٧٣ - ٱلْمُزَّمِّل
73 - Al-Muzzammil (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
5
Tafseer
الرازي
تفسير : ذكروا في تفسير الثقيل وجوهاً أحدها: وهو المختار عندي أن المراد من كونه ثقيلاً عظم قدره وجلالة خطره، وكل شيء نفس وعظم خطره، فهو ثقل وثقيل وثاقل، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء: {قَوْلاً ثَقِيلاً } يعني كلاماً عظيماً، ووجه النظم أنه تعالى لما أمره بصلاة الليل فكأنه قال: إنما أمرتك بصلاة الليل لأنا سنلقي عليك قولاً عظيماً، فلا بد وأن تسعى في صيرورة نفسك مستعدة لذلك القول العظيم، ولا يحصل ذلك الاستعداد إلا بصلاة الليل، فإن الإنسان في الليلة الظلماء إذا اشتغل بعبادة الله تعالى وأقبل على ذكره والثناء عليه، والتضرع بين يديه، ولم يكن هناك شيء من الشواغل الحسية والعوائق الجسمانية استعدت النفس هنالك لإشراق جلال الله فيها، وتهيأت للتجرد التام، والانكشاف الأعظم بحسب الطاقة البشرية، فلما كان لصلاة الليل أثر في صيرورة النفس مستعدة لهذا المعنى لا جرم قال: إني إنما أمرتك بصلاة الليل لأنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً، فصير نفسك مستعدة لقبول ذلك المعنى، وتمام هذا المعنى ما قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها» تفسير : وثانيها: قالوا: المراد بالقول الثقيل القرآن وما فيه من الأوامر والنواهي التي هي تكاليف شاقة ثقيلة على المكلفين عامة، وعلى رسول الله خاصة، لأنه يتحملها بنفسه ويبلغها إلى أمته، وحاصله أن ثقله راجع إلى ثقل العمل به، فإنه لا معنى للتكليف إلا إلزام ما في فعله كلفة ومشقة وثالثها: روى عن الحسن: أنه ثقيل في الميزان يوم القيامة، وهو إشارة إلى كثرة منافعه وكثرة الثواب في العمل به ورابعها: المراد أنه عليه الصلاة والسلام كان يثقل عند نزول الوحي إليه، روي أن الوحي نزل عليه وهو على ناقته فثقل عليها، حتى وضعت جرانها، فلم تستطع أن تتحرك، وعن ابن عباس: كان إذا نزل عليه الوحي ثقل عليه وتربد وجهه، وعن عائشة رضي الله عنها: «رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإن جبينه ليرفض عرقاً» وخامسها: قال الفراء: {قَوْلاً ثَقِيلاً } أي ليس بالخفيف ولا بالسفساف، لأنه كلام ربنا تبارك وتعالى وسادسها: قال الزجاج: معناه أنه قول متين في صحته وبيانه ونفعه، كما تقول: هذا كلام رزين وهذا قول له وزن إذا كنت تستجيده وتعلم أنه وقع موقع الحكمة والبيان وسابعها: قال أبو علي الفارسي: إنه ثقيل على المنافقين، من حيث إنه يهتك أسرارهم، ومن حيث إنه يبطل أديانهم وأقوالهم وثامنها: أن الثقيل من شأنه أن يبقى في مكانه ولا يزول، فجعل الثقيل كناية عن بقاء القرآن على وجه الدهر كما قال: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ } تفسير : [الحجر: 9]، وتاسعها: أنه ثقيل بمعنى أن العقل الواحد لا يفي بإدراك فوائده ومعانيه بالكلية، فالمتكلمون غاصوا في بحار معقولاته، والفقهاء أقبلوا على البحث عن أحكامه، وكذا أهل اللغة والنحو وأرباب المعاني، ثم لا يزال كل متأخر يفوز منه فوائد ما وصل إليها المتقدمون، فعلمنا أن الإنسان الواحد لا يقوى على الاستقلال بحمله، فصار كالحمل الثقيل الذي يعجز الخلق عن حمله، وعاشرها: أنه ثقيل لكونه مشتملاً على المحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، والفرق بين هذه الأقسام مما لا يقدر عليه إلا العلماء الراسخون، المحيطون بجميع العلوم العقلية والحكمية، فلما كان كذلك لا جرم كانت الإحاطة به ثقيلة على أكثر الخلق.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً } هو متصل بما فُرض من قيام الليل، أي سنلقي عليك بافتراض صلاة الليل قولاً ثقيلاً يثقل حمله؛ لأن الليل للمنام، فمن أمر بقيام أكثره لم يتهيأ له ذلك إلا بِحَمْل شديد على النفس ومجاهدة للشيطان، فهو أمر يثقل على العبد. وقيل: إنا سنوحي إليك القرآن، وهو قول ثقيل يثقل العمل بشرائعه. قال قتادة: ثقيل والله فرائضه وحدوده. مجاهد: حلاله وحرامه. الحسن: العمل به. أبو العالية: ثقيلاً بالوعد والوعيد والحلال والحرام. محمد بن كعب: ثقيلاً على المنافقين. وقيل: على الكفار، لما فيه من الاحتجاج عليهم، والبيان لضلالتهم وسبّ آلهتهم، والكشف عما حرفه أهل الكتاب. السُّديّ: ثقيل بمعنى كريم؛ مأخوذ من قولهم: فلان ثقيل عليّ، أي يكرم عليّ. الفرّاء: «ثقِيلاً» رزيناً ليس بالخفيف السَّفْساف لأنه كلام ربنا. وقال الحسين بن الفضل: ثَقيلاً لا يحمله إلا قلب مؤيد بالتوفيق، ونفس مزينة بالتوحيد. وقال ٱبن زيد: هو والله ثقيل مبارك، كما ثقل في الدنيا يثقل في الميزان يوم القيامة. وقيل: «ثَقِيلاً» أي ثابتاً كثبوت الثقيل في محله، ويكون معناه أنه ثابت الإعجاز، لا يزول إعجازه أبداً. وقيل: هو القرآن نفسه؛ كما جاء في الخبر: حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا أوحَي إليه وهو على ناقته وضعت جِرانها ـ يعني صدرها ـ على الأرض، فما تستطيع أن تتحرك حتى يُسرَّى عنهتفسير : . وفي الموطأ وغيره: أنه عليه السلام سئل: كيف يأتيك الوحي؟ فقال: « حديث : أحياناً يأتيني مثل صَلْصَلة الجرس، وهو أشدّه عليّ، فَيُفصِم عنّي وقد وعيت ما قال، وأحياناً يتمثل لي المَلَك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول »تفسير : . قالت عائشة رضي الله عنها: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيُفصِم عنه وإن جبينه ليتَفصَّد عرقاً. قال ٱبن العربيّ: وهو أولى؛ لأنه الحقيقة، وقد جاء { أية : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } تفسير : [الحج: 78]. وقال عليه السلام: « حديث : بُعِثْتُ بالحنيفية السَّمْحة » تفسير : . وقيل: القول في هذه السورة: هو قول لا إلٰه إلا الله؛ إذ في الخبر: حديث : خفيفة على اللسان ثقيلة في الميزانتفسير : ؛ ذكره القشيريّ.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلاً } قرآناً {ثَقِيلاً } مهيباً أو شديداً لما فيه من التكاليف.
ابن عبد السلام
تفسير : {ثَقِيلاً} عليه إذا أوحي إليه فلا يقدر على الحركة أو العمل به ثقيل "ح" أو في الميزان يوم القيامة أو كريم من قولهم فلان ثقيل عليَّ: أي كريم.
