل لعبادتك، واذكر اسم ربك لتستمدّ قوّتك منه، وانقطع لعبادته ولا تتوجّه لأحد سواه، فهو الناصر والمعين، وهو رب العزّة، ذو الجلال والإكرام الذي لا يخيب من التجأ إليه، فاجعله وكيلاً لك في جميع الأمور. واصبر يا محمد على تكذيب قومك لك، وعن صدودهم وإعراضهم عن دعوتك، ولا تتعرّض لهم ولا تقابلهم بمثل إساءتهم، واهجرهم بالحسنى حتى يجعل الله لك من أمرك فرجاً ومخرجاً، بالنصر عليهم ونصر الله قريب. وجوه القراءات 1 - قرأ الجمهور (يا أيها المزَّمّل) بتشديد الزاي والميم، وقرأ أبَيّ بن كعب وأبو العالية (المتزمّل) بإظهار التاء على الأصل. 2 - قرأ الجمهور (هي أشدّ وَطْأ) وقرأ ابن عامر وأبو عمرو (وِطاءً) بكسر الواو مع المدّ وقرأ ابن محيصن (أشدّ وَطَاءً) بفتح الواو، والطاء، وبالمدّ. وجوه الإعراب 1 - قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ * قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً}. (المزمّلُ) صفة لـ (أيّ) قال ابن مالك: وأيّها مصحوبَ (أل) بعدُ صفة. و(نصفَه) بدل من الليل، بدل بعضٍ من كلّ. قال الزمخشري: (نصفَه) بدل من الليل، و(إلاّ قليلاً) استثناء من النصف، كأنه قال: قم أقل من نصف الليل، والضمير في (منه) يعود للنصف. 2 - قوله تعالى: (أشدّ وطأ) لفظ (أشدّ) خبر المبتدأ، و(وطأ) تمييز، وجملة (هي أشدُّ وطأً) خبر (إنَّ). 3 - قوله تعالى: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً} تبتّلْ: أمر و(تبتيلاً) مفعول مطلق وهو غير جارٍ على فعله، والأصل فيه أن يُقال (تبتّلاً) ولأن وزن (تفعيل) إنما تجيء في مصدر (فعَّل) كقولهم: رَتّل ترتيلاً، وأما وزن (تفعّل) فيأتي المصدر (تفعّلا) إلا أنهم قد يُجرون المصدر على غير فعله كقول الشاعر: شعر : وخير الأمر ما استقبلتَ منه وليس بأن تتّبعَه اتّباعاً تفسير : فأجرى اتباعاً مصدراً على (تتبّع) والقياس (تتبّعاً) والشواهد على هذه كثيرة. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: الحكمة في ندائه صلى الله عليه وسلم بوصف التزمل هو إرادة (الملاطفة والإيناس) على نحو ما كان عليه العرب في مخاطباتهم من اشتقاق اسم للمخاطب من صفته التي هو عليها كقول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي كرّم الله وجهه، لمّا غاضب فاطمة وذهب إلى المسجد فنام فيه - وكان قد لصق بجنبه التراب -: قم أبا تراب، قم أبا تراب، للمؤانسة والملاطفة. اللطيفة الثانية: سبب التزمل ما روي في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : جاورتُ بحراء فلمّا قضيتُ جواري هبطت فنوديت، فنظرتُ عن يميني فلم أر شيئاً، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئاً، ونظرتُ خلفي فلم أر شيئاً، فرفعت رأسي فإذا الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فجُثثْتُ (فزعت) منه رعباً فرجعت فقلت: زمّلوني زمّلوني، فأنزل الله {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ} [المدثر: 1] و{يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ} ". تفسير : فسببُ التزمل هو ما عراه صلى الله عليه وسلم من الرعب والفزع من رؤية الملك على صورته الملكيّة. اللطيفة الثالثة: ذكر الله تعالى في كتابه العزيز ثلاثة أشياء وصفها بـ (الجميل) وأمر بها نبيّه عليه الصلاة والسلام وهي: قوله تعالى: {أية : فَٱصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً} تفسير : [المعارج: 5]... {وَٱهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً}... {أية : فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ}تفسير : [الحجر: 85]. فالصبرُ الجميل الصبرُ الذي لا شكوى معه. والهجرُ الجميل الهجرُ الذي لا أذيّة معه. والصفح الجميل الصفحُ الذي لا عتاب معه. اللطيفة الرابعة: "حديث : في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم كان يقوم الليل حتى تفطرت قدماه، فقالت له السيّدة عائشة: أتفعل هذا بنفسك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! فقال لها عليه السلام: أفلا أكونُ عبداً شكوراً"تفسير : !! فصلوات ربي وسلامه على نبيّه المصطفى وحبيبه المجتبى. الأحكام الشرعية الحكم الأول: هل قيام الليل كان فريضة على الرسول صلى الله عليه وسلم؟ ظاهر قوله تعالى: {قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً} أن التهجد كان فريضة عليه صلى الله عليه وسلم وأنّ فرضيته كانت خاصة به، وممّا يدل عليه قوله تعالى في سورة الإسراء [79] {أية : وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ} تفسير : فإنّ قوله: {نَافِلَةً لَّكَ} بعد الأمر بالتهجد ظاهر في أن الوجوب من خصائصه عليه الصلاة والسلام وليس معنى النافلة في هذه الآية ما يجوز فعله وتركه، فإنه على هذا الوجه لا يكون خاصاً به عليه الصلاة والسلام، بل معنى كون التهجد نافلة له أنه شيء زائد على ما هو مفروض على سائر الأمة. وقد كان المؤمنون يصلون مع الرسول صلى الله عليه وسلم حتى ورمت أقدامهم وسوقهم من القيام، فنسخ الله تعالى ذلك بقوله في آخر السورة: {أية : إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلْلَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ...} تفسير : [المزمل: 20] إلى قوله: {أية : عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ..}تفسير : [المزمل: 20] الآية. قال ابن عباس: وكان بين أول هذا الإيجاب وبين نسخه سنة. وقال جماعة من المفسّرين: ليس في القرآن سورة نسخَ آخرُها أوّلَها سوى هذه الآية. الحكم الثاني: هل تجوز قراءة القرآن بالتلحين؟ أمر الله جلّ ثناؤه بترتيل القرآن {وَرَتِّلِ ٱلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} أي اقرأه على تؤده وتمهل وتبين حروف، بحيث يتمكن السامع من استيعابه وتدبر معانيه. ولا خلاف بين العلماء أن قراءة القرآن بالترتيل بمعنى التجويد، وهو تبيين الحروف، وتحسين المخارج، وإظهار المقاطع حسن مطلوب، إنما الكلام في التغنّي به وتلحينه هل هو جائز أم ممنوع؟ وقد اختلفت فيه آراء الأئمة الفقهاء، تبعاً لاختلاف الصحابة والتابعين، ونحن نذكر مذاهبهم مع أدلة كلّ فريق بشيء من التفصيل، فنقول ومن الله نستمدّ العون: مذاهب الفقهاء في القراءة بالتلحين: أولاً: مذهب (المالكية والحنابلة): كراهة القراءة بالتلحين، وهو منقول عن (أنس بن مالك) و(سعيد بن المسيّب) و(سعيد بن جبير) و(القاسم بن محمد) و(الحسن البصري) و(إبراهيم النخعي) و(ابن سيرين). ثانياً: مذهب (الحنفيّة والشافعية): جواز القراءة بالتلحين، وهو منقول عن: (عمر بن الخطاب) و(ابن عباس) و(ابن مسعود) و(عبد الرحمٰن بن الأسود بن زيد) وقد ذهب إليه من المفسرين (أبو جعفر الطبري) و(أبو بكر بن العربي). أدلة المذهب الأول: أ - حديث: "حديث : أقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتهم، وإيّاكم ولحونَ أهل الكتاب والفسق، فإنه يجيءُ من بعدي أقوام يرجّعُون بالقرآن ترجّع الغناء والنوح، لا يجاوز حناجرهُمْ، مفتونةٌ قلوبُهم وقلوبُ الذين يعجبهم شأنُهم ". تفسير : فقد نعى عليه السلام على من يرجّع بالقرآن ترجيع الغناء والنوح على نحو ما يفعله أكثر قرّاء هذا العصر. ب - حديث: "حديث : يتخذون القرآن مزامير، يقدّمون أحدهم ليس بأقرئهم ولا أفضلهم ليغنّيَهم غناءً ". تفسير : جـ - حديث: "حديث : إنّ الأذانَ سهلٌ سمحٌ، فإن كان أذانُك سهلاً سمحاً وإلاَّ فلا تؤذّن"تفسير : قالوا: فقد كره النبي صلى الله عليه وسلم أن يطرب المؤذن في أذانه، فدلّ ذلك على أنه يكره التطريب في القراءة بطريق الأولى. د - وقالوا أيضاً: إن التغنّي والتطريب يؤدي إلى أن يزاد على القرآن ما ليس منه، وذلك لأنه يقتضي مدّ ما ليس بممدود، وهمز ما ليس بمهموز، وجعل الحرف الواحد حروفاً كثيرة وهو لا يجوز، هذا إلى أن التلحين من شأنه أن يلهي النفوس بنغمات الصوت، ويصرفها عن الاعتبار والتدبر لمعاني القرآن الكريم. وقد سئل (مالك) عن الألحان في الصلاة فقال: لا تعجبني، وقال: إنما هو غناء يتغنّون به ليأخذوا عليه الدراهم. وروي عن الإمام (أحمد) أنه كان يقول: قراءة الألحان ما تعجبني، والقراءة بها بدعة لا تسمع. وسئل: ما تقول في القراءة بالألحان؟ فقال للسائل: ما اسمك؟ قال: محمد، قال له: أيسرّك أن يقال لك: يا موحامد ممدوداً؟ أدلة المذهب الثاني: واستدل المجيزون للقراءة بالتلحين وهم (الحنفية والشافعية) بأدلة نوجزها فيما يلي: أ - حديث: "حديث : زينوا القرآن بأصواتكم ". تفسير : ب - حديث: "حديث : ليس منّا من لم يتغنّ بالقرآن ". تفسير : جـ - حديث عبد الله بن مغفّل قال: حديث : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح في مسير له سورة (الفتح) على راحلته فرجّع في قراءته . تفسير : د - حديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استمع ليلة قراءة أبي موسى الأشعري فلما لقيه قال له: (لقد أعطيتَ مزماراً من مزامير آل داود) فقال له أبو موسى: (لو علمت أنك تسمع لحبّرته لك تحبيراً). هـ - حديث: "حديث : ما أذِنَ الله لشيء أذنَه لنبيّ حسن الصوت يتغنى بالقرآن ". تفسير : و - وقالوا أيضاً: إنّ الترنّم بالقرآن والتطريب بقراءته من شأنه أن يبعث على الاستماع والإصغاء، وهو أوقع في النفس، وأنفذ في القلب وأبلغ في التأثير. وقد روى الطبري: عن عمر بن الخطاب أنه كان يقول لأبي موسى الأشعري: ذكّرنا ربنا، فيقرأ أبو موسى ويتلاحن فيقول عمر: من استطاع أن يتغنى بالقرآن غناء أبي موسى فليفعل. وكان ابن مسعود: تعجبه قراءة (علقمة الأسود) - وكان حسن الصوت - فكان يقرأ له علقمة، فإذا فرغ قال له: زدني فداك أبي وأمي. هذه خلاصة موجزة لأدلة الفريقين، وأنت إذا أمعنت النظر وجدت أن الخلاف بينهم يكاد يكون (شكلياً) لا (جوهرياً) فالفقهاء جميعاً متفقون على حرمة قراءة القرآن بالأنغام، التي لا تراعى فيها أحكام التجويد، كمدّ المقصور، وقصر الممدود، وترقيق المفخّم، وتفخيم المرقق، وإظهار ما ينبغي إدغامه، وإخفاء ما ينبغي إظهاره... الخ، والتي يكون الغرض منها (التطريب) وإظهار جمال الصوت فحسب دون تقيّد بالأحكام وآداب التلاوة، كما يفعله بعض الجهلة من قراء هذا العصر، فإن هذا لا يشك أحد في تحريمه. أما إذا كان المراد بـ (التلحين) هو تحسين الصوت بالقراءة وإخراج الحروف سليمة من مخارجها، دون تقعر أو تمطيط، مع تطبيق أحكام التجويد ومراعاة الوقوف والمدود فإن هذا لا يقول أحد بتحريمه، لأن الصوت الحسن يزيد في جمال القرآن، وله أثر في نفس الإنسان، وقد استمع النبي عليه الصلاة والسلام إلى قراءة بعض أصحابه، فأعجب بحسن صوته حتى قال لأبي موسى الأشعري: "حديث : لقد أعطيتَ مزماراً من مزامير آل داود"تفسير : والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل. تمّ بعونه تعالى الجزء الثاني من كتاب "روائع البيان" وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

زيد بن علي

تفسير : أخبرنا أبو جعفر. قال: حدّثنا علي بن أحمد قال: حدّثنا عطاء بن السائب عن أبي خالد عن زيد بن علي عليهما السّلامُ في قولهِ تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ} معناه مُتلفِّفُ بثيابِهِ.

