٧٣ - ٱلْمُزَّمِّل
73 - Al-Muzzammil (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
11
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه إذا اهتم إنسان بمهم وكان غيره قادراً على كفاية ذلك المهم على سبيل التمام والكمال قال له: ذرني أنا وذاك أي لا حاجة مع اهتمامي بذاك إلى شيء آخر وهو كقوله: {أية : فَذَرْنِى وَمَن يكذب } تفسير : [القلم: 44] وقوله: {أُوْلِى ٱلنَّعْمَةِ } بالفتح التنعم وبالكسر الإنعام وبالضم المسرة يقال: أنعم بك ونعمك عيناً أي أسرَّ عينك وهم صناديد قريش وكانوا أهل تنعم وترفه {وَمَهّلْهُمْ قَلِيلاً } فيه وجهان أحدهما: المراد من القليل الحياة الدنيا والثاني: المراد من القليل تلك المدة القليلة الباقية إلى يوم بدر،فإن الله أهلكهم في ذلك اليوم. ثم ذكر كيفية عذابهم عند الله
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَذَرْنِى } اتركني {وَٱلْمُكَذِّبِينَ } عطف على المفعول، أو مفعول معه، والمعنى أنا كافيكهم. وهم صناديد قريش {أُوْلِى ٱلنَّعْمَةِ } التنعم {وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً } من الزمن فقتلوا بعد يسير منه ببدر.
ابن عطية
تفسير : قوله تعالى: {وذرني والمكذبين} وعيد لهم، ولم يتعرض احد لمنعه منهم، لكنه إبلاغ بمعنى لا تشغل بهم فكراً، وكلهم إليّ. و {النعمة} غضارة العيش وكثرة المال. والمشار إليهم كفار قريش أصحاب القليب ببدر. ويروى انه لم يكن بين نزول الآية وبين بدر إلا مدة يسيرة نحو عام وليس الأمر كذلك، والتقدير الذي يعضده الدليل من إخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتضي أن بين الأمرين نحو العشرة الأعوام، ولكن ذلك قليل أمهلوه، و {لدينا} بمنزلة عندنا، و "الأنكال" جمع نكل، وهو القيد من الحديد، ويروى أنها قيود سود من نار، و "الطعام ذو الغصة"، شجرة الزقوم قاله مجاهد وغيره، وقيل شوك من نار وتعترض في حلوقهم لا تخرج ولا تنزل قاله ابن عباس، وكل مطعوم هنالك فهو ذو غصة، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية فصعق، والعامل في قوله {يوم ترجف}، الفعل الذي تضمنه قوله {إن لدينا}، وهو استقرار أو ثبوت، والرجفان: الاهتزاز والاضطراب من فزع وهول، و "المهيل" اللين الرخو الذي يذهب بالريح ويجيء مهيلة. والأصل مهيول استثقلت الضمة على الياء فسكنت واجتمع ساكنان فحذفت الواو وكسرت الهاء بسبب الياء. وقوله تعالى: {إنا أرسلنا إليكم} الآية خطاب للعالم، لكن المواجهون قريش، وقوله {شاهداً عليكم} نحو قوله {أية : وجئنا بك على هؤلاء شهيداً} تفسير : [النساء: 41]، وتمثيله لهم أمرهم بفرعون وعيد كأنه يقول: فحالهم من العذاب والعقاب إن كفروا سائرة إلى مثل حال فرعون، وقوله تعالى: {فعصى فرعون الرسول} يريد موسى عليه السلام، والألف واللام للعهد. والوبيل: الشديد الرديء العقبى، ويقال: كلأ وبيل ومستوبل إذا كان ضاراً لما يرعاه. وقوله تعالى: {فكيف تتقون} معناه تجعلون لأنفسكم، و {يوماً} مفعول بـ {تتقون}، وقيل هو مفعول بـ {كفرتم} على أن يجعله بمنزلة جحدتم، فـ {تتقون} على هذا من التقوى، أي {تتقون} عقاب الله {يوم}، و {يجعل} يصح أن يكون مسنداً إلى اسم الله تعالى، ويصح أن يكون مسنداً إلى اليوم. وقوله تعالى: {الولدان شيباً} يريد صغار الأطفال، وقال قوم هذه حقيقة تشيب رؤوسهم من شدة الهول كما قد ترى الشيب في الدنيا من الهم المفرط كهول البحر ونحوه. وقال آخرون من المتأولين: هو تجوز وإبلاغ في وصف هول ذلك اليوم. وواحد {الولدان} وليد، وواحد الشيب أشيب. وقوله تعالى: {السماء منفطر به} قيل هذا على النسب أي ذات انفطار كامرأة حائض وطالق، وقيل السماء تذكر وتؤنث، وينشد في التذكير: [الوافر] شعر : فلو رفع السماء إليه قوماً لحقنا بالسماء مع السحاب تفسير : وقيل من حيث لم يكن تأنيثها حقيقياً، جاز أن تسقط علامة التأنيث لها، وقيل لم يرد اللفظ قصد السماء بعينها وإنما أراد ما علا من مخلوقات الله كأنه قصد السقف فذكر على هذا المعنى، قاله منذر بن سعيد وأبو عبيدة معمر والكسائي: و {الانفطار} التصدع والانشقاق على غير نظام، بقصد، والضمير في {به} قال المنذر وغيره: هو عائد على اليوم، وقال مجاهد: هو عائد على الله تعالى، وهذا نظير قوله {أية : يوم تشقق السماء بالغمام} تفسير : [الفرقان: 25] الذي هو ظل يأتي الله فيها. والمعنى يأتي أمره وقدرته، وكذلك هنا {منفطر به} أي بأمره وسلطانه، والضمير في قوله {وعده} ظاهر أنه لله تعالى. ويحتمل أن يكون لليوم لأنه يضاف إليه من حيث هو منه.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَالْمُكَذِّبِينَ} قيل بنو المغيرة أو اثنا عشر رجلاً من قريش {وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً} إلى السيف.