الخازن
تفسير : {إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً} قال ابن عباس شديداً. وقيل ثقيلاً يعني كلاماً عظيماً جليلاً ذا خطر وعظمة لأنه كلام رب العالمين وكل شيء له خطر ومقدار فهو ثقيل والمعنى فصير نفسك مستعدة لقبول هذا القول العظيم الثقيل الشاق، وقيل سماه ثقيلاً لما فيه من الأوامر والنواهي فإن فيه مشقة وكلفة على الأنفس وقيل ثقيلاً لما فيه من الوعد والوعيد والحلال والحرام والحدود والفرائض والأحكام. وقيل ثقيلاً على المنافقين لأنه يبين عيوبهم ويظهر نفاقهم، وقيل هو خفيف على اللسان بالتلاوة ثقيل في الميزان بالثواب يوم القيامة. وقيل ثقيلاً أي ليس بالخفيف ولا السفساف لأنه كلام ربنا تبارك وتعالى. وقيل معناه أنه قول مبين في صحته وبيانه ونفعه كما تقول هذا كلام رصين وهذا قول له وزن إذا استجدته وعلمت أنه صادق الحكمة والبيان. وقيل سماه ثقيلاً لما فيه من المحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ. وقيل ثقيلاً في الوحي وذلك "حديث : أنه صلى الله عليه وسلم "كان إذا نزل عليه القرآن والوحي يجد له مشقة""تفسير : ، (ق) عن عائشة رضي الله عنها "حديث : أن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحياناً يأتيني في مثل صلصلة الجرس وهذا أشده علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحياناً يتمثل إلي الملك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول. قالت عائشة ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقاً"تفسير : (م) عن عبادة بن الصامت قال "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي كرب لذلك وتربد له وجهه" تفسير : وفي رواية "حديث : كان إذا نزل عليه الوحي عرفنا ذلك في فيه وغمض عينيه وتربد وجهه" تفسير : قوله مثل صلصلة الجرس الصلصة الصوت الشديد الصلب اليابس من الأشياء الصلبة كالجرس ونحوه. قوله فيفصم أي ينفصل عني ويفارقني وقد وعيت ما قال أي حفظت. وقولها ليتفصد عرقاً أي يجري عرقه كما يجري الدم من الفاصد. قوله تربد وجهه الربدة في الألوان غبرة مع سواد، وقوله تعالى: {إن ناشئة الليل} أي ساعاته كلها وكل ساعة منه ناشئة، لأنها تنشأ عن التي قبلها وقال ابن أبي مليكة سألت ابن عباس وابن الزبير عنها فقالا الليل كله ناشئة وهي عبارة عن الأمور التي تحدث وتنشأ في الليل وقالت عائشة الناشئة القيام بعد النوم. وقيل هي قيام آخر الليل وقيل أوله، وقيل أي ساعة قام الإنسان من الليل فقد نشأ. روي عن زين العابدين علي بن الحسين أنه كان يصلي بين المغرب والعشاء ويقول هذه ناشئة الليل، وقيل كل صلاة بعد العشاء الآخرة فهي ناشئة الليل، وقيل ناشئة الليل قيامه وقيل ناشئة الليل وطاؤه {هي أشد وطأ} قرىء بكسر الواو مع المد يعني من المواطأة والموافقة وذلك لأن مواطأة القلب اللسان والسمع والبصر تكون بالليل أكثر مما تكون بالنهار. وقرىء وطأ بفتح الواو وسكون الطاء أي أشد على المصلي وأثقل. من صلاة النهار لأن الليل جعل للنوم والراحة فكان قيامه على النفس أشد وأثقل وقال ابن عباس كانت صلاتهم أول الليل هي أشد وطأ يقول هي أجدر أن يحصوا ما فرض الله عليهم من القيام وذلك أن الإنسان إذا نام لا يدري متى يستيقظ. وقيل أثبت للخير وأحفظ للقراءة من النهار وقيل هي أوطأ للقيام وأسهل على المصلي من ساعات النهار لأنه خلق لتصرف العباد والليل والخلوة برب العباد ولأن الليل أفرغ للقلب من النهار ولا يعرض له في الليل حوائج وموانع مثل النهار وأمنع من الشيطان وأبعد من الرياء وهو قوله تعالى: {وأقوم قيلاً} أي أصوب قراءة وأصح قولاً من النهار لهدأة الناس وسكون الأصوات وقيل معناه أبين قولاً بالقرآن. والحاصل أن عبادة الليل أشد نشاطاً وأتم إخلاصاً وأبعد عن الرياء وأكثر بركة وأبلغ في الثواب وأدخل في القبول.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً} يعني القُرآن، واخْتُلِفَ لم سمّاه ثقيلاً، فقال جماعةٌ مِنَ المفسرينَ: لِمَا كَانَ يَحُلُّ برسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم مِنْ ثِقْلِ الجِسْمِ؛ حَتَّى إنَّه كَانَ إذا أُوحي إليه وهُو على نَاقَتِهِ؛ بَرَكَتْ بهِ وحَتَّى كَادَتْ فَخِذُه أنْ تَرُضُّ فَخِذَ زَيْدِ بن ثابت ـــ رضي اللَّه عنه ـــ، وقيل: لثِقَلِهِ على الكفارِ والمنافقينَ بإعْجَازِه ووَعْدِه ووعيدهِ ونحو ذلك، وقال حُذَّاقُ العلماء: معناه: ثَقِيلُ المَعانِي من الأَمْرِ بالطاعاتِ، والتكاليفِ الشرعية من الجهاد، ومزاولةِ الأعمال الصالحاتِ دائماً، قال الحسن: إنَّ الهَذَّ خَفِيفٌ ولَكِنَّ العَمَل ثقيل* ت *: والصوابُ عندي أَنْ يُقَالَ: أما ثِقَلُه باعتبارِ النبي صلى الله عليه وسلم، فهو مَا كَان يَجِدُه ـــ عليه السلامُ ـــ من الثقل المَحْسُوسِ وأما ثِقَلُه باعتبارِ سائرِ الأمةِ فهو ما ذُكِرَ من ثقل المعاني، وقَدْ زَجَرَ مالكٌ سائِلاً سأله عن مسألةٍ وَقَالَ: يا أبا عَبْدِ اللَّه؛ إنها مسألةٌ خفيفةٌ؛ فغَضِبَ مالكٌ وقال: لَيْسَ في العِلم خَفِيفٌ أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ اللَّه تعالى: {إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً} فَالْعِلْمُ كُلُّه ثقيلُ، انتهى من «المدارك» لعياضٍ. وقوله سبحانه: {إِنَّ نَاشِئَةَ ٱلَّيْلِ} قال ابن جُبَيْرٍ وغيره: هي لَفْظَةٌ حَبَشِيَّةٌ؛ نَشَأَ الرجلُ إذا قَامَ من الليلِ فـ{نَاشِئَةَ} على هذا جَمْعُ ناشىء أي: قَائِمٌ، و{أَشَدُّ وَطْأً} معناه: ثُبُوتاً واسْتِقْلاَلاً بالقيام، وقرأ أبو عمرو وابن عامر وجماعة كابن عباس وابن الزبير وغيرهم: «وَطَاءً» ـــ بكسر الواوِ ـــ مَمْدُوداً عَلى وَزْنِ «فِعَالِ» على معنى المُوَاطَأَةِ والموَافَقَةِ، وهو أن يواطىء قلبَه لسانهُ، والموَاطأةُ هِي الموافَقَةُ، فهذه مواطأَةٌ صحيحة؛ لخلو البَالِ من أشْغَالِ النَّهارِ، وبهذا المعنى فَسَّر اللفظَ مجاهدٌ وغيره، قال الثعلبيّ: واخْتَارَ هذه القراءةَ أبو عبيدِ وقال جماعة: {نَاشِئَةَ ٱلَّيْلِ} سَاعَاتُه كلُّها، لأَنَّها تَنْشَأ شَيْئاً بعد شيءٍ، وقيل في تفسير {نَاشِئَةَ ٱلَّيْلِ} غَيْرُ هذا، وقرأ أنس بن مالك «وأصْوَبُ قِيلاً» فقيل له: إنما هو {أَقْوَمُ} فَقَالَ: أقْوَمُ وأصْوَبُ وَاحِدٌ. وقوله تعالى: {إِنَّ لَكَ فِى ٱلنَّهَارِ سَبْحَاً طَوِيلاً} أي: تَصَرُّفاً وَتَرَدُّداً في أمُورِكَ، ومنه السِّبَاحةُ في الماء، {وَتَبَتَّلْ} معناه: انْقَطِعْ إليه انْقِطَاعاً؛ هذا لفظ ابن عطاء على ما نقله الثعلبي، انتهى، وأما * ع* فقال: معناه انْقَطِعْ مِنْ كلِّ شيءٍ إلا مِنْهُ وأفْزَعْ إليه، قال زيد بن أسلم: التَبَتُّلُ: رَفْضُ الدُّنْيَا، ومنه بُتِلَ الحَبْلُ، و{تَبْتِيلاً} مَصْدر على غير الصَّدْرِ، قال أبو حيان: وحُسْنُه كونُه فاصلةً، انتهى، قال ابن العربي في «أحكامه»: فالتَبَتُّلُ المأمورُ بهِ في الآيةِ الاِنْقِطَاعُ إلى اللَّهِ تعالى بإخْلاَصِ العِبَادَةِ، وَهُوَ اختيارُ البخاريّ، والتَبَتُّلُ المنهي عنه في الحديثِ هُو سُلُوكُ مَسْلَكِ النصارى في تَرْكِ النِّكَاحِ والتَّرَهُّبِ في الصوامِع، انتهى، والوَكِيلُ القائم بالأمْرِ الذي تُوكَلُ إليه الأشياء. وقوله: {وَٱهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً} منسُوخٌ بآية السيف.