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ * قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً} هذه السورة مكية وسبب نزولها حديث : أنه عليه السلام لما جاءه الملك وهو في غار حراء بما حاوره رجع إلى خديجة رضي الله عنها فقال: زملوني زملوني تفسير : فعلى هذا نزلت يا أيها المزمل قالت عائشة رضي الله عنها: نودي بذلك لأنه كان في وقت نزول الآية متزملاً بكساء ومناسبتها لآخر ما قبلها أن في آخر تلك عالم الغيب الآيات فاتبعه بقوله: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ} إعلاماً بأنه عليه السلام ممن ارتضاه من الرسل وخصه بخصائص وكفاه شر أعدائه. قال الزمخشري: {نِّصْفَهُ} بدل من الليل. و{إِلاَّ قَلِيلاً} إستثناء من نصف كأنه قال: قم أقل من نصف الليل والضمير في منه وعليه عائد على النصف والمعنى التخيير بين أمرين بين أن يقوم أقل من نصف الليل على البت وبين أن يختار أحد الأمرين وهما النقصان من النصف والزيادة عليه "انتهى". فلم يتنبه للتكرار الذي يلزمه في هذا القول لأنه على تقديره قم أقل من نصف الليل كان قوله: أو انقص من نصف الليل تكراراً وإذا كان نصفه بدلاً من قوله: إلا قليلا فالضمير في نصفه إما أن يعود على المبدل منه أو على المستثنى منه وهو الليل لا جائز أن يعود على المبدل منه لأنه يصير استثناء مجهول من مجهول إذ التقدير إلا قليلا نصف الليل وهذا لا يصح له معنى البتة وإن عاد الضمير على الليل فلا فائدة في الاستثناء من الليل إذ كان يكون أحضر وأوضح وأبعد من الإِلتباس أن يكون التركيب قم الليل نصفه وقد أبطلنا قول من قال إلا قليلاً استثناء من البدل وهو نصفه وأن التقدير قم الليل نصفه إلا قليلا منه أي من النصف وأيضاً ففي دعوى أن نصفه بدل من إلا قليلا والضمير في نصفه عائد على الليل إطلاق القليل على النصف ويلزم أيضاً أن يصير التقدير إلا نصفه فلا تتمه أو أنقص من النصف الذي لا تقومه أو زاد على النصف الذي لا تقومه وهذا معنى لا يصح وليس المراد من الآية قطعاً. وقال الزمخشري: وإن شئت جعلت نصفه بدلاً من قليلاً فكان تخييراً بين ثلاث بين قيام النصف بتمامه وبين قيام الناقص منه وبين قيام الزائد عليه وإنما وصف النصف بالقلة بالنسبة إلى الكل فإِن شئت قلت لما كان معنى قم الليل إلا قليلاً نصفه إذا أبدلت النصف من الليل ثم أقل من نصف الليل رجع الضمير في منه وعليه إلى الأقل من النصف فكأنه قيل قم أقل من نصف الليل أو قم أنقص من ذلك الأقل أو أزيد منه قليلاً فيكون التخيير فيما وراء النصف بينه وبين الثلث ويجوز إذا أبدلت نصفه من قليلاً وفسرته به أن تجعل قليلاً الثاني: بمعنى نصف النصف وهو الربع كأنه قيل أو أنقص منه قليلاً نصفه وتجعل المزيد على هذا القليل أعني الربع نصف الربع كأنه قيل أو زد عليه قليلاً نصفه ويجوز أن تجعل الزيادة لكونها مطلقة تتمة الثلث فيكون تخييراً بين النصف والثلث والربع "انتهى". وما أوسع خيال هذا الرجل فإِنه يجوز ما يقرب وما يبعد والقرآن لا ينبغي بل لا يجوز أن يحمل إلا على أحسن الوجوه التي تأتي في كلام العرب وممن نص على جواز أن يكون نصفه بدلاً من الليل أو من قليلاً الزمخشري كما ذكرنا وابن عطية أورده مورد الاحتمال وأبو البقاء قال أشبه بظاهر الآية أن يكون بدلاً من قليلاً لأنه قال أو أنقص منه قليلاً أو زاد عليه والهاء فيها للنصف فلو كان الاستثناء من النصف لكان التقدير قم نصف الليل إلا قليلا أو أنقص منه قليلاً فالقليل المستثنى غير مقدر فالنقصان منه لا يتحصل "إنتهى". وأما الحوفي فأجاز أن يكون بدلاً من الليل ولم يذكر غيره وقال ابن عطية: وقد يحتمل عندي قوله إلا قليلاً أن يكون استثناء من القيام فيجعل الليل إسم جنس ثم قال إلا قليلا أي الليالي التي تحل بقيامها عند العذر البين ونحوه وهذا النظر يحسن مع القول بالندب "انتهى". وهذا خلاف الظاهر وقيل المعنى أو نصفه كما تقول أعطه درهماً درهمين ثلاثة تريد أو درهمين أو ثلاثة "انتهى". وفيه حذف حرف العطف من غير دليل عليه وقال التبريزي: الأمر بالقيام والتخيير في الزيادة والنقصان وقع على الثلثين من آخر الليل لأن الثلث الأول وقت العتمة والاستثناء وارد على المأمور به فكأنه قال: قم ثلثي الليل إلا قليلا ثم جعل نصفه بدلاً من قليلاً فصار القليل مفسراً بالنصف من الثلثين وهو القليل من الكل فقوله أو أنقص منه أي من المأمور به وهو قيام الثلثين إلا قليلاً أي ما دون نصفه أو زد عليه أي على الثلثين فكان التخيير في الزيادة والنقصان واقعاً على الثلثين وقال أبو عبد الله الرازي قد أكثر الناس في تفسير هذه الآية وعندي فيه وجهان ملخصان وذكر كلاماً طويلاً ملفقاً يوقف عليه في كتابه والذي يظهر أن المأمور به أولاً قيام جميع الليل إلا ما ينطلق عليه قليل كساعة أو غيرها ثم قوله: نصفه على إضمار قم ثانياً وجاء بعد ذلك التخيير بين قليل