Verse. 5492 (AR)

٧٣ - ٱلْمُزَّمِّل

73 - Al-Muzzammil (AR)

فَكَيْفَ تَتَّقُوْنَ اِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَّجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيْبَۨا۝۱۷ۤۖ
Fakayfa tattaqoona in kafartum yawman yajAAalu alwildana sheeban

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فكيف تتقون إن كفرتم» في الدنيا «يوما» مفعول تتقون، أي عذابه بأيِّ حصن تتحصنون من عذاب يوم «يَجعل الولدان شيباً» جمع أشيب لشدة هوله وهو يوم القيامة والأصل في شين شيبا الضم وكسرت لمجانسة الياء ويقال في اليوم الشديد يوم يشيب نواصي الأطفال وهو مجاز ويجوز أن يكون المراد في الآية الحقيقة.

17

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي: في الآية تقديم وتأخير، أي فكيف تتقون يوماً يجعل الولدان شيباً إن كفرتم. المسألة الثانية: ذكر صاحب «الكشاف» في قوله: {يَوْماً } وجوهاً الأول: أنه مفعول به، أي فكيف تتقون أنفسكم يوم القيامة وهوله إن بقيتم على الكفر والثاني: أن يكون ظرفاً أي وكيف لكم بالتقوى في يوم القيامة إن كفرتم في الدنيا والثالث: أن ينتصب بكفرتم على تأويل جحدتم، أي فكيف تتقون الله وتخشونه إن جحدتم يوم القيامة، والجزاء لأن تقوى الله لا معنى لها إلا خوف عقابه. المسألة الثالثة: أنه تعالى ذكر من هول ذلك اليوم أمرين الأول: قوله: {يَجْعَلُ ٱلْوِلْدٰنَ شِيباً } وفيه وجهان الأول: أنه مثل في الشدة يقال في اليوم الشديد: يوم يشيب نواصي الأطفال والأصل فيه أن الهموم والأحزان، إذا تفاقمت على الإنسان، أسرع فيه الشيب، لأن كثرة الهموم توجب انقصار الروح إلى داخل القلب، وذلك الانقصار يوجب انطفاء الحرارة الغريزية وانطفاء الحرارة الغريزية وضعفها، يوجب بقاء الأجزاء الغذائية غير تامة النضج وذلك يوجب استيلاء البلغم على الأخلاط، وذلك يوجب ابيضاض الشعر، فلما رأوا أن حصول الشيب من لوازم كثرة الهموم، جعلوا الشيب كناية عن الشدة والمحنة، وليس المراد أن هول ذلك اليوم يجعل الوالدان شيباً حقيقة، لأن إيصال الألم والخوف إلى الصبيان غير جائز يوم القيامة الثاني: يجوز أن يكون المراد وصف ذلك اليوم بالطول، وأن الأطفال يبلغون فيه أوان الشيخوخة والشيب، ولقد سألني بعض الأدباء عن قول المعري:شعر : وظلـم يمـلأ الفـودين شـيباً تفسير : وقال: كيف يفضل هذا التشبيه الذي في القرآن على بيت المعري؟ فقلت: من وجوه الأول: أن امتلاء الفودين من الشيب ليس بعجب، أما صيرورة الولدان شيباً فهو عجيب كأن شدة ذلك اليوم تنقلهم من سن الطفولية إلى سن الشيخوخة، من غير أن يمروا فيما بين الحالتين بسن الشباب، وهذا هو المبالغة العظيمة في وصف اليوم بالشدة وثانيها: أن امتلاء الفودين من الشيب معناه ابيضاض الشعر، وقد يبيض الشعر لعلة مع أن قوة الشباب تكون باقية فهذا ليس فيه مبالغة، وأما الآية فإنها تدل على صيرورة الولدان شيوخاً في الضعف والنحافة وعدم طراوة الوجه، وذلك نهاية في شدة ذلك اليوم وثالثها: أن امتلاء الفودين من الشيب، ليس فيه مبالغة لأن جانبي الرأس موضع للرطوبات الكثيرة البلغمية، ولهذا السبب، فإن الشيب إنما يحدث أولاً في الصدغين، وبعده في سائر جوانب الرأس، فحصول الشيب في الفودين ليس بمبالغة إنما المبالغة هو استيلاء الشيب على جميع أجزاء الرأس بل على جميع أجزاء البدن كما هو مذكور في الآية، والله أعلم. النوع الثاني: من أهوال يوم القيامة قوله: {السَّمَاء مُنفَطِرٌ بِهِ } وهذا وصف لليوم بالشدة أيضاً، وأن السماء على عظمها وقوتها تنفطر فيه، فما ظنك بغيرها من الخلائق، ونظيره قوله: {أية : إِذَا ٱلسَّمَاء ٱنفَطَرَتْ } تفسير : [الانفطار: 1] وفيه سؤالان: السؤال الأول: لم لم يقل: منفطرة؟ الجواب من وجوه: أولها: روى أبو عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء، إنما قال: {السَّمَاء مُنفَطِرٌ } ولم يقل: منفطرة لأن مجازها مجاز السقف، تقول: هذا سماء البيت وثانيها: قال الفراء: السماء تؤنث وتذكر، وهي ههنا في وجوه التذكير وأنشد شعراً:شعر : فلو رفع السماء إليه قوما لحقنا بالنجوم مع السحاب تفسير : وثالثها: أن تأنيث السماء ليس بحقيقي، وما كان كذلك جاز تذكيره. قال الشاعر:شعر : والعيـن بالإثمـد الخيـري مكحـول تفسير : وقال الأعشى:شعر : فلا مزنة ودقت ودقها ولا أرض أبقل إبقالها تفسير : ورابعها: أن يكون السماء ذات انفطار فيكون من باب الجراد المنتشر، والشجر الأخضر، وأعجاز نخل منقعر، وكقولهم امرأة مرضع، أي ذات رضاع. السؤال الثاني: ما معنى: {مُنفَطِرٌ بِهِ }؟ الجواب من وجوه: أحدها: قال الفراء: المعنى منفطر فيه وثانيها: أن الباء في (به) مثلها في قولك فطرت العود بالقدوم فانفطر به، يعني أنها تنفطر لشدة ذلك اليوم وهوله، كما ينفطر الشيء بما ينفطر به وثالثها: يجوز أن يراد السماء مثقلة به إثقالاً يؤدي إلى انفطارها لعظم تلك الواقعة عليها وخشيتها منها كقوله: {أية : ثَقُلَتْ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [الأعراف: 187]. أما قوله: {كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً } فاعلم أن الضمير في قوله: {وَعْدَهُ } يحتمل أن يكون عائداً إلى المفعول وأن يكون عائداً إلى الفاعل، أما الأول: فأن يكون المعنى وعد ذلك اليوم مفعول أي الوعد المضاف إلى ذلك اليوم واجب الوقوع، لأن حكمة الله تعالى وعلمه يقتضيان إيقاعه، وأما الثاني: فأن يكون المعنى وعد الله واقع لا محالة لأنه تعالى منزه عن الكذب وههنا وإن لم يجر ذكر الله تعالى ولكنه حسن عود الضمير إليه لكونه معلوماً، واعلم أنه تعالى بدأ في أول السورة بشرح أحوال السعداء، ومعلوم أن أحوالهم قسمان أحدهما: ما يتعلق بالدين والطاعة للمولى فقدم ذلك والثاني: ما يتعلق بالمعاملة مع الخلق وبين ذلك بقوله: {أية : وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً } تفسير : [المزمل: 10] وأما الأشقياء فقد بدأ بتهديدهم على سبيل الإجمال، وهو قوله تعالى: {أية : وَذَرْنِى وَٱلْمُكَذّبِينَ } تفسير : [المزمل: 11] ثم ذكر بعده أنواع عذاب الآخرة ثم ذكر بعده عذاب الدنيا وهو الأخذ الوبيل في الدنيا، ثم وصف بعده شدة يوم القيامة، فعند هذا تم البيان بالكلية فلا جرم ختم ذلك الكلام بقوله:

