Verse. 5485 (AR)

٧٣ - ٱلْمُزَّمِّل

73 - Al-Muzzammil (AR)

وَاصْبِرْ عَلٰي مَا يَقُوْلُوْنَ وَاہْجُرْہُمْ ہَجْرًا جَمِيْلًا۝۱۰
Waisbir AAala ma yaqooloona waohjurhum hajran jameelan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«واصبر على ما يقولون» أي كفار مكة من أذاهم «واهجرهم هجرا جميلا» لا جزع فيه وهذا قبل الأمر بقتالهم.

10

Tafseer

الرازي

تفسير : المعنى إنك لما اتخذتني وكيلاً فاصبر على ما يقولون وفوض أمرهم إلي فإنني لما كنت وكيلاً لك أقوم بإصلاح أمرك أحسن من قيامك بإصلاح أمور نفسك، واعلم أن مهمات العباد محصورة في أمرين كيفية معاملتهم مع الله، وكيفية معاملتهم مع الخلق، والأول أهم من الثاني، فلما ذكر تعالى في أول هذه السورة ما يتعلق بالقسم الأول أتبعه بما يتعلق بالقسم الثاني، وهو سبحانه جمع كل ما يحتاج إليه من هذا الباب في هاتين الكلمتين، وذلك لأن الإنسان إما أن يكون مخالطاً للناس أو مجانباً عنهم فإن خالطهم فلا بد له من المصابرة على إيذائهم وإيحاشهم، فإنه إن كان يطمع منهم في الخير والراحة لم يجد فيقع في الغموم والأحزان، فثبت أن من أراد مخالطة مع الخلق فلا بد له من الصبر الكثير، فأما إن ترك المخالطة فذاك هو الهجر الجميل، فثبت أنه لا بد لكل إنسان من أحد هذين الأمرين، والهجر الجميل أن يجانبهم بقلبه وهواه ويخالفهم في الأفعال مع المدارة والإغضاء وترك المكافأة، ونظيره {أية : فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ } تفسير : [النساء: 63] {أية : وَأَعْرِض عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ } تفسير : [الأعراف: 199] {أية : فَأَعْرَضَ عَمَّ مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا } تفسير : [النجم: 29] قال المفسرون: هذه الآية إنما نزلت قبل آية القتال ثم نسخت بالأمر بالقتال، وقال آخرون: بل ذلك هو الأخذ بإذن الله فيما يكون أدعى إلى القبول فلا يرد النسخ في مثله وهذا أصح.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم بالصبر على ما يقوله من كذبه من سفهاء قومه، وأن يهجرهم هجراً جميلاً، وهو الذي لا عتاب معه، ثم قال له متهدداً لكفار قومه ومتوعداً، وهو العظيم الذي لا يقوم لغضبه شيء: {وَذَرْنِى وَٱلْمُكَذِّبِينَ أُوْلِى ٱلنَّعْمَةِ} أي: دعني والمكذبين المترفين أصحاب الأموال، فإنهم على الطاعة أقدر من غيرهم، وهم يطالبون من الحقوق بما ليس عند غيرهم، {وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً} أي: رويداً؛ كما قال تعالى: {أية : نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ} تفسير : [لقمان: 24]، ولهذا قال ههنا: {إِنَّ لَدَيْنَآ أَنكَالاً} وهي القيود، قاله ابن عباس وعكرمة وطاوس ومحمد بن كعب وعبد الله بن بريدة وأبو عمران الجوني وأبو مجلز والضحاك وحماد بن أبي سليمان وقتادة والسدي وابن المبارك والثوري وغير واحد، {وَجَحِيماً} وهي السعير المضطرمة، {وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ} قال ابن عباس: ينشب في الحلق فلا يدخل ولا يخرج { وَعَذَاباً أَلِيماً يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ} أي: تزلزل {وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً} أي: تصير ككثبان الرمل بعد ما كانت حجارة صماء، ثم إنها تنسف نسفاً، فلا يبقى منها شيء إلا ذهب، حتى تصير الأرض قاعاً صفصفاً، لا ترى فيها عوجاً، أي: وادياً، ولا أمتاً، أي: رابية، ومعناه: لا شيء ينخفض، ولا شيء يرتفع، ثم قال تعالى مخاطباً لكفار قريش، والمراد سائر الناس: {إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَـٰهِداً عَلَيْكُمْ} أي: بأعمالكم { كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ ٱلرَّسُولَ فَأَخَذْنَـٰهُ أَخْذاً وَبِيلاً } قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي والثوري: {أَخْذاً وَبِيلاً} أي: شديداً، أي: فاحذروا أنتم أن تكذبوا هذا الرسول، فيصيبكم ما أصاب فرعون، حيث أخذه الله أخذ عزيز مقتدر؛ كما قال تعالى: {أية : فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ نَكَالَ ٱلأَخِرَةِ وَٱلأُوْلَىٰ}تفسير : [النازعات: 25] وأنتم أولى بالهلاك والدمار إن كذبتم رسولكم، لأن رسولكم أشرف وأعظم من موسى بن عمران، ويروى عن ابن عباس ومجاهد. وقوله تعالى: { فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَٰنَ شِيباً} يحتمل أن يكون يوماً معمولاً لتتقون؛ كما حكاه ابن جرير عن قراءة ابن مسعود، فكيف تخافون أيها الناس يوماً يجعل الولدان شيباً إن كفرتم بالله، ولم تصدقوا به؟ ويحتمل أن يكون معمولاً لكفرتم، فعلى الأول: كيف يحصل لكم أمان من يوم هذا الفزع العظيم إن كفرتم؟ وعلى الثاني: كيف يحصل لكم تقوى إن كفرتم يوم القيامة وجحدتموه؟ وكلاهما معنى حسن، ولكن الأول أولى، والله أعلم. ومعنى قوله: {يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَٰنَ شِيباً} أي: من شدة أهواله وزلازله وبلابله، وذلك حين يقول الله تعالى لآدم: ابعث بعث النار، فيقول: من كم؟ فيقول: من كل ألف تسعمئة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة. قال الطبراني: حدثنا يحيى بن أيوب العلاف، حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا نافع بن يزيد، حدثنا عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ: {يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَٰنَ شِيباً} قال: «حديث : ذلك يوم القيامة، وذلك يوم يقول الله لآدم: قم فابعث من ذريتك بعثاً إلى النار، قال: من كم يا رب؟ قال: من كل ألف تسعمئة وتسعة وتسعون، وينجو واحد» تفسير : فاشتد ذلك على المسلمين، وعرف ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال حين أبصر ذلك في وجوههم: «حديث : إن بني آدم كثير، وإن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، وإنه لا يموت منهم رجل حتى ينتشر لصلبه ألف رجل، ففيهم وفي أشباههم جُنة لكم» تفسير : هذا حديث غريب، وقد تقدم في أول سورة الحج ذكر هذه الأحاديث. وقوله تعالى: {السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ} قال الحسن وقتادة: أي: بسببه من شدته وهوله، ومنهم من يعيد الضمير على الله تعالى، وروي عن ابن عباس ومجاهد، وليس بقوي؛ لأنه لم يجر له ذكر ههنا، وقوله تعالى: {كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً} أي: كان وعد هذا اليوم مفعولاً، أي: واقعاً لا محالة، وكائناً لا محيد عنه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ } أي كفار مكة من أذاهم {وَٱهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً } لا جزع فيه وهذا قبل الأمر بقتالهم.

