٧٣ - ٱلْمُزَّمِّل
73 - Al-Muzzammil (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
20
Tafseer
الرازي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَىِ ٱلَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ } فيه مسألتان: المسألة الأولى: المراد من قوله: {أدنى من ثلثي الليل } أقل منهما، وإنما استعير الأدنى وهو الأقرب للأقل لأن المسافة بين الشيئين إذا دنت قل ما بينهما من الأحياز وإذا بعدت كثر ذلك. المسألة الثانية: قرىء {وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ } بالنصب والمعنى أنك تقوم أقل من الثلثين وتقوم النصف (والثلث) وقرىء {وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ } بالجر أي تقوم أقل من الثلثين والنصف والثلث، لكنا بينا في تفسير قوله: {أية : قُمِ ٱلَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً } تفسير : [المزمل: 2] أنه لا يلزم من هذا أن يقال: إنه عليه الصلاة والسلام كان تاركاً للواجب وقوله تعالى: {وَطَائِفَةٌ مّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ } وهم أصحابك يقومون من الليل هذا المقدار المذكور. قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يُقَدّرُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ } يعني أن العالم بمقادير أجزاء الليل والنهار ليس إلا الله تعالى. قوله تعالى: {عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ } فيه مسألتان: المسألة الأولى: الضمير في {أَن لَّن تُحْصُوهُ } عائد إلى مصدر مقدر أي علم أنه لا يمكنكم إحصاء مقدار كل واحد من أجزاء الليل والنهار على الحقيقة، ولا يمكنكم أيضاً تحصيل تلك المقادير على سبيل الطعن والاحتياط إلا مع المشقة التامة، قال مقاتل: كان الرجل يصلي الليل كله مخافة أن لا يصيب ما أمر به من قيام ما فرض عليه. المسألة الثانية: احتج بعضهم على تكليف مالا يطاق بأنه تعالى قال: {لَّن تُحْصُوهُ } أي لن تطيقوه، ثم إنه كان قد كلفهم به، ويمكن أن يجاب عنه بأن المراد صعوبته لا أنهم لا يقدرون عليه كقول القائل: ما أطيق أن أنظر إلى فلان إذا استثقل النظر إليه. وقوله تعالى: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ } هو عبارة عن الترخيص في ترك القيام المقدر كقوله تعالى: {أية : فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَٱلـنَ بَـٰشِرُوهُنَّ } تفسير : [البقرة: 187] والمعنى أنه رفع التبعة عنكم في ترك هذا العمل كما رفع التبعة عن التائب. قوله تعالى: {فَٱقْرَءواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْءانِ } وفيه قولان: الأول: أن المراد من هذه القراءة الصلاة لأن القراءة أحد أجزاء الصلاة، فأطلق اسم الجزء على الكل، أي فصلوا ما تيسر عليكم، ثم ههنا قولان: الأول: قال الحسن: يعني في صلاة المغرب والعشاء، وقال آخرون: بل نسخ وجوب ذلك التهجد واكتفى بما تيسر منه، ثم نسخ ذلك أيضاً بالصلوات الخمس القول الثاني: أن المراد من قوله: {فَٱقْرَءواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْءانِ } قراءة القرآن بعينها والغرض منه دراسة القرآن ليحصل الأمن من النسيان قيل: يقرأ مائة آية، وقيل: من قرأ مائة آية كتب من القانتين، وقيل: خمسين آية ومنهم من قال: بل السورة القصيرة كافية، لأن إسقاط التهجد إنما كان دفعاً للحرج، وفي القراءة الكثيرة حرج فلا يمكن اعتبارها. وههنا بحث آخر وهو ما روي عن ابن عباس أنه قال: سقط عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قيام الليل وصارت تطوعاً وبقي ذلك فرضاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم إنه تعالى ذكر الحكمة في هذا النسخ فقال تعالى: {علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرؤا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتو الزكاة }. واعلم أن تقدير هذه الآية كأنه قيل: لم نسخ الله ذلك؟ فقال: لأنه علم كذا وكذا والمعنى لتعذر القيام على المرضى والضاربين في الأرض للتجارة والمجاهدين في سبيل الله، أما المرضى فإنهم لا يمكنهم الاشتغال بالتهجد لمرضهم، وأما المسافرون والمجاهدون فهم مشتغلون في النهار بالأعمال الشاقة، فلو لم يناموا في الليل لتوالت أسباب المشقة عليهم، وهذا السبب ما كان موجوداً في حق النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: {أية : إِنَّ لَكَ فِى ٱلنَّهَارِ سَبْحَاً طَوِيلاً } تفسير : [المزمل: 7] فلا جرم ما صار وجوب التهجد منسوخاً في حقه. ومن لطائف هذه الآية أنه تعالى سوى بين المجاهدين والمسافرين للكسب الحلال وعن ابن مسعود: «حديث : أيما رجل جلب شيئاً إلى مدينة من مدائن المسلمين صابراً محتسباً فباعه بسعر يومه كان عند الله من الشهداء» تفسير : ثم أعاد مرة أخرى قوله: {فَٱقْرَءواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ } وذلك للتأكيد ثم قال: {وأقيموا الصلاة } يعني المفروضة {وآتوا الزكاة } أي الواجبة وقيل: زكاة الفطر لأنه لم يكن بمكة زكاة وإنما وجبت بعد ذلك ومن فسرها بالزكاة الواجبة جعل آخر السورة مدنياً. قوله تعالى: {وَأَقْرِضُواُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً } فيه ثلاثة أوجه أحدها: أنه يريد سائر الصدقات وثانيها: يريد أداء الزكاة على أحسن وجه، وهو إخراجها من أطيب الأموال وأكثرها نفعاً للفقراء ومراعاة النية وابتغاء وجه الله والصرف إلى المستحق وثالثها: يريد كل شيء يفعل من الخير مما يتعلق بالنفس والمال. ثم ذكر تعالى الحكمة في إعطاء المال فقال: {وَمَا تُقَدّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال ابن عباس: تجدوه عند الله خيراً وأعظم أجراً من الذي تؤخره إلى وصيتك عند الموت، وقال الزجاج: وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيراً لكم من متاع الدنيا، والقول ما قاله ابن عباس. المسألة الثانية: معنى الآية: وما تقدموا لأنفسكم من خير فإنكم تجدوه عند الله خيراً وأعظم أجراً إلا أنه قال: هو خيراً للتأكيد والمبالغة، وقرأ أبو السمال هو خير وأعظم أجراً بالرفع على الابتداء والخبر، ثم قال: {وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ } لذنوبكم والتقصيرات الصادرة منكم خاصة في قيام الليل {أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ } لذنوب المؤمنين {رَّحِيمٌ } بهم، وفي الغفور قولان: أحدهما: أنه غفور لجميع الذنوب، وهو قول مقاتل والثاني: أنه غفور لمن يصر على الذنب، احتج مقاتل على قوله بوجهين الأول: أن قوله: {غَفُورٌ رَّحِيمٌ } يتناول التائب والمصر، بدليل أنه يصح استثناء كل واحد منهما وحده عنه وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل والثاني: أن غفران التائب واجب عند الخصم ولا يحصل المدح بأداء الواجب، والغرض من الآية تقرير المدح فوجب حمله على الكل تحقيقاً للمدح، والله سبحانه وتعالى أعلم، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد النبي وآله وصحبه أجمعين.
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث عشرة مسألة: الأولى ـ قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ} هذه الآية تفسير لقوله تعالى: {قُمِ ٱلْلَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ} كما تقدّم، وهي الناسخة لفرضية قيام الليل كما تقدّم. «تَقُومُ» معناه تصلّي و {أَدْنَىٰ} أي أقلّ. وقرأ ٱبن السَّمَيْقَع وأبو حَيْوة وهشام عن أهل الشام {ثُلُثَيِ} بإسكان اللام. {وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ} بالخفض قراءة العامة عطفاً على «ثُلُثَيِ»؛ المعنى: تقوم أدنى من ثلثي الليل ومن نصفه وثلثه. وٱختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ كقوله تعالى: {عَلِمَ أَلَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ} فكيف يقومون نصفه أو ثلثه وهم لا يحصونه. وقرأ ٱبن كثير والكوفيون «ونِصْفَهُ وَثُلُثَه» بالنصب عطفاً على «أَدْنَى» التقدير: تقوم أدنى من ثلثي الليل وتقوم نصفَه وثلثَه. قال الفراء: وهو أشبه بالصواب؛ لأنه قال أقلّ من الثلثين، ثم ذكر نفس القِلّة لا أقلّ من القلّة. القُشَيْري: وعلى هذه القراءة يحتمل أنهم كانوا يصيبون الثلث والنصف؛ لخفة القيام عليهم بذلك القدر، وكانوا يزيدون، وفي الزيادة إصابة المقصود، فأما الثلثان فكان يثقل عليهم قيامه فلا يصيبونه، وينقصون منه. ويحتمل أنهم أُمروا بقيام نصف الليل، ورُخّص لهم في الزيادة والنقصان، فكانوا ينتهون في الزيادة إلى قريب من الثلثين، وفي النصف إلى الثلث. ويحتمل أنهم قدّر لهم النصف وأنقص إلى الثلث، والزيادة إلى الثلثين، وكان فيهم من يفي بذلك، وفيهم من يترك ذلك إلى أن نُسخ عنهم. وقال قوم: إنما ٱفترض الله عليهم الربع، وكانوا ينقصون من الربع. وهذا القول تحكُّم. الثانية ـ قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يُقَدِّرُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ} أي يعلم مقادير الليل والنهار على حقائقها، وأنتم تعلمون بالتحرّي والاجتهاد الذي يقع فيه الخطأ. {عَلِمَ أَلَّن تُحْصُوهُ} أي لن تطيقوا معرفة حقائق ذلك والقيامَ به. وقيل: أي لن تطيقوا قيام الليل. والأوّل أصح؛ فإنّ قيام الليل ما فُرض كله قطّ. قال مقاتل وغيره: لما نزلت {قُمِ ٱلْلَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ} شقّ ذلك عليهم، وكان الرجل لا يدري متى نصف الليل من ثلثه، فيقوم حتى يصبح مخافة أن يخطيء، فٱنتفخت أقدامهم، وٱنْتُقِعت ألوانهم، فرحمهم الله وخفّف عنهم؛ فقال تعالى: {عَلِمَ أَلَّن تُحْصُوهُ} و «أَنْ» مخفّفة من الثقيلة؛ أي علم أنكم لن تحصوه؛ لأنكم إن زدتم ثقل عليكم، وٱحتجتم إلى تكليف ما ليس فرضاً، وإن نقصتم شقّ ذلك عليكم. الثالثة ـ قوله تعالى: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} أي فعاد عليكم بالعفو، وهذا يدل على أنه كان فيهم في ترك بعض ما أمر به. وقيل: أي فتاب عليكم من فرض القيام إذْ عجزتم. وأصل التوبة الرجوع كما تقدّم؛ فالمعنى رجع لكم من تثقيل إلى تخفيف، ومن عُسْر إلى يُسْر. وإنما أمروا بحفظ الأوقات على طريق التحرّي، فخّفف عنهم ذلك التحرّي. وقيل: معنى {وَٱللَّهُ يُقَدِّرُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ} يخلقهما مقدَّرَين؛ كقوله تعالى: { أية : وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً } تفسير : [الفرقان: 2]. ٱبن العربي: تقدير الخلقة لا يتعلّق به حكم، وإنما يربط الله به ما يشاء من وظائف التكليف. الرابعة ـ قوله تعالى: {فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ} فيه قولان: أحدهما أن المراد نفس القراءة؛ أي فٱقرؤوا فيما تصلّونه بالليل ما خفّ عليكم. قال السُّديّ: مائة آية. الحسن: من قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجّه القرآن. وقال كعب: من قرأ في ليلة مائة آية كُتب من القانتين. وقال سعيد: خمسون آية. قلت: قول كعب أصح؛ لقوله عليه السلام: « حديث : من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من الُمَقْنِطرين » تفسير : خرجه أبو داود الطيالسي في مسنده من حديث عبد الله بن عمرو. وقد ذكرناه في مقدّمة الكتاب والحمد لله. القول الثاني: {فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ} أي فصلّوا ما تيسّر عليكم، والصلاة تسمى قرآناً؛ كقوله تعالى: { أية : وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ } تفسير : [الإسراء: 78] أي صلاة الفجر. ٱبن العربي: وهو الأصح؛ لأنه عن الصلاة أخبر، وإليها يرجع القول. قلت: الأوّل أصح حملاً للخطاب على ظاهر اللفظ، والقول الثاني مجاز؛ فإنه من تسمية الشيء ببعض ما هو من أعماله. الخامسة ـ قال بعض العلماء: قوله تعالى: {فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} نَسخَ قيام الليل ونصفه، والنقصان من النصف والزيادة عليه. ثم ٱحتمل قول الله عز وجل: {فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} معنيين أحدهما أن يكون فرضاً ثانياً؛ لأنه أزيل به فرضٌ غيره. والآخر أن يكون فرضاً منسوخاً أزيل بغيره كما أزيل به غيره؛ وذلك لقوله تعالى: { أية : وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً } تفسير : [الإسراء: 79] فاحتمل قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ} أي يتهجد بغير الذي فُرض عليه مما تيسّر منه. قال الشافعيّ: فكان الواجب طلب الاستدلال بالسُّنة على أحد المعنيين، فوجدنا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تدل على أن لا واجب من الصلاة إلا الخمس. السادسة ـ قال القُشيريّ أبو نصر: والمشهور أن نسخ قيام الليل كان في حقّ الأمة، وبقيت الفريضة في حقّ النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقيل: نسخ التقدير بمقدار، وبقي أصل الوجوب؛ كقوله تعالى: { أية : فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ } تفسير : [البقرة: 196] فالهدي لا بدّ منه، كذلك لم يكن بُدٌّ من صلاة الليل، ولكن فُوّض قدره إلى ٱختيار المصلّي، وعلى هذا فقد قال قوم: فَرْض قيام الليل بالقليل باقٍ؛ وهو مذهب الحسن. وقال قوم: نسخ بالكلية، فلا تجب صلاة الليل أصلاً؛ وهو مذهب الشافعي. ولعل الفريضة التي بقيت في حقّ النبيّ صلى الله عليه وسلم هي هذا، وهو قيامه، ومقداره مفوّض إلى خِيرتِه. وإذا ثبت أن القيام ليس فرضاً فقوله تعالى: {فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} معناه ٱقرؤوا إن تيّسر عليكم ذلك، وصلّوا إن شئتم. وصار قوم إلى أن النسخ بالكلية تقرّر في حقّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أيضاً، فما كانت صلاة الليل واجبة عليه. وقوله: {نَافِلَةً لَّكَ} محمول على حقيقة النفل. ومن قال: نسخ المقدار وبقي أصل وجوب قيام الليل ثم نسخ، فهذا النسخ الثاني وقع ببيان مواقيت الصلاة؛ كقوله تعالى: { أية : أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ } تفسير : [الإسراء: 78]، وقوله: { أية : فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ } تفسير : [الروم: 17]، ما في الخبر من أن الزيادة على الصلوات الخمس تطوّع. وقيل: وقع النسخ بقوله تعالى: {وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ} والخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم وللأمة، كما أنّ فرضية الصلاة وإن خوطب بها النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ * قُمِ ٱلْلَّيْلَ} كانت عامة له ولغيره. وقد قيل: إن فريضة الله ٱمتدّت إلى ما بعد الهجرة، ونسخت بالمدينة؛ لقوله تعالى: {عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}، وإنما فرض القتال بالمدينة؛ فعلى هذا بيان المواقيت جرى بمكة، فقيام الليل نسخ بقوله تعالى: { أية : وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ } تفسير : [الإسراء: 79]. وقال ٱبن عباس: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم نَسَخ قولُ الله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ} وجوبَ صلاة الليل. السابعة ـ قوله تعالى: {عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ} الآية؛ بيّن سبحانه علة تخفيف قيام الليل، فإن الخَلْق منهم المريض، ويشّق عليهم قيام الليل، ويشقّ عليهم أن تفوتهم الصلاة، والمسافر في التجارات قد لا يطيق قيام الليل، والمجاهد كذلك، فخفّف الله عن الكل لأجل هؤلاء. و «أَنْ» في «أَنْ سَيَكُونُ» مخففة من الثقيلة؛ أي علم أنه سيكون. الثامنة ـ سَوَّى الله تعالى في هذه الآية بين درجة المجاهدين والمكتسبين المال الحلال للنفقة على نفسه وعياله، والإحسان والإفضال، فكان هذا دليلاً على أن كسب المال بمنزلة الجهاد؛ لأنه جمعه مع الجهاد في سبيل الله. وروي إبراهيم عن علقمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : ما من جالب يجلب طعاماً من بلد إلى بلد فيبيعه بسعر يومه إلا كانت منزلته عند الله منزلة الشهداء »تفسير : ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} وقال ٱبن مسعود: أيّما رجل جلب شيئاً إلى مدينة من مدائن المسلمين صابراً محتسباً، فباعه بسعر يومه كان له عند الله منزلة الشهداء. وقرأ {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ} الآية. وقال ٱبن عمر: ما خلق الله موتة أموتها بعد الموت في سبيل الله أحبّ إليّ من الموت بين شعبتي رَحْلِي، ٱبتغي من فضل الله ضارباً في الأرض. وقال طاوس: الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله. وعن بعض السلف أنه كان بواسط، فجهز سفينة حِنطة إلى البصرة، وكتب إلى وكيله: بِعِ الطعام يوم تدخل البصرة، ولا تؤخره إلى غدٍ؛ فوافق سعةً في السعر؛ فقال التجار للوكيل: إن أخرته جمعة ربحت فيه أضعافه، فأخره جمعة فربح فيه أمثاله، فكتب إلى صاحبه بذلك، فكتب إليه صاحب الطعام: يا هذاٰ إنا كنا قنعنا بربح يسير مع سلامة ديننا، وقد جنيت علينا جناية، فإذا أتاك كتابي هذا فخذ المال وتصدّق به على فقراء البصرة، وليتني أنجو من الاحتكار كَفافاً لا عليّ ولا لي. ويروي أن غلاماً من أهل مكة كان ملازماً للمسجد، فافتقده ٱبن عمر، فمشي إلى بيته، فقالت أمه: هو على طعام له يبيعه؛ فلقيه له: يا بني! مالك وللطعام؟ فهلاّ إبلاً، فهلاّ بقراً، فهلاّ غنما! إن صاحب الطعام يحب المَحْل، وصاحب الماشية يحب الغيث. التاسعة ـ قوله تعالى: {فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} أي صلّوا ما أمكن؛ فأوجب الله من صلاة الليل ما تيسر، ثم نسخ ذلك بإيجاب الصلوات الخمس على ما تقدّم. قال ٱبن العربي وقد قال قوم: إن فرض قيام الليل سُنَّ في ركعتين من هذه الآية؛ قاله البخاريّ وغيره، وعقد باباً ذكر فيه حديث. « حديث : يَعقِد الشيطانُ على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عُقَد، يضرب على كل عُقْدَة مكانها: عليك ليل طويل فٱرقد. فإن ٱستيقظ فذكر الله ٱنحلت عُقْدة، فإن توضأ ٱنحلت عُقْدة، فإن صلّى ٱنحلت عُقَده كلّها، فأصبح نشيطاً طيّب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان » تفسير : وذكر حديث سَمُرة بن جُنْدُبَ « حديث : عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في الرؤيا قال: «أما الذي يُثْلَغ رأسُه بالحجر فإنه يأخذ القرآن فيرفُضه، وينام عن الصلاة المكتوبة» »تفسير : . وحديث عبد الله بن مسعود قال: حديث : ذكر عند النبيّ صلى الله عليه وسلم رجل ينام الليل كلّه فقال: «ذلك رجل بال الشيطان في أذنيه» » تفسير : فقال ٱبن العربيّ: فهذه أحاديث مقتضية حمل مطلق الصلاة على المكتوبة؛ فيحمل المطلق على المقيد لاحتماله له، وتسقط الدعوى ممَّن عيَّنه لقيام الليل. وفي الصحيح واللفظُ للبخاري: قال عبد الله بن عمرو: وقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : يا عبد الله لا تكن مثَل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليل » تفسير : ولو كان فرضاً ما أقره النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولا أخبر بمثل هذا الخبر عنه، بل كان يذمه غاية الذمّ، وفي الصحيح « حديث : عن عبد الله بن عمر قال: كان الرجل في حياة النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا رأي رؤيا قصّها على النبيّ صلى الله عليه وسلم، وكنت غلاماً شابًّا عَزَباً، وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطويّة كطيّ البئر، وإذا لها قرنان، وإذا فيها ناس قد عرفتهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار. قال: ولقينا مَلَك آخر، فقال لي: لم تُرَعْ. فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «نعم الرجل عبد الله لو كان يصلّي من الليل» »تفسير : ، فكان بعدُ لا ينام من الليل إلا قليلاً؛ فلو كان تَرْك القيام معصية لما قال له المَلك: لم تُرَعْ. والله أعلم. العاشرة ـ إذا ثبت أن قيام الليل ليس بفرض، وأن قوله: {فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ}؛ {فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} محمول على ظاهره من القراءة في الصلاة، فاختلف العلماء في قدر ما يلزمه أن يقرأ به في الصلاة؛ فقال مالك والشافعيّ: فاتحة الكتاب لا يجزيء العدول عنها، ولا الاقتصار على بعضها، وقدّره أبو حنيفة بآية واحدة، من أيّ القرآن كانت. وعنه ثلاث آيات؛ لأنها أقلّ سورة. ذكر القول الأوّل الماورديّ والثاني ٱبن العربيّ. والصحيح ما ذهب إليه مالك والشافعيّ، على ما بيّناه في سورة «الفاتحة» أوّل الكتاب والحمد لله. وقيل: إن المراد به قراءة القرآن في غير الصلاة؛ قال الماورديّ: فعلى هذا يكون مطلق هذا الأمر محمولاً على الوجوب، أو على الاستحباب دون الوجوب. وهذا قول الأكثرين؛ لأنه لو وجب عليه أن يقرأ لوجب عليه أن يحفظه. الثاني أنه محمول على الوجوب؛ ليقف بقراءته على إعجازه، وما فيه من دلائل التوحيد وبعث الرسل، ولا يلزمه إذا قرأه وعرف إعجازه ودلائل التوحيد منه أن يحفظه؛ لأن حِفظ القرآن من القُرَب المستحبة دون الواجبة. وفي قدر ما تضمنه هذا الأمر من القراءة خمسة أقوال: أحدها جميع القرآن؛ لأن الله تعالى يسره على عبادِه؛ قاله الضحاك. الثاني ثلث القرآن؛ حكاه جوبير. الثالث مائتا آية؛ قاله السُّديّ. الرابع مائة آية؛ قاله ٱبن عباس. الخامس ثلاث آيات كأقصر سورة؛ قاله أبو خالد الكناني. الحادية عشرة ـ قوله تعالى: {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} يعني المفروضة وهي الخمس لوقتها. {وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ} الواجبة في أموالكم؛ قاله عكرمة وقتادة. وقال الحارث العُكْلي: صدقة الفطر لأن زكاة الأموال وجبت بعد ذلك. وقيل: صدقة التطوّع. وقيل: كل أفعال الخير. وقال ٱبن عباس: طاعة الله والإخلاص له. الثانية عشرة ـ قوله تعالى: {وَأَقْرِضُواُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} القرض الحسن ما قصد به وجه الله تعالى خالصاً من المال الطيّب. وقد مضى في سورة «الحديد» بيانه. وقال زيد ٱبن أسلم: القرض الحسن النفقة على الأهل. وقال عمر بن الخطاب: هو النفقة في سبيل الله. الثالثة عشرة ـ قوله تعالى: {وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ} «البقرة». وروي عن عمر بن الخطاب أنه ٱتخذ حَيْساً ـ يعني تمراً بلبن ـ فجاءه مسكين فأخذه ودفعه إليه. فقال بعضهم: ما يدري هذا المسكين ما هذا؟ فقال عمر: لكن رب المسكين يدري ما هو. وكأنه تأوّلَ {وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْراً} أي مما تركتم وخلفتم، ومن الشّح والتقصير. {وَأَعْظَمَ أَجْراً} قال أبو هريرة: الجنة؛ ويحتمل أن يكون أعظم أجراً؛ لإعطائه بالحسنة عشراً. ونصب «خيرا وأَعْظَم» على المفعول الثاني لـ «ـتَجِدُوهُ» و «هو»: فصل عند البصريين، وعماد في قول الكوفيين، لا محل له من الإعراب. و «أَجْرَاً» تمييز. {وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ} أي سلوه المغفرة لذنوبكم {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} لما كان قبْلَ التوبة {رَّحِيمٌ} لكم بعدها؛ قاله سعيد بن جبير. ختمت السورة والحمد لله.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ } أقل {مِن ثُلُثَىِ ٱلَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ } بالجر عطف على «ثلثي» وبالنصب على «أدنى» وقيامه كذلك نحو ما أمر به أول السورة {وَطَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ } عطف على ضمير «تقوم» وجاز من غير تأكيد للفصل، وقيام طائفة من أصحابه كذلك للتأسي به، ومنهم من كان لا يدري كم صلى من الليل وكم بقي منه فكان يقوم الليل كله احتياطاً، فقاموا حتى انتفخت أقدامهم سنة أو أكثر فخفف عنهم. قال تعالى {وَٱللَّهُ يُقَدِّرُ } يحصي {ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ عَلِمَ أَن} مخففة من الثقيلة واسمها محذوف، أي أنه {لَّن تُحْصُوهُ } أي الليل لتقوموا فيما يجب القيام فيه إلا بقيام جميعه وذلك يشق عليكم {فَتَابَ عَلَيْكُمْ } رجع بكم إلى التخفيف {فَٱقْرَءَواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ } في الصلاة بأن تصلوا ما تيسر {عَلِمَ أَن} مخففة من الثقيلة، أي أنه {سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى ٱلأَرْضِ } يسافرون {يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ } يطلبون من رزقه بالتجارة وغيرها {وَءَاخَرُونَ يُقٰتِلُونَ فِى سَبيِلِ ٱللَّهِ} وكل من الفرق الثلاثة يشق عليهم ما ذكر في قيام الليل فخفف عنهم بقيام ما تيسر منه، ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس {فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ } كما تقدّم {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلـَٰوةَ} المفروضة {وَءَاتُواْ ٰلزَّكـَٰوةِ وَأَقْرِضُواْ ٱللَّهَ} بأن تنفقوا ما سوى المفروض من المال في سبيل الخير {قَرْضًا حَسَنًا } عن طيب قلب {وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْراً } مما خلفتم. و «هو» فصل، وما بعده وإن لم يكن معرفة يشبهها لامتناعه من التعريف {وَأَعْظَمَ أَجْراً وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } للمؤمنين.