الخازن
تفسير : {وذرني والمكذبين} أي دعني ومن كذبك لا تهتم به فإني أكفيكه {أولي النعمة} أي أصحاب النعم والترفه نزلت في صناديد قريش المستهزئين وقيل نزلت في المطعمين ببدر {ومهلهم قليلاً} يعني إلى يوم بدر فلم يكن إلا يسير حتى قتلوا ببدر. وقيل أراد بالقليل أيام الدنيا ثم وصف عذابهم فقال تعالى: {إن لدينا} أي عندنا في الآخرة {أنكالاً} يعني قيوداً عظاماً ثقالاً لا تنفك أبداً وقيل أغلالاً من حديد {وجحيماً وطعاماً ذا غصة} أي غير سائغ في الحلق لا ينزل ولا يخرج وهو الزقوم والضريع {وعذاباً أليماً} أي وجيعاً {يوم ترجف الأرض والجبال} أي تتزلزل وتتحرك وهو يوم القيامة {وكانت الجبال كثيباً مهيلاً} يعني رملاً سائلاً وهو الذي إذا أخذت منه شيئاً يتبعك ما بعده {إنا أرسلنا إليكم} يعني يا أهل مكة {رسولاً} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم {شاهداً عليكم} أي بالتبليغ وإيمان من آمن منكم وكفر من كفر {كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً} يعني موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام، قيل إنما خص فرعون وموسى بالذكر من بين سائر الأمم والرسل لأن محمداً صلى الله عليه وسلم آذاه أهل مكة واستخفوا به لأنه ولد فيهم كما أن فرعون ازدرى بموسى وآذاه لأنه رباه {فعصى فرعون الرسول فأخذناه} أي فرعون {أخذاً وبيلاً} أي شديداً ثقيلاً يعني عاقبناه عقوبة غليظة، خوَّف بذلك كفار مكة ثم خوَّفهم يوم القيامة فقال تعالى: {فكيف تتقون إن كفرتم} أي كيف لكم بالتّقوى يوم القيامة إن كفرتم أي في الدنيا، المعنى لا سبيل لكم إلى التّقوى إذا وافيتم القيامة. وقيل معنى الآية فكيف تتقون العذاب يوم القيامة، وبأي شيء تتحصنون من عذاب ذلك اليوم، وكيف تنجون منه إن كفرتم في الدّنيا {يوماً يجعل الولدان شيباً} يعني شيوخاً شمطاً من هول ذلك اليوم وشدته وذلك حين يقال لآدم عليه الصّلاة والسّلام قم، فابعث بعث النار من ذريتك. (ق) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا آدم فيقول لبيك وسعديك" تفسير : زاد في رواية "حديث : والخير في يديك فينادى بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعث النّار قال يا رب، وما بعث النار؟ قال من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، فحينئذ تضع الحامل حملها، ويشيب الوليد وترى النّاس سكارى، وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد، فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم قالوا: يا رسول الله أينا ذلك الرجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم أبشروا فإن من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعاً وتسعين ومنكم واحد ثم قال: أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثّور الأبيض، أو كالشّعرة البيضاء في جنب الثّور الأسود، وفي رواية كالرّقمة في ذراع الحمار، وإني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، فكبرنا ثم قال: ثلث أهل الجنة فكبرنا ثم قال شطر أهل الجنة فكبرنا" تفسير : أما ما يتعلق بمعنى الحديث فقوله أن تخرج من ذريتك بعث النار فمعناه ميز أهل الجنة من أهل النار، وأما الرقمة بفتح الراء وإسكان القاف فهي الأثرة في باطن عضد الحمار. وقوله إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة وثلث أهل الجنة، وشطر أهل الجنة فيه البشارة العظيمة لهذه الأمة وجعلهم ربع أهل الجنة أولاً ثم الثلث ثم الشّطر لفائدة حسنة، وهي أن ذلك أوقع في نفوسهم، وأبلغ في إكرامهم فإن إعطاء الإنسان مرة بعد مرة دليل على الاعتناء به، ودوام ملاحظته وفيه تكرير البشارة مرة بعد أخرى، وفيه أيضاً حملهم على تجديد شكر الله وحمده على إنعامه عليهم، وهو تكبيرهم لهذه البشارة العظيمة، وسرورهم بها، وأما ما يتعلق بمعنى الآية الكريمة، والحديث في قوله تعالى: {فكيف تتقون إن كفرتم يوماً يجعل الولدان شيباً} وقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : ويشيب الوليد" تفسير : ففيه وجهان: الأول عند زلزلة السّاعة قبل خروجهم من الدّنيا، فعلى هذا هو على ظاهره الثاني أنه في القيامة، فعلى هذا يكون ذكر الشّيب مجازاً، لأن القيامة ليس فيها شيب، وإنما هو مثل في شدة