Verse. 5494 (AR)

٧٣ - ٱلْمُزَّمِّل

73 - Al-Muzzammil (AR)

اِنَّ ہٰذِہٖ تَذْكِرَۃٌ۝۰ۚ فَمَنْ شَاۗءَ اتَّخَذَ اِلٰى رَبِّہٖ سَبِيْلًا۝۱۹ۧ
Inna hathihi tathkiratun faman shaa ittakhatha ila rabbihi sabeelan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن هذه» الآيات المخوِّفة «تذكرة» عظة للخلق «فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا» طريقا بالإيمان والطاعة.

19

Tafseer

الرازي

تفسير : أي هذه الآيات تذكرات مشتملة على أنواع الهداية والإرشاد {فَمَن شَاء ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبّهِ سَبِيلاً } واتخاذ السبيل عبارة عن الاشتغال بالطاعة والاحتراز عن المعصية.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {إِنَّ هَـٰذِهِ} أي: السورة {تَذْكِرَةً} أي: يتذكر بها أولو الألباب، ولهذا قال تعالى: {فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً} أي: ممن شاء الله تعالى هدايته؛ كما قيده في السورة الأخرى {أية : وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} تفسير : [الإنسان: 30] ثم قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَىِ ٱلَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ} أي: تارة هكذا، وتارة هكذا، وذلك كله من غير قصد منكم، ولكن لا تقدرون على المواظبة على ما أمركم به من قيام الليل؛ لأنه يشق عليكم، ولهذا قال: {وَٱللَّهُ يُقَدِّرُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ} أي: تارة يعتدلان، وتارة يأخذ هذا من هذا، وهذا من هذا {عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ} أي: الفرض الذي أوجبه عليكم {فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ} أي: من غير تحديد بوقت، أي: ولكن قوموا من الليل ما تيسر، وعبر عن الصلاة بالقراءة؛ كما قال في سورة سبحان: {أية : وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ} تفسير : [الإسراء: 110] أي: بقراءتك {أية : بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} تفسير : [الإسراء: 110] وقد استدل أصحاب الإمام أبي حنيفة رحمه الله بهذه الآية، وهي قوله: {فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ} على أنه لا يجب تعين قراءة الفاتحة في الصلاة، بل لو قرأ بها أو بغيرها من القرآن ولو بآية، أجزأه، واعتضدوا بحديث المسيء صلاته الذي في الصحيحين: «حديث : ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن» تفسير : وقد أجابهم الجمهور بحديث عبادة بن الصامت، وهو في الصحيحين أيضاً: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»تفسير : ، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج، فهي خداج، فهي خداج غير تمام» تفسير : وفي صحيح ابن خزيمة عن أبي هريرة مرفوعاً: «حديث : لا تجزىء صلاة من لم يقرأ بأم القرآن.»تفسير : وقوله تعالى: {أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى ٱلأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَءَاخَرُونَ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي: علم أن سيكون من هذه الأمة ذوو أعذار في ترك قيام الليل؛ من مرضى لا يستطيعون ذلك، ومسافرين في الأرض يبتغون من فضل الله في المكاسب والمتاجر، وآخرين مشغولين بما هو الأهم في حقهم من الغزو في سبيل الله، وهذه الآية بل السورة كلها مكية، ولم يكن القتال شرع بعد، فهي من أكبر دلائل النبوة؛ لأنه من باب الإخبار بالمغيبات المستقبلة، ولهذا قال تعالى: {فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} أي: قوموا بما تيسر عليكم منه. قال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية عن أبي رجاء محمد، قال: قلت للحسن: يا أبا سعيد ما تقول في رجل قد استظهر القرآن كله عن ظهر قلبه، ولا يقوم به، إنما يصلي المكتوبة، قال: يتوسد القرآن، لعن الله ذاك، قال الله تعالى للعبد الصالح: {أية : وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ} تفسير : [يوسف: 68] {أية : وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنتُمْ وَلاَ ءَابَاؤُكُمْ} تفسير : [الأنعام: 91] قلت: يا أبا سعيد، قال الله تعالى: {فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ} قال: نعم، ولو خمس آيات، وهذا ظاهر من مذهب الحسن البصري أنه كان يرى حقاً واجباً على حملة القرآن أن يقوموا ولو بشيء منه في الليل، ولهذا جاء في الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن رجل نام حتى أصبح، فقال: «حديث : ذاك رجل بال الشيطان في أذنه» تفسير : فقيل: معناه: نام عن المكتوبة، وقيل: عن قيام الليل. وفي السنن: «حديث : أوتروا يا أهل القرآن» تفسير : وفي الحديث الآخر: «حديث : من لم يوتر فليس منا» تفسير : وأغرب من هذا ما حكي عن أبي بكر عبد العزيز من الحنابلة من إيجابه قيام شهر رمضان، فالله أعلم. وقال الطبراني: حدثنا أحمد بن سعيد فرقد الجُدِّيُّ، حدثنا أبو حمة محمد بن يوسف الزبيدي، حدثنا عبد الرحمن عن محمد بن عبد الله بن طاوس من ولد طاوس، عن أبيه عن طاوس، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم: {فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} قال: «حديث : مئة آية» تفسير : وهذا حديث غريب جداً لم أره إلا في "معجم الطبراني" رحمه الله تعالى. وقوله تعالى: {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلوٰةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ} أي: أقيموا صلاتكم الواجبة عليكم، وآتوا الزكاة المفروضة، وهذا يدل لمن قال: إن فرض الزكاة نزل بمكة، لكن مقادير النصب والمخرج لم تبين إلا بالمدينة، والله أعلم. وقد قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن وقتادة وغير واحد من السلف: إن هذه الآية نسخت الذي كان الله قد أوجبه على المسلمين أولاً من قيام الليل، واختلفوا في المدة التي بينهما على أقوال كما تقدم، وقد ثبت في الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لذلك الرجل: «حديث : خمس صلوات في اليوم والليلة» تفسير : قال: هل علي غيرها؟ قال: «حديث : لا إلا أن تطوع.»تفسير : وقوله تعالى: {وَأَقْرَضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} يعني: من الصدقات، فإن الله يجازي على ذلك أحسن الجزاء وأوفره، كما قال تعالى: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} تفسير : [الحديد: 11] وقوله تعالى: {وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً} أي: جميع ما تقدموه بين أيديكم، فهو لكم حاصل، وهو خير مما أبقيتموه لأنفسكم في الدنيا. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا جرير عن الأعمش عن إبراهيم عن الحارث بن سويد قال: قال عبد الله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أيكم ماله أحب إليه من مال وارثه؟» تفسير : قالوا: يا رسول الله ما منا من أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه، قال: «حديث : اعلموا ما تقولون» تفسير : قالوا: ما نعلم إلا ذلك يا رسول الله؟ قال: «حديث : إنما مال أحدكم ما قدم، ومال وارثه ما أخر» تفسير : ورواه البخاري من حديث حفص بن غياث والنسائي من طريق أبي معاوية، كلاهما عن الأعمش به، ثم قال تعالى: {وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي: أكثروا من ذكره واستغفاره في أموركم كلها؛ فإنه غفور رحيم لمن استغفره، آخر تفسير سورة المزمل، ولله الحمد والمنة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ هَٰذِهِ } الآيات المخوفة {تَذْكِرَةٌ } عظة للخلق {فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً } طريقاً بالإيمان والطاعة.