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ } في الدنيا {يَوْماً } مفعول «تتقون» أي عذابه أي بأيّ حصن تتحصنون من عذاب يوم {يَجْعَلُ ٱلْوِلْدٰنَ شِيباً } جمع أشيب لشدّة هوله وهو يوم القيامة. والأصل في شين شيباً الضم وكسرت لمجانسة الياء. ويقال في اليوم الشديد: يوم يُشَيِّبُ نواصي الأطفال. وهو مجاز ويجوز أن يكون المراد في الآية الحقيقة.

ابن عبد السلام

تفسير : {شِيباً} جمع أشيب والأشيب والأشمط الذي اختلط سواد شعره ببياضه.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ‏ {‏فكيف تتقون إن كفرتم يوماً يجعل الولدان شيبا‏ً} ‏ قال‏:‏ تتقون ذلك اليوم إن كفرتم قال‏:‏ ‏"‏والله ما أتقى ذلك اليوم قوم كفروا بالله وعصوا رسوله‏"‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن ‏{‏فكيف تتقون إن كفرتم يوما‏ً} ‏ قال‏:‏ بأي صلاة تتقون‏؟‏ بأي صيام تتقون‏؟‏‏.‏ وأخرج أبو نعيم في الحلية عن خيثمة في قوله‏:‏ ‏{‏يوماً يجعل الولدان شيبا‏ً}‏ قال‏:‏ ينادي مناد يوم القيامة يخرج بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون فمن ذلك يشيب الولدان‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود في قوله‏:‏ ‏ {‏يوماً يجعل الولدان شيباً‏}‏ قال‏:‏ إذا كان يوم القيامة فإن ربنا يدعو آدم، فيقول‏:‏ يا آدم أخرج بعث النار، فيقول‏:‏ أي رب لا علم لي إلا ما علمتني، فيقول الله‏:‏ أخرج بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين يساقون إلى النار سوقاً مقرنين زرقاً كالحين، فإذا خرج بعث النار شاب كل وليد‏.‏ وأخرج الطبراني وابن مردويه ‏ حديث : عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ‏{‏يوماً يجعل الولدان شيبا‏ً}‏ قال‏: ذلك يوم القيامة، وذلك يوم يقول الله لآدم‏:‏ قم فابعث من ذريتك بعثاً إلى النار، قال‏:‏ من كم يا رب‏؟‏ قال‏:‏ من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، وينجو واحد، فاشتد ذلك على المسلمين، فقال‏:‏ حين أبصر ذلك في وجوههم‏:‏ إن بني آدم كثير وإن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، وإنه لا يموت رجل منهم حتى يرثه لصلبه ألف رجل ففيهم وفي أشباههم جند لكم ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في قوله‏:‏ {‏السماء منفطر به‏}‏ قال‏:‏ مثقلة بيوم القيامة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ‏{‏السماء منفطر به‏} ‏ قال‏:‏ مثقلة به‏.‏ وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏السماء منفطر‏} قال‏:‏ ممتلئة به بلسان الحبشة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم من طريق مجاهد عن ابن عباس ‏ {‏السماء منفطر به‏} ‏ قال‏:‏ مثقلة موقرة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس ‏{‏منفطر به‏}‏ قال‏:‏ يعني تشقق السماء‏.‏ وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله‏:‏ ‏{‏منفطر به‏}‏ قال‏:‏ منصدع من خوف يوم القيامة قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ أما سمعت قول الشاعر‏:‏ شعر : طباهن حتى أعرض الليل دونها أفاطير وسمى رواء جذورها تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ‏ {‏السماء منفطر به‏} ‏ قال‏:‏ مثقلة بالله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ‏ {‏السماء منفطر به‏} ‏ قال‏:‏ مثقلة بذلك اليوم من شدته وهوله، وفي قوله‏:‏ ‏{‏إن ربك يعلم أنك تقوم‏} ‏ الآية، قال‏:‏ أدنى من ثلثي الليل، وأدنى من نصفه، وأدنى من ثلثه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن وسعيد بن جبير ‏ {‏علم أن لن تحصوه‏}‏ قال‏:‏ لن تطيقوه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ‏{‏فاقرأوا ما تيسر منه‏} ‏ قال‏:‏ أرخص عليهم في القيام ‏ {‏علم أن لن تحصوه‏} ‏ قال‏:‏ أن لن تحصوا قيام الليل ‏ {‏فتاب عليكم‏} ‏ قال‏:‏ ثم أنبأنا الله عن خصال المؤمنين فقال‏:‏ ‏{‏علم أن سيكون منكم مرضى‏}‏ إلى آخر الآية‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن نصر عن قتادة قال‏:‏ فرض قيام الليل في أول هذه السورة فقام أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حتى انتفخت أقدامهم وأمسك الله خاتمتها حولاً، ثم أنزل التخفيف في آخرها، فقال‏:‏ {‏علم أن سيكون منكم مرضى‏} ‏ إلى قوله‏:‏ {‏فاقرأوا ما تيسر منه‏} ‏ فنسخ ما كان قبلها، فقال‏:‏ ‏{‏وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة‏} ‏ فريضتان واجبتان ليس فيهما رخصة‏. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال‏:‏ لما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ‏ {‏يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا‏ً} ‏ قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام المسلمون معه حولاً كاملاً حتى تورمت أقدامهم، فأنزل الله بعد الحول ‏ {‏إن ربك يعلم‏} ‏ إلى قوله‏:‏ ‏ {‏ما تيسر منه‏} ‏ قال‏:‏ الحسن‏:‏ فالحمد لله الذي جعله تطوعاً بعد فريضة، ولا بد من قيام الليل‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ‏ {‏يا أيها المزمل قم الليل‏} ‏ الآية، قال‏:‏ لبثوا بذلك سنة فشق عليهم وتورمت أقدامهم، ثم نسخها آخر السورة ‏ {‏فاقرأوا ما تيسر منه‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم، ‏ {‏فاقرأوا ما تيسر منه‏}‏ قال‏:‏ مائة آية‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الدارقطني والبيهقي في السنن وحسناه عن قيس بن أبي حازم قال‏:‏ صليت خلف ابن عباس فقرأ في أول ركعة بالحمد لله وأول آية من البقرة، ثم ركع فلما انصرف أقبل علينا فقال‏:‏ إن الله يقول‏:‏ ‏ {‏فاقرأوا ما تيسر منه‏} . وأخرج أحمد والبيهقي في سننه عن أبي سعيد قال‏:‏ أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن عمر بن الخطاب قال‏:‏ ما من حال يأتيني عليه الموت بعد الجهاد في سبيل الله أحب إليّ من أن يأتيني وأنا بين شعبتي رحلي ألتمس من فضل الله، ثم تلا هذه الآية ‏{‏وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن عبدالله بن مسعود قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏ما من جالب يجلب طعاماً إلى بلد من بلاد المسلمين فيبيعه بسعر يومه إلا كانت منزلته عند الله منزلة الشهيد‏"تفسير : ‏ ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏ {‏وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله‏}‏ ‏.‏