الأمر، وهوله يقال في اليوم الشّديد يوم تشيب فيه نواصي الأطفال، والأصل فيه أن الهموم والأحزان إذا تعاقب على الإنسان أسرع فيه الشيب. قال المتنبي: شعر : والهم يخترم الجسيم نحافة ويشيب ناصية الصبيِّ ويهرم تفسير : فلما كان الشّيب من لوازم كثرة الهموم والأحزان جعلوه كناية عن الشّدة والهول، وليس المراد أن هول ذلك اليوم يجعل الولدان شيباً حقيقة لأن الطفل لا تمييز له، وقيل يحتمل أن يكون المراد وصف ذلك اليوم بالطول، وأن الأطفال يبلغون سن الشّيخوخة والشّيب. {السماء منفطر به} وصف اليوم بالشّدة أيضاً وأن السّماء مع عظمها تنفطر به، وتتشقق فما ظنك بغيرها من الخلائق، وقيل تتشقق لنزول الملائكة، وقيل به أي بذلك المكان، وقيل الهاء ترجع إلى الرّب سبحانه وتعالى أي بأمره وهيبته. {كان وعده مفعولاً} أي كائناً لا محالة فيه، ولا خلف {إن هذه} أي آيات القرآن {تذكرة} أي مواعظ يتذكر بها {فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً} بالإيمان والطاعة.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَذَرْنِى وَٱلْمُكَذِّبِينَ أُوْلِى ٱلنَّعْمَةِ} الآية، وعيدٌ بيِّنٌ، والمعنى لاَ تَشْغَلْ بهِم فِكْرَك وكِلْهُمْ إليَّ، والنعمةُ: غَضَارَةُ العَيْشِ وكِثرةُ المالِ والمشارُ إليهم كفارُ قريشٍ أصحابُ القليب بِبدرِ، و{لَدَيْنَا} بمنزلة «عِنْدِنَا» والأَنْكَال: جمع نَكْلٍ، وهو القَيْدُ من الحديدِ، ويُرْوَى أَنَّها قيودٌ سُودٌ مِن النار، والطَّعَامُ ذُو الغُصَّةِ شَجَرَةُ الزَّقُومِ، قَالَه مجاهد وغيره، وقال ابن عباس: شَوْكٌ من نارِ يَعْتَرِضُ في حُلُوقِهِم وكلُّ مَطْعُومٍ هُنَالِكَ فَهُو ذُو غُصَّة، ورُوِي أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَرَأَ هذهِ الآيةَ فَصَعِقَ، والرَّجَفَانُ الاهْتِزَازُ والاضْطِرَابُ مِنْ فَزَعٍ وَهَوْلٍ، و«المَهِيلُ»: اللَّيِّنُ الرّخْوُ الذي يَذْهَبُ بالرِّيحِ، وقال البخاريّ: {كَثِيباً مَّهِيلاً} رَمْلاً سَائِلاً، انتهى.
السيوطي
تفسير : أخرج أبو يعلى وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن عائشة قالت: لما نزلت {وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلاً} لم يكن إلا قليل حتى كانت وقعة بدر. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: {وذرني والمكذبين أولي النعمة} قال: بلغنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن فقراء المؤمنين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بأربعين عاماً ويحشر أغنياؤهم جثاة على ركبهم، ويقال لهم: إنكم كنتم ملوك أهل الدنيا وحكامهم فكيف عملتم فيما أعطيتكم" تفسير : وفي قوله: {ومهلهم قليلاً} قال: إلى السيف. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: {وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلاً} قال: إن لله فيهم طلبة وحاجة وفي قوله: {إن لدينا أنكالاً} قال: قيوداً. وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود {إن لدينا أنكالاً} قال: قيوداً. وأخرج أحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد {إن لدينا أنكالاً} قال: قيوداً. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن عكرمة مثله. وأخرج عبد بن حميد عن حماد وطاووس مثله. وأخرج ابن جرير والبيهقي في البعث عن الحسن قال: الأنكال قيود من النار. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن سليمان التيمي {إن لدينا أنكالاً} قال: قيوداً والله ثقالاً لا تفك أبداً، ثم بكى. وأخرج عبد بن حميد عن أبي عمران الجوني قال: قيوداً والله لا تحل عنهم. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في صفة النار وعبدالله في زوائد الزهد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن ابن عباس في قوله: {وطعاماً ذا غصة} قال: له شوك، ويأخذ بالحلق لا يدخل ولا يخرج. وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله: {وطعاماً ذا غصة} قال: شجرة الزقوم. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد مثله. وأخرج أحمد في الزهد وهناد وعبد بن حميد ومحمد بن نصر عن حمران أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ {إن لدينا أنكالاً وجحيماً وطعاماً ذا غصة وعذاباً أليماً} فلما بلغ أليماً صعق. وأخرج أبو عبيد في فضائله وأحمد في الزهد وابن أبي الدنيا في نعت الخائفين وابن جرير وابن أبي داود في الشريعة وابن عدي في الكامل والبيهقي في شعب الإِيمان من طريق حمران بن أعين عن أبي حرب بن أبي الأسود أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقرأ {إن لدينا أنكالاً وجحيماً} فصعق. وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله: {كثيباً مهيلاً} قال: المهيل الذي إذا أخذت منه شيئاً تبعك آخره. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {كثيباً مهيلاً} قال: الرمل السائل، وفي قوله: {أخذاً وبيلاً} قال: شديداً. وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: {أخذاً وبيلاً} قال: أخذاً شديداً ليس له ملجأ قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت قول الشاعر: شعر : خزي الحياة وخزي الممات وكلاً أراه طعاماً وبيلاً
القشيري
تفسير : قوله جل ذكره: {وَذَرْنِي وَٱلْمُكَذِّبِينَ أُوْلِي ٱلنَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً}. أي: أُولِي التَّنَعُّم وأنْظِرْهم قليلاً، ولا تهتمْ بشأنهم، فإني أكفيكَ أمرَهم. قوله جل ذكره: {إِنَّ لَدَيْنَآ أَنكَالاً وَجَحِيماً وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً}. ثم ذكر وصف القيامة فقال: {يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً}. ثم قال: {إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً}. يعني: أرسلنا إليكم محمداً صلى الله عليه وسلم شاهداً عليكم {كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً}، {فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ ٱلرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً} ثقيلاً. {فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً} من هَوْلُه يصير الولدانُ شيباً - وهذا على ضَرْبِ المثل. {السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ} أي بذلك: اليوم لهوله. ويقال: مُنْفَطِرٌ بالله أي: بأمره. {كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً}: فما وَعَدَ اللَّهُ سيصدقه. {إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ}: يعني هذه السورة، أو هذه الآيات مَوْعِظَةٌ؛ فَمَنْ اتعظ بها سَعِدَ. {إِنَّ رَبَّكَ} يا محمد {يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ} من المؤمنين. {وَٱللَّهُ يُقَدِّرُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ} فهو خالقهما {عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ} وتطيعوه. {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} أي: خَفَّفَ عنكم {فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ} من خمس آيات إلى ما زاد. ويقال: من عَشْرِ آيات إلى ما يزيد. {عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ} يسافرون، ويعلم أصحاب الأعذار، فَنَسخَ عنهم قيامَ الليل. {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ} المفروضة. {وَأَقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} مضى معناه. {وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ} أي: ما تقدِّموا من طاعة تجدوها عند الله ثواباً هو خيرٌ لكم من كلِّ متاع الدنيا.
اسماعيل حقي
تفسير : {وذرنى والمكذبين} اى دعنى واياهم وكل امرهم الى فانى اكفيكهم وقد سبق فى ن والقلم وقال بعضهم يجوز نصب المكذبين على المعية اى دعنى معهم وهو الظاهر ويجوز على العطف اى دعنى على امرى مما تقتضيه الحكمة ودع المكذبين بك وبالقرءآن وهو اوفق للصناعة لان النصب انما يكون نصبا فى الدلالة على المصاحبة اذا كان الفعل لازما وهنا الفعل متعد {اولى النعمة} ارباب التنعم وبالفارسية خداوندان نازوتن آسانى. صفة للمكذبين وهم صناديد قريش وكانوا أهل ترفه وتنعم لا سيما بنى المغيرة والنعمة بفتح النون التنعم وبكسرها الانعام وما انعم به عليك وبالضم السرور والتنعم استعمال ما فيه النعمة واللين من المأكولات والملبوسات وفى تاج المصادر التنعم بنازريستن. وفيه اشارة الى ان متعلق الذم ليس نفس النعمة والرزق بل التنعم بهما كان قال عليه السلام لمعاذ رضى الله عنه حين بعثه الى اليمن واليا حديث : اياك والتنعم فان عباد الله ليسوا بالمتنعمينتفسير : .