الشوكاني

تفسير : الإشارة بقوله: {إِنَّ هَـٰذِهِ } إلى ما تقدّم من الآيات، والتذكرة الموعظة، والإشارة إلى جميع آيات القرآن، لا إلى ما في هذه السورة فقط {فَمَن شَاء ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبّهِ سَبِيلاً } أي: اتخذ بالطاعة التي أهم أنواعها التوحيد إلى ربه طريقاً توصله إلى الجنة. {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَىِ ٱلَّيْلِ } معنى {أدنى}: أقلّ، استعير له الأدنى؛ لأن المسافة بين السنين إذا دنت قلّ ما بينهما {وَنِصْفَهُ } معطوف على أدنى {وَثُلُثَهُ } معطوف على نصفه، والمعنى: أن الله يعلم أن رسوله صلى الله عليه وسلم يقوم أقلّ من ثلثي الليل، ويقوم نصفه، ويقوم ثلثه، وبالنصب قرأ ابن كثير، والكوفيون، وقرأ الجمهور: "ونصفه وثلثه" بالجر عطفاً على ثلثي الليل، والمعنى: أن الله يعلم أن رسوله يقوم أقلّ من ثلثي الليل، وأقلّ من نصفه، وأقلّ من ثلثه، واختار قراءة الجمهور أبو عبيد وأبو حاتم لقوله: {عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ } فكيف يقومون نصفه وثلثه وهم لا يحصونه. وقال الفرّاء: القراءة الأولى أشبه بالصواب؛ لأنه قال: أقلّ من ثلثي الليل، ثم فسر نفس القلة {وَطَائِفَةٌ مّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ } معطوف على الضمير في تقوم: أي: وتقوم ذلك القدر معك طائفة من أصحابك. {وَٱللَّهُ يُقَدّرُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ } أي: يعلم مقادير الليل والنهار على حقائقها، ويختص بذلك دون غيره، وأنتم لا تعلمون ذلك على الحقيقة. قال عطاء: يريد لا يفوته علم ما تفعلون. أي: أنه يعلم مقادير الليل والنهار، فيعلم قدر الذي تقومونه من الليل {عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ } أن لن تطيقوا علم مقادير الليل والنهار على الحقيقة، وفي أن ضمير شأن محذوف. وقيل المعنى: لن تطيقوا قيام الليل. قال القرطبي: والأوّل أصحّ، فإن قيام الليل ما فرض كله قط، قال مقاتل وغيره: لما نزل {أية : قُمِ ٱلَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ } تفسير : [المزمل: 2 ـ 4] شقّ ذلك عليهم، وكان الرجل لا يدري متى نصف الليل من ثلثه، فيقوم حتى يصبح مخافة أن يخطىء، فانتفخت أقدامهم، وانتقعت ألوانهم، فرحمهم الله، وخفف عنهم فقال: {عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ } أي: علم أن لن تحصوه؛ لأنكم إن زدتم ثقل عليكم واحتجتم إلى تكلف ما ليس فرضاً، وإن نقصتم شق ذلك عليكم. {فَتَابَ عَلَيْكُمْ } أي: فعاد عليكم بالعفو، ورخص لكم في ترك القيام. وقيل: فتاب عليكم من فرض القيام إذا عجزتم، وأصل التوبة الرجوع، كما تقدّم؛ فالمعنى: رجع بكم من التثقيل إلى التخفيف، ومن العسر إلى اليسر. {فَٱقْرَءواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْءانِ } أي فاقرءوا في الصلاة بالليل ما خف عليكم، وتيسّر لكم منه من غير أن ترقبوا وقتاً. قال الحسن: هو ما نقرأ في صلاة المغرب والعشاء. قال السديّ: ما تيسّر منه هو مائة آية. قال الحسن: أيضاً من قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه القرآن. وقال كعب: من قرأ في ليلة مائة آية كتب من القانتين. وقال سعيد: خمسون آية. وقيل: معنى {فَٱقْرَءواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ }: فصلوا ما تيسّر لكم من صلاة الليل، والصلاة تسمى قرآناً، كقوله: و{أية : أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ } تفسير : [الإسراء: 78]. قيل: إن هذه الآية نسخت قيام الليل ونصفه، والنقصان من النصف والزيادة عليه، فيحتمل أن يكون ما تضمنته هذه الآية فرضاً ثابتاً، ويحتمل أن يكون منسوخاً لقوله:{أية : وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا }تفسير : [الإسراء: 79]. قال الشافعي: الواجب طلب الاستدلال بالسنة على أحد المعنيين. فوجدنا سنة رسول الله تدلّ على أن لا واجب من الصلاة إلاّ الخمس. وقد ذهب قوم إلى أن قيام الليل نسخ في حقه وفي حق أمته. وقيل: نسخ التقدير بمقدار وبقي أصل الوجوب. وقيل: إنه نسخ في حق الأمة، وبقي فرضاً في حقه، والأولى القول بنسخ قيام الليل على العموم في حقه وفي حق أمته، وليس في قوله: {فَٱقْرَءواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ } ما يدل على بقاء شيء من الوجوب؛ لأنه إن كان المراد به القراءة من القرآن، فقد وجدت في صلاة المغرب والعشاء وما يتبعهما من النوافل المؤكدة، وإن كان المراد به الصلاة من الليل، فقد وجدت صلاة الليل بصلاة المغرب والعشاء وما يتبعهما من التطوّع. وأيضاً الأحاديث الصحيحة المصرّحة بقول السائل لرسول الله صلى الله عليه وسلم هل عليّ غيرها، يعني: الصلوات الخمس؟ فقال: «حديث : لا، إلاّ أن تطوّع» تفسير : تدل على عدم وجوب غيرها. فارتفع بهذا وجوب قيام الليل، وصلاته على الأمة، كما ارتفع وجوب ذلك على النبيّ صلى الله عليه وسلم بقوله: {وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ }، قال الواحدي: قال المفسرون في قوله: {فَٱقْرَءواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ } كان هذا في صدر الإسلام، ثم نسخ بالصلوات الخمس عن المؤمنين، وثبت على النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك قوله: {وأقيموا الصلاة}. ثم ذكر سبحانه عذرهم فقال: {عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ } فلا يطيقون قيام الليل {وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله} أي: يسافرون فيها للتجارة والأرباح يطلبون من رزق الله ما يحتاجون إليه في معاشهم فلا يطيقون قيام الليل {وآخرون يقاتلون في سبيل الله} يعني: المجاهدين، فلا يطيقون قيام الليل. ذكر سبحانه ها هنا ثلاثة أسباب مقتضية للترخيص، ورفع وجوب قيام الليل، فرفعه عن جميع الأمة لأجل هذه الأعذار التي تنوب بعضهم. ثم ذكر ما يفعلونه بعد هذا الترخيص فقال: {فَٱقْرَءواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ } وقد سبق تفسيره قريباً، والتكرير للتأكيد {وأقيموا الصلاة} يعني: المفروضة، وهي الخمس لوقتها {وآتوا الزكاة} يعني: الواجبة في الأموال. وقال الحارث العكلي: هي صدقة الفطر؛ لأن زكاة الأموال وجبت بعد ذلك. وقيل: صدقة التطوّع. وقيل: كل أفعال الخير {وَأَقْرِضُواُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً } أي: أنفقوا في سبيل الخير من أموالكم إنفاقاً حسناً، وقد مضى تفسيره في سورة الحديد. قال زيد بن أسلم: القرض الحسن النفقة على الأهل. وقيل: النفقة في الجهاد، وقيل: هو إخراج الزكاة المفترضة على وجه حسن، فيكون تفسيراً لقوله {وآتوا الزكاة} والأوّل أولى لقوله: {وَمَا تُقَدّمُواْ لأَنْفُسِكُم مّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ } فإن ظاهره العموم، أي: أيّ خير كان مما ذكر ومما لم يذكر {هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً } مما تؤخرونه إلى عند الموت، أو توصون به ليخرج بعد موتكم، وانتصاب {خيراً} على أنه ثاني مفعولي تجدوه، وضمير هو ضمير فصل، وبالنصب قرأ الجمهور، وقرأ أبو السماك، وابن السميفع بالرفع على أن يكون هو مبتدأ، وخير خبره، والجملة في محل نصب على أنها ثاني مفعولي تجدوه. قال أبو زيد: وهي لغة تميم يرفعون ما بعد ضمير الفصل، وأنشد سيبويه:شعر : تحنّ إلى ليلى وأنت تركتها وكنت عليها بالملاء أنت أقدر تفسير : وقرأ الجمهور أيضاً: {وأعظم} بالنصب عطفاً على {خيراً}، وقرأ أبو السماك، وابن السميفع بالرفع، كما قرأ برفع "خير"، وانتصاب {أجراً} على التمييز {وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ } أي: اطلبوا منه المغفرة لذنوبكم، فإنكم لا تخلون من ذنوب تقترفونها {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي: كثير المغفرة لمن استغفره، كثير الرحمة لمن استرحمه. وقد أخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والطبراني عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم {فَٱقْرَءواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ }. قال: «مائة آية». وأخرج الدراقطني، والبيهقي في سننه، وحسناه عن قيس بن أبي حازم قال: صليت خلف ابن عباس، فقرأ في أوّل ركعة بالحمد لله ربّ العالمين، وأوّل آية من البقرة، ثم ركع، فلما انصرفنا أقبل علينا، فقال: إن الله يقول: {فَٱقْرَءواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ } قال ابن كثير: وهذا حديث غريب جداً لم أره إلاّ في معجم الطبراني. وأخرج أحمد، والبيهقي في سننه عن أبي سعيد قال: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسّر». وقد قدّمنا في البحث الأوّل من هذه السورة ما روي أن هذه الآيات المذكورة هنا هي الناسخة لوجوب قيام الليل، فارجع إليه.