ابن عبد السلام
تفسير : {لَّن تُحْصُوه} لن تطيقوا قيام الليل أو تقدير نصفه وثلثه وربعه {فَاقْرَءُاْ} فصلوا عبر عن الصلاة بالقراءة {مَا تَيَسَّرَ} من النوافل إذ لا يؤمر في الفرض بما تيسر أو الصلوات الخمس ما تيسر من أفعالها وأركانها على قدر القوّة والضعف والصحة والمرض دون العدد لأنّ الناس انتقلوا من قيام الليل إلى الصلوات الخمس أو بحمل القرآن على حقيقته يُقْراْ به في الصلاة وما تيسر: الفاتحة عند من أوجبها أو قدر آية واحدة من القرآن أو أراد القراءة خارج الصلاة وهي مستحبة أو واجبة ليقف بها على إعجازه ودلائله فإذا قرأه وعرف إعجازه ودلائل التوحيد منه فلا يلزمه حفظه. لأنّ حفظه مستحب فعلى هذا المراد به جميع القرآن لأنّ الله ـ تعالى ـ يسره على العباد أو ثلثه أو مائتا آية منه أو ثلاث آيات كأقصر سورة {يَضْرِبُونَ فِى الأَرْضِ} بالمسافرة، أو بالتقلب للتجارة. {فاقْرَءُاْ مَا تَيَسَّرَ} قيل أعادة لنسخ ما فرضه من قيام الليل وجعل ما تيسر منه تطوعاً ونفلاً فأقيموا الصلوات الخمس {الزَّكَاةَ} الطاعة والإخلاص "ع" أو صدقة الفطر أو زكوات الأموال كلها. {قَرْضاً حَسَناً} النوافل بعد الفروض أو قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أو نفقة الأهل أو النفقة في سبيل الله أو جميع الطاعات "وسماه قرضاً لأنه أوجب جزاءه على نفسه فصار كالقرض المردود" {تَجِدُوهُ} أي ثوابه {هُوَ خَيْراً} مما أعطيتم أو فعلتم {وَأَعْظَمَ أَجْراً} الجنة {غَفُورٌ} لما كان قبل التوبة {رَّحِيمٌ} لكم بعدها.
الخازن
تفسير : {إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي اللّيل} أي أقل من ثلثي الليل {ونصفه وثلثه} أي تقوم نصفه وثلثه {وطائفة من الذين معك} يعني المؤمنين، وكانوا يقومون معه الليل {والله يقدر اللّيل والنّهار} يعني أن العالم بمقادير الليل والنهار وأجزائهما وساعاتهما هو الله تعالى. لا يفوته علم ما يفعلون، فيعلم القدر الذي يقومون من اللّيل والذي ينامون منه. {علم أن لن تحصوه} يعني أن لن تطيقوا معرفته على الحقيقة. قيل قاموا حتى انتفخت أقدامهم، فنزل: علم أن لن تحصوه أي لن تطيقوه، قيل كان الرجل يصلي الليل كله مخافة أن لا يصيب ما أمر الله به من القيام فقال تعالى: علم أن لن تحصوه أي لن تطيقوا معرفة ذلك {فتاب عليكم} أي فعاد عليكم بالعفو والتخفيف، والمعنى عفا عنكم ما لم تحيطوا بعلمه ورفع المشقة عنكم {فاقرؤوا ما تيسر من القرآن} فيه قولان: أحدهما: أن المراد بهذه القراءة. القراءة في الصلاة، وذلك لأن القراءة أحد أجزاء الصّلاة، فأطلق اسم الجزء على الكل، والمعنى فصلوا ما تيسر عليكم. وقال الحسن: يعني في صلاة المغرب والعشاء، قال قيس بن أبي حازم: صليت خلف ابن عباس بالبصرة فقرأ في أول ركعة بالحمد، وأول آية من البقرة، ثم قام في الثانية، فقرأ بالحمد والآية الثانية من البقرة، ثم ركع فلما انصرف أقبل علينا بوجهه فقال: إن الله تعالى يقول فاقرؤوا ما تيسر منه، وقيل نسخ ذلك التّهجد، واكتفي بما تيسر ثم نسخ ذلك أيضاً بالصّلوات الخمس وذلك في حق الأمة وثبت قيام اللّيل في حقه صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: {ومن اللّيل فتهجد به نافلة لك}. القول الثاني: أن المراد بقوله فاقرؤوا ما تيسر من القرآن دراسته، وتحصيل حفظه وأن لا يعرض للنسيان، فقيل يقرأ مائة آية ونحوها، وقيل إن قراءة السورة القصيرة كافية. روى البغوي بإسناده عن أنس رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : من قرأ خمسين آية في يوم وليلة لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ مائة آية كتب من القانتين، ومن قرأ مائتي آية، لم يحاججه القرآن يوم القيامة، ومن قرأ خمسمائة آية كتب له قنطار من الأجر"تفسير : . وذكره الشّيخ محيي الدّين في كتابه الأذكار ولم يضعفه وقال: في رواية "من قرأ أربعين آية بدل خمسين وفي رواية عشرين" وفي رواية "حديث : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ألم أخبر أنك تصوم الدهر، وتقرأ القرآن كل ليلة قلت بلى يا رسول الله، ولم أرد بذلك إلا الخير قال فصم صوم داود وكان أعبد النّاس واقرأ القرآن في كل شهر مرة قال قلت يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك قال فاقرأه في كل عشر قال: قلت يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك قال فاقرأه في سبع ولا تزد على ذلك"" تفسير : ثم ذكر الله حكمة النّسخ والتّخفيف. فقال تعالى: {علم أن سيكون منكم مرضى} يعني أن المريض يضعف عن التّهجد باللّيل فخفف الله عز وجل عنه لأجل ضعفه وعجزه عنه {وآخرون يضربون في الأرض} يعني المسافرين للتجارة {يبتغون من فضل الله} أي يطلبون من رزق الله وهو الربح في التجارة {وآخرون يقاتلون في سبيل الله} يعني الغزاة والمجاهدين، وذلك لأن المجاهد والمسافر مشتغل في النهار بالأعمال الشّاقة، فلو لم ينم بالليل لتوالت عليه أسباب المشقة، فخفف الله عنهم لذلك. روي عن ابن مسعود: قال "أيما رجل جلب شيئاً إلى مدينة من مدائن المسلمين صابراً محتسباً، فباعه بسعر يومه كان عند الله بمنزلة الشّهداء ثم قرأ عبد الله: وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله" {فاقرؤوا ما تيسر منه} أي من القرآن وإنما أعاده للتأكيد {وأقيموا الصّلاة} يعني المفروضة {وآتوا الزكاة} أي الواجبة. {وأقرضوا الله قرضاً حسناً} قال ابن عباس: يريد سوى الزكاة من صلة الرحم وقرى الضيف، وقيل يريد سائر الصّدقات، وذلك بأن يخرجها على أحسن وجه من كسب طيب، ومن أكثر الأموال نفعاً للفقراء ومراعاة النيّة والإخلاص وابتغاء مرضاة الله تعالى بما يخرج والصرف إلى المستحق. {وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله} أي ثوابه وأجره {هو خيراً وأعظم أجراً} يعني أن الذي قدمتم لأنفسكم خير من الذي أخرتموه ولم تقدموه وروى البغوي بسنده عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أيكم ماله أحب إليه من مال وارثه قالوا يا رسول الله ما منا أحد إلا ما له أحب إليه من مال وارثه قال اعلموا ما تقولون قالوا ما نعلم إلا ذلك يا رسول الله قال ما منكم رجل إلا مال وارثه أحب إليه من ماله، قالوا كيف يا رسول الله؟ قال: إنما قال أحدكم ما قدم ومال وارثه ما أخر" تفسير : {واستغفروا الله} أي لذنوبكم وتقصيركم في قيام الليل {إن الله غفور رحيم} أي لجميع الذنوب، والله تعالى أعلم.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ...} الآية، المعنى أنَّ اللَّهَ تعالى يعلمُ أنَّكَ تَقُومُ أنْتَ وغيرك من أُمَّتِك قياماً مختلفاً مَرَّةً يكْثُرُ ومرَّةً يَقلّ، ومرة أدْنَى من الثلثين، ومرة أدنى من النصفِ، ومرة أدْنَى من الثلث، وذلك لِعَدَمِ تَحْصِيل البَشَرِ لِمَقَادِيرِ الزمان، مع عُذْرِ النَّوْمِ، وتقديرُ الزمان حقيقةٌ إنما هو للَّهِ تعالى، وأما البشَرُ فلا يُحْصِي ذلك، فتابَ اللَّه عليهمْ، أي: رَجَعَ بهم من الثِّقَلِ إلى الخِفَّةِ وأمرهم بقراءةِ ما تيسَّر، ونحوَ هذَا تُعْطِي عِبَارةُ الفراء، ومنذر فإنهما قالا: تُحْصُوه تَحْفَظُوه، وهذا التأويلُ هو على قراءة الخفضِ عَطْفاً على الثلثين وهي قراءة أبي عمرٍو ونافعٍ وابن عامر، وأمَّا مَنْ قَرأَ: «ونصفَه وثلثَه» بالنَّصْبِ عَطْفاً على أدْنَى وهي قراءة باقي السبعةِ، فالمعنى عندَهم أنَّ اللَّه تعالى قَدْ عَلِمَ أنهم يَقْدِرُونَ الزمانَ على نحو مَا أَمَرَ بهِ تعالى، في قوله: {أية : نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ}تفسير : [المزمل:3-4] فلم يبقَ إلا قوله: {أَن لَّن تُحْصُوهُ} فمعناه لَنْ يُطِيقُوا قيامَه لِكَثْرَتِهِ وشدتهِ، فَخَفَّفَ اللَّهُ عنهم فَضْلاً منه؛ لا لِعِلَّةِ جهلهم بالتقدير وإحصاء الأوقاتِ، ونَحوَ هذا تُعْطي عبارةُ الحسن وابن جبير؛ فإنهما قالا: تحصُوه: تُطِيقُوه، وعبارةُ الثعلبيِّ: ومَنْ قَرَأَ بالنَّصْبِ؛ فالمعنى: وتَقُومُ نصْفَه وثلثَه، قال الفراء: وهو الأشْبَه بالصَّوَابِ؛ لأنه قَالَ أَقَلَّ مِنَ الثلثينِ، ثم ذكر تفسيرَ القلةِ لا تَفْسِيرَ أَقَلِّ مِنَ القلةِ، انتهى، ولو عَبَّر الفَرَّاءُ بالأَرْجَحِ، لكانَ أحْسَنَ أدَباً، وعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ: لاَ إلٰه ِإِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدير، الحَمْدُ للَّهِ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَلاَ إلٰهَ إلاَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ بِاللَّهِ»تفسير : ثم قال: «حديث : اللَّهُمَّ، ٱغْفِرْ لي، أوْ دَعَا، ٱسْتُجِيبَ لَهُ، فإنْ تَوَضَّأَ، ثمَّ صَلَّىٰ قُبِلَتْ صَلاَتُهُ»تفسير : ، رواه الجماعة إلا مسلماً، وَتَعَارَّ ـــ بتشديدِ الرَّاءِ ـــ مَعْنَاه: اسْتَيْقَظَ، انتهى من «السلاح». وقوله تعالى: {فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ} قال الثعلبيُّ أي: مَا خَفَّ وَسَهُلَ بغير مِقْدَارٍ مِنَ القِرَاءَةِ، والمُدَّةِ، وقيل: المعنى فَصَلُّوا ما تيسَّر فَعَبَّر بالقراءةِ عنها. * ت *: وهذا هو الأصَحُّ عند ابن العربي، انتهى، قال * ع *: قوله: {فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ} هو أمْرُ نَدْبٍ في قولِ الجمهور، وقال جماعة: هو فَرْضٌ لاَ بُدَّ منه ولو خَمْسِينَ آيةً، وقال الحسنُ وابن سيرين: قيامُ الليل فَرْضٌ وَلَوْ قَدْرُ حَلْبِ شَاةٍ، إلا أنَّ الحسنَ قال: مَنْ قَرأَ مِائَة آيةٍ لَمْ يُحَاجَّهُ القرآن؛ واسْتَحْسَنَ هذا جماعةٌ من العلماء؛ قال بعضهم: والركعتانِ بَعْدَ العشاءِ مَعَ الوِتْرِ دَاخِلَتَانِ في امتثالِ هذا الأَمْرِ؛ ومن زَادَ زَادَهُ اللَّه ثواباً، * ت *: ينبغي للعاقِل المبَادَرَةُ إلى تَحْصِيلِ الخَيْرَاتِ قَبْلَ هُجُومِ صَوْلَةِ المَمَاتِ، قَالَ البَاجِيُّ في «سنن الصالحين» له: قَالَتْ بنت الربيعِ بْنِ خُثَيْمٍ لأبيها: يا أبَتِ ما لِي أَرَى النَّاسَ يَنَامُونَ وأنْتَ لاَ تَنَامُ، قال: إنَّ أَبَاكِ يَخَافُ البَيَاتَ، قال الباجيُّ ـــ رحمه اللَّه تعالى ـــ: ولي في هذا المعنى: [من الرجز] شعر : قَدْ أَفْلَحَ القَانِتُ في جُنْحِ الدُّجَىٰ يَتْلُو الْكِتَابَ العَرَبِيَّ النَّيِّرَا [فَقَائِماً وَرَاكِعاً وَسَاجِدا مُبْتَهِلاً مُسْتَعْبِراً مُسْتَغْفِرَا] لَهُ حَنِينٌ وَشَهِيقٌ وَبُكَا يَبُلُّ مِنْ أَدْمُعِهِ تُرْبَ الثَّرَىٰ إنَّا لَسَفْرٌ نَبْتَغِي نَيْلَ الْهُدَىٰ فَفِي السُّرَىٰ بُغْيَتُنَا لاَ في الْكَرَا مَنْ يَنْصَبِ اللَّيْلَ يَنَلْ رَاحَتَهُ عِنْد الصَّبَاحِ يَحْمَدُ القَوْمُ السُّرَىٰ تفسير : انتهى، والضربُ في الأرضِ هو السَّفَرُ للتجارةِ ابتغاءَ فضلِ اللَّهِ سبحانه، فذكرَ اللَّه سبحانه أعْذَارَ بني آدمَ التي هي حائلةٌ بينَهم وبيْنَ قيامِ الليل، ثم كرَّر سبحانَه الأَمْرَ بقراءةِ ما تَيَسَّر منه تأكِيداً، والصلاةُ والزكاة هنا هما المفروضَتَانِ، فمن قال: إن القِيَامَ من الليلِ غَيْرُ واجبٍ؛ قال: معنى الآية خُذُوا من هذا النَّفْلِ بما تَيَسَّر وحَافِظُوا على فَرَائِضِكم، ومَنْ قال: إن شَيْئاً من القيامِ واجبٌ؛ قال: قَدْ قَرَنَه اللَّهُ بالفرائِضِ؛ لأنه فَرْضٌ وإقْراضُ اللَّه تعالى هو إسْلاَفُ العملِ الصالحِ عنده، وقرأ جمهورُ الناس «هو خيراً» على أن يكونَ «هو» فَصْلاً، قال بعضُ العلماءِ: الاستِغفارُ بَعْدَ الصلاة مُسْتَنْبَطٌ من هذه الآيةِ، ومن قوله تعالى: {أية : كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱلَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِٱلأَسْحَـٰرِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ }تفسير : [الذاريات:17-18] قال * ع *: وَعَهَدْتُ أبي ـــ رحمه اللَّه ـــ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ إثْرَ كل مكتُوبةٍ ثَلاَثَاً بِعَقِبِ السلام، ويأثر في ذلك حديثاً، فكان هذا الاستغفارُ من التقصيرِ وتَقَلُّبِ الفِكْرِ أثْنَاء الصلاة، وكان السلفُ الصالحُ يُصَلُّونَ إلى طلوع الفجر؛ ثم يجلسُون للاسْتِغْفَارِ. * ت *: وما ذكره * ع *: ـــ رحمه اللَّه ـــ عَنْ أبيه رَوَاهُ مسلم وأبو داودَ والترمذي والنسائي وابنُ ماجَه عن ثوبان قال: «حديث : كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا ٱنْصَرَفَ مِنْ صَلاَتِهِ، ٱسْتَغْفَرَ ثَلاَثاً وقَالَ: «اللَّهُمَّ، أَنْتَ السَّلاَمُ وَمِنْكَ السَّلاَمُ تَبَارَكْتَ يَا ذَا الجَلاَلِ والاۤكْرَامِ»تفسير : ، قال الوليدُ: فقلتُ للأوزاعيِّ: كَيْفَ الاسْتِغْفَارُ؟ قال: تَقُولُ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ، أسْتَغْفِرُ اللَّهَ، أسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وفي روايةٍ لمسلم من حديثِ عائشةَ: «حديث : يَا ذَا الجَلاَلِ والإكْرَامِ»تفسير : ، انتهى من «سلاح المؤمن».
ابن عادل
تفسير : قوله: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلْلَّيْلِ}. العامة: على ضم "اللام" من "ثلثي" وهو الأصل، كالربع والسدس. وقرأ هشام: بإسكانها تخفيفاً. قوله: {وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ}، قرأ الكوفيون وابن كثير: بنصبهما، والباقون، بجرهما. وفي الجر إشكال يأتي إن شاء الله تعالى. فالنصبُ: نسق على "أدْنَى"؛ لأنه بمعنى وقت أدنى، أي: أقرب، استعير الدنو لقرب المسافة في الزمان، وهذا مطابق لما في أول السورة من التقسيم، وذلك أنه إذا قام أدنى من ثلثي الليل، فقد صدق عليه أنه قام الليل إلا قليلاً، لأن الزمان لم يقم فيه، فيكون الثلث، وشيئاً من الثلثين، فيصدق عليه قوله: "إلاَّ قَلِيلاً". وأما قوله: "ونصفهُ" فهو مطابق لقوله: "ولا نِصْفهُ"، وأما قوله: "وثُلثهُ" فإنَّ قوله: {أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً} قد ينتهى النقص في القليل إلى أن يكون الوقت ثلثي الليل، وأما قوله: {أَو زِدْ عَلَيْهِ} فإنَّه إذا زاد على النصف قليلاً كان الوقت أقل من الثلثين. فيكون قد طابق أدنى من ثلثي الليل، ويكون قوله تعالى: {نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً} شرطاً لمبهم ما دل عليه قوله: {قُمِ ٱلْلَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً}، وعلى قراءة النصب: فسر الحسن "تحصُوهُ" بمعنى تطيقوه، وأما قراءة الجر: فمعناها أنه قيام مختلف مرة أدنى من الثلثين، ومرة أدنى من الثلث وذلك لتعذر معرفة البشر بمقدار الزمان مع عذر النوم، وقد أوضح هذا كله الزمخشري، فقال: وقرىء: "نصفه وثلثه" بالنصب، على أنك تقوم أقل من الثلثين، وتقوم النصف والثلث، وهو مطابق لما مر فيه أول السورة في التخيير بين قيام النصف بتمامه، وبين قيام الناقص وهو الثلث، وبين قيام الزائد عليه وهو الأدنى من الثلثين. وقرىء بالجر أي تقوم أقل من الثلثين وأقل من النصف والثلث، وهو مطابق للتخيير بين النصف، وهو أدنى من الثلثين، والثلث، وهو أدنى من النصف، والربع وهو أدنى من الثلث، وهو الوجه الأخير، انتهى. يعني بالوجه الأخير ما قدمه أول السورة من التأويلات. وقال أبو عبد الله الفارسي: وفي قراءة النصب إشكال إلا أن يقدر نصفه تارة، وثلثه تارة، وأقل من النصف، والثلث تارة، فيصح المعنى. فصل في بيان أن هذه الآية تفسير للقيام في أول السورة قال القرطبي: هذه الآية تفسير لقوله تعالى: {إِلاَّ قَلِيلاً نِصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً} أو زد عليه - كما تقدم - وهي الناسخة لفريضة قيام الليل كما تقدم، ومعنى قوله تعالى: "تَقُومُ" أي: تصلي، و "أدْنَى"، أي: أقل. وقرأ ابن السميقع وأبو حيوة وهشام عن أهل الشام: "ثلثي" بإسكان اللام، و "نصفه وثلثه" بالخفض: قراءة العامة - كما تقدم -، عطفاً على "ثلثي" والمعنى: تقوم أدنى من ثلثي الليل، ومن نصفه، وثلثه، وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم، لقوله تعالى: {عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ} فكيف تقيمون نصفه أو ثلثيه، وهو لا تحصونه؟! وأما قراءة النصف عطفاً على "أدنى"، والتقدير: تقوم أدنى من ثلثيه وتقوم نصفه وثلثه. قال الفراءُ: وهو أشبه بالصوابِ؛ لأنه قال: أقلّ من الثلثين، ثم ذكر نفس القلة لا أقل من القلة. قال القشيريُّ: وعلى هذه القراءة يحتمل أنهم كانوا يصيبون الثلث والنصف لخفة القيام عليهم بذلك القدر، وكانوا يزيدون، وفي الزيادة إصابة المقصود، فأما الثلثان فكان يثقل عليهم قيامه فلا يصيبونه، وينقصون منه، ويحتمل أنهم أمروا بالقيام نصف الليل، ورخص لهم في الزيادة والنقصان، وكانوا ينتهون في الزيادة إلى قريب من الثلثين، وفي النصف إلى قريب من الثلث، ويحتمل أنَّهُم قدر لهم النصف وأنقص إلى الثلث، والزيادة إلى الثلثين، وكان فيهم من يفي بذلك، وفيهم من يترك ذلك إلى أن نسخ عنهم، وقيل: إنَّما فرض عليهم الربع، وكانوا ينقصون من الربع. قال القرطبيُّ: "وهَذَا تَحكُّمٌ". قوله: {وَطَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ}. رفع بالعطف على الضمير في "تقُومُ"، وجوز ذلك الفصل بالظرف، وما عطف عليه. قوله: {وَٱللَّهُ يُقَدِّرُ ٱلْلَّيْلَ}. قال الزمخشريُّ: "تقديم اسم الله - عز وجل - مبتدأ مبنياً عليه "يقدر" هو الدال على معنى الاختصاص بالتقدير". ونازعه أبو حيَّان في ذلك، وقال: "لو قيل: زيدٌ يحفظ القرآن، لم يدل ذلك على اختصاصه". وقيل: الاختصاص في الآية مفهوم من السياق، والمعنى: ليعلم مقادير الليل، والنهار على حقائقها، وأنتم تعلمون بالتحري، والاجتهاد الذي يقع فيه الخطأ. قوله: {عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ}، "أنْ لَنْ" و "أنْ سَيكُون" كلاهما مخففة من الثقيلة والفاصل للنفي، وحرف التنفيس. والمعنى: علم أن لن تطيقُوا معرفة حقائق ذلك، والقيام به، أي: أن الله هو الذي يعلم مقادير الليل والنهار على حقيقته. وقيل: المعنى: لن تطيقوا قيام الليل، والأصح الأول، لأن قيام الليل ما فرض كله قط. قال مقاتل وغيره: لما نزل {أية : قُمِ ٱلْلَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً أَوْ زِدْ عَلَيْهِ} تفسير : [المزمل: 2-4] شق ذلك عليهم، وكان الرجل لا يدري متى نصف الليل، من ثلثه، فيقوم حتى يصبح مخافة أن يخطىء، وانتفخت أقدامهم، وانتقعت ألوانهم، فخفف الله عليهم، وقال: {عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ}، أي: علم أنكم إن زدتم ثقل عليكم، واحتجتم إلى تكليف ما ليس فرضاً، وإن نقصتم شق معرفة ذلك عليكم. قوله: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ}، أي: فعاد عليكم بالعفو، وهذا يدل على أنه كان فيهم من ترك بعض ما أمر به. وقيل: "فتَابَ علَيْكمْ" من فرض القيام أو عن عجزكم، وأصل التوبة الرجوع - كما تقدم - فالمعنى: رجع لكم من تثقيل إلى تخفيف، ومن عسر إلى إيسار، وإنما أمروا بحفظ الأوقات بالتحري، فخفف عنهم ذلك التحري. وقيل: معنى قوله: {وَٱللَّهُ يُقَدِّرُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ}، أي: يخلقهما مقدرين، كقوله تعالى: {أية : وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً}تفسير : [الفرقان: 2]. قال ابنُ العربي: تقدير الخلقة لا يتعلق به حكم وإنما يربط الله به ما يشاء من وظائف التكليف. قوله: {فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ}. قيل: المراد نفس القراءةِ، أي: فاقرأوا فيما تصلون به بالليل ما خف عليكم. قال السديُّ: مائة آية. وقال الحسنُ: من قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه القرآن. وقال كعبٌ: من قرأ في ليلةٍ مائة آيةٍ كتب من القانتين. وقال سعيد بن جبير: خمسون آية. قال القرطبي: قول كعب أصح، "حديث : لقوله - عليه الصلاة والسلام-: "مَنْ قَامَ بِعشْرِ آيَاتٍ لمْ يُكتَبْ مِنَ الغَافِلِينَ، ومَنْ قَامَ بِمائَةِ آيةٍ كُتِبَ مِنَ القَانِتيْنَ، ومَنْ قَامَ بألفِ آيةٍ كُتِبَ من المُقنطرينَ"تفسير : . خرجه أبو داود الطيالسي. وروى أنس بن مالك قال: حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مَنْ قَرَأ خَمْسينَ آيةً فِي يَومٍ أوْ فِي ليْلةٍ لَمْ يُكتَبْ مَنَ الغَافليْنَ، ومَنْ قَرَأ مِائةَ آيةٍ كُتِبَ مِنَ القَانِتينَ، ومَنْ قَرَأ مائَتَي آيةٍ لَمْ يُحَاجِّهِ القرآنُ إلى يَوْمِ القيامة، ومن قرأ خَمْسمائةِ آيةٍ كُتِبَ لَهُ قِنطارٌ مِنَ الأجْرِ ". تفسير : فقوله: "مَنَ المقُنَطرِيْنَ"، أي: أعطي قنطاراً من الأجر. وجاء في الحديث: حديث : أن القنطار: ألف ومائتا أوقية، والأوقية خير مما بين السماء والأرض . تفسير : وقال أبو عبيدة: القناطيرُ، واحدها قنطار، ولا تجد العرب تعرف وزنه، ولا واحد للقنطار من لفظه. وقال ثعلب: المعمول عليه عند العربِ أنه أربعة آلافِ دينارٍ، فإذا قالوا: قناطير مقنطرة فهي اثنا عشر ألف دينار. وقيل: إن القنطار: ملء جلد ثور ذهباً. وقيل: ثمانون ألفاً. وقيل: هي جملة كثيرة مجهولة من المال، نقله ابن الأثير. وقيل: المعنى: {فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ}، أي: فصلوا ما تيسر عليكم، والصلاة تسمى قرآناً، قال تعالى: {أية : وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً}تفسير : [الإسراء: 78]، أي: صلاة الفجر. قال ابن العربي: "والأول أصح، لأنه أخبر عن الصلاة وإليها يرجع القول". قال القرطبيُّ: "الأول أصح حملاً للخطاب على ظاهر اللفظ، والقول الثاني مجاز لأنه من تسمية الشيءِ ببعض ما هو من أعماله". فصل في بيان أن الآية ناسخة قال بعض العلماءِ: قوله تعالى {فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ} نسخ قيام الليل ونصفه، والنقصان من النصف، والزيادة عليه، ثم يحتمل قول الله - عز وجل - {فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} معنيين: أحدهما: أن يكون فرضاً ثانياً لأنه أزيل به فرض غيره. والآخر: أن يكون فرضاً منسوخاً أزيل بغيره كما أزيل به غيره، وذلك بقول الله - تعالى -: {أية : وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ}تفسير : [الإسراء: 79]، فاحتمل قوله تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ} تفسير : [الإسراء:79] أي: تتهجد بغير الذي فرض عليك مما تيسر منه. قال الشافعيُّ: فكان الواجب طلب الاستدلال بالسنة على أحد المعنيين فوجدنا سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم تدل على أن لا واجب من الصلاة إلا الخمس. فصل في أن النسخ هنا خاص بالأمة قال القشيريُّ: والمشهورُ أنَّ نسخ قيامِ الليل كان في حق الأمةِ، وبقيت الفريضةُ في حق النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: إنما النسخ: التقدير بمقدار، وبقي أصل الوجوب كقوله تعالى: {أية : فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ}تفسير : [البقرة: 196]، فالهدي لا بد منه، كذلك لا بد من الصلاة في الليل ولكن فوض تقديره إلى اختيار المصلي، وعلىهذا فقال قوم: فرض قيام الليل بالقليل باق، وهو مذهب الحسنِ. قال الشافعيُّ: بل نسخ بالكلية، فلا تجب صلاة الليل أصلاً، ولعل الفريضة التي بقيت في حق