اسماعيل حقي

تفسير : {فكيف تتقون} قال ابن الشيخ مرتب على الارسال فالعصيان وكان الظاهر أن يقدم على قوله كما أرسلنا الا انه أخر زيادة فى التهويل اذ علم من قوله فأخذناه انهم مأخوذون مثله واشد فاذا قيل بعده فكيف تتقون كان ذلك زيادة كأنه قيل هبوا انكم لا تؤخذون فى الدنيا اخذة فرعون وامثاله فكيف تتقون اى تقون أنفسكم فاتقى ههنا مأخوذ بمعنى وقى المتعدى الى مفعولين دل عليه قول الامام البيهقى رحمه الله فى تاج المصادر الاتقاء حذر كردن وخود رانكاه داشتن انتهى. وافتعل يجيئ بمعنى فعل نص عليه الزمخشرى فى المفصل وان كانت الامثلة لا تساعده فانه ليس وقى واتقى مثل جذب واجتذب وخطف واختطف فتأمل {ان كفرتم} اى بقيتم على الكفر {يوما} اى عذاب يوم فهو مفعول به لتتقون ويجوز أن يكون ظرفا اى فكيف لكم بالتقوى والتوحيد فى يوم القيامة ان كفرتم فى الدنيا اى لا سبيل اليه لفوات وقته فاتقى على حاله وكذا اذا انتصب بكفرتم على تأويل جحدتم اى فكيف تتقون الله وتخشون عقابه ان جحدتم يوم القيامة والجزآء {يجعل الولدان} من شدة هوله وفظاعة ما فيه من الدواهى وهو صفة ليوما نسب الجعل الى اليوم للمبالغة فى شدته والافنفس اليوم لا تأثير له البتة والولدان بالفارسية نوزادكان ازمادر. جمع وليد يقال لمن قرب عهده بالولادة وان كان فى الاصل يصح اطلاقه على من قرب عهده بها ومن بعد {شيبا} شيوخا يعنى بيركندوموى سر ايشان سفيد سازد. جمع اشيب والشيب بياض الشعر وأصله ان يكون بضم الشين كحمر فجمع احمر لان الضم يقتضى الواو فكسرت لاجل صيانة الياء فرقا بين مثل سود وبين مثل بيض وجعلهم شيوخا فيه وجوه. الاول انه محمول على الحقيقة كما ذهب اليه بعض اهل التفسير ويؤيده ما قال فى الكشاف وقد مر بى فى بعض الكتب ان رجلا امسى فاحم الشعر كحلك الغراب اى سواده واصبح وهو أبيض الرأس واللحية كالثغامة بياضا وهو بفتح الثاء المثلثة وبالغين المعجة نبت ابيض قال أريت القيامة والجنة والنار ورأيت الناس يقادون فى السلاسل الى النار فمن هول ذلك اصبحت كما ترون وقال احمد الدورقى مات رجل من جيراننا شابا فرأيته فى الليل وقد شاب فقلت وما قصتك قال دفن بشر فى مقبرتنا فزفرت جهنم زفرة شاب منها كل من فى المقبرة كما فى فصل الخطاب وبشر المريسى ومريس قرية بمصر اخذ الفقه عن أبى يوسف القاضى الا انه اشتغل بالكلام وقال بخلق القرءآن واضل خلقا كثيرا ببغداد فان قلت ايصال الألم والضرر الى الصبيان يوم القيامةغير جائز بل هم لكونهم غير مكلفين معصومون محفوظون عن كل خطر قلت قد يكون فى القيامة من هيبة المقام ما يجثو به الانبياءعليهم السلام على الركب فما ظنك بغيرهم من الاولياء والشيوخ والشبان والصبيان وفى الآية مبالغة وهى انه اذا كان ذلك اليوم يجعل الولدان شيبا وهم ابعد الناس من الشيخوخة لقرب عهد ولادتهم فغيرهم اولى بذلك وكذا فى القصة السابقة فان من شاب بمجرد الرؤيا فكيف حاله فى اليقظة وهو معاين من الاهوال ما يذوب تحته الجبال الرواسى. والثانى انه محمول على التمثيل بأن شبه اليوم فى شدة هوله بالزمان الذى يشيب الشبان لكثرة همومه واهواله واصله ان الهموم والاحزان اذا تفاقمت على المرء ضعفت قواه واسرع فيه الشيب لان كثرة الهموم توجب انعصار الروح الى داخل القلب وذلك الانعصار يوجب انطفاء الحرارة الغريزية وضعفها وانطفاؤها يوجب بقاء الاجزآء الغذآئية غير تامة النضج وذلك يوجب بياض الشعر ومسارعة الشيب بتقدير العزيز الحكيم كما يوجب تغير القلب تغير البشرة فتحصل الصفرة من الوجل والحمرة من الخجل والسواد من بعض الآلام وما على البدن من الشعر تابع للبدن فتغيره يوجب تغيره فثبت ان كثرة الهموم توجب مسارعة الشيب كما قيل شعر : دهتنا امور تشيب الوليد ويخذل فيها الصديق الصديق تفسير : فلما كان حصول الشيب من لوازم كثرة الهموم جعلوه كناية عن الشدة فجعل اليوم المذكور الولدان شيبا عبارة عن كونه يوما شديدا غاية الشدة وفى الحديث"حديث : يقول الله" اى فى يوم القيامة "يا آدم" خص آدم عليه السلام بهذا الخطاب لانه اصل الجميع "فيقول لبيك وسعديك والخير فى يديك فيقول اخرج ببعث النار" اى ميز اهلها المبعوث اليها "قال وما بعث النار" اى عدده "قال الله تعالى من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون قال اى النبى عليه السلام "فذلك" التقاول "حين يشيب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها"تفسير : قال ابن الملك اعلم ان الشيب والوضع ليسا على ظاهرهما اذ ليس فى ذلك اليوم حبل ولا صغير بل هما كنايتان عن شدة اهوال يوم القيامة معناه لو تصورت الحوامل والصغار هنالك لوضعن احمالهن ولشاب الصغار انتهى. وفى بيانه نظر ستأتى الاشارة اليه فى الوجه الثالث{أية : وترى الناس سكارى}تفسير : اى من الخوف{أية : وما هم بسكارى}تفسير : اى من الخمر{أية : ولكن عذاب الله شديد } تفسير : والثالث انه محمول على الفرض والتقدير بأن يكون معناه ان ذلك اليوم بحال لو كان هناك صبى لشاب رأسه من الهيبة والدهشة وهذا الوجه غير موجه وان ذهب اليه بعض من يعد من اجلة اهل التفسير اذ هو يشعر بأن يوم القيامة لا يكون فيه ولدان حقيقة وقد ثبت انه يبعث يومئذ ولدان كثيرة ماتوا فى الصغر وكذا من المقرر ان الحبلى تبعث حبلى ففى ذلك اليوم حبل وضغير نعم اذا دخلوا الجنة صاروا ابناء ثلاث وثلاثين. والرابع انه يجوز ذلك وصفا لليوم بالطول يعنى على الكناية بانه فى طوله بحيث يبلغ الاطفال فيه اوان الشيخوخة والشيب وهو لا ينقضى بعد بل يمتد الى حيث يكون مقداره خمسين ألف سنة فهو كناية عن غاية الطول لا انه تقدير حقيقى يعنى ان هذا على عادة العرب ى التعبير عن الطول على سبيل التمثيل كما يعبرون عن التأبيد وعدم الانقطاع بقولهم ما ناحت حمامة وما لاح كوكب وما تعاقبت الايام والشهور وفى الآية اشارة الى النفس والهوى وبعد نفوسهم من الله فى يوم قيامة الفناء الذى يجعل ولدان اعمالهم السيئة القبيحة الخبيثة الخسيسة شيبا متهدمة متفانية.

الجنابذي

تفسير : {فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَانَ شِيباً} لطوله او لشدّة هوله ويوماً مفعول تتّقون وهو اليق لتوصيفه بما ينبغى ان يتّقى منه او ظرف لتتّقون والمفعول محذوفٌ.