من النصف أو زائد على النصف فالمستثنى أولاً غير أحد المخير فيه وهو النقص من النصف فقد اختلفت جهتا القليل الأول بالنسبة إلى جميع الليل والثاني بالنسبة إلى النصف. {قَوْلاً ثَقِيلاً} هو القرآن وثقله بما اشتمل عليه من التكاليف الشاقة كالجهاد ومداومة الأعمال الصالحة. {نَاشِئَةَ ٱللَّيْلِ} ساعاته لأنها تنشأ شيئاً بعد شىء وقال ابن عباس: ما كان بعد العشاء فهو ناشئة وما كان قبلها فليس بناشئة وقرىء: {وَطْأً} والمعنى أنها أشد مواطأة أي يواطىء القلب فيها اللسان. {وَأَقْوَمُ قِيلاً} أي أشد استقامة على الصواب لأن الأصوات هادئة فلا يضطرب على المصلي ما يقرأه. {سَبْحَاً} أي تصرفا وتقلبا في المهمات كما يتردّد السابح في: {وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ} أي دم على ذكره وهو يتناول كل ذكر من تسبيح وتهليل وغيرهما وانتصب. {تَبْتِيلاً} على أنه مصدر على غير الصدر وحسن ذلك كونه فاصلة وقرىء رب بالرفع خبر مبتدأ محذوف وبالجر على البدل. {فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلاً} لأن من انفرد بالإِلٰهية لم يتخذ وكيلاً إلا هو واصبر واهجرهم قيل منسوخ بآية السيف. {وَذَرْنِي وَٱلْمُكَذِّبِينَ} قيل نزلت في صناديد قريش المستهزئين. {أُوْلِي ٱلنَّعْمَةِ} أي حضارة العيش وكثرة المال والولد والنعمة بالفتح التنعم وبالكسر الإِنعام وما ينعم به وبالضم المبرة يقال: نعم ونعمة عين. {وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً} وعيد لهم بسرعة الانتقام منهم والقليل موافاة آجالهم وقيل وقعة بدر. {إِنَّ لَدَيْنَآ} أي ما يضاد نعمتهم. {أَنكَالاً} قيوداً في أرجلهم. {وَجَحِيماً} ناراً شديد الاتقاد. {وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ} قال ابن عباس: شوك من نار يعترض في حلوقهم لا يخرج ولا ينزل. {تَرْجُفُ} تضطرب. {كَثِيباً} أي رملاً مجتمعاً. {مَّهِيلاً} أي رخواً ليناً ولما هدد المكذبين بأهوال يوم القيامة ذكرهم بحال فرعون وكيف أخذه الله تعالى إذ كذب موسى عليه السلام وإنه إن دام تكذيبهم أهلكهم الله تعالى فقال: {إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ} والخطاب عام للأسود والأحمر وقيل لأهل مكة. {رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ} كما قال تعالى: {أية : وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَىٰ هَـٰؤُلآءِ}تفسير : [النحل: 89] والوبيل الرديء العقبى من قولهم كلأ وبيل أي وخم لا يستمر الثقلة أي لا ينزل في المريء. {فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ} الآية يوماً منصوب بتتقون نصب المفعول به على المجاز أي كيف تستقبلون هذا اليوم العظيم الذي من شأنه كذا وكذا والضمير في يجعل لليوم أسند إليه الجعل لما كان واقعاً فيه على سبيل المجاز والجملة من قوله يجعل صفة ليوم والشيب مفعول ثان ليجعل أي يصير الصبيان شيوخاً وهو كناية عن شدّة هول ذلك اليوم ويقال في اليوم الشديد يوم يشيب نواصي الأطفال والأصل فيه أن الهموم إذا تفاقمت أسرعت بالشيب والظاهر أن الضمير في وعده عائد على اليوم فهو من إضافة المصدر إلى الفاعل وإن لم يجر له ذكر قريباً لأنه معلوم أن الذي هذه مواعيده هو الله تعالى. {إِنَّ هَـٰذِهِ} السورة أو الانكال وما عطف عليه أي والأخذ الوبيل أو آيات القرآن المتضمنة شدّة يوم القيامة. {تَذْكِرَةٌ} أي موعظة. {فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ} بالتقريب إليه بالطاعة. {أَنَّكَ تَقُومُ} أي تصلي وهذه الآية نزلت تخفيفاً لما كان استمرار استعماله في أمر قيام الليل إما على الوجوب وإما على الندب على الخلاف الذي سيق. {أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلَّيْلِ} أي زماناً هو أقل من ثلثي الليل واستعير الأدنى وهو الأقرب للأقل لأن المسافة إذا دنت بين الشيئين قل ما بينهما من الإِحياز وإذا بعدت كثر ذلك وقرىء نصفه بالنصب والجر فأما قراءة الكسر فمعطوف على ثلثي الليل ومن قرأ بالنصف فمعطوف على أدنى فأما الجر فالمعنى أنه قيام مختلف مرة أدنى من الثلثين ومرة أدنى من النصف ومرة أدنى من الثلث وذلك لتعذر معرفة البشر بمقادير الزمان وتقدير الزمان حقيقة هو لله تعالى. {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} أي رجع بكم من الثقل إلى الخفة وأمركم بقيام ما تيسر وطائفة معطوف على الضمير المستكن في يقوم وحسنه الفصل بينهما وطائفة من الذين معك دليل على أنه لم يكن فرضاً على الجميع إذ لو كان فرضاً عليهم لكان التركيب والذين معك إلا ان اعتقد أن منهم من كان يقوم في بيته ومنهم من يقوم معه فتمكن إذ ذاك الفرضية في حق الجميع. {وَٱللَّهُ يُقَدِّرُ} أي هو وحده العالم بمقادير الساعات. {فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ} عبر بالقراءة عن الصلاة لأنها