الماوردي

تفسير : {واهْجُرهم هَجْراً جَميلاً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: اصفح عنهم وقل سلام، قاله ابن جريج. الثاني: أن يعرض عن سفههم ويريهم صغر عداوتهم. الثالث: أنه الهجر الخالي من ذم وإساءة. وهذا الهجر الجميل قبل الإذن في السيف. {وذَرْني والمُكَذِّبينَ أُولي النّعْمةِ} قال يحيى بن سلام: بلغني أنهم بنو المغيرة، وقال سعيد بن جبير: أُخبرت أنهم اثنا عشر رجلاً من قريش. ويحتمل قوله تعالى: " أولي النّعْمةِ" ثلاثة أوجه: أحدها: أنه قال تعريفاً لهم إن المبالغين في التكذيب هم أولي النعمة. الثاني: أنه قال ذلك تعليلاً، أي الذين أطغى هم أولوا النعمة. الثالث: أنه قال توبيخاًً أنهم كذبوا ولم يشكروا من أولاهم النعمة. {ومهِّلْهم قليلاً} قال ابن جريج: إلى السيف. {إنّ لدينا أنْكالاً وجَحيماً} في " أنكالاً" ثلاثة أوجه: أحدها: أغلالاً، قاله الكلبي. الثاني: أنها القيود، قاله الأخفش وقطرب، قالت الخنساء: شعر : دَعاك فَقَطّعْتَ أنكاله وقد كُنّ قبْلك لا تقطع. تفسير : الثالث: أنها أنواع العذاب الشديد، قاله مقاتل، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : إن الله تعالى يحب النكل على النكل، قيل: وما النكل؟ قال: الرجل القوي المجرب على الفرس القوي المجرب"، تفسير : ومن ذلك سمي القيد نكلاً لقوته، وكذلك الغل، وكل عذاب قوي واشتد. {وطعاماً ذا غُصَّةٍ} فيه وجهان: أحدهما: أنه شوك يأخذ الحلق فلا يدخل ولايخرج، قاله ابن عباس. الثاني: أنها شجرة الزقوم، قاله مجاهد. {وكانت الجبالُ كَثيباً مَهيلاً} فيه وجهان: أحدهما: رملاً سائلاً، قاله ابن عباس. الثاني: أن المهيل الذي إذا وطئه القدم زل من تحتها وإذا أخذت أسفله انهال أعلاه، قاله الضحاك والكلبي. {فأخَذْناه أَخْذاً وبيلاً} فيه أربعة تأويلات: أحدهما: شديداً، قاله ابن عباس ومجاهد. الثاني: متتابعاً، قاله ابن زيد. الثالث: ثقيلاً غليظاً، ومنه قيل للمطر العظيم وابل، قاله الزجاج. الرابع: مهلكاً، ومنه قول الشاعر: شعر : أكْلتِ بَنيكِ أَكْلَ الضّبِّ حتى وَجْدتِ مرارةَ [الكلإ الوبيل]. تفسير : {فكيف تتّقونَ} يعني يوم القيامة. {إن كفَرتم يوماً يجْعَل الولدان شيباً} الشيب: جمع أشيب، والأشيب والأشمط الذي اختلط سواد شعره ببياضه، وهو الحين الذي يقلع فيه ذو التصابي عن لهوه، قال الشاعر: شعر : طرْبتَ وما بك ما يُطرِب وهل يلعب الرجلُ الأَشْيَبُ تفسير : وإنما شاب الولدان في يوم القيامة من هوْله. {السماءُ مُنفطرٌ به} فيه أربعة أوجه: أحدها: ممتلئة به، قاله ابن عباس. الثاني: مثقلة، قاله مجاهد. الثالث: مخزونة به، قاله الحسن. الرابع: منشقة من عظمته وشدته، قاله ابن زيد. {وكانَ وعْدُه مَفْعولاً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: وعده بأن السماء منفطر به، وكون الجبال كثيباً مهيلاً، وأن يجعل الولدان شيباً، قاله يحيى بن سلام. الثاني: وعده بأن يظهر دينه على الدين كله، قاله مقاتل. الثالث: وعده بما بشّر وأنذر من ثوابه وعقابه. وفي المعنى المكنى عنه في قوله " به" وجهان: أحدهما: أن السماء منفطرة باليوم الذي يجعل الولدان شيباً، فيكون اليوم قد جعل الولدان شيباً، وجعل السماء منفطرة ويكون انفطارها للفناء. الثاني: معناه أن السماء منفطرة بما ينزل منها بأن يوم القيامة يجعل الولدان شيباً، ويكون انفطارها بانفتاحها لنزول هذا القضاء منها.

ابن عبد السلام

تفسير : {هَجْراً جَمِيلاً} اصفح وقل سلاماً أو أعرض عن سفههم وأرهم صغر عداوتهم أو هجراً لا جزع فيه.

