Verse. 5490 (AR)

٧٣ - ٱلْمُزَّمِّل

73 - Al-Muzzammil (AR)

اِنَّاۗ اَرْسَلْنَاۗ اِلَيْكُمْ رَسُوْلًا شَاہِدًا عَلَيْكُمْ كَـمَاۗ اَرْسَلْنَاۗ اِلٰى فِرْعَوْنَ رَسُوْلًا۝۱۵ۭ
Inna arsalna ilaykum rasoolan shahidan AAalaykum kama arsalna ila firAAawna rasoolan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إنا أرسلنا إليكم» يا أهل مكة «رسولا» هو محمد صلى الله عليه وسلم «شاهدا عليكم» يوم القيامة بما يصدر منكم من العصيان «كما أرسلنا إلى فرعون رسولا» هو موسى عليه الصلاة والسلام.

15

Tafseer

الرازي

تفسير : واعلم أن الخطاب لأهل مكة والمقصود تهديدهم بالأخذ الوبيل، وههنا سؤالات: السؤال الأول: لم نكر الرسول ثم عرف؟ الجواب: التقدير أرسلنا إلى فرعون رسولاً فعصاه فأخذناه أخذاً وبيلاً، فأرسلنا إليكم أيضاً رسولاً فعصيتم ذلك الرسول، فلا بد وأن نأخذكم أخذاً وبيلا. السؤال الثاني: هل يمكن التمسك بهذه الآية في إثبات أن القياس حجة؟ والجواب: نعم لأن الكلام إنما ينتظم لو قسنا إحدى الصورتين على الأخرى، فإن قيل: هب أن القياس في هذه الصورة حجة، فلم قلتم: إنه في سائر الصور حجة، وحينئذ يحتاج إلى قياس سائر القياسات على هذا القياس، فيكون ذلك إثباتاً للقياس بالقياس، وإنه غير جائز؟ قلنا: لا نثبت سائر القياسات بالقياس على هذه الصورة، وإلا لزم المحذور الذي ذكرتم، بل وجه التمسك هو أن نقول: لولا أنه تمهد عندهم أن الشيئين اللذين يشتركان في مناط الحكم ظناً يجب اشتراكهما في الحكم، وإلا لما أورد هذا الكلام في هذه الصورة، وذلك لأن احتمال الفرق المرجوح قائم ههنا فإن لقائل أن يقول: لعلهم إنما استوجبوا الأخذ الوبيل بخصوصية حالة العصيان في تلك الصورة وتلك الخصوصية غير موجودة ههنا، فلا يلزم حصول الأخذ الوبيل ههنا، ثم إنه تعالى مع قيام هذا الاحتمال جزم بالتسوية في الحكم فهذا الجزم لا بد وأن يقال: إنه كان مسبوقاً بتقرير أنه متى وقع الاشتراك في المناط الظاهر وجب الجزم بالاشتراك في الحكم، وإن مجرد احتمال الفرق بالأشياء التي لا يعلم كونها مناسبة للحكم لا يكون قادحاً في تلك التسوية، فلا معنى لقولنا القياس حجة إلا هذا. السؤال الثالث: لم ذكر في هذا الموضع قصة موسى وفرعون على التعيين دون سائر الرسل والأمم؟ الجواب: لأن أهل مكة ازدروا محمداً عليه الصلاة والسلام، واستخفوا به لأنه ولد فيهم، كما أن فرعون ازدرى موسى لأنه رباه وولد فيما بينهم وهو قوله: {أية : أَلَمْ نُرَبّكَ فِينَا وَلِيداً } تفسير : [الشعراء: 18]. السؤال الرابع: ما معنى كون الرسول شاهداً عليهم؟ الجواب: من وجهين الأول: أنه شاهد عليهم يوم القيامة بكفرهم وتكذيبهم الثاني: المراد كونه مبيناً للحق في الدنيا، ومبيناً لبطلان ما هم عليه من الكفر، لأن الشاهد بشهادته يبين الحق، ولذلك وصفت بأنها بينة، فلا يمتنع أن يوصف عليه الصلاة والسلام بذلك من حيث إنه بين الحق، وهذا بعيد لأن الله تعالى قال: {وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } أي عدولاً خياراً {أية : لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } تفسير : [البقرة: 143] فبين أنه يكون شاهداً عليهم في المستقبل، ولأن حمله على الشهادة في الآخرة حقيقة، وحمله على البيان مجاز والحقيقة أولى. السؤال الخامس: ما معنى الوبيل؟ الجواب: فيه وجهان الأول: الوبيل: الثقيل الغليظ ومنه قولهم: صار هذا وبالاً عليهم، أي أفضى به إلى غاية المكروه، ومن هذا قيل للمطر العظيم: وابل، والوبيل: العصا الضخمة الثاني: قال أبو زيد: الوبيل الذي لا يستمرأ، وماء وبيل وخيم إذا كان غير مريء وكلأ مستوبل، إذا أدت عاقبته إلى مكروه، إذا عرفت هذا فنقول قوله: {فَأَخَذْنَـٰهُ أَخْذاً وَبِيلاً } يعني الغرق، قاله الكلبي ومقاتل وقتادة. ثم إنه تعالى عاد إلى تخويفهم بالقيامة مرة أخرى