بعض أركانها أي فصلوا ما تيسر عليكم من صلاة الليل وإذا كان المراد فاقرؤوا في الصلاة ما تيسر فالظاهر أنه لا يتعين ما يقرأ بل إذا قرأ ما تيسر له وسهل عليه أجزأه وقدره أبو حنيفة بآية. {عَلِمَ أَن سَيَكُونُ} بيان لحكمة النسخ وهو تعذر القيام على المرض والضاربين في الأرض للتجارة والمجاهدين في سبيل الله. {فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} كرر ذلك على سبيل التوكيد ثم أمر بعمودي الإِسلام البدني والمالي ثم قال: {وَأَقْرِضُواُ ٱللَّهَ} العطف يشعر بالتغاير فقوله: وآتوا الزكاة أمر بأداء الواجب وأقرضوا أمر بالصدقات التي يتطوع بها واحتمل هو أن يكون فصلاً وأن يكون توكيد الضمير النصب في تجدده. {وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ} أمر بالاستغفار.

الجيلاني

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ} [المزمل: 1] المتغطي المتلفف بثوبه وقطيفته نائماً، أو مرتدعاً عمَّا دهشه بدء الوحي. شأن النبوة والرسالة ما هو هذا {قُمِ ٱلَّيلَ} وداوم على التهجد فيه {إِلاَّ قَلِيلاً} [المزمل: 2] منه؛ للاستراحة والنوم تقويةً لمركب بدنك، وتنشيطاً له على العبادة. يعني: {نِّصْفَهُ} أي: نصف الليل {أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ} أي: من النصف {قَلِيلاً} [المزمل: 3] ليقرب الثلث. {أَوْ زِدْ عَلَيْهِ} أي: على النصف حتى يقرب الثلثين، وإنما خير بين هذه الثلاثة؛ لأنه فرض أولاً قيام الكل، ولمَّا تحرجوا ومرضوا، وشق عليهم الأمر، رحم الله عليهم فخيرهم في هذه الأوقات بناء على تفاوت أمزجة الناس في عروض الكلال بالسهر، وبعد القيام تهجد {أية : نَافِلَةً لَّكَ}تفسير : [الإسراء: 79]، {وَرَتِّلِ} في تهجدك {ٱلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} [المزمل: 4] أي: بين حروفه، وقررها في مخارجها إلى حيث لا يشتبه على السامع العارف بأساليب الكلام ومنطوقات الألفاظ معانيها. وبالجملة: اقرأها على تؤدة تامة، وطمأنينة كاملة بعزيمة خالصة، وإرادة صادقة إلى حيث تتأثر من ألفاظ القرآن فطرتك وفطنتك التي هي خلاصة وجودك، وزبدة أركانك وطبيعتك؛ إذ بها توسلك ووصولك إلى مقصد التوحيد واليقين. وبالجملة: {إِنَّا} من مقام عظيم جودنا {سَنُلْقِي عَلَيْكَ} يا أكمل الرسل {قَوْلاً} جزلاً سهلاً، خفيفاً على اللسان ألفاضه وكلماته {ثَقِيلاً} [المزمل: 5] عظيماً على القلب رموزه وإشاراته، والاتصاف بما فيه، والامتثال بمقتضيات أوامره ونواهيه، والاطلاع على سرائر الأحكام الموردة فيه، والإحاطة بقوامه وخوافيه، وبالجملة: من تأمل فيه على وجه التدرب والتدبر فقد غرق في تيار بحاره الزخار. وتخصيص الأمر بالليل وترتيل القرآن فيه {إِنَّ نَاشِئَةَ ٱللَّيْلِ} أي: القراءة التي تنشأ من النفس في جوف الليل حين خلو القلب عن جميع الأشغال والملاهي {هِيَ أَشَدُّ وَطْأً} تأثيراً ودفعاً في القلب، وتنبيهاً له، وإن كانت أثقل للنفس وأتعب للبدن {وَأَقْوَمُ قِيلاً} [المزمل: 6] أي: أعدل الأقوال بالنسبة إلى القلب وأرسخها فيه، وأقواها أثراً وانتباهاً بخلاف النهار. {إِنَّ لَكَ فِي ٱلنَّهَارِ} الذي هو وقت الأشغال والالتفات إلى المهمات، ومحل أنواع الملمات والواقعات؛ لذلك عرض لك {سَبْحَاً طَوِيلاً} [المزمل: 7] تقلباً وتصرفاً طويلاً شاغلاً لأوقاتك، مشوشاً لحالاتك. وبالجملة: الفراغ الذي يحصل بالليل لا يحصل في النهار، فعليك أن تجتهد في التهجد، وتقرأ القرآن فيه، سيما عند الفجر {أية : إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً}تفسير : [الإسراء: 78]. {وَ} بالجملة: {ٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ} وداوم على تسبيحه وتقديسه دائماً في أوقاتك وحالاتك، ولا شتغلنك عن ذكره مهماتك، بل {وَتَبَتَّلْ} أي: تجرد وانقطع عن عموم المهام {إِلَيْهِ} سبحانه {تَبْتِيلاً} [المزمل: 8] وتجريداً كاملاً بحيث لا يخطر ببالك الالتفات بحالك، فكيف بحال غيرك؟! وكيف لا تنقطع إليه ولا تتجرد نحوه، مع أنه سبحانه {رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ} أي: جنس المشارق والمغارب التي هي ذرائر الكائنات باعتبار ظهور شمس الذات منها، وشروقها عليها، وباعتبار بطونها وخفائها فيها؛ إذ {لاَ إِلَـٰهَ} أي: لا موجود في الوجود {إِلاَّ هُوَ} ولا شيء سواه {فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلاً} [المزمل: 9] سيما بعدما لم يوجد في الوجود غيره أصيلاً؟! {وَ} بعدما اتخذته وكيلاً، وجعلته حسيباً وكفيلاً {ٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ} أي: المشركون المسرفون من الخرافات والجزافات التي لا تليق بشأنك، إن شق عليك الصبر والتحمل {وَٱهْجُرْهُمْ} اتركهم وانصرف عنهم {هَجْراً جَمِيلاً} [المزمل: 10] بشَّاشاً بسَّاماً بلا التفات إلى هذياناتهم