وفيه تسلية للفقرآء فانهم يدخلون الجنة قبل الاغنياء بخمسمائة عام {ومهلهم} التمهيل زمان دادن. والمهل والتؤدية والسكون يقال مهل فى فعله وعمل فى مهلة {قليلا} اى زمانا قليلا واجلهم اجلا يسيرا ولا تعجل فان الله سيعذبهم فى الآخرة اذ عمر الدنيا قليل وكل آت قريب ويدل على هذا المعنى ما بعد الآية من بيان عذاب الآخرة وقال الطبرى كان بين نزول هذه الآية ووقعة بدر زمان يسير ولذا قيل انها مدنيه.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {وَذَرْنِي والمكذِّبينَ} أي: دعني وإيّاهم, وكِلْ أمرَهم إليّ، فإني أكفيكهم، والمراد رؤساء قريش، و" المكذِّبين": مفعول معه، أو: عطف على الياء. {أُولِي النَّعْمَةِ} أي: أرباب التنعُّم, وهم صناديد الكفرة، فالنَّعمة بالفتح: التنعُّم، وبالكسر: ما يتنعّم به، وبالضم: المسرة. {ومَهِّلْهُمْ قليلاً} أي: إمهالاً قليلاً، أو زمناً قليلاً إلى يوم بدر، أو يوم القيامة. {إنَّ لَدَيْنا} للكافرين يوم القيامة، {أنكالاً}؛ قيوداً ثِقالاً، جمع نِكْل، {وجَحيماً}؛ ناراً محرقة {وطعاماً ذا غُصَّةٍ} الذي ينشب في الحلوق فلا يُساغ، يعني: الضريع والزقوم. {وعذاباً أليماً}؛ مؤلماً يخلص وجعه إلى القلب. رُوي أنه صلى الله عليه وسلم قرأ الآية فصعق، وعن الحسن: أنه أمْسى صائماً، فأُتي بطعام، فعرضت له هذه الآية، فقال: ارفعه، ووُضع عنده الليلة الثانية فعرضت له، فقال: ارفعه، وكذلك الليلة الثالثة، فأخبر ثابت البناني وغيره، فجاؤوا، فلم يزالوا به، حتّى شرب شربةً من سَّوِيق. وهذا العذاب واقع {يَوْمَ ترجُف الأرضُ والجبالُ} أي: تتحرّك حركةً شديدة مع صلابتها وارتفاعها، فالظرف منصوب بما في "لدينا" من معنى الفعل، أي: استقر للكفار كذا وكذا يوم ترجف...الخ. {وكانت الجبالُ كَثِيباً}؛ رملاً مجتمعاً. من: كثب الشيء إذ جمعه، كأنه فعيل بمعنى مفعول. {مَّهِيلاً}؛ سائلاً بعد اجتماعه. {إنَّا أرسلنا إِليكم} يا أهل مكة {رسولاً} وهو محمد صلى الله عليه وسلم {شاهداً عليكم}؛ يشهد يوم القيامة بما صدر منكم من الكفر والعصيان، {كما أرسلنا إِلى فرعون رسولاً} وهو موسى عليه السلام، {فعصى فرعونُ الرسولَ} الذي أرسلنا إليه، أي: عصى ذلك الرسول؛ لأنَّ النكرة إذا أعيدت معرفة كانت عين الأولى. ومحل الكاف النصب على أنها صفة لمصدر محذوف، أي: أرسلنا إليكم رسولاً فعصيتموه، كما يُعرب عنه قوله تعالى: {شاهداً} إرسالاً كائناً كإرسال موسى لفرعون، فعصاه، {فأخذناه أخذاً وَبيلاً}؛ شديداً غليظاً. وإنما خص موسى وفرعون؛ لأنَّ خبرهما كان منتشراً بين أهل مكة؛ لأنهم كانوا جيران اليهود. {فكيف تتقون إِن كفرتم} أي: بقيتم على كفركم {يوماً} أي: عذاب يوم {يجعلُ الوِلْدان} من شدة هوله، وفظاعة ما فيه من الدواهي {شِيباً} جمع أشيب، أي: شيوخاً، إمّا حقيقة، أو تمثيلاً، وذلك أنَّ الهموم والأحزان إذا تفاقمت على المرء ضعفت قواه وأسرع فيه الشيب، فإذا قلنا: هو من باب التمثيل، يكون كقولهم في اليوم الشديد: يوم تشيب فيه نواصي الأطفال، وإذا قلنا حقيقة, فلعله ممن بلغ الحلم، وصَحِبه تفريط، وهذا الوقت الذي يُشيب الولدان هو حين يُقال لآدم عليه السلام: " أخْرِج بعثَ النار من ذريتك..." الحديث، فـ"يوماً" مفعول بكفرتم، أي: جحدتم، أو: بـ"تتقون"، أي: كيف تتقون عذاب يوم كذا إن كفرتم بالله، أو: ظرف، أي: فكيف لكم التقوى في يوم القيامة إن كفرتم في الدنيا، و"يجعل" صفة ليوم، والعائد محذوف، أي: فيه. {السماءُ مُنفَطِر به} أي: السماء على عِظمها وإحكامها منفطر به، أي: متشققة مِن هوله، فما ظنك بغيرها من الخلائق؟ والتذكير لتأويل السماء بالسقف، أو: لإجرائه على موصوف مذكّر، أي: شيء منفطر، وعبّر عنها بذلك؛ للتنبيه على أنها تبدّلت، حقيقتها، وزال عنها اسمها ورَسمها، ولم يبقَ منها إلا ما يُعبر عنه بشيء. والباء في "به" للآله، يعني: أنها تتفطّر لشِدّة ذلك اليوم وهوله، كما ينفطر الشيء بما يفطر به. {كان وعدُه} بالبعث {مفعولا} لا شك فيه، فالضمير لله عزّ وجل، والمصدر مضاف إلى فاعله أول إلى مفعوله، وهو اليوم، والفاعل هو الله عزّ وجل. {إِنَّ هذه تذكرةٌ} أي: إنَّ هذه الآيات المنطوية على القوارع المذكورة موعظة، {فمَن شاء اتَّخَذِ إِلى ربه سبيلا} أي: فَمن شاء اتعظ بها، واتخذ طريقاً إلى الله تعالى بالإيمان والطاعة،فإنه المنهاج الموصَّل إلى مرضاته. الإشارة: قال القشيري: فذرني والمكذّبين، القائلين بكثرة الوجود وتعدده. هـ. أي: مع أنه متحد، كما قال الشاعر: شعر : هَـذّا الـوُجـودُ وإن تَعَـدَّدَ ظَاهِــراً وحَيَاتكُــم مـا فِيــه إلا أَنْتُــمُ تفسير : أُولي النِّعمة: الترفُّه، فطلبُ اللذات والتنعُّم شَغَلهم عن التبتُّل, حتى افترقت قلوبُهم وأرواحهم، وأشركوا مع الله غيره، و" مَهِّلْهُم قليلاً" أي: زمن عمرهم؛ لأنه قليل وإن طالت مدته؛ إذ لا فائدة فيه. إنَّ لدينا أنكالاً، أي: قيوداً من العلائق والعوائق تعلقهم وتعوقهم عن الوصول إلى أسرار التوحيد، وطعاماً ذا غُصةٍ يغص الروح عن شراب الحمرة؛ لضيق مسلكه بوجود العوائق، وعذاباً أليماً: البُعد والطرد عن باب حضرتنا وجناب كبريائنا. يوم ترجف أرض البشرية بهزها بذكر الله، وجبال العقل بتجلِّي أنوار الذات، فيصير هباءً منثوراً. {إنَّا أرسلنا إليكم رسولاً شاهداً عليكم}، وهو الداعي إلى هذه الأسرار التفريدية، كما أرسلنا إلى فراعين كل زمان رسولاً يدعوهم إلى الله، فعصى فرعونُ كل زمان رسولَه، وهو الخليفة عن الله ورسولِه صلى الله عليه وسلم, فأخذناه أخذاً وبيلاً، فاختطفته المنية من سعة القصور إلى ضيق القبور، فكيف تتقون الله حق تقاته، إن كفرتم يوم وقوفكم بين يدي الواحد القهار؟ يوم تشيب فيه الولدان خجلاً من الملك الديّان. السماءُ منفطر مِن هوله، حين يُحال بين المرء وعملِه، إذ ليس محلّ العمل، وإنما هو محل إظهار كرامات العمل، وحِيل بينهم وبين ما يشتهون، إنَّ هذه تذكرة بالغة، فمَن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً يوصله إليه اليوم، قبل أن يُحال بينه وبينه بسور الموت. وبالله التوفيق. ولمّا أمر نبيه بقيام الليل خفّف عنه فيه، فقال: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ}.
الطوسي
تفسير : لما امر الله تعالى النبي صلى الله عليه وآله بالصبر على اذى قومه، وأن يهجرهم هجراً جميلا قال على وجه التهديد للكفار {وذرني} يا محمد {والمكذبين} الذين يكذبونك فيما تدعوهم اليه من التوحيد وإخلاص العبادة والاعتراف بالبعث والنشور، والثواب والجزاء، كما يقول القائل: دعني وإياه إذا أراد أن يهدده، يقال: يذر بمعنى يترك، ويدع، ولا يستعمل ماضيه، ولا ماضي (يدع) ولا يقال: وذر، ولا ودع، استغناء بقولهم ترك عن ذلك، لان الابتداء بالواو عندهم مكروه، ولذلك أبدلوا منها الهمزة في قولهم {أقتت} والاصل (وقتت)، وقالوا {تخمة} والاصل (وخمة) وكذلك كل ما يصرف منه مما فى أوله واو إلا قولهم: وادع من الدعة فلم يستغنوا عنه بتارك. وقوله {أولي النعمة} معناه ذوي النعمة أي اصحاب النعمة، والنعمة - بفتح النون - لين الملمس وضدها الخشونة، ومعناه {وذرني والمكذبين} أي ارض بعقاب المكذبين لست تحتاج إلى اكثر من ذلك كما يقال: دعني وإياه، فانه يكفيه ما ينزل به من غير تقصير مما يقع به، وهذا تهدد شديد. وقوله {ومهلهم قليلاً} أي اخرهم فى المدة قليلا فالتمهيل التأخير فى المدة، وقد يكون التأخير فى المكان، فلا يسمى تمهيلا، فاذا كان في المدة فهو تمهيل كما ان التأخير في الاجل تأجيل آخر. وقوله {إن لدينا أنكالاً} أي قيوداً - في قول مجاهد وقتادة - واحدها نكل {وجحيماً} أي ناراً عظيمة، وجحيم اسم من اسماء جهنم {وطعاماً ذا غصة} قال ابن عباس: معناه ذا غصة بشوك يأخذ الحلق، فلا يدخل ولا يخرج. وقيل: معناه يأخذ بالحلقوم لخشونته وشدة تكرهه {وعذاباً أليماً} أي عقاباً موجعاً مؤلماً. ثم بين متى يكون ذلك فقال {يوم ترجف الأرض} أي اعتدنا هذه الانواع من العذاب في يوم ترجف الارض أي تتحرك باضطراب شديد {والجبال} أي وترجف الجبال معها أيضاً {وكانت الجبال كثيباً مهيلاً} قال ابن عباس: تصير الجبال رملا سائلا متناثراً، فالكثيب الرمل المجتمع الكثير، ومهيل مفعول من هلت الرمل اهيله وذلك إذا حرك اسفله فسال أعلاه، ويقال: مهيول كما يقال مكيل ومكيول، وانهال الرمل انهيالا و {الغصة} تردد اللقمة في الفم لا يسيغها الذي يروم أكلها قال الشاعر: شعر : لو بغير الماء