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ}، أي: من الأذى، والسب، والاستهزاء، ولا تجزع من قولهم، ولا تمتنع من دعائهم، وفوض الأمر إليّ، فإني إذا كنت وكيلاً لك، أقوم بإصلاح أمرك أحسن من قيامك بأمور نفسك {وَٱهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً}، الهجر: ترك المخالطةِ، أي: لا تتعرض لهم، ولا تشتغل بمكافأتهم فإن ذلك ترك للدعاء إلى الله تعالى، وكان هذا قبل الأمر بالقتال، ثم أمر بعد ذلك بقتالهم. قال قتادة وغيره، نسختها آية القتال. وقال أبو الدرداء: إنا لنكشر في وجوه [أقوام] ونضحك إليهم وإن قلوبنا لتلعنهم. قال ابن الخطيب: وقيل وهو الأصح إنّها محكمة. قوله: {وَذَرْنِي وَٱلْمُكَذِّبِينَ}. يجوز نصب "المُكذِّبِيْنَ" على المعية، وهو الظاهر، ويجوز على النسق وهو أوفق للصناعة. والمعنى: ارض بي لعقابهم، نزلت في صناديد قريش ورؤساء مكة من المستهزئين. وقال مقاتل: نزلت في المطعمين يوم بدر، وهم عشرة تقدم ذكرهم في الأنفال. وقال يحيى بن سلام: إنهم بنو المغيرة. وقال سعيد بن جبير: أخبرت أنهم اثنا عشرة رجلاً، "أولي النعمة" أي: أولي الغنى، والترفه واللذة في الدنيا {وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً} يعني إلى مدة آجالهم، قالت عائشة - رضي الله عنها -: لما نزلت هذه الآية لم يكن إلا يسيراً حتى وقعت وقعة بدر. وقيل: "ومَهِّلهُمْ قَلِيلاً" مدة الدنيا. قوله: "أوْلِي النَّعمَةِ"، نعت للمكذبين. و "النعمة" - بالفتح -: التنعم، وبالكسر، الإنعام، وبالضم: المسرَّةُ، يقال: نِعْمة ونُعْمة عين. وقوله: "قَلِيلاً"، نعت لمصدر، أي: تمهيلاً، أو لظرف زمان محذوف، أي: زماناً قليلاً. قوله: {إِنَّ لَدَيْنَآ أَنكَالاً}، جمع نكل، وفيه قولان: أشهرهما: أنه القيد. وقيل: الغل؛ وقالت الخنساء: [المتقارب]. شعر : 4929 - دَعَاكَ فقطَّعْتَ أنْكالَهُ وقَدْ كُنَّ مِنْ قَبْلُ لا تُقطَعُ تفسير : قال الحسن ومجاهد وغيرهما: الأنكال: القيود، واحدها: نكل، وهو ما منع الإنسان من الحركة، وقيل: سمي نكلاً، لأنه ينكل به. قال الشعبي: أترون أن الله جعل الأنكال في أرجل أهل النار خشية أن يهربوا - لا والله - ولكنهم إذا أراد أن يرتفعوا اشتعلت بهم. وقال الكلبيُّ: الأنكال: الأغلال. وقال مقاتل: الأنكال: أنواع العذاب الشديد. وقال عليه الصلاة والسلام: "حديث : إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ النَّكلَ على النَّكلِ" - قال الجوهريُّ: بالتحريك - قيل: وما النكل؟ قال: "الرجل القوي المجرب على الفرس القوي المجرب"تفسير : - ذكره الماورديُّ، قال: ومن ذلك سمي القَيْدُ نِكلاً لقوته وكذلك الغُلّ وكل عذاب قوي. قال ابن الأثير: "النَّكَلُ - بالتحريك - من التنكيل، وهو المنع، والتنحية عما يريد يقال: رجل نَكَلٌ ونِكْلٌ، كشبه وشبهٌ، أي: ينكل به أعداؤه، وقد نكل الأمر ينكل، ونكل ينكل: إذا امتنع، ومنه النكول في اليمين وهو الامتناع منها وترك الإقدام عليها". والجحيم: النار المؤجَّجَةُ. {وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ}. "الغُصَّةُ": الشجى، وهو ما ينشب في الحلق فلا ينساغ، ويقال: "غَصِصتُ" - بالكسر - فأتت غَاصٌّ وغصَّان، قال: [الرمل] شعر : 4930 - لَو بِغيْرِ المَاءِ حَلْقِي شَرِقٌ كُنْتُ كالغَصَّانِ بالمَاءِ اعتِصَارِي تفسير : والمعنى: طعاماً غير سائغ يأخذ بالحلق، لا هو نازل، ولا هو خارج وهو كالغسلين، والزَّقُّوم والضريع. قاله ابن عباس. وعنه أيضاً: أنه شوك يدخل الحلق فلا ينزل ولا يخرج. وقال الزجاجُ: أي: طعامهم الضريع، وهو شوك كالعوسج. وقال مجاهد: هو كالزقوم. والغصة: الشجى، وهو ما ينشب في الحلق من عظم، أو غيره، وجمعها: غُصَص، والغَصَصُ - بالفتح - مصدر قولك "غَصِصْتَ" يا رجل تَغُصُّ، فأنت غاصٌّ بالطعام وغصَّان وأغْصصتُهُ أنا، والمنزل غاص بالقوم أي ممتلىء بهم". ومعنى الآية: أن لدينا في الآخرة ما يضادّ تنعمهم في الدنيا، وهذه هي الأمور الأربعة: الأنكال، والجحيم، والطعام الذي يغص به، والعذاب الأليم، والمراد به: سائرُ أنواع العذابِ. قوله: {يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ}. أي: تتحرك، وفي نصب "يوم" أوجه: أحدها: أنه منصوب بـ"ذرني"، وفيه بعد. والثاني: أنه منصوب بنزع الخافض أي: هذه العقوبة في يوم ترجف. الثالث: أنه منصوب بالاستقرار المتعلق به "لَديْنَا". والرابع: أنه صفة لـ"عَذاباً" فيتعلق بمحذوف، أي عذاباً واقعاً يوم ترجف. الخامس: أنه منصوب بـ"ألِيْم". والعامة: "تَرجُف" - بفتح التاء، وضم الجيم - مبنياً للفاعل. وزيد بن علي: مبنياً للمفعول، من أرجفها: والرجفة: الزلزلة والزعزعة الشديدة. قوله: {وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ}، أي: وتكون الجبال {كَثِيباً مَّهِيلاً}، الكثيب: الرمل المجتمع. قال حسان: [الوافر] شعر : 4931 - عَرفْتُ دِيَارَ زَينَب بالكَثِيبِ كخَطِّ الوحْي في الورَقِ القَشِيبِ تفسير : والجمع في القلة: "أكْثِبَةٌ"، وفي الكثرة: "كثبان" و "كُثُب" كـ"رَغيف وأرغِفَة، ورُغْفَان ورُغُف". قال ذو الرمة: [الطويل] شعر : 4932 - فَقلْتُ لهَا: لا إنَّ أهْلِي لَجيرةٌ لأكْثِبَةِ الدَّهْنَا جَمِيعاً ومَالِيَا تفسير : قال الزمخشري: من كثبت الشيء إذا جمعته، ومنه الكثبة من اللبن؛ قالت الضائنة: أجَزُّ جُفالاً، وأحلبُ كُثَباً عُجَالاً. [والمهيل: أصله "مهيول" كـ"مضروب" استثقلت الضمة على الياء] فنقلت إلى الساكن قبلها، وهو الهاء فالتقى ساكنان، فاختلف النحاة في العمل في ذلك: فسيبويه، وأتباعه حذفوا الواو، وكانت أولى بالحذف، لأنها زائدة، وإن كانت القاعدة إنما تحذف لالتقاء الساكنين الأول، ثم كسروا الهاء لتصح الياء، ووزنه حينئذ "مفعل". والكسائي والفراء والأخفش: حذفوا الياء، لأن القاعدة في التقاء الساكنين: إذا احتيج إلى حذف أحدهما حذف الأول، وكان ينبغي على قولهم أن يقال فيه: "مهول" إلا أنهم كسروا الهاء لأجل الياء التي كانت فقلبت الواو ياء، ووزنه حينئذ "مفعول" على الأصل، و "مفيل" بعد القلب. قال مكي: "وقَدْ أجَازوا كلهم أن يأتي على أصله في الكلام، فتقول: مهيول ومبيوع"، وما أشبه ذلك من ذوات الياء، فإن كان من ذوات الواو لم يجز أن يأتي على أصله عند البصريين، وأجازه الكوفيون، نحو: مقوول، ومصووغ. وأجازوا كلهم: مهول ومبوع، على لغة من قال: بوع المتاع، وقول القول، ويكون الاختلاف في المحذوف منه على ما تقدم. قال شهاب الدين: "التمام في "مبيوع، ومهيول" وبابه، لغة تميم، والحذف لغة سائر العرب". ويقال: هلتُ التراب أهيله هيلاً، فهو مهيل فيه. وفيه لغة: أهلتُه - رباعيّاً - إهالةً فهو مُهال، نحو أبعته إباعة فهو مباع. والمهيل من هال تحته القدم أي انصب أي هلت التراب أي طرحته. وقال القرطبيُّ: والمَهِيلُ: الذي يمر تحت الأرجل، قال الضحاك والكلبي: المهيل: الذي إذا وطئته بالقدم زل من تحتها، فإذا أخذت أسفله انهال. وقال ابن عباس: "مهيلاً" أي: رملاً سائلاً متناثراً. قال القرطبيُّ: وأصله مَهْيُول، وهو "مفعُول" من قولك: هلت التراب عليه أهيلة إهالة وهيلاً، إذا صببته. يقال: مَهِيل ومَهْيُول، ومَكِيل ومكيول، ومَدِين ومديُون ومَعِين ومَعْيُون. قال الشاعر: [الكامل] شعر : 4933 - قَدْ كَانَ قَومُكَ يَحسبُونكَ سيِّداً وإخَالُ أنَّكَ سيِّدٌ مَعيُونُ تفسير : وقال - عليه الصلاة والسلام - حين شكوا إليه الجدوبة: حديث : "أتكِيْلُون أمْ تَهِيْلُون"؟ قالوا: نهيل. قال: "كِيلُوا طَعامَكُم يُبارِكْ لَكُمُ الله فِيْهِ" .