اطفيش

تفسير : {فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ} في الدنيا {يَوْماً} مفعول تتقون أي كيف تتقون أنفسكم يوم القيامة وهو له إن بقيتم على الكفر فالكفر بمعنى الدوام عليه الى اليوم ويوماً على حذف مضاف أو مفعول لكفرتم بمعنى جحدتم ومفعول تتقون محذوف أي كيف تتقون الله إن جحدتم يوم القيامة والجزاء لأن تقوى الله خوف عقابه أو ظرف لتتقون ومفعول تتقون محذوف أي كيف لكم بالتقوى في يوم القيامة إن بقيتم على الكفر في الدنيا {يَجْعَلُ} نعت يوما {الْوِلْدَانَ} جمع ولد {شِيباً} جمع أشيب كأبيض وبيض والأصل ضم الشين لكن كسرت للمحافظة على الياء أن تقلب واوا وذلك اليوم يوم القيامة وجعله الولدان شيباً مثل في الشدة يقال في اليوم الشديد يوم يشيب نواصي الأطفال والأصل فيه أن الهموم والأحزان إذا تفاقمت على الإنسان اسرع فيه الشيب روي أن رجلا أمسى فاحم الشعر كحلك الغراب وأصبح وهو أبيض الرأس واللحية كالثغامة فقال رأيت القيامة والجنة والنار في المنام ورأيت الناس يقادون في السلاسل الى النار فمن هول ذلك أصبحت كما ترون ويجوز أن يوصف اليوم بالطول وإن الأطفال يبلغون فيه أوان الشيخوخة والشيب أو يشيبون بسرعة للشدة وذلك حين يقال لادم قم ابعث بعث النار فيقول وما بعث النار قال من كل ألف يوم تسعمائة وتسعة وتسعون، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أبشروا فإن من يأَجوج ومأَجوج تسعمائة وتسعة وتسعين ومنكم واحد انتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود أو كالرقمة في ذراع الحمار وإني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة فكبر الصحابة ثم قال ثلث أهل الجنة فكبروا ثم قال شطر أهل الجنة فكبروا "تفسير : والرقمة الاثرة في عضد الحمار والترتيب من الربع الى الثلث فالشطر توقيع في النفس وإبلاغ في الإكرام والتكرير للبشارة واعتناء بهم وقيل اليوم الذي يشيب فيه الولدان يوم الزلزلة قبل الخروج من الدنيا أو نسبة الجعل لليوم مجاز في الإسناد من باب نسبة الحدث لزمانه ويجوز ان يعود ضمير يجعل لله فلا مجاز والجملة أيضاً نعت ليوما والرابط محذوف أي يجعل الله فيه.