النبي صلى الله عليه وسلم هي هذه، وهو قيامه، ومقداره مفوض إلى خيرته، وإذا ثبت أن القيام ليس فرضاً، فقوله تعالى: {فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ}، معناه: اقرأوا إن تيسر عليكم ذلك وصلوا إن شئتم. وقال قوم: إنَّ النسخ بالكلية تقرر في حق النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً، فما كانت صلاة الليل واجبة عليه، وقوله: {نَافِلَةً لَكَ} محمول على حقيقة النفل، ومن قال: نسخ المقدار وبقي أصل وجوب قيام الليل لم ينسخ، فهذا النسخ الثاني وقع ببيان مواقيت الصلاة كقوله تعالى: {أية : أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلْلَّيْلِ}تفسير : [الإسراء: 78] الآية، وقوله تعالى: {أية : فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ}تفسير : [الروم: 17] الآية، ما في الخبر من أن الزيادة على الصلوات الخمس تطوع. وقيل: وقع النسخ بقوله تعالى: {وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ}، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وللأمة كما أن فرضية الصلاة، وإن خوطب بها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ قُمِ ٱلْلَّيْلَ}تفسير : [المزمل: 1-2] فهي عامة له ولغيره. وقد قيل: إن فريضة قيام الليل امتدت إلى ما بعد الهجرةِ، ونسخت بالمدينة لقوله تعالى: {عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}، وإنما فرض القتال بالمدينة، فعلى هذا بيان المواقيت جرى بمكة، فقيام الليل نسخ بقوله: {أية : وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ}تفسير : [الإسراء: 79]. وقال ابن عباس: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة نسخ قول الله - عز وجل -: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ}، وجوب قيام الليل فصل في علة تخفيف قيام الليل قوله: {عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ} بيَّن سبحانه علة تخفيف قيام الليل، فإن الخلق منهم المريض، ويشق عليه قيام الليل، ويشق عليه أن تفوته الصلاة، والمسافر في التجارات قد لا يطيق قيام الليل، والمجاهد كذلك، فخفَّف الله عن الكل لأجل هؤلاء. وقال ابن الخطيب: لمَّا علم الله تعالى أعذار هؤلاء، يعني المريض، والمسافر، والمجاهد، فلو لم يناموا بالليل لتوالت عليهم أسباب المشقة، وهذا السبب ما كان موجوداً في حق النبي صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: {أية : إِنَّ لَكَ فِي ٱلنَّهَارِ سَبْحَاً طَوِيلاً}تفسير : [المزمل: 7] فلا جرم لم ينسخ وجوب التهجد في حقه عليه الصلاة والسلام. و "أن" في قوله: "أنْ سيَكونُ" مخففة من الثقيلة، أي: علم أنه سيكون. قوله: "وآخَرُونَ" عطف على "مَرْضَى"، أي: علم أن سيوجد منكم قوم مرضى، وقوم آخرون مسافرون، فـ"يَضْربُونَ" نعت لـ"آخَرُونَ" وكذلك "يَبْتَغُونَ"، ويجوز أن يكون "يبتغون" حالاً من فاعل "يَضْرِبُونَ"، و "آخَرُونَ" عطف على "آخَرُونَ" و "يُقَاتلُونَ" صفته. فصل في بيان أن الكسب الحلال كالجهاد سوى الله تعالى في هذه الآية بين درجة المجاهدين، والملتمسين للمال الحلال للنفقة على نفسه، وعياله، والإحسان، فكان هذا دليلاً على أن كسب المال بمنزلة الجهاد؛ لأنّ جمعه من الجهاد في سبيل الله. قال - عليه الصلاة والسلام -: حديث : "مَا مِنْ جَالبٍ يَجلبُ طَعاماً مِنْ بَلدٍ إلى بَلدٍ، فيَبيعُهُ بِسْعرٍ يَومِهِ إلاَّ كانتْ مَنزِلتُهُ عنْدَ اللَّهِ تعالى مَنْزلةَ الشُّهداءِ" ثُمَّ قَرَأ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} . تفسير : وقال ابن مسعود: أيما رجل جلب شيئاً إلى مدينة من مدائن المسلمين صابراً محتسباً، فباعه بسعر يومه كان له عند الله منزلة الشهداء، وقرأ: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}. وقال ابن عمر: ما خلق الله موتة أموتها بعد الموت في سبيل الله أحب إليَّ من الموت بين شعبتي رحْلي، أبتغي من فضل الله، ضارباً في الأرض. وقال طاووس: الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله. قوله: {فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ}، أي: صلُّوا ما أمكن فأوجب الله تعالى من صلاة الليل، ما تيسَّر، ثم نسخ ذلك بإيجاب الصلوات الخمس على ما تقدم. وقال عبد الله بن عمرو: حديث : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يَا عَبْدَ اللَّه، لا تكُنْ مِثْلَ فُلانِ كَانَ يقُومُ اللَّيْلَ، فتركَ قِيامَ اللَّيْلِ" تفسير : ولو كان فرضاً ما أقره النبي صلى الله عليه وسلم ولا أخبر بمثل هذا الخبر عنه، بل كان يذمه غاية الذم. فصل في القدر الذي يقرأ به في صلاته إذا ثبت أنَّ قيام الليل ليس بفرض، وأن قوله {فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ}، {فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} محمول على ظاهره من القراءة في الصلاة، فاختلف العلماء في قدر ما يلزمه أن يقرأ به في الصلاة. فقال مالك والشافعيُّ: فاتحة الكتاب لا يجوز العدول عنها ولا الاقتصار على بعضها، وقدره أبو حنيفة بآية واحدة من أي القرآن كانت، وعنه ثلاث آياتٍ لأنها أقل سورة، وقيل المراد به قراءة القرآن في غير الصلاة. قال الماورديُّ: فعلى هذا القول يكون مطلق الأمر محمولاً على الوجوب ليقف بقراءته على إعجازه وما فيه من دلائل التوحيد، وبعث الرسل، ولا يلزمه إذا قرأه وعرف إعجازه، ودلائل التوحيد أن يحفظه؛ لأن حفظ القرآن من القرب المستحبة دون الواجبة والأكثرون على أنه للاستحباب، لأنه لو وجب علينا قراءته لوجب حفظه. وفي قدر الواجب أقوال: الأول: قال الضحاكُ: جميع القرآن، لأن الله تعالى يسره على عباده. الثاني: قال جويبر: ثلث القرآن. الثالث: قال السديُّ: مائتا آية. الرابع: قال ابن عباسٍ: مائة آية. الخامس: قال أبو خالد الكناني: ثلاث آياتٍ كأقصر سورة. قوله {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ}، يعني الخمس المفروضة، وهي الخمس لوقتها، {وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ} الواجبة في أموالكم. قاله عكرمة وقتادة، وقال الحارث العكلي: صدقة الفطر، لأن زكاة الأموال وجبت بعد ذلك، وقيل: صدقة التطوع. وقيل: كل فعل خير. وقال ابن عباسٍ: طاعة الله الإخلاص. قوله: {وَأَقْرِضُواُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً}. القرض الحسن ما أريد به وجه الله تعالى خالصاً من المال الطيب وقال زيد بن أسلم: القرض الحسن، النفقة على الأهل، وقيل: صلةُ الرَّحمِ، وقرى الضيف، وقال عمر بن الخطاب: هو النفقة في سبيل الله. قوله: {وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ} تقدم بيانه في سورة "البقرة". قوله: {هُوَ خَيْراً}، العامة على نصب الخير مفعولاً ثانياً، و "هُوَ" إما تأكيد للمفعول الأول، أو فصل. وجوَّز أبو البقاء: أن يكون بدلاً، وهو غلط، لأنه كان يلزم أن يطابق ما قبله في الإعراب فيقال: إياه. وقرأ أبو السمال وابن السميقع: "خير" على أن يكون "هو" مبتدأ، و "خير" خبره، والجملة مفعول ثان لـ"تَجِدُوه". قال أبو زيد: هي لغة تميم، يرفعون ما بعد الفصل. وأنشد سيبويه: [الطويل] شعر : 4943 - تَحِنُّ إلى لَيْلَى وأنْتَ تَرَكْتَها وكُنْتَ عَليْهَا بالمَلا أنْتَ أقْدَرُ تفسير : والقَوَافِي مرفوعةٌ، ويروى: "أقدرا" بالنصب. [وقال الزمخشريُّ: وهو فصل]، وجاز، وإن لم يقع بين معرفتين، لأن "أفعل من" أشبه في امتناعه من حرف التعريف، المعرفة. قال شهاب الدين: "هذا هو المشهورُ، وبعضهم يجوزه في غير أفعل من النكرات". وقال القرطبي: "ونصب "خيراً، وأعظم" على المفعول الثاني: لـ"تَجِدُوهُ" و "هُوَ" فصل عند البصريين، وعماد عند الكوفيين، لا محلَّ له من الإعراب، و "أجْراً" تمييز". فصل في معنى الآية المعنى: {وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْراً} من الذي تؤخرونه إلى الوصية عند الموت. قاله ابن عباس. وقال الزجاجُ: (خير لكم من متاع الدنيا). قوله: {وَأَعْظَمَ أَجْراً}، قال أبو هريرة: يعني الجنَّة، ويحتمل أن يكون "أعظم أجْراً" لإعطائه بالحسنة عشراً {وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ} أي سلوه المغفرة لذنوبكم {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} لما كان عل التوبة رحيم لكم بعدها، قاله سعيد بن جبير وقيل: غفور لمن لم يصرّ على الذنوب. وقال مقاتل: غفور لجميع الذنوب لأن قوله "غَفُورٌ" يتناول التائب والمصر، بدليل أنه يصح استثناء كل واحد منهما وحده، والاستثناء حكمه إخراج ما لولاه لدخل. وأيضاً: غفران التائب واجب عند الخصم فلا يحصل المدح بأداء الواجبِ، والغرض من الآية تقرير المدح فوجب حمله على الكل تحقيقاً للمدح. روى الثعلبي عن أبيِّ بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ قَرَأ سُوْرَةَ يا أيُّهَا المُزَّمِّل رُفِعَ عنهُ العُسْرُ في الدُّنيَا والآخِرَةِ"تفسير : والله أعلم.
البقاعي
تفسير : ولما كان ربما تغالى بعض الناس في العبادة وشق على نفسه، وربما شق على غيره، أشار سبحانه وتعالى إلى الاقتصاد تخفيفاً لما يلحق الإنسان من النصب، مشيراً إلى ما يعمل حالة اتصال الروح بالجسد وهي حالة الحياة، لأن منفعتها التزود من كل خير لما أدناه هول المقابر، فإن الروح في غاية اللطافة، والسجد في غاية الكثافة، لأنها من عالم الأمر، وهو ما يكون الإيجاد فيه بمرة واحدة من غير تدريج وتطوير والجسد من عالم الخلق فهي غريبة فيه تحتاج إلى التأنيس وتأنيسها بكل ما يقربها إلى العالم الروحاني المجرد عن علائق الأجسام، وذلك بصرف القلب كله عن هذه الدنايا والتلبس بالأذكار والصلوات وجميع الأعمال الصالحات، فإن ذلك هو المعين على اتصالها بعالمها العالي العزيز الغالي، وأعون ما يكون على ذلك الحكمة، وهي العدل في الأعمال والاقتصاد في الأقوال والأفعال، فقال مستأنفاً الجواب عن تيسير السبيل وبنائه على الحنيفية السمحة بحيث صار لا مانع منه إلا يد القدرة {إن ربك} أي المدبر لأمرك على ما يكون إحساناً إليك ورفقاً بك وبأمتك {يعلم أنك تقوم} أي في الصلاة كما أمرت به أول السورة. ولما كانت كثرة العمل ممدوحة وقلته بخلاف ذلك، استعار للأقل قوله: {أدنى} أي زماناً أقل، والأدنى مشترك بين الأقرب، والأدون للأنزل رتبة لأن كلاًّ منهما يلزم منه قلة المسافة {من ثلثي الّيل} في بعض الليالي {ونصفه وثلثه} أي وأدنى من كل منهما في بعض الليالي - هذا على قراءة الجماعة، والمعنى، على قراءة ابن كثير والكوفيين بالنصب تعيين النصف والثلث الداخل تحت الأدنى من الثلثين، وهو على القراءتين مطابق لما وقع التخيير فيه في أول السورة بين قيام النصف بتمامه أو الناقص منه وهو الثلث أو الزائد عليه وهو الثلثان، أو الأقل من الأقل من النصف وهو الربع. ولما ذكر سبحانه قيامه صلى الله عليه وسلم، أتبعه قيام أتباعه، فقال عاطفاً على الضمير المستكن في تقوم وحسنه الفصل: {وطائفة} أي ويقوم كذلك جماعة فيها أهلية التحلق بإقبالهم عليك وإقبال بعضهم على بعض. ولما كانت العادة أن الصاحب ربما أطلق على من مع الإنسان بقوله دون قلبه عدل إلى قوله: {من الذين معك} أي بأقوالهم وأفعالهم، أي على الإسلام، وكأنه اختار هذا دون أن يقول من المسلمين لأنه يفهم أن طائفة لم تقم بهذا القيام فلم يرد أن يسميهم مسلمين، والمعية أعم. ولما كان القيام - على هذا التفاوت مع الاجتهاد في السبق في العبادة دالاً على عدم العلم بالمقادير ما هي عليه قال تعالى: {والله} أي تقومون هكذا لعدم علمكم بمقادير الساعات على التحرير والحال أن الملك المحيط بكل شيء قدرة وعلماً وحده {يقدر} أي تقديراً عظيماً هو في غاية التحرير {الّيل والنهار} فيعلم كل دقيقة منهما على ما هي عليه لأنه خالقهما ولا يوجد شيء منهما إلا به{أية : ألا يعلم من خلق}تفسير : [الملك: 14]. ولما علم من هذا المشقة عليهم في قيام الليل على هذا الوجه علماً وعملاً، ترجم ذلك بقوله: {علم} أي الله سبحانه {أن لن تحصوه} أي تطيقوا التقدير علماً وعملاً، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : استقيموا ولن تحصوا" تفسير : {فتاب} أي فتسبب عن هذا العلم أنه سبحانه رجع بالنسخ عما كان أوجب {عليكم} بالترخيص لكم في ترك القيام المقدر أول السورة، أي رفع التبعة عنكم في ترك القيام على ذلك التقدير الذي قدره كما رفع عن التائب، وكأنه سماه توبة وإن لم يكن ثم معصية إشارة إلى أنه من شأنه لثقله أن يجر إلى المعصية. ولما رفعه سبب عنه أمرهم بما يسهل عليهم فقال معبراً عن الصلاة بالقراءة لأنها أعظم أركانها إشارة إلى أن التهجد مستحب لا واجب: {فاقرءوا} أي في الصلاة أو غيرها في الليل والنهار {ما تيسر} أي سهل وهان إلى الغاية عليكم ولان وانقاد لكم {من القرآن} أي الكتاب الجامع لجميع ما ينفعكم، قال القشيري: يقال: من خمس آيات إلى ما زاد، ويقال: من عشر آيات إلى ما يزيد، قال البغوي: قال قيس بن أبي حازم: صليت خلف ابن عباس رضي الله عنهما بالبصرة، فقرأ في أول ركعة بالحمد وأول آية من البقرة، ثم قام في الثانية فقرأ بالحمد والآية الثانية. وقيل: إنه أمر بالقراءة مجردة إقامة لها مقام ما كان يجب عليهم من الصلاة بزيادة في التخفيف، ولذلك روى أبو داود وابن خزيمة وابن حبان في صحيحه عن عبد لله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين"تفسير : . قال المنذري: من سورة الملك إلى آخر القرآن ألف آية. ولما كان هذا نسخاً لما كان واجباً من قيام الليل أول السورة لعلمه سبحانه بعدم إحصائه، فسر ذلك العلم المجمل بعلم مفصل بياناً لحكمة أخرى للنسخ فقال: {علم أن} أي أنه {سيكون} يعني بتقدير لا بد لكم منه {منكم مرضى} جمع مريض، وهذه السورة من أول ما أنزل عليه صلى الله عليه وسلم، ففي هذه بشارة بأن أهل الإسلام يكثرون جداً. ولما ذكر عذر المريض وبدأ به لكونه أعم ولا قدرة للمريض على دفعه، أتبعه السفر للتجارة لأنه يليه في العموم، فقال مبشراً مع كثرة أهل الإسلام باتساع الأرض لهم: {وآخرون} أي غير المرضى {يضربون} أي يوقعون الضرب {في الأرض} أي يسافرون لأن الماشي بجد واجتهاد يضرب الأرض برجله، ثم استأنف بيان علة الضرب بقوله: {يبتغون} أي يطلبون طلباً شديداً، وأشار إلى سعة ما عند الله بكونه فوق أمانيهم فقال: {من فضل الله} أي بعض ما أوجده الملك الأعظم لعباده ولا حاجة به إليه بوجه من الربح في التجارة أو تعلم العلم {وآخرون} أي منكم أيها المسلمون {يقاتلون} أي يطلبون ويوقعون قتل أعداء الله، ولذلك بينه بقوله: {في سبيل الله} أي ذلك القتل مظروف لطريق الملك الأعظم ليزول عن سلوكه المانع لقتل قطاع الطريق المعنوي والحسي، وأظهر ولم يضمر تعظيماً للجهاد ولئلا يلبس بالعود إلى المتجر، وهو ندب لنا من الله إلى رحمة العباد والنظر في أعذارهم، فمن لا يرحم لا يرحم، قال البغوي: روى إبراهيم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: أيما رجل جلب شيئاً من مدينة من مدائن المسلمين صابراً محتسباً فباعه بسعر يومه كان عند الله بمنزلة الشهداء، ثم قرأ عبد الله {وآخرون يضربون في الأرض يبتغون} [المزمل: 20] الآية. وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: ما خلق الله موتة أموتها بعد القتل في سبيل الله أحب إليّ من أن أموت بين شعبتي رجل أضرب في الأرض أبتغي من فضل الله. ولما كانت هذه أعذاراً أخرى مقتضية للترخيص أو أسباباً لعدم الإحصاء، رتب عليها الحكم السابق، فقال مؤكداً للقراءة بياناً لمزيد عظمتها: {فاقرءوا} أي كل واحد منكم {ما تيسر} أي لكم {منه} أي القرآن، أضمره إعلاماً بأنه عين السابق، فصار الواجب قيام شيء من الليل على وجه التيسير، ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس. ولما كان صالحاً لأن يراد به الصلاة لكونه أعظم أركانها وأن يراد به نفسه من غير صلاة زيادة في التخفيف، قال ترجيحاً لإرادة هذا الثاني أو تنصيصاً على إرادة الأول: {وأقيموا} أي أوجدوا إقامة {الصلاة} المكتوبة بجميع الأمور التي تقوم بها من أركانها وشروطها ومقدماتها ومتمماتها وهيئاتها ومحسناتها ومكملاتها. ولما ذكر بصفة الخالق التي هي أحد عمودي الإسلام البدني والمالي، أتبعها العمود الآخر وهو الوصلة بين الخلائق فقال: {وآتوا} من طيب أموالكم التي أنعمنا به عليكم {الزكاة} أي المفروضة، ولما كان المراد الواجب المعروف، أتبعه سائر الإنفاقات المفروضة والمندوبة، فقال: {وأقرضوا الله} أي الملك الأعلى الذي له جميع صفات الكمال التي منها الغنى المطلق، من أبدانكم وأموالكم في أوقات صحتكم ويساركم {قرضاً حسناً} من نوافل الخيرات كلها في جميع شرعه برغبة تامة وعلى هيئة جميلة في ابتدائه وانتهائه وجميع أحواله، فإنه محفوظ لكم عنده مبارك فيه ليرده عليكم مضاعفاً أحوج ما تكونون إليه. ولما كان هذا الدين جامعاً، وكان هذا القرآن حكيماً لأن منزله له صفات الكمال فأمر في هذه الجمل بأمهات الأعمال اهتماماً بها، أتبع ذلك أمراً عاماً بجميع شرائع الدين فقال: {وما تقدموا} وحث على إخلاص النية بقوله: {لأنفسكم} أي خاصة سلفاً لأجل ما بعد الموت لا تقدرون على الأعمال {من خير} أي أيّ خير كان من عبادات البدن والمال {تجدوه} محفوظاً لكم {عند الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً {هو} أي لا غيره {خيراً} أي لكم، وجاز وقوعه الفصل بين غير معرفتين لأن "أفعل من" كالمعرفة، ولذلك يمنع دخول أداة التعريف عليها. ولما كان كل من عمل خيراً جوزي عليه سواء كان عند الموت أو في الحياة سواء كان كافراً أو مسلماً مخلصاً أو لا، إن كان مخلصاً كان جزاؤه في الآخرة، وإلا ففي الدنيا، قال: {وأعظم أجراً} أي مما لمن أوصى في مرض الموت، وكان بحيث يجازى به في الدنيا. ولما كان الإنسان إذا عمل ما يمدح عليه ولا سيما إذا كان المادح له ربه ربما أدركه الإعجاب، بين له أنه لا يقدر بوجه على أن يقدر الله حق قدره، فلا يزال مقصراً فلا يسعه إلا العفو بل الغفر فقال حاثاً على أن يكون ختام الأعمال بالاستغفار والاعتراف بالتقصير في خدمة المتكبر الجبار مشيراً إلى حالة انفصال روحه عن بدنه وأن صلاحها الراحة من كل شر: {واستغفروا الله} أي اطلبوا وأوجدوا ستر الملك الأعظم الذي لا تحيطون بمعرفته فكيف بأداء حق خدمته لتقصيركم عيناً وأثراً بفعل ما يرضيه واجتناب ما يسخطه. ولما علم من السياق ومن التعبير بالاسم الأعظم أنه سبحانه بالغ في العظمة إلى حد يؤيس من إجابته، علل الأمر بقوله مؤكداً تقريباً لما يستبعده من يستحضر عظمته سبحانه وشدة انتقامه وقوة بطشه: {إن الله} وأظهر إعلاماً بأن صفاته لا تقصر آثارها على المستغفرين ولا على مطلق السائلين {غفور} أي بالغ الستر لأعيان الذنوب وآثارها حتى لا يكون عليها عتاب ولا عقاب {رحيم *} أي بالغ الإكرام بعد الستر إفضالاً وإحساناً وتشريفاً وامتناناً، وقد اشتملت هذه السورة على شرح قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما أوتي من جوامع الكلم"حديث : اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي وأصلح لي آخرتي التي إليها منقلبي واجعل الحياة زيادة لي في كل خير واجعل الموت راحة لي من كل شر"تفسير : كما أشير إلى كل جملة منها في محلها، ولقد رجع آخر السورة - بالترغيب في العمل وذكر جزائه - على أولها الأمر بالقيام بين يديه وبإشارة الاستغفار إلى عظم المقام وإن جل العمل ودام وإن كان بالقيام في ظلام الليالي والناس نيام، فسبحانه من له هذا الكلام المعجز لسائر الأنام لإحاطته بالجلال والإكرام، فسبحانه من إله جابر القلوب المنكسرة.
ابو السعود
تفسير : {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَىِ ٱلَّيْلِ} أي أقلَّ منهما استعير له الأدنى لما أنَّ المسافةَ بـين الشيئينِ إذا دنتْ قلَّ ما بـينهُمَامن الأحيازِ {وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ} بالنصب عطفاً على أدْنَى. وقُرئا بالجرِّ عطفاً على ثُلثي الليلِ. {وَطَائِفَةٌ مّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ} أيْ ويقومُ معكَ طائفةٌ من أصحابكَ {وَٱللَّهُ يُقَدّرُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ} وحدهُ لا يقدرُ على تقديرهما أحدٌ أصلاً فإنَّ تقديم الاسمِ الجليلِ مبتدأٌ وبناءَ يقدرُ عليهِ موجبٌ للاختصاصِ قطعاً كما يُعربُ عنه قولُه تعالَى: {عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ} أي علمَ أنَّ الشأنَ لنْ يقدرُوا على تقدير الأوقاتِ ولن تستطيعوا ضبطَ الساعاتِ أبداً {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} بالترخيص في تركِ القيامِ المقدورِ ورفعِ التبعةِ عنكُم في تركه. {فَٱقْرَءواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ} فصلُّوا لما تيسرَ لكُم من صلاة الليلِ عبرَ عن الصلاة بالقراءة كما عبَّر عنها بسائر أركانِها. قيلَ: كانَ التهجدُ واجباً على التخيـير المذكورِ فعسُرَ عليهم القيامُ به فنُسخَ به ثم نُسخَ هذا بالصلوات الخمسِ وقيلَ: هي قراءة القُرآنِ بعينها قالُوا مَنْ قَرأَ مائةَ آيةٍ من القرآنِ في ليلةٍ لم يحاجَّهُ وقيلَ: « حديث : من قرأ مائةَ آيةٍ كُتبَ من القانتينَ » تفسير : وقيلَ: خمسينَ آية: {عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ} استئنافٌ مبـينٌ لحكمةٍ أخرى داعيةٍ إلى الترخيصِ والتخفيفِ. {وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى ٱلأَرْضِ} يسافرونَ فيها للتجارةِ {يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ} وهو الربحُ وقد عُمِّمَ ابتغاءَ الفضلِ لتحصيل العلمِ {وَءَاخَرُونَ يُقَـٱتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} وإذا كانَ الأمرُ كما ذُكِرَ وتعاضدت الدواعي إلى الترخيص {فَٱقْرَءواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} من غيرَ تحملِ المشاقِّ {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ} أي المفروضةَ {وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ} الواجبةَ وقيلَ: هي زكاةُ الفطرِ إذْ لم يكن بمكةَ زكاةٌ ومن فسرهَا بالزكاةِ المفروضةِ جعَلَ آخرَ السورةِ مدنياً {وَأَقْرِضُواُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} أُريدَ به الإنفاقاتُ في سبـيلِ الخيراتِ أو أداءِ الزكاةِ على أحسنِ الوجوهِ وأنفعها للفقراءِ {وَمَا تُقَدّمُواْ لأَنْفُسِكُم مّنْ خَيْرٍ} كانَ مما ذُكَر ومَا لم يُذكرْ {تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً} منَ الذي تؤخرونَه إلى الوصيةِ عند الموتِ وخيراً ثاني مفعولَيْ تجدُوا وهو تأكيدٌ أو فصلٌ وإنْ لم يقعْ بـينَ معرفتينِ فإن أفعلَ من في حُكمِ المعرفةِ ولذلكَ يمتنعُ من حرفِ التعريفِ وقُرِىءَ هو خيرٌ على الابتداءِ والخبرِ. {وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ} في كافة أحوالِكم فإنَّ الإنسانَ قلَّما يخلو من تفريط {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. عن النبـيِّ صلى الله عليه وسلم: " حديث : مَنْ قَرأ سورةَ المزملِ دفعَ الله عنه العُسرَ في الدُّنيا والآخرةِ".