البقاعي

تفسير : ولما كانت الوكالة لا تكون إلا فيما يعجز، وكان الأمر بها مشيراً إلى أنه لا بد أن يكون عن هذا القول الثقيل خطوب طوال وزلازل وأهوال، قال: {واصبر} وأشار إلى عظمة الصبر بتعديته بحرف الاستعلاء فقال: {على ما} وخفف الأمر بالإشارة إلى أنهم لا يصلون إلى غير الأذى بالقول، وعظمه باستمرارهم عليه فقال: {يقولون} أي المخالفون المفهومون من الوكالة من مدافعتهم الحق بالباطل في حق الله وحقك. ولما كانت مجانبة البغيض إلا عند الاضطرار مما يخفف من أذاه قال: {واهجرهم} أي أعرض عنهم جهاراً دافعاً للهرج مهما أمكن {هجراً جميلاً *} بأن تعاشرهم بظاهرك وتباينهم بسرك وخاطرك، فلا تخالطهم إلا فيما أمرك الله به على ما حده لك من دعائهم إليه سبحانه ومن موافاتهم في أفراحهم وأحزانهم فتؤدي حقوقهم ولا تطالبهم بحقوقك لا تصريحاً ولا تلويحاً. ولما كان في أمره هذا بما يفعل ما يشق جداً بما فيه من احتمال علوهم، أعلم بقرب فرجه بتهديدهم بأخذهم سريعاً فقال: {وذرني} أي اتركني على أي حالة اتفقت مني في معاملتهم، وأظهر في موضع الإضمار تعليقاً للحكم بالوصف وتعميماً فقال: {والمكذبين} أي العريقين في التكذيب فإني قادر على رحمتهم وتعذيبهم. ولما ذكر وصفهم الذي استحقوا به العذاب، ذكر الحامل عليه تزهيداً فيه وصرفاً عن معاشرة أهله لئلا تكون المعاشرة فتنة فتكون حاملة على الاتصاف به وجارّة إلى حب الدنيا فقال: {أولي النعمة} أي أصحاب التنعم بغضارة العيش والبهجة التي أفادتهموها النعمة - بالكسر وهي الإنعام وما ينعم به من الأموال والأولاد، والجاه الذي أفادته النعمة - بالضم وهي المسرة التي تقتضي الشكر وهم أكابر قريش وأغنياؤهم. ولما كان العليم القدير إذا قال مثل هذا لولي من أوليائه عاجل عدوه، قال محققاً للمراد بما أمر به من الصبر من هذا في النعم الدنيوية بأن زمنها قصير: {ومهلهم} أي اتركهم برفق وتأن وتدريج ولا تهتم بشأنهم. ولا سره بوعيدهم الشديد بهذه العبارة التي مضمونها أن أخذهم بيده صلى الله عليه وسلم وهو سبحانه يسأل في تأخيره لهم، زاد في البشارة بقوله: {قليلاً *} أي من الزمان والإمهال إلى موتهم أو الإيقاع بهم قبله، وكان بين نزول هذه الآية وبين وقعة بدر يسير - قاله المحب الطبري، وفيه بشارة له صلى الله عليه وسلم بالبقاء بعد أخذهم كما كان، وأنه ليس محتاجاً في أمرهم إلى غير وكلهم سبحانه وتعالى بإلقائهم عن باله صلى الله عليه وسلم وتفريغ ظاهره وباطنه لما هو مأمور به من الله سبحانه وتعالى من الإقبال على الله سبحانه، ففي الآية أن من اشتغل بعدوه وكله الله إلى نفسه، فكان ذلك كالمانع من أخذ الله له، فإذا توكل عليه فقد أزال ذلك المانع -. ولما كان هذا منادياً بعذابهم، وكان وصفهم بالنعمة مفهماً لأنهم معتادون بالمآكل الطيبة، وكان منع اللذيذ من المآكل لمن اعتاده لا يبلغ في نكاية النفس بحد نكاية البدن إلاّ بعد تقدم إهانة، استأنف قوله بياناً لنوع ما أفهمه التهديد من مطلق العذاب، وأكد لأجل تكذيبهم: {إن} وأشار إلى شدة غرابته وجلالته وعظمته وخصوصيته وتحقق حضوره بقوله: {لدينا} دون عندنا ولما كان أشد ما على الإنسان منعه مما يريد من الانبساط به بالحركات، قال ذاكراً ما يضاد ما هم فيه من النعمة والعز: {أنكالاً} جمع نكل بالكسر وهو القيد الثقيل الذي لا يفك أبداً إهانة لهم لا خوفاً من فرارهم، جزاء على تقييدهم أنفسهم بالشهوات عن اتباع الداعي وإيساعهم في المشي في فضاء الأهوية. ولما كان ذلك - محرقاً للباطن أتبعه حريق الظاهر فقال: {وجحيماً *} أي ناراً حامية جداً شديدة الاتقاد بما كانوا يتقيدون به من تبريد الشراب، والتنعم برقيق اللباس والثياب، وتكلف أنواع الراحة. ولما أتم ما يقابل تكذيبهم، أتبعه ما يقابل النعمة فقال: {وطعاماً ذا غصة} أي صاحب انتشاب في الحلق كالضريع والزقوم يشتبك فيه فلا يسوغ: لا ينزل ولا يخرج بما كانوا يعانونه من تصفية المآكل والمشارب، وإفراغ الجهد في الظفر بجميع المآرب. ولما خص عم فقال: {وعذاباً أليماً *} أي مؤلماً شديد الإيلام لا يدع لهم عذوبة بشيء من الأشياء أصلاً بما كانوا يصفون به أوقاتهم ويكدرون على من يدعوهم إلى ما ينفعهم بالخلاص من قيود المشاهدات والعروج من حضيض الشهوات إلى أوج الباقيات الصالحات. ولما ذكر هذا العذاب ذكر ظرفه فقال: {يوم ترجف} أي تضطرب وتتزلزل زلزالاً شديداً {الأرض} أي كلها {والجبال} التي هي أشدها. ولما كان التقدير: فكانت الأرض قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً، عطف عليه قوله: {وكانت الجبال} أي التي هي مراسي الأرض وأوتادها، وعبر عن شدة الاختلاط والتلاشي بالتوحيد فقال: {كثيباً} أي رملاً مجتمعاً، فعيل بمعنى مفعول، من كثبه - إذا جمعه، ومادة كثب بتركيبها كثب - وكبث تدور على الجمع مع القرب، وتلزمه القلة، فإن حقيقة القرب قلة المسافة زماناً أو مكاناً، والنعومة، من كثبت التراب: درسته، وكثب عليه - بمعنى حمل أوكر، معناه قارب أن يخالطه، وكثيب الرمل: قطعة تنقاد محدودبة - ناظر إلى القلة من معنى قطعة، وكل ما انصب كذلك أيضاً لأن الانصاب عادة يكون لما قل وأما نعم كثاب بتقديم الثاء وبتأخيرها أيضاً أي كثير فجاءته الكثرة من الصيغة، والكاثبة من الفرس هو أضيق موضع في عرضها، والكثبة من الأرض: المطمئنة بين الجبال - لأنها تكون صغيرة غالباً، والكباث كسحاب: النضيج من ثمر الأراك، وقيل: ما لم ينضج، وقيل: حمله إذا كان متفرقاً، فإن أريد النضيج منه فتسميته به لأنه مجتمع، وإن أريد ما لم ينضج فهو من مقاربة النضج، وإن أريد المتفرق فلقرب بعضه من بعض لأن الأراك نفسه صغير الشجر، وكبث اللحم - كفرح: بات مغموماً فتغير أو أروح أي جمع على إنائه الذي هو فيه إناء آخر، أو جمع ما هو فيه حتى تضايق فهو من الجمع لهذا، وأما الكنبث كقنفذ والثاء مؤخرة: الصلب الشديد، فهو في الغالب من تجمع أجزائه وتداخل بعضها في بعض، وتكبيث السفينة أن تجنح إلى الأرض، هو من الجمع والقرب معاً، وأما كثبت كنانته - بمعنى نكثها، فكان فعل استعمل هنا للإزالة، أي أزال اجتماعها أو بمعنى أنه قربها نم رميه بتسييرها لسرعة التناول. ولما كان الكثيب ربما أطلق مجازاً على ما ارتفع وإن لم يكن ناعماً قال: {مهيلاً *} أي رملاً سائلاً رخواً ليناً منثوراً، من هاله إذا نثره، وقال الكلبي: هو الذي إذا أخذت منه شيئاً تبعك ما بعده، ولما ذكر العذاب ووقته وقدمهما ليكون السامع أقبل لما يطلب منه، أتبعهما السبب فيه مشيراً إلى ما به إصلاح أمر الآخرة التي فيها المعاد وإليها المنتهى والمآب، فقال مؤكداً لأجل تكذيبهم: {إنا أرسلنا} أي بما لنا من العظمة {إليكم} يا أهل مكة شرفاً لكم خاصة، وإلى كل من بلغته الدعوة عامة {رسولاً} أي جداً هو محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وإمامهم صلى الله عليه وسلم {شاهداً عليكم} أي بما تصنعون ليؤدي الشهادة عند طلبها منه بما هو الحق يوم ننزع من كل أمة شهيداً وهو يوم القيامة. ولما كانت هذه السورة من أول ما نزل والدين ضعيف وأهله في غاية القلة والذلة ليعتبر بهم من آل به أمره إلى أن كان في زمان صار فيه الدين غريباً كغربته إذ ذاك، وكان فرعون أعتى الناس في زمانه وأجبرهم، وأشدهم خداعاً وأمكرهم وكان بنو إسرائيل في غاية الذل له والطواعية لأمره، ومع ذلك فلما أرسل الله إليه موسى عليه السلام الذي ذبح فرعون أبناء بني إسرائيل لأجل أن يكون في جملة من ذبحه لأنه قيل له أنه يولد لبني إسرائيل مولود يكون هلاك القبط على يده أظهره به وأهلكه على قوته وأنجى منه بني إسرائيل على ضعفهم، قال تعالى تنبيهاً لقريش والعرب وغيرهم على أن من كان الله معه لا ينبغي أن يقاوي ولو أنه أضعف الخلق، وتنبيهاً لهم على الاعتبار بحال هذا الطاغية الذي يزيد عليهم بالملك وكثرة الجنود والأموال: {كما أرسلنا} أي بما لنا من العظمة {إلى فرعون} أي ملك مصر {رسولاً *} ولعله نكره للتنبيه على أنه ليس من قوم فرعون فلا مانع له منه من حميم ولا شفيع يطاع، ليعلم أنه من كانت له قبيلة تحامي عنه أولى بالنصرة.