اطفيش

تفسير : {فَكَيْفَ تَتَّقُونَ} الخ ترتيب على الإِرسال والعصيان. {إِن كَفَرْتُمْ} بقيتم على الكفر وقيل هو على ظاهره لكن جئ به على صورة الشك تنبيهاً على بعد الكفر مع تبليغ هذا الرسول إِليهم حتى كأَنه لم يقع وشك فى وقوعه. {يَوْماً} مفعول به لتتقى أى كيف تتقون نفس ذلك اليوم فلا يأتى عليكم، أو كيف تتقون هول ذلك اليوم أو كيف تتقون عذاب اليوم، أو هو ظرف لتتقى، أى كيف تعبدون الله فى ذلك اليوم فتنجوا، والآخرة ليست دار عمل فاعملوا الآن، قيل أو هو مفعول لكفرتم بمعنى أنكرتم كيف يرجى إِقلاعكم عن الكفر وقد جحدتم ذلك اليوم. {يَجْعَلُ} ضمير يجعل لليوم على التجوز بالإِسناد إِلى زمان الفعل فإِن الفاعل حقيقة هو الله تعالى والجملة نعت يوماً والرابط ذلك الضمير وإِن رددنا الضمير إِلى الله تعالى فالرابط محذوف أى يوماً يجعل الله فيه {الْوِلْدَانَ شِيباً} جمع أشيب كأَحمر وحمر وأصله شوب كسر الشين لتبقى الياء والشيب حقيقة، فعن ابن مسعود يقول الله تعالى لآدم عليه السلام - قم فابعث بعث النار من ذريتك فيقول يا رب لاعلم لى إِلا ما علمتنى فيقول الله عز وجل ابعث من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين فيساقون إِلى النار، وهؤلاء من يدخل النار بغير حساب وهم يأجوج ومأجوج وما أشبههم من بنى آدم وحينئذ يشيب كل وليد، وجاء فى ذلك حديث مرفوع فى الصحيحين حديث : يقول الله عز وجل يا آدم فيقول لبيك وسعديك والخير في يديك. فينادي: إِن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعث النار قال يا رب وما بعث النار قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون وفيه اينا ذلك الرجل فقال - صلى الله عليه وسلم - أبشروا الرجل منكم والباقون من يأجوج ومأجوج وفيه أرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة فكبروا ثم قال ثلث أهل الجنة فكبروا ثم قال شطرهم فكبروا"تفسير : . وهذا الترتيب أوقع فى النفس وأبلغ فى الإِكرام وظهور الاعتناء بهم وتكرير البشارة وتجديد الشكر، وفى حديث آخر أهل الجنة ثمانون صنفاً أنتم ثلثان منهم، وقوله - صلى الله عليه وسلم - الرجل منكم تمثيل لأَنه يكون أيضاً من الأُمم السالفة، أو الخطاب فى منكم لبنى آدم لا للصحابة خصوصاً، ومما يزاد به شيب قوله ابعث بعث النار وأنه تسعمائة وتسعة وتسعون. شعر : صلوا على المختار فهو شفيعكم فى يوم يبعث كل طفل أشيبا تفسير : وكم ميت ورد فى الأَخبار أنه بعث فى الدنيا أشيب، وقد مات غير أشيب، ومن ذلك أن عيسى عليه السلام رأى قيحاً يخرج من قبر فقال: يا رب ما هذا؟ قال: صل ركعتين، فصلى ودعا فخرج إِنسان مه نصف لحيته أشيب فقال له: ما هذا؟ فقال: مت بلا شيب فنودى بى وتوهمت البعث فشاب نصف لحيتى وقال: ما حالك؟ فقال: فى خير إِلا أنى كنت قاضياً فاستمعت إِلى كلام خصم دون آخر فهذا القيح يخرج من الأُذن لذلك، وقيل جعل الولدان شيباً عبارة عن الشدة لأَن من اشتدت عليه الهموم، أسرع إِليه الشيب، أو هو وصف لذلك اليوم بالطول وتمثيل له بأَن الولدان يبلغون فيه أو أن الشيب لا حقيقة الشيب ولا ذلك المقدار فقل من الزمان بل أطول ونقدم له لا إِله إِلا الله والإِيمان بكل ما يجب الإِيمان به ونسأَله التوفيق للوفاء وإِكثار الصلاة والسلام على النبى - صلى الله عليه وسلم - وذلك على العموم، وقال السدى أولاد الزنى، وقيل أولاد المشركين، وهما ضعيفان إِذ لا وجه للتخصيص ولا ذنب للولدان المذكورين وقوله: {السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ بِهِ} نعت آخر والهاء لليوم والباء كلالة أى منشق بذلك اليوم لشدة هوله مع عظمها وقوتها فما بالك بغيرها، أو الباء بمعنى فى أى منشقة فيه لهوله، ويجوز أن يكون الانفطار عبارة عن ثقله عليها الآن فى الدنيا لشدته وخوفها أن يقع والثقل سبب للانشقاق فى الجملة ولا انشقاق حقيق ولكن تمثيل وتخييل والصحيح أن الانشقاق حقيق وأنه يوم القيامة، وإِن رددنا الهاء إِلى الله كما هو مذهب مجاهد فالرابط بين النعت والمنعوت محذوف أى منفطر فيه بالله أى بأَمره والسماء يذكر ويؤنث والتأْنيث أكثر كما فى القرآن كقوله تعالى: "أية : قالتا أتينا طائعين" تفسير : [فصلت: 11] ولو كان مذكراً لقيل قالا تغليباً على الأَرض وقوله: "أية : إِذا السماء انفطرت" تفسير : [الانفطار: 1] وقوله تعالى: "أية : إِذا السماء انشقت" تفسير : [الانشقاق: 1] وقوله تعالى: {أية : والسماء ذات البروج} تفسير : [البروج: 1] وقوله: "أية : يوم تمور السماء مموراً" تفسير : [الطور: 