ابن عادل
تفسير : قوله: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً}، الجملة من قوله: "إنَّا سَنُلقي" مستأنفة. وقال الزمخشريُّ: "وهذه الآية اعتراض" ثم قال: "وأراد بهذا الاعتراض أن ما كلفه من قيام الليل من جملة التكاليف الثقيلة الصعبة التي ورد بها القرآن، لأن الليل وقت السبات، والراحة، والهدوء فلا بد لمن أحياه من مضادة لطيفة، ومجاهدة لنفسه" انتهى. يعني بالاعتراض من حيثُ المعنى، لا من حيث الصناعة، وذلك أن قوله: {إِنَّ نَاشِئَةَ ٱللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأً} مطابق لقوله: "قُمِ الليْل"، فكأنه شابه الاعتراض من حيث دخوله بين هذين المناسبتين. فصل في معنى الآية المعنى: سنلقي عليك بافتراض صلاة الليل "قَوْلاً ثَقيْلاً" يثقل حمله، لأن الليل للمنام فمن أجر بقيام أكثره، لم يتهيأ له ذلك إلا بحمل مشقة شديدة على النفس، ومجاهدة الشيطان فهو أمر يثقل على العبد. وقيل: المعنى سنوحي إليك القرآن وهو ثقيل يثقل العمل بشرائعه قال قتادة: ثقيل - والله - فرائضه وحدوده. وقال مجاهد: حلاله وحرامه. وقال الحسن: العمل به. وقال أبو العالية: ثقيل بالوعد، والوعيد، والحلال والحرام. وقال محمد بن كعب: "ثقيل على المنافقين لأنه يهتك أسرارهم، ويبطل أديانهم". وقيل: على الكفار لما فيه من الاحتجاج عليهم، والبيان لضلالتهم وسب آلهتهم. وقال السديُّ: ثقيل بمعنى كريم، مأخوذ من قولهم: فلان ثقيل عليَّ، أي يكرم عليّ. وقال الفراءُ: "ثَقِيْلاً" أي: رزيناً. وقال الحسن بن الفضل: ثقيل لا يحمله إلا قلب مؤيد بالتوفيق ونفس مزينة بالتوحيد. وقال ابن زيد: هو ثقيل مبارك في الدنيا يثقل في الميزان يوم القيامة. وقيل: ثقيل: أي ثابت كثبوت الثقيل في محله، ومعناه أنه ثابت الإعجاز لا يزول إعجازه أبداً. [وقيل: ثقيل: بمعنى أن العقل الواحد لا يفي بإدراك فوائده، ومعانيه بالكلية، فالمتكلمون غاصوا في بحار معقولاته، والفقهاء بحثوا في أحكامه، وكذا أهل اللغة، والنحو، وأرباب المعاني، ثم لا يزال كل متأخر يفوز منه بفوائد ما وصل إليها المتقدمون فعلمنا أن الإنسان الواحد لا يقوى على الاشتغال بحمله، فصار كالجبل الثقيل الذي يعجز الخلق عن حمله]. وقيل: هو الوحي، كما جاء في الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته، وضعت جرانها – يعني صدرها – على الأرض فما تستطيع أن تتحرك، حتى يُسَرَّى عنه". وقال القشيري: القول الثقيل هنا: هو قول: "لا إلهَ إلاَّ اللَّهُ"، لأنه ورد في الخبر: "حديث : لا إلهَ إلاَّ اللَّهُ خَفيفَةٌ على اللِّسانِ ثَقِيلةٌ في المِيزَانِ ". تفسير : قوله: {إِنَّ نَاشِئَةَ ٱللَّيْلِ}. في الناشئة أوجه: أحدها: أنها صفة لمحذوف، أي: النفس الناشئة بالليل التي تنشأ من مضجعها للعبادة، أي تنهض وترفع من "نشأت السحابة" إذا ارتفعت، ونشأ من مكانه ونشر إذا نهض، قال: [الطويل] شعر : 4921 - نَشَأنَا إلى خُوصِ بَرَى نيَّهَا السُّرَى وألصَقَ مِنْهَا مُشرِفَاتِ القَماحِدِ تفسير : الثاني: أنها مصدر بمعنى قيام الليلِ، على أنها مصدر من "نشأ" إذا قام ونهض، فيكون كالعافية والعاقبة، قالهما الزمخشري. الثالث: أنها بلغة الحبشةِ نشأ الرجل، أي: قام من الليل. قال أبو حيان: فعلى هذا هي جمع ناشىء، أي: قائم، يعني: أنها صفة لشيء يفهم الجمع، أي: طائفة، أو فرقة نائشة، وإلا فـ"فاعل" لا يجمع على "فاعلة". قال القرطبي: "قال ابن مسعود: "الحبشة" [يقولون: نشأ، أي قام. فلعله أراد أن الكلمة عربية، ولكنها شائعة في كلام الحبشة] غالبة عليهم، وإلاَّ فليس في القرآن ما ليس من لغة العرب". الرابع: {إِنَّ نَاشِئَةَ ٱللَّيْلِ}: ساعاته، وأوقاته؛ لأنها تنشأ شيئاً بعد شيء. قال القرطبيُّ: "لأنها تنشأ أولاً فأولاً، يقال: نشأ الشيء ينشأ إذا ابتدأ، وأقبل شيئاً بعد شيء فهو ناشىء، وأنشأه اللهُ فنشىء، فالمعنى: ساعات الليل الناشئة، فاكتفى بالوصف عن الاسم فالتأنيث للفظ الساعة، لأن كل ساعة تحدث". وقيدها الحسن وابن عبَّاسٍ: بما كان بعد العشاء، إن كان قبلها فليس بناشئة، وخصصتها عائشة رضي الله عنها بأن تكون بعد النوم، فلو لم يتقدَّمها نوم لم تكن ناشئة. قوله: {هِيَ أَشَدُّ وَطْأً}. قرأ أبو عمرو وابن عامرٍ: بكسر الواو، وفتح الطاء بعدها ألف، والباقون: بفتح الواو وسكون الطاء. وقرأ قتادة وشبل عن أهل مكة: "وِطْأً"، بكسر الواو وسكون الطاء. وظاهر كلام أبي البقاء أنه قرىء بفتح الواو مع المد، فإنه قال: "وِطْأ" بكسر الواو بمعنى مواطأة"، وبفتحها اسم للمصدر، ووطأ على "فعل" وهو مصدر وطىء، والوطاء: مصدره "وِطَاء" كـ"قِتَال" مصدر "قَاتلَ"، والمعنى: أنها أشد مُواطأة، أي: يواطىء قلبها لسانها إن أردت النفس، ويواطىء قلب النائم فيها لسانه إن أردت القيام، أو العبادة، أو الساعات، أو أشد موافقة لما يراد من الخشوع والإخلاص. والوطء - بالفتح والكسر -: على معنى أشد ثبات قدم، وأبعد من الزلل وأثقل وأغلظ من صلاة النهار على المصلي من قوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : اللَّهُمَّ اشدُدْ وطْأتكَ على مُضَر"تفسير : . وعلى كل تقدير: فانتصابه على التمييز. قوله: {وَأَقْوَمُ قِيلاً}. حكى الزمخشريُّ: أن أنساً قرأ: "وأصوب قِيْلاً" فقيل: له: يا أبا حمزة إنما هي "وأقْوَمُ"، فقال: إن أقوم، وأصوب وأهيأ، واحد، وأنَّ أبا السرار الغنوي كان يقرأ: {فَحَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ} [الإسراء: 25] - بالحاء المهملة - فقيل له: هي بالجيم فقال: جَاسوا وحاسوا واحد. قال شهاب الدين: "وغرضه من هاتين الحكايتين، جواز قراءة القرآن بالمعنى، وليس