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً} يريد النبيّ صلى الله عليه وسلم أرسله إلى قريش {كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً} وهو موسى {فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ ٱلرَّسُولَ} أي كذب به ولم يؤمن. قال مقاتل: ذكَر موسى وفرعون؛ لأن أهل مكة ٱزدرَوا محمداً صلى الله عليه وسلم وٱستخفوا به؛ لأنه ولد فيهم، كما أن فرعون ٱزدرى موسى؛ لأنه ربّاه ونشأ فيما بينهم، كما قال تعالى: { أية : أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً } تفسير : [الشعراء: 18]. قال المهدويّ: ودخلت الألف واللام في الرسول لتقدّم ذكره؛ ولذلك ٱختير في أوّل الكتب سلام عليكم، وفي آخرها السلام عليكم. {وَبِيلاً} أي ثقيلاً شديداً. وضَرْبٌ وبيل وعذاب وبيل: أي شديد؛ قاله ٱبن عباس ومجاهد. ومنه مطر وابل أي شديد؛ قاله الأخفش. وقال الزجاج: أي ثقيلاً غليظاً. ومنه قيل للمطر وابل. وقيل: مُهلكاً والمعنى عاقبناه عقوبة غليظة قال: شعر : أَكَلْتِ بَنِيِك أَكْلَ الضَّبِّ حتى وجَدْتِ مَرَارةَ الْكَلإَ الْوَبِيلِ تفسير : واستوبل فلان كذا: أي لم يَحَمد عاقبته. وماء وبيل: أي وخيم غير مريء، وَكَلأٌ مستَوْبَل وطعام وبيل ومُستَوبَلٌ: إذا لم يُمْرِيء ولم يُسْتَمْرأْ؛ قال زهير: شعر : فَقَضَّوْا مَنايَا بَيْنَهُمْ ثم أَصْدَرُوا إِلَى كَلأٍ مُسْتَوَبَلٍ مُتَوَخَّمِ تفسير : وقالت الخنساء: شعر : لَقَدْ أَكَلَتْ بَجِيلَةُ يومَ لاَقَتْ فَوَارِسَ مَالك أَكْلاً وَبِيلاً تفسير : والوبيل أيضاً: العصا الضخمة؛ قال: شعر : لوَ ٱصْبَحَ في يُمْنى يَدَيَّ زِمامُها وفيِ كَفِّيَ الاُّخْرى وَبِيلٌ تُحاذِرُهْ تفسير : وكذلك المَوْبِل بكسر الباء، والمَوْبِلة أيضاً: الحُزْمة من الحطب، وكذلك الوَبِيل، قال طَرفة: شعر : عَقِيـلَةُ شَيْـخ كالوَبيـلِ يَلَنْـدَد تفسير : قوله تعالى: {فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَانَ شِيباً} هو توبيخ وتقريع، أي كيف تتقونَ العذاب إن كفرتم. وفيه تقديم وتأخير، أي كيف تتقون يوماً يجعل الولدان شيباً إن كفرتم. وكذا قراءة عبد الله وعطية. قال الحسن: أي بأي صلاة تتقون العذاب؟ بأي صوم تتقون العذاب؟ وفيه إضمار، أي كيف تتقون عذاب يوم. وقال قتادة: واللَّهِ ما يتقي من كفر بالله ذلك اليوم بشيء. و «يَوْماً» مفعول بـ«ـتَتَّقُونَ» على هذه القراءة وليس بظرف، وإن قدر الكفر بمعنى الجحود كان اليوم مفعول «كَفَرْتُمْ». وقال بعض المفسرين: وقف التمام على قوله: {كَفَرْتُمْ} والابتداء «يَوْماً» يذهب إلى أن اليوم مفعول «يجعل» والفعل لله عز وجل، وكأنه قال: يجعل الله الولدان شيباً في يوم. قال ابن الأنباري: وهذا لا يصلح؛ لأن اليوم هو الذي يفعل هذا من شدّة هوله. المهدويّ: والضمير في «يجعل» يجوز أن يكون لله عز وجل، ويجوز أن يكون لليوم، وإذا كان لليوم صلح أن يكون صفة له، ولا يصلح ذلك إذا كان الضمير لله عز وجل إلا مع تقدير حذف؛ كأنه قال: يوماً يجعل الله الولدان فيه شيباً. ٱبن الأنباريّ: ومنهم من نصب اليوم بـ «ـكفرتم» وهذا قبيح؛ لأن اليوم إذا عُلّق بـ «ـكفرتم» ٱحتاج إلى صفة؛ أي كفرتم بيوم. فإن ٱحتج محتج بأن الصفة قد تحذف وينصب ما بعدها، ٱحتججنا عليه بقراءة عبد الله {فَكَيْفَ تَتَّقُونَ يَوْماً}. قلت: هذه القراءة ليست متواترة، وإنما جاءت على وجه التفسير. وإذا كان الكفر بمعنى الجحود فـ«ـيوماً» مفعول صريح من غير صفة ولا حذفها؛ أي فكيف تتقون الله وتخشونه إن جحدتم يوم القيامة والجزاء. وقرأ أبو السَّمَّال قَعْنَب «فكيف تتقونِ» بكسر النون على الإضافة. و {ٱلْوِلْدَانَ} الصبيان. وقال السُّدي: هم أولاد الزنا. وقيل: أولاد المشركين. والعموم أصح؛ أي يشيب فيه الصغير من غير كبر. وذلك حين يقال: « حديث : يا آدم قم فٱبعث بَعْث النار » تفسير : . على ما تقدّم في أوّل سورة «الحج». قال القُشيريّ: ثم إن أهل الجنة يغيّر الله أحوالهم وأوصافهم على ما يريد. وقيل: هذا ضربُ مَثَل لشدّة ذلك اليوم وهو مجاز؛ لأن يوم القيامة لا يكون فيه وِلدان، ولكن معناه أن هيبة ذلك اليوم بحال لو كان فيه هناك صبي لَشابَ رأسه من الهيبة. ويقال: هذا وقت الفزع، وقبل أن يُنْفَخ في الصور نفخة الصعْق؛ فالله أعلم. الزمخشريّ: وقد مّر بي في بعض الكتب أن رجلاً أمسى فاحم الشعر كحنك الغراب، فأصبح وهو أبيض الرأس واللحية كالثَّغامة، فقال: أرِيت القيامة والجنة والنار في المنام، ورأيت الناس يقادون في السلاسل إلى النار، فمن هول ذلك أصبحت كما ترون. ويجوز أن يوصف اليوم بالطول، وأن الأطفال يبلغون فيه أوان الشيخوخة والشيّب. قوله تعالى: {السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ} أي متشققة لشدّته. ومعنى «بِهِ» أي فيه؛ أي في ذلك اليوم لهوله. هذا أحسن ما قيل فيه. ويقال: مُثْقَلة به إثقالاً يؤدّي إلى ٱنفطارها لعظمته عليها وخشيتها من وقوعه؛ كقوله تعالى: { أية : ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } تفسير : [الأعراف: 187]. وقيل: «بِهِ» أي له، أي لذلك اليوم؛ يقال: فعلت كذا بحرمتك ولحرمتك، والباء واللام وفي: متقاربة في مثل هذا الموضع؛ قال الله تعالى: { أية : وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ } تفسير : [الأنبياء: 47] أي في يوم القيامة. وقيل: «بِهِ» أي بالأمر أي السماء مُنْفطر بما يجعل الولدان شِيباً. وقيل: منفطر بالله، أي بأمره. وقال أبو عمرو بن العلاء: لم يقل منفطرة؛ لأن مجازها السقف؛ تقول: هذا سماء البيت؛ قال الشاعر: شعر : فَلَوْ رَفَعَ السَّمَاءُ إلَيْهِ قوماً لَحِقْنا بالسَّماءِ وبالسَّحابِ تفسير : وفي التنزيل: { أية : وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً } تفسير : [الأنبياء: 32]. وقال الفراء: السماء يذكر ويؤنث. وقال أبو علي: هو من باب الجراد المنتشر، والشجر الأخضر، و { أية : أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ } تفسير : [القمر: 20]. وقال أبو عليّ أيضاً: أي السماء ذات ٱنفطار؛ كقولهم: ٱمرأة مرضع، أي ذات إرضاع، فجرى على طريق النسب. {كَانَ وَعْدُهُ} أي بالقيامة والحساب والجزاء {مَفْعُولاً} كائناً لا شك فيه ولا خُلْف. وقال مقاتل: كان وعده بأن يظهر دينه على الدين كلّه. قوله تعالى: {إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ} يريد هذه السورة أو الآيات عِظَة. وقيل: آيات القرآن، إذ هو كالسورة الواحدة. {فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ} أي من أراد أن يؤمن ويتخذ بذلك إلى ربه {سَبِيلاً} أي طريقاً إلى رضاه ورحمته فليرغب، فقد أمكن له؛ لأنه أظهر له الحجج والدلائل. ثم قيل: نسخت بآية السيف، وكذلك قوله تعالى: { أية : فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ } تفسير : [عَبَس: 12] قال الثعلبيّ: والأشبه أنه غير منسوخ. رر