الماوردي

تفسير : {.... واللَّهُ يُقدِّرُ الليلَ والنهارَ} يعني يقدر ساعتهما، فاحتمل ذلك وجهين: أحدهما: تقديرهما لأعمال عباده. الثاني: لقضائه في خلْقه. {عَلِمَ أن لن تُحْصُوهُ} فيه وجهان: أحدهما: لن تطيقوا قيام الليل، قاله الحسن. الثاني: يريد تقدير نصف الليل وثلثه وربعه، قاله الضحاك. {فتابَ عليكم} يحتمل وجهين: أحدهما: فتاب عليكم من تقصيركم فيما مضى، فاقرؤوا في المستبقل ما تيسر. الثاني: فخفف عنكم. {فاقْرءُوا ما تيسّر مِنَ القُرآنِ} فيه وجهان: أحدهما: فصلّوا ما تيسّر من الصلاة، فعبر عن الصلاة بالقرآن لما يتضمنها من القرآن. فعلى هذا يحتمل في المراد بما تيسر من الصلاة وجهان: أحدهما: ما يتطوع به من نوافله لأن الفرض المقدر لا يؤمر فيه بما تيسر. الثاني: أنه محمول على فروض الصلوات الخمس لانتقال الناس من قيام الليل إليها، ويكون قوله " ما تيسر" محمولاً على صفة الأداء في القوة والضعف، والصحة والمرض، ولا يكون محمولاً على العدد المقدر شرعاً. الثاني: أن المراد بذلك قراءة ما تيسر من القرآن حملاً للخطاب على ظاهر اللفظ. فعلى هذا فيه وجهان: أحدهما: أن المراد به قراءة القرآن في الصلاة فيكون الأمر به واجباً لوجوب القراءة في الصلاة. واختلف في قدر ما يلزمه أن يقرأ به من الصلاة، فقدره مالك والشافعي بفاتحة الكتاب، لا يجوز العدول عنها ولا الاقتصار على بعضها، وقدرها أبو حنيفة بآية واحدة من أيّ القرآن كانت. والوجه الثاني: أن المراد به قراءة القرآن من غير الصلاة، فعلى هذا يكون مطلق هذا الأمر محمولاً على الوجوب أو على الاستحباب؟ على وجهين: أحدهما: أنه محمول على الوجوب ليقف بقراءته على إعجازه، ودلائل التوحيد فيه وبعث الرسل، ولا يلزمه إذا قرأه وعرف إعجازه ودلائل التوحيد منه أن يحفظه، لأن حفظ القرآن من القرب المستحبة دون الواجبة. الثاني: أنه محمول على الاستحباب دون الوجوب، وهذا قول الأكثرين لأنه لو وجب عليه أن يقرأه وجب عليه أن يحفظه. وفي قدر ما تضمنه هذا الأمر من القراءة خمسة أقاويل: أحدها: جميع القرآن، لأن اللَّه تعالى قد يسره على عباده، قاله الضحاك. الثاني: ثلث القرآن، حكاه جويبر. الثالث: مائتا آية، قاله السدي. الرابع: مائة آية، قاله ابن عباس. الخامس: ثلاث آيات كأقصر سورة، قاله أبو خالد الكناني. {عَلِم أنْ سيكونُ منكم مَّرْضَى} ذكر الله أسباب التخفيف، فذكر منها المرض لأنه يُعجز. ثم قال: {وآخرون يَضْرِبون في الأرض} فيه وجهان: أحدهما: أنهم المسافرون، كما قال عز وجلّ: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة}. الثاني: أنه التقلُّب للتجارة لقوله تعالى: {يبتغونَ من فضلِ اللَّه}، قاله ابن مسعود يرفعه، وهو قول السدي. {وآخَرونَ يُقاتِلون في سبيل اللَّهِ} يعني في طاعته، وهم المجاهدون. {فاقْرؤوا ما تيسّر منه} نسخ ما فرضه في أول السورة من قيام الليل وجعل ما تيسر منه تطوعاً ونفلاً، لأن الفرض لا يؤمر فيه بفعل ما تيسر منه. وقد ذكرنا في أول السورة الأقاويل في مدة الفرض. {وأقيموا الصلاة} يعني المفروضة، وهي الخمس لوقتها. {وآتُوا الزكاةَ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها ها هنا طاعة اللَّه والإخلاص له، قاله ابن عباس. الثاني: أنها صدقة الفطر، قاله الحارث العكلي. الثالث: أنها زكاة الأموال كلها، قاله قتادة وعكرمة. {وأقْرِضوا اللَّه قَرْضاً حَسَناً} فيه خمسة تأويلات: أحدها: أنه النوافل بعد الفروض، قاله ابن زيد. الثاني: قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، قاله ابن حبان. الثالث: النفقة على الأهل، قاله زيد بن أسلم. الرابع: النفقة من سبيل الله، وهذا قول عمر رضي الله عنه. الخامس: أنه أمر بفعل جميع الطاعات التي يستحق عليها الثواب. {تجدُوه عِندَ اللهِ} يعني تجدوا ثوابه عند الله {هو خيراً} يعني مما أعطيتم وفعلتم. {وأعظم أجرا} قال أبو هريرة: الجنة. ويحتمل أن يكون " أعظم أجرا" الإعطاء بالحسنة عشراً. {واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ} يعني من ذنوبكم. {إنّ اللَّه غَفورٌ} لما كان قبل التوبة. {رحيمُ} بكم بعدها، قاله سعيد بن جبير.