القشيري

تفسير : الهَجْرُ الجميلُ: أن تعاشِرَهم بظاهرك وتُباينَهم بِسِرِّك وقلبك. ويقال: الهجرُ الجميل ما يكون لحقِّ ربِّك لا لِحَظِّ نَفْسِك. ويقال: الهجرُ الجميلُ ألا تُكلِّمَهم، وتكلمني لأجْلهم بالدعاء لهم. وهذه الآية منسوخة بآية القتال.

اسماعيل حقي

تفسير : {واصبر على ما يقولون} يعنى قريشا مما لا خير فيه من الخرافات والهذيانات فى حق الله من الشريك والصاحبة والولد وفى حقك من الساحر والشاعر والكاهن والمجنون وفى حق القرءآن من انه اساطير الاولين ونحو ذلك {واهجرهم هجرا جميلا} تأكيد للامر بالصبر اى واتركهم تركا حسنا بأن تجابنهم بقلبك وهو اك وتداريهم ولا تكافئهم وتكل امورهم الى ربهم كما اعرب عنه ما بعد الآية قال الراغب الهجر والهجران مفارقة الانسان غيره اما بالبدن او باللسان او بالقلب وقوله تعالى واهجرهم هجرا جميلا يحتمل للثلاثة ويدعو على تحريها ما امكن مع تحرى المجاملة قال الحكماء تسلح على الاعدآء بحسن المداراة حتى تبصر فرصة شعر : آسايش دوكيتى تفسير اين دو حرفست بادوستان تلطف بادشمنان مدارا