الباطلة، وبلا مبالاة بهم وبكلامهم، وتوكل على الله، وفوض أمر انتقامهم إليه، فإنه يكفيك مؤنة شرورهم واستهزائهم. ثمَّ قال سبحانه على سبيل التسلية لحيبيه صلى الله عليه وسلم: {وَ} بعدما بالغوا في قدحك وطعنك يا أكمل الرسل {ذَرْنِي وَٱلْمُكَذِّبِينَ} يعني: دعني معهم، وفوض أمر انتقامهم إليّ، فإني أنتقم عنهم من قبلك، وأدفع أذاهم عنك، وأغلبك عليهم، وإن كانوا {أُوْلِي ٱلنَّعْمَةِ} وذوي الثروة والسيادة، وأصحاب التنعم والوجاهة - يريد صناديد قريش - {وَ} لا تستعجل في انتقامهم، بل {مَهِّلْهُمْ} إمهالاً {قَلِيلاً} [المزمل: 11] أو زماناً قليلاً. ولا تيأس من مكرنا إياهم {إِنَّ لَدَيْنَآ} معداً لهم أنواعاً من العذاب {أَنكَالاً} أثقالاً؛ لتثاقلهم وعدم تحملهم وتصبرهم بمتاعب التكاليف الإلهية، ومشاق الطاعات والعبادات المأمورة لهم من قِبَله سبحانه {وَجَحِيماً} [المزمل: 12] عظيماً بدل ما يتلذذون بنيران الشهوات، ويظلمون الناس بأنواع الغضب والطغيان. {وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ} ينشب في الحلق، و{أية : لاَّ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِي مِن جُوعٍ}تفسير : [الغاشية: 7]، بدل ما يأكلون من السحت والربا، وأموال اليتامى ظلماً {وَعَذَاباً أَلِيماً} [المزمل: 13] لا عذاب أشد إيلاماً منه، وهو حرمانهم عن لقاء الله، وخذلانهم على ما فات عنهم من التحقق في كنف حفظه وجواره.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : يا أيها المتأمل في إبلاغ الوارد، والمزمل بكساء النفس عند هبوب رياح اللطيف البارد حرارة نيران النشوة الشارد لذة الرقاد، عن العين الطارد جند الشهوات عن الباطن، وغماء لأنف الشيطان الماردة تفكر في سورة المزمل حيث قال الله تعالى لحبيبه صلى الله عليه وسلم وتعظيماً له: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ * قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ} [المزمل: 1-4]؛ يعني: أيها المتلفف بكساء النفس عند وجدان برودة الوارد قم في غلبة أنوار الجلال للتقرب إلى الله الملك المتعال، والتوجه بالكلية إليه خاصة في تلك الحالة إلى أن يطلع صبح الجمال من أفق الصدر، وإن غلب عليك الملال وعلى جوارحك الكلال فاسترح قليلاً نصفه أو ثلثه أو ثلثين. واعلم أن الله لا يمل حتى تملوا فتقرب إليه بالنشاط {وَرَتِّلِ ٱلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} [المزمل: 4]؛ يعني: تثبت فيه تثبيتاً، وتدبر في قصصه تدبيراً، وتفكر في أوامره ونواهيه تفكراً تاماً والتقط من در حكمته سلاماً، وتلذذ بأذيال رحمة الله عند قراءتك آية الرحمن بمطالعتك آيات ألطاف البر التواب، وقد جاء في الحديث الصحيح المروي عن سيد الأحباب أنه قام بآية من القرآن ليلة ومراوده أبو ذر وإن تلك الآية كانت {أية : إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}تفسير : [المائدة: 118]، فاعتبر من جولان سره في ميدان هذه الآية الجامعة لأسرار مظاهر اللطف والقهر وأسراره من حد القرآن، ولا تعبر على الآيات كعبور الغافلين كما ذكرهم تعالى في كتابه حيث يقول: {أية : وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ}تفسير : [يوسف: 105]، وتيقن أن كل آية من آيات القرآن كنز من كنوز الرحمن فيه جواهر ودرر لا تحصى. فاغتنم بتسيير القرآن على اللسان وكشف بيانه على الجنان، وعندي أن من يقدر على اقتطاف ثمرة من ثمراته يستنكف التلذذ بثمرات الجنان، تيقظ فتفكر {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً} [المزمل: 5]؛ يعني: ثقيلاً في العمل والوزن والقدر؛ أي: عمله ثقيل على الأبدان، وثوابه في الميزان، وقدره عظيم عند الرحمن، والموارد ثقل إذا يرد على السالك في البداية كأن السماء وقعت عليه، ولا يحسب أن ثقل الوارد يوازي ثقل الوحي ولا عشر عشيره، روت عائشة رضي الله عنها "رأيته ينزل عليه في اليوم الشاتي الشديد البرد فينفصم عنه وأن جبينه يتفصد عرقاً" وهو صلى الله عليه وسلم في القوة بمرتبة، قيل في حقه أن الله أعطاه أربعين ضعف قوة أعطاها الله لموسى بن عمران وهو أقوى الأنبياء. {إِنَّ نَاشِئَةَ ٱللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً} [المزمل: 6]؛ يعني: الثلث الأخير هي أجدر للقانتين أن يتوجهوا إلى الله فيه؛ لأن في تلك الساعة أخذت النفس حظها من النوم، ولها نشاط في الطاعة، والوقت وقت نزول الرب إلى السماء الدنيا، وأصوب للتقرب إلى الرب، وأصح للقراءة دائم، وأتم إخلاصاً في القيام، وأكثر بركة في تلك الساعة المباركة التي يمتد سلطنة الجلال إلى آخرها، وقرب طلوع صبح الجمال والدعاء والتضرع والابتهال، وأرجى للاستجابة؛ لأنه يقول: "حديث : هل من داع فأجيبه، هل من سائل فأعطيه ". تفسير : {إِنَّ لَكَ فِي ٱلنَّهَارِ سَبْحَاً طَوِيلاً} [المزمل: 7]؛ يعني: إن اللطيفة