ابن عطية

تفسير : الإشارة بـ {هذه} يحتمل أن تكون إلى ما ذكر من الأنكال والجحيم والأخذ الوبيل ونحوه. ويحتمل أن تكون إلى السورة بأجمعها ويحتمل أن تكون إلى القرآن، أي أن هذه الأقوال المنصوصة، فيه، {تذكرة}، والتذكرة مصدر كالذكر. وقوله تعالى: {فمن شاء} الآية، ليس معناه إباحة الأمر وضده، بل يتضمن معنى الوعد والوعيد. والسبيل هنا: سبيل الخير والطاعة. وقوله تعالى: {إن ربك يعلم} الآية نزلت تخفيفاً لما كان استمر استعماله من قيام الليل إما على الوجوب أو على الندب حسب الخلاف الذي ذكرناه، ومعنى الآية: أن الله تعالى يعلم أنك تقوم أنت وغيرك من أمتك قياماً مختلفاً فيه، مرة يكثر ومرة يقل، ومرة أدنى من الثلثين، ومرة أدنى من الثلث، وذلك لعدم تحصيل البشر لمقادير الزمن مع عدم النوم، وتقدير الزمان حقيقة إنما هو لله تعالى، وأما البشر فلا يحصي ذلك فتاب الله عليهم، أي رجع بهم من الثقل إلى الجنة وأمرهم بقراءة {ما تيسر}، ونحو هذا يعطي عبارة الفراء ومنذر فإنهما قالا {تحصوه} تحفظوه، وهذا التأويل هو على قراءة من قرأ "ونصفِه وثلثِ" بالخفض عطفاً على الثلثين، وهي قراءة أبي عمرو ونافع وابن عامر. وأما من قرأ "ونصفَه وثلثَه" بالنصب عطفاً على {أدنى} وهي قراءة باقي السبعة، فالمعنى عنده آخر، وذلك أن الله تعالى قرر أنهم يقدرون الزمان على نحو ما أمر به في قوله {أية : نصفه أو انقص منه قليلاً أو زد عليه} تفسير : [المزمل: 3-4]، فلم يبق إلا أن يكون قوله {لن تحصوه} لن تستطيعوا قيامه لكثرته وشدته فخفف الله عنكم فضلاً منه لا لقلة جهلهم بالتقدير وإحصاء الوقت، ونحو هذا تعطي عبارة الحسن وابن جبير {تحصوه} تطيعوه، وقرأ جمهور القراء والناس "وثلُثه" بضم اللام، وقرأ ابن كثير في رواية شبل عنه: "وثلْثه" بسكون اللام. وقوله تعالى: {فاقرأوا ما تيسر من القرآن} إباحة، هذا قول الجمهور، وقال ابن جبير وجماعة هو فرض لا بد منه ولو خمسين آية، وقال الحسن وابن سيرين قيام الليل فرض، ولو قدر حلب شاة، إلا أن الحسن قال: من قرأ مائة آية لم يحاجه القرآن، واستحسن هذا جماعة من العلماء، قال بعضهم: والركعتان بعد العتمة مع الوتر مدخلتان في حكم امتثال هذا الأمر، ومن زاد زاده الله ثواباً. و {أن} في قوله تعالى: {علم أن} مخففة من الثقيلة. والتقدير أنه يكون، فجاءت السين عوضاً من المحذوف، وكذلك جاءت لا في قول أبي محجن: [الطويل] شعر : ولا تدفنني بالفلاة فإنني أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها تفسير : والضرب في الأرض: هو السفر للتجارة، وضرب الأرض هو المشي للتبرز والغائط. فذكر الله تعالى أعذار بني آدم التي هي حائلة بينهم وبين قيام الليل وهي المرض والسفر في تجارة أو غزو، فخفف عنه القيام لها. وفي هذه الآية فضيلة الضرب في الأرض بل تجارة وسوق لها مع سفر الجهاد، وقال عبد الله بن عمر: أحب الموت إليَّ بعد القتل في سبيل الله أن أموت بين شعبتي رحلي أضرب في الأرض أبتغي من فضل الله، ثم كرر الأمر. بقراءة ما تيسر منه تأكيداً و {الصلاة} و {الزكاة} هما المفروضتان، ومن قال إن القيام بالليل غير واجب قال معنى الآية خذوا من هذا الثقل بما تيسر وحافظوا على فرائضكم، ومن قال إن شيئاً من القيام واجب قال: قرنه الله بالفرائض لأنه فرض. وإقراض الله تعالى: هو إسلاف العمل الصالح عنده. وقرأ جمهور الناس "هو خيراً" على أن يكون هو فصلاً، وقرأ محمد بن السميفع وأبو السمال "هو خيرُ" بالرفع على أن يكون {هو} ابتداء، و "خير" خبره والجملة تسد مسد المفعول الثاني لـ {تجدوه}. ثم أمر تعالى بالاستغفار وأوجب لنفسه صفة الغفران لا إله غيره، قال بعض العلماء فالاستغفار بعد الصلاة مستنبط من هذه الآية ومن قوله تعالى: {أية : كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون} تفسير : [الذاريات: 17]. قال القاضي أبو محمد: وعهدت أبي رحمه الله يستغفر إثر كل مكتوبة ثلاثاً بعقب السلام ويأثر في ذلك حديثاً، فكأن هذا الاستغفار من التقصير وتفلت الفكر أثناء الصلاة، وكان السلف الصالح يصلون إلى طلوع الفجر ثم يجلسون للاستغفار إلى صلاة الصبح. نجز تفسير سورة "المزمل" بحمد الله وعونه وصلى الله على محمد وآله.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ} [الآية: 19]. قيل: القرآن موعظة للمتقين وطريقاً للسالكين ونجاة للهالكين وبيانًا للمستبصرين وأمانًا للخائفين وشفاءً للمتحيرين وأنسًا للمريدين ونورًا لقلوب العارفين وهدىً لمن أراد الطريق إلى ربه لأن الله يقول: {إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ}.

