٧٤ - ٱلْمُدَّثِّر
74 - Al-Muddathir (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
1
Tafseer
الرازي
تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: المدثر، أصله المتدثر، وهو الذي يتدثر بثيابه لينام، أو ليستدفىء، يقال: تدثر بثوبه، والدثار اسم لما يتدثر به، ثم أدغمت التاء في الدال لتقارب مخرجهما. المسألة الثانية: أجمعوا على أن المدثر هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، واختلفوا في أنه عليه الصلاة والسلام لم سمي مدثراً، فمنهم من أجراه على ظاهره وهو أنه كان متدثراً بثوبه، ومنهم من ترك هذا الظاهر، أما على الوجه الأول فاختلفوا في أنه لأي سبب تدثر بثوبه على وجوه أحدها: أن هذا من أوائل ما نزل من القرآن، روى جابر بن عبد الله أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : كنت على جبل حراء، فنوديت يا محمد إنك رسول الله، فنظرت عن يميني ويساري، فلم أر شيئاً، فنظرت فوقي، فرأيت الملك قاعداً على عرش بين السماء والأرض، فخفت ورجعت إلى خديجة، فقلت: دثروني دثروني، وصبوا علي ماء بارداً، فنزل جبريل عليه السلام بقوله: {يأَيُّهَا ٱلْمُدَّثّرُ } » تفسير : وثانيها: أن النفر الذين آذوا رسول الله، وهم أبو جهل وأبو لهب وأبو سفيان والوليد بن المغيرة والنضر بن الحرث وأمية بن خلف والعاص بن وائل اجتمعوا وقالوا: إن وفود العرب يجتمعون في أيام الحج ويسألوننا عن أمر محمد، فكل واحد منا يجيب بجواب آخر، فواحد يقول: مجنون، وآخر يقول: كاهن، وآخر يقول: شاعر، فالعرب يستدلون باختلاف الأجوبة على كون هذه الأجوبة باطلة، فتعالوا نجتمع على تسمية محمد باسم واحد، فقال واحد: إنه شاعر، فقال الوليد: سمعت كلام عبيد بن الأبرص، وكلام أمية بن أبي الصلت، وكلامه ما يشبه كلامهما، وقال آخرون كاهن، قال الوليد: ومن الكاهن؟ قالوا: الذي يصدق تارة ويكذب أخرى، قال الوليد: ما كذب محمد قط، فقال آخر: إنه مجنون فقال الوليد: ومن يكون المجنون؟ قالوا: مخيف الناس، فقال الوليد: ما أخيف بمحمد أحد قط، ثم قام الوليد وانصرف إلى بيته، فقال الناس: صبأ الوليد بن المغيرة، فدخل عليه أبو جهل، وقال مالك: يا أبا عبد شمس؟ هذه قريش تجمع لك شيئاً، زعموا أنك احتججت وصبأت، فقال: الوليد مالي إليه حاجة، ولكني فكرت في محمد. فقلت: إنه ساحر، لأن الساحر هو الذي يفرق بين الأب وابنه وبين الأخوين، وبين المرأة وزوجها، ثم إنهم أجمعوا على تلقيب محمد عليه الصلاة والسلام بهذا اللقب، ثم إنهم خرجوا فصرخوا بمكة والناس مجتمعون، فقالوا: إن محمداً لساحر، فوقعت الضجة في الناس أن محمداً ساحر، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك اشتد عليه، ورجع إلى بيته محزوناً فتدثر بثوبه، فأنزل الله تعالى: {يأَيُّهَا ٱلْمُدَّثّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ } وثالثها: أنه عليه الصلاة والسلام كان نائماً متدثراً بثيابه، فجاءه جبريل عليه السلام وأيقظه، وقال: {يأَيُّهَا ٱلْمُدَّثّرُ، قُمْ فَأَنذِرْ } كأنه قال: له اترك التدثر بالثياب والنوم، واشتغل بهذا المنصب الذي نصبك الله له. القول الثاني: أنه ليس المراد من المدثر، المتدثر بالثياب، وعلى هذا الاحتمال فيه وجوه أحدها: أن المراد كونه متدثراً بدثار النبوة والرسالة من قولهم: ألبسه الله لباس التقوى وزينه برداء العلم، ويقال: تلبس فلان بأمر كذا، فالمراد يأيها المدثر بدثار النبوة قم فأنذر وثانيها: أن المتدثر بالثوب يكون كالمختفي فيه، وأنه عليه الصلاة والسلام في جبل حراء كان كالمختفي من الناس، فكأنه قيل: يا أيها المتدثر بدثار الخمول والاختفاء، قم بهذا الأمر واخرج من زاوية الخمول، واشتغل بإنذار الخلق، والدعوة إلى معرفة الحق وثالثها: أنه تعالى جعله رحمة للعالمين، فكأنه قيل له: يا أيها المدثر بأثواب العلم العظيم، والخلق الكريم، والرحمة الكاملة قم فأنذر عذاب ربك. المسألة الثالثة: عن عكرمة أنه قرىء على لفظ اسم المفعول من دثره، كأنه قيل له: دثرت هذا الأمر وعصيت به، وقد سبق نظيره في المزمل.
القرطبي
تفسير : فيه ست مسائل: الأولى ـ قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ} أي يا ذا الذي قد تدثّر بثيابه، أي تغشَّي بها ونام، وأصله المتدثر فأدغمت التاء في الدال لتجانسهما. وقرأ أبَيّ «الْمُتَدثّر» على الأصل. وقال مقاتل: معظم هذه السورة في الوليد بن المغيرة. وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُحدِّث ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحدّث عن فَترة الوحي ـ قال في حديثه: « حديث : فبينما أنا أمشي سمعت صوتاً من السماء فرفعت رأسي، فإذا المَلَك الذي جاءني بحراء جالساً على كرسي بين السماء والأرض » تفسير : . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : فجُئِثْتُ منه فَرَقاً، فرجعت فقلت زمّلوني زمّلوني، فدثروني، فأنزل الله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ } » تفسير : في رواية ـ قبل أن تفرض الصلاة ـ وهي الأوثان قال: « حديث : ثم تتابع الوحي » تفسير : . خرجه الترمذي أيضاً وقال: حديث حسن صحيح. قال مسلم: وحدّثنا زهير بن حرب، قال: حدثنا الوليد ابن مسلم، قال: حدثنا الأوزاعيّ قال: سمعت يحيى يقول: سألت أبا سلمة: أيُّ القرآن أنزل قبلُ؟ قال: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ } فقلت: أو «ٱقرأ». فقال: سألت جابر بن عبد الله أي القرآن أنزل قبلُ؟ قال: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ } فقلت: أو «ٱقرأ» فقال جابر: أحدثكم ما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: « حديث : جاورت بحِراء شهراً، فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت بطن الوادي، فنوديت فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي فلم أرا أحداً، ثم نوديت فنظرت فلم أر أحداً، ثم نوديت فرفعت رأسي فإذا هو على العرش في الهواء ـ يعني جبريل صلى الله عليه وسلم ـ فأخذتني رَجْفةٌ شديدةٌ، فأتيت خديجة فقلت دثِّروني، فدثَّروني فصبُّوا عليّ ماء، فأنزل الله عز وجل: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ } تفسير : .خرجه البخاريّ وقال فيه: حديث : «فأتيت خديجة فقلت دثِّروني وصُبُّوا عليّ ماءً بارداً، فدثَّروني وصَبُّوا عليّ ماءً بارداً فنزلت: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ * وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ }تفسير : . ٱبن العربيّ: وقد قال بعض المفسرين إنه جرى على النبيّ صلى الله عليه وسلم من عُقْبة بن ربيعة أمر، فرجع إلى منزله مغموماً، فقَلِق وٱضطجع، فنزلت: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ } وهذا باطل. وقال القشيريّ أبو نصر: وقيل بلغه قولُ كفار مكة أنت ساحر، فوجِد من ذلك غمًّا وحُمَّ، فتدثَّر بثيابه، فقال الله تعالى: {قُمْ فَأَنذِرْ} أي لا تفكر في قولهم، وبلغهم الرسالة. وقيل: ٱجتمع أبو لهب وأبو سفيان والوليد بن المغيرة والنضر بن الحرث وأميّة بن خلف والعاص بن وائل ومُطعِم بن عديّ وقالوا: قد ٱجتمعت وفود العرب في أيام الحج، وهم يتساءلون عن أمر محمد، وقد ٱختلفتم في الإخبار عنه؛ فمن قائل يقول مجنون، وآخر يقول كاهن، وآخر يقول شاعر، وتعلم العرب أن هذا كله لا يجتمع في رجل واحد، فسمّوا محمداً باسم واحد يجتمعون عليه، وتسميه العرب به، فقام منهم رجل فقال: شاعر؛ فقال الوليد: سمعت كلام ٱبن الأبرص، وأمية بن أبي الصَّلْت، وما يشبه كلامُ محمدٍ كلاَم واحد منهما؛ فقالوا: كاهن. فقال: الكاهن يَصدُق ويكذِب وما كَذَب محمد قطّ؛ فقام آخر فقال: مجنون؛ فقال الوليد: المجنون يَخنُق الناس وما خَنَق محمد قطّ. وٱنصرف الوليد إلى بيته، فقالوا: صبأ الوليد بن المغيرة؛ فدخل عليه أبو جهل وقال: مالك يا أبا عبد شمس! هذه قريش تجمع لك شيئاً يعطونكه، زعموا أنك قد ٱحتجت وصبأت. فقال الوليد: مالي إلى ذلك حاجة، ولكني فكرت في محمد، فقلت: ما يكون من الساحر؟ فقيل: يفرق بين الأب وٱبنه، وبين الأخ وأخيه، وبين المرأة وزوجها، فقلتُ: إنه ساحر. شاع هذا في الناس وصاحوا يقولون: إن محمداً ساحر. ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته محزوناً فتدثر بقطيفة، ونزلت: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ }. وقال عكرمة: معنى {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ } أي المدَّثر بالنبوّة وأثقالها. ٱبن العربي: وهذا مجاز بعيد؛ لأنه لم يكن تنبأ بعد. وعلى أنها أوّل القرآن لم يكن تمكن منها بعد أن كانت ثاني ما نزل. الثانية ـ قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ }: ملاطفة في الخطاب من الكريم إلى الحبيب إذ ناداه بحاله، وعبّر عنه بصفته، ولم يقل يا محمد ويا فلان، ليستشعر اللين والملاطفة من ربه كما تقدم في سورة «المزمل». ومثله « حديث : قول النبيّ صلى الله عليه وسلم لعليّ إذ نام في المسجد: «قم أبا تراب» » تفسير : وكان خرج مغاضباً لفاطمة رضي الله عنها فسقط رداؤه وأصابه ترابه؛ خرجه مسلم. ومثله « حديث : قوله عليه الصلاة والسلام لحذيفة ليلة الخندق: «قم يا نَوْمان» » تفسير : وقد تقدّم. الثالثة ـ قوله تعالى: {قُمْ فَأَنذِرْ } أي خوّف أهل مكة وحذِّرهم العذاب إن لم يُسلِموا. وقيل: الإنذار هنا إعلامهم بنبوّته؛ لأنه مقدمة الرسالة. وقيل: هو دعاؤهم إلى التوحيد؛ لأنه المقصود بها. وقال الفراء: قم فصلّ وأمر بالصلاة. الرابعة ـ قوله تعالى: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ } أي سيّدك ومالكك ومصلح أمرك فعظّم، وصِفْه بأنه أكبر من أن يكون له صاحبة أو ولد. وفي حديث أنهم قالوا: بِم تُفتتَح الصلاة؟ فنزلت: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ } أي وصفْه بأنه أكبر. قال ٱبن العربيّ: وهذا القول وإن كان يقتضي بعمومه تكبير الصلاة، فإنه مراد به التكبير والتقديس والتنزيه، لخلع الأنداد والأصنام دونه، ولا تتخذ وليًّا غيره، ولا تعبد سواه، ولا ترى لغيره فعلاً إلا له، ولا نعمة إلا منه. وقد روي « حديث : أن أبا سفيان قال يوم أُحد: ٱعلُ هُبَل؛ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «قولوا الله أعلى وأجّل» » تفسير : وقد صار هذا اللفظ بعرف الشرع في تكبير العبادات كلها أذاناً وصلاة وذكراً بقوله: « حديث : الله أكبر » تفسير : وحمل عليه لفظ النبيّ صلى الله عليه وسلم الوارد على الإطلاق في موارد؛ منها قوله: « حديث : تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم » تفسير : والشرع يقتضي بعرفه ما يَقْتضي بعمومه، ومن موارده أوقات الإهلال بالذبائح لله تخليصاً له من الشِّرك، وإعلاناً باسمه في النُّسك، وإفراداً لما شرع منه لأمره بالسَّفْك. قلت: قد تقدّم في أوّل سورة «البقرة» أن هذا اللفظ «الله أكبر» هو المتعبد به في الصلاة، المنقول عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وفي التفسير: أنه لما نزل قوله تعالى: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ } قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: « حديث : الله أكبر » تفسير : فكبّرت خديجة، وعلمت أنه الوحي من الله تعالى؛ ذكره القشيريّ. الخامسة ـ الفاء في قوله تعالى: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ } دخلت على معنى جواب الجزاء كما دلت في «فَأَنْذِرْ» أي قم فأنذر وقم فكبر ربك؛ قاله الزجاج. وقال ٱبن جنّي: هو كقولك زيداً فاضرب؛ أي زيداً ٱضرب، فالفاء زئداة. السادسة ـ قوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ } فيه ثمانية أقوال: أحدهما أن المراد بالثياب العمل. الثاني القلب. الثالث النفس. الرابع الجسم. الخامس الأهل. السادس الخلق. السابع الدين. الثامن الثياب الملبوسات على الظاهر. فمن ذهب إلى القول الأوّل قال: تأويل الآية وعملك فأصلح؛ قاله مجاهد وٱبن زيد. وروى منصور عن أبي رَزِين قال: يقول وعملك فأصلح؛ قال: وإذا كان الرجل خبيث العمل قالوا إن فلاناً خبيث الثياب، وإذا كان حسن العمل قالوا إن فلاناً طاهر الثياب؛ ونحوه عن السُّديّ. ومنه قول الشاعر: شعر : لا هُمَّ إنّ عامَر بن جَهْمِ أَوْذَمَ حَجًّا في ثِيابٍ دُسْمِ تفسير : ومنه ما رُوي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : يُحشَر المرءُ في ثوبيه اللذين مات عليهما » تفسير : يعني عمله الصالح والطالح؛ ذكره الماورديّ. ومن ذهب إلى القول الثاني قال: إن تأويل الآية وقلبك فطهِّر؛ قاله ٱبن عباس وسعيد بن جُبير؛ دليله قول ٱمريء القيس: شعر : فَسُلِّـي ثيابـي مـن ثيابـك تَنْسُـلِ تفسير : أي قلبي من قلبك. قال الماوردي: ولهم في تأويل الآية وجهان: أحدهما ـ معناه وقلبك فطهّر من الإثم والمعاصي؛ قاله ٱبن عباس وقتادة. الثاني ـ وقلبك فطهر من الغدر؛ أي لا تغدر فتكون دنس الثياب. وهذا مرويّ عن ٱبن عباس، وٱستشهد بقول غيلان بن سلمة الثقفيّ: شعر : فإني بحمد الله لا ثوبَ فاجِر لبِستُ ولا مِن غَدْرَةٍ أَتَقنَّعُ تفسير : ومن ذهب إلى القول الثالث قال: تأويل الآية ونفسك فطهر؛ أي من الذنوب. والعرب تكني عن النفس بالثياب؛ قاله ٱبن عباس. ومنه قول عنترة: شعر : فَشَكَكْتُ بالرُّمْح الطَّوِيلِ ثيابَهُ ليس الكريمُ على القنا بُمَحرَّمِ تفسير : وقال ٱمرؤ القيس: شعر : فَسُلِّـي ثيابِـي مـن ثيابِـك تَنْسُـلِ تفسير : وقال: شعر : ثِيابُ بَني عوفٍ طَهارَى نِقيَّةٌ وأَوْجُهُهُمْ بيضُ المَسَافِرِ غُرَّانُ تفسير : أي أنفس بني عوف. ومن ذهب إلى القول الرابع قال: تأويل الآية وجسمك فطهر؛ أي عن المعاصي الظاهرة. ومما جاء عن العرب في الكناية عن الجسم بالثياب قول ليلى، وذكرت إبلاً: شعر : رموها بأَثيْابٍ خِفافٍ فلا تَرَى لها شَبَهاً إلاَّ النَّعامَ المُنَفَّرَا تفسير : أي ركبوها فرموها بأنفسهم. ومن ذهب إلى القول الخامس قال: تأويل الآية وأهلك فطهرهم من الخطايا بالوعظ والتأديب؛ والعرب تسمى الأهل ثوباً ولباساً وإزاراً؛ قال الله تعالى: { أية : هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ }. تفسير : [البقرة: 187] الماورديّ: ولهم في تأويل الآية وجهان: أحدهما ـ معناه ونساءك فطهر، باختيار المؤمنات العفائف. الثاني ـ الاستمتاع بهنّ في القبل دون الدبر، في الطهر لا في الحيض. حكاه ٱبن بحر. ومن ذهب إلى القول السادس قال: تأويل الآية وخلقك فحسِّن. قاله الحسن والقُرَظي؛ لأن خلق الإنسان مشتمل على أحواله ٱشتمال ثيابه على نفسه. وقال الشاعر: شعر : ويَحْيَى لا يُلامُ بسوء خُلْقٍ ويَحْيى طَاهِرُ الأثوابِ حُرُّ تفسير : أي حسن الأخلاق. ومن ذهب إلى القول السابع قال: تأويل الآية ودينك فطهر. وفي الصحيحين عنه عليه السلام قال: « حديث : ورأيت الناس وعليهم ثياب، منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما دون ذلك، ورأيت عمر بن الخطاب وعليه إزار يجرّه». قالوا: يا رسول الله فما أوّلت ذلك؟ قال: الدِّين » تفسير : . وروى ٱبن وهب عن مالك أنه قال: ما يعجبني أن أقرأ القرآن إلا في الصلاة والمساجد لا في الطريق، قال الله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} يريد مالك أنه كنى عن الثياب بالدين. وقد روى عبد الله بن نافع عن أبي بكر بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن مالك بن أنس في قوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} أي لا تلبسها على غَدْرة؛ ومنه قول أبي كَبشة: شعر : ثِيابُ بني عَوْفٍ طَهارَى نَقِيَّةٌ وَأَوْجُهُهُمْ بِيضُ الْمَسَافِرِ غُرَّانُ تفسير : يعني بطهارة ثيابهم: سلامتهم من الدناءات، ويعني بغرة وجوههم تنزيهم عن المحرمات، أو جمالهم في الخلقة أو كليهما؛ قاله ٱبن العربي. وقال سفيان بن عيينة: لا تلبس ثيابك على كذب ولا جور ولا غدر ولا إثم؛ قاله عِكرمة. ومنه قول الشاعر: شعر : أَوْذَمَ حَجًّـا فـي ثيـابٍ دُسْمِ تفسير : أي قد دنّسها بالمعاصي. وقال النابغة: شعر : رِقَاقُ النِّعالِ طيِّبٌ حُجُزاتُهُمْ يُحَيَّوْنَ بالرَّيْحَانِ يومَ السَّبَاسِبِ تفسير : ومن ذهب إلى القول الثامن قال: إن المراد بها الثياب الملبوسات، فلهم في تأويله أربعة أوجه: أحدهما ـ معناه وثيابك فأنقِ؛ ومنه قول ٱمريء القيس: شعر : ثيـابُ بنـي عَـوْفٍ طَهَـارَى نَقِيَّـةٌ تفسير : الثاني ـ وثيابك فشمِّرْ وقصِّرْ، فإن تقصير الثياب أبعد من النجاسة، فإذا ٱنجرَّت على الأرض لم يُؤْمَن أن يصيبها ما ينجسها؛ قاله الزجاج وطاوس. الثالث ـ {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} من النجاسة بالماء؛ قاله محمد ابن سيرين وٱبن زيد والفقهاء. الرابع ـ لا تلبس ثيابك إلا من كسب حلال لتكون مطهرة من الحرام. وعن ٱبن عباس: لا تكن ثيابك التي تلبس من مكسب غير طاهر. ٱبن العربي وذكر بعض ما ذكرناه: ليس بممتنع أن تحمل الآية على عموم المراد فيها بالحقيقة والمجاز، وإذا حملناها على الثياب المعلومة الطاهرة فهي تتناول معنيين: أحدهما ـ تقصير الأذيال؛ لأنها إذا أرسلت تدنست، ولهذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لغلام من الأنصار وقد رأى ذيله مسترخياً: ٱرفع إزارك فإنه أتقى وأنقى وأبقى. وقد قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : إِزْرَةُ المؤمنِ إلى أنصاف ساقيه، لا جُناح عليه فيما بينه وبين الكعبين، وما كان أسفل من ذلك ففي النار » تفسير : فقد جعل النبيّ صلى الله عليه وسلم الغاية في لباس الإزار الكعب وتوعّد ما تحته بالنار، فما بال رجال يرسلون أذيالهم، ويطيلون ثيابهم، ثم يتكلفون رفعها بأيديهم، وهذه حالة الكِبْر، وفائدة العُجْب، وأشدّ ما في الأمر أنهم يَعصُون وينجسون ويُلْحِقون أنفسهم بمن لم يجعل الله معه غيره ولا ألحق به سواه. قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: ( حديث : لا ينظر الله إلى من جرّ ثوبه خيلاء » تفسير : ولفظ الصحيح: « حديث : من جرّ إزاره خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة » . حديث : قال أبو بكر: يا رسول الله! إن أحد شِقّي إزاري يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لست ممن يصنعه خيلاء» » تفسير : فعمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنهي، وٱستثنى الصديق، فأراد الأدنياء إلحاق أنفسهم بالرفعاء، وليس ذلك لهم. والمعنى الثاني ـ غسلها من النجاسة وهو ظاهر منها، صحيح فيها. المهدويّ: وبه ٱستدل بعض العلماء على وجوب طهارة الثوب؛ قال ٱبن سيرين وٱبن زيد: لا تصلّ إلا في ثوب طاهر. وٱحتج بها الشافعيّ على وجوب طهارة الثوب. وليست عند مالك وأهل المدينة بفرض، وكذلك طهارة البدن، ويدل على ذلك الإجماع على جواز الصلاة بالاستجمار من غير غسل. وقد مضي هذا القول في سورة «براءة» مستوفىً.