حلقي شرق كنت كالغصان بالماء اعتصاري تفسير : يقال غص بريقه يغص غصصاً، وفي قلبه غصة من كَذا، وهي كاللذغة التي لا يسيغ معها الطعام ولا الشراب. وقوله {إنا أرسلنا إليكم رسولاً شاهداً عليكم} اخبار من الله تعالى وخطاب للمكلفين في عصر النبي صلى الله عليه وآله ومن بعده بأنه أرسل اليهم رسولا يدعوهم إلى عبادته وإخلاص توحيده {شاهداً عليكم} بقبولهم إن قبلوا وعليهم إن لم يقبلوا {كما أرسلنا} أي ارسلناه اليكم مثل ما أرسلنا {إلى فرعون رسولا} يعني موسى ابن عمران عليه السلام. ثم اخبر عن فرعون فقال {فعصى فرعون الرسول} يعني موسى، فلم يقبل منه ما أمره به ودعاه اليه {فأخذناه أخذاً وبيلاً} أي اخذاً ثقيلاً شديداً عقوبة له على عصيانه موسى رسول الله، وكل ثقيل وبيل، ومنه: كلأ مستوبل أي متوخم لا يستمرء لثقله، ومنه الوبل، والوابل، وهو المطر العظيم القطر، ومنه الوبال وهو ما يغلظ على النفس وأصله الغلظ قال طرفة: شعر : فمرت كهاة ذات خيف جلالة عقيلة شيخ كالوبيل يلندد تفسير : الوبيل - ها هنا - الغليظ من العصى و (كهاة) ناقة مسنة و (الخيف) جلد الضرع و (يلندد) شديد الخصومة. قوله {فكيف تتقون إن كفرتم يوماً يجعل الولدان شيباً} أي إن كفرتم بالله وجحدتم نعمه، وكذبتم رسوله، وإنما جعل الولدان، وهم الأولاد الصغار شيباً لشدته، وعظم أهواله، كما يقال: قد حدث أمر تشيب منه النواصي. وقيل: {يوماً يجعل الولدان شيباً} على وجه المثل، والشيب جمع أشيب، يقال: شاب الانسان يشيب شيباً إذا ابيض شعره. ثم زاد في صفة شدة ذلك اليوم أيضاً فقال {السماء منفطر به} أي متصدع بشدة ذلك اليوم، وإنما لم يقل منفطرة، لانه جرى على طريق النسبة أي ذات انفطار، ولم يجر على طريق (فاعلة) كما قالوا للمرأة: مطفل أي ذات طفل. وقال الزجاج: تقديره السماء منفطر باليوم مثقلة به. وقال الحسن: معناه السماء مثقل به. وقال غيره: السماء مثقلة بذلك اليوم من شدته. وقال قوم: معناه متشقق بالأمر الذي يجعل الولدان شيباً. والسماء يؤنث ويذكر، فمن ذكر أراد السقف. وقوله {كان وعده مفعولا} معناه إن ما وعد الله به فلا بد من كونه، فلذلك عبر عنه بلفظ الماضي فكأنه قد وجد. ثم قال {إن هذه تذكرة} أي هذه القصة التي ذكرناها وبيناها {تذكرة} أي عظة لمن انصف من نفسه وفكر فيها، فالتذكرة التبصرة، وهي الموعظة التي يذكر بها ما يعمل عليه. وقوله {فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً} معناه إن من شاء من المكلفين اتخذ إلى ثواب ربه سبيلا، لانه قادر على الطاعة التي لو فعلها وصل الى الثواب. والله تعالى قد دعاه إلى ما يوصله اليه ورغبه فيه، وبعث رسولا يدعوه ايضاً اليه. وإن لم يفعل فبسوء اختياره انصرف عنه.
الجنابذي
تفسير : {وَذَرْنِي وَٱلْمُكَذِّبِينَ} بالله او بك او بوصيّك، وعن الكاظم (ع) والمكذّبين بوصيّك، قيل: هذا تنزيلٌ؟ - قال: نعم {أُوْلِي ٱلنَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ} ولا تعاجلهم بالعقوبة من عندك او بطلب العقوبة من عند الله {قَلِيلاً إِنَّ لَدَيْنَآ} تعليل {أَنكَالاً} جمع النّكل بالكسر القيد الشّديد، او القيد من النّار، او ضرب من اللّجم {وَجَحِيماً وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ} ينشب فى الحلق ولا يسيغ {وَعَذَاباً أَلِيماً يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلأَرْضُ} تضطرب او تخسف كما قال القمّىّ {وَٱلْجِبَالُ وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً} الكثيب التّلّ من الرّمل، وهال عليه التّراب والتّراب مهيل.
اطفيش
تفسير : {وَذَرْنِي وَالمُكَذِّبِينَ} فإني أكفي أمرهم وأفعل بهم ما يجلي همك وكل أمرهم اليّ فإن بي غنية عنك وهذا كما تقول ذرني وزيدا كأنه إذا لم يفوض أمره اليك فقد منعك منه وكون المكذبين مفعولا معه أولى من كونه معطوفاً {أُوْلِى النِّعْمَةِ} أصحاب النعم وقريء بالفتح بمعنى النعم واما النعمة بالضم فالمسرات والمراد أشراف قريش المستهزئون وقيل المطعمون ببدر وقيل الذين القوا في قليب بدر وفي الآية وعيد {وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً} تمهيد قليلا أو زمانا قليلا وهذا القليل هو ما بين نزول الآية وقتلهم ببدر وقيل أيام الدنيا فيجازيهم يوم القيامة.