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ } يا أهل مكة {رَسُولاً } هو محمد صلى الله عليه وسلم {شَٰهِداً عَلَيْكُمْ } يوم القيامة بما يصدر منكم من العصيان {كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً } هو موسى عليه الصلاة والسلام.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ...} الآية، خطابٌ للعالم لكِنِ المواجَهُونَ قريشٌ، و{شَـٰهِداً عَلَيْكُمْ} نَحْوُ قولهِ: {أية : وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً} تفسير : [النساء:41] والوَبِيلُ: الشَّدِيدُ الرَّدَى. وقوله تعالى: {فَكَيْفَ تَتَّقُونَ} معناه: كَيْفَ تَجْعَلُونَ وِقَايةً لأنفسِكم، و{يَوْماً} مفعولٌ بـ{تَتَّقُونَ}، وقِيلَ: هو مفعولٌ بـ{كَفَرْتُمْ} ويكونُ {كَفَرْتُمْ} بمعنى: جَحَدْتم، فـ {تَتَّقُونَ} على هذا منَ التقوى، أي: تتقونَ عذابَ اللَّهِ، ويجوزُ أن يكونَ {يَوْماً} ظرفاً والمعنى: تتقونَ عِقَابَ اللَّه يوماً، وعبارةُ الثعلبي: {فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ} أي كيف تَتَحَصَّنُونَ من عذابِ يَوْمٍ يَشِيبُ فيه الطفلُ لهولِه إنْ كفرتُم، ثم ذَكَرَ نحو ما تقدم، انتهى، وحَكَى * ص *:، عن بعضِ الناسِ جَوازَ أنْ يكونَ {يَوْماً} ظرفَاً أي: فكيفَ لَكُمْ بالتقوَى في يومِ القيامَةِ إنْ كفرتم في الدنيا، * ت *: وهَذَا هُوَ مُرَادُ * ع *، قَالَ أبو حيان: و{شِيباً} مفعولٌ ثانٍ لـ{يَجْعَلُ} وهُو جَمْع أشْيَب، انتهى.