في هذا دليل؛ لأنه تفسيرُ معنى، وأيضاً، فالذي بين أيدينا قرآن متواتر، وهذه الحكاية آحاد، وقد تقدم أن أبا الدرداء كان يُقْرِىءُ رجلاً، {أية : إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ طَعَامُ ٱلأَثِيمِ}تفسير : [الدخان: 43-44]، فجعل الرجل يقول: طعام اليتيم، فلما تبرم منه قال: طعام الفاجر يا هذا، فاستدل به على ذلك من يرى جوازه، وليس فيه دليل، لأن مقصود أبي الدرداء بيان المعنى فجاء بلفط مبين". قال الأنباري: وذهب بعض الزائغين إلى أن من قال: إن من قرأ بحرف يوافق معنى حرف من القرآنِ، فهو مصيب إذا لم يخالف ولم يأت بغير ما أراد الله، واحتجوا بقول أنس هذا، وهذا قول لا يعرج عليه، ولا يلتفت إلى قائله، لأنه لو قرىء بألفاظ القرآن إذا قاربت معانيها، واشتملت على غايتها لجازأن يقرأ في موضع {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}: تفسير : الشكر للباري ملك المخلوقين، ويتسع الأمر في هذا، حتى يبطل لفظ جميع القرآن، ويكون التالي له مفترياً على الله - تعالى - كاذباً على رسوله صلى الله عليه وسلم ولا حجة لهم في قول ابن مسعود: "نَزلَ القرآنُ على سَبْعَةِ أحْرُفٍ، إنما هو كقول أحدكم: تعلم، وتعال، وأقبل"؛ لأن هذا الحديث يوجب أن القراءات المنقولة بالأسانيد الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا اختلفت ألفاظها، واتفقت معانيها، كان ذلك فيها بمنزلة الخلاف في "هَلُمَّ"، وتعال، وأقبل"، فأما ما لم يقرأ به النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وتابعوهم، فإن من أورد حرفاً منه في القرآن بهت، ومال، وخرج عن مذهب الصواب، وحديثهم الذي جعلوه قاعدتهم في هذه الضلالة لا يصححه أهل العلم. انتهى. فصل في فضل صلاة الليل بيَّن تعالى في هذه الآية فضل صلاةِ الليل على صلاة النَّهار، وأن الاستكثار من صلاة الليل بالقراءة فيها ما أمكن أعظم للأجر، وأجلب للثواب، كان علي بن الحسين يصلي بين المغرب، والعشاء، ويقول: هذه ناشئة الليل. وقال عطاء وعكرمة: هو بدوام الليل. قال في الصحاح: "ناشئة الليل" أول ساعاته. وقال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: هي الليل كلهُ، لأنه ينشأ بعد النهار، وهو اختيار مالك. قال ابن العربي: "وهو الذي يعطيه اللفظ ويقتضيه اللغة". وقالت عائشة رضي الله عنها وابن عباس - أيضاً - ومجاهد: إنما الناشئة القيام بالليل بعد النوم، ومن قال قبل النوم فما قام ناشئة. وقال يمان وابن كيسان: هو القيام من آخر الليل. وأما قوله: {أَشَدُّ وَطْأً}، أي: أثقل على المصلي من ساعات النهار، لأن الليل وقت منام وراحة فإذا قام إلى صلاة الليل، فقد تحمل المشقة العظيمة، هذا على قراءة كسر الواو، وفتح الطاء، وأما على قراءة المد: فهو مصدر "واطَأتْ وِطاءً ومُواطَأةً"، أي: وافقت على الأمر من الوفاق، تقول: فلان مواطىء اسمه اسمي، أي: موافقه، فالمعنى أشد موافقة بين القلب، والبصر، والسمع واللسان لانقطاع الأصوات، والحركات، قاله مجاهد وابن مليكة وغيرهما، قال تعالى: {أية : ليواطؤوا عدَّةَ ما حرم الله}تفسير : [التوبة: 37]، أي: ليوافقوا، وقيل: أشدّ مهاداً للتصرف في التفكر والتدبر. وقيل: أشد ثباتاً من النهار، فإن الليل يخلو فيه الإنسان بما يعمله فيكون ذلك أثبت للعمل، والوطء: الثبات، تقول: وطئتُ الأرض بقدمي. وقوله: {وَأَقْوَمُ قِيلاً} أي: القراءة بالليل أقوم منها بالنهار، أي: أشد استقامة واستمراراً على الصواب، لأن الأصوات هادئة، والدنيا ساكنة، فلا يضطرب على المصلي ما يقرأه. وقال قتادة ومجاهد: أصوب للقراءة وأثبت للقول؛ لأنه زمان التفهم. وقيل: أشد استقامة لفراغ البال بالليل. وقيل: أعجل إجابة للدعاء، حكاه ابن شجرة. وقال عكرمة: عبادة الليل أتم نشاطاً وأتم إخلاصاً، وأكثر بركة. قوله: {إِنَّ لَكَ فِي ٱلنَّهَارِ سَبْحَاً طَوِيلاً}. قرأ العامة: بالحاء المهملة، وهو مصدر "سَبح"، وهو استعارة للتصرف في الحوائج من السباحة في الماء، وهي البعد فيه. وقال القرطبيُّ: السَّبْحُ" الجري، والدوران، ومنه السباحة في الماء لتقلبه بيديه ورجليه، وفرس سابح "شديد الجري". قال امرؤ القيس: [الطويل] شعر : 4922 - مِسَحٍّ إذَا السَّابحَاتُ عَلى الوَنَى أثَرْنَ غُبَاراً بالكَديدِ المُركَّلِ تفسير : وقيل: السبح: الفراغ، أي: إن لك فراغاً للحاجات بالنهار. وعن ابن عباس وعطاء: "سَبْحاً طَويْلاً" يعني فراغاً طويلاً يعني لنومك، وراحتك فاجعل ناشئة الليل لعبادتك. وقرأ يحيى بن يعمر، وعكرمة وابن أبي عبلة: "سَبْخاً" بالخاء المعجمة. واختلفوا في تفسيرها: فقال الزمخشريُّ: "استعارة من سبخ الصوف، وهو نفشه، ونشر أجزائه لانتشار الهمِّ، وتفريق القلب بالشواغل". وقيل: التسبيخ، التخفيف، حكى الأصمعيُّ: "سبخ الله عنك الحمى، أي: خففها عنك". قال الشاعر: [الطويل] شعر : 4923 - فَسَبِّخْ عليْكَ الهَمَّ واعْلَمْ بأنَّهُ إذَا قدَّر الرَّحمنُ شَيْئاً فكَائِنُ تفسير : أي: خفف، ومنه حديث : قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشةَ، وقد دعت على سارق ردائها: "لا تُسبِّخِي بدُعَائكِ عليْهِ"تفسير : أي: لا تخففي إثمه. وقيل: التسبيخ: المد، يقال: سبخي قُطنكِ، أي: مديه، والسبيخة: قطعة من القطن، والجمع: سبائخ؛ قال الأخطل يصف صائداً وكلاباً: [البسيط] شعر : 4924- فَأرْسلُوهُنَّ يُذْرينَ التُّرابَ كمَا يُذْرِي سَبائِخَ قُطْنٍ نَدْفُ أوْتَارِ تفسير : وقال أبو الفضل الرازي: "قرأ ابن يعمر وعكرمة: "سَبْخاً" – بالخاء المعجمة – وقالا: معناه نوماً، أي: ينام بالنهار؛ ليستعين به على قيام الليل، وقد تحتمل هذه القراءة غير هذا المعنى، لكنهما فسراها: فلا تجاوز عنه". قال شهاب الدين: "في هذا نظرٌ، لأنهما غاية ما في الباب انهما نقلا هذه القراءة، وظهر لهما تفسيرها بما ذكر، ولا يلزم من ذلك أنه لا يجوز غير ما ذكر من تفسير اللفظة". وقال ثعلب: السَّبْخُ - بالخاء المعجمة - التردد والاضطراب، والسبح: السكون". ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : الحُمَّى من فَيْحِ جَهنَّمَ فَسبِّحُوهَا بالمَاء"تفسير : أي فسكِّنُوهَا بالمَاءِ. وقال أبو عمرو: السَّبْخُ: النوم والفراغ، فعلى هذا يكون من الأضداد، ويكون بمعنى السبح بالحاء المهملة. قوله: {وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ}، أي: ادعه بأسمائه الحسنى ليحصل لك مع الصلاة محمود العاقبة. وقيل: اقصد بعملك وجه ربِّك. وقال سهل: اقرأ باسم الله الرحمن الرحيم في ابتداء صلاتِك توصلك بركة قراءتها إلى ربك وتقطعك عما سواه. وقيل: اذكر اسم ربِّك في وعده، ووعيده؛ لتتوفّر على طاعته وتعدل عن معصيته. وقال الكلبي: صلِّ لربِّك، أي: بالنهار. قال القرطبيُّ: وهذا حسن، لأنه لما ذكر الليل ذكر النهار، إذ هو قسيمه، وقد قال تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱللَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ}تفسير : [الفرقان: 62]. قوله: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً}، هذا مصدر على غير المصدر، وهو واقع موقع التبتل، لأن مصدر "تفعَّل" "تفعُّل" نحو "تصرَّف تصرُّفاً، وتكرَّم تكرُّماً"، وأما "التفعيل" فمصدر" فعَّل" نحو "صرَّف تصريفاً؛ كقول الآخر: [الرجز] شعر : 4925 – وقَدْ تَطَوَّيْتَ انْطواءَ الحِضْبِ تفسير : فأوقع "الانفعال" موقع "التفعل". قال الزمخشريُّ: لأنَّ معنى "تبتَّل" بتل نفسه، فجيء به على معناه مراعاةً لحق الفواصل. والبَتْلُ: الانقطاع، ومنه امرأة بتول، أي: انقطعت من النكاح، وبتلت الحبل: قطعته. قال الليثُ: التبتل: تمييز الشيء من الشيء، وقالوا: طَلْقةٌ بَتْلةٌ، يعنون انقطاعها عن صاحبها، فالتبتُّل: ترك النكاح والزهد فيه، ومنه سمي الراهب متبتلاً لانقطاعه عن النكاح؛ قال امرؤ القيس: [الطويل] شعر : 4926 - تُضِيءُ الظَّلامَ بِالعشَاءِ كأنَّها مَنارةُ مُمْسَى رَاهبٍ مُتبتِّلِ تفسير : ومنه الحديث: أنه نهى عن التبتل، وقال: "حديث : يَا مَعْشَرَ الشَّبابِ، من اسْتَطَاعَ مِنْكمُ البَاءَةَ فَليتَزوَّجْ"تفسير : والمراد به في الآية الكريمة: الانقطاع إلى عبادة الله تعالى دون ترك النكاح. والتبتل في الأصل: الانقطاع عن الناس، والجماعات، وقيل: إن أصله عند العرب التفرد. قاله ابن عرفة. قال ابن العربي: "هذا فيما مضي، وأما اليوم، وقد مرجت عهود الناس، وخفت أماناتهم، واستولى الحرام على الحطام، فالعزلة خير من الخلطة، والعُزبة أفضل من التأهل، ولكن معنى الآية: وانقطع عن الأوثان، والأصنام، وعن عبادة غير الله. وكذلك قال مجاهد: معناه: أخلص له العبادة، ولم يرد التبتل، فصار التبتُّلُ مأموراً به في القرآن، مَنْهِيّاً عنه في السنَّةِ، ومتعلق الأمر غير متعلق النهي فلا يتناقضان، وإنما بعث ليبينَ للناس ما نزل إليهم، والتبتل المأمور به: الانقطاع إلى الله بإخلاص كما قال تعالى: {أية : وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ}تفسير : [البينة: 5]، والتبتل المنهي عنه: سلوك مسلك النصارى في ترك النكاحِ، والترهب في الصوامع، لكن عند فساد الزمان يكون خير مال المسلمِ غنماً يتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن". قوله: {رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ}. قرأ الأخوان وأبو بكر وابن عامرٍ: بجر "ربِّ" على النعت لـ"ربِّك"، أو البدل منه، أو البيان له. وقال الزمخشري: وعن ابن عباس: على القسم بإضمار حرف القسمِ، كقولك: "والله لأفعلنَّ" وجوابه "لا إله إلاَّ هُو"، كما تقول: "والله لا أحد في الدار سوى زيد". قال أبو حيَّان: لعل هذا التخريج لا يصح عن ابن عباس، لأن فيه إضمار الجار، ولا يجيزه البصريون إلاَّ مع لفظ الجلالةِ المعظمة خاصة، ولأن الجملة المنفية في جواب القسم إذا كانت اسمية فإنما تنفى بـ"مَا"، وحدها، فلا تنفى بـ"لا" إلا الجملة المصدرة بمضارع كثيراً، أو بماض في معناه قليلاً. نحو قول الشاعر: [البسيط] شعر : 4927 – رِدُوا فَواللَّهِ لا زُرْنَاكُمُ أبَداً مَا دَامَ في مائنَا وِرْد لِوُرَّادِ تفسير : والزمخشري أورد ذلك على سبيل التجويزِ، والتسليم، والذي ذكره النحويون هو نفيها بـ"مَا"؛ كقوله: [الطويل] شعر : 4928 – لَعمْرُكَ ما سَعْدٌ بخُلَّةِ آثمٍ ولا نَأنَإٍ يَوْمَ الحِفَاظِ ولا حَصِرْ تفسير : قال شهاب الدين: "قد أطلق ابن مالك أن الجملة المنفية سواء كانت اسمية، أم فعليه تنفى بـ"ما"، أو "لا"، أو "إن" بمعنى: "ما"، وهذا هو الظاهر". وباقي السبعة: ترفعه، على الابتداء وخبره الجملة من قوله "لا إله إلا الله"، أو على خبر ابتداء مضمر، أي: "هُو ربُّ"، وهذا أحسن لارتباط الكلام بعضه ببعض. وقرأ زيد بن علي: "ربَّ" بالنصب على المدح. وقرأ العامة: "المشْرِق والمَغْرِب" موحدين. وعبد الله وابن عباس: "المشَارِق والمغَارِب". ويجوز أن ينصب "ربَّ" في قراءة زيد من وجهين: أحدهما: أنه بدل من "اسم ربِّك"، أو بيان له، أو نعت له، قاله أبو البقاء، وهذا يجيء على أن الاسم هو المسمى. والثاني: أنه منصوب على الاشتغال بفعل مقدر، أي: فاتخذ ربَّ المشرق فاتخذه، وما بينهما اعتراض. والمعنى: أن من علم أنه رب المشارق، والمغارب انقطع بعمله إليه "واتَّخذهُ وَكِيْلاً"، أي: قائماً وقيل: كفيلاً بما وعدك.