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ} [الآية: 20]. قال الواسطى: أى لن تطيقوا القيام بأمره ولن تضبطوا أعمالكم بالصحة والبرأة من العيوب فتاب عليكم فعاد عليكم بفضله وقبل منكم أعمالكم مع أن من لقيه بنعمه كان منقطعاً عن المنعم بالنعم ومحجوبًا بالصفات عن الذات. قوله تعالى: {فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ} [الآية: 20]. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم الإسكندرانى يقول: سمعت أبا جعفر الملطى يقول: عن على بن موسى الرضى عن أبيه عن جعفر بن محمد فى قوله: {فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ} قال: ما تيسر لكم فيه خشوع القلب وصفاء السر. قوله تعالى: {وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ} [الآية: 20]. قال بعضهم: ما تنفقوه فى مرضات الله خير لكم من الإمساك والشح. قوله تعالى: {هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً} [الآية: 20]. من النظر للورثة واستغفروا الله على الوجوه كلها لأن الصدقة على ثلاث أوجه: رياء وهوى وبلاء وما كان من ذلك خالصًا لوجه الله تعالى فهو عزيز ولا يصل إليه إلاَّ الأبرار المقربون.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ} ان الله سبحانه وتعالى اخبرهم فى الاوئل بالمجاهدات فلما صاروا اهل الذوق والمشاهدات لم يأت منهم المجاهدات لان اهل الانس والبسط غائبون بانور المشاهدات عن للمجاهدات ------عليهم الحق بان رفع عنهم اثقال العبودية وكاشف لهم انوار الربوبية ثم امرهم بان يترنموا بايات من كتابه ما يوافق حالهم من خير وصول الوصال وصفاء الاحوال والبسط والانبساط والروح والراحات بقوله {فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ} اى ما يهيج قلوبكم بنعت المحبة الى مشاهدة الرحمن قال الواسطى فى قوله علم ان لن تحصوه اى لن تطيق القيام بامره لن تضبطوا اعمالكم بالصحة والبراءة من العيوب فتاب عليكم فعاد عليكم بفضله وقبل منكم اعمالكم مع ان من لقيه بنعمه كان منقطعا عن المنعم بالنعم ويحيى بالصفات عن الذات وقال جعفر فى قوله ما تيسر من القرأن قال ما تيسر لكم فيه خشوع القلب وصفاء السر قوله تعالى {وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ} هذا العموم والخصوص خبر انفاسهم التى صعدت منهم بنعت المحبة والشوق الى الله فهم يجدونها بكشوف انوار الذات والصفات ولكل نفس من انفاسهم لهم هناك قرب ووصال وحسن وجمال قال الله {هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً} اى نفس المحبة والشوق خير من جميع الاعمال الصالحة واجرها كشف اللقاء ثم امر الجميع بالاستغفار عن رؤية الاعواض والاعمال عن رؤية جماله وجلاله بقوله {وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ} اى من السكون الى الاحوال فانه غفور لخطرات العارفين رحيم بهم بان يوصلهم اليه بلا كلفة المجاهدات ولا عسر المعاملات قال الله {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وقال بعضهم فى هذه الأية ما تنفقوه فى مرضاة الله خير لكم من الامساك والشح وقال بعضم فى قوله واستغفرو الله على الوجوه كلها فما كان ذلك خالصاً لوجه الله لا رياء ولا هواء ولا سمعة فيه فهو عزير لا يصل اليه الابرار المقربون.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان ربك يعلم انك تقوم ادنى من ثلثى الليل} اى اقل منهما فاطلاق الأدنى على الاقل مجاز مرسل من قبيل اطلاق الملزوم على اللازم لما ان المسافة بين الشيئين اذا دنت قل ما بينهما من الاحياز والحدود واذا بعدت كثر ذلك روى انه تعالى افترض قيام الليل فى اول هذه السورة فقام النبى عليه السلام واصحابه حولا مع مشقة عظيمة من حيث انه يعسر عليهم تمييز القدر الواجب حتى قام اكثر الصحابة الليل كله خوفا من الخطأ فى اصابة المقدار المفروض وصاروا بحيث انتفخت اقدامهم واصفرت الوانهم وامسك الله خاتمة السورة من قوله ان ربك الخ اثنى عشر شهرا فى السماء حتى انزل الله فى آخر السورة التخفيف فنسخ تقدير القيام بالمقادير المذكورة مع بقاء فرضية اصل التهجد حسبما تيسر ثم نسخ نفس الوجوب ايضا بالصلوات الخمس لما روى ان الزيادة على الصلوات الخمس زيادة {ونصفه وثلثه} بالنصب عطفاعلى ادنى والثلث احد اجزآء الثلاثة والجمع اثلاث اى انك تقوم اقل من ثلثى الليل وتقوم من نصفه وثلثه {وطائفة من الذين معك} مرفوع معطوف على الضمير فى تقوم وجاز ذلك للفصل بينهما اى ويقوم معك طائفة من اصحابك ومن تبينية فلا دلالة فيه على ان قيام الليل لم يكن فرضا على الجميع وحاصل المعنى يتابعك طائفة فى قيام الليل وهم اصحابك وفيه وعد لهم بالاحسان اليهم كما تقول لاحد اذا أردت الوعد له انا اعلم ما فعلت لى وفى قوت القلوب قد قرن الله تعالى قوام الليل برسوله المصطفى عليه السلام وجمعهم معه فى شكر المعاملة وحسن الجزآء وفى التأويلات النجمية يشير الى انسلاخ رسول القلب عن ليل طبيعته فى اكثر الاوقات بالتوجه الى الله والاعراض عن النفس الا فى اوقات قلائل وذلك لحكمة مقتضية للحجاب فان الحجاب رحمة كما قيل لولا الحجاب ما عرف الآله وطائفة من الذين مع رسول القلب من القوى الروحانية والاعضاء والجوارح {والله يقدر الليل والنهار} وحده لا يقدر على تقديرهما ومعرفة مقادير ساعاتهما واوقاتهما احد اصلا فان تقديم الاسم الجليل مبتدأ وبناء يقدر عليه موجب للاختصاص قطعا والتقدير بالفارسية اندازه كردن يعنى وخدى تعالى اندازه ميكند شب وروز را وميداند مقادير ساعات آن. قال الراغب التقدير تبيين كمية الشئ وقوله تعالى والله الخ اشارة الى ما اجرى من تكوير الليل على النهار وتكوير النهار على الليل اى ادخال هذا فى هذا او ان ليس احد يمكنه معرفة ساعاتهما وتوفية حق العبادة منهما فى وقت معلوم والحاصل ان العالم بمقادير ساعات الليل والنهارعلى حقائقها هو الله وانتم تعلمون ذلك بالتحرى والاجتهاد الذى يقع فيه الخطأ فربما يقع منكم الخطأ فى اصابتها فتقومون اقل من المقادير المذكورة ولذا قال {علم} الله {ان} اى ان الشأن {لن تحصوه} لن تقدروا على تقدير الاوقات على حقائقها ولن تستطيعوا ضبط الساعات ابدا فالضمير عائد الى المصدر المفهوم من يقدر قال فى تاج المصادر الاحصاء دانستن وشمردن برسبيل استقصا وتوانستن. قال الراغب الاحصاء التحصيل بالعدد وروى استقيموا ولن تحصوا اى لن تحصلوا ذلك لان الحق واحد والباطل كثير بل الحق بالاضافة الى الباطل كالنقطة بالاضافة الى سائر اجزآء الدآئرة وكالمرمى من الهدف واصابة ذلك شديدة واحتج بعضهم بهذه الآية على وقوع تكليف ما لا يطاق فانه تعالى قال لن تحصوه اى لن تطيقوه ثم انه كلفهم بتقدير الساعات والقيام فيها حيث قال قم الليل الخ ويمكن أن يجاب عنه بان المراد صعوبته لا أنهم لا يقدرون عليه اصلا كما يقال لا اطيق ان انظر الى فلان اذا استثقل انلظر اليه وفى التأويلات النجمية يعنى السلوك من ليل الطبيعة الى نهار الحقيقة بتقدير الله لا بتقدير السالك علم أن لن تقدروا على مدة ذلك السلوك بالوصول الى الله اذ الوصول مترتب على فضل الله ورحمته لا على سلوككم وسيركم فكم من سالك انقطع فى الطريق ورجع القهقرى ولم يصل كما قيل ليس كل من سلك وصل ولا كل من وصل اتصل ولا كل من اتصل اتفصل {فتاب عليكم} بالترخيص على ترك القيام المقدر ورفع التبعة عن التائب ثم استعمل لفظ المشبه به فى المشبه ثم اشتق منه فتاب اى فرخص والتبعة ما يترتب على الشئ من المضرة {فاقرأوا ما تيسر من القرءآن} اى فصلوا ما تيسر لكم من صلاة الليل غير مقدرة بكونها فى ثلث الليل او نحوه ولو قدر حلب شاة فهذا يكون اربع ركعات وقد يكون ركعتين عبر عن الصلاة بالقرءآة كما عبر عنها بسائر اركانهاعلى طريق اطلاق اسم الجزء على الكل مجازا مرسلا فتبين ان التهجد كان واجبا على التخيير المذكور فعسر عليهم القيام به فنسخ بهذه الآية ثم نسخ نفس الوجوب المفهوم منها بالصلوات الخمس على ما سبق وفيه تفضيل صلاة الليل على سائر التطوعات فان التطوع بما كان فرضا فى وقت ثم نسخ افضل من التطوع بما لم يكن فرضا اصلا كما قالوا صوم يوم عاشورآء افضل لكونه فرض قبل فرضية رمضان وفى الحديث ليصل احدكم من الليل ما تيسر فاذا غلب عليه النوم فليرقد وقد كان ابن عباس رضى الله عنهما يكره النوم قاعدا وعنه عليه السلام عليكم بقيام الليل فانه دأب الصالحين قبلكم وهو قربة لكم الى ربكم ومكفرة للسيئات ومنهاة عن الاثم وهذا الحديث يدل على ان قيام الليل لم يكن فرضا على المتقدمين من الانبياء واممهم بل كان من شعار صلاحهم وعنه عليه السلام ان الله ليبغض كل جعظرى جواظ سخاب بالاسواق جيفة بالليل حمار بالنهار عالم بأمر الدنيا جاهل بأمر الآخرة والجعظرى الفظ الغليظ والجواظ كشداد الضخم المختار والكثير الكلام والجموع المنوع والمتكبر الجافى والسخاب من السخب وهو محركة شدة الصوت سخب كفرح فهو سخاب واقل لاستحباب من قيام الليل سدسه سوآء كان متواليا او قام جزأ ثم نام نومة اخرى ثم قام قياما ثانيا لانه عليه السلام لم يقم ليلة قط حتى اصبح بل كان ينام فيها ولم ينم ليلة قط بل كان يقوم فيها وبأى ورد احيى الليل فقد دخل فى اهل الليل وله معهم نصيب ومن احيى اكثر ليلة او نصفها كتب له احياء ليلة جميعها ويتصدق عليه بما بقى منها كذا فى قوت القلوب وقيل المراد بالآية قرآءة القرءآن بعينها قتكون على حقيقتها فالمعنى ان شق عليكم القيام فقد رخص فى تركه فاقرأوا ما تيسر من القرءآن من غير توقيت لصلاة فانه لا يشق وتنالون بقرءآته خارج الصلاة ثواب القيام فالامر للندب وفى الحديث من قرأ فى ليلة مائة آية لم يحاجه القرءآن قال الطيبى فى قوله لم يحاجه القرءآن ان قرءآته لازمة لكل انسان واجبة عليه فاذا لم يقرأ يخاصمه الله ويغلبه بالحجة فاسناد المحاجة الى القرءآن مجاز ويفهم من كلامه ان قرآءته مقدار مائة آية فى كل ليلة واجبة بها يخلص من المحاجة وعنه عليه السلام من قرأ بالآيتين من سورة البقرة فى ليلة كفتاه والمراد آمن الرسول الخ يعنى اغتناه عن قيام الليل او حفظتاه من كل شر وسوء وعنه عليه السلام ايعجز احدكم أن يقرأ فى ليلة ثلث القرءآن قالوا وكيف يقرأ ثلث القرءآن قال قل هو الله احد تعدل ثلث القرءآن ومن ذلك قالوا ان قرآءة الاخلاص ثلاث مرات تقوم مقام ختمة واطول الآى افضلها لكثرة الحروف وان اقتصر على قصار الآى عند فتوره ادرك الفضل ان حصل العدد كذا فى قوت القلوب وفى التأويلات النجمية فى اشارة الآية يعنى اجمعوا واحفظوا فى قلوبكم الصافية عن كدورات النفس والهوى وما يظهر عليه لاستعداداتكم من الحقائق والدقائق والعوارف والمعارف ولا تفشوهاالى غير اهلها فينكروا عليكم فيرموكم بالكفر والزندقة والالحاد والاتحاد فان حقائقه ودقائقه من المكنونات الالهية {علم ان} اى ان شأن {سيكون منكم مرضى} استئناف مبين لحكمة اخرى داعية الى الترخيص والتخفيف مرضا جمع مريض والمرض الخروج عن الاعتدال الخاص بالانسان وفيه اشارة الى مرضى القلوب بحجب الانانية والاشتغال بحب الدنيا وشهواتها فانه لا يظهر عليه من اسرار القرءآن وحقائقه شئ. جنانجه شيخ سنائى كويد شعر : عجب نبودكرارز قرآ نصيبت نيست جزحر فى كه از خورشيد جز كرمى ميابد جشم نابينا تفسير : عروس حضرت قرآن نقاب آنكه براندازد كه دار الملك ايمانرا مجرد يا بداز غوغا {وآخرون} عطف على مرضى {يضربون فى الارض} صفة آخرون اى يسافرون فيها للتجارة من ضرب فى الارض سافر فيها ابتغاء الرزق قال الراغب الضرب فى الارض الذهاب فيها وهو بالارجل {يبتغون} الابتغاء جستن {من فضل الله} وهو الربح وفيه تصريح بما علم التزاما وبيان ان ما حصلوه من الرزق من فضل الله ومحل يبتغون حال من ضمير يضربون وقد عم ابتغاء الفضل تحصيل العلم فانه من افضل المكاسب وفيه ان معلم الخير وهو رسول الله عليه السلام كان حاضرا عندهم وقت نزول الآية فاين يذهبون الا ان يجعل آخر السورة مدنيا فقد كانوا يهاجرون من مكة الى المدينة لطلب العلم وايضا ان هذا بالنسبة الى خصوص الخطاب واما بالنسبة الى اهل القرن الثانى فبقاء الحكم يوقعهم فى الحرج وفى حديث ابى ذر رضى الله عنه انه قال حضور مجلس علم افضل من صلاة الف ركعة وافضل من شهود الف جنازة ومن عيادة الف مريض قيل ومن قرآءة القرءآن قال وهل تنفع قرآءة القرءآن بلا علم {وآخرون يقاتلون} الاعدآء {فى سبيل الله} عطف على مرضى ايضا ويقاتلون صفته وسبيل الله ما يوصل الى الاجر عند الله كالجهاد وفيه تنبيه على انه سيؤذن لهم فى القتال مع الاعدآء سوى الله فى هذه الآية بين درجة المجاهدين فى سبيل الله ومكتسبين للمال الحلال للنفقة على نفسه وعياله والاحسان الى ذوى الحاجات حيث جمع بينهما قول على ان التجارة بمنزلة الجهاد وعن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه ايما رجل جلب شيأ من مدينة من مدائن المسلمين صابرا محتسبا فباعه بسعر يومه كان عند الله من الشهدآء {فاقرأوا ما تيسر منه} اى واذا كان الامر كما ذكر وتعاضدت الدواعى الى الترخيص فاقرأوا ما تيسر من القرآن من غير تحمل المشاق فان قيل كيف ثقل قيام الليل على الاصحاب رضى الله عنهم وقد خف على كثير من التابعين حتى كانوا يقومون الى طلوع الفجر منهم الامام ابو خنيفة وسعيد بن المسيب وفضل بن عياض وابو سلمان الدارانى ومالك بن دينار وعلى بن بكار وغيرهم حتى قال على بن بكار الشامى منذ أربعين سنة لم يحزنى شئ الا طلوع الفجر قلت الثقلة لم تكن فى قيامه بل فى محافظة القدر الفروض كما سبق على انه لا بعد فى ان يثقل عليهم قبل التعذر بذلك ثم كان من امر بعضهم انه ختم القرءآن فى ركعة واحدة كعثمان وتميم الدارى رضى الله عنهما {واقيموا الصلاة} المفروضة {وأتوا الزكاة} الواجبة وقيل هى زكاة الفطر اذ لم يكن بمكة زكاة غيرها وانما وجبت بعدها ومن فسرها بالزكاة المفروضة جعل آخر السورة مدنيا وذلك ان تجعلها من باب ما تأخر حكمه عن نزوله ففيه دلالة على انه سينجز وعده لرسوله ويقيم دينه ويظهره حتى تفرض الزكاة وتؤدى {واقرضواالله قرضا حسنا} وقرض دهيد خدايرا قرض نيكو. والقرض ضرب من القطع وسمى ما يدفع الى الانسان من المال بشرط رد بدله قرضا لانه مقروض مقطوع من ماله اريد به الانفاقات فى سبيل الخيرات غير المفروض فانها كالفرض الذى لا خلف فى ادآئه وفيه حث على التطوع كما قال عليه السلام ان فى المال حقا سوى الزكاة على احسن وجه وهو اخراجها من اطيب الاموال واكثرها نفعا للفقرآء بحسن النية وصفاء الباء الى احوج الصلحاء وجه هذا التفسير هو أن قوله وآتوا الزكاة امر بمجرد اعطائها على اى وجه كان وقوله واقرضوا الله قرضا حسنا ليس كذلك بل هو امر بالاعطاء المقيد بكونه حسنا وتسمية الانفاق لوجه الله اقراضا استعارة تشبيها له بالاقراض من حيث انما انفقه يعود عليه مع زيادة وقال بعضهم هو قول سبحان الله والحمد الله ولا اله الا الله والله اكبر والنفقة فى سبيل الله كما قال عمر رضى الله عنه او النفقة على الاهل وفى الحديث ما اطعم المسلم نفسه واهل بيته فهو له صدقة اى يؤجر عليه بحسن نيته ثم ههنا امر غامض وهو انه روى الامام الغزالى رحمه الله عن القاضى الباقلانى ان ادعاء البرءآة من الغرض بالكلية كفر لان التنزه خاصة الهية لا يتصور الاشراك فيها فلعل ما يقال ان العبد ليبلغ الى درجة بعمل ما يعمل لا لغرض بل لرضى الله اولا متثال امره فقط انما هو من الغفلة عن غرض خفى هل هو غرض جلى لكنه مراد على. يقول الفقير هذا وارد على اهل الارادة واما اهل الفناء عن الارادة وهم اهل النهاية الا كملون فلا غرض لهم اصلا وامرهم عجيب لا يعرفه الا امثالهم او من عرفه الله بشأنهم {وما} شرطية {تقدموا لانفسكم من خير} اى خير كان مما ذكر وما لم يذكر {تجدوه} جواب الشرط ولذا جزم {عند الله هو خيرا واعظم اجرا} من الذى تؤخرونه الى الوصية عند الموت وفى كشف الاسرار تجدوا ثوابه خيرا لكم من متاع الدنيا واعظم اجرا لان الله يعطى المؤمن اجره بغير حساب قوله خيرا ثانى مفعولى تجدون وهو تأكيد للمفعول الاول لتجدوه وفصل بينه وبين المفعول الثانى وان لم يقع بين معرفتين فان افعل فى حكم المعرفة ولذلك يمتنع من حرف التعريف وقوله واعظم عطف على خيرا واجرا تمييز عن نسبة الفاعل والاجر ما يعود من ثواب العمل دنيويا كان او اخرويا وقال بعضهم المشهور ان وجد اذا كان بمعنى صادف يتعدى الى مفعول واحد وهو ههنا بمعناه لا بمعنى علم فلا بعد ان يكون خيرا حالا من الضمير وفى الحديث اعلموا ان كل امرئ على ما قدم قادم وعلى ما خلف نادم وعنه عليه السلام ان العبد اذا مات قال الانسان ما خلف وقال الملائكة ما قدم ومر عمر رضى الله عنه ببقيع الغرقد اى مقبرة المدينة لانها كانت منبت الغرقد وهو بالغين المعجمة شجر فقال السلام عليكم أهل القبور اخبار ما عندنا ان نساءكم قد تزوجن ودوركم قد سكنت واموالكم قد قسمت فأجابه هاتف يا ابن الخطاب اخبار ما عندنا ان ما قدمناه وجدناه وما انفقناه فقد ربحناه وما خلفنا فقد خسرنا. شعر : قدم لنفسك قبل موتك صالحا واعمل فليس الى الخلود سبيل تفسير : (وروى) عن عمر رضى الله عنه انه اتخذ حيسا يعنى تمرا بلبن فجاءه مسكين فأخذه ودفعه اليه فقال بعضهم ما يدرى هذا المسكين ما هذا فقال عمر لكن رب المسكين يدرى ما هو فكأنه قال وما تقدموا الخ. شعر : تونيكى كن بآب اندازاى شاه اكر ما هى نداند داند الله تفسير : {واستغفروا الله} اى سلوا الله المغفرة لذنوبكم فى جميع اوقاتكم وكافة احوالكم فان الانسان قلما يخلوه عن تفريط وكان السلف الصالح يصلون الى طلوع الفجر ثم يجلسون للاستغفار الى صلاة الصبح واستحب الاستغفار الى الاسماء من القرءآن مثل أن يقول استغفر الله انه كان توابا استغفر الله ان الله غفور رحيم استغفر الله انه كان غفارا رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين {ان الله غفور} يغفر ما دون أن يشرك به {رحيم} يبدل السيئات حسنات وفى عين المعانى غفور يستر على اهل الجهل والتقصير رحيم يخفف عن اهل الجهل والتوفير ومن عرف انه الغفور الذى لا يتعاظمه ذنب يغفره اكثر من الاستغفار وهو طلب المغفرة ثم ان كان مع الانكسار فهو صحيح وان كان مع التوبة فهو كامل وان كان عريا عنهما فهو باطل ومن كتب سيد الاستغفار وجرعه لمن صعب عليه الموت انطلق لسانه وسهل عليه الموت وقد جرب مرارا وسيد الاستغفار قوله اللهم أنت ربى لا اله الا أنت خلقتنى وانا عبدك وانا على عهدك ووعدك ما استطعت اعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك على وأبوء بذنبى فاغفر لى انه لا يغفر الذنوب الا أنت. تمت سورة المزمل بعونه تعالى يوم الاربعاء الثانى والعشرين من ذى القعدة من سنة ست عشرة ومائة ألف
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {إِنَّ ربك يعلمُ أنك تقومُ أدْنَى} أي: أقل {من ثلثي الليل}، استعير الأدنى ـ وهو الأقرب، للأقل؛ لأنَّ المسافة بين الثلثين إذا دنت قلَّ ما بينهما من الأحيان، وإذا بعدت كثر ذلك، {ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ}، مَن نَصَبَهما عَطَفَهما على "أدنى" ومَن جرهما عطفهما على "ثُلثي"، أي: عَلِمَ أنك تقوم تارة أدنى من ثلثي الليل، وتارة نصفَه، وتارة ثلثه، أو أدنى من ثلثه بحسب ما تيسر، {وطائفةٌ من الذين معك} أي: ويقوم ذلك المقدار طائفة مِن أصحابك. قيل: وفيه دليل على أنه لم يكن فرضاً على الجميع، وإلاَّ لقال: والذين معك، إلاّ أن يُقال: كان فيهم مَن يقوم في بيته، ومنهم مَن يقوم معه، فيمكن إذ ذاك الفرضية على الجميع، وعلى كل حال فالمراد بالطائفة: الجماعة الكثيرة من الصحابة؛ لأنها في معرض الثناء، على أنه لا يتصور الحرج على الفرد النادر، فـ"طائفة" عطف على ضمير "يقوم"، وجاز بلا توكيد لوجود الفصل. {والله يُقَدِّرُ الليلَ والنهارَ} أي: لايَقدر على تقدير الليل والنهار ولا يعلم مقادير ساعاتها إلاَّ الله وحده، وتقديم اسمه عزّ وجل يُؤذن بالاختصاص. ثم إنهم قاموا حتى انتفحت أقدامهم، فنزل التخفيف بقوله: {عَلِمَ أن لن تُحْصُوهُ}؛ لن تطيقوا قيامه على المقادير المأمور بها أول السورة إلاَّ بشدة وحرج. {فتابَ عليكم}؛ فخفف عنكم، وأسقط عنكم فرض قيام الليل، {فأقرؤوا ما تيسَّرَ من القرآن} أي: فصَلُّوا ما تيسّر لكم من صلاة الليل، عبّر عن الصلاة بالقراءة؛ لأنها بعض أركانها. قيل: كان التهجُّد واجباً على التخيير المذكور، ثم نسخ بما تيسّر منه، ثم نسخ بالصلوات الخمس. وقيل: المراد بقوله: {فاقرؤوا ما تيسَّر} أي: في صلاة الفرض، فيكون الأمر للوجوب، وعيّنَ مالك قولَه: {ما تيسّر} بالفاتحة، وتركه أبو حنيفة على ظاهره، فأي آية قرأ كفت في الفرض وغيره، والمشهور: أن الآية في قيام الليل، وقيل: في مطلق التلاوة في كل ليلة. قال القشيري: يقال: من خمس آيات فما زاد، ويُقال: من عشر آيات فما زاد. هـ. ونقل ابن عطية عن بعضهم: أن الركعتين بعد العشاء مع الوتر داخله في أمثال هذا الأمر، ومَن زاده الله. هـ. وقال الثعلبي: ما خفّ وسهل من غير مقدار من القراءة والمدة. وقيل هو فرض على أهل القرآن دون غيرهم، أي: فيجب عليهم تلاوة القرآن كل ليلة. قال الحسن: مَن قرأ مائة آية لم يحجّه القرآن، أي: لم يغلبه بالحجة. هـ. فمَن قرأ كل ليلة حزباً فقد كفاه ولم يحاسَب عليه. ورَوى أبو حنيفة عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : مَنْ قرأَ مائة آية في لَيْلةٍ لم يُكْتَب مِن الغَافلين، ومَن قَرأَ مائتي آية كُتب من القَانتين..."تفسير : الحديث. ثم بيّن الحكمة في النسخ، وهي تعذُّر القيام على المرضى والمسافرين والمجاهدين، فقال: {عَلِمَ أن سيكونُ منكم مَّرْضَى} فيشق عليهم قيام الليل، و"أن" مخففة، والسين دالة على ذلك؛ لأنها تلي "أن" المصدرية، {وآخرون يضربون في الأرض}؛ يُسافرون فيها للتجارة {يَبتغون من فضل الله} الريح، ويدخل في ابتغاء الفضل: تحصيل العلم وزيادة الأولياء. {وآخرون يُقاتلون في سبيل الله} لإعلاء كلمة الله، سَوَّى بين المجاهِد والمكتسِب؛ لأنَّ كسب الحلال جهاد، قال ابن مسعود رضي الله عنه: أيُّما رجل جَلَبَ شيئاً إلى مدينة من مدائن المسلمين، صابراً محتسباً، فباعه بسعر يومه كان عند الله من الشهداء، وقال ابن عمر رضي الله عنه: ما خلق اللهُ موتة أموتها بعد القتل في سبيل الله أحب إليَّ من أن أموت بين شِقيْ رحْلي، أضرب في الأرض، أبتغي من فضل الله. هـ. {فاقرؤوا ما تيسّر منه} من غير تحمُّل المشاق. كرّر الأمر بالتيسير لشدة احتياجهم. {وأقيموا الصلاةَ} المفروضة، {وآتوا الزكاةَ} الواجبة. وهذا يؤيد أنّ الآية مدنية. {وأَقْرِضوا اللهَ قرضاً حسناً}، أريد الإنفاقات في سبيل الله من الحلال بالإخلاص، فالقرض لغة: القطع، وفي الاصطلاح: السلف، فالمنفِق يقطع ذلك القدر من ماله فيدفعه إلى غيره، وكذلك المتصدِّق يقطع ذلك القدر من ماله فيجعله لله، وأنما أضافه تعالى إلى نفسه؛ لئلا يَمُنّ على الفقير فيما يتصدّق به عليه؛ لأنّ الفقير مُعين له في تلك القُربة، فلا تكون له عليه مِنَّة بل المِنَّة للفقير عليه، حيث قَبِلَه منه. {وما تُقدِّموا لأنفسكم من خيرٍ تجدوه} أي: ثوابه، وهو جواب الشرط {عند الله هو خيراً} مما خلفتم، أو أخّرتم إلى الوصية عند الموت. و(أخيراً) مفعول ثان بتجدوه، وهو ضمير فصل، وجاز وإن لم يقع بين معرفتين؛ لأنّ " أفعل" في حكم المعرفة، ولذلك امتنع من حرف التعريف، {وأعظمَ أجراً}؛ وأجزل ثواباً، {واستغفِرُوا الله} في كافة أحوالكم، فإنَّ الإنسان لا يخلو من تفريط، {إِن الله غفور} يستر على أهل الذنوب والعصيان، {رحيم} يخفّف عن أهل الجهد والتشمير. الإشارة: أُعطي صلى الله عليه وسلم القوة في الجهتين، فكان قوي الظاهر والباطن؛ ليقتدي به الجميع، فالعُبَّاد والزُهَّاد أخذوا من عبادة الظاهر، من الصيام والقيام، والعارفون المسلكون أخذوا منه عبادةَ الباطن من الفكرة والنظرة، والعكوف في الحضرة، فتهجُّد العُبّاد والزُهّاد والصالحين بالركوع والسجود، وتَهَجُّد العارفين بعكوف القلب في شهود الملك الودود، ومناجاته، والتملُّق بين يديه، وهكذا كانت الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ كان فيهم مَن يقوم بالصلاة، ومنهم مَن يقطع ليله في الفكرة، كالصدّيق وأمثاله، "والله يُقدِّر الليل والنهار" قال القشيري: يعني يُقدِّر السلوك من ليل الطبيعة إلى نهار الحقيقة، بتقدير الله لا بتقدير السالك. عَلِمَ أن لن تحصوه، أي: لن تقدروا على مدة ذلك بالوصول إلى الله، والوصول مترتب على فضل الله ورحمته، لا على سلوككم وسيركم، فكم مِن سالك انقطع في الطريق، ورجع القهقرى، كما قيل: ليس كل مَن سلك وصل، ولا كل مَن وصل اتصل، ولا كل مَن اتصل انفصل. هـ. {فاقرؤوا ما تيسّر من القرآن}، ولا تستغرقوا أوقاتكم في تلاوة حروفه حتى تستكملوا تصفية قلوبكم بذكر الله، لتتهيأ لإشراق أنوار معانيه وأسراره فيها، وأمّا ما دامت القلوب محشوة بصور الألوان، مكدّرة بصدى الهوى والحظوظ، فلا تتمتع بحلاوة أسراره، ولا تتمكن من تدبُّر خطابه، ولأجل هذا كانت الأشياخ تأمر المريد أولاً بمجرد الذكر والرياضة والاستغراق في الاسم المفرد، حتى يتجوهر عقله، وتصفو مرآة قلبه، ويتمكن من مقام الفناء والبقاء، وحينئذ يرجع لتلاوة القرآن، ليجد حلاوته، ولذلك قال تعالى: {عَلِمَ أن سيكونُ منكم مَرْضى} أي: مرضى القلوب بحجب الأنانية، والاشتغال بحب الدنيا وشهواتها, فلا يظهر عليها مِن أسرار القرآن وحقائقه شيء، {وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله} وهم الطالبون من العُبَّاد والزُهَّاد، فلا ينالون من باطن القرآن شيئاً، {وآخرون يقاتلون في سبيل الله}، مشتغلون بجهاد أنفسهم، فلا يتفرّغون لتدبُّر كلامه تعالى، فيقال لهم: اقرؤوا ما تيسّر منه، وأقيموا صلاة القلوب، بعُكوف الهم على ذكر واحد، وآتوا الزكاة، زكاة أبدانكم بالرياضة والمجاهدة، وأَقرِضوا الله قرضاً حسناً، بأن تقطعوا حب الدنيا من قلوبكم, فمَن زهد الدنيا أحبّه الله. وما تُقدموا لأنفسكم من خير، كالمجاهدة والمكابدة؛ تجدوه عند الله في الدنيا والآخرة؛ هو خيراً وأعظم أجراً، فتدوم المشاهدة، وتصحبها المكالمة. واستغفِروا الله من الالتفات لوجودكم إن وقع، إن الله غفور رحيم. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم.