9] ومن تذكيره قول الشاعر: شعر : ولو رفع السماء إِليه قوماً لحقنا بالسماء وبالسحاب تفسير : وهاء إِليه للسماء، ولم يقل رفعت السماء إِليها، وقيل ذكر لتأويله بالسقف والحكمة الإِدهاش بزوال أداة الإِطلال تمثيلاً بزوال الظل لزوال السقف، وقيل التذكير للنسب أى ذات انفطار كمرضع أى ذات رضاع وحائض أى ذات حيض، وقيل بتأويل شئ منفطر بمعنى أنه تبدلت وزال حكمها ولم يبق لها إِلا اسم شئ، ولا يصح أن السماء اسم جنس مفرده سماة وأنه ذكر لذلك كشجر وبقر وكلم لأَن كلاً من السماء والسماءة مفرد. {كَانَ وعْدُهُ مَفْعُولاً} الجملة نعت آخر ليوم والرابط الهاء عائدة إِليه وإِضافة الوعد إِليها إِضافة مصدر لمفعول والفاعل الله أو الهاء لله والإِضافة للفاعل والمفعول ضمير اليوم محذوفاً أى وعْدُ الله به.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدٰنَ شِيباً } مراتب على الإرسال، فالعصيان و{يَوْماً} مفعول به لتتقون ما بتقدير مضاف أي عذاب أو هول يوم أبو بدونه إلا أن المعنى عليه وضمير {يَجْعَلُ} لليوم والجملة صفته والإسناد مجازي. وقال بعض الضمير لله تعالى والإسناد حقيقي والجملة صفة محذوفة الرابط أي يجعل فيه كما في قوله / تعالى: {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ }تفسير : [البقرة: 48] وكان ظاهر الترتيب أن يقدم على قوله تعالى: {أية : كَمَآ أَرْسَلْنَآ}تفسير : [المزمل: 15] إلا أنه أخر إلى هنا زيادة على زيادة في التهويل فكأنه قيل هبوا أنكم لا تؤخذون في الدنيا أخذة فرعون وأضرابه فكيف تقون أنفسكم هول القيامة وما أعد لكم من الأنكال إن دمتم على ما أنتم عليه ومتم في الكفر وفي قوله سبحانه {إِن كَفَرْتُمْ} وتقديره تقدير مشكوك في وجوده ما ينبه على أنه لا ينبغي أن يبقى مع إرسال هذا الرسول لأحد شبهة تقيه في الكفر فهو النور المبين. وجوز أن يكون {يَوْماً } ظرفاً لتتقون على معنى فكيف لكم بالتقوى في يوم القيامة إن كفرتم في الدنيا والكلام حينئذٍ للحث على الإقلاع من الكفر والتحذير عن مثل عاقبة آل فرعون قبل أن لا ينفع الندم. وجوز أيضاً أن ينتصب بكفرتم على تأويل جحدتم والمعنى فكيف يرجى إقلاعكم عن الكفر واتقاء الله تعالى وخشيته وأنتم جاحدون يوم الجزاء كأنه لما قيل{أية : يَوْمَ تَرْجُفُ}تفسير : [المزمل: 14] عقب بقوله تعالى فكيف تتقون الله إن كفرتم به فأعيد ذكر اليوم بصفة أخرى زيادة في التهويل، والوجه الأول أولى قاله في «الكشف». وقال العلامة الطيبـي في الوجه الأخير أعني انتصاب {يَوْماً} بكفرتم إنه أوفق للتأليف يعني خوفناكم بالأنكال والجحيم وأرسلنا إليكم رسولاً شاهداً يوم القيامة بكفركم وتكذيبكم وأنذرناكم بما فعلنا بفرعون من العذاب الوبيل والأخذ الثقيل فما نجع فيكم ذلك كله ولا اتقيتم الله تعالى فكيف تتقونه وتخشونه إن جحدتم يوم القيامة والجزاء، وفيه أن ملاك التقوى والخشية الإيمان بيوم القيامة انتهى. ولا يخفى أن جزالة المعنى ترجح الأول. وذهب جمع إلى أن الخطاب في {أية : إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُم}تفسير : [المزمل: 15] عام للأسود والأحمر فالظاهر أنه ليس من الالتفات في شيء. وأياً ما كان فجعل الولدان شيباً أي شيوخاً جمع أشيب قيل حقيقة فتشيب الصبيان وتبيض شعورهم من شدة يوم القيامة وذلك على ما أخرج ابن المنذر عن ابن مسعود حين يقول الله تعالى لآدم عليه السلام «قم فأخرج من ذريتك بعث النار فيقول يا رب لا علم لي إلا ما علمتني فيقول الله عز وجل أخرج بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين فيخرجون ويساقون إلى النار سوقاً مقرنين زرقاً كالحين قال ابن مسعود فإذا خرج بعث النار شاب كل وليد» وفي حديث الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس نحو ذلك. وقيل مثل في شدة الهول من غير أن يكون هناك شيب بالفعل فإنهم يقولون في اليوم الشديد يوم يشيب نواصي الأطفال، والأصل في ذلك أن الهموم إذا تفاقمت على المرء أضعفت قواه وأسرعت فيه الشيب ومن هنا قيل الشيب نوار الهموم وحديث البعث لا يأبى. هذا وجوز الزمخشري أن يكون ذلك وصفاً لليوم بالطول وأن الأطفال يبلغون فيه أوان الشيخوخة والشيب وليس المراد به التقدير الحقيقي بل وصف بالطول فقط على ما تعارفوه وإلا فهو أطول من ذاك وأطول فلا اعتراض لكنه مع هذا ليس بذاك. والظاهر عموم الولدان وقال السدي هم هنا أولاد الزنا وقيل هم أولاد المشركين. وقرأ زيد بن علي {يَوْماً} بغير تنوين {نجعل} بالنون فالظرف مضاف إلى جملة {نجعل} الخ.