ابن عادل

تفسير : واعلم أنه تعالى لما خوف المكذبين أولي النَّعمةِ بأهوال يوم القيامة خوفهم بعد ذلك بأهوال الدنيا، فقال: {إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً} يريد النبي صلى الله عليه وسلم أرسله إلى قريش {كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً} وهو موسى - عليه الصلاة والسلام - وهذا تهديد لأهل مكة بالأخذ الوبيل. قال مقاتل: وإنما ذكر موسى وفرعون دون سائر الرسل لأن أهل "مكة" ازدروا محمداً صلى الله عليه وسلم واستخفوا به؛ لأنه ولد فيهم كما أن فرعون ازدرى بموسى؛ لأنه ربَّاه، ونشأ فيما بينهم كما قال تعالى: {أية : أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا}تفسير : [الشعراء: 18]. وذكر ابن الخطيب هذا السؤال والجواب وليس بالقوي لأن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - ولد، ونشأ فيما بين قوم نمرود، وكان "آزَر" وزير نمرود على ما ذكره المفسرون، وكذلك القول في نوح وهود وصالح ولوط، لقوله تعالى في قصة كل واحد منهم لفظة "أخاهم" لأنه من القبيلة التي بعث إليها. قوله: {فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ ٱلرَّسُولَ}، إنما عرفه لتقدم ذكره، وهذه "أل" العهدية، والعرب إذا قدمت اسماً ثم حكت عنه ثانياً، أتوا به معرفاً بـ"أل"، أو أتوا بضميره لئلا يلتبس بغيره نحو "رأيت رجلاً فأكرمتُ الرجل، أو فأكرمته"، ولو قلت: "فأكرمت رجلاً" لتوهم أنه غير الأول وسيأتي تحقيق هذا عند قوله تعالى: {أية : فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً}تفسير : [الشرح: 6] وقوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : لَنْ يغْلِبَ عسرٌ يُسرين ". تفسير : قال المهدوي هنا: ودخلت الألف واللام في "الرسول" لتقدم ذكره، ولذلك اختير في أول الكتب "سَلامٌ عَليْكُم"، وفي آخرها "السَّلام عليْكُم". قوله: {فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً}، أي: شديداً، وضرب وبيل، وعذاب وبيل، أي: شديد. قاله ابن عباس ومجاهد، ومنه: "مطر وابل"، أي: شديد، قاله الأخفش. وقال الزَّجاجُ: أي: ثقيلاً غليظاً، ومنه قيل للمطر وابل. وقيل: مهلكاً، قال: [الكامل] شعر : 4934 - أكَلْتِ بَنِيكِ أكْل الضَّبِّ حتَّى وجَدْتِ مرارة الكَلأ الوَبيلِ تفسير : واستوبل فلان كذا: أي: لم يحمد عاقبته، وماء وبيل، أي: وخيم غير مريء وكلأ مستوبل، وطعام وبيل ومستوبل إذا لم يُمرأ ولم يستمرأ؛ قال زهير: [الطويل] شعر : 4935 - فَقضَّوا مَنايَا بَينَهُمْ ثُمَّ أصْدَرُوا إلى كَلأٍ مُستوبَلٍ مُتوخمِ تفسير : وقالت الخنساء: [الوافر] شعر : 4936 - لَقَدْ أكَلتْ بجِيلةُ يَوْمَ لاقَتْ فَوارِسَ مالِكٍ أكْلاً وبِيلا تفسير : والوبيل أيضاً: العصا الضخمة؛ قال: [الطويل] شعر : 4937 - لَوْ أصْبَحَ فِي يُمْنَى يَديَّ رِقامُهَا وفِي كفِّيَ الأخْرَى وبِيلاً نُحَاذِرُهْ تفسير : وكذلك: "الوبل" بكسر الباء، و "الوبل" أيضاً: الحزمة من الحطب وكذلك "الوبيل". قال طرفة: [الطويل] شعر : 4938 -.............................. عَقِيلةُ شَيْخٍ كالوَبِيلِ يَلنْدَدِ تفسير : فصل في الاستدلال بالآية على "القياس" قال ابن الخطيب: هذه الآية يمكن الاستدلال بها على إثبات القياس، لأن الكلام إنما ينتظم لو قسنا إحدى الصورتين على الأخرى. فإن قيل هنا: هب أن القياس في هذه الصورة حجة، فلم قلتم: إنه في سائر الصور حجة، حينئذ يحتاج إلى سائر القياسات على هذا القياسِ، فيكون ذلك إثباتاً للقياس بالقياس؟. قلنا: لا نثبت سائر القياسات بالقياس على هذه الصورة، وإلا لزم المحذور الذي ذكرتم بل وجه التمسك أن نقول: لولا أنه تمهد عندهم أن الشيئين اللذين يشتركان في مناط الحكم ظنّاً يجب اشتراكهما في الحكم، وإلا لما أورد هذا الكلام في هذه الصورة وذلك لأن احتمال الفرق المرجوح قائم هنا، فإنَّ لقائلٍ أن يقول: لعلهم إنما استوجبوا الأخذ الوبيل بخصوصية حال العصيان في تلك الصورة وتلك الخصوصية غير موجودة - هاهنا -، ثم إنه تعالى مع قيام هذا الاحتمال جزم بالتسوية في الحكم [فهذا الجزم لا بد وأن يقال إنه كان مسبوقاً بتقدير أنه متى وقع اشتراك في المناط الظاهر وجزم الاشتراك في الحكم]، وإن الفرق المرجوح من أن ذلك المرجوح لخصوص تلك الواقعةِ لا عبرة به لم يكن لهذا الكلام كثير فائدة، ولا معنى لقولنا القياس حجة إلا لهذا. فصل في معنى شهادة الرسول عليهم قال ابن الخطيب: ومعنى كون الرسول شاهداً عليهم من وجهين: الأول: أنه شاهد عليهم يوم القيامة بكفرهم، وتكذيبهم. الثاني: أن المراد بكونه شاهداً كونه مبيناً للحق في الدنيا ومبيناً لبطلان ما هم عليه من الفكر، لأن الشاهد بشهادته يبين الحق، ولذلك وصفت بأنها بينة، ولا يمتنع أن يوصف صلى الله عليه وسلم بذلك من حيث إنه يبين الحق. قال ابن الخطيب: وهذا بعيد، لأن الله تعالى قال: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ}تفسير : [البقرة: 143] أي: عُدُولاً خياراً، ويكون الرسول عليكم شهيداً، فبين أنه شاهد عليهم في المستقبل لأن حمله الشهادة في الآخرة حقيقة، وحمله على البيان مجاز، والحقيقة أولى من المجاز. قوله: {فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَانَ شِيباً}. "يوماً" إما منصوب بـ"تَتَّقُونَ" على سبيل المفعول به تجوزاً. وقال الزمخشري: "يوماً مفعول به، أي: فكيف تتقون أنفسكم يوم القيامة وهَوْلَهُ إن بقيتم على الكفر". وناقشه أبو حيان فقال: "وتتقون مضارع "اتقى" و "اتقى" ليس بمعنى "وقى" حتى يفسره به و "اتقى" يتعدى إلى واحد و "وقى" يتعدى إلى اثنين، قال تعالى: {أية : وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} تفسير : [الطور: 18] ولذلك قدره الزمخشريُّ: تقون أنفسكم لكنه ليس "تتقون" بمعنى "تقون"، فلا يعدى تعديته" انتهى. ويجوز أن ينتصب على الظرف، أي: فكيف لكم بالتقوى يوم القيامة، إن كفرتم في الدنيا. قاله الزمخشري. ويجوز أن ينتصب مفعولاً بـ"كفرتم" إن جعل "كفَرْتُمْ" بمعنى "جَحدتُمْ" أي: فكيف تتقون الله وتخشونه إن جحدتم يوم القيامة. ولا يجوز أن ينتصب ظرفاً لأنهم لا يكفرون ذلك اليوم بل يؤمنون لا محالة. ويجوز أن ينتصب على إسقاط الجار، أي: كفرتم بيوم القيامة. فصل في المراد بالآية قال القرطبيُّ: وهذا تقريع وتوبيخ، أي: كيف تتقون العذاب إن كفرتم، وفيه تقديم وتأخير، أي: كيف تتقون يوماً يجعل الولدان شيباً إن كفرتم، وكذا قراءة عبد الله وعطية. قال الحسن: بأي صلاة تتقون العذاب؟ بأي صوم تتقون العذاب؟ وفيه إضمار، أي: كيف تتقون عذاب يوم القيامة. وقال قتادة: والله ما يتقى من كفر ذلك اليوم بشيء، و "يَوْماً" مفعول بـ"تتقون" على هذه القراءة وليس بظرف، وإن قدر الكفر بمعنى الجحود كان اليوم مفعول "كفرتم"، وقال بعض المفسرين: وقف التمام على قوله "كَفرْتُمْ" والابتداء "يَوْماً" يذهب إلى أن "اليوم" مفعول "يَجْعَلُ" والفعل لله - عز وجل - كأنه قال: يجعل الله الولدان شيباً في يوم. قال ابن الأنباري: وهذا لا يصح؛ لأن اليوم هو الذي يفعل هذا من شدة هوله. وقال المهدوي: والضمير في "يَجْعلُ" يجوز أن يكون لله - عز وجل - ويجوز أن يكون لليوم، وإذا كان لليوم، صلح أن تكون صفة له، ولا يصلح ذلك إذا كان الضمير لله - عز وجل - إلا مع تقدير حذف، كأنه قيل: يوماً يجعل الله الولدان فيه شيباً". وقال ابن الأنباري: ومنهم من نصب "اليوم" بـ"كَفرْتُمْ"، وهذا قبيح؛ لأن اليوم إذا علق بـ"كفرتم" احتاج إلى صفة، أي: كفرتم بيوم، فإن احتج محتج بأن الصفة قد تحذف، وينصب ما بعدها، احتججنا عليه بقراءة عبد الله: {فَكيْفَ تتَّقُونَ يَوْماً}. قال القرطبيُّ: "هذه القراءة ليست بمتواترة، وإنما جاءت على وجه التفسير، وإذا كان الكفر بمعنى الجحود فـ"يوم" مفعول صريح من غير صفة، ولا حذفها، أي: فكيف تتقون الله، وتخشونه إن جحدتم يوم القيامة، والجزاء". والعامة: على تنوين "يَوْماً"، وجعل الجملة بعده نعتاً له، والعائد محذوف، أي: جعل الولدان فيه. قاله أب البقاء، ولم يتعرض للفاعل في "يَجْعلُ"، وهو على هذا ضمير الباري تعالى، أي: يوماً يجعل الله فيه، وأحسن من هذا أن يجعل العائد مضمراً في "يَجْعَلُ" هو فاعله، وتكون نسبة الجعل إلى اليوم من باب المبالغة، أي: نفس اليوم يجعل الولدان شيباً. وقرأ زيد ابن علي: "يَوْمَ يَجْعَلُ" بإضافة الظرف للجملة، والفاعل على هذا هو ضمير الباري - تعالى - والجعل - هنا - بمعنى التصيير، فـ"شيباً" مفعول ثان. وقرأ أبو السمال: "فكيف تتَّقُون" بكسر النون على الإضافة. والولدان: الصبيان. وقال السديُّ: هم أولاد الزنا. وقيل: أولاد المشركين، والعموم أصح أي يوم يشيب فيه الصغير من غير كبر، وذلك حين يقال لآدم: يا آدَمُ قَمْ فابْعَثْ بعثاً للنارِ. قال القشيريُّ: هم أهل الجنة، يُغيِّرُ اللَّهُ أحوالهم، وأوصافهم على ما يريد. وقيل: هذا ضرب مثل لشدة ذلك اليوم، وهو مجاز لأن يوم القيامة لا يكون فيه ولدان، لكن معناه: أن هيبة ذلك اليوم بحال لو كان فيه هناك صبي لشاب رأسه من الهيبة، ويقال: هذا وقت الفزع قبل أن ينفخ في الصور نفخة الصعقِ. والله أعلم. و "شيباً": جمع "أشْيَب"، وأصل الشين الضم فكسرت لتصح الياء، نحو: أحْمَر حُمْرٌ؛ قال الشاعر: [البسيط] شعر : 4939 - مِنَّا الذِي هُوَ مَا إنْ طَرَّ شَارِبُهُ والعَانِسُونَ ومنَّا المُرْدُ والشِّيبُ تفسير : وقال آخر: [الطويل] شعر : 4940 -........................... لَعِبْنَ بِنَا شِيباً، وشَيَّبْنَنَا مُرْدَا تفسير : قال الزمخشريُّ: وفي بعض الكتب أن رجلاً أمسى فاحم الشعر كحنكِ الغراب، فأصبح وهو أبيض الرأس واللحية كالثغامة، فقال: رأيت القيامة والجنة والنار في المنام، ورأيت الناس يقادون في السلاسل إلى النار، فمن هول ذلك أصبحت كما ترون. ويجوز أن يوصف اليوم بالطول فإن الأطفال يبلغون فيه أوان الشيخوخة والشيب. قال ابن الخطيب: إن الله تعالى ذكر من هول ذلك اليوم أمرين: الأول: جعل الولدان شيباً وفيه وجهان: الأول: أنه مثلٌ في الشدة، يقال في اليوم الشديد: يوم يشيِّبُ نواصي الأطفال، والأصل فيه أن الهموم، والأحزان إذا تفاقمت على الإنسان، أسرع فيه الشيبُ لأن كثرة الهموم؛ توجب انكسار الروح إلى داخل القلب، وذلك الانكسار يوجب انطفاء الحرارة الغريزية، وضعفها يوجب بقاء الأجزاء الغذائية غير تامة النضج، وذلك يوجب استيلاء البلغم على الأخلاط، وذلك يوجب ابيضاض الشعر، فلما رأوا أن حصول الشيب من لوازم كثرة الهموم جعلوا الشيب كناية عن الشدة والهموم، وليس المراد أن هول ذلك اليوم يجعل الولدان شيباً حقيقة لأن إيصال الألم أو الخوف إلى الأطفال غير جائز يوم القيامة. الثاني: ما تقدم من طول اليوم وأن الأطفال يبلغون فيه أوان الشيخوخة، والشيب. قوله: {السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ}. صفة أخرى، أي: متشققة بسبب هوله وشدته، فتكون الباء سببية، وجوز الزمخشريُّ أن تكون للاستعانة، فإنه قال: والباء في "به" مثلها في قولك: "فطرت العود بالقدُومِ فانفَطرَ بِهِ". وقال القرطبيُّ: ومعنى "به"، أي: فيه، أي: في ذلك اليوم لهوله، هذا أحسن ما قيل فيه، ويقال: مثقلة به إثقالاً يؤدي إلى انفطارها لعظمته عليها، وخشيته من وقوعها، كقوله تعالى: {أية : ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}تفسير : [الأعراف: 187]، وقيل: "به"؛ أي: له، أي: لذلك اليوم، يقال: فعلت كذا بحرمتك، أو لحرمتك، والباء واللام وفي متقاربه في مثل هذا الموضع، قال الله تعالى: {أية : وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ}تفسير : [الأنبياء: 47]، أي: في يوم القيامة، وقيل: "به" أي بالأمر، أي: السماء منفطر بما يجعل الولدان شيباً. وقيل: السَّماءُ منفطر بالله، أي: بأمره. وإنما لم تؤنث الصفة لوجوه منها: قال أبو عمرو بن العلاء: لأنها بمعنى السقفِ تقول: هذا سماء البيت، قال تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً}تفسير : [الأنبياء: 32]. ومنها: أنها على النسب، أي: ذات انفطار، نحو: امرأة مرضع وحائض، أي: ذات إرضاع، وذات حيض. ومنها أنها تذكر، وتؤنث؛ أنشد الفراء: [الوافر] شعر : 4941 - فَلوْ رَفَعَ السَماءُ إليْه قَوماً لخُضْنَا بالسَّماءِ وبالسَّحَابِ تفسير : ومنها: اسم الجنس، يفرق بينه وبين واحده بالتاء، فيقال: سماة، وقد تقدم أن اسم الجنس يذكر ويؤنث. ولهذا قال أبو علي الفارسي: هو كقوله: {أية : جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ}تفسير : [القمر: 7] و {أية : ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ}تفسير : [يس: 80] و {أية : أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ}تفسير : [القمر: 20] يعني: فجاء على أحد الجائزين. وقيل: لأن تأنيثها ليس بحقيقي، وما كان كذلك جاز تذكيره وتأنيثه؛ قال الشاعر: [البسيط] شعر : 4942 -......................... والعَيْنُ بالإثْمِدِ الحَارِيِّ مَكحُولُ تفسير : قوله: {كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً}، يجوز أن يكون الضميرُ لله تعالى، وإن لم يجر له ذكر للعلم به، فيكون المصدر مضافاً لفاعله، ويجوز أن يكون لليوم، فيكون مضافاً لمفعوله والفاعل وهو "اللَّهُ" مقدر. فصل في المراد بالوعد قال المفسرون: كان وعده بالقيامة والحساب والجزاء مفعولاً كائناً لا محالة ولا شك فيه ولا خلاف، وقال مقاتل: كان وعده بأن يظهره دينه على الدين كله. قوله: {إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ}، أي: هذه السورة والآيات عظة، وقيل: آيات القرآن إذ هو كالسورة الواحدة {فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً}؛ لأن هذه الآيات مشتملة على أنواع الهداية، والإرشاد، فمن شاء أن يؤمن، ويتخذ بذلك إلى ربِّه سبيلاً، أي: طريقاً إلى رضاه، ورحمته فليرغب، فقد أمكن له؛ لأنه أظهر له الحجج، والدلائل. قيل: نسخت بآية السيف، وكذلك قوله تعالى: {فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ}. قال الكلبيُّ: والأشبه أنه غير منسوخٍ.