الطوسي
تفسير : قرأ نافع وابو عمرو وابن عامر {ونصفه وثلثه} بكسر الفاء والثاء بمعنى إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ومن نصفه ومن ثلثه أي وادنى من نصفه وأدنى من ثلثه. الباقون بالنصب بمعنى أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل وتقوم نصف وثلثه. والثلث يخفف ويثقل، لغتان، ومثله ربع وعشر. وقال ابو عبيدة: الاختيار الخفض فى {ثلثه ونصفه} لانه قال {علم أن لن تحصوه} وكيف يقدرون على أن يقوموا نصفه أو ثلثه، وهم لا يحصونه، وقال غيره: ليس المعنى على ما قال. وإنما المعنى علم أن لن يطيقوه، يعني قيام الليل، فخفف الله ذلك، قال والاختيار النصب، لانها أوضح فى النظر، لانه قال لنبيه صلى الله عليه وآله {قم الليل إلا قليلاً} ثم نقله عن الليل كله إلا شيئاً يسيراً ينام فيه، وهو الثلث. والثلث يسير عند الثلثين. ثم قال {نصفه} أي قم نصفه {أو انقص منه قليلاً} أي قم نصفه، واكتفى بالفعل الأول من الثاني، لانه دليل عليه أو انقص من النصف قليلا إلى الثلث {أو زد} هكذا إلى الثلثين جعله موسعاً عليه. وفى الناس من قال: هذه الآية ناسخة لما ذكره في أول السورة من الأمر الحتم بقيام الليل إلا قليلا أو نصفه او انقص منه. وقال آخرون: إنما نسخ ما كان فرضاً إلى ان صار نفلا. وقد قلنا: ان الأمر في أول السورة على وجه الندب، فكذلك - ها هنا - فلا وجه للتنافي حتى ينسخ بعضها ببعض يقول الله تعالى لنبيه ان ربك يا محمد ليعلم انك تقوم اقل من ثلثي الليل واقل من نصفه ومن ثلثه فيمن جرّ ذلك، ومن نصب فمعناه إنك تقوم أقل من ثلثي الليل وتقوم نصفه وثلثه وتقوم طائفة من الذين معك على الايمان {والله يقدر الليل والنهار} لتعملوا فيه بالصواب على ما يأمركم به {علم أن لن تحصوه} قال الحسن: معناه علم أن لن تطيقوه {فتاب عليكم} أي لم يلزمكم إثماً كما لا يلزم التائب أي رفع التبعة فيه كرفع التبعة عن التائب. وقوله {فاقرءوا ما تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى} فتاب عليكم بما رغبتم فيه وذلك يقتضي التخفيف عنكم {وآخرون يضربون في الأرض} أي ومنكم قوم آخرون يضربون أي يسافرون فى الأرض ومنكم قوم {آخرون يقاتلون في سبيل الله} وكل ذلك يقتضي التخفيف عنكم {فاقرءوا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} ومعناه اقيموا الصلاة بحدودها التي أوجبها الله عليكم واستمروا عليها وأعطوا ما وجب عليكم من الزكوة المفروضة {وأقرضوا الله قرضاً حسناً} أي وانفقوا فى سبيل الله والجهات التي أمركم بها وندبكم إلى النفقة فيها، وسمي ذلك {قرضاً} تلطفاً فى القول، لان الله تعالى من حيث أنه يجازيهم على ذلك بالثواب، فكأنه استقرض منهم ليرد عوضه وإنما قال {حسناً} أي على وجه لا يكون فيه وجه من وجوه القبح. ثم قال {وما تقدموا لأنفسكم من خير} أي ما فعلتم من الطاعات {تجدوه} أي تجدوا ثوابه وجزاءه {عند الله} وقوله {هو خيراً وأعظم أجراً} أي تجدوه خيراً لكم، وهو أفضل واعظم ثواباً، وهو عطف على {خير}. ثم قال {واستغفروا الله} على معاصيكم معاشر المكلفين {إن الله غفور} أي ستار لذنوبكم صفوح لاجرامكم إذا تبتم واقلعتم ورجعتم اليه {رحيم} بكم منعم عليكم. وقال ابن زيد: القرض في الآية النوافل سوى الزكاة.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلْلَّيْلِ} اى الزّيادة على النّصف {وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ وَٱللَّهُ يُقَدِّرُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ} بحسب ساعاتهما واثلاثهما وارباعهما وانصافهما لا انتم {عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ} انتم اى لن تحصوا قدرهما او لن تحصوا كلاًّ من اللّيل والنّهار {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} عن تكليفه لكم بالقيام فى نصف اللّيل او ازيد او انقص من النّصف بقليلٍ فرفع هذا الحكم عنكم ولذلك ورد انّها نسخت هذه الآية الآية الاولى {فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ} يعنى فى الصّلاة فى اللّيل بقرينة المقام، وفى خبرٍ عن الباقر (ع): واعلموا انّه لم يأت نبىٌّ قطّ الاّ خلا بصلاة اللّيل، ولا جاء نبىٌّ قطّ بصلاة اللّيل فى اوّل اللّيل {عَلِمَ أَن سَيَكُونُ} جوابُ سؤالٍ ووجه آخر للتّرخيص {مِنكُمْ مَّرْضَىٰ} لا يقدرون على قيام اللّيل {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ} فيكون القيام شاقّاً عليهم {يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ} الصّورىّ كالمسافرين للتّجارة او المعنوىّ كالمسافرين لطلب الدّين والعلم {وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} لمّا كان بعض النّفوس مولعةً بالعبادة وقيام اللّيل والامر بترك العبادة خصوصاً ما كان منها موظّفاً عليها كان ثقيلاً عليها كرّر الامر بقراءة ما تيسّر من القرآن والصّلاة وكان الاوّل مترتّباً على عدم الاحصاء والثّانى على المرض والضّرب فى الارض، وروى عن الرّضا (ع) انّه قال: ما تيسّر منه لكم فيه خشوع القلب وصفاء السّرّ {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ} قد مضى بيان الصّلاة والزّكاة ومراتبهما واقامة الصّلاة وايتاء الزّكاة {وَأَقْرِضُواُ ٱللَّهَ} من اصل ما لكم او هو بيان لايتاء الزّكاة وترغيب فيه واشعارٌ بان من آتى الزّكاة آتاه الله عوضه فى الدّنيا او فى الآخرة او فيهما {قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ} تعميم بعد تخصيصٍ او بيان وتعميم للقرض {تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً} اى تجدوه بعينه خيراً منه حين آتيتموه وتجدوا اجره ايضاً عظيماً، او تجدوه بما هو اجره خيراً من نفسه واعظم {وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ} حين الصّلاة والزّكاة حتّى يستر عليكم دواعى نفوسكم فى ذلك، او استغفروه فى جميع احوالكم فانّه ما منكم احدٌ الاّ وله مساوٍ لا تليق بشأنه {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
الحبري
تفسير : مستدركات المؤلف على تفسيره ـ الحسكانيّ: أَخْبرنا الحاكِم أَبو عَبْد الله الحافِظُ ـ وهو بخطِّّه عِنْدي ـ: عليُّ ابن عَبْد الرحمن السبيعيّ: حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بنُ الحَكَم الحبريّ. عن الحَسَن بن الحُسَيْن، عن عُبَيْدة بن حميد، عن الكلبيّ، عن أَبي صالح، عن: ابن عبَّاس، فى قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلْلَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ}. قالَ: عَليٌّ وأَبُو ذَرٍّ
اطفيش
تفسير : {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومَ أَدْنَى} اي أقل {مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ} وقرأ هشام بإسكان لام ثلثي وهو لغة وكذا في غيره من الكسور وإنما استعار الأدنى للأقل ومعناه الحقيقي ضد الا بعد لأن الاقرب الى الشيء أقل بعداً منه *{وَنِصْفُهُ وَثُلُثَهُ} وقرأ ابن كثير والكوفيون بنصبهما فالجر للعطف على ثلثي والنصب للعطف على أدنى *{وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ} في الإيمان والعطف على ضمير تقوم للفصل بينهما قيل المعنى أنه يعلم أنك تقوم أنت وأمتك قياماً مختلفاً يكثر ويقل لعدم تحصيل البشر لمقادير الزمان مع غدر النوم وتقدير الزمان حقيقة إنما هو الله فمنهم من كان لا يدري كم صلى فكان يصلي الليل كله حتى انتفخت أقدامهم سنة أو أكثر كما قال *{وَاللهُ} لا غيركما يدل عليه أن لن تحصوه {يَقْدِرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} يحصيهما كلا وجزءا *{عَلِمَ أنْ} مخففة {لَنْ تَحْصُوهُ} لن تطيقوا معرفته على الحقيقة والهاء لليل وقيل لتقدير المدلول عليه يقدر وعن بعض أن المعنى على قراءة نصب النصف والثلث أنه قد علم أنهم يقدرون الليل على نحو ما أمر به بالاحتياط قيل أو بالحقيقة في قوله نصفه أو انقص منه الى آخره فلم يبق الا قوله أن لن تحصوه اي لن تطيقوا قيامه لكثرته وشدته فخفف عنهم فضلا وتوسيعاً لا لعلة جهلهم بالتقدير وإحصاء الأوقات كل الجهل كما قال {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} بالترخيص في ترك القيام المقدر {فَاقْرَأُوا} اي صلوا عبر عن الصلاة بقراءتها كما يعبر عنها بركوعها وبسجودها وبتسبيحها وبتعظيمها او المراد قراءة القرآن بعينه دراسة لئلاَّ ينسى واختار ابن العربي الأول *{مَا تَيَسَّرَ} اي سهل {مِنَ الْقُرْآنِ} قيل من قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه القرآن وكتب من القانتين وقيل يقرأ خمسين آية وروي من قرأ خمسين في يوم وليلة لم يكتب من الغافلين ومن قرأ مائة كتب من القانتين ومن قرأ مائتين لم يحاجه القرآن يوم القيامة ومن قرأ خمس مائة كتب الله له قنطاراً من الأجر وروي أربعين بدل خمسين وروي عشرين وروي عشرا ويكفي في الركعة ثلاث آيات وقيل اثنتان وقيل آية طويلة وقيل قصيرة، وعن عبادة بن الصامت عن النبى صلى الله عليه وسلم حديث : من تعار من الليل فقال لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال اللهم أغفر لي ودعا بشيء استجيب له فإن توضأ ثم صلى قبلت صلاته تفسير : وتعار بمعنى استيقض زعم بعض ان قراءة القرآن فرض في كل ليلة والجمهور أنها ندب وعن الحسن وابن سيرين قيام الليل فرض ولو قدر حلب شاة بما أمكن من قراءة القرآن أو غيرها قال بعض والركعتان بعد العشاء مع الوتر داخلتان في امتثال هذا الأمر ومن زاد زاد الله له ثواباً، وعن الحسن أراد الله القراءة في المغرب والعشاء قال قيس بن ابي حازم صليت خلف ابن عباس بالبصرة فقرأ في أول ركعة الفاتحة وأول آية من البقرة وفي الثانية الفاتحة والآية الثانية من البقرة ثم ركع فلما انصرف أقبل علينا بوجهه فقال إن الله يقول {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} وينبغي للعاقل المبادرة الى تحصيل الخيرات قبل هجوم صولة الممات قالت بنت الربيع بن خيثم للربيع يا أبت مالي أرى الناس ينامون وأنت لا تنام فقال إن أباك يخاف البيات أي وقوع العدو عليه ليلا قال الباحي: شعر : قد أفلح القانت في جنح الدجا يتلو الكتاب العربي النيرا فقائما وراكعا وساجدا مبتهلا مسبحاً مستغفراً له حنين وشهيق وبكاء يبل من دمعه تراب الثرى أنا لسفر نبتغي نيل الهدى ففي السرى نصيبنا لا في الكرى من نصب الليل ينال راحة عند الصباح يحمد القوم السرى تفسير : وإختار الفراء قراءة نصب الثلث والنصف قال الصواب النصب والحق أن يقول الراجح الا أن أراد بالصواب الراجح ولعل وجه ذلك ان النصب مطابق لما مر أول السورة من التخيير بين قيام النصف بتمامه وقيام الناقص منه وهو الثلث وقيام الزائد عليه وهو أدنى من الثلثين اي تقوم أقل من الثلثين وتقوم النصف والثلث والجر مطابق للتخيير بين النصف وهو أدنى من الثلث وهو أدنى من النصف والربع وهو أدنى من الثلث وبين سبب التخفيف والنسخ بقوله *{عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ} أن مخففة {مِنْكُمْ} متعلق بسيكون أو حال من مرضى على التمام ومتعلق بمحذوف خبر على النقصان {مَّرْضَى} جمع مريض ويكون فاعله أو هو واسمه وخبره خبر لان المخففة واسمها ضمير الشأن محذوف ويسبك من خبرها مصدر مفعول لعلم أغنى عن مفعولين لاشتمال ما بعد علم على المسند والمسند اليه أو يقدر مفعول ثان {واخرون يضربون} يمشون ويسافرون {فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ} يطلبون {مِنْ فَضْلِ اللهِ} رزقه وعلم دينه وما هو واسطة لعلم الدين ومفعول يبتغون محذوف اي يبتغون شيئا من فضل الله وفصل الله على جواز زيادة من في الإثبات والتعريف {وآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ} اما المريض فيعجز ويضعف عن التهجد وأما المجاهد والمسافر فمشتغلان نهاراً بالأعمال الشاقة فلا يقدران على القيام أو يشق عليهما فخفف عنهم قيل سوى الله المجاهدين والمسافرين لكسب الحلال قال عبد الله بن مسعود أيما رجل جلب شيئا الى مدينة من مدائن المسلمين صابراً محتسباً فباعه بسعر يومه كان عند الله من الشهداء، وعن ابن عمر ما خلق الله موتة اموتها بعد القتل في سبيل الله أحب اليّ من أن أموت بين شعبتي رحلي أضرب في الأرض أبتغي من فضل الله *{فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} أعاده للتأكيد قال بعضهم اصل من الليل ولو ركعتين أو أربعا {وَأَقِيمُوا الصَّلٰوةَ} المفروضة {وَأتُوا الزَّكَٰوةَ} الواجبة وقيل زكاة الفطر لانه لم تكن بمكة زكاة وإنما وجبت بعد ذلك ومن فسرها بالزكاة الواجبة قال آخر السورة مدني {وَأَقْرِضُوْا اللهَ قَرْضاً حَسَناً} أمر بسائر الانفاقات في سبيل الخير أو أمر بتحسين أداء الزكاة من إخراجها من أطيب المال ووضعها في موضعها ابتغاء وجه الله أو أمر بفعل الخير مطلقا مما يتعلق بالنفس أو بالمال وعن ابن عباس يريد سوي الزكاة من صلة الرحم واقراء الضيف ورغب في ذلك بوعد العوض في قوله *{وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ} أي تجدوا ثوابه *{عِنْدَ اللهِ هُوَ} ضمير فصل جاء بين ما أصله المبتدأ والخبر وجاء قبل النكرة لأنها كالمعرفة في عدم قبول أل في بعض الصور لأن خيرا اسم تفضيل وهو لا يقبل أل في صورة ما إذا ذكرت من التفضيلية قال ابن هشام يشترط فيها بعد ضمير الفصل كونه خبرا لمبتدأ ولو في الأصل وكونه معرفة أو كالمعرفة في أنه لا يقبل أل وضمير الفصل اسم لا محل له كاسم الفعل عند الخليل وقال الكسائي محله هو اعراب ما بعده أو محله فمحله هنا النصب وقال الفراء محله محل ما قبله فمحله هنا النصب لان الهاء مفعول به وقال أكثر البصريين أنه حرف فتسميتهم له ضميراً مجاز لأنه على صورة الضمير وحروفه ولان أصله ضمير ويجوز كون هو توكيدا للهاء مفصولا منها قال ابن هشام ووهم ابو البقاء فأجاز كونه بدلا من الهاء قلت ان كان وجه الوهم كون هو ضمير رفع فغير مسلم لأن ضمير الرفع المنفصل يستعار للنصب والجر نعم بعض منع ابدال الضمير من الضمير على تفصيل ذكرته في النحو {خَيْرًا} مفعول ثان وقرأ أبو السمال بالرفع على أنه خبر ولفظ هو مبتدأ والجملة مفعول ثان *{وأَعْظَمُ أَجْراً} أخبرنا الله ان ما تقدم من الاعمال الحسنة خير وأعظم مما نؤخره الى الوصية عند الموت ومما نتركه بلا صدقة قال صلى الله عليه وسلم حديث : ايكم ماله أَحب إِليه من مال وارثه قالوا كلنا قال اعلموا ما تقولون قالوا ما نعلم الا ذلك يا رسول الله قال ما منكم رجل إلا مال وارثه أحب اليه من ماله قالوا كيف يا رسول الله قال انما مال أحدكم ما قدم ومال وارثه ما أخرتفسير : *{وَاسْتَغْفِرُوا الله} من تقصيركم في قيام الليل وغيره فإن الإنسان لا يخلو من تفريط قال بعض العلماء الإستغفار بعد الصلاة مستنبط من هذه الآية ومن قوله {أية : كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالاسحار هم يستغفرون} تفسير : وكان بعضهم يستغفر الله ثلاثا أثر كل مكتوبة بعقب السلام ويؤثر في ذلك حديثا فكان هذا الاستغفار من التقصير وتقلب الفكر أثناء الصلاة وكان السلف الصالح يصلون الى طلوع الفجر ثم يجلسون للاستغفار حديث : وعنه صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثا وقال اللهم انت السلام ومنك السلام تباركت ياذا الجلال والاكرامتفسير : قيل للاوزاعي كيف الاستغفار قال تقول استغفر الله استغفر الله استغفر الله *{إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} لمن يستغفر اللهم ببركة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وببركة السورة أخز النصارى واهنهم واكسر شوكتهم وغلب المسلمين والموحدين عليهم صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ} أى أقل من ثلثى الليل فإِنه يلزم من قرب الشئ إِلى آخر قلة الأَحياز فعبر بالملزوم عن اللازم أو استعار الدنو للقلة، وفى ذلك جعل الثلثين قليلاً لأَن أدنى اسم تفضيل الجواب أن الله عز وجل عدهما قليلاً باعتبار عظمته وأولى من ذلك أن نجعل من ليست تفضيلية بل التى يتعدى بها الدنو تقول دنا من كذا وتخرج أدنى عن التفضيل فيكون المعنى ما يقرب من ثلثى الليل. {وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ} عطف على ثلثى فيكون يقوم ما يقرب من الثلثين تارة وما يقرب من النصف تارة وهو ما فوق الثلث بقليل وما يقرب من الثلث تارة وهو ما دون النصف ما لم يصل ثلثاً كالربع والحاصل أنه يقوم أقل من الثلثين وأقل من النصف وأقل من الثلث وهذا فيما علم الله تعالى أنه يقع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والطائفة، وقوله تعالى {قم الليل} الخ. فيما أمره الله به وبذلك يجاب عن التخالف بين قراءتنا بالجر وقراءة نصب نصفه وثلثه عطفا على أدنى فإِن حاصلها أنك تقوم أقل من الثلثين وتقوم نصف الليل تارة وتقوم ثلث الليل أُخرى. {وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ} عطفا على المستتر فى تقوم لوجود الفصل كأَنه قيل تقوم أنت وطائفة من الذين معك أدنى من ثلثى الليل الخ، ومن للبيان أى وطائفة هم الذين معك وقيل للتبعيض والبعض الآخر يقوم غير القيام المذكور، وقيل لم يجب عليه وهو ضعيف. {وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} يخلق مقادير ساعاتهما ويعلمها وأنتم لا تعلمونها فلا بأس عليكم فى نقص مما عين لكم إِذ لا تصلون إِلى حسابه لدقته يعجز عنها أصحاب الآلات. {عَلِمَ أن} أن الشأَن أو انكم {لَّن تُحْصُوهُ} لن تطلبوا تقدير الأَوقات فعاملكم بالأَوسع ولا سيما أن العرب يشق عليها الحساب {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} بترك المقدار فى القيام، شبه الترخيص بقبول التوبة لجامع رفع العقاب. قال سعد بن هشام لعائشة يا أُم المؤمنين أنبئينى عن قيام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالت ألست تقرأ يا أيها المزمل قال بلى قالت فإِن الله تعالى افترض قيام الليل فى أول السورة هذه فقام نبى الله وأصحابه حولا وأمسك الله تعالى خاتمتها اثنا عشر شهراً فى السماء يعنى لم تنزل الخاتمة حتى أنزل الله تعالى فى آخر السورة التخفيف وصار قيام الليل تطوعا، وفى رواية عنها دام ثمانية أشهر وعن قتادة عاماً أو عامين، وقيل وجب إِنما التخيير فى المقدار ثم نسخ بعد عشر سنين، وقيل وجب عليه - صلى الله عليه وسلم - دون غيره كما قال فتهجد به نافلة لك أى زيادة واجبة، وعن ابن عباس وجب على الكل ثم نسخ عن غيره فمن شاء تطوع وبقى الوجوب عليه إلى أن مات، وقيل فرض فى مكة ثم نسخ وجوبه عنهم وعنه بالصلوات الخمس وهذا فى البخارى ومسلم، ويروى عن ابن عباس انه صلى ركعة بالفاتحة والآية الأُولى من البقرة وركعة بالفاتحة والآية الثانية منها فقال هذا قراءة ما تيسر، وقيل الآية فى قراءة القرآن بلا صلاة فقيل مائة آية وقيل السورة التى قلت آياتها كسورة الكوثر وكسورة الإِخلاص، وعن أنس مرفوعاً من قرأ خمسين آية فى يوم وليلة لم يكتب من الغافلين ومن قرأ مائة آية كتب من القانتين ومن قرأ مائتى آية لم يحاجه القرآن يوم القيامة ومن قرأ خمسمائة كتب له قنطار من الأَجر، وروى أربعون آية، وروى عشرون بدل خمسين، وعن أبى هريرة مرفوعاً من قرأ عشر آيات لم يكتب من الغافلين وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يصوم الدهر ويقرأ القرآن كل ليلة فقال - صلى الله عليه وسلم - "حديث : صم يوماً وأفطر يوماً كداود واقرأ القرآن في كل شهر. قال: أطيق أكثر. فقال: في كل عشر فقال: أطيق أكثر. فقال: في كل سبع ولا تزد على ذلك" تفسير : {فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} أى صلوا ما تيسر لكم من الصلاة فى الليل عبر عن الصلاة بجزئها الذى هو القراءة كما عبر عنها فى غير هذه الآية بجزئها الذى هو الركوع وبجزئها الذى هو السجود، وقيل فرض الله تعالى القيام بمقدار معين فى قوله تعالى: "أية : قم الليل" تفسير : [المزمل: 2] الخ. ثم نسخ بمقدار ما منه فى قوله تعالى: {فتاب عليكم فاقرأُوا} الخ. ثم عن الأمة وجوبه بالصلوات الخمس، وقيل وجب عليهم القيام ثم نسخ وأمروا بقراءة شئ من القرآن أى إِن شق عليكم فاقرأوا بدله شيئا من القرآن على الندب، وفى الأَثر من قرأ مائة آية، وفى أثر خمسين فى ليلة لم يحاجه القرآن، وفى اثر كتب من القانتين، وأخطأَ من أجاز الصلاة بدون فاتحة الكتاب، فعن أبى هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : لا تجزي صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب"تفسير : ، وعنه أنه - صلى الله عليه وسلم - "حديث : كل صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج" تفسير : أى ذات خداج أى نقصان عن حد الإِجزاء فهى باطلة بدليل الحديث الآخر المذكور وحديث أبى هريرة أمرنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أخرج وأنادى لا صلاة إِلا بفاتحة الكتاب وذلك فى كل ركعة للإِمام والمأموم والفذ ومن ترك حرفاً واحداً عمداً فسدت صلاته ومن ترك ما دون النصف بلا عمد صحت صلاته ولو علم فى الوقت لأَن ترك القليل كعدم الترك وإِن ترك نصفاً أو أكثر بلا عمد فسدت لأَن ذلك كترك الكل، وأقول تفسد بترك القليل والكثير سهواً اللهم إِلا حرفاً أو كلمة سهواً، وزعم الشافعى أنه تجب قراءة الفاتحة فى نصف الصلاة وأبو حنيفة يغنى التسبيح عنها فى الركعتين الأَخيرتين فى الرباعية وفى الثالثة من المغرب وزعم الحسن البصرى أنه تكفى فى ركعة واحدة {عَلِمَ أن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى} تعليل جملى أى نسخ عليكم وجوب القيام لأَنه علم أن سيكون أى أنه أى الشأَن أو أنكم سيكون منكم مرضى فخفف على الكل ليحصل الاتفاق فى ذلك ولا يثبت التخالف ومن يصل قاعداً بإِيماء فليخفض للسجود أكثر مما يخفض للركوع ويكون ركوعه أسفل لأَنه إِيماء كالسجود والتحية ليست إِيماء فهى على حالها فى الصحة إِلا أنه ينحنى فى قراءتها بعض انحناء ليجد رفعاً إِلى قراءة الركعة الثالثة لأَن شأْن القراءة أن تصحب بالرفع ولا قراءة إِلا برفع من السجود أو من التحيات إِلا قراءة الركعة الأُولى أو قراءة ما أحرم فيه على ركعة واحدة وإِن صلى نفلا مستندا صح ولو كان يقع لزوال ما استند إِليه لجواز النفل مضطجعاً والاستناد أولى من الاضطجاع فليصل الفرض مستنداً ولو كان يقع لزوال ما استند إِليه لأَن ذلك صورة قعود والقعود أولى من الاضطجاع. {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ} يمشون مسافرين للتجر {فِي الأَرْضِ} أُريد ما يشمل المسافرين فى البحر لأَنهم فى الأَرض، أوخص الأَرض لأَنها اشد فى التعب، وقوله تعالى {يَبْتَغُونَ} أى يطلبون حال {مِن فَضْلِ اللهِ} بعض فضل الله تعالى من رزق وذلك مانع من قيام الليل فنسخ عمن لم يسافر أيضا للتوافق {وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيل اللهِ} قرن الله المسافرين للتجر بالمجاهدين فى سبيل الله تعالى لفضلهم، قال عمر رضى الله عنه ما من حال يأتينى عليه الموت بعد الجهاد فى سبيل الله احب إِلى من أن يأَتينى بين