البقلي

تفسير : القرأن تذكرة العارفين لانه لانباء الصفاتية تنبئ كل كلمة عن صفة الله الازلى ويرشده بنوره الى معدنه من الذات كانه سراج قلب كل صادق محب موافق يسيرون اليه فكل منه الى الحق سبيلا يسئلك فيه الى الله وسيلة اكثر من نجوم السّماء امرهم ان يتخذ كل واحد منهم سبيله الذى اختصه الله به فهو سبيل الهدى يبلغه الى معادن القدم واماكن البقاء لذلك قال لحبيبه ان الذى فرض عليك القرأن لرادك الى معاد قبل القران موعظة المتقين وطريق السالكين ونجاة للهالكين وبيان للمستبصرين وشفاء للمتحيرين وامان للخائفين وانس للمريدين ونور القلوب العارفين وهدى لمن اراد الطريق الى ربه لان الله بقول ان هذه تذكرة.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان هذه} اشارة الى الآيات المنطوية على القوارع المذكورة وهى من قوله ان لدينا انكالا الى هنا {تذكرة} موعظة لمن يريد الخير لنفسه والاستعداد لربه وبالفارسية يندى وعبرتيست. وقيل القرءآن موعظة للمتقين وطريق للسالكين ونجاة للهالكين وبيان للمستبصرين وشفاء للمتحيرين وامان للخائفين وانس للمريدين ونور لقلوب العارفين وهدى لمن أراد الطريق الى رب العالمين {فمن شاء} من المكلفين. يعنى بس هركه خواهد ازمكلفان {اتخذ الى ربه سبيلا} بالتقريب اليه بالايمان والطاعة فانه المنهاج الموصول الى مرضاته ومقام قربه.

اطفيش

تفسير : {إِنْ هَذِهِ} السورة أو الآية أو الآيات القرآنية كلها أو الأشياء المذكورة من الإنكال والجحيم والاخذ الوبيل فوال *{تَذْكِرَةٌ} عظة للخلق *{فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً} بالايمان والطاعة وليس هذا إباحة للإتخاذ وعدمه بل وعد ووعيد، واتخذ متعد لواحد فالى ربه متعلق بمحذوف حال من سبيلا اي موصلة الى رضى ربه او لاثنين فإلى ربه متعلق بمحذوف مفعول ثان ومفعول شاء محذوف اي من شاء الخير او الاتعاظ أو إتخاذ السبيل الى ربه.

اطفيش

تفسير : {إِنَّ هَذِهِ} هذه الايات المتلوة أو الأُمور المضمونة فيها من رجف الأَرض وكون الجبال كثيباً مهيلاً وجعل الولدان شيباً وانفطار السماء. {تَذْكِرَةٌ} عظة. {فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ} إِِلى رضى ربه. {سَبِيلاً} يوصله إِليه وهو الإِيمان والعمل ومفعول شاء مقدر من جنس الجواب كما هو المعتاد أى من شاء اتخاذ السبيل الموصلة إِلى الخير اتخذ الخ. أو من شاء اتخاذ السبيل إِلى ربه اتخذ إِلى ربه سبيلاً، أى لم يمنع من اتخاذ السبيل، وقدره بعض من غير الجواب هكذا من شاء الاتعاظ أى حصول الاتعاظ.

الالوسي

تفسير : {إِنَّ هَـٰذِهِ } إشارة إلى الآيات المنطوية على القوارع المذكورة {تَذْكِرَةٌ } أي موعظة {فَمَن شَاء ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبّهِ سَبِيلاً } بالتقرب إليه تعالى بالايمان والطاعة فإنه المنهاج الموصل إلى مرضاته عز وجل. ومفعول {شَاء} محذوف والمعروف في مثله أن يقدر من جنس الجواب أي فمن شاء اتخاذ سبيل إلى ربه تعالى اتخذ الخ وبعض قدره الاتعاظ لمناسبة ما قبل أي فمن شاء الاتعاظ اتخذ إلى ربه سبيلاً والمراد من نوى أن يحصل له الاتعاظ تقرب إليه تعالى لكن ذكر السبب وأريد مسببه فهو الجزاء في الحقيقة واختار في «البحر» ما هو المعروف وقال إن الكلام على معنى الوعد والوعيد.

ابن عاشور

تفسير : تذييل أي تذكرة لمن يتذكر فإن كان من منكري البعث آمن به وإن كان مؤمناً استفاق من بعض الغفلة التي تعرض للمؤمن فاستدرك ما فاته، وبهذا العموم الشامل لأحوال المتحدث عنهم وأحوال غيرهم كانت الجملة تذييلاً. والإِشارة بـ {هذه} إلى الآيات المتقدمة من قوله: {أية : إنا أرسلنا إليكم رسولاً شاهداً عليكم}تفسير : [المزمل: 15]. وتأكيد الكلام بحرف التأكيد لأن المواجَهين به ابتداءً هم منكرون كون القرآن تذكرة وهدًى فإنهم كذبوا بأنه من عند الله ووسموه بالسحر وبالأساطير، وذلك من أقوالهم التي أرشد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصبر عليها قال تعالى: {أية : واصبر على ما يقولون}تفسير : [المزمل: 10]. والتذكِرة: اسم لمصدر الذُكر بضم الذال، الذي هو خطور الشيء في البال، فالتذكرة: الموعظة لأنه تذكر الغافل عن سوء العواقب، وهذا تنويه بآيات القرآن وتجديد للتحريض على التدبر فيه والتفكر على طريقة التعريض. وفرع على هذا التحريض التعريضيَّ تحريضٌ صريح بقوله: {فمن شاء اتخذ إلى ربّه سبيلاً} أي من كان يريد أن يتخذ إلى ربّه سبيلاً فقد تهيأ له اتخاذ السبيل إلى الله بهذه التذكرة فلم تَبق للمتغافل معذرة. والإِتيان بموصول {من شاء} من قبيل التحريض لأنه يقتضي أن هذا السبيل موصل إلى الخير فلا حائل يحول بين طالب الخير وبين سلوك هذا السبيل إلاّ مشيئته، لأن قوله: {إن هذه تذكرة} قرينة على ذلك. ومن هذا القبيل قوله تعالى: {أية : وقل الحقُ من ربّكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}تفسير : [الكهف: 29]. فليس ذلك إباحةً للإِيمان والكفر ولكنه تحريض على الإِيمان، وما بعده تحذير من الكفر، أي تبعة التفريط في ذلك على المفرط. ولذلك قال ابن عطية: ليس معناه إباحة الأمر وضده بل يتضمن معنى الوعد والوعيد. وفي تفسير ابن عرفة الذي كان بعض شيوخنا يحملها على أنه مخير في تعيين السبيل فمتعلق التخيير عنده أن يبين سبيلاً مَّا من السُبل قال: وهو حسن، فيبقى ظاهر الآية على حاله من التّخيير اهـ. وقد علمت ممّا قرّرناه أنه لا حاجة إليه وأن ليس في الآية شيء بمعنى التخيير. وفي قوله: {إلى ربّه} تمثيل لحال طالب الفوز والهُدى بحال السائر إلى ناصر أو كريم قد أريَ السبيلَ الذي يبلِّغه إلى مقصده فلم يبق له ما يعوقه عن سلوكه.