اسماعيل حقي

تفسير : {انا ارسلنا اليكم} يا اهل مكة شروع فى التخويف بأهوال الدنيا بعد تخويفهم بأهوال الآخرة {رسولا} هو محمد عليه السلام وكونه مرسلا اليهم لا ينافى ارساله الى من عداهم فان مكةام القرى فمن أرسل الىاهل مكة فقد أرسل الى اهل الدنيا جميعا ولذا نص الله تعالى عليه بقوله وما أرسلناك الا كافة للناس ليندفع اوهام اهل الوهم {شاهدا عليكم} يشهد يوم القيامة بما صدر عنكم من الكفر والعصيان وكذا يشهد على غيركم كما قال تعالى وجئنا بك على هؤلاء شهيدا {كما ارسلنا الى فرعون رسولا} هو موسى عليه السلام لان هرون عليه السلام ردء له وتابع وعدم تعيينه لعدم دخله فى التشبيه وتخصيص فرعون لانه من رؤساء اولى النعمة المترفهين المتكبرين فبينه وبين قريش جهة جامعة ومشابهة حال ومناسبة سريرة.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّآ أَرْسَلْنَآ} جوابُ سؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل بعد ما هدّدهم بقوله: {وَذَرْنِي وَٱلْمُكَذِّبِينَ}: ما فعلت بنا؟ وما تفعل بعد بنا؟ - فقال: انّا ارسلنا {إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً} يشهد {عَلَيْكُمْ} يوم القيامة بالرّدّ والقبول والاقرار والنّكول {كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً} نكّر الرّسول لعدم تعلّق الغرض بتعيين الرّسول.