شعبتى جبل ألتمس من فضل الله تعالى وتلا الاية، وعن ابن مسعود عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما من جالب جلب طعاماً إِلى بلد من بلاد المسلمين فيبيعه لسعر يومه إِلا فكانت منزلته عند الله بمنزلة الشهداء ثم قرأ وآخرون يضربون.. إِلخ، ويروى عن ابن مسعود رضى الله عنه إِيما رجل جلب شيئا إِلى مدينة من مدائن المسلمين صابراً محتسباً فباعه بسعر يومه كان عند الله من الشهداء، فالأَجر لمن يبيع بسعر يومه أى فى وقته ولو بعد يوم أو يومين أو أكثر غير منتظر للغلاء، وإِن انتظره حل له لأَنه جالب من سفر لكن لا ثواب له، وقد يعمم الفضل بما يشمل السفر للعلم أو للزيارة أو لأَمر دينى ولا يعارضه الحديث وكلام عمر لاحتمال أنهما بيان لبعض ما يشمله اللفظ. {فَاقْرَأُوا مَا تَيسَّرَ منه} من القرآن بلا مشقَّةٍ فى الصلاة وغيرها. {وَأَقيمُوا الصَّلاةَ} المفروضة وهى الخمس فى مكة ليلة الإِسراء، لكن السورة من أول ما نزل والإِسراء متأَخر. {وَآتُوا الزَّكَاةَ} المفروضة فى المدينة، فهذه الآيات مدنيات جعلن فى سورة مكية أو حققت الصلاة المفروضة والزكاة فى المدينة ونزل أصلهن فى مكة لكن هذا لا يتجه فى الصلوات الخمس لأَنهن حققن فى مكة ولو اتجه فى الزكاة بأَن بين نصابها فى المدينة، ولعل المراد بالصلاة ما وجب قبل الخمس ثم نسخ بالخمس وبالزكاة مما يجب التصدق به ثم نسخ بالزكاة المعينة وعبارة بعض الأَئِمة مما تأَخر حكمه عن نزوله. {وَأقْرِضُوا اللهَ قَرْضاً} اسم مصدر أى إِقراضاً {حَسَناً} استعار الإِقراض للإِنفاق فى وجوه الأَجر أو الاستعارة تمثيلية بأَن شبه الإِنفاق للأَجر والإِثابة عليه بقرض المال ورده ومعنى الحسن الإِنفاق من حلال والإِخلاص على وجه يدخل السرور على الفقراء أو الأَغنياء أو الحيوان بلا منٍّ ولا أخذ عوض، وقد قيل المراد الزكاة المذكورة أعاد ذكرها بهذه الطريقة {وَمَا تُقَدِّمُوا} فى الدنيا {لأَنفُسِكُم} فى الآخرة {مِّنْ خَيْرٍ} عمل صالح من صدقة وصلاة وزكاة وصوم وأمر ونهى وتعليم علم وغير ذلك من العبادات {تَجِدُوهُ عِندَ اللهِ} تلقوا ثوابه مدخراً {هُوَ} تأَكيد للهاء استعارة لضمير الرفع للنصب وخيرا حال من الهاء وإِن جعلنا تجد بمعنى تعلم كان مفعولاً ثانياً له وكان لفظ هو ضمير فصل واقعاً بين معرفة هى الهاء وما يلحق بالمعرفة فإِن اسم التفضيل فى حكم المعرفة إِذا بقى على التفضيل ولذا لا تدخل عليه ال لكن إِن قرن بمن التفضيلية وإِلا جازت ال {خَيْراً} مما توصون به. {وَأعْظَمَ أجْراً} ما عمل من طاعة فى الحياة خير مما يوصى بسبعين، وعن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : أيكم مالُه أحب إِليه من مال وارثه قالوا يا رسول الله ما أحد إِلاَّ ماله أحب إِليه من مال وارثه. قال: اعلموا ما تقولون. قالوا: ما نعلم إِلا ذلك يا رسول الله. قال: ما منكم رجل إِلا مال وارثه أحب إِليه من ماله. قالوا: كيف ذلك يا رسول الله. قال: إِنما مال أحدكم ما قدم ومال وارثه ما أخر"تفسير : {وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ} من ذنوبكم فإِنكم لا تخلون منها ولو أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وأقرضتم الله قرضاً حسناً ولستم تخلون من تقصير ولو فى حال العبادة فقد يصدر الرياء لحظة ويغفل عنه وقد يحصل استشعار دخول الجنة بها حال عملها ولو لحظة ويغفل عن الاستغفار وقد يعتد بها ولم يستغفر الله {إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} على العموم فى المستغفرين وفى الذنوب والله أعلم.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَىِ ٱلَّيْلَ } أي زماناً أقل منهما استعمل فيه الأدنى وهو اسم تفضيل من دنا إذا قرب لما أن المسافة بين الشيئين إذا دنت قل ما بينهما من الأحياز فهو فيه مجاز مرسل لأن القرب يقتضي قلة الأحياز بين الشيئين فاستعمل في لازمه أو في مطلق القلة، وجوز اعتبار التشبيه بين القرب والقلة ليكون هناك استعارة والإرسال أقرب. وقرأ الحسن وشيبة وأبو حيوة وابن السميفع وهشام وابن مجاهد عن قنبل فيما ذكر صاحب «الكامل» (ثلثي) بإسكان اللام وجاء ذلك عن نافع وابن عامر فيما ذكر صاحب «اللوامح». {وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ } بالنصب عطفاً على (أدنى) كأنه قيل يعلم أنك تقوم من الليل أقل من ثلثيه وتقوم نصفه وتقوم ثلثه. وقرأ العربيان ونافع (ونصفه وثلثه) بالجر عطفاً على (ثلثي الليل) أي تقوم أقل من الثلثين وأقل من النصف وأقل من الثلث، والأول مطابق لكون التخيير فيما مر بين قيام النصف بتمامه وبين قيام الناقص منه وهو الثلث وبين قيام الزائد عليه وهو الأدنى من الثلثين، والثاني مطابق لكون التخيير بين النصف وهو أدنى من الثلثين وبين الثلث وهو أدنى من النصف وبين الربع وهو أدنى من الثلث، كذا قال غير واحد فلا تغفل. واستشكل الأمر بأن التفاوت بين القراءتين ظاهر فكيف وجه صحة علم الله تعالى لمدلولهما وهما لا يجتمعان؟ وأجيب بأن ذلك بحسب الأوقات فوقع كل في وقت فكانا معلومين له تعالى واستشكل أيضاً هذا المقام على تقدير كون الأمر وارداً بالأكثر بأنه يلزم إما مخالفة النبـي صلى الله عليه وسلم لما أمر به أو اجتهاده والخطأ / في موافقة الأمر وكلاهما غير صحيح أما الأول فظاهر لا سيما على كون الأمر للوجوب وأما الثاني فلأن من جوز اجتهاده عليه الصلاة والسلام والخطأ فيه يقول إنه لا يقر عليه الصلاة والسلام على الخطأ. وأجيب بالتزام أن الأمر وارد بالأقل لكنهم زادوا حذراً من الوقوع في المخالفة وكان يشق عليهم وعلم الله سبحانه أنهم لو لم يأخذوا بالأشق وقعوا في المخالفة فنسخ سبحانه الأمر كذا قيل فتأمل فالمقام بعد محتاج إليه. وقرأ ابن كثير في رواية شبل (وثلثه) بإسكان اللام. {وَطَائِفَةٌ مّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ } عطف على الضمير المستتر في {تقوم} وحسنه الفصل بينهما أي وتقوم معك طائفة من أصحابك {وَٱللَّهُ يُقَدّرُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ } لا يعلم مقادير ساعاتهما كما هي إلا الله تعالى فإن تقديم اسمه تعالى مبتدأ مبنياً عليه {يُقَدّرُ} دال على الاختصاص على ما ذهب إليه جار الله، ويؤيده قوله تعالى: {عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ } فإن الضمير لمصدر {يُقَدّرُ} لا للقيام المفهوم من الكلام، والمعنى علم أن الشأن لن تقدروا على تقدير الأوقات ولن تستطيعوا ضبط الساعات ولا يتأتى لكم حسابها بالتعديل والتسوية إلا أن تأخذوا بالأوسع للاحتياط وذلك شاق عليكم بالغ منكم. {فَتَابَ عَلَيْكُمْ } أي بالترخيص في ترك القيام المقدر ورفع التبعة عنكم في تركه، فالكلام على الاستعارة حيث شبه الترخيص بقبول التوبة في رفع التبعة واستعمل اللفظ الشائع في المشبه به في المشبه كما في قوله تعالى {أية : فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَٱلآنَ بَاشِرُوهُنَّ}تفسير : [البقرة: 187] وزعم بعضهم أنه على ما يتبادر منه فقال فيه دليل على أنه كان فيهم من ترك بعض ما أمر به وليس بشيء. {فَٱقْرَءواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْءانِ } أي فصلوا ما تيسر لكم من صلاة الليل، عبر عن الصلاة بالقراءة كما عبر عنها بسائر أركانها، وقيل الكلام على حقيقته من طلب قراءة القرآن بعينها وفيه بعد عن مقتضى السياق، ومن ذهب إلى الأول قال إن الله تعالى افترض قيام مقدار معين من الليل في قوله سبحانه: {أية : قُمِ ٱلَّيْلَ}تفسير : [المزمل: 2] الخ ثم نسخ بقيام مقدار ما منه في قوله سبحانه: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ فاقرؤا} الآية فالأمر في الموضعين للوجوب إلا أن الواجب أولاً كان معيناً من معينات وثانياً كان بعضاً مطلقاً ثم نسخ وجوب القيام على الأمة مطلقاً بالصلوات الخمس، ومن ذهب إلى الثاني قال إن الله تعالى رخص لهم في ترك جميع القيام وأمر بقراءة شيء من القرآن ليلاً فكأنه قيل فتاب عليكم ورخص في الترك فاقرؤا ما تيسر من القرآن إن شق عليكم القيام فإن هذا لا يشق وتنالون بهذه القراءة ثواب القيام وصرح جمع أن {فاقرؤا} على هذا أمر ندب بخلافه على الأول. هذا واعلم أنهم اختلفوا في أمر التهجد فعن مقاتل وابن كيسان أنه كان فرضاً بمكة قبل أن تفرض الصلوات الخمس ثم نسخ بهن إلا ما تطوعوا به ورواه البخاري ومسلم في حديث جابر. وروى الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والدارمي وابن ماجه والنسائي عن سعد بن هشام قال «قلت لعائشة يا أم المؤمنين أنبئيني عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت ألست تقرأ القرآن قلت بلى قالت فإن خلق نبـي الله تعالى القرآن قال فهممت أن أقوم ولا أسأل أحداً عن شيء حتى أموت ثم بدا لي فقلت أنبئيني عن قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت ألست تقرأ {أية : يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمّلُ }تفسير : [المزمل: 1] قلت بلى قالت: فإن الله تعالى افترض قيام الليل في أول هذه السورة فقام نبـي الله وأصحابه حولاً وأمسك الله تعالى خاتمتها اثني عشر شهراً في السماء حتى أنزل الله تعالى في آخر السورة التخفيف وصار قيام الليل تطوعاً» وفي رواية عنها أنه دام ذلك ثمانية أشهر، وعن قتادة دام عاماً أو عامين وعن بعضهم أنه كان واجباً وإنما وقع التخيير في المقدار ثم نسخ بعد عشر سنين وكان الرجل كما قال الكلبـي يقوم حتى يصبح مخافة أن لا يحفظ ما بين النصف والثلث والثلثين. وقيل كان نفلاً بدليل التخيير في المقدار وقوله تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ}تفسير : [الإسراء: 79] حكاه غير واحد وبحثوا فيه لكن قال الإمام صاحب «الكشف» لم يرد هذا القائل أن التخيير ينافي الوجوب بل استدل بالاستقراء وأن الفرائض لها أوقات محدودة / متسعة كانت أو ضيقة لم يفوض التحديد إلى رأي الفاعل، وهو دليل حسن وأما القائل بالفرضية فقد نظر إلى اللفظ دون الدليل الخارجي ولكل وجه. وأما قوله ولقوله تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلَّيْلِ }تفسير : [الإسراء: 79] الخ فالاستدلال بأنه فسر{أية : نَافِلَةً لَّكَ}تفسير : [الإسراء: 79] بأن معناه زائدة على الفرائض لك خاصة دون غيرك لأنها تطوع لهم وهذا القائل لا يمنع الوجوب في حقه عليه الصلاة والسلام وإنما يمنعه في حق غيره صلى الله عليه وسلم والآية تدل عليه فلا نظر فيه. ثم إنه لما ذكر سبحانه في تلك السورة {وَمِنَ ٱللَّيْلِ} أي خص بعض الليل دون توقيت وهٰهنا وَقَّتَ جل وعلا ودل على مشاركة الأمة له عليه الصلاة والسلام قوله تعالى: {وَطَائِفَةٌ مّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ } نُزِّلَ ما ثَمَّ على الوجوب عليه صلى الله عليه وسلم خاصة وهٰهنا على التنفل في حقه وحق الأمة وهذا قول سديد إلا أن قوله تعالى {عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ} يؤيد الأول انتهى وعنى بالأول القول بالفرضية عليه عليه الصلاة والسلام وعلى الأمة وظواهر الآثار الكثيرة تشهد له لكن في «البحر» أن قوله تعالى: {وَطَائِفَةٌ مّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ } دليل على أنه لم يكن فرضاً على الجميع إذ لو كان فرضاً عليهم لكان التركيب والذين معك إلا إن اعتقد أنه كان منهم من يقوم في بيته ومنهم من يقوم معه فيمكن إذ ذاك الفرضية في حق الجميع انتهى وأنت تعلم أنه لا يتعين كون (من) تبعيضية بل تحتمل أن تكون بيانية ومن يقول بالفرضية على الكل صدر الإسلام يحملها على ذلك دون البعضية باعتبار المعية فإنها ليست بذاك والله تعالى أعلم. وأفادت الآية على القول الأخير في قوله سبحانه: {فاقرؤا} الخ ندب قراءة شيء من القرآن ليلاً وفي بعض الآثار «من قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه القرآن» وفي بعضها «من قرأ مائة آية كتب من القانتين» وفي بعض خمسين آية والمعول عليه من القولين فيه القول الأول وقد سمعت أن الأمر عليه للإيجاب وأنه كان يجب قيام شيء من الليل ثم نسخ وجوبه عن الأمة بوجوب الصلوات الخمس فهو اليوم في حق الأمة سنة. وفي «البحر» بعد تفسير {فاقرؤا} يصلوا وحكاية ما قيل من النسخ وهذا الأمر عند الجمهور أمر إباحة وقال الحسن وابن سيرين قيام الليل فرض ولو قدر حلب شاة وقال بن جبير وجماعة هو فرض لا بد منه ولو بمقدار خمسين آية انتهى وظاهر سياقه أن هؤلاء قائلون بوجوبه اليوم وأنه لم ينسخ الوجوب مطلقاً وإنما نسخ وجوب معين وهذا خلاف المعروف فعن ابن عباس سقط قيام الليل عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وصار تطوعاً وبقي ذلك فرضاً على رسول الله عليه الصلاة والسلام وأظن الأمر غنياً عن الاستدلال فلنطو بساط القيل والقال. نعم كان السلف الصالح يثابرون على القيام مثابرتهم على فرائض الإسلام لما في ذلك من الخلوة بالحبيب والأنس به وهو القريب من غير رقيب، نسأل الله تعالى أن يوفقنا كما وفقهم ويمن علينا كما من عليهم. بقي هٰهنا بحث وهو أن الإمام أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه استدل بقوله تعالى: {فَٱقْرَءواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْءانِ } على أن الفرض في الصلاة مطلق القراءة لا الفاتحة بخصوصها وهو ظاهر على القول بأنه عبر فيه عن الصلاة بركنها وهو القراءة كما عبر عنها بالسجود والقيام والركوع في مواضع. وقدر ما تيسر بآية على ما حكاه عنه الماوردي وبثلاث على ما حكاه عنه ابن العربـي والمسألة مقررة في الفروع. وخص الشافعي ومالك ما تيسر بالفاتحة واحتجوا على وجوب قراءتها في الصلاة بحجج كثيرة منها ما نقل أبو حامد الإسفرايني عن ابن المنذر بإسناده عن أبـي هريرة عنه عليه الصلاة والسلام ((حديث : لا تجزى صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب))تفسير : ومنها ما روي أيضاً عن أبـي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم((حديث : كل صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج فهي خداج)) تفسير : أي نقصان للمبالغة أو ذو نقصان. واعترض بأن النقصان لا يدل على عدم الجواز. وأجيب بأنه يدل لأن التكليف بالصلاة قائم والأصل في الثابت البقاء خالفناه عند الإتيان بها على صفة الكمال فعند النقصان وجب أن يبقى على الأصل ولا يخرج عن العهدة / وأكد بقول أبـي حنيفة بعدم جواز صوم يوم العيد قضاء عن رمضان مع صحة الصوم فيه عنده مستدلاً عليه بأن الواجب عليه الصوم الكامل والصوم في هذا اليوم ناقص فلا يفيد الخروج عن العهدة. ومنها قوله صلى الله عليه وسلم ((حديث : لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب))تفسير : وهو ظاهر في المقصود إذ التقدير لا صلاة صحيحة إلا بها. واعترض بجواز أن يكون التقدير لا صلاة كاملة فإنه لما امتنع نفي مسمى الصلاة لثبوته دون الفاتحة لم يكن بد من صرفه إلى حكم من أحكامها، وليس الصرف إلى الصحة أولى من الصرف إلى الكمال. وأجيب بأنا لا نسلم امتناع دخول النفي على مسماها لأن الفاتحة إذا كانت جزءاً من ماهية الصلاة تنتفي الماهية عند عدم قراءتها فيصح دخوله على مسماها وإنما يمتنع لو ثبت أنها ليست جزءاً منها وهو أول المسألة، سلمناه لكن لا نسلم أن صرفه إلى الصحة ليس أولى من صرفه إلى الكمال بل هو أولى لأن الحمل على المجاز الأقرب عند تعذر الحمل على الحقيقة أولى بل واجب بالإجماع ولا شك أن الموجود الذي لا يكون صحيحاً أقرب إلى المعدوم من الموجود الذي لا يكون كاملاً ولأن الأصل بقاء ما كان، وهو التكليف على ما كان ولأن جانب الحرمة أرجح لأنه أحوط. ومنها أن الصلاة بدون الفاتحة توجب فوات الفضيلة الزائدة من غير ضرورة للإجماع على أن الصلاة معها أفضل فلا يجوز المصير إليه لأنه قبيح عرفاً فيكون قبيحاً شرعاً لقوله عليه الصلاة والسلام ((حديث : ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون قبيحاً فهو عند الله قبيح))تفسير : . ومنها أن قراءتها توجب الخروج عن العهدة بيقين فتكون أحوط فوجب القول بوجوبها لنص حديث : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك تفسير : وللمعقول وهو دفع ضرر الخوف عن النفس فإنه واجب. وكون اعتقاد الوجوب يورث الخوف لجواز كوننا مخطئين معارض باعتقاد عدمه فيتقابلان وأما في العمل فالقراءة لا توجب الخوف وتركها يوجبه فالأحوط القراءة إلى غير ذلك. وأجاب ساداتنا الحنفية بما أجابوا واستدلوا على أن الواجب ما تيسر من القرآن لا الفاتحة بخصوصها بأمور منها ما روى أبو عثمان النهدي عن أبـي هريرة أنه قال حديث : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أخرج وأنادي لا صلاة إلا بقراءة ولو بفاتحة الكتاب تفسير : ودفع بأنه معارض بما نقل حديث : عن أبـي هريرة أنه قال أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أخرج وأنادي لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب تفسير : وبأنه يجوز أن يكون المراد من قوله «ولو بفاتحة الكتاب» هو أنه لو اقتصر على الفاتحة لكفى ويجب الحمل عليه جمعاً بين الأدلة، وفيه تعسف ولعل الأولى في الجواب جواز كون المراد ولو بفاتحة الكتاب ما هو السابق إلى الفهم من قول القائل لا حياة إلا بقوت ولو الخبز كل يوم أوقية وهو أن هذا القدر لا بد منه وعليه يصير الحديث من أدلة الوجوب. ومنها أنه لو وجبت الفاتحة لصدق قولنا كلما وجبت القراءة وجبت الفاتحة ومعناه مقدمة صادقة وهي أنه لو لم تجب الفاتحة لوجبت القراءة لوجوب مطلق القراءة بالإجماع فتنتج المقدمتان لو لم تجب الفاتحة لوجبت الفاتحة وهو باطل. وأجيب بمنع الصغرى أي لا نسلم صدق قولنا لو لم تجب الفاتحة لوجبت القراءة لأن عدم وجوب الفاتحة محال والمحال جاز أن يستلزم المحال وهو رفع وجوب مطلق القراءة الثابت بالإجماع. سلمناها لكن لا نسلم استحالة قولنا لو لم تجب الفاتحة لوجبت الفاتحة لما ذكر آنفاً. وجعل بعض القياس حجة على الحنفية لأن كل ما استلزم عدمه وجوده ثبت وجوده ضرورة. ورد بأن هذا إنما يلزم لو كانت الملازمة وهي قولنا لو لم تجب الفاتحة لوجبت ثابتة في نفس الأمر وليس كذلك بل هي ثابتة على تقدير وجوب قراءة الفاتحة فلهذا لا يصير حجة عليهم. وتمام الكلام على ذلك في موضعه. وأنت تعلم أنه على القول الثاني في الآية لا يظهر الاستدلال بها على فرضية مطلق القراءة في الصلاة إذ ليس فيها عليه أكثر من الأمر بقراءة شيء من القرآن قل أو أكثر بدل ما افترض / عليهم من صلاة الليل فليتنبه. وقوله تعالى: {عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ } استئناف مبين لحكمة أخرى غير ما تقدم من عسر إحصاء تقدير الأوقات مقتضية للترخيص والتخفيف، أي علم أن الشأن سيكون منكم مرضى {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ} يسافرون فيها للتجارة {يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ } وهو الربح وقد عمم ابتغاء الفضل لتحصيل العلم. والجملة في موضع الحال {وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} يعني المجاهدين. وفي قرن المسافرين لابتغاء فضل الله تعالى بهم إشارة إلى أنهم نحوهم في الأجر. أخرج سعيد بن منصور والبيهقي في «شعب الإيمان» وغيرهما عن عمر رضي الله تعالى عنه قال ما من حال يأتيني عليه الموت بعد الجهاد في سبيل الله أحب إلي من أن يأتيني وأنا بين شعبتي جبل ألتمس من فضل الله تعالى وتلا هذه الآية: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ} الخ وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : ما من جالب يجلب طعاماً إلى بلد من بلدان المسلمين فيبيعه لسعر يومه إلا كانت منزلته عند الله ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} تفسير : والمراد أنه عز وجل علم أن سيكون من المؤمنين من يشق عليه القيام كما علم سبحانه عسر إحصاء تقدير الأوقات. وإذا كان الأمر كما ذكر وتعاضدت مقتضيات الترخيص {فَٱقْرَءواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ } أي من القرآن من غير تحمل المشاق {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ } أي المفروضة {وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ} كذلك وعلى هذا أكثر المفسرين. والظاهر أنهم عنوا بالصلاة المفروضة الصلوات الخمس وبالزكاة المفروضة أختها المعروفة. واستشكل بأن السورة من أوائل ما نزل بمكة ولم تفرض الصلوات الخمس إلا بعد الإسراء والزكاة إنما فرضت بالمدينة وأجيب بأن الذاهب إلى ذلك يجعل هذه الآيات مدنية. وقيل أن الزكاة فرضت بمكة من غير تعيين للأنصباء والذي فرض بالمدينة تعيين الأنصباء فيمكن أن يراد بالزكاة الزكاة المفروضة في الجملة فلا مانع عن كون الآيات مكية لكن يلتزم لكونها نزلت بعد الإسراء وحملها على صلاة الليل السابقة حيث كانت مفروضة ينافي الترخيص. وقيل يجوز أن تكون الآية مما تأخر حكمه عن نزوله وليس بذاك {وَأَقْرِضُواُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً } أريد به الإنفاقات في سبل الخيرات أو أداء الزكاة على أحسن الوجوه وأنفعها للفقراء. {وَمَا تُقَدّمُواْ لانْفُسِكُم مّنْ خَيْرٍ } أي خير كان مما ذكر ومما لم يذكر {تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً } أي من الذي تؤخرونه إلى الوصية عند الموت و{خَيْراً} ثاني مفعولي {تَجِدُوهُ} وهو تأكيد لضمير {تَجِدُوهُ} وإن كان بصورة المرفوع والمؤكد منصوب لأن هو يستعار لتأكيد المجرور والمنصوب كما ذكره الرضي، أو ضمير فصل وإن لم يقع بين معرفتين فإن أفعل من في حكم المعرفة ولذا يمتنع من حرف التعريف كالعلم. وجوز أبو البقاء البدلية من ضمير {تَجِدُوهُ} ووهمه أبو حيان بأن الواجب عليها إياه. وقرأ أبو السمال باللام العدوي وأبو السماك بالكاف الغنوي وابن السميفع {هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ} برفعهما على الابتداء والخبر، وجعل الجملة في موضع المفعول الثاني قال أبو زيد هي لغة بني تميم يرفعون مابعد الفاصلة يقولون كان زيد هو العاقل بالرفع وعليه قول قيس بن ذريح: شعر : تحن إلى لبنى وأنت تركتها وكنت عليها بالملا أنت أقدر تفسير : فقد قال أبو عمرو الجرمي أنشده سيبويه شاهداً للرفع والقوافي مرفوعة ويروى أقدرا. {وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ } في كافة أحوالكم فإن الإنسان قلما يخلو مما يعد تفريطاً بالنسبة إليه وعد من ذلك الصوفية رؤية العابد عبادته قيل ولهذه الإشارة أمر بالاستغفار بعد الأوامر السابقة بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإقراض / الحسن {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } فيغفر سبحانه ذنب من استغفره ويرحمه عز وجل. وفي حذف المعمول دلالة على العموم وتفصيل الكلام فيه معلوم نسأل الله تعالى عظيم مغفرته ورحمته لنا ولوالدينا ولكافة مؤمني بريته بحرمة سيد خليقته وسند أهل صفوته صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وشيعته.