د. أسعد حومد

تفسير : (19) - إِنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الآيَاتِ، وَمَا ذُكِرَ فِيهَا مِنَ الوَعِيدِ، وَأَهْوَالِ القِيَامَةِ، وَعَذَابِ الكُفَّارِ.. عِبْرَةٌ لِمَنِ اعْتَبَرَ وَادَّكَرَ، فَمَنْ شَاءَ اتَّعَظَ بِهَا، وَاتَّخَذَ سَبِيلاً إِلَى رَبِّهِ، فَآمَنَ بِهِ وَعَمِلَ بِطَاعَتِهِ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ} [المزمل: 19]؛ يعني: إن هذه الآيات موعظة وتذكير لمن يشاء سبيل الهدى والإعراض عن الهوى، {فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً} [المزمل: 19] واشتغل بذكره بكرة وأصيلاً؛ لئلا يذوق في ذلك اليوم عذاباً وبيلاً. {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ} [المزمل: 20]؛ يعني: أيتها اللطيفة الخفية إن الله يعلم أنك في بداية السلوك في ظلمة الليل الجلال تقوم مقام التوجه أقل من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من القوى معك، {وَٱللَّهُ يُقَدِّرُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ} [المزمل: 20] فلا بد من تجلي الجلال والجمال على وفق استطاعة القالب والروح، {عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ} [المزمل: 20] حتى لن تطيقوه، لأن القوة البشرية لا تتحمل هذه المجاهدات التي كنتم تشتغلون بها في البدايات، لأن المبتدئ الرحيل في الطريق ومباينه يظن أنه بالعجلة وحمل الميثاق يقطعه وذلك من غاية اشتياقه وقلة معرفته بالحق، فلما سلك ووصل إلى عالم العرفان يطلع على أن كل شيء مرهون بوقت معين لا يمكن الوصول إليه قبل إيقانه، فدخل فيه الضعف الذي أشار الله تعالى إليه بقوله: {أية : وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً}تفسير : [الأنفال: 66]، ولحكمة هذا الضعف أسرار جمة مختصة بحد القرآن، {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} [المزمل: 20]؛ يعني: رحمكم بالتخفيف والعفو والتقصير في القيام بمثل تلك المجاهدات العنيفة، {فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ} [المزمل: 20] من تناول الحظوظ النفسية والقلبية مما لا يمكن بقاء الحقوق القلبية والروحية إلا بها، فمنَّ عليكم من أن جاهدتم فينا وهديناكم إلى الملة الحنيفية السمحة السمية، من [قوى] صحيفة سركم. واعلموا "حديث : إن الدين لمتين فأوغلوا فيه برفق"؛تفسير : لأن المنبت لا أرض قطع ولا ظهراً أبقى، {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ} [المزمل: 20]؛ يعني: الهوى المؤمنة القالبية ولا الجالبية طعام الحظوظ من عالم الشهادة ابتغاء الحقوق المودعة في الحظوظ التي هي من فضل الله لم تقرع لقراءة صحيفة سره، فهو معفو مغفور أن يقتصر على خمس آيات من لوح قلبه، {وَآخَرُونَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} [المزمل: 20]؛ يعني: القوى المؤمنة النفسية الذين يجاهدون للقى الكافرة القالبية والمشركة النفسية، ويقاتلون القوى الشيطانية النازلة في جهنم الصدر؛ لئلا يغلبوا على القوى القلبية مغفورون وإن اقتصروا على تيسير من قرأ الآيات السرية من لوح القلب مخزون على المقابلة لما كانت القوى القالبية والسرية مجذبة على القراءة، {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ} [المزمل: 20]؛ يعني: أقيموا في مقام التوجه، وآتوا زكاة أنفسكم، وإيتاء زكاة النفس في حد المقام تطهيرها من الحظوظ بحق الذكر، {وَأَقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} [المزمل: 20]؛ يعني: من صلة الرحم وقري الضيف، وصلة الرحم في هذا المقام للسالك أن ينصح لقوى النفس والقالب بالخير، ويدعوهم إلى سبيل النجاة بحسن الخلق والمداراة والرفق بهم، وقري الضيف هو إكرام الخواطر السرية والخفية وإكرامها حضور القلب مع الرب، وإطعامها طعام الذكر وشراب الإخلاص، {وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ} [المزمل: 20]؛ يعني: كل عمل يعمل هو ذخيرة مدخرة عند الله لا بد أن تجدوه؛ لأنه مستودع، {هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً} [المزمل: 20]؛ أي: الساعة ادَّخرنا فيها خير لأنفسكم وطاعة هي خير مما أفنيتم ساعاتكم بالبطالة؛ أي: ادخرتم في تلك الساعة لأنفسكم عقوبة وأعظم أجراً للعمل القلبي من العمل القالبي. فاجتهدوا بعد تحقيق المجاهدة الصورية بالمجاهدة المعنوية؛ وهي الإخلاص في الأعمال وصدق التوجه ونفي الخواطر الردية؛ {وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ} [المزمل: 20] من رؤيتكم خلاصكم، {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [المزمل: 20]؛ يعني: يغفر لمن يتوب إليه بعد الاكتساب من المعاصي، ويرحم من تغلب عليه شهوته، وهو يريد أن يدفعها ولا يمكن له دفعها لغلبة قواها القالبية والنفسية، وضعف قوى قلبه ينصره بخواطر السكينة وملكية الرحمة ما لنا ذلة على صدره من عالم سره ليخرج من ضيق المجاهدة مع الشهوة إلى متسع عالم الرحمة. اللهم اغفر خطايانا، وارحم عجزنا وتقصيرنا بحق محمد صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً وعلى آله وأصحابه أجمعين.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : [أي:] إن هذه الموعظة التي نبأ الله بها من أحوال يوم القيامة وأهواله، تذكرة يتذكر بها المتقون، وينزجر بها المؤمنون، { فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا } أي: طريقا موصلا إليه، وذلك باتباع شرعه، فإنه قد أبانه كل البيان، وأوضحه غاية الإيضاح، وفي هذا دليل على أن الله تعالى أقدر العباد على أفعالهم، ومكنهم منها، لا كما يقوله الجبرية: إن أفعالهم تقع بغير مشيئتهم، فإن هذا خلاف النقل والعقل.