الهواري

تفسير : قوله عز وجل: {إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم {شَاهِداً عَلَيْكُمْ} أي: يوم القيامة أنه بلغكم {كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً} يعني موسى عليه السلام {فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً} أي: عظيماً، والوبيل الشديد. وقال مجاهد: وبيلاً شديداً. قال عز وجل: {فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الوِلْدَانَ شِيباً} أي: فكيف تتَّقون ذلك اليوم الذي يجعل الولدان شيباً، أي: إن كفرتم لم تتقوه. {السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ} أي: منشق به. قال عز وجل: {كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً} أي إن السماء سوف تنشق ذلك اليوم وتسير الجبال. قوله عز وجل: {إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ} أي إن هذه السورة تذكرة {فَمَنْ شَآءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً} أي: بتقواه وطاعته. وقال تعالى في آية أخرى: (أية : كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللهُ) تفسير : [المدثر:54-56]. قوله عز وجل: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى} أي: أقل {مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَّنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ}. ذكر بعضهم قال: كان الله قد افترض قيام الليل في أول هذه السورة بقوله: {يَآ أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً أَوْ زِدْ عَلَيْهِ}. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولاً حتى انتفخت أقدامهم. فأمسك الله خاتمتها في السماء اثني عشر شهراً، ثم أنزل الله: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ...} إلى قوله: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ} فريضتان واجبتان لا رخصة لأحد فيهما، فصار قيام الليل تطوّعاً بعد إذ كان فريضة. ذكروا عن بعضهم أنه كان يقول: لا بد من قيام الليل ولو قدر حَلَب شاة. ذكر بعضهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : أَصِب من الليل ولو ركعتين ولو أربعاً . تفسير : وبلغنا عن الحسن أنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقم أقل من ثلثي الليل. وقال بعضهم: إن قيام الليل على النبي عليه السلام فريضة وللناس تطوع. وكان الحسن يقرأها بالجر: {أَدْنَى مِنْ ثُلْثَي اللَّيْلِ وَنِصْفِه وثلثِه وَطَائِفَةٌ مِّنَ الذِينَ مَعَكَ}. ولم يقم النبي عليه السلام أقل من ثلثي الليل، وما كان من بعض فهو من غيره. وبعضهم يقرأها بالنصب؛ أي: قام ثلثه. قال تعالى: {وَأَقْرِضُواْ اللهَ قَرْضاً حَسَناً} تفسير الحسن: إن هذا في التطوّع. {وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللهِ هُوَ خَيْراً} أي: تجدوا ثوابه عند الله خيراً {وَأَعْظَمَ أَجْراً} أي: يثيبكم عليه الجنة {وَاسْتَغْفِرُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.

اطفيش

تفسير : {إنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ} يا أهل مكة أو الخطاب لكل أحد {وَرَسُولاً} محمدا صلى الله عليه وسلم {شَاهِداً عَلَيْكُمْ} يوم القيامة بالإيمان والكفر *{كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً} موسى بن عمران وخص فرعون وموسى بالذكر من سائر الأمم والرسل لأن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم آذاه أهل مكة واستخفوا به لأنه ولد فيهم كما أن فرعون أزدرى بموسى آذاه لأنه رباه ولم يصرح باسم موسى لأن المقصود لم يتعلق به بل بمجرد الرسالة.

اطفيش

تفسير : {إِنَّا أرْسَلْنَا} الآن. {إِلَيْكُمْ} الخطاب للمكذبين المعهودين أو لبعضهم على طريق الالتفات من الغيبة إِلى الخطاب، الالتفات لجليل، ألا ترى أن الاستشهاد عليهم بالرسول وتشبيه تكذيبهم لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- بتكذيب فرعون لموسى عليه السلام مع المواجة لهم بذلك كأَنه ينتقم منهم الآن مع ما ينتقم منهم به فى الآخرة كما فعل ذلك بفرعونن وقيل الخطاب للعموم فلا التفات إِلا إِن أُريد بالمكذبين العموم. {رَسُولاً} هو محمد - صلى الله عليه وسلم - فعصيتموه. {شَاهِداً} يوم القيامة {عَلَيْكُمْ} بما فعلتم من الشرك وما دونه من المعاصى {كَمَا أرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً} هو موسى عليه السلام - ولم يذكر للعلم به وليحصل تعظيمه بتنكير رسولاً كرسولاً الأَول والكاف حرف، أى إِرسالاً ثابتاً كإِرسالنا إِلى فرعون أو اسم، أى إِرسالاً مثل إِرسالنا إِلى فرعون.

الالوسي

تفسير : {إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ } خطاب للمكذبين أولي النعمة سواء جعلوا القائلين أو بعضهم، ففيه التفات من الغيبة وهو التفات جليل الموقع أي إنا أرسلنا إليكم أيها المكذبون من أهل مكة {رَسُولاً شَـٰهِداً عَلَيْكُمْ } يشهد يوم القيامة بما صدر عنكم من الكفر والعصيان {كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً } هو موسى عليه السلام وعدم تعيينه لعدم دخله في التشبيه أو لأنه معلوم غني عن البيان.