ابن عاشور

تفسير : الاستفهام بـ (كيف) مستعمل في التعجيز والتوبيخ وهو متفرع بالفاء على ما تضمنه الخطاب السابق من التهديد على تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم وما أدمج فيه من التسجيل بأن الرسول صلى الله عليه وسلم شاهد عليهم فليس بعد الشهادة إلاّ المؤاخذة بما شهد به، وقد انتقل بهم من التهديد بالأخذ في الدّنيا المستفاد من تمثيل حالهم بحال فرعون مع موسى إلى الوعيد بعقاب أشد وهو عذاب يوم القيامة وقد نشأ هذا الاستفهام عن اعتبارهم أهل اتِّعاظ وخوف من الوعيد بما حلّ بأمثالهم مما شأنُه أن يثير فيهم تفكيراً من النجاة من الوقوع فيما هُدِّدوا به، وأنهم إن كانوا أهل جلادة على تحمل عذاب الدّنيا فماذا يصنعون في اتقاء عذاب الآخرة، فدلّت فاء التفريع واسم الاستفهام على هذا المعنى. فالمعنى: هبكم أقدمتم على تحمل عذاب الدنيا فكيف تتقون عذاب الآخرة، ففعل الشرط من قوله: {إِنْ كفرتم} مستعمل في معنى الدوام على الكفر لأن ما يقتضيه الشرط من الاستقبال قرينة على إرادة معنى الدّوام من فعل {كفرتم} وإلاّ فإن كفرهم حاصل من قبل نزول هذه الآية. و {يوماً} منصوب على المفعول به لـ {تتقون}. واتقاء اليوم باتقاء ما يقع فيه من عذاب أي على الكفر. ووصف اليوم بأنه {يجعل الولدان شيباً} وصف له باعتبار ما يقع فيه من الأهوال والأحزان، لأنه شاع أن الهم مما يسرع به الشيب فلما أريد وصف همّ ذلك اليوم بالشدة البالغة أقواها أسند إليه يشيب الولدان الذين شعرهم في أول سواده. وهذه مبالغة عجيبة وهي من مبتكرات القرآن فيما أحسب، لأني لم أر هذا المعنى في كلام العرب وأما البيت الذي يذكر في شواهد النحو وهو: شعر : إذن والله نَرميهم بحرب تُشيب الطفلَ من قبل المشيب تفسير : فلا ثبوت لنسبته إلى من كانوا قبل نزول القرآن ولا يعرف قائله، ونسبه بعض المؤلفين إلى حسان بن ثابت. وقال العيني: لم أجده في ديوانه. وقد أخذ المعنى الصمّة ابن عبد الله القشيري في قوله:شعر : دَعانيَ من نجدٍ فإن سنينه لَعِبْنَ بنا شِيباً وشيبننا مردا تفسير : وهو من شعراء الدولة الأموية وإسناد {يجعل الولدان شيباً} إلى اليوم مجاز عقلي بمرتبتين لأن ذلك اليوم زمَن الأهوال التي تشيب لمثلها الأطفال، والأهوال سبب للشيب عرفاً. والشيب كناية عن هذا الهول فاجتمع في الآية مجازان عقليان وكناية ومبالغة في قوله: {يجعل الولدان شيباً}. وجملة {السماء منفطر به} صفة ثانية. والبَاء بمعنى (في) وهو ارتقاء في وصف اليوم بحدوث الأهوال فيه فإن انفطار السماء أشد هولاً ورعباً مما كني عنه بجملة {يجعل الولدان شيباً}. أي السماء عَلى عظمها وسمكها تنفطر لذلك اليوم فما ظنكم بأنفسكم وأمثالكم من الخلائق فيه. والانفطار: التشقق الذي يحدث في السماء لنزول الملائكة وصعودهم كما تقدم في قوله تعالى: {أية : تعرج الملائكة والروح إليه}تفسير : في سورة المعارج (4). وذكر انفطار السماء في ذلك اليوم زيادة في تهويل أحواله لأن ذلك يزيد المهددين رعباً وإن لم يكن انفطار السماء من آثار أعمالهم ولا لَه أثر في زيادة نكالهم. ويجوز أن تجعل جملة السماء منفطر به}مستأنفة معترضة بين جملة {فكيف تتقون} الخ، وجملة {كان وعده مفعولاً} والباء للسببية ويكون الضمير المجرور بالباء عائداً إلى الكفر المأخوذ من فعل {كفرتم}. ويجوز أن يكون الإِخبار بانفطار السماء على طريقة التشبيه البليغ، أي كالمنفطر به فيكون المعنى كقوله تعالى: {أية : وقالوا اتخذ الرحمان ولداً لقد جئتم شيئاً إدَّاً يكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً}تفسير : [مريم: 88 ــــ 90]. ووصف السماء بمنفطر بصيغة التذكير مع أن السماء في اللغة من الأسماء المعتبرة مؤنثة في الشائع. قال الفراء: السماء تذكَّر على التأويل بالسقف لأن أصل تسميتها سماءً على التشبيه بالسقف، أي والسقف مُذكر والسماء مؤنث. وتبعه الجوهري وابن برّي. وأنشد الجوهري على ذلك قول الشاعر: شعر : فلو رَفع السماءُ إليه قوماً لحقنا بالسماء مع السحاب تفسير : وأنشد ابن برّي أيضاً في تذكير السماء بمعنى السقف قول الآخر: شعر : وقالت سماءُ البيت فوقَك مُخْلَقٌ ولمَّا تَيَسَّر اجْتِلاَءُ الركَائب تفسير : ولا ندري مقدار صحة هاذين الشاهدين من العربية على أنه قد يكونان من ضرورة الشعر. وقيل: إذا كان الاسم غير حقيقي التأنيث جاز إجراء وصفه على التذكير فلا تلحقه هاء التأنيث قياساً على الفعل المسند للمؤنث غير حقيقي التأنيث في جواز اقترانه بتاء التأنيث وتجريده منها، إجراء للوصف مجرى الفعل وهو وجيه. ولعل العدول في الآية عن الاستعمال الشائع في الكلام الفصيح في إجراء السماء على التأنيث، إلى التذكير إيثاراً لتخفيف الوصف لأنه لما جيء به بصيغة منفعل بحرفي زيادة وهما الميم والنون كانت الكلمة معرضة للثقل إذا ألحق بها حرف زائد آخر ثالث، وهو هاء التأنيث فيحصل فيها ثقل يجنَّبه الكلام البالغ غاية الفصاحة ألا ترى أنها لم تجر على التذكير في قوله: {أية : إذا السماء انفطرت}تفسير : [الانفطار: 1] إذ ليس في الفعل إلاّ حرف مزيد واحد وهو النون إذ لا اعتداد بهمزة الوصل لأنها ساقطة في حالة الوصل، فجاءت بعدها تاء التأنيث. وجملة {كان وعده مفعولاً} صفة أخرى لـ {يوماً}، وهذا الوصف إدماج للتصريح بتحقيق وقوع ذلك اليوم بعد الإِنذار به الذي هو مقتض لوقوعه بطريق الكناية استقصاء في إبلاغ ذلك إلى علمهم وفي قطع معذرتهم. وضمير {وعده} عائد إلى {يوماً} الموصوف، وإضافة (وعد) إليه من إضافة المصدر إلى مفعوله على التوسع، أي الوعد به، أي بوقوعه.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْوِلْدَانَ} (17) - فَكَيْفَ تَدْفَعُونَ عَنْكُمْ، إِنْ كَفَرْتُمْ بِرَبِّكُمْ وَكَذَّبْتُمْ رَسُولَهُ، عَذَابَ يَوْمٍ مَخُوفٍ يَجْعَلُ الشَّبَابَ شُيُوخاً، لِمَا فِيهِ مِنَ الفَزَعِ وَالأَهْوَالِ؟.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: فكيف يحصل لكم الفكاك والنجاة من يوم القيامة، اليوم المهيل أمره، العظيم قدره، الذي يشيب الولدان، وتذوب له الجمادات العظام، فتتفطر به السماء وتنتثر به نجومها { كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولا } أي: لا بد من وقوعه، ولا حائل دونه.

همام الصنعاني

تفسير : 3375- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، قال: تلا قتادة: {فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً}: [الآية: 17]، قال: والله لا يتقي الله عبد كفر بالله ذلِكَ اليوم. 3376- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: سَأَلَ رَجُلٌ النبي صلى الله عليه وسلم - قال معمر: أحسبه قال الحارث بن هشام - فقال: كيف يأتيك الوَحْيُ يا رسول الله؟ قال: "حديث : يَأتِيني أحْياناً وله صَلْصَلَةٌ كصلصلة الجرس، فَيُفْصَمُ عَنِّي وقَدْ وَعيْتُ، وذلك أشد ما يكونُ عليَّ، ويأتيني أحْياناً في صُورة الرجل، أو قال: الملك، فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي ما يَقُولُ: وذلك أهْوَنُ عَليَّ ".