ابن عاشور
تفسير : من هنا يبتدىء ما نزل من هذه السورة بالمدينة كما تقدم ذكره في أول السورة. وصريح هذه الآية ينادي على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل قبل نزول الآية وأن طائفة من أصحابه كانوا يقومون عملاً بالأمر الذي في أول السورة من قوله: {أية : قم الليل إلاّ قليلاً }تفسير : الآية [المزمل: 2]، فتعين أن هذه الآية نزلت للتخفيف عنهم جميعاً لقوله فيها: {فتاب عليكم} فهي ناسخة للأمر الذي في أول السورة. واختلف السلف في وقت نزولها ومكانه وفي نسْبة مقتضاها من مقتضى الآية التي قبلها. والمشهور الموثوق به أن صدر السورة نزل بمكة. ولا يغتر بما رواه الطبري عن أبي سلمة بن عبد الرحمان عن عائشة مما يوهم أن صدر السورة نزل بالمدينة. ومثلُه ما روي عن النخعي في التزمل بمرط لعائشة. ولا ينبغي أن يطال القول في أنَّ القيام الذي شُرع في صدر السورة كان قياماً واجباً على النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، وأن قيام من قام من المسلمين معه بمكة إنما كان تأسياً به وأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم عليه ولكن رأت عائشة أن فرض الصلوات الخمس نسَخ وجوب قيام الليل، وهي تريد أن قيام الليل كان فرضاً على المسلمين، وهو تأويل، كما لا ينبغي أن يختلف في أن أول ما أوجب الله على الأمة هو الصلوات الخمس التي فرضت ليلة المعراج وأنها لم يكن قبلها وجوب صلاة على الأمة ولو كان لجَرى ذكر تعويضه بالصلوات الخمس في حديث المعراج، وأن وجوب الخمس على النبي صلى الله عليه وسلم مثل وجوبها على المسلمين. وهذا قول ابن عباس لأنه قال: إن قيام الليل لم ينسخه إلاّ آية: {إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل} الآية، ولا أن يختلف في أن فرض الصلوات الخمس لم ينسخ فرض القيام على النبي صلى الله عليه وسلم سوى أنه نسخ استيعاب نصف الليل أو دونه بقليل فنسخه {فاقرءوا ما تيسر من القرآن}. وقد بين ذلك حديث حديث : ابن عباس ليلةَ بات في بيت خالته ميمونة أم المؤمنين قال فيه: «نام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله حتى إذا كان نصف الليل أو قبله بقليل أو بعدَه بقليل استيقظ رسول الله» ثم وصف وُضوءه وأنه صلى ثلاث عشرة ركعة ثم نام حتى جاءه المنادي لصلاة الصبحتفسير : . وابن عباس يومئذٍ غلام فيكون ذلك في حدود سنة سبع أو ثمان من الهجرة. ولم ينقل أن المسلمين كانوا يقومون معه إلاّ حين احتجز موضعاً من المسجد لقيامه في ليالي رمضان فتسامع أصحابه به فجعلوا يَنْسِلون إلى المسجد ليصلّوا بصلاة نبيهم صلى الله عليه وسلم حتى احتبس عنهم في إحدى الليالي وقال لهم: «حديث : لقد خشيت أن تفرض عليكم» تفسير : وذلك بالمدينة وعائشة عنده كما تقدم في أول السورة. وهو صريح في أن القيام الذي قاموه مع الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن فرضاً عليهم وأنهم لم يدوموا عليه وفي أنه ليس شيء من قيام الليل بواجب على عموم المسلمين وإلاّ لما كان لخشية أن يفرض عليهم موقع لأنه لو قُدر أن بعض قيام الليل كان مفروضاً لكان قيامهم مع النبي صلى الله عليه وسلم أداء لذلك المفروض، وقد عضد ذلك حديث ابن عمر «حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لحفصة وقد قصَّت عليه رؤيا رآها عبد الله بن عمر أن عبد الله رجل صالح لو كان يقوم في الليل»تفسير : . وافتتاح الكلام بـ {إنَّ ربك يعلم أنك تقوم} يشعر بالثناء عليه لوفائه بحق القيام الذي أُمر به وأنه كان يبسط إليه ويهتم به ثم يقتصر على القدرِ المعين فيه النصفِ أو أنقصَ منه قليلاً أو زائدٍ عليه بل أخذ بالأقصى وذلك ما يقرب من ثُلثي الليل كما هو شأن أولي العزم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {أية : فلما قضى موسى الأجل}تفسير : [القصص: 29] أنه قضى أقصَى الأجلين وهو العشر السنون. وقد جاء في الحديث: «حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تورمت قدماه»تفسير : . وتأكيد الخبر بـ {إِنَّ} للاهتمام به، وهو كناية عن أنه أرضى ربّه بذلك وتوطئة للتخفيف الذي سيذكر في قوله: {فتاب عليكم} ليعلم أنه تخفيف رحمة وكرامة ولإفراغ بعض الوقت من النهار للعمل والجهاد. ولم تزل تكثر بعد الهجرة أشغال النبي صلى الله عليه وسلم بتدبير مصالح المسلمين وحماية المدينة وتجهيز الجيوش ونحو ذلك، فلم تبق في نهاره من السعة ما كان له فيه أيامَ مقامه بمكة، فظهرت حكمة الله في التخفيف عن رسوله صلى الله عليه وسلم من قيام الليل الواجِب منه والرغيبةِ. وفي حديث حديث : علي بن أبي طالب "أنه سئل عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى منزله فقال: كان إذا أوَى إلى منزله جزَّأ دخوله ثلاثة أجزاء: جُزءاً لله، وجزءاً لأهله، وجزءاً لنفسه، ثم جزَّأ جزأه بينه وبين الناس فيرد ذلك بالخاصة على العامة ولا يدخر عنهم شيئاً فمنهم ذو الحاجة ومنهم ذو الحاجتين ومنهم ذو الحوائج فيتشاغل بهم ويشغلهم فيما يصلحهم والأمةَ من مسألته عنهم وإخبارهم بالذي ينبغي لهم"تفسير : . وإيثار المضارع في قوله: {يعلم} للدلالة على استمرار ذلك العلم وتجدده وذلك إيذان بأنه بمحل الرضى منه. وفي ضده قوله: {أية : قد يعلم الله المعوقين منكم}تفسير : [الأحزاب: 18] لأنه في معرض التوبيخ، أي لم يزل عالماً بذلك حيناً فحيناً لا يخفى عليه منه حصة. و {أدْنى} أصله أقرب، من الدنُوّ، استعير للأَقَلّ لأن المسافة التي بين الشيء والأدنى منه قليلة، وكذلك يستعار الأبعد للأكثر. وهو منصوب على الظرفيّة لفعل {تقوم}، أي تقوم في زمان يقدر أقل من ثلثي الليل وذلك ما يزيد على نصف الليل وهو ما اقتضاه قوله تعالى: {أية : أو زد عليه}تفسير : [المزمل: 4]. وقرأ الجمهور: "ثُلثي" بضم اللام على الأصل. وقرأه هشام عن ابن عامر بسكون اللام على التخفيف لأنه عرض له بعض الثقل بسبب التثنية. وقرأ نافع وابن عامر وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب "ونصفَه وثلثه" بخفضهما عطفاً على {ثلثي الليل}، أي أدنى من نصفه وأدنى من ثلثه. وقرأ ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي وخلف بنصب {ونصفه وثلثه} على أنهما منصوبان على المفعول لـ {تقومُ}، أي تقوم ثلثي الليل، وتقوم نصف الليل، وتقوم ثلثَ الليل، بحيث لا ينقص عن النصف وعن الثلث. وهذه أحوال مختلفة في قيام النبي صلى الله عليه وسلم بالليل تابعة لاختلاف أحوال الليالي والأيام في طول بعضها وقصر بعض وكلها داخلة تحت التخيير الذي خيره الله في قوله {أية : قم الليل إلاّ قليلاً}تفسير : [المزمل: 2] إلى قوله: {أية : أو زد عليه}تفسير : [المزمل: 4]. وبه تظهر مناسبة تعقيب هذه الجملة بالجملة المعترضة، وهي جملة {والله يقدر الليل والنهار} أي قد علمها الله كلها وأنبأه بها. فلا يختلف المقصود باختلاف القراءات. فمن العجاب قول الفرّاء أن النصب أشبه بالصواب. و {طائفة} عطف على اسم {إنَّ} بالرفع وهو وجه جائز إذا كان بعدَ ذكرِ خبرِ {إنّ} لأنه يقدر رفعه حينئذٍ على الاستئناف كما في قوله تعالى: {أية : أن الله بريء من المشركين ورسوله}تفسير : [التوبة: 3]. وهو من اللطائف إذا كان اتصاف الاسم والمعطوف بالخبر مختلفاً فإن بين قيام النبي صلى الله عليه وسلم وقيام الطائفة التي معه تفاوتاً في الحكم والمقدار، وكذلك براءة الله من المشركين وبراءة رسوله. فإن الرسول صلى الله عليه وسلم يدعوهم ويقرأ عليهم القرآن ويعاملهم، وأما الله فغاضب عليهم ولاَعنُهم. وهذا وجه العدول عن أن يقول: إنَّ الله يعلم أنكم تقومون. إلى قوله: {أنك تقوم} ثم قوله: {وطائفة} الخ. ووُصف {طائفة} بأنهم (من الذين معه)، فإن كان المراد بالمعية المعية الحقيقية، أي المصاحبة في عمل مما سيق له الكلام. أي المصاحبين لك في قيام الليل، لم يكن في تفسيره تعيين لناس بأعيانهم، ففي حديث عائشة في «صحيح البخاري» «حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلَّى ذات ليلة في المسجد فصلى بصلاته ناس ثم صلى من القابلة فكثر الناس ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أصبح قال: قد رأيتُ الذي صنعتم ولم يمنعني من الخروج إليكم إلاّ أني خشِيت أن تُفرض عليكم، وذلك في رمضان»تفسير : . وإن كانت المعية معية مجازية وهي الانتساب والصحبة والموافقة فقد عَدَدْنا منهم: عبدَ الله بن مسعود، وعبد الله ابن عَمْرو، وسلمان الفارسي وأبا الدرداء، وزينبَ بنتَ جحش، وعبدَ الله بن عُمَرَ، والحَولاء بنتَ تُوَيْت الأسدية، فهؤلاء ورد ذكرهم مفرقاً في أحاديث التهجد من «صحيح البخاري». واعلم أن صدر هذه الآية إيماء إلى الثناء على النبي صلى الله عليه وسلم في وفائه بقيام الليل حق الوفاء وعلى الطائفة الذين تابعوه في ذلك. فالخبر بأن الله يعلم أنك تقوم مراد به الكناية عن الرضى عنهم فيما فعلوا. والمقصود: التمهيد لقوله: {علم أن لن تحصوه} إلى آخر الآية. ولأجل هذا الاعتبار أعيد فعل {عَلِم} في جملة {علم أن سيكون منكم مرضى} الخ ولم يقل: وأن سيكون منكم مرضى بالعطف. وجملة {والله يقدر الليل والنهار}معترضة بين جملتي {إن ربّك يعلم أنك تقوم} وجملة {علم أن لن تحصوه} وقد علمت مناسبة اعتراضها آنفاً. وجملة {علم أن لن تحصوه} يجوز أن تكون خبراً ثانياً عن {إنَّ} بعد الخبر في قوله: {يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي {الليل} الخ. ويجوز أن تكون استئنافاً بيانياً لما ينشأ عن جملة {إن ربّك يعلم أنك تقوم} من ترقب السامع لمعرفة ما مُهّد له بتلك الجملة، فبعد أن شكرهم على عملهم خفف عنهم منه. والضمير المنصوب في {تحصوه} عائد إلى القيام المستفاد من {أنك تقوم}. والإِحصاء حقيقته: معرفة عدد شيء معدود مشتق من اسم الحصى جمع حصاة لأنهم كانوا إذا عدّوا شيئاً كثيراً جعلوا لكل واحد حصاة وهو هنا مستعار للإِطاقة. شُبهت الأفعال الكثيرة من ركوع وسجود وقراءة في قيام الليل، بالأشياء المعدودة، وبهذا فسر الحسن وسفيان، ومنه قوله في الحديث استقيموا ولن تُحصوا أي ولن تطيقوا تمام الاستقامة، أي فخذوا منها بقدر الطاقة. و {أنْ} مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن محذوف وخبره الجملة، وقد وقع الفصل بين {أنْ} وخبرها بحرف النفي لكون الخبر فعلاً غير دعاء ولا جامد حسب المتبع في الاستعمال الفصيح. و {أنْ} وجملتها سادة مسد مفعولي {علِم} إذ تقديره علم عَدَم إحصائِكُمُوه واقعاً. وفرع على ذلك {فتاب عليكم} وفعل {تاب} مستعار لعدم المؤاخذة قبل حصول التقصير لأن التقصير متوقع فشابه الحاصل فعبر عن عدم التكليف بما يتوقع التقصير فيه، بفعل {تاب} المفيد رفع المؤاخذة بالذنب بعد حصوله. والوجه أن يكون الخطاب في قوله: {تحصوه} وما بعده موجهاً إلى المسلمين الذين كانوا يقومون الليل: إِما على طريقة الالتفات من الغيبة إلى الخطاب بعد قوله: {وطائفة من الذين معك}، وإِما على طريقة العام المراد به الخصوص بقرينة أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يُظن تعذر الإِحصاء عليه، وبقرينة قوله: {أن سيكونُ منكم مرضى} الخ. ومعنى {فاقرأوا ما تيسر من القرآن} فصلُّوا ما تيسر لكم، ولما كانت الصلاة لا تخلو عن قراءة القرآن أُتبع ذلك بقوله هنا: {فاقرأوا ما تيسر من القرآن}، أي صلوا كقوله تعالى: {أية : وقرآنَ الفجر}تفسير : [الإسراء: 78] أي صلاة الفجر وفي الكناية عن الصلاة بالقرآن جمع بين الترغيب في القيام والترغيب في تلاوة القرآن فيه بطريقة الإِيجاز. والمراد القرآن الذي كان نزل قبل هذه الآية المدنيّة وهو شيء كثير من القرآن المكيُّ كله وشيء من المدني، وليس مثل قوله في صدر السورة {أية : ورتل القرءان ترتيلاً}تفسير : [المزمل: 4] كما علمت هنالك. وقوله: {ما تيسر من القرءان} أي ما تيسر لكم من صلاة الليل فلا دلالة في هذه الآية على مقدار ما يجزىء من القراءة في الصلاة إذ ليس سياقها في هذا المهيع، ولئن سلمنا، فإن ما تيسر مجمل وقد بينه قول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : لا صَلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»تفسير : ، وأما السورة مع الفاتحة فإنه لم يرو عنه أنه قرأ في الصلاة أقلَّ من سورة، وهو الواجب عند جمهور الفقهاء، فيكره أن يَقرأ المصلي بعضَ سورة في الفريضة. ويجوز في القيام بالقرآن في الليل وفي قيام رمضان، وعند الضرورة، ففي «الصحيح» «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ فأخذته بُحَّة فركع»، أي في أثناء السّورة. وقال أبو حنيفة وأحمد في رواية عنه: تجزىء قراءة آية من القرآن ولو كانت قصيرة ومثَّله الحنفية بقوله تعالى: {أية : مُدْهامَّتَان}تفسير : [الرحمٰن: 64] ولا تتعين فاتحة الكتاب وخالفه صاحباه في الأمرين. وتعيين من تجب عليه القراءة من منفرد وإمام ومأموم مُبين في كتب الفقه. وفعلُ (تاب) إذا أريد به قبول توبة التائب عدِي بحرف (على) لتضمينه معنى مَنَّ وإذا كان بمعنى الرجوع عن الذنب والندم منه عدي بما يناسب. وقد نسخت هذه الآية تحديدَ مدة قيام الليل بنصفه أو أزيد أو أقل من ثلثه، وأصحاب التحديد بالمقدار المتيسر من غير ضبط، أما حكم ذلك القيام فهو على ما تقدم شرحه. {عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ وَأَقْرِضُواُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} هذه الجملة بدل اشتمال من جملة {عَلِمَ أنْ لَنْ تُحصوه}، وهذا تخفيف آخر لأجل أحوال أخرى اقتضت التخفيف. وهذه حكمة أخرى لنسخ تحديد الوقت في قيام الليل وهي مراعاة أحوال طرأت على المسلمين من ضروب ما تدعو إليه حالة الجماعة الإِسلامية. وذكر من ذلك ثلاثة أضرب هي أصول الأعذار: الضرب الأول: أعذار اختلال الصحة وقد شملها قوله: {أن سيكون منكم مرضى}. الضرب الثاني: الأشغال التي تدعو إليها ضرورة العيش من تجارة وصناعة وحراثة وغير ذلك، وقد أشار إليها قوله: {وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله} وفضل الله هو الرزق. الضرب الثالث: أعمال لمصالح الأمة وأشار إليها قوله: {وآخرون يقاتلون في سبيل الله} ودخل في ذلك حراسة الثغور والرِباط بها، وتدبير الجيوش، وما يرجع إلى نشر دعوة الإِسلام من إيفاد الوفود وبعث السفراء. وهذا كله من شؤون الأمة على الإِجمال فيدخل في بعضها النبي صلى الله عليه وسلم كما في القتال في سبيل الله، والمرض ففي الحديث: حديث : اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقم ليلة أو ليلتين.تفسير : وإذا كانت هذه الآية مما نزل بمكة ففيها بشارة بأن أمر المسلمين صائر إلى استقلال وقترة على أعدائهم فيقاتلون في سبيل الله وإن كانت مدنية فهو عذر لهم بما ابتدأوا فيه من السرايا والغزوات. وقد كان بعض الصحابة يتأول من هذه الآية فضيلة التجارة والسفر للتجر حيث سوى الله بين المجاهدين والمكتسبين المال الحلال، يعني أن الله ما ذكر هذين السببين لنسخ تحديد القيام إلاّ تنويهاً بهما لأن في غيرهما من الأعذار ما هو أشبه بالمرض، ودقائق القرآن ولطائفه لا تنحصر. روي عن ابن مسعود أنه قال «أيما رجل جلب شيئاً إلى مدينة من مدائن المسلمين محتسباً فباعه بسعر يومه كان له عند الله منزلة الشهداء، وقرأ {وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله}. وعن ابن عمر: «ما خلق الله موتة بعد الموت في سبيل الله أحب إليَّ من أن أموت بين شُعْبَتَي رَحْلي أبتغي من فضل الله ضارباً في الأرض». فإذا كانت هذه الآية مما نزل بمكة ففيها بشارة بأن أمر المسلمين صائر إلى قترة على عدوهم وإن كانت مدنية فهي عذر لهم بما عرض لهم. ومعنى {يضربون في الأرض} يسيرون في الأرض. وحقيقة الضرب: قرع جسم بجسم آخر، وسُمّي السير في الأرض ضرباً في الأرض لتضمين فعل {يضربون} معنى يسيرون فإن السير ضرب للأرض بالرجلين لكنه تنوسي منه معنى الضرب وأريد المشي فلذلك عدّي بحرف {في} لأن الأرض ظرف للسير كما قال تعالى: {أية : فسيروا في الأرض}تفسير : [آل عمران: 137] وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة}تفسير : في سورة النساء (101). والابتغاء من فضل الله طلب الرزق قال تعالى:{ أية : ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربّكم}تفسير : [البقرة: 198] أي التجارة في مدة الحج، فقوله تعالى: {يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله} مراد بالضرب في الأرض فيه السفر للتجارة لأن السير في الأسفار يكون في الليل كثيراً ويكون في النهار فيحتاج المسافر للنوم في النهار. وفُرع عليه مثل ما فرع على الذي قبله فقال: {فاقرأوا ما تيسر منه} أي من القرآن. وقد نيط مقدار القيام بالتيسير على جميع المسلمين وإن اختلفت الأعذار. وهذه الآية اقتضت رفع وجوب قيام الليل عن المسلمين إن كان قد وجب عليهم من قبل على أحد الاحتمالين، أو بيانَ لم يوجب عليهم وكانوا قد التزموه فبين لهم أن ما التزموه من التأسّي بالنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك غير لازم لهم. وعلل عدم وجوبه عليهم بأن الأمة يكثر فيها أصحاب الأعذار التي يشق معها قيام الليل فلم يجعله الله واجباً عليهم أو رفَع وجوبَه. ولولا اعتبار المظنة العامة لأبقِيَ حكمُ القيام ورُخص لأصحاب العذر في مدة العذر فقط فتبين أن هذا تعليل الحكم الشرعي بالمظنة والحكم هنا عدمي، أي عدم الإِيجاب فهو نظير قصر الصلاة في السفر على قول عائشة أم المؤمنين: «إن الصلاة فرضت ركعتين ثم زيد في ثلاث من الصلوات في الحضر وأبقيت صلاة السفر»، وعلة بقاء الركعتين هو مظنة المشقة في السفر. وأوجب الترخص في قيام الليل أنه لم يكن ركناً من أركان الإِسلام فلم تكن المصلحة الدينية قوية فيه. وأما حكم القيام فهو ما دلّ عليه قوله: {أية : قم الليل إلاّ قليلاً}تفسير : [المزمل: 2] وما دلت عليه أدلة التحريض عليه من السنة. وقد مضى ذلك كله. فهذه الآية صالحة لأن تكون أصلاً للتعليل بالمظنة وصالحة لأن تكون أصلاً تقاس عليه الرخص العامة التي تراعى فيها مشقة غالب الأمة مثل رخصة بيع السلم دون الأحوال الفردية والجزئية. وقوله: {وأقيموا الصلاة} تذكير بأن الصلوات الواجبة هي التي تحرصون على إقامتها وعدم التفريط فيها كما قال تعالى: {أية : إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً}تفسير : [النساء: 103]. وفي هذا التعقيب بعطف الأمر بإقامة الصلاة إيماء إلى أن في الصلوات الخمس ما يرفع التبعة عن المؤمنين وأن قيام الليل نافلة لهم وفيه خير كثير وقد تضافرت الآثار على هذا ما هو في كتب السنة. وعطف {وءاتوا الزكاة} تتميم لأن الغالب أنه لم يَخلُ ذكر الصلاة من قرن الزكاة معها حتى استنبط أبو بكر رضي الله عنه من ذلك أن مانع الزكاة يقاتل عليها، فقال لعمر رضي الله عنه «لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة». وإقراض الله هو الصدقات غير الواجبة، شبه إعطاء الصدقة للفقير بقرض يُقرضه الله لأن الله وعد على الصدقة بالثواب الجزيل فشابه حالُ معطي الصدقة مستجيباً رغبة الله فيه بحال من أقرض مستقرضاً في أنه حقيق بأن يُرجع إليه ما أقرضه، وذلك في الثواب الذي يُعطاه يوم الجزاء. ووصف القرض بالحسن يفيد الصدقة المراد بها وجه الله تعالى والسالمة من المنّ والأذى، والحُسن متفاوت. والحَسن في كل نوع هو ما فيه الصفات المحمودة في ذلك النوع في بابه، ويعرف المحمود من الصدقة من طريق الشرع بما وصفه القرآن في حسن الصدقات وما ورد في كلام النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك. وقد تقدم في سورة البقرة (245) قوله: {أية : من ذا الذي يُقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له ضعافاً كثيرة}تفسير : وفي سورة التغابن (17) {أية : إن تقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعفْه لكم}تفسير : . {وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً}. تذييل لما سبق من الأمر في قوله: {فاقرأوا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضاً حسناً}، فإن قوله: {من خير} يعم جميع فعل الخير. وفي الكلام إيجازُ حَذْف. تقدير المحذوف: وافعلوا الخير وما تقدموا لأنفسكم منه تجدوه عند الله، فاستغني عن المحذوف بذكر الجزاء على الخير. و{ما} شرطية. ومعنى تقديم الخير: فعله في الحياة، شُبِّه فعل الخير في مدة الحياة لرجاء الانتفاع بثوابه في الحياة الآخرة بتقديم العازم على السفر ثَقَلَه وأدوَاتِه وبعضَ أهله إلى المحل الذي يروم الانتهاء إليه ليجد ما ينتفع به وقت وصوله. و {من خير} بيان لإِبهام {ما} الشرطية. والخير: هو ما وصفه الدين بالحُسْن ووعد على فعله بالثواب. ومعنى {تجدوه} تجدوا جزاءه وثوابه، وهو الذي قصده فاعله، فكأنه وجد نفس الذي قدَّمه، وهذا استعمال كثير في القرآن والسنة أن يعبر عن عوض الشيء وجزائِه باسم المعوض عنه والمجازَى به، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يَكنز المال ولا يؤدي حقه «مُثِّل له يوم القيامة شُجاعاً أقْرَعَ يأخذ بلِهْزِمَتَيْه يقول: أنا مالك أنا كنزك». وضمير الغائب في {تجدوه} هو المفعول الأول لـ (تجدوا) ومفعوله الثاني {خيراً}. والضمير المنفصل الذي بينهما ضمير فعل، وجاز وقوعه بين معرفة ونكرة خلافاً للمعروف في حقيقة ضمير الفصل من وجوب وقوعه بين معرفتين لأنَّ أفْعَلَ مِن كَذا، أشبه المعرفة في أنه لا يجوز دخول حرف التعريف عليه. و {خيراً}: اسم تفضيل، أي خيراً مما تقدمونه إذ ليس المراد أنكم تجدونه من جنس الخير، بل المراد مضاعفة الجزاء، لما دل عليه قوله تعالى: {أية : إن تقرضوا الله قرضاً حسناً يُضاعفه لكم}تفسير : [التغابن: 17] وغير ذلك من كثير من الآيات. وأفاد ضمير الفصل هنا مجرد التأكيد لتحقيقه. وعُطف {وأعظمَ أجراً} على {خيراً} أو هو منسحب عليه تأكيد ضمير الفصل. وانتصب {أجراً} على أنه تمييز نسبة لـ {أعظمَ} لأنه في معنى الفعل. فالتقدير: وأعظم أجره، كما تقول: وجدته مُنبسطاً كفاً، والمعنى: أن أجره خيرٌ وأعظمُ ممّا قدمتوه. {وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} يجوز أن تكون الواو للعطف فيكون معطوفاً على جملة {وما تقدموا لأنفسكم} الخ، فيكون لها حكم التذييل إرشاداً لتدارك ما عسى أن يعرض من التفريط في بعض ما أمره الله بتقديمه من خير فإن ذلك يشمل الفرائض التي يقتضي التفريط في بعضها توبةً منه. ويجوز أن تكون الواو للاستئناف وتكون الجملة استئنافاً بيانياً ناشئاً عن الترخيص في ترك بعض القيام إرشاداً من الله لما يسُدّ مسدّ قيام الليل الذي يعرض تركه بأن يستغفر المسلم ربّه إذا انتبه من أجزاء الليل، وهو مشمول لقوله تعالى: {أية : وبالأسحار هم يستغفرون}تفسير : [الذاريات: 18]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : ينزل ربّنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيبَ له، من يسألني فأعْطيَه، من يستغفرني فأغفرَ له»تفسير : . وقال: «حديث : من تَعَارَّ من الليل فقال: لا إلٰه إلاّ الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، الحمد لله وسبحان الله ولا إلٰه إلاّ الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلاّ بالله ثم قال اللهم اغفر لي أوْ دعا استجيب له».