الأعقم

تفسير : {واصبر على ما يقولون} هم الكفار، قيل: اصبر على أذائهم فيما يقولون {واهجرهم هجراً جميلاً} أي اعرض عنهم اعراضاً جميلاً، وقيل: اصبر على ما نالك من جهتهم مع الإِبلاغ، وقيل: نسخت هذه الآية بآية القتال {وذرني والمكذبين أولي النعمة} الآية نزلت في صناديد قريش، وقيل: نزلت في المطعمين يوم بدر {ومهلهم} مدة قليلة، وقيل: إلى يوم بدر، وقيل: إلى عذاب الآخرة {إن لدينا} إن عندنا {أنكالاً} قيل: قيوداً، وقيل: أغلالاً {وجحيماً} {وطعاماً ذا غصة} أي ذا شوك يأخذ في الحلق فلا يدخل ولا يخرج وقيل: هو الغسلين {وعذاباً أليماً} وهو سائر أنواع العذاب {يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيباً مهيلاً} أي رملاً سهلاً سائلاً {إنا أرسلنا اليكم رسولاً} يعني محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) {شاهداً عليكم} قيل: يشهد عليكم في الآخرة بما يكون منكم في الدنيا {كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً} يعني موسى (عليه السلام) {فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذاً وبيلاً} قيل. شديداً ثقيلاً {فكيف تتقون إن كفرتم} قيل: كيف تتقون ذلك العذاب يوم القيامة إن كفرتم بالدنيا، ثم وصف ذلك اليوم فقال سبحانه: {يوماً يجعل الولدان شيباً} مثل في الشدة، يقال في اليوم الشديد يوم تشيب له نواصي الأطفال، وقد روي أن رجلاً أمسى فاحم الشعر كالغراب فاصبح وهو أبيض الرأس قال: رأيت القيامة والجنة والنار، ورأيت الناس يقادون في السلاسل إلى النار فمن هول ذلك اليوم أصبحت ويجوز أن يوصف اليوم بالطول وان الأطفال يبلغون فيه أوان السحر {السماء منفطر به} وصف اليوم بالشدة وأن السماء على عظمها تنفطر فيه فما ظنك بغيرها من الخلائق {كان وعده مفعولاً} أي كائن لا خلف فيه ولا تبديل {إن هذه} الآيات الناطقة بالوعيد الشديد {تذكرة} موعظة {فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً} أي التقرب والتوسل إليه بالطاعة {إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل} أقرب وأقل من ثلثي الليل {ونصفه وثلثه} وهذه المقادير لا بدَّ أن تكون في ليالي مختلفة لاستحالة اجتماعها في ليلة واحدة {وطائفة} أي جماعة {من الذين معك والله يقدر الليل والنهار} قيل: يعرف حقيقة أوقاتها ومقاديرها على التفصيل فأما غيره فيعرف الجملة وربما يظن {علم أن لن تحصوه} أي لا تطيقون أحصاءه على الحقيقة ولا تعلمون إذا قمتم كم مضى وكم بقي حتى تحصوا ثلثه ونصفه {فتاب عليكم} قيل: جعله تطوعاً ولم يجعله فرضاً، وقيل: نسخ عنكم {فأقرأوا ما تيسر من القرآن} قيل: في الصلاة عند أكثر المفسرين، وهذا ناسخ للأول ثم نسخا جميعاً بالصلاة الخمس، وقيل: هي قراءة القرآن بعينها، وقيل: من قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه القرآن، وقيل: من قرأ مائة آية كتب من القانتين {علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله} والآية تدل على إباحة التجارة والتكسب، وقيل: سوّى الله عزّ وجل بين المجاهدين والمسافرين لكسب الحلال، وعن عبد الله بن مسعود: أيما رجل جلب شيئاً إلى مدينة من مدائن المسلمين صابراً محتسباً فباعه بسعر يومه كان عند الله من الشهداء، وعن عبد الله بن عمر: ما خلق الله مزية أمر بها بعد القتل في سبيل الله أحب إليَّ من أن أموت بين شعبتي رجل أضرب في الأرض أبتغي من فضل الله {وآخرون يقاتلون في سبيل الله} يعني المجاهدين {فاقرأوا ما تيسر منه} في الصلاة {وأقيموا الصلاة} المكتوبات {وآتوا الزكاة} {وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيراً وأعظم أجراً} أي جزاء {واستغفروا الله} أي اطلبوا مغفرته بالتوبة {إن الله} من عادته يستر الذنوب {رحيم} يرحم عباده، ويدل قوله: {فاقرأوا ما تيسر من القرآن} على أشياء منها أنه يجوز الصلاة بما شاء من القرآن بغير الفاتحة على ما يقوله أهل العراق خلاف ما يقوله العترة (عليهم السلام).

اطفيش

تفسير : {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ} أي كفار مكة من الافتراء كقولهم انت كاذب أو ساحر وهذا من الصبر المأمور به ولو بعد نزول آية السيف فلا تنسخ كما يتوهم وقد قال بنسخ الآية جماعة *{وَاهْجُرْهُمْ} اعتزلهم {هَجْرًا جَمِيلاً} لا جزع فيه وهذا منسوخ بآية السيف ويحتمل عدم النسخ، وعن بعضهم الهجر الجميل أن يجانبهم بقلبه ويخالفهم مع حسن المخالفة والمداراة والاغظاء وترك المكافأة وعن أبي الدرداء أنا لنكشر في وجوه قوم ونضحك وإن قلوبنا لتقليهم.

اطفيش

تفسير : {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ} من قولهم ساحر وقولهم مجنون وقولهم كاهن وقولهم مفتر وقولهم أساطير الأَولين وقولهم يعلمه بشر وقولهم يفرق بين الأَحبة {وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً} بأَن لا تكافئهم على سوئهم وكل أمرهم إِلى الله تعالى فسيكافئهم فهذه تسلية له - صلى الله عليه وسلم - كما قال: {وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ} إِلى قوله أليماً فسأَنتقم منهم مطلقاً فيدخل هؤلاء أولاً أو المراد هؤلاء الصناديد المستهزئون أو بعضهم وعليه فمقتضى الظاهر ذرنى وإِيّاهم وعبر عنهم بموجب الانتقام وهو التكذيب، وقيل المراد المتكلفون بالإِطعام يوم بدر والواو للمعية والجملة مجاز مركب بدون استعارة عبارة عن إِنى أنتقم منهم، ويجوز أن يكون استعارة تمثيلية بأَن شبه صورة افتراق المعاصى مرة بعد أُخرى والإِمهال مع العد على العاصى عدا بعده الانتقام فى الدنيا والآخرة بصورة متعد على غيره مع العد على ذلك المتعدى عداً يليه العقاب على ذلك التعدى اغتياظاً عليه إِلا أن الله تعالى لا يغتاظ لأَنه لا يلحقه ضر ولا نفع، {أُوْلِي النَّعْمَةِ} التنعم تلذذاً بالمال وصحة البدن واللباس والمركب وهو مصدر وأما بالكسر فهو نفس ما يتنعم به وأما بالضم فالمسرة، {ومَهِّلْهُمْ} أعتقد أن الله مهلهم، عبر عن اللازم والمسبب بالملزوم والسبب وذلك أن المهل هو الله تعالى لا رسوله - صلى الله عليه وسلم - {قَلِيلاً} زماناً قليلا أو تمهيلاً قليلاً والشد للتعدية لا لتكثير الكفار المهملين إِلا أن يقال اختار الشد عن الإِمهال لذلك.