السلمي
تفسير : على المخالفين سماعه. وقال أبو بكر: قولاً لا يحمله القلب مؤيد بالتوفيق ونفس مزينة بالتوحيد وهو قلبك ونفسك يا محمد ومن يطيق حمل ما أطقته من تلقف الخطاب عن مشاهده لأنك مؤيد بالعصمة. قال القاسم: سماع العلم من العالم ثقيل، لكنه يأتى بالفرج إذا استعمله العبد على حد السنة وتمام الأدب.
القشيري
تفسير : قيل: هو القرآن. وقيل: كلمة لا إلَهَ إلا الله. ويقال: الوحي؛ وسمَّاه ثقيلاً أي خفيفاً على اللسان ثقيلاً في الميزان. ويقال: ثقيل أي: له وزن وخطر. وفي الخبر "كان إذا نزل عليه القرآن - وهو على ناقته - وضعت جِرانها، ولا تكاد تتحرك حتى يُسرَّى عنه". وروى ابن عباس: أنَّ سورة الأنعامِ نَزَلَتْ مرةَ واحدةٍ فَبَركَت ناقةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثقل القرآن وهيبته. ويقال: {ثَقِيلاً} سماعه على مَنْ جحده. ويقال: "ثقيلاً بِعِبْئِه - إلاَّ على من أُيِّدِ بقوةٍ سماوية، ورُبِّي في حِجْرِ التقريب".
البقلي
تفسير : كيف لا يثقل قوله سبحانه قوله قديم واجدران تذهب تحت سطوات عزته الارواح والاشباح والاكوان والحدثان هو بذات يحمل صفاته لا غير وكان عليه الصلاة والسلام مؤيدا بالاتصاف بالحق فكان يحمل الحق بالحق لطائفه لطيفة على قلبه ثقيلة على من لا يفهمها اذا القرأن بجماله حيث انكشف صار لطيفا على اهله وحيث لا ينكشف ثقيل على غير اهله قال ابو بكر طاهر لا يحمله الا قلب مؤيد بالتوفيق ونفس مزينة بالتوحيد وهو قلبك ونفسك يا محمد ومن يطيق حمل ما اطقته من تلقف الخطاب عن مشاهدة لانك مؤيد بالعصم.
اسماعيل حقي
تفسير : {انا سنلقى عليك} اى سنوحى اليك وايثار الالقاء عليه لقوله تعالى {قولا ثقيلا} وهو القرءآن العظيم المنطوى على تكاليف شاقة ثقيلة على المكلفين وايضا ان القرءآن قديم غير مخلوق والحادث يذوب تحت سطوة القديم الا من كان مؤيدا كالنبى عليه السلام والثقل حقيقة فى الاجسام ثم يقال فى المعانى وقال بعضهم ثقيلا تلقية كما سئل رسول الله عليه السلام كيف يأتيك الوحى قال احيانا يأتينى مثل صلصلة الجرس وهو أشد على فيفصم عنى اى يقلع وينحى وقد وعيت ما قال واحيانا يتمثل الى الملك رجلا فيكلمنى فأعى ما يقول قالت عائشة رضى الله عنها ولقد رأيته ينزل عليه الوحى فى اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وان جبينه ليرفض عرقا اى يترشح (قال الكاشفى) در حين نزول وحى برآن حضرت برين وجه كه مذكور شداكر برشتر سوارى بودى دست وباى شترخم كشتى واكرتكيه برران يكى ازياران داشتى خوف شكستن آن بودى ودرين محل روى كلبركش برافر وخته (مصراع) بسان كل كه بصحن جمن برافروزد. وفى التأويلات النجمية ثقل المحمول بحسب لطف الحامل ولا شك ان نبينا عليه السلام كان ألطف الانبياء خلقا واعدلهم مزاجا وطبعا واكملهم روحانية ورحمانية وافضلهم نشأة وفطرة واشملهم استعدادا وقابلية فلذلك خص القرءآن بالثقل من بين سائر الكتب السماوية المشتملة على الاوامر والنواهى والاحكام والشرآئع للطف فطرته وشمول رحمته والجملة اعتراض بين الامر وهو قم الليل وبين تعليله وسر ان ناشئة الليل الخ لتسهل ما كلفه عليه السلام من القيام يعنى ان فى توصيف ما سيلقى عليه بالثقل ايماء الى ان ثقل هذا التكليف بالنسبة اليه كالعدم فاذا كان ما سيكلف اصعب وأشق فقد سهل هذا التكاليف وفى الكشاف أراد بهذا الاعتراض ان ما كلفه من قيام الليل من جملة التكاليف الصعبة التى ورد بها القرآن لان الليل وقت السبات والراحة والهدوء فلا بد لمن احياه من مضادة لطبعه ومجاهدة لنفسه فمن استأنس بهذا التكليف لا يثقل عليه امثاله. يقول الفقير سورة المزمل مما نزل فى اوائل النبوة فكان قوله انا سنلقى عليك قولا ثقيلا يشير الى مدة الوحى الباقيه لان حروفه مع اعتبار النون المدغم فيها ونونى التنوين اثنان وعشرون فالسين دل على الاستقبال ومجموع الحروف على المدة الباقية وجعل القرءآن حملا ثقيلا لانه عليه السلام بعث لتتميم مكارم الاخلاق ولا شك ان ما كان اجمع كان اثقل والله تعالى اعلم بمراده وايضا ان كون القول ثقيلا انما الى النفس الثقيلة الكثيفة لتراكم حجبها وبعدها عن درك الحق وأما بالنسبة الى النفس الخفيفة اللطفية فخفيف ولطيف ولذا كان تعب التكاليف مرفوعا عن الكمل فهم يجدون العبادات كالعادات فى ارتفاع الكلفة وفى الذوق والحلاوة.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّا سَنُلْقِي} جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: لم امرت بقيام اللّيل وترتيل القرآن الّذى هو تفصيل المعانى المجملة فى الوجود فى العالم الكبير او العالم الصّغير؟ - فقال: لانّا سنلقى {عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً} لا يتحمّله من كان ضعيفاً فى قوّته العمّالة والعلاّمة، وقيام اللّيل يقوّى القوّة العمّالة ويعدّ القوّة العلاّمة لادراك دقائق الامور وترتيل القرآن يعنى تفصيل المعانى المجملة فى العقول الكلّيّة والنّفوس الكلّيّة فى الكثرات الكونيّة، وتفصيلها فى الصّغير يقوّى القوّة العلاّمة وينشط القوّة العمّالة، والمراد بالقول الثّقيل القرآن فانّه كان من ثقله اذا نزل يأخذ النّبىّ (ص) شبه الغشى، وكان فى بعض الاحيان يرى سرّة دابّته كأنّها تمسّ الارض، او آثار الولاية فانّها لثقلها لم يكن موسى (ع) يطيق الصّبر على ما يرى من الخضر (ع)، او المراد نصب علىٍّ (ع) بالخلافة فانّها لثقلها لم يكن يظهره النّبىّ (ص) حتّى عوتبه فى ذلك ونزل عليه فان لم تفعل فما بلّغت رسالتك، او المراد مصائب اهل بيته بعده فانّها لثقلها كادت لا يمكن ان تسمع، او المراد هو السّكينة الّتى لم تكن تنزل الاّ ومعها جنود لم تروها ولم تكن تنزل حتّى يطهّر القلب من الاغيار، ولم يطهّر الاّ باستنارة القوّة العلاّمة ونشاط القوّة العمّالة، ولا يكون ذلك الاّ بقيام اللّيل وترتيل القرآن.