تفسير : وجملة {إن الله غفور رحيم} تعليل للأمر بالاستغفار، أي لأن الله كثير المغفرة شديد الرحمة. والمقصود من هذا التعليل الترغيبُ والتحريض على الاستغفار بأنه مرجوّ الإِجابة. وفي الإِتيان بالوصفين الدّالين على المبالغة في الصفة إيماء إلى الوعد بالإِجابة.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: أنك تقوم: أي للتهجد. أدنى: أي أقل. وطائفة: أي وطائفة معك من أصحابك تقوم كذلك. والله يقدر الليل والنهار: أي يحصيها ويعلم ما يمضي من ساعات كل منهما وما يبقى. علم أن لن تحصوه: أي الليل فلا تطيقون قيامه كله لأنه يشقّ عليكم. فتاب عليكم: أي رجع بكم إلى التخفيف في قيام الليل إذ هو الأصل. فاقرأوا ما تيسر: أي صلوا من الليل ما سهل عليكم ولو ركعتين. وأقيموا الصلاة: أي المفروضة. وآتوا الزكاة: أي المفروضة. وأقرضوا الله قرضاً حسنا: أي تصدقوا بفضول أموالكم طيبة بها نفوسكم فذلك القرض الحسن. وما تقدموا لأنفسكم من خير: أي من نوافل العبادة من صلاة وصدقة وصيام وحج وغيرها. معنى الآيات: يخبر تعالى رسوله بأنه يعلم ما يقومه من الليل هو وطائفة من أصحابه وأنهم يقومون أحياناً أدنى من ثلثي الليل أي أقل ويقومون أحيانا النصف والثلث، كما في أول السورة هذا معنى قوله تعالى {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ}، وقوله {وَٱللَّهُ يُقَدِّرُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ} أي يحصي ساعاتهما فيعلم ما مضى من الليل وما بقى من ساعاته، وقوله {عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ} أي لن تطيقوا ضبط ساعاته فيشق عليكم قيام أكثره تحريا منكم لما هو المطلوب. {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} لذلك وبهذا نسخ قيام الليل الواجب وبقى المستحب يُؤدى ولو بركعتين في أي جزء من الليل وكونهما بعد صلاة العشاء أفضل وقوله تعالى فاقرأوا ما تيسر من القرآن أي صلوا من الليل ما تيسر أطلق لفظ القرآن وهو يريد الصلاة لأن القرآن هو الجزء المقصود من صلاة الليل، وقوله {عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} فذكر فيه تعالى ثلاثة أعذار لهم وهي المرض، والضرب في الأرض للتجارة والجهاد في سبيل الله وكلها يشق معها قيام الليل فرحمة بالمؤمنين نسخ الله تعالى هذا الحكم الشاق بقوله {فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ}، كررَّه تأكيداً لنسخ قيام الليل الذي كان واجبا وأصبح بهذه الآية مندوبا. وقوله وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة أي المفروضتين. وقوله وأقرضوا الله قرضا حسنا أي أنفقوا في سبيل الله الذي هو الجهاد فإِن الحسنة فيه بسبعمائة وما تقدموا لأنفسكم من نوافل الصلاة والصدقات والحج وسائر العبادات تجدوه عند الله يوم القيامة هو خيراً وأعظم أجرا. وقوله واستغفروا الله من كل ما يفرط منكم من تقصير في جنب الله تعالى إن الله غفور رحيم يغفر لمن تاب ويرحمه فلا يؤاخذه بذنب قد تاب منه. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان ما كان الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه يقومونه من الليل تهجداً. 2- نسخ واجب قيام الليل وبقاء استحبابه وندبه. 3- وجوب إقام الصلاة وإيتاء الزكاة. 4- الترغيب في التطوع من سائر العبادات. 5- وجوب الاستغفار عند الذنب وندبه واستحبابه في سائر الأوقات لما يحصل من التقصير.
القطان
تفسير : أدنى: اقل. يقدّر الليل والنهار: يقدر طول الليل والنهار وقصَرهما ويعلم مقاديرهما واجزاءهما وساعاتهما. فتاب عليكم: فخفّفَ عنكم بأن تصلّوا ما تستطيعون وما تطيقون. فاقرأوا ما تيسّر من القرآن: فصلّوا ما يمكنكم وما يتيسر لكم من صلاة الليل. ثم تُختم السورةُ بهذه الآية الطويلة وفيها تخفيفٌ ورحمةٌ للمؤمنين. ويقول معظم المفسّرين إن هذه الآية نزلت بعدَ عامٍ من نزول سورة المزمل. إن ربك يا محمد يعلمُ انك تقوم أقل من ثلث الليل احيانا، وتقوم نصفه وثلثه في بعض الاحيان، وان طائفة من اصحابك كذلك تقوم من الليل كما تقوم انت، والله يقدّر طول الليل والنهار، وهو يعلم انكم لا تستطيعون احصاء اجزاء الليل والنهار (لانه لم يكن عندهم ساعات يضبطون فيها الاوقات). فخفف الله عليكم للاعذار التي تحيط بكم من مرض او سفر او جهاد للعدو، ولذلك صلّوا ما تستطيعون من صلاة الليل، وواظبوا على الصلاة وأداء الزكاة. وتصدقوا في سبيل الخير، على الفقراء والمساكين والاعمال العامة. {وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ}. أي شيء تفعلوه من وجوهِ البرّ والخير والإحسان تلقَوا ثوابَهُ عندَ الله بأضعاف ما قدّمتموه.... فاستغفِروا الله من فعلِ السيّئات والتقصيرِ في الحسناتِ، إن الله غفور رحيم دائماً وأبدا. وقوله تعالى: {وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} دليلٌ من دلائل النبوة، لأن الآية مكية، والجهادُ لم يُفرض إلا بعدَ الهجرة. قراءات: قرأ نافع وابن عامر وابو عمرو: ونصفه وثلثه بالجر، والباقون: ونصفه وثلثه بالنصب. والحمد لله اولا وآخرا.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْلَّيْلِ} {طَآئِفَةٌ} {ٱلْقُرْآنِ} {آخَرُونَ} {يُقَاتِلُونَ} {ٱلصَّلاَةَ} {آتُواْ} {ٱلزَّكَاةَ} (20) - إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَقَلَّ مِنْ ثُلْثَي اللَّيْلِ، وَأَكْثَرَ مِنْ نِصْفِهِ، وَتَقُومُ النِّصْفَ، وَتَقُومُ الثُّلُثَ، أَنْتَ وَطَائِفَةٌ مِنَ أَصْحَابِكَ المُؤْمِنِينَ، حِينَ فُرِضَ عَلَيْهِمْ قِيَامُ اللَّيْلِ. وَلاَ يَعْلَمُ مَقَادِيرَ اللَّيْلِ والنَّهَارِ إِلاَّ اللهُ، وَأَنْتُمْ لاَ تَسْتَطِيعُونَ ضَبْطَ المَوَاقِيتِ، وَإِحْصَاءَ السَّاعَاتِ، فَتَابَ عَلَيْكُمْ بِأَنْ رَخَّصَ لَكُمْ تَرْكَ القِيَامِ المُقَدَّرِ، وَعَفَا عَنْكُمْ، وَرَفَعَ عَنْكُمْ هَذِهِ المَشَقَّةَ، فَصَلُّوا مَا تَيَسَّرَ لَكُمْ مِنَ الصَّلاَةِ فِي اللَّيْلِ، وَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ فِيهَا، وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى عَلِمَ أَنَّهُ سَيَكُونُ بَيْنَكُمْ ذَوُو أَعْذَارٍ لاَ يَسْتَطِيعُونَ مَعَهَا القِيَامَ بِاللَّيْلِ، كَالمَرَضِ والسَّفَرِ وَابْتِغَاءِ الرِّزْقِ (الضَّرْبِ فِي الأَرْضِ) وَالجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَهَؤُلاَءِ إِذَا لَمْ يَنَامُوا اللَّيْلَ تَعِبَتْ أَجْسَادُهُمْ، وَلَمْ يَسْتَطِيعُوا القِيَامَ بِوَاجِبِهِمْ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ فِي الصَّلاَةِ، وَصَلُّوا الصَّلاَةِ المَفْرُوضَةَ، وَقُومُوهَا فَلاَ تَكُونُ قُلُوبُكُمْ غَافِلَةً، وَآتُوا الزَّكَاةَ الوَاجِبَةَ عَلَيْكُمْ، وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فِي أَوْجُهِ الطَّاعَاتِ، وَسَيَجْعَلُ رَبُّكُمْ هَذَا الإِنْفَاقَ بِمَثَابَةِ القَرْضِ لَهُ، وَسَيَجْزِيكُمْ فِي الآخِرَةِ أَحْسَنَ الجَزَاءِ، وَمَا تُقَدِّمُوا فِي الدُّنْيَا لأَِنْفُسِكُمْ مِنْ فِعْلِ خَيْرٍ فَإِنَّكُمْ وَاجِدُونَ ثَوَابَهُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى، وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. لَنْ تُحْصُوهُ - لَنْ تُطِيقُوا ضَبْطَ وَقْتِ قِيَامِهِ. فَتَابَ عَلَيْكُمْ - بِالتَّرْخِيصِ فِي تَرْكِ القِيَامِ المَقَدَّرِ. فَاقْرَؤْوا مَا تَيَسَّرَ - فَصَلُّوا مَا سَهُلَ عَلَيْكُمْ مِنْ صَلاَةٍ. يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ - يُسَافِرُونَ لِلتِّجَارَةِ وَطَلَبِ الرِّزْقِ. أَقِيمُوا الصَّلاَةَ - المَفْرُوضَةَ. قَرْضاً حَسَناً - احْتِسَاباً بِطِيبَةِ خَاطِرٍ وَنَفْسٍ.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا شيبان عن جابر عن الشعبي، عن مسروق بن الأَجدع قال: هذه الآية: خير لأُمة محمد، صلى الله عليه [وسلم]، من أَن يعطى كل رجل منهم مثل الدنيا، قوله: {فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ} [الآية: 20]. وهذه الآية نسخت: {أية : قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً}تفسير : [الآية: 2].
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ} معناه أن لَنْ تَطيقوهُ.
الجيلاني
تفسير : وبعدما أمر سبحانه حبيبه صلى الله عليه وسلم بقيام الليل على الوجه المذكور، وحثه عليه، ورغبه على وجه المبالغة والتأكيد بأن علله بعلمه سبحانه إياه على أيّ وجه، فقال: {إِنَّ رَبَّكَ} يا أكمل الرسل {يَعْلَمُ} بعلمه الحضوري {أَنَّكَ تَقُومُ} إلى التهجد {أَدْنَىٰ} وأقل {مِن ثُلُثَيِ ٱلَّيْلِ} وأعلى، وأكثر من نصفه تارة {وَ} تارة أخرى أدنى من {نِصْفَهُ} السياق يدل على أن التفسير جرى على قراءة ابن عامر ونافع وغيرهما: {وَنِصْفَهُ} تارة أدنى من {ثُلُثَهُ} السياق يدل على أن التفسير جرى على قراءة ابن عامر ونافع وغيرهما: {ثُلُثَهُ} وأكثر من ربعه، وهذا أدنى تاراتك، وأعلاها: ما هو أدنى من ثلثي الليل؛ إذ هي أقرب إلى قيام الكل الذي فرض أولاً، ثمَّ الثانية، ثمَّ الثالثة. {وَطَآئِفَةٌ} أي: ويعلم سبحانه أيضاً قيام طائفة {مِّنَ} المؤمنين {ٱلَّذِينَ} يقومون {مَعَكَ} ويوافقون لك في تهجدك وقيامك؛ يعين: علمه سبحانه محيط بهذه الأوقات الثلاثة الواقعة منك ومنهم، بخلاف علمك فإنه؛ أي: علمك لا يقدر بتعيينها على وجهها {وَ} بالجملة: {ٱللَّهُ} العليم الحكيم الذي {يُقَدِّرُ} بمقتضى علمه وإرادته {ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ} على سبيل التجدد والتتابع، والاختلاف طولاً وقصراً، وإيلاج بعض أجزاء كل منهما على الآخر، وإخراجهما منه، وضبط أجزائهما وساعاتهما وآنائمها، إنما هي بعلمه لا بعلم غيره من مظاهره ومصنوعاته، وهو سبحانه {عَلِمَ} منك {أَن} أي: إنه {لَّن تُحْصُوهُ} أي: ليس ي وسعكم وطاقتكم تقدير الأوقات، وضبط الأحيان والساعات، وإحصاء الآناء الواقعة في الليل والنهار، وقيامكم في كلها أو بعضها على وجه التعيين والتخصيص. وبعدما ظهر عنده سبحانه عدم طاقتكم ووسعكم {فَتَابَ} أي: عاد {عَلَيْكُمْ} ورجع عمَّا ألزمكم، وأزال تعبكم بالرخصة في ترك القيام المقدر المعين على الوجوه المذكورة؛ إذ لا يسع لكم ضبطها، وبعدما رخصكم سبحانه، وخفف عنكم تفضلاً وامتناناً، قوموا في خلال الليل مقدار ما يسّر الله لكم ووفقكم عليه {فَٱقْرَءُواْ} أي: صلوا التهجد بقراءة {مَا تَيَسَّرَ} لكم {مِنَ ٱلْقُرْآنِ} المقرون بصلاتكم. قيل: كان التهجد واجباً على التخيير المذكور، ثمَّ رخص بترك التقدير والتعيين، ثمَّ نسخ هذا أيضاً بالصلوات الخمس المقدرة في الأوقات الخمسة، وإنما نسخه سبحانه؛ إذ {عَلِمَ} بمقتضى حضرة علمه وحكمته {أَن} أي: إنه {سَيَكُونُ} بعضاً {مِنكُمْ مَّرْضَىٰ} من السهر المفرط؛ إذ الأبدان متفاوتة في تحمل المشاق، سيما ترك النوم المعدّ؛ لاستراحة البدن في الليل {وَ} أيضاً {آخَرُونَ} منكم {يَضْرِبُونَ} ويسافرون {فِي ٱلأَرْضِ} سفراً مباحاً {يَبْتَغُونَ} ويطلبون بسفرهم {مِن فَضْلِ ٱللَّهِ} وسعة جوده وكرمه مزيد رزق، أو طلب علم، أو صلة رحم، أو زيارة صديق إلى غير من الأسفار المشروعة، فيتحرجون بقيام الليل والتهجد فيه {وَآخَرُونَ} أيضاً {يُقَٰتِلُونَ} مع أعداء الله {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} ترويجاً لدينه، وإعلاءً لكلمة توحيده، فإنهم لو تهجدوا لضعفوا ألبتة فشق عليهم أمر القتال. وبعدما أزال عنكم سبحانه حرجكم وتعبكم بمقتضى حكمته المتقنة البالغة، فعليكم ألاَّ تتركوا التهجد رأساً، ولا تنسوه جملةً، بل قوموا في خلال الليل؛ للتهجد إن استطعتم {فَٱقْرَءُواْ} فيه {مَا تَيَسَّرَ} لكم {مِنْهُ} أي: من القرآن {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ} المفروضة، وواظبوا على أدائها وقيامها حق المواظبة، وراعوا أركانها وأبعاضها وهيئاتها على وجوهها، وبالجملة: أدوها على وجه يرضى عنكم مولاكم، ولا تهاونوا عليها، ولا تقصروا فيها. واعلموا أيها المؤمنون أن الفارق بين الإيمان والكفر، والهداية والضلال إنما هي الصلاة التي هي أقوى أعمدة الدين وأقومها {وَ} أيضاً {آتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ} المأمورة لكم على سبيل الوجوب؛ تزكيةً لأنفسكم عن الشح، وأموالكم عن الفضلات، وتمريناً لأنفسكم على الإنفاق وفعل الخيرات {وَ} بعد أداء الواجب من الزكاة {أَقْرِضُواْ ٱللَّهَ} القادر المقتدر على وجوه الإنعامات بإعداء فواضل الصدقات، وأنواع الخيرات وبناء المساجد والرباطات، وغير ذلك مما يتعلق بمصالح المسلمين من المنافع الحاصلة بالمال {قَرْضاً حَسَناً} بلا شوب المنِّ والأذى، والسمعة والرياء، والعجب وأنواع الهوى. {وَ} اعلموا أيها المؤمنون أن {مَا تُقَدِّمُواْ} وتؤخروا {لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ} موجب لأجر مستلزم لثواب، سواء كان مالياً أو بدنياً، قبل حلول الأجل وهجوم الموت {تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ} المفضل المنعم {هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً} وأكرم محلاً، وأعز درجةً ومنزلاً من الذي يؤخرونه إلى الوصية حين حلول الأجل {وَ} إن جرى عليكم ي سالف زمانكم ما جرى من ترك الاستغفار {ٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ} المفضل المكرم لما صدر عنكم، واشتغلوا لامتثال أوامره في بقية أعماركم تلافياً لما مضى {إِنَّ ٱللَّهَ} المطلع على إنابتكم ونياتكم فيها {غَفُورٌ} يغفر زلتكم الماضية أيضاً {رَّحِيمٌ} [المزمل: 20] يقبل توبتكم اللاحقة لها بمنِّه وجوده. خاتمة السورة عليك أيها السالك لسلوك التوحيد، والقاصد نحو مقصد الفناء أن تبذل وسعك في طريق التوحيد ببدنك ومالك، وجميع أحوالك وأطوارك، وتجتهد في تصفية ظاهرك وباطنك، وتخلية قلبك عن الشواغل العائقة عن التوجه التام والالتفات الخالص. فلك أن تلازم العزلة، وتداوم الخلوة، وتواظب على الاتصاف بالأطوار والأخلاق الموروثة لك من النبي المختار، والمأثورة منه من الآثار، وامتثال ما في كتاب الله من الأوامر والنواهي والأحكام الموردة فيه؛ لتصفية الخاطر عن الميل إلى ما سوى الحق من الأغيار الساقطة عن درجة الاعتبار؛ لتكون من الأبرار الأخيار الموسومين بأولي العبرة والأبصار، وتفوزوا بما فاز من الرموز والأسرار. وإياك إياك ومصابحة الأشرار المغترين بلذات الدنيا الغدارة، وشهوات الحياة المستعارة المستلزمة لأنواع الخسار والبوار. جعلنا الله الغفور الغفار من ذوي العبرة والاستبصار بفضله وطوله.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : ذكر الله في أول هذه السورة أنه أمر رسوله بقيام نصف الليل أو ثلثه أو ثلثيه، والأصل أن أمته أسوة له في الأحكام، وذكر في هذا الموضع، أنه امتثل ذلك هو وطائفة معه من المؤمنين. ولما كان تحرير الوقت المأمور به مشقة على الناس، أخبر أنه سهل عليهم في ذلك غاية التسهيل فقال: { وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ } أي: يعلم مقاديرهما وما يمضي منهما ويبقى. { عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ } أي: [لن] تعرفوا مقداره من غير زيادة ولا نقص، لكون ذلك يستدعي انتباها وعناء زائدا أي: فخفف عنكم، وأمركم بما تيسر عليكم، سواء زاد على المقدر أو نقص، { فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ } أي: مما تعرفون ومما لا يشق عليكم، ولهذا كان المصلي بالليل مأمورا بالصلاة ما دام نشيطا، فإذا فتر أو كسل أو نعس، فليسترح، ليأتي الصلاة بطمأنينة وراحة. ثم ذكر بعض الأسباب المناسبة للتخفيف، فقال: { عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى } يشق عليهم صلاة ثلثي الليل أو نصفه أو ثلثه، فليصل المريض المتسهل عليه، ولا يكون أيضا مأمورا بالصلاة قائما عند مشقة ذلك، بل لو شقت عليه الصلاة النافلة، فله تركها [وله أجر ما كان يعمل صحيحا]. { وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ } أي: وعلم أن منكم مسافرين يسافرون للتجارة، ليستغنوا عن الخلق، ويتكففوا عن الناس أي: فالمسافر، حاله تناسب التخفيف، ولهذا خفف عنه في صلاة الفرض، فأبيح له جمع الصلاتين في وقت واحد، وقصر الصلاة الرباعية. وكذلك { آخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ } فذكر تعالى تخفيفين، تخفيفا للصحيح المقيم، يراعي فيه نشاطه، من غير أن يكلف عليه تحرير الوقت، بل يتحرى الصلاة الفاضلة، وهي ثلث الليل بعد نصفه الأول. وتخفيفا للمريض أو المسافر، سواء كان سفره للتجارة، أو لعبادة، من قتال أو جهاد، أو حج، أو عمرة، ونحو ذلك، فإنه أيضا يراعي ما لا يكلفه، فلله الحمد والثناء، الذي ما جعل على الأمة في الدين من حرج، بل سهل شرعه، وراعى أحوال عباده ومصالح دينهم وأبدانهم ودنياهم. ثم أمر العباد بعبادتين، هما أم العبادات وعمادها: إقامة الصلاة، التي لا يستقيم الدين إلا بها، وإيتاء الزكاة التي هي برهان الإيمان، وبها تحصل المواساة للفقراء والمساكين، ولهذا قال: { وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ } بأركانها، وشروطها، ومكملاتها، { وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا } أي: خالصا لوجه الله، من نية صادقة، وتثبيت من النفس، ومال طيب، ويدخل في هذا، الصدقة الواجبة ؟ والمستحبة، ثم حث على عموم الخير وأفعاله فقال: { وَمَا تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا } الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة. وليعلم أن مثقال ذرة من الخير في هذه الدار، يقابله أضعاف أضعاف الدنيا، وما عليها في دار النعيم المقيم، من اللذات والشهوات، وأن الخير والبر في هذه الدنيا، مادة الخير والبر في دار القرار، وبذره وأصله وأساسه، فواأسفاه على أوقات مضت في الغفلات، وواحسرتاه على أزمان تقضت بغير الأعمال الصالحات، وواغوثاه من قلوب لم يؤثر فيها وعظ بارئها، ولم ينجع فيها تشويق من هو أرحم بها منها. فلك اللهم الحمد، وإليك المشتكى، وبك المستغاث، ولا حول ولا قوة إلا بك. { وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } وفي الأمر بالاستغفار بعد الحث على أفعال الطاعة والخير، فائدة كبيرة، وذلك أن العبد ما يخلو من التقصير فيما أمر به، إما أن لا يفعله أصلا أو يفعله على وجه ناقص، فأمر بترقيع ذلك بالاستغفار، فإن العبد يذنب آناء الليل والنهار، فمتى لم يتغمده الله برحمته ومغفرته، فإنه هالك. تم تفسير سورة المزمل.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):