الالوسي

تفسير : {وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ } مما يؤلمك من الخرافات كقولهم يفرق بين الحبيب وحبيبه على ما سمعت في بعض روايات أسباب النزول {وَٱهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً } بأن تجانبهم وتداريهم ولا تكافئهم وتكل أمورهم إلى ربهم كما يعرب عنه قوله تعالى: {وَذَرْنِى وَٱلْمُكَذّبِينَ}.

ابن عاشور

تفسير : عطف على قوله: {أية : فاتخذه وكيلاً}تفسير : [المزمل: 9]، والمناسبة أن الصبر على الأذى يستعان عليه بالتوكل على الله. وضمير {يقولون} عائد إلى المشركين، ولم يتقدم له معاد فهو من الضمائر التي استُغني عن ذكر معادها بأنه معلوم للسامعين كما تقدم غير مرة، ومن ذلك عند قوله تعالى: {أية : وأن لو استقاموا على الطريقة}تفسير : [الجن: 16] الآيات من سورة {أية : قل أوحي إليّ}تفسير : [الجن: 1]، ولأنه سيأتي عقبه قوله {أية : وذَرْني والمكذبين}تفسير : [المزمل: 11] فيبين المراد من الضمير. وقد مضى في السور التي نزلت قبل سورة المزمل مقالات أذى من المشركين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ففي سورة العلق (9، 10) {أية : أرأيت الذي ينهَى عبداً إذا صلى}تفسير : . قيل هو أبو جهل تهدّد رسول الله لئن صلى في المسجد الحرام ليَفْعَلَنّ ويفعلَنّ. وفيها: {أية : إِن الإِنسان ليطغى أن رءاه استغنى}تفسير : [العلق: 6، 7]. قيل هو الأخنس بن شريق «تنكَّر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن كان حليفه»، وفي سورة القلم (2 ــ 6) {أية : ما أنت بنِعْمة ربّك بمجنون}تفسير : إلى قوله:{أية : فستبصر ويُبصرون بأيكم المفتون}تفسير : ، وقوله: {أية : ولا تطِع كلّ حلاّف مهين}تفسير : [القلم: 10] إلى قوله: {أية : قال أساطير الأولين}تفسير : [القلم: 15] ردّاً لمقالاتهم. وفي سورة المدثر (11 ــــ 25) إن كانت نزلت قبل سورة المزمل {أية : ذرني ومن خلقت وحيداً }تفسير : إلى قوله:{أية : إِنْ هذا إلاَّ قول البشر}تفسير : ، قيل: قائل ذلك الوليد بن المغيرة. فلذلك أمر الله رسوله بالصبر على ما يقولون. والهجر الجميل: هو الحسَن في نوعه، فإن الأحوال والمعاني منها حسن ومنها قبيح في نوعه وقد يقال: كَريم، وذميم، وخالص، وكدر، ويَعْرِض الوصف للنوع بما من شأنه أن يقترن به من عوارض تناسب حقيقة النوع فإذا جُردت الحقيقة عن الأعراض التي قد تعتلق بها كان نوعها خالصاً، وإذا ألصق بالحقيقة ما ليس من خصائصها كان النوع مكدّراً قبيحاً، وقد أشار إلى هذا قوله تعالى:{أية : لا تبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى}تفسير : [البقرة: 264]، وتقدم عند قوله تعالى: {أية : إنيَ أُلقِيَ إليَّ كتاب كريم}تفسير : في سورة النمل (29)، ومن هذا المعنى قوله: {أية : فصبر جميل}تفسير : في سورة يوسف (18)، وقوله {أية : فاصبر صبراً جميلاً} تفسير : في سورة المعارج (5). فالهجر الجميل هو الذي يَقتصر صاحبه على حقيقة الهجر، وهو ترك المخالطة فلا يقرنها بجفاء آخر أو أذى، ولما كان الهجر ينشأ عن بعض المهجور، أو كراهية أعماله كان معرَّضاً لأن يعتلق به أذى من سبّ أو ضرب أو نحو ذلك. فأمر الله رسوله بهجر المشركين هجراً جميلاً، أي أن يهجرهم ولا يزيدَ على هجرهم سَبّاً أو انتقاماً. وهذا الهجر: هو إمساك النبي عن مكافاتهم بمثل ما يقولونه مما أشار إليه قوله تعالى: {واصبر على ما يقولون}. وليس منسحباً على الدعوة للدين فإنها مستمرة ولكنها تبليغ عن الله تعالى فلا ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقد انتزع فخر الدين من هذه الآية منزعاً خُلُقياً بأن الله جمع ما يحتاج إليه الإِنسان في مخالطَة الناس في هاتين الكلمتين لأن المرء إما أن يكون مخالطاً فلا بد له من الصبر على أذاهم وإيحاشهم لأنه إن أطمع نفسه بالراحة معهم لم يجدها مستمرة فيقع في الغموم إن لم يَرضْ نفسه بالصبر على أذاهم، وإن ترك المخالطة فذلك هو الهجر الجميل.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: واصبر على ما يقولون: أي على ما يقوله لك كفار مكة من أذى كقولهم شاعر وساحر وكاذب. واهجرهم هجرا جميلا: أي اتركهم تركا جميلا أي لا عتاب معه. وذرني: أي اتركني. والمكذبين: أي صناديد قريش فإِني أكفكهم. أولي النعمة: أي أهل التنعم والترف. ومهلهم قليلا: أي انتظرهم قليلا من الزمن حتى يهلكوا ببدر. إن لدينا أنكالا: أي قيودا وهي جمع نِكل وهو القيد من حديد. وطعاما ذا غصة: أي يغص في الحلق هو الزقوم والضريع. يوم ترجف الأرض: أي تتزلزل. كثيباً مهيلا: أي رملا مجتمعا مهيلا أي سائلا بعد اجتماعه. فأخذناه أخذا وبيلا: أي ثقيلا شديدا غليظا. فكيف تتقون يوما: أي عذاب يوم يجعل الولدان لشدة هوله شيبا. السماء منفطر به: أي ذات انفطار وانشقاق أي بسبب هول ذلك اليوم. كان وعده مفعولا: أي وعده تعالى بمجيء ذلك اليوم كان مفعولا أي كائنا لا محالة. إن هذه تذكرة: أي أن هذه الآيات المخوفة تذكرة أي عظة للناس. اتخذ إلى ربّه سبيلا: أي طريقا بالإِيمان والطاعة إلى النجاة من النار ودخول الجنة. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تربية الرسول صلى الله عليه وسلم وأمته بأنواع التربية الربانية الخاصة فقال تعالى لرسوله {وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ} أي كفار قريش من كلام يؤذونك به كقولهم هو ساحر وشاعر وكاهن ومجنون وما إلى ذلك، وقوله {وَٱهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً} يرشد تعالى رسوله إلى هجران كفار قريش وعدم التعرض لهم والهجر الجميل هو الذي لا عتاب معه وقوله {وَذَرْنِي وَٱلْمُكَذِّبِينَ أُوْلِي ٱلنَّعْمَةِ} أي اتركني والمكذبين من صناديد قريش أولي النعمة أي النعم والترف {وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً} أي انظرهم ولا تستعجل فإِني كافيكهم، ولم يمض إلا زمن يسير حتى هلكوا في بدر على أيدي المؤمنين. وقوله تعالى {إِنَّ لَدَيْنَآ أَنكَالاً وَجَحِيماً وَطَعَاماً} أي عندنا للمكذبين بك في الآخرة أنكالا قيودا من حديد وجحيما أي نارا مستعرة محرقة وعذابا أليما أي موجعا وطعاما هو الزقوم والضريع ذا غصة أي يغصّ في حلق آكله، وعذابا أليما أي موجعاً وذلك يحصل لأهله وينالهم يوم ترجف الأرض والجبال، أي تتحرك وتضطرب وكانت الجبال كثيبا أي من الرمل مهيلا سائلا بعد اجتماعه. وقوله تعالى {إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ} أي يا أهل مكة وكل من ورائها من سائر الناس والجن {رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ} بما تعملون في الدنيا لتجزوا بها في الآخرة وقوله {كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً} أي موسى بن عمران عليه السلام {فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ ٱلرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً} أي غليظا شديدا. وقوله تعالى مخاطبا الكافرين المكذبين {فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً} أي عذاب يوم {يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَانَ شِيباً} وذلك لهوله وللكرب الذي يقع وحسبه أن السماء منفطر به أي منشقة بسبب أهواله. وذيك يوم يقول الرب تعالى لآدم يا آدم ابعث بعث النار أي خذ من كل ألف من أهل الموقف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار ولم ينج من كل ألف إلا واحد هنا يشتد البلاء ويعظم الكرب. وقوله {كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً} أي وعده تعالى بمجيء هذا اليوم كان مفعولا اي كائنا لا محالة وقوله {إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ} أي إن هذه الآيات المشتملة على ذكر القيامة وأهوالها تذكرة وعظة وعبرة {فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً} فليتخذها وهي الإِيمان والعمل الصالح بعد التخلي عن الشرك والمعاصي. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- وجوب الصبر على الطاعة وعن المعصيّة. 2- الهجر الجميل هو الذي لا عتاب فيه. 3- تقرير النبوة المحمدية. 4- تقرير البعث والجزاء.