الهواري
تفسير : قوله عز وجل: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاَ ثَقِيلاً}. قال بعضهم: فرائضه وحدوده والعمل به. قوله عز وجل: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ} أي: قيام الليل. ذكر بعضهم قال: ما كان بعد العشاء فهو من ناشئة الليل. وذكر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ناشئة الليل قيامه، وهي بلغة الحبش. فإذا قام الرجل قالوا: قد نشأ فلان. وفي تفسير مجاهد: أيّ ساعة تهجد فيها متهجد من الليل فهي ناشئة. قوله عز وجل: {هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً}. وهي تقرأ على وجهين: (وطأ) مفتوحة الواو مقصورة. و (وِطَاءً) مكسورة الواو ممدودة، فمن قرأها: (وَطْأً) بفتح الواو فتفسيرها عند بعضهم: أثبت في الخير. ومن قرأها بكسر الواو والمد فتفسيرها عند ابن عباس: أشد مواطأة للقلب لفراغه، لأن الأصوات تهدأ في الليل. وتفسير مجاهد: أشدُّ مواطأة للقرآن [أي أشدُّ موافقة لسمعه وبصره وقلبه]. قوله عز وجل: {وَأَقْوَمُ قِيلاً}. قال الحسن: أصدق في التلاوة وأجدر أن لا يلبس عليك الشيطان تلاوتك.
اطفيش
تفسير : {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً} هو القرآن وقد قيل من قرأ القرآن على دابة غيره فتضررت ضمنها وقيل لا ولفظه رزين ومعناه متين ووحيه أشد من وحي غيره مع أن الوحي مطلقا شديدا لا كسائر الكلام سأل الحارث بن هشام النبي صلى الله عليه وسلم كيف ياتيك الوحي فقال أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشد عليّ فينفصم عني وقد وعيت ما قال وأحياناً يتمتل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول والأحيان جمع حين والصلصلة الصوت الشديد اليابس الصلب والجرس شيء على هيئة الناقوس ومعنى قوله وهو أشده أن هذا النوع من الوحي أشد الوحي عليه والانفصام الانقطاع ووعيت بمعنى حفظت وعن عائشة لقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فينفصم عنه وإن جبينه لينفصد عرقاً أي يجري عرق جبينه كما يجري الدم للفصد وعن عبادة بن الصامت إذا أنزل عليه الوحي عرفنا ذلك في فيه وغمض عينيه وتربد وجهه وفي رواية كرب لذلك وتربد وجهه وعن ابن عباس تربد جلده والتربد الاسوداد والكون على لون الغبرة وكان يثقل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتبين الثقل في جسمه صلى الله عليه وسلم وكان إذا أوحي اليه وهو على ناقته بركت به وكادت فخذه يوما ترض فخذ زيد وقيل المراد بثقله في الآية أنه كلام عظيم لانه كلام رب العالمين وكل ماله خطر فهو ثقيل وقيل سماه ثقيلا لما فيه من التكاليف الشاقة من الأوامر والنواهي ولا سيما على رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه متحملها بنفسه ومحملها أمته وأراد بالاعتراض بالترتيل والالقاء بين قيام الليل وقوله {أية : ان ناشئة الليل} تفسير : الخ أن ما كلفه من قيام الليل من جملة التكاليف الثقيلة الصعبة التي ورد بها القرآن لأن الليل وقت السبات والراحة فلا بد لمن أحياه من مضادة لطبعه ومجاهدة لنفسه ففي قيامه تسهيل التكليف عليه وعلى هذا القول حذاق العلماء قال الحسن ألهذا خفيف ولكن العمل ثقيل وقيل ثقيل على متأمله لافتقاره الى مزيد تصفية للسر وتجريد النظر وقيل ثقيل في الميزان خفيف في اللسان ونسب للحسن وروي أن مالكا سأله سائل عن مسألة وقال إنها خفيفة فزجره وقال ليس في العلم خفيف اما سمعت قول الله {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً} فالعلم كله ثقيل وقيل ثقيل على الكفار والمنافقين درساً وعملا وأيضاً يبين عيوبهم وقيل ثقله صدق حكمته وبيانه وصحته وقيل ثقله بالناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه والجملة على هذه الأوجه وعلى الوجه الأول للتعليل المستأنف فإن التهجد يعد للنفس ما به يعالج ثقله.
اطفيش
تفسير : {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ} اختار هذا عن أن يقول سنوحى إِليك لأَن الإِلقاء عليه مشعر بالثقل والقرآن ثقيل كما قال عز وجل. {قَوْلاً ثَقِيلاً} هو القرآن المتلو وثقله معنوى فإِنه شاق لما فيه من التكاليف من الأَوامر والنواهى والحدود وللوعيد ولا سيما على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإِنه يشق عليه أخذه عن جبريل فإِنه يعرق جبينه عند أخذه عنه ولو شتاء، كما روى عن عائشة ويعمل به ويحفظه ويعلمه الناس ويأَمرهم به، وفى ذلك ثقل حسى، قالت عائشة رضى الله عنها إِذا أوحى إِليه راكباً على ناقته وضعت جرانها فما تقدر أن تتحرك حتى يفرغ وقرأت {إِنَّا سنلقي} .. إِلخ وأوحى إِليه وفخذه على فخذ زيد فكادت ترضُّ فخذ زيد، وقيل ثقله شدة جودة معناه ولفظه ويقال للشئ الذى له شأن عظيم إِنه ثقيل، قال البخارى ومسلم عن عائشة رضى الله عنها وعن أبيها أن الحارث بن هشام سأَل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله، يا رسول الله كيف يأتيك الوحى فقال - صلى الله عليه وسلم - "حديث : أحياناً يأَتيني في مثل صلصلة الجرس وهذا أشده عليَّ فينقصم عني وقد وعيت ما قال، وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول" تفسير : وقيل ثقلة لزوم التجرد للتأَمل فيه وتصفية السر، وقيل كثرة ثوابه وقيل يعبر عن هذا بثقله فى الميزان، وقيل ثقله لما فيه من المحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ، وقيل ثقيل على المشركين والمنافقين لأَنه يضادهم وخصوصاً على المنافقين لأَنه يفضحهم، ويقال كل حرف فى اللوح المحفوظ كجبل لا تطيق الملائكة كلهم على حمله واستخراجه إِلا إِسرافيل فأقدره على ذلك ولا مستند لهذا أو الثقل فى ذلك كله مجاز، ولا يقال سورة أو آية خفيفة لأَن الله عز وجل وصف القرآن بالثقل.
الالوسي
تفسير : {إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ } أي سنوحي إليك، وإيثار الإلقاء عليه لقوله تعالى: {قَوْلاً ثَقِيلاً } وهو القرآن العظيم فإنه لما فيه من التكاليف الشاقة ثقيل على المكلفين سيما على الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه عليه الصلاة والسلام مأمور بتحملها وتحميلها للأمة. وهذه الجملة المؤكدة معترضة بين الأمر بالقيام وتعليله الآتي لتسهيل ما كلفه عليه الصلاة والسلام من القيام كأنه قيل إنه سيرد عليك في الوحي المنزل تكاليف شاقة هذا بالنسبة إليها سهل فلا تبال بهذه المشقة وتمرن بها لما بعدها. وأدخل بعضهم في الاعتراض جملة {أية : وَرَتِّلِ}تفسير : [المزمل: 4] الخ وتعقب بأنه لا وجه له. وقيل معنى كونه ثقيلاً أنه رصين لإحكام مبانيه ومتانة معانيه والمراد أنه راجح على ما عداه لفظاً ومعنى لكن تجوز بالثقيل عن الراجح لأن الراجح من شأنه أن يكون كذلك، وفي معناه ما قيل المراد كلام له وزن ورجحان ليس بالسفساف، وقيل معناه أنه ثقيل على المتأمل فيه لافتقاره إلى مزيد تصفية للسر وتجريد للنظر فالثقيل مجاز عن الشاق، وقيل ثقيل في الميزان والثقل إما حقيقة أو مجاز عن كثرة ثواب قارئه. وقال أبو العالية والقرطبـي ثقله على الكفار والمنافقين بإعجازه ووعيده، وقيل ثقيل تلقيه يعني يثقل عليه صلى الله عليه وسلم والوحي به بواسطة الملك فإنه كان يوحى إليه عليه الصلاة والسلام على أنحاء منها أن لا يتمثل له الملك ويخاطبه بل يعرض له عليه الصلاة والسلام كالغشي لشدة انجذاب روحه الشريفة للملأ الأعلى بحيث يسمع ما يوحى به إليه ويشاهده ويحسه هو عليه الصلاة والسلام دون من معه، وفي هذه الحالة كان يحس في بدنه ثقلاً حتى كادت فخذه صلى الله عليه وسلم أن ترض فخذ زيد بن ثابت وقد كانت عليها وهو يوحى إليه. وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن جرير وابن نصر والحاكم وصححه عن عائشة أن النبـي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته وضعت جرانها فما تستطيع أن تتحرك حتى يسرى عنه وتلت {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً} وروى الشيخان ومالك والترمذي والنسائي عنها أنها قالت «ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقاً» وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون {ثَقِيلاً} صفة لمصدر حذف فأقيم مقامه وانتصب انتصابه أي إلقاء ثقيلاً وليس صفة {قَوْلاً } وقيل ذلك كناية عن بقائه على وجه الدهر لأن الثقيل من شأنه أن يبقى في مكانه، وقيل ثقلة باعتبار ثقل حروفه حقيقة في اللوح المحفوظ فعن بعضهم أن كل حرف من القرآن في اللوح أعظم من جبل / قاف وإن الملائكة لو اجتمعت على الحرف أن يقلوه ما أطاقوه حتى يأتي إسرافيل عليه السلام وهو ملك اللوح فيرفعه ويقله بإذن الله تعالى لا بقوته ولكن الله عز وجل طوقه ذلك، وهذا مما يحتاج إلى نقل صحيح عن الصادق عليه الصلاة والسلام ولا أظن وجوده. والجملة قيل على معظم هذه الأوجه مستأنفة للتعليل فإن التهجد يعد النفس لأن تعالج ثقله فتأمل. واستدل بالآية على أنه لا ينبغي أن يقال سورة خفيفة لما أن الله تعالى سمى فيها القرآن كله قولاً ثقيلاً، وهذا من باب الاحتياط كما لا يخفى.