ابن عاشور

تفسير : نقل الكلام إلى مخاطبة المشركين بعد أن كان الخطاب موجهاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم والمناسبة لذلك التخلصُ إلى وعيدهم بعد أن أمره بالصبر على ما يقولون وهجرهم هجراً جميلاً إذ قال له {أية : وذرني والمكذبين}تفسير : [المزمل: 11] إلى قوله: {أية : وعذاباً أليماً}تفسير : [المزمل: 13]. فالكلام استئناف ابتدائي، ولا يُعد هذا الخطاب من الالتفات لأن الكلام نقل إلى غرض غير الغرض الذي كان قبله. فالخطاب فيه جار على مقتضى الظاهر على كلا المذهبين: مذهب الجمهور ومذهب السكاكي. والمقصود من هذا الخبر التعريض بالتهديد أن يصيبهم مثل ما أصاب أمثالهم ممن كذبوا الرسل فهو مثَل مضروب للمشركين. وهذا أول مثَل ضربه الله للمشركين للتهديد بمصير أمثالهم على قول الجمهور في نزول هذه السورة. واختير لهم ضرب المثل بفرعون مع موسى عليه السلام، لأن الجامع بين حال أهل مكة وحال أهل مصر في سبب الإِعراض عن دعوة الرسول هو مجموع ما هم عليه من عبادة غير الله، وما يملأ نفوسهم من التكبر والتعاظم على الرسول المبعوث إليهم بزعمهم أن مثلهم لا يطيع مِثله كما حكى الله تعالى عنهم بقوله: {أية : فقالوا أنؤمن لبشرين مثِلنا وقومُهما لنا عابدون}تفسير : [المؤمنون: 47] وقد قال أهل مكة {أية : لولا نُزِّل هذا القرءان على رجل من القريتين عظيم}تفسير : [الزخرف: 31] وقد حكى الله عنهم أنهم قالوا {أية : لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربّنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتَوْا عُتُوّاً كبيراً}تفسير : [الفرقان: 21]. وقد تكرر في القرآن ضرب المثل بفرعون لأبي جهل وهو زعيم المناوين للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤلبين عليه وأشد صناديد قريش كفراً. وأُكد الخبر بـ (إنَّ) لأن المخاطبين منكرون أن الله أرسل إليهم رسولاً. ونكر {رسولاً} لأنهم يعلمون المعنيَّ به في هذا الكلام، ولأن مناط التهديد والتنظير ليس شخص الرسول صلى الله عليه وسلم بل هو صفة الإِرسال. وأدمج في التنظير والتهديدِ وصفُ الرسول صلى الله عليه وسلم بكونه شاهداً عليهم. والمراد بالشهادة هنا: الشهادة بتبليغ ما أراده الله من الناس وبذلك يكون وصف {شاهداً} موافقاً لاستعمال الوصف باسم الفاعل في زمن الحال، أي هو شاهد عليكم الآن بمعاودة الدعوة والإِبلاغ. وأما شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم يوم القيامة فهي شهادة بصدق المسلمين في شهادتهم على الأمم بأن رسلهم أبلغوا إليهم رسالات ربّهم، وذلك قوله تعالى: {أية : وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً}تفسير : كما ورد تفصيل تفسيرها في الحديث الصحيح، وقد تقدم في سورة البقرة (143). وتنكير {رسولاً} المرسَل إلى فرعون لأن الاعتبار بالإِرسال لا بشخص المرسل إذ التشبيه تعلق بالإِرسال في قوله: {كما أرسلنا إلى فرعون} إذ تقديره كإرسالنا إلى فرعون رسولاً. وتفريع {فعصى فرعون الرسول} إيماء إلى أن ذلك هو الغرض من هذا الخبر وهو التهديد بأن يحلّ بالمخاطبين لمَّا عصوا الرسول صلى الله عليه وسلم مِثلُ ما حلّ بفرعون. وفي إظهار اسم فرعون في قوله: {فعصى فرعون} دون أن يؤتَى بضميره للنداء عليه بفظاعة عصيانه الرسول. ولما جرى ذكر الرسول المرسل إلى فرعون أوّل مرة جيء به في ذكره ثاني مرة معرفاً بلام العهد وهو العهد الذكري، أي الرسول المذكور آنفاً فإن النكرة إذا أعيدت معرفة باللام كان مدلولها عينَ الأولى. والأخذ مستعمل في الإِهلاك مجازاً لأنه لما أزالهم من الحياة أشبه فعله أخذ الآخذ شيئاً من موضعه وجعله عنده. والوبيل: فعيل صفة مشبهة من وبُل المكان، إذا وَخِم هواؤه أو مَرعَى كَلَئِه، وقال زهير:شعر : إلى كَلإٍ مُسْتَوبِلٍ مُتَوَخِّم تفسير : وهو هنا مستعار لسَيّىءِ العاقبة شديدَ السوء، وأريد به الغرق الذي أصاب فرعون وقومه.

د. أسعد حومد

تفسير : {شَاهِداً} (15) - إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ يَا أَهْلَ مَكَّةَ رَسُولاً يَشْهَدُ عَلَيْكُمْ، بِمَا أَجَبْتُمُوهُ عَلَى دَعْوَتِهِ لَكُمْ، كَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلُ مُوسَى رَسُولاً إِلى فِرْعَوْنَ يَدْعُوهُ إِلَى الإِيْمَانِ بِاللهِ وَحْدَهُ، لاَ شَرِيكَ لَهُ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى: احمدوا ربكم على إرسال هذا النبي الأمي العربي البشير النذير، الشاهد على الأمة بأعمالهم، واشكروه وقوموا بهذه النعمة الجليلة، وإياكم أن تكفروها، فتعصوا رسولكم، فتكونوا كفرعون حين أرسل الله إليه موسى بن عمران، فدعاه إلى الله، وأمره بالتوحيد، فلم يصدقه، بل عصاه، فأخذه الله أخذا وبيلا أي: شديدا بليغا.