القطان

تفسير : هجراً جميلا: تبعّد عن خصمك بلا عتاب ولا اذى. أولي النَعمة: بفتح النون، اصحاب النعيم المتنعمين بأموالهم واولادهم. النعمة بفتح النون: الرفاهية وطيب العيش. والنِعمة بكسر النون: ما أنعم الله به على الانسان من رزق ومال وغيره. مهِّلهم وأمهلهم: اتركهم برفق وتأنّ ولا تهتم بشأنهم. أنكالا: جمع نكل (بكسر النون) وهو القيد الشديد. ويقال: فلان نكل شر. وطعاماً ذا غصة: هو الطعام الذي لا يستساغ، يقف في الحلق فلا يدخل ولا يخرج. الكثيب: الرمل المجتمع كالتل، جمعه كثبان وكثب وأكثبة. مَهيلا: ينهال ويتحرك من الرياح ولا يثبت. أخذاً وبيلا: اخذا ثقيلا. منفطر: متصدع، متشقق. بعد ان بيّن اللهُ لعبادِه كيف تكون العبادةُ وكان ذلك في أوائل الدعوة - أدَّب الرسولَ الكريم بآدابٍ رفيعة يعامِل بها المكذّبين. اصبر أيها الرسولُ على أذى سفهاء قومك، ولا تكترثْ بما يتقوّلون عليك مثل قولهم: "ساحر أو شاعرٌ أو مجنون" او غيرِ ذلك من الأباطيل. ابتعدْ عنهم، ولا تتعرّضْ لهم بأذى وخالفْهم في الأفعال، مع المداراة والحِلْم والصبر. ثم أمر رسولَه ان يترك أمرَ المشركين إليه، أولئك الذين أبطرتْهم النعمةُ، فالله هو الكفيلُ بمجازاتهم وسوف لا يكون ذلك طويلا. ثم ذكر أنه سيعذّبهم بالأَنكالِ والقيودِ الشديدة والنارِ المستعرة، وبالطعام الذي لا يُستساغ بل ينشبُ في الحَلْق، وبالعذابِ الأليم. متى يكون هذا؟ سيكون: {يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً}. ذلك يومً القيامة، يومَ تُزلزَلُ الأرضُ وتصير الجبال مفتتة كالرمال التي تنهالُ ولا تثبُتُ على حال ثم تُنْسَفُ نسفاً، فلا يبقى منها شيء. وبعد ان خوّف المكذّبين بأهوالِ القيامة بيّن لهم ما لقيَ مَن قبلَهم من الأمم السالفة وما حلّ بهم من العذابِ والدمار فقال: {إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ ٱلرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً}. إنا أرسلْنا اليكم يا أهلَ مكة والعربَ والعالمَ اجمعَ محمداً يشهدُ عليكم يومَ القيامة، كما أرسلنا الى فرعونَ موسَى يدعوه إلى الحق، فعصَى فرعونُ الرسولَ الذي أرسلناه اليه، فأخذناه أخذاً شديداً، حيث أهلكناه ومن معه بالغَرق. فاحذَروا ان تكذّبوا رسولكم، فيصيبكم مثلُ ما أصابه. ثم أعاد تهديدَهم وتخويفَهم بعذابِ الآخرة فقال: {فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَانَ شِيباً السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً} إن كفرتم وأصرَرْتُم على جُحودكم فكيف تَتّقون عذابَ ذلك اليوم الذي يَشِيبُ لِهولِهِ الأطفال، وتنشقُّ السماء! ووعدُ الله واقعٌ لا محالة، واللهُ لا يُخلِفُ وعْدَه. ثم بعد ما بيّن ما يقع في ذلك اليوم من أهوالٍ مخيفةٍ أخذَ يذكّرهم بأنّ هذه الأشياءَ التي قدّمها ما هي الا موعظة، فمن شاءَ الانتفاعَ بها {ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً} فاختارَ طريقَ السلامة بالإيمان والتقوى.... وهذا من الترغيب في الأعمال الصالحة بعدَ ذلك الترهيبِ والتخويف.

د. أسعد حومد

تفسير : (10) - وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُهُ مُشْرِكُو قَوْمِكَ مِنْ كُفْرٍ بِاللهِ، وَتَكْذِيبٍ لَكَ وَلِرِسَالَتِكَ، وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً، لاَ عِتَابَ فِيهِ، وَلاَ تَفْكِيرَ فِي انْتِقَامٍ. هَجْراً جَمِيلاً - اعْتِزَالاً حَسَناً لاَ جََزَعَ فِيهِ.