في نهار تجلي الجمال متصرفاً في القوى، وإقبالاً وإدباراً في قضاء الحقوقية مما فرض عليها أداؤها وقضاؤها، كما جاء الحديث "حديث : إن لنفسك عليك حقاً وإن لزوجك عليك حقاً"تفسير : في عالم الأنفس؛ وهي القوة القالبية، وإن لزوجك عليك حقاً في عالم السر الخفي، وأداء هذه الحقوق لا يمكن إلا في تجلي نهار الجمال، {وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً} [المزمل: 8] بعد الصلاة في الليل اشتغل بذكر لا إله إلا الله، وأخلص في الذكر لله إخلاصاً، وانقطع إليه في الذكر انقطاعاً كلياً وهذا من خاصية الذكر، فالواجب عليك أن تشتغل بذكر الله في ناشئة الليل مخلصاً في ذكرك منقطعاً عن ذكر غير ربك. {رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ} [المزمل: 9] على قراءة من يقرأ بأن يكون على نعت الرب؛ يعني: رب مشرق شمس الروح في عالم الأجسام، ومغرب شمس الإيمان في عالم الأرواح، وفي هذا سر يتعلق بحد القرآن، {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} [المزمل: 9] ليس وجود يستحق لأن يكون معبوداً إلا هو، {فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلاً} [المزمل: 9]؛ يعني: فوض إليه أمرك؛ لأنه قيم بأمورك قبل شعورك بوجودك، فالآن أيضارع التدبير إلى من خلقك تستريح؟ {وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ} [المزمل: 10] القوى الجاهلة بألاَّ يقوم بأمرنا، {وَٱهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً} [المزمل: 10]؛ يعني: لا تؤتهم عنك، ولا تلتفت إلى ما يقولون فاهجرهم بالقلب، وخالطهم بالقالب، {وَذَرْنِي وَٱلْمُكَذِّبِينَ أُوْلِي ٱلنَّعْمَةِ} [المزمل: 11]؛ يعني: دعني والقوى المكذبة بالوارد باللطيفة المنذرة أولي النعمة؛ يعني: بالاستعدادات التي أنعمنا بها عليهم، {وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً} [المزمل: 11]؛ أي: زماناً قليلاً في الدنيا؛ ليزيدوا في شقاوتهم الموعودة لهم. {إِنَّ لَدَيْنَآ أَنكَالاً} [المزمل: 12]؛ يعني: قيوداً عظاماً هي نتيجة صفة بخلهم، {وَجَحِيماً} [المزمل: 12].

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : المزمل: المتغطي بثيابه كالمدثر، وهذا الوصف حصل من رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أكرمه الله برسالته، وابتدأه بإنزال [وحيه بإرسال] جبريل إليه، فرأى أمرا لم ير مثله، ولا يقدر على الثبات له إلا المرسلون، فاعتراه في ابتداء ذلك انزعاج حين رأى جبريل عليه السلام، فأتى إلى أهله، فقال: " زملوني زملوني " وهو ترعد فرائصه، ثم جاءه جبريل فقال: " اقرأ " فقال: " ما أنا بقارئ " فغطه حتى بلغ منه الجهد، وهو يعالجه على القراءة، فقرأ صلى الله عليه وسلم، ثم ألقى الله عليه الثبات، وتابع عليه الوحي، حتى بلغ مبلغا ما بلغه أحد من المرسلين. فسبحان الله، ما أعظم التفاوت بين ابتداء نبوته ونهايتها، ولهذا خاطبه الله بهذا الوصف الذي وجد منه في أول أمره. فأمره هنا بالعبادات المتعلقة به، ثم أمره بالصبر على أذية أعدائه، ثم أمره بالصدع بأمره، وإعلان دعوتهم إلى الله، فأمره هنا بأشرف العبادات، وهي الصلاة، وبآكد الأوقات وأفضلها، وهو قيام الليل. ومن رحمته تعالى، أنه لم يأمره بقيام الليل كله، بل قال: { قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا } . ثم قدر ذلك فقال: { نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ } أي: من النصف { قَلِيلا } بأن يكون الثلث ونحوه. { أَوْ زِدْ عَلَيْهِ } أي: على النصف، فيكون الثلثين ونحوها. { وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا } فإن ترتيل القرآن به يحصل التدبر والتفكر، وتحريك القلوب به، والتعبد بآياته، والتهيؤ والاستعداد التام له، فإنه قال: { إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا } أي: نوحي إليك هذا القرآن الثقيل، أي: العظيمة معانيه، الجليلة أوصافه، وما كان بهذا الوصف، حقيق أن يتهيأ له، ويرتل، ويتفكر فيما يشتمل عليه. ثم ذكر الحكمة في أمره بقيام الليل، فقال: { إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ } أي: الصلاة فيه بعد النوم { هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلا } أي: أقرب إلى تحصيل مقصود القرآن، يتواطأ على القرآن القلب واللسان، وتقل الشواغل، ويفهم ما يقول، ويستقيم له أمره، وهذا بخلاف النهار، فإنه لا يحصل به هذا المقصود، ولهذا قال: { إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلا } أي: ترددا على حوائجك ومعاشك، يوجب اشتغال القلب وعدم تفرغه التفرغ التام. { وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ } شامل لأنواع الذكر كلها { وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلا } أي: انقطع إلى الله تعالى، فإن الانقطاع إلى الله والإنابة إليه، هو الانفصال بالقلب عن الخلائق، والاتصاف بمحبة الله، وكل ما يقرب إليه، ويدني من رضاه. { رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ } وهذا اسم جنس يشمل المشارق والمغارب [كلها]، فهو تعالى رب المشارق والمغارب، وما يكون فيها من الأنوار، وما هي مصلحة له من العالم العلوي والسفلي، فهو رب كل شيء وخالقه ومدبره. { لا إِلَهَ إِلا هُوَ } أي: لا معبود إلا وجهه الأعلى، الذي يستحق أن يخص بالمحبة والتعظيم، والإجلال والتكريم، ولهذا قال: { فَاتَّخِذْهُ وَكِيلا } أي: حافظا ومدبرا لأمورك كلها. فلما أمره الله بالصلاة خصوصا، وبالذكر عموما، وذلك يحصل للعبد ملكة قوية في تحمل الأثقال، وفعل الثقيل من الأعمال، أمره بالصبر على ما يقول فيه المعاندون له ويسبونه ويسبون ما جاء به، وأن يمضي على أمر الله، لا يصده عنه صاد، ولا يرده راد، وأن يهجرهم هجرا جميلا وهو الهجر حيث اقتضت المصلحة الهجر الذي لا أذية فيه، فيقابلهم بالهجر والإعراض عنهم وعن أقوالهم التي تؤذيه، وأمره بجدالهم بالتي هي أحسن. { وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ } أي: اتركني وإياهم، فسأنتقم منهم، وإن أمهلتهم فلا أهملهم، وقوله: { أُولِي النَّعْمَةِ } أي: أصحاب النعمة والغنى، الذين طغوا حين وسع الله عليهم من رزقه، وأمدهم من فضله كما قال تعالى: { كَلا إِنَّ الإنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى } . ثم توعدهم بما عنده من العقاب، فقال: { إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالا ...}.

النسائي

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم الْمُزَّمِلُ أنا إسماعيل بن مسعودٍ، نا خالدٌ - يعني: ابن الحارث، نا سعيدٌ، نا قتادةُ، عن زرارة بن أوفي، عن سعد بن هشامٍ، قال: انطلقنا إلى عائشة، فاستأْذنا عليها، فدخلنا، قلت: أنبئيني عن قيام رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ قالت: ألست تقرأُ هذه السورة: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ} [1]؟ قلتُ: بلى، قالت: فإن الله افترض القيام في أول هذه السورةِ، فقام النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأصحابهُ حولاً حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك/ اللهُ خاتمتها، اثنى عشر شهراً، ثم أنزل اللهُ عزَّ وجلَّ التخفيف في آخر هذه السورةِ، فصار قيامُ اللَّيل تطوُّعاً بعد فريضةٍ. - مُختصرٌ. 648 - أنا قتيبةُ بن سعيدٍ، نا يزيدُ - يعني: ابن المقدامِ بن شُريحٍ - عن أبيه - وقال على أثره - عن أبيه، عن عائشة، أخبرته أنها كانت حديث : إذا عركت، قال لها رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم: "يا بنت أبي بكرٍ - ثم ذكر قُتيبةُ كلمةً معناها: اتَّزري علي وسطك - وكان يُباشرُها من الليلِ ما شاء اللهُ حتى يقومُ لصلاتهِ، وقلَّ ما كان ينامُ من الليل لمَا قال اللهُ عزَّ وجلَّ له، {قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً} [2] ". تفسير : 649 - أنا محمدُ بن بشارٍ، نا محمد بن جعفرٍ، نا شُعبة، عن النُّعمان بن سالمٍ، قال: سمعتُ يعقوب بن عاصم بن عُروة بن مسعودٍ. وقال عبد الله بن عمرو، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يخرج الدَّجالُ، فيبعثُ اللهُ عزَّ وجلَّ عيسى ابن مريم عليه السلام كأنهُ عُروةُ بن مسعودٍ الثقفيُّ فيطلبه فيهلكُهُ، ثم يلبثُ الناسُ [بعدهُ] تسع سنين ليس بين اثنين عداوةٌ، ثم يُرسلُ اللهُ عزَّ وجلَّ ريحاً باردةً من قبل الشام، فلا تُبقي أحداً في قلبه مثقالُ ذرةٍ من إيمانٍ إلاَّ قبضته، حتى لو أن أحدكم كان في كبدِ جبلٍ دخلت عليهم. قال: سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويبقى شرارُ الناسِ في خِفَّةِ الطيرِ وأحلام السِّباعِ، لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً. فيتمثلُ لهمُ الشيطانُ فيأمرهم بالأوثانِ فيعبدونها وهم في ذلك دارَّةٌ أرزاقُهم، حسنةٌ عيشتُهُم، ثم يُنفخ في الصورِ فلا يبقى أحدٌ إلاَّ صُعِقَ، ثم يرسلُ اللهُ - أو ينزل اللهُ - مطراً، فتنبتُ منهُ أجسادُ الناسِ، ثم ينفخ فيه أُخرى فإذا هم قيامٌ ينظرون. ثم يقال: يا أيها الناسُ هلُمُّوا إلى ربكم {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ} [الصافات: 24] ثم قال أخرجوا بعث أهل النارِ، فيقال: كم؟ فيقال: من كلِّ ألفٍ تسعمائةٍ وتسعةً وتسعين فيومئذٍ يبعث {ٱلْوِلْدَانَ شِيباً} [17] ويومئذٍ {يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} [القلم: 42] . تفسير : قال محمدُ بن/ جعفر حدثني شعبةُ بهذا الحديث عن النُّعمانِ ابن سالمٍ، وعرضتُهُ عليه".

همام الصنعاني

تفسير : 3362- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ}: [الآية: 1]، قال: هو الذي يَتَزَمّل بثيابه.