الالوسي
تفسير : {وَذَرْنِى وَٱلْمُكَذّبِينَ } أي خل بيني وبينهم وكل أمرهم إلي فان فيَّ ما يفرغ بالك ويجلي همك ومر في أن تمام الكلام في ذلك. وجوز في المكذبين هنا أن يكونوا هم القائلين ففيه وضع الظاهر موضع المضمر وسماً لهم بميسم الذم مع الإشارة إلى علة الوعيد. وجوز أن يكونوا بعض القائلين فهو على معنى ذرني والمكذبين منهم. والآية قيل نزلت في صناديد قريش المستهزئين وقيل في المطعمين يوم بدر. {أُوْلِى ٱلنَّعْمَةِ } أرباب التنعم وغضارة العيش وكثرة المال والولد فالنعمة بالفتح التنعم وأما بالكسر فهي الإنعام وما ينعم به وأما بالضم فهي المسرة. {وَمَهّلْهُمْ قَلِيلاً } أي زماناً قليلاً وهو مدة الحياة الدنيا وقيل المدة الباقية إلى يوم بدر، وأياً ما كان فقليلاً نصب على الظرفية وجوز أن يكون نصباً على المصدرية أي إمهالاً قليلاً. والتفعيل لتكثير المفعول.
ابن عاشور
تفسير : القول فيه كالقول في {أية : فذرني ومن يكذّب بهذا الحديث}تفسير : في سورة القلم (44)، أي دعني وإياهم، أي لا تهتم بتكذيبهم ولا تشتغل بتكرير الرد عليهم ولا تغضب ولا تسبهم فأنا أكفيكهم. وانتصب {المكذبين} على المفعول معه، والواو واو المعية. والمكذبون هم من عناهم بضمير {يقولون} و{أية : اهجرهم}تفسير : [المزمل: 10]، وهم المكذبون للنبي صلى الله عليه وسلم من أهل مكة، فهو إظهار في مقام الإِضمار لإِفادة أن التكذيب هو سبب هذا التهديد. ووصَفَهم بـ {أولي النَّعمة} توبيخاً لهم بأنهم كذبوا لغرورهم وبطرهم بسعة حالهم، وتهديداً لهم بأن الذي قال {ذرني والمكذبين} سيزيل عنهم ذلك التنعم. وفي هذا الوصف تعريض بالتهكم، لأنهم كانوا يعدُّون سعة العيش ووفرة المال كمالاً، وكانوا يعيّرون الذين آمنوا بالخصاصة قال تعالى: {أية : إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزُون }تفسير : الآيات [المطففين: 29، 30]، وقال تعالى: {أية : والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام}تفسير : [محمد: 12]. و {النَّعمة}: هنا بفتح النون باتفاق القراء. وهي اسم للترفه، وجمعها أنعُم بفتح الهمزة وضم العين. وأما النِّعمة بكسر النون فاسم للحالة الملائمة لرغبة الإِنسان من عافية، وأمن ورزق، ونحو ذلك من الرغائب. وجمعها: نِعَم بكسر النون وفتح العين، وتجمع جمع سلامة على نِعمات بكسر النون وبفتح العين لجمهور العرب. وتكسر العين في لغة أهل الحجاز كَسْرَة إِتباع. والنُّعمة بضم النون اسم للمسرّة فيجوز أن تجمع على نُعْم على أنه اسم جمع، ويجوز أن تجمع على نُعَم بضم ففتح مثل: غرفة وغرف، وهو مطرد في الوزن. وجعلهم ذوي النَّعمة المفتوحة النون للإِشارة إلى أن قُصارى حظهم في هذه الحياة هي النَعمة، أي الانطلاق في العيش بلا ضيق، والاستظلال بالبيوت والجنات، والإِقبال على لذيذ الطعوم ولذائذ الانبساط إلى النساء والخمر والميسر، وهم معرضون عن كمالات النفس ولذة الاهتداء والمعرفة قال تعالى: {أية : أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلاّ كالأنعام بل هم أضل سبيلاً}تفسير : [الفرقان: 44] وتعريف {النَّعمة} للعهد. والتمهيل: الإِمهال الشديد، والإِمهال: التأجيل وتأخير العقوبة، وهو مترتب في المعنى على قوله: {وذرني والمكذبين}، أي وانتظر أن ننتصِرْ لك كقوله تعالى: {أية : ولا تستعجل لهم}تفسير : [الأحقاف: 35]. و {قليلاً} وصف لمصدر محذوف، أي تمهيلاً قليلاً. وانتصب على المفعول المطلق.
د. أسعد حومد
تفسير : (11) - وَدَعْنِي وَالمُكَذِّبِينَ المُتْرَفِينَ، أَصْحَابَ الأَمْوَالِ والنِّعْمَةِ، فَإِنِّي أَكْفِيكَ أَمْرَهُمْ، وَأُجَازِيهِمْ بِمَا هُمْ أَهْلُ لَهُ، وَتَمَهَّلْ عَلَيْهِمْ قَلِيلاً حَتَّى يَحِينَ المَوْعِدُ المُحَدَّدُ لأَِخْذِهِمْ. ذَرْنِي - دَعْنِي وَإِيَّاهُمْ فَسَأَكْفِيكَ أَمْرَهُمْ. أَوُلِى النَّعْمَةِ - أَهْلُ التَّرَفِ والعَيْشِ المُتْرَفِ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):