ابن عاشور
تفسير : تعليل للأَمر بقيام الليل وقع اعتراضاً بين جملة {أية : قم الليل}تفسير : [المزمل: 2] وجملة {أية : إن ناشئة الليل هي أشد وطْأً}تفسير : [المزمل: 6]، وهو جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لحكمة الأمر بقيام الليل بأنها تهيئةُ نفس النبي صلى الله عليه وسلم ليحمل شدة الوحي، وفي هذا إيماء إلى أن الله يَسَّر عليه ذلك كما قال تعالى: {أية : إن علينا جمعه وقرآنه}تفسير : [القيامة: 17]، فتلك مناسبة وقوع هذه الجملة عقب جملة {أية : قم الليل إلاّ قليلاً}تفسير : [المزمل: 2] فهذا إشعار بأن نزول هذه الآية كان في أول عهد النبي صلى الله عليه وسلم بنزول القرآن فلما قال له: {أية : ورتل القرءان ترتيلا}تفسير : [المزمل: 4] أعقب ببيان علة الأمر بترتيل القرآن. والقول الثقيل هو القرآن وإلقاؤه عليه: إبلاغه له بطريق الوحي بواسطة الملَك. وحقيقة الإِلقاء: رمي الشيء من اليد إلى الأرض وطرحه، ويقال: شيء لَقى، أي مطروح، استعير الإِلقاء للإِبلاغ دفعة على غير ترقب. والثقل الموصوف به القول ثقل مجازي لا محالة، مستعار لصعوبة حفظه لاشتماله على معان ليست من معتاد ما يجول في مدارك قومه فيكون حفظ ذلك القول عسيراً على الرسول الأمّي تنوء الطاقة عن تلقّيه. وأشعر قوله: {إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً} أن ثقله متعلق ابتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم لقوله قبله: {إنا سنلقي عليك} وهو ثقل مجازي في جميع اعتباراته وهو ثقيل صعب تلقيه ممن أنزل عليه. قال ابن عباس: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا نزل عليه الوحي ثقل عليه وتربَّد له جِلده"تفسير : (أي تغير بمثل القشعريرة) وقالت عائشة: «رأيتُهُ ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليرفَضُّ عرقاً». ويستعار ثقل القول لاشتماله على معان وافرة يحتاج العلم بها لدقة النظر وذلك بكمال هديه ووفرة معانيه. قال الفراء: «ثقيلاً ليس بالكلام السفساف». وحسبك أنه حوى من المعارف والعلوم ما لا يفي العقل بالإِحاطة به فكم غاصت فيه أفهام العلماء من فقهاء ومتكلمين وبلغاء ولغويين وحكماء فشابه الشيء الثقيل في أنه لا يقوى الواحد على الاستقلال بمعانيه. وتأكيد هذا الخبر بحرف التأكيد للاهتمام به وإشعار الرسول صلى الله عليه وسلم بتأكيد قربه واستمراره، ليكون وروده أسهل عليه من ورود الأمر المفاجىء.
الشنقيطي
تفسير : معلوم أن القول هنا هو القرآن كما قال تعالى {أية : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ}تفسير : [التكوير: 19] وقوله: {أية : وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ ٱلْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}تفسير : [القصص: 51]. وقوله: {أية : إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ}تفسير : [الطلاق: 13] وقوله {أية : وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلاً}تفسير : [النساء: 122] ونحو ذلك من الآيات. ولكن وصفه بالثقل مع أن الثقل للأوزان وهي المحسوسات. فقال بعض المفسرين: إن الثقل في وزن الثواب، وقيل في التكاليف به، وقيل من أثناء نزول الوحي عليه، وكل ذلك ثابت للقرآن الكريم، فمن جهة نزوله فقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه الوحي أخذته برحاء شديدة وكان يحمر وجهه كأنه مذهبه، وكان إذا نزل عليه صلى الله عليه وسلم وهو في سفره على راحلته بركت به الناقة، وجاء عن أنس أن النَّبي صلى الله عليه وسلم كان واضعاً رأسه على فخذه، فأتاه الوحي قال أنس: فكان فخذي تكاد تنفصل مني، ومن جانب تكاليفه فقد ثقلت على السماوات والأرض والجبال وأشفقن منها كما هو معلوم ومن جانب ثوابه فقد جاء في حديث مسلم. "حديث : الحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله، والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض ". تفسير : وحديث البطاقة وكل ذلك يشهد بعضه لبعض ولا ينافيه. وقد بين تعالى أن هذا الثقل قد يخففه الله على المؤمنين، كما في الصلاة في قوله: {أية : وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ}تفسير : [البقرة: 45-46]، وكذلك القرآن ثقيل على الكفار خفيف على المؤمنين محبب إليهم. وقد جاء في الآثار أن بعض السلف كان يقوم الليل كله بسورة من سور القرآن تلذذاً وارتياحاً، كما قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ}تفسير : [القمر: 17] فهو ثقيل في وزنه ثقيل في تكاليفه، ولكن يخففه الله وييسره لمن هداه ووفقه إليه.
د. أسعد حومد
تفسير : (5) - إِنَّنَا سَنُنَزِّلُ عَلَيْكَ القُرْآنَ وَفِيهِ أُمُورٌ شَاقَّةٌ عَلَيْكَ، وَعَلَى المُؤْمِنِينَ، فَلاَ تُبَالِ بِهَذِهِ المَشَقَّةِ، وَامْرُنْ نَفْسَكَ عَلَيْهَا لِيَسْهُلَ عَلَيْكَ احْتِمَالُ مَا بَعْدَهَا. قَوْلاً ثَقِيلاً - شَاقّاً عَلَى المُكَلِّفِينَ - القُرْآنُ.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً} معناه العملُ بفرائِضهِ وحُدودِهِ. والثَّقيلُ: الكَريمُ. يقال: فلانٌ يَثقلُ عَلَيَّ معناهُ يَكرُمُ عَليَّ.
همام الصنعاني
تفسير : 3365- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {قَوْلاً ثَقِيلاً}: [الآية: 5]، قال: تثقل والله فرائضه وحدوده. 3366- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، قال: أخبرني هشام بن عُرْوَة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أُوحِيَ إليه، وهو على ناقته وضعت جرانها، فما تَسْتطيع أن تَتَحَرّك حتى يُسرَّى عنه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):