البيضاوي
تفسير : مكية، وآيها خمس وخمسون آية بسم الله الرحمن الرحيم { يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثّرُ } أي المتدثر وهو لابس الدثار.حديث : روي أنه عليه الصلاة والسلام قال «كنت بحراء فنوديت فنظرت عن يميني وشمالي فلم أر شيئاً، فنظرت فوقي فإذا هو على عرش بين السماء والأرض ـ يعني الملك الذي ناداه ـ فرعبت فرجعت إلى خديجة فقلت: دثروني، فنزل جبريلتفسير : وقال: { يأَيُّهَا ٱلْمُدَّثّرُ } ولذلك قيل هي أول سورة نزلت. وقيل تأذى من قريش فتغطى بثوبه مفكراً، أو كان نائماً مدثراً فنزلت، وقيل المراد بالمدثر المتدثر بالنبوة والكمالات النفسانية، أو المختفي فإنه كان بحراء كالمختفي فيه على سبيل الاستعارة، وقرىء {ٱلْمُدَّثّرُ } أي الذي دثر هذا الأمر وعصب به. {قُمِ } من مضجعك أو قم قيام عزم وجد. {فَأَنذِرْ } مطلق للتعميم أو مقدر بمفعول دل عليه قوله: {أية : وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ }تفسير : [الشعراء: 214] أو قوله: {أية : وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ كَافَّةً لّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً }تفسير : [سبأ: 28] {وَرَبَّكَ فَكَبّرْ } وخصص ربك بالتكبير وهو وصفه بالكبرياء عقداً وقولاًحديث : روي أنه لما نزل كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأيقن أنه الوحيتفسير : وذلك لأن الشيطان لا يأمر بذلك والفاء فيه وفيما بعده لإِفادة معنى الشرط وكأنه قال: وما يكن فكبر ربك، أو الدلالة على أن المقصود الأول من الأمر بالقيام أن يكبر ربه عن الشرك والتشبيه، فإن أول ما يجب معرفة الصانع وأول ما يجب بعد العلم بوجوده تنزيهه، والقوم كانوا مقرين به. {وَثِيَابَكَ فَطَهّرْ } من النجاسات فإن التطهير واجب في الصلوات محبوب في غيرها، وذلك بغسلها أو بحفظها عن النجاسة بتقصيرها مخافة جر الذيول فيها، وهو أول ما أمر به من رفض العادات المذمومة، أو طهر نفسك من الأخلاق الذميمة والأفعال الدنيئة، فيكون أمراً باستكمال القوة العملية بعد أمره باستكمال القّوة النظرية والدعاء إليه، أو فطهر دثار النبوة عما يدنسه من الحقد والضجر وقلة الصبر. {وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ } فاهجر العذاب بالثبات على هجر ما يؤدي إليه من الشرك وغيره من القبائح، وقرأ يعقوب وحفص« وَٱلرُّجْزَ» بالضم وهو لغة كالذكر. {وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ } أي لا تعط مستكثراً، نهى عن الاستفزاز وهو أن يهب شيئاً طامعاً في عوض أكثر، نهي تنزيه أو نهياً خاصاً به لقوله عليه الصلاة والسلام «حديث : المستفزز يثاب من هبته»تفسير : والموجب له ما فيه من الحرص والضنة، أو {لا تَمْنُن } على الله تعالى بعبادتك مستكثراً إياها، أو على الناس بالتبليغ مستكثراً به الأجر منهم أو مستكثراً إياه، وقرىء {تَسْتَكْثِرُ } بالسكون للوقف أو الإبدال من تمنن على أنه من بكذا، أو {تَسْتَكْثِرُ } بمعنى تجده كثيراً وبالنصب على إضمار أن، وقد قرىء بها وعلى هذا يجوز أن يكون الرفع بحذفها وإبطال عملها، كما روي: أحضر الوغى. بالرفع. {وَلِرَبّكَ } لوجهه أو أمره. {فَٱصْبِرْ } فاستعمل الصبر، أو فاصبر على مشاق التكاليف وأذى المشكرين. {فَإِذَا نُقِرَ } نفخ. {فِى ٱلنَّاقُورِ } في الصور فاعول من النقر بمعنى التصويت وأصله القرع الذي هو سبب الصوت، والفاء للسببية كأنه قال: اصبر على زمان صعب تلقى فيه عاقبة صبرك وأعداؤك عاقبة ضرهم، و «إذا» ظرف لما دل عليه قوله: {فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ } لأن معناه عسر الأمر على الكافرين، وذلك إشارة إلى وقت النقر، وهو مبتدأ خبره {يَوْمٌ عَسِيرٌ } و {يَوْمَئِذٍ } بدل أو ظرف لخبره إذ التقدير: فذلك الوقت وقت وقوع {يَوْمٌ عَسِيرٌ }. {غَيْرُ يَسِيرٍ } تأكيد يمنع أن يكون عسيراً عليهم من وجه ويشعر بيسره على المؤمنين.
ابن كثير
تفسير : ثبت في "صحيح البخاري" من حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جابر أنه كان يقول: أول شيء نزل من القرآن { يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ} وخالفه الجمهور فذهبوا إلى أن أول القرآن نزولاً قوله تعالى: {أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ} تفسير : [العلق: 1] كما سيأتي ذلك هنالك إن شاء الله تعالى. قال البخاري: حدثنا يحيى، حدثنا وكيع عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير قال: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن فقال: { يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ} قلت يقولون: {أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ} تفسير : [العلق: 1] فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله عن ذلك، وقلت له مثل ما قلت لي، فقال جابر: لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : جاورت بحراء، فلما قضيت جواري، هبطت فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أر شيئاً، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئاً، ونظرت أمامي فلم أر شيئاً، ونظرت خلفي فلم أر شيئاً، فرفعت رأسي فرأيت شيئاً، فأتيت خديجة، فقلت: دثروني وصبوا عليَّ ماء بارداً ــــ قال ــــ فدثروني وصبوا علي ماء بارداً ــــ قال ــــ فنزلت: { يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ}» تفسير : هكذا ساقه من هذا الوجه. وقد رواه مسلم من طريق عقيل عن ابن شهاب عن أبي سلمة قال: أخبرني جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث عن فترة الوحي، فقال في حديثه: «حديث : فبينا أنا أمشي، إذ سمعت صوتاً من السماء، فرفعت بصري قبل السماء، فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فجئثت منه حتى هويت إلى الأرض، فجئت إلى أهلي فقلت: زملوني زملوني، فزملوني، فأنزل الله تعالى: { يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ } ــــ إلى ــــ ــــ قال أبو سلمة: والرجز: الأوثان ــــ ثم حمي الوحي وتتابع» تفسير : هذا لفظ البخاري، وهذا السياق هو المحفوظ، وهو يقتضي أنه قد نزل الوحي قبل هذا؛ لقوله: «حديث : فإذا الملك الذي جاءني بحراء» تفسير : وهو جبريل حين أتاه بقوله: {أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} تفسير : [العلق: 1 ــــ 5] ثم إنه حصل بعد هذا فترة، ثم نزل الملك بعد هذا. ووجه الجمع أن أول شيء نزل بعد فترة الوحي هذه السورة؛ كما قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا ليث، حدثنا عقيل عن ابن شهاب قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يقول: أخبرني جابر بن عبد الله: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ثم فتر الوحي عني فترة، فبينا أنا أمشي سمعت صوتاً من السماء، فرفعت بصري قبل السماء، فإذا الملك الذي جاءني قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فجئثت منه فرقاً حتى هويت إلى الأرض، فجئت أهلي، فقلت لهم: زملوني زملوني، فزملوني، فأنزل الله تعالى: { يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ} ثم حمي الوحي وتتابع» تفسير : أخرجاه من حديث الزهري به. وقال الطبراني: حدثنا محمد بن علي بن شعيب السمسار، حدثنا الحسن ابن بشر البجلي، حدثنا المعافى بن عمران عن إبراهيم بن يزيد: سمعت ابن أبي مليكة يقول: سمعت ابن عباس يقول: إن الوليد بن المغيرة صنع لقريش طعاماً، فلما أكلوا منه، قال: ما تقولون في هذا الرجل؟ فقال بعضهم: ساحر، وقال بعضهم: ليس بساحر، وقال بعضهم: كاهن، وقال بعضهم: ليس بكاهن، وقال بعضهم: شاعر، وقال بعضهم: ليس بشاعر، وقال بعضهم: بل سحر يؤثر، فأجمع رأيهم على أنه سحر يؤثر، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فحزن وقنع رأسه وتدثر، فأنزل الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ} وقوله تعالى: { قُمْ فَأَنذِرْ} أي: شمر عن ساق العزم وأنذر الناس، وبهذا حصل الإرسال كما حصل بالأول النبوة. { وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} أي: عظم. وقوله تعالى: { وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} قال الأجلح الكندي عن عكرمة، عن ابن عباس: أنه أتاه رجل فسأله عن هذه الآية: { وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} قال: لا تلبسها على معصية، ولا على غدرة. ثم قال: أما سمعت قول غيلان بن سلمة الثقفي:شعر : فَإِني بِحَمْدِ اللّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ لَبِسْتُ ولا مِنْ غَدْرَةٍ أَتَقَنَّعُ تفسير : وقال ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس في الآية: { وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} قال: في كلام العرب: نقي الثياب. وفي رواية بهذا الإسناد: فطهر من الذنوب، وكذا قال إبراهيم والشعبي وعطاء، وقال الثوري عن رجل عن عطاء عن ابن عباس في هذه الآية: { وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} قال: من الإثم، وكذا قال إبراهيم النخعي. وقال مجاهد: { وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} قال: نفسك، ليس ثيابك، وفي رواية عنه: { وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} أي: عملك فأصلح، وكذا قال أبو رزين، وقال في رواية أخرى: { وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} أي: لست بكاهن ولا ساحر، فأعرض عما قالوا. وقال قتادة: { وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} أي: طهرها من المعاصي، وكانت العرب تسمي الرجل، إذا نكث ولم يف بعهد الله: إنه لدنس الثياب، وإذا وفى وأصلح: إنه لمطهر الثياب، وقال عكرمة والضحاك: لا تلبسها على معصية. وقال الشاعر:شعر : إذا المَرْءُ لم يَدْنَسْ منَ اللُّؤْمِ عِرْضُهُ فَكُلُّ رِداءٍ يَرْتَديهِ جَميلُ تفسير : وقال العوفي عن ابن عباس: { وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} يعني: لا تكن ثيابك التي تلبس من مكسب غير طائب، ويقال: لا تلبس ثيابك على معصية، وقال محمد بن سيرين: { وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} أي: اغسلها بالماء، وقال ابن زيد: كان المشركون لا يتطهرون، فأمره الله أن يتطهر، وأن يطهر ثيابه، وهذا القول اختاره ابن جرير، وقد تشمل الآية جميع ذلك، مع طهارة القلب؛ فإن العرب تطلق الثياب عليه؛ كما قال امرؤ القيس:شعر : أفاطِمُ مَهْلاً بَعْضَ هذا التَّدَلُّلِ وإنْ كُنْتِ قَدْ أَزْمَعْتِ هَجْري فَأَجْمِلي وإنْ تَكُ قَدْ ساءَتْكِ مِني خَليقَةٌ فَسُلِّي ثِيابي منْ ثيابِك تَنْسُلِ تفسير : وقال سعيد بن جبير: { وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ}: وقلبك ونيتك فطهر، وقال محمد بن كعب القرظي والحسن البصري: وخلقك فحسن. وقوله تعالى: { وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: والرجز، وهو الأصنام، فاهجر، وكذا قال مجاهد وعكرمة وقتادة والزهري وابن زيد: إنها الأوثان، وقال إبراهيم والضحاك: { وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ} أي: اترك المعصية، وعلى كل تقدير فلا يلزم تلبسه بشيء من ذلك؛ كقوله تعالى: {أية : يٰۤأَيُّهَا ٱلنَّبِىِّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَـٰفِرِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ} تفسير : [الأحزاب: 1] {أية : وَقَالَ مُوسَىٰ لأَخِيهِ هَـٰرُونَ ٱخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ} تفسير : [الأعراف: 142]. وقوله تعالى: { وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ} قال ابن عباس: لا تعط العطية تلتمس أكثر منها، وكذا قال عكرمة ومجاهد وعطاء وطاوس وأبو الأحوص وإبراهيم النخعي والضحاك وقتادة والسدي وغيرهم، وروي عن ابن مسعود أنه قرأ: (ولا تمنن أن تستكثر) وقال الحسن البصري: لا تمنن بعملك على ربك تستكثره، وكذا قال الربيع بن أنس، واختاره ابن جرير، وقال خصيف عن مجاهد في قوله تعالى: { وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ} قال: لا تضعف أن تستكثر من الخير، قال: تمنن في كلام العرب: تضعف، وقال ابن زيد: لا تمنن بالنبوة على الناس، تستكثرهم بها، تأخذ عليه عوضاً من الدنيا. فهذه أربعة أقوال، والأظهر القول الأول، والله أعلم. وقوله تعالى: { وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ} أي: اجعل صبرك على أذاهم لوجه ربك عز وجل، قاله مجاهد. وقال إبراهيم النخعي: اصبر عطيتك لله عز وجل. وقوله تعالى: {فَإِذَا نُقِرَ فِى ٱلنَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ } قال ابن عباس ومجاهد والشعبي وزيد بن أسلم والحسن وقتادة والضحاك والربيع بن أنس والسدي وابن زيد: {ٱلنَّاقُورِ}: الصور، قال مجاهد: وهو كهيئة القرن. وقال ابن أبي حاتم: حدثناأبو سعيد الأشج، حدثنا أسباط بن محمد عن مطرف عن عطية العوفي عن ابن عباس: { فَإِذَا نُقِرَ فِى ٱلنَّاقُورِ} فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كيف أنعم، وصاحب القرن قد التقم القرن، وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر فينفخ؟» تفسير : فقال: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: «حديث : قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا» تفسير : وهكذا رواه الإمام أحمد عن أسباط به، ورواه ابن جرير عن أبي كريب عن ابن فضيل وأسباط، كلاهما عن مطرف به، ورواه من طريق أخرى عن العوفي عن ابن عباس به. وقوله تعالى: { فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ} أي: شديد { عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ} أي: غير سهل عليهم؛ كما قال تعالى: {أية : يَقُولُ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ} تفسير : [القمر: 8]، وقد روينا عن زرارة بن أوفى قاضي البصرة أنه صلى بهم الصبح، فقرأ هذه السورة، فلما وصل إلى قوله تعالى: { فَإِذَا نُقِرَ فِى ٱلنَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ } شهق شهقة ثم خرّ ميتاً رحمه الله تعالى.
المحلي و السيوطي
تفسير : { يَٱأَيُّهَا ٱلْمُدَّثّرُ } النبي صلى الله عليه وسلم وأصله المتدثر أدغمت التاء في الدال ، أي المتلفف بثيابه عند نزول الوحي عليه.
الشوكاني
تفسير : قال الواحدي: قال المفسرون: لما بدىء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالوحي أتاه جبريل، فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم على سرير بين السماء والأرض كالنور المتلأليء، ففزع ووقع مغشياً عليه، فلما أفاق دخل على خديجة، ودعا بماء، فصبه عليه، وقال: «دثروني دثروني»، فدثروه بقطيفة، فقال: {يأَيُّهَا ٱلْمُدَّثّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ } ومعنى {يأَيُّهَا ٱلْمُدَّثّرُ }: يا أيها الذي قد تدثر بثيابه، أي: تغشى بها، وأصله المتدثر، فأدغمت التاء في الدال لتجانسهما. وقد قرأ الجمهور بالإدغام، وقرأ أبي: "المتدثر" على الأصل، والدثار: هو ما يلبس فوق الشعار، والشعار: هو الذي يلي الجسد، وقال عكرمة: المعنى: يا أيها المدثر بالنبوّة وأثقالها. قال ابن العربي: وهذا مجاز بعيد لأنه لم يكن نبياً إذ ذاك {قُمْ فَأَنذِرْ } أي: انهض فخوّف أهل مكة وحذرهم العذاب إن لم يسلموا، أو قم من مضجعك، أو قم قيام عزم وتصميم. وقيل: الإنذار هنا هو إعلامهم بنبوّته. وقيل: إعلامهم بالتوحيد. وقال الفراء: المعنى قم فصلّ، وأمر بالصلاة {وَرَبَّكَ فَكَبّرْ } أي: واختص سيدك ومالكك ومصلح أمورك بالتكبير، وهو وصفه سبحانه بالكبرياء والعظمة، وأنه أكبر من أن يكون له شريك كما يعتقده الكفار، وأعظم من أن يكون له صاحبة أو ولد. قال ابن العربي: المراد به تكبير التقديس والتنزيه بخلع الأضداد والأنداد والأصنام، ولا يتخذ ولياً غيره ولا يعبد سواه، ولا يرى لغيره فعلاً إلاّ له ولا نعمة إلاّ منه. قال الزجاج: إن الفاء في: {فكبر} دخلت على معنى الجزاء، كما دخلت في: {فأنذر}. وقال ابن جني: هو كقولك: زيداً فاضرب أي: زيداً اضرب، فالفاء زائدة. {وَثِيَابَكَ فَطَهّرْ } المراد بها الثياب الملبوسة على ما هو المعنى اللغوي، أمره الله سبحانه بتطهير ثيابه، وحفظها عن النجاسات، وإزالة ما وقع فيها منها. وقيل: المراد بالثياب العمل. وقيل: القلب. وقيل: النفس. وقيل: الجسم. وقيل: الأهل. وقيل: الدين. وقيل: الأخلاق. قال مجاهد، وابن زيد، وأبو رزين، أي: عملك فأصلح. وقال قتادة: نفسك فطهّر من الذنب، والثياب عبارة عن النفس. وقال سعيد بن جبير: قلبك فطهّر، ومن هذا قول امرىء القيس:شعر : فسلي ثيابي من ثيابك تنسل تفسير : وقال عكرمة: المعنى البسها على غير غدر وغير فجرة. وقال: أما سمعت قول الشاعر:شعر : وإني بحمد الله لا ثوب فاجر لبست ولا من غدرة أتقنع تفسير : والشاعر هو غيلان بن سلمة الثقفي، ومن إطلاق الثياب على النفس قول عنترة:شعر : فشككت بالرمح الطويل ثيابه ليس الكريم على القنا بمحرم تفسير : وقول الآخر:شعر : ثياب بني عوف طهارى نقية تفسير : وقال الحسن، والقرظي: إن المعنى، وأخلاقك فطهّر؛ لأن خلق الإنسان مشتمل على أحواله اشتمال ثيابه على نفسه، ومنه قول الشاعر:شعر : ويحيـى لا يلام بسوء خلق ويحيـى طاهر الأثواب حر تفسير : وقال الزجاج: المعنى، وثيابك فقصر؛ لأن تقصير الثوب أبعد من النجاسات إذا انجرّ على الأرض، وبه قال طاوس، والأوّل أولى؛ لأنه المعنى الحقيقي. وليس في استعمال الثياب مجاز عن غيرها لعلاقة مع قرينة ما يدلّ على أنه المراد عند الإطلاق، وليس في مثل هذا الأصل: أعني الحمل على الحقيقة عند الإطلاق خلاف، وفي الآية دليل على وجوب طهارة الثياب في الصلاة. {وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ } الرجز: معناه في اللغة: العذاب، وفيه لغتان: كسر الراء وضمها، وسمي الشرك وعبادة الأوثان رجزاً؛ لأنها سبب الرجز. قرأ الجمهور: {الرجز} بكسر الراء. وقرأ الحسن، ومجاهد، وعكرمة، وحفص، وابن محيصن بضمها. وقال مجاهد، وعكرمة: الرجز: الأوثان، كما في قوله: {أية : فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَـٰنِ }تفسير : [الحج: 30] وبه قال ابن زيد. وقال إبراهيم النخعي: الرجز المأثم، والهجر الترك. وقال قتادة: الرجز إساف ونائلة، وهما صنمان كانا عند البيت. وقال أبو العالية، والربيع، والكسائي: الرجز بالضم الوثن، وبالكسر العذاب. وقال السديّ: الرجز بضم الراء الوعيد، والأوّل أولى {وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ } قرأ الجمهور: {ولا تمنن} بفك الإدغام، وقرأ الحسن، وأبو اليمان، والأشهب العقيلي بالإدغام، وقرأ الجمهور: {تستكثر} بالرفع على أنه حال، أي: ولا تمنن حال كونك مستكثراً. وقيل: على حذف أن، والأصل ولا تمنن أن تستكثر، فلما حذفت رفع. قال الكسائي: فإذا حذف أن رفع الفعل. وقرأ يحيـى بن وثاب، والأعمش: "تستكثر" بالنصب على تقدير أن، وبقاء عملها، ويؤيد هذه القراءة قراءة ابن مسعود: "ولا تمنن أن تستكثر" بزيادة أن. وقرأ الحسن أيضاً، وابن أبي عبلة: "تستكثر" بالجزم على أنه بدل من تمنن، كما في قوله: {أية : يَلْقَ أَثَاماً * يُضَـٰعَفْ لَهُ }تفسير : [الفرقان: 68، 69]، وقول الشاعر:شعر : متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا تجد حطباً جزلاً وناراً تأججا تفسير : أو الجزم لإجراء الوصل مجرى الوقف، كما في قول امرىء القيس:شعر : فاليوم أشرب غير مستحقب إثماً من الله ولا واغل تفسير : بتسكين أشرب. وقد اعترض على هذه القراءة؛ لأن قوله: {تستكثر} لا يصح أن يكون بدلاً من تمنن؛ لأن المنّ غير الاستكثار، ولا يصح أن يكون جواباً للنهي. واختلف السلف في معنى الآية. فقيل المعنى: لا تمنن على ربك بما تتحمله من أعباء النبوّة كالذي يستكثر ما يتحمله بسبب الغير. وقيل: لا تعط عطية تلتمس فيها أفضل منها، قاله عكرمة، وقتادة. قال الضحاك: هذا حرّمه الله على رسوله؛ لأنه مأمور بأشرف الآداب وأجلّ الأخلاق، وأباحه لأمته. وقال مجاهد: لا تضعف أن تستكثر من الخير، من قولك حبل متين: إذا كان ضعيفاً. وقال الربيع بن أنس: لا تعظم عملك في عينك أن تستكثر من الخير. وقال ابن كيسان: لا تستكثر عملاً فتراه من نفسك، إنما عملك منة من الله عليك إذ جعل لك سبيلاً إلى عبادته. وقيل: لا تمنن بالنبوّة، والقرآن على الناس، فتأخذ منهم أجراً تستكثره. وقال محمد بن كعب: لا تعط مالك مصانعة. وقال زيد بن أسلم: إذا أعطيت عطية فأعطها لربك. {وَلِرَبّكَ فَٱصْبِرْ } أي: لوجه ربك، فاصبر على طاعته وفرائضه، والمعنى: لأجل ربك وثوابه. وقال مقاتل، ومجاهد: اصبر على الأذى والتكذيب. وقال ابن زيد: حملت أمراً عظيماً، فحاربتك العرب والعجم، فاصبر عليه لله. وقيل: اصبر تحت موارد القضاء لله. وقيل: فاصبر على البلوى. وقيل: على الأوامر والنواهي. {فَإِذَا نُقِرَ فِى ٱلنَّاقُورِ } الناقور: فاعول من النقر، كأنه من شأنه أن ينقر فيه للتصويت، والنقر في كلام العرب الصوت، ومنه قول امرىء القيس:شعر : أخفضه بالنقر لما علوته تفسير : ويقولون: نقر باسم الرجل: إذا دعاه، والمراد هنا النفخ في الصور، والمراد: النفخة الثانية. وقيل: الأولى، وقد تقدّم الكلام في هذا في سورة الأنعام وسورة النحل، والفاء للسببية، كأنه قيل: اصبر على أذاهم، فبين أيديهم يوم هائل يلقون فيه عاقبة أمرهم، والعامل في إذا ما دلّ عليه قوله: {فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ } فإن معناه: عسر الأمر عليهم. وقيل: العامل فيه ما دل عليه {فَذَلِكَ } لأنه إشارة إلى النقر، ويومئذٍ بدل من إذا، أو مبتدأ، وخبره يوم عسير، والجملة خبر {فذلك}، وقيل: هو ظرف للخبر؛ لأن التقدير وقوع يوم عسير، وقوله: {غَيْرُ يَسِيرٍ } تأكيد لعسره عليهم؛ لأن كونه غير يسير، قد فهم من قوله: {يَوْمٌ عَسِيرٌ }. {ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً } أي: دعني، وهي كلمة تهديد ووعيد، والمعنى: دعني والذي خلقته حال كونه وحيداً في بطن أمه لا مال له ولا ولد، هذا على أن وحيداً منتصب على الحال من الموصول، أو من الضمير العائد إليه المحذوف، ويجوز أن يكون حالاً من الياء في ذرني، أي: دعني وحدي معه، فإني أكفيك في الانتقام منه، والأوّل أولى. قال المفسرون: وهو الوليد بن المغيرة. قال مقاتل: يقول: خلّ بيني وبينه، فأنا أنفرد بهلكته، وإنما خص بالذكر لمزيد كفره، وعظيم جحوده لنعم الله عليه. وقيل: أراد بالوحيد الذي لا يعرف أبوه، وكان يقال في الوليد بن المغيرة: إنه دعيّ. {وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً } أي: كثيراً، أو يمدّ بالزيادة والنماء شيئًا بعد شيء. قال الزجاج: مالاً غير منقطع عنه، وقد كان الوليد بن المغيرة مشهوراً بكثرة المال على اختلاف أنواعه. قيل: كان يحصل له من غلة أمواله ألف ألف دينار. وقيل: أربعة آلاف دينار. وقيل: ألف دينار. {وَبَنِينَ شُهُوداً } أي: وجعلت له بنين حضوراً بمكة معه لا يسافرون، ولا يحتاجون إلى التفرّق في طلب الرزق لكثرة مال أبيهم. قال الضحاك: كانوا سبعة ولدوا بمكة، وخمسة ولدوا بالطائف. وقال سعيد بن جبير: كانوا ثلاثة عشر ولداً. وقال مقاتل: كانوا سبعة كلهم رجال، أسلم منهم ثلاثة خالد وهشام والوليد بن الوليد، فما زال الوليد بعد نزول هذه الآية في نقصان من ماله وولده حتى هلك. وقيل: معنى {شهوداً} أنه إذا ذكر ذكروا معه، وقيل: كانوا يشهدون معه ما كان يشهده، ويقومون بما كان يباشره {وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً } أي: بسطت له في العيش وطول العمر والرياسة في قريش، والتمهيد عند العرب التوطئة، ومنه مهد الصبيّ. وقال مجاهد: إنه المال بعضه فوق بعض كما يمهد الفراش. {ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ } أي: يطمع بعد هذا كله في الزيادة لكثرة حرصه وشدة طمعه مع كفرانه للنعم، وإشراكه بالله. قال الحسن: لم يطمع أن أدخله الجنة، وكان يقول: إن كان محمد صادقاً، فما خلقت الجنة إلاّ لي. ثم ردعه الله سبحانه وزجره فقال: {كَلاَّ } أي: لست أزيده. ثم علل ذلك بقوله: {إِنَّهُ كان لأَيَـٰتِنَا عَنِيداً } أي: معانداً لها كافراً بما أنزلناه منها على رسولنا، يقال: عند يعند بالكسر إذا خالف الحق وردّه، وهو يعرفه، فهو عنيد وعاند، والعاند الذي يجوز عن الطريق، ويعدل عن القصد، ومنه قول الحارثي:شعر : إذا ركبت فاجعلاني وسطا إني كبير لا أطيق العندا تفسير : قال أبو صالح: عنيداً معناه مباعداً. وقال قتادة: جاحداً. وقال مقاتل: معرضاً {سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً } أي: سأكلفه مشقة من العذاب، وهو مثل لما يلقاه من العذاب الصعب الذي لا يطاق. وقيل المعنى: إنه يكلف أن يصعد جبلاً من نار، والإرهاق في كلام العرب: أن يحمل الإنسان الشيء الثقيل، وجملة: {إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ } تعليل لما تقدّم من الوعيد، أي: إنه فكر في شأن النبيّ صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليه من القرآن، وقدّر في نفسه، أي: هيأ الكلام في نفسه، والعرب تقول: هيأت الشيء إذا قدّرته، وقدرت الشيء إذا هيأته، وذلك أنه لما سمع القرآن لم يزل يفكر ماذا يقول فيه، وقدّر في نفسه ما يقول، فذمه الله، وقال: {فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ } أي: لعن وعذب كيف قدر، أي: على أيّ حال قدر ما قدر من الكلام، كما يقال في الكلام: لأضربنه كيف صنع، أي: على أيّ حال كانت منه. وقيل المعنى: قهر وغلب كيف قدر، ومنه قول الشاعر:شعر : وما ذرفت عيناك إلاّ لتضربي بسهميك في أعشار قلب مقتل تفسير : وقال الزهري: عذب، وهو من باب الدعاء عليه، والتكرير في قوله: {ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ } للمبالغة والتأكيد. {ثُمَّ نَظَرَ } أي: بأيّ شيء يدفع القرآن ويقدح فيه، أو فكر في القرآن وتدبر ما هو. {ثُمَّ عَبَسَ } أي: قطب وجهه لما لم يجد مطعناً يطعن به في القرآن، والعبس مصدر عبس مخففاً، يعبس عبساً وعبوساً إذا قطب. وقيل: عبس في وجوه المؤمنين. وقيل: عبس في وجه النبيّ صلى الله عليه وسلم {وَبَسَرَ } أي: كلح وجهه وتغير، ومنه قول الشاعر:شعر : صبحنا تميماً غداة الحفار بشهباء ملموسة باسره تفسير : وقول الآخر:شعر : وقد رابني منها صدود رأيته وإعراضها عن حاجتي وبسورها تفسير : وقيل: إن ظهور العبوس في الوجه يكون بعد المحاورة، وظهور البسور في الوجه قبلها، والعرب تقول: وجه باسر إذا تغير واسودّ. وقال الراغب: البسر استعجال الشرّ قبل أوانه نحو بسر الرجل حاجته، أي: طلبها في غير أوانها. قال: ومنه قوله: {عَبَسَ وَبَسَرَ } أي: أظهر العبوس قبل أوانه وقبل وقته، وأهل اليمن يقولون: بسر المركب وأبسر أي: وقف لا يتقدّم ولا يتأخر، وقد أبسرنا أي: صرنا إلى البسور. {ثُمَّ أَدْبَرَ وَٱسْتَكْبَرَ } أي: أعرض عن الحقّ، وذهب إلى أهله، وتعظم عن أن يؤمن {فَقَالَ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ } أي: يأثره عن غيره ويرويه عنه. والسحر: إظهار الباطل في صورة الحقّ، أو الخديعة على ما تقدّم بيانه في سورة البقرة، يقال: أثرت الحديث بأثره إذا ذكرته عن غيرك، ومنه قول الأعشى:شعر : إن الذي فيه تحاربتما بين للسامع والآثر تفسير : {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ قَوْلُ ٱلْبَشَرِ } يعني: أنه كلام الإنس، وليس بكلام الله، وهو تأكيد لما قبله، وسيأتي أن الوليد بن المغيرة إنما قال هذا القول إرضاء لقومه بعد اعترافه أن له حلاوة، وأن عليه طلاوة إلى آخر كلامه. ولما قال هذا القول الذي حكاه الله عنه، قال الله عزّ وجلّ: {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ } أي: سأدخله النار، وسقر من أسماء النار، ومن دركات جهنم. وقيل: إن هذه الجملة بدل من قوله: {سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً } ثم بالغ سبحانه في وصف النار وشدة أمرها فقال: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ } أي: وما أعلمك أيّ شيء هي، والعرب تقول: وما أدراك ما كذا: إذا أرادوا المبالغة في أمره، وتعظيم شأنه وتهويل خطبه، وما الأولى مبتدأ، وجملة {مَا سَقَرُ } خبر المبتدأ. ثم فسر حالها، فقال: {لاَ تُبْقِى وَلاَ تَذَرُ } والجملة مستأنفة لبيان حال سقر، والكشف عن وصفها. وقيل: هي في محل نصب على الحال، والعامل فيها معنى التعظيم؛ لأن قوله: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ } يدل على التعظيم، فكأنه قال: استعظموا سقر في هذه الحال، والأوّل أولى، ومفعول الفعلين محذوف. قال السديّ: لا تبقي لهم لحماً ولا تذر لهم عظماً. وقال عطاء: لا تبقي من فيها حياً ولا تذره ميتاً. وقيل: هما لفظان بمعنى واحد، كررا للتأكيد كقولك: صدّ عني وأعرض عني {لَوَّاحَةٌ لّلْبَشَرِ } قرأ الجمهور: {لوّاحة} بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف. وقيل: على أنه نعت لسقر، والأوّل أولى. وقرأ الحسن، وعطية العوفي، ونصر بن عاصم، وعيسى بن عمر، وابن أبي عبلة، وزيد بن عليّ بالنصب على الحال أو الاختصاص للتهويل، يقال: لاح يلوح، أي: ظهر، والمعنى: أنها تظهر للبشر. قال الحسن: تلوح لهم جهنم حتى يرونها عياناً كقوله: {أية : وَبُرّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ } تفسير : [النازعات: 36]. وقيل: معنى {لَوَّاحَةٌ لّلْبَشَرِ } أي: مغيرة لهم ومسوّدة. قال مجاهد: والعرب تقول: لاحه الحر والبرد والسقم والحزن: إذا غيره، وهذا أرجح من الأوّل، وإليه ذهب جمهور المفسرين، ومنه قول الشاعر:شعر : وتعجب هند أن رأتني شاحبا تقول لشيء لوحته السمائم تفسير : أي: غيرته، ومنه قول رؤبة بن العجاج:شعر : لوّح منه بعد بدن وشبق تلويحك الضامر يطوى للسبق تفسير : وقال الأخفش: المعنى أنها معطشة للبشر، وأنشد:شعر : سقتني على لوح من الماء شربة سقاها به الله الرهام الغواديا تفسير : والمراد بالبشر: إما جلدة الإنسان الظاهرة، كما قاله الأكثر، أو المراد به أهل النار من الإنس، كما قال الأخفش. {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ } قال المفسرون: يقول على النار تسعة عشر من الملائكة هم خزنتها. وقيل: تسعة عشر صنفاً من أصناف الملائكة. وقيل: تسعة عشر صفاً من صفوفهم. وقيل: تسعة عشر نقيباً مع كل نقيب جماعة من الملائكة، والأوّل أولى. قال الثعلبي: ولا ينكر هذا، فإذا كان ملك واحدة يقبض أرواح جميع الخلائق كان أحرى أن يكونوا تسعة عشر على عذاب بعض الخلق. قرأ الجمهور: {تسعة عشر} بفتح الشين من عشر، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع، وطلحة بن سليمان بإسكانها. وقد أخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن جابر بن عبد الله أن أبا سلمة بن عبد الرحمٰن قال: إن أوّل ما نزل من القرآن: {يأَيُّهَا ٱلْمُدَّثّرُ } فقال له يحيى بن أبي كثير: يقولون إن أوّل ما نزل {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ } [العلق: 1] فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله عن ذلك، قلت له مثل ما قلت، فقال جابر: لا أحدّثنك إلاّ ما حدّثنا رسول الله قال: «حديث : جاورت بحراء، فلما قضيت جواري هبطت، فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أر شيئًا، ونظرت عن شمالي، فلم أر شيئًا، ونظرت خلفي فلم أر شيئًا، فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فحثيت منه رعباً، فرجعت، فقلت: دثروني فدثروني، فنزلت: {رَّحِيمٌ يأَيُّهَا ٱلْمُدَّثّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ } إلى قوله: {وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ }»تفسير : وسيأتي في سورة اقرأ ما يدل على أنها أوّل سورة أنزلت، والجمع ممكن. وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس: {يأَيُّهَا ٱلْمُدَّثّرُ } فقال: دثر هذا الأمر، فقم به. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه {يأَيُّهَا ٱلْمُدَّثّرُ } قال: النائم {وَثِيَابَكَ فَطَهّرْ } قال: لا تكن ثيابك التي تلبس من مكسب باطل {وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ } قال: الأصنام {وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ } قال: لا تعط تلتمس بها أفضل منها. وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عنه أيضاً. {وَثِيَابَكَ فَطَهّرْ } قال: من الإثم. قال: وهي في كلام العرب نقيّ الثياب. وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً: {وَثِيَابَكَ فَطَهّرْ } قال: من الغدر، لا تكن غدّاراً. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري، وابن مردويه عن عكرمة عنه أيضاً أنه سئل عن قوله: {وَثِيَابَكَ فَطَهّرْ } قال: لا تلبسها على غدرة، ثم قال: ألا تسمعون قول غيلان بن سلمة:شعر : وإني بحمد الله لا ثوب فاجر لبست ولا من غدرة أتقنع تفسير : وأخرج الطبراني، والبيهقي في سننه عنه أيضاً: {وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ } قال: لا تعط الرجل عطاء رجاء أن يعطيك أكثر منه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه عنه أيضاً: {فَإِذَا نُقِرَ فِى ٱلنَّاقُورِ } قال: الصور {يَوْمٌ عَسِيرٌ } قال: شديد. وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً: {ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً } قال: الوليد بن المغيرة. وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في الدلائل عنه أيضاً: أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقرأ عليه القرآن، فكأنه رقّ له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه فقال: يا عمّ إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالاً ليعطوكه، فإنك أتيت محمداً لتعرض لما قبله، قال: قد علمت قريش أني من أكثرها مالاً، قال: فقل فيه قولاً يبلغ قومك أنك منكر له، وأنك كاره له، قال: وماذا أقول؟ فوالله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني لا برجزه ولا بقصيده ولا بأشعار الجنّ، والله ما يشبه هذا الذي يقول شيئًا من هذا، ووالله إن لقوله الذي يقول لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته؛ قال: والله لا يرضى قومك حتى تقول فيه، قال: فدعني حتى أفكر، فلما فكر قال: هذا سحر يؤثر، يأثره عن غيره، فنزلت: {ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً }. وقد أخرج هذا عبد الرزاق عن عكرمة مرسلاً، وكذا أخرجه ابن جرير، وابن إسحاق، وابن المنذر، وغير واحد. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن عمر بن الخطاب أنه سئل عن قوله: {وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً } قال: غلة شهر بشهر. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس: {وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً } قال: ألف دينار. وأخرج هناد عن أبي سعيد الخدري في قوله: {سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً } قال: هو جبل في النار يكلفون أن يصعدوا فيه، فكلما وضعوا أيديهم عليه ذابت، فإذا رفعوها عادت كما كانت. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس: {عَنِيداً } قال: جحوداً. وأخرج أحمد، والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي عن أبي سعيد، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الصعود جبل في النار يصعد فيه الكافر سبعين خريفاً، ثم يهوي وهو كذلك فيه أبداً»تفسير : قال الترمذي بعد إخراجه: غريب لا نعرفه إلاّ من حديث ابن لهيعة عن درّاج. قال ابن كثير: وفيه غرابة ونكارة انتهى، وقد أخرجه جماعة من قول أبي سعيد. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: {صَعُوداً } صخرة في جهنم يسحب عليها الكافر على وجهه. وأخرج ابن المنذر عنه قال: جبل في النار. وأخرج ابن المنذر عنه أيضاً في قوله: {لاَ تُبْقِى وَلاَ تَذَرُ } قال: لا تبقي منهم شيئًا، وإذا بدّلوا خلقاً آخر لم تذر أن تعاودهم سبيل العذاب الأوّل. وأخرج عبد بن حميد عنه أيضاً {لَوَّاحَةٌ لّلْبَشَرِ } قال: تلوح الجلد فتحرقه وتغير لونه، فيصير أسود من الليل. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً: {لَوَّاحَةٌ } قال: محرقة. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في البعث عن البراء: أن رهطاً من اليهود سألوا بعض أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم عن خزنة جهنم، فقال: الله ورسوله أعلم، فجاء جبريل، فأخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم، فنزلت عليه ساعتئذٍ {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ }.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {يا أيها المدَّثِّر}فيه قولان: أحدهما: يا أيها المدثر بثيابه، قاله قتادة. الثاني:بالنبوة وأثقالها، قاله عكرمة. {قم} من نومك {فأنذر} قومك عذاب ربك. ويحتمل وجهاً ثالثاً: يا أيها الكاتم لنبوته اجهر بإنذارك. ويحتمل هذا الإنذار وجهين: أحدهما: إعلامهم بنبوته لأنه مقدمة الرسالة. الثاني: دعاؤهم إلى التوحيد لأنه المقصود بها. قال ابن عباس وجابر هي أول سورة نزلت. {وثيابَك فَطِّهرْ} فيه خمسة أقاويل: أحدها: أن المراد بالثياب العمل. الثاني: القلب. الثالث: النفْس. الرابع: النساء والزوجات. الخامس: الثياب الملبوسات على الظاهر. فمن ذهب على أن المراد بها العمل قال تأويل الآية: وعملك فأصلح، قاله مجاهد، ومنه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : يحشر المرء في ثوبيه اللذين مات فيها" تفسير : يعني عمله الصالح والطالح. ومن ذهب إلى أن المراد بالثياب القلب فالشاهد عليه قول امرىء القيس: شعر : وإن تك قد ساءتك مني خليقةٌ فسلّي ثيابي من ثيابكِ تنسلِ تفسير : ولهم في تأويل الآية وجهان: أحدهما: معناه وقلبك فطهر من الإثم والمعاصي، قاله ابن عباس وقتادة. الثاني: وقلبك فطهر من الغدر وهذا مروي عن ابن عباس، واستشهد بقول الشاعر: شعر : فإني بحْمدِ الله لا ثوْبَ فاجر لبست ولا مِن غَدْرةٍ أَتَقَنّع. تفسير : ومن ذهب إلى أن المراد بالثياب النفس فلأنها لابسة الثياب، فكنى عنها بالثياب، ولهم في تأويل الآية ثلاثة أوجه: أحدها: معناه ونفسك فطهر مما نسبك إليه المشركون من شعر أو سحر أو كهانة أو جنون، رواه ابن أبي نجيح وأبو يحيى عن مجاهد. الثاني: ونفسك فطهرها مما كنت تشكو منه وتحذر، من قول الوليد بن المغيرة، قاله عطاء. الثالث: ونفسك فطهرها من الخطايا، قاله عامر. ومن ذهب إلى أن المراد النساء والزوجات فلقوله تعالى: {أية : هن لباس لكم وأنتم لباس لهن} تفسير : [البقرة: 187] ولهم في تأويل الآية وجهان: أحدهما: معناه ونساءك فطهر باختيار المؤمنات العفائف. الثاني: الاستمتاع بهن من القبل دون الدبر، وفي الطهر دون الحيض، حكاهما ابن بحر. ومن ذهب إلى أن المراد بها الثياب الملبوسة على الظاهر، فلهم في تأويله أربعة أوجه: أحدها: معناه وثيابك فأنْقِ، رواه عطاء عن ابن عباس، ومنه قول امرىء القيس: شعر : ثياب بني عَوفٍ طهارى نقيّةٌ وأَوْجُهُهُمْ عند المشاهد غُرّان تفسير : الثاني: وثيابك فشمّر وقصّر، قاله طاووس. الثالث: وثيابك فطهر من النجاسات بالماء، قاله محمد بن سيرين وابن زيد والفقهاء. الرابع: معناه لا تلبس ثياباً إلا [من] كسب حلال مطهرة من الحرام. {والرُّجْزَ فاهْجُرْ} فيه ستة تأويلات: أحدها: يعني الآثام والأصنام، قاله جابر وابن عباس وقتادة والسدي. الثاني: والشرك فاهجر، قاله ابن جبير. الثالث: والذنب فاهجر، قاله الحسن. الرابع: والإثم فاهجر، قال السدي. الخامس: والعذاب فاهجر، حكاه أسباط. السادس: والظلم فاهجر، ومنه قول رؤبة بن العجاج. شعر : كم رامنا من ذي عديد منه حتى وَقَمْنا كيدَه بالرجزِ. تفسير : قاله السدي: الرَّجز بنصب الراء: الوعيد. {ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِر} فيه أربعة تأويلات: أحدها: لا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها، قاله ابن عباس وعكرمة وقتادة، قال الضحاك: هذا حرمه الله تعالى على رسول وأباحه لأمته. الثاني: معناه لا تمنن بعملك تستكثر على ربك، قاله الحسن. الثالث: معناه لا تمنن بالنبوة على الناس تأخذ عليها منهم أجراً، قاله ابن زيد. الرابع: معناه لا تضعف عن الخير أن تستكثر منه، قاله مجاهد. ويحتمل تأويلاً خامساً: لا تفعل الخير لترائي به الناس. {ولِربِّك فاصْبِرْ} أما قوله " وَلِرَبِّكَ" ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: لأمر ربك. الثاني: لوعد ربك. الثالث: لوجه ربك. وفي قوله " فاصْبِرْ سبعة تأويلات: أحدها: فاصْبِرْ على ما لاقيت من الأذى والمكروه قاله مجاهد. الثاني: على محاربة العرب ثم العجم، قاله ابن زيد. الثالث: على الحق فلا يكن أحد أفضل عندك فيه من احد، قاله السدي. الرابع: فاصْبِرْ على عطيتك لله، قاله إبراهيم. الخامس: فاصْبِرْ على الوعظ لوجه الله، قاله عطاء. السادس: على انتظام ثواب عملك من الله تعالى، وهو معنى قول ابن شجرة. السابع: على ما أمرك الله من أداء الرسالة وتعليم الدين،حكاه ابن عيسى. {فإذا نُقِرَ في الناقُورِ} فيه تأويلان: أحدهما: يعني نفخ في الصور، قاله ابن عباس، وهل المراد النفخة الأولى أو الثانية؟ قولان: أحدهما: الأولى. والثاني: الثانية. - الثاني: أن الناقور القلب يجزع إذا دعي الإنسان للحساب، حكاه ابن كامل. ويحتمل تأويلاً ثالثاً: أن الناقور صحف الأعمال إذا نشرت للعرض.
ابن عطية
تفسير : اختلف القراء في {المدثر} على نحو ما ذكرناه في {أية : المزمل} تفسير : [المزمل: 1]، وفي حرف أبيّ بن كعب {المدثر} ومعناه المتدثر بثيابه، و "الدثار"، ما يتغطى الإنسان به من الثياب، واختلف الناس لم ناداه بـ {المدثر}، فقال جمهور المفسرين بما ورد في البخاري من أنه لما فرغ من رؤية جبريل على كرسي بين السماء والأرض فرعب منه ورجع إلى خديجة فقال: زملوني زملوني نزلت {يا أيها المدثر}، وقال النخعي وقتادة وعائشة نودي وهو في حال تدثر فدعي بحال من أحواله. وروي أنه كان يدثر في قطيفة. وقال آخرون: معناه أيها النائم. وقال عكرمة معناه {يا أيها المدثر} للنبوة وأثقالها، واختلف الناس في أول ما نزل من كتاب الله تعالى فقال جابر بن عبد الله وأبو سلمة والنخعي ومجاهد هو {يا أيها المدثر} الآيات. وقال الزهري والجمهور هو {أية : اقرأ باسم ربك الذي خلق} تفسير : [العلق: 1] وهذا هو الأصح. وحديث صدر كتاب البخاري نص في ذلك. وقوله تعالى: {قم فأنذر} بعثة عامة إلى جميع الخلق. قال قتادة، المعنى أنذر عذاب الله ووقائعه بالأمم، وقوله تعالى: {وربك فكبر} معناه عظمه بالعبادة وبث شرعه. وروي عن أبي هريرة أن بعض المؤمنين قال: بم نفتتح صلاتنا؟ فنزلت {وربك فكبر}. واختلف المتأولون في معنى قوله {وثيابك فطهر}، فقال ابن سيرين وابن زيد بن أسلم والشافعي وجماعة: هو أمر بتطهير الثياب حقيقة، وذهب الشافعي وغيره من هذه الآية إلى وجوب غسل النجاسات من الثياب، وقال الجمهور: هذه الألفاظ استعارة في تنقية الأفعال والنفس والعرض، وهذا كما تقول فلان طاهر الثوب، ويقال للفاجر دنس الثوب، ومنه قول الشاعر [غيلان بن سلمة الثقفي]: [الطويل] شعر : وإني بحمد الله لا ثوب فاجر لبست ولا من خزية أتقنع تفسير : وقال الآخر: [الرجز] شعر : لاهـم إن عامـر ابن جهـم أوذم حجّاً في ثياب دهم تفسير : أي دنسه. وقال ابن عباس والضحاك وغيره، المعنى لا تلبسها على غدرة ولا فجور، وقال ابن عباس: المعنى لا تلبسها من مكسب خبيث، وقال النخعي: المعنى طهرها من الذنوب، وهذا كله معنى قريب بعضه من بعض، وقال طاوس: المعنى قصرها وشمرها، فذلك طهرة للثياب. وقرأ جمهور الناس "والرِّجز" بكسر الراء، وقرأ حفص عن عاصم والحسن ومجاهد وأبو جعفر وشيبة وأبو عبد الرحمن والنخعي وابن وثاب وقتادة وابن أبي إسحاق والأعرج: و "الرُّجز" بضم الراء. فقيل هما بمعنى يراد بهما الأصنام والأوثان، وقيل هما لمعنيين الكسر للنتن والتقابض وفجور الكفار والضم لصنمين: "إساف ونائلة"، قاله قتادة. وقيل للأصنام عموماً، قاله مجاهد وعكرمة والزهري. وقال ابن عباس {الرجز} السخط، فالمعنى اهجر ما يؤدي إليه ويوجبه، وقال الحسن: كل معصية رجز، وروى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر هذه الآية بالأوثان. واختلف المتأولون في معنى قوله تعالى: {ولا تمنن تستكثر}. فقال ابن عباس وجماعة معه: لا تعط عطاء لتعطى أكثر منه، فكأنه من قولهم، من إذا أعطى، قال الضحاك، وهذا خاص بالنبي عليه السلام، ومباح لأمته لكن لا أجر لهم فيه. قال مكي: وهذا معنى قوله تعالى: {أية : وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله} تفسير : [الروم: 39]، وهذا معنى أجنبي من معنى هذه السورة. وحكى النقاش عن ابن عباس أنه قال: {ولا تمنن تستكثر} لا تقل دعوت فلم أجب وروى قتادة أن المعنى لا تدل بعملك، ففي هذا التأويل تحريض على الجد وتخويف، وقال ابن زيد: معناه {ولا تمنن} على الناس بنبوءتك {تستكثر} بأجر أو بكسب تطلبه منهم. وقال الحسن بن أبي الحسن: معناه {ولا تمنن} على الله بجدك {تستكثر} أعمالك ويقع لك بها إعجاب، فهذه كلها من المن الذي هو تعديد اليد وذكرها. وقال مجاهد: معناه ولا تضعف {تستكثر} ما حملناك من أعباء الرسالة وتستكثر من الخير، فهذه من قولهم حبل منين أي ضعيف، وفي قراءة ابن مسعود: "ولا تمنن أن تستكثر"، وقرأ الحسن بن أبي الحسن: "تستكثرْ" بجزم الراء، وذلك كأنه قال لا تستكثر، وقرأ الأعمش: "تستكثرَ" بنصب الراء، وذلك على تقدير أن مضمرة وضعف أبو حاتم الجزم، وقرأ ابن أبي عبلة: "ولا تمنن فتستكثرْ" بالفاء العاطفة والجزم، وقرأ أبو السمال: "ولا تمنّ" بنون واحدة مشددة. {ولربك فاصبر}، أي لوجه ربك وطلب رضاه كما تقول فعلت لله تعالى، والمعنى على الأدنى من الكفار وعلى العبادة وعن السهوات وعلى تكاليف النبوة، قال ابن زيد وعلى حرب الأحمر والأسود لقد حمل أمراً عظيماً. و {الناقور} الذي ينفخ فيه وهو الصور، قاله ابن عباس وعكرمة. وقال خفاف بن ندبة: [الوافر] شعر : إذا ناقورهم يوماً تبدى أجاب الناس من غرب وشرق تفسير : وهو فاعول من النقر، وقال أبو حباب: أمنا زرارة بن أوفى فلما بلغ في الناقور خر ميتاً. ورويحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: "كيف أنعم وصاحب القرن قد التقمه وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر بالنفخ" ففزع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: كيف نقول يا رسول الله؟ قال: "قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا". تفسير : و {يوم عسير} معناه في عسر في الأمور الجارية على الكفار فوصف اليوم بالعسر لكونه ظرف زمان له. وكذلك تجيء صفته باليسر. وقرأ الحسن "عسر" بغير ياء.
ابن عبد السلام
تفسير : {الْمُدَّثِّرُ} بثيابه أو بالنبوّة وأثقالها.
النسفي
تفسير : مكية وهي ست وخمسون آية بسم الله الرحمٰن الرحيم روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كنت على جبل حراء: فنوديت يا محمد إنك رسول الله. فنظرت عن يميني ويساري فلم أر شيئاً، فنظرت إلى فوقي فإذا هو قاعد على عرش بين السماء والأرض ــ يعني الملك الذي ناداه ــ فرعبت ورجعت إلى خديجة فقلت: دثروني دثروني» تفسير : فدثرته خديجة فجاء جبريل وقرأ {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ } أي المتلفف بثيابه من الدثار وهو كل ما كان من الثياب فوق الشعار. والشعار: الثوب الذي يلي الجسد وأصله المتدثر فأدغم {قُمْ} من مضجعك أو قم قيام عزم وتصميم {فَأَنذِرْ } فحذر قومك من عذاب الله إن لم يؤمنوا، أو فافعل الإنذار من غير تخصيص له بأحد. وقيل: سمع من قريش ما كرهه فاغتم فتغطى بثوبه مفكراً كما يفعل المغموم فقيل له: يا أيها الصارف أذى الكفار عن نفسك بالدثار، قم فاشتغل بالأنذار وإن آذاك الفجار {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ } واختص ربك بالتكبير وهو التعظيم أي لا يكبر في عينك غيره وقل عندما يعروك من غير الله: الله أكبر. ورُوي أنه لما نزل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : الله أكبر»تفسير : فكبرت خديجة وفرحت وأيقنت أنه الوحي، وقد يحمل على تكبير الصلاة. ودخلت الفاء لمعنى الشرط كأنه قيل: وما كان فلا تدع تكبيره. {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ } بالماء من النجاسة لأن الصلاة لا تصح إلا بها وهي الأولى في غير الصلاة، أو فقصر مخالفة للعرب في تطويلهم الثياب وجرّهم الذيول إذ لا يؤمن معه إصابة النجاسة، أو طهر نفسك مما يستقذر من الأفعال يقال: فلان طاهر الثياب إذا وصفوه بالنقاء من المعايب، وفلان دنس الثياب للغادر ولأن من طهر باطنه يطهر ظاهره ظاهراً {وَٱلرُّجْزَ } بضم الراء: يعقوب وسهل وحفص، وغيرهم بالكسر العذاب والمراد ما يؤدي إليه {فَٱهْجُرْ } أي أثبت على هجره لأنه كان بريئاً منه {وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ } بالرفع وهو منصوب المحل على الحال أي لا تعط مستكثراً رائياً لما تعطيه كثيراً أو طالباً أكثر مما أعطيت فإنك مأمور بأجلّ الأخلاق وأشرف الآداب، وهو من منّ عليه إذا أنعم عليه. وقرأ الحسن {تَسْتَكْثِرُ } بالسكون جواباً للنهي {وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ } ولوجه الله فاستعمل الصبر على أوامره ونواهيه وكل مصبور عليه ومصبور عنه {فَإِذَا نُقِرَ فِى ٱلنَّاقُورِ } نفخ في الصور وهي النفخة الأولى وقيل الثانية {فَذَٰلِكَ } إشارة إلى وقت النقر وهو مبتدأ {يَوْمَئِذٍ } مرفوع المحل بدل من {ذٰلِكَ } {يَوْمٌ عَسِيرٌ } خبر كأنه قيل: فيوم النقر يوم عسير. والفاء في {فَإِذَا } للتسبيب وفي {فَذَلِكَ } للجزاء كأنه قيل: اصبر على أذاهم فبين أيديهم يوم عسير يلقون فيه عاقبة أذاهم وتلقى عاقبة صبرك عليه. والعامل في {فَإِذَا } ما دل عليه الجزاء أي فإذا نقر في الناقور عسر الأمر {عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ } وأكد بقوله {غَيْرُ يَسِيرٍ } ليؤذن بأنه يسير على المؤمنين أو عسير لا يرجى أن يرجع يسيراً كما يرجى تيسير العسير من أمور الدنيا. {ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ } أي كله إليّ يعني الوليد بن المغيرة وكان يلقب في قومه بالوحيد و{مِنْ خلقت} معطوف أو مفعول معه {وَحِيداً } حال من الياء في {ذَرْنِى } أي ذرني وحدي معه فإني أكفيك أمره، أو من التاء في {خلقت} أي خلقته وحدي لم يشركني في خلقه أحد، أو من الهاء المحذوفة، أو من أي خلقته منفرداً بلا أهل ولا مال ثم أنعمت عليه {وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً } مبسوطاً كثيراً أو ممدوداً بالنماء وكان له الزرع والضرع والتجارة. وعن مجاهد: كان له مائة ألف دينار. وعنه أن له أرضاً بالطائف لا ينقطع ثمرها {وَبَنِينَ شُهُوداً } حضوراً معه بمكة لغناهم عن السفر وكانوا عشرة أسلم منهم خالد وهشام وعمارة {وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً } وبسطت له الجاه والرياسة فأتممت عليه نعمتي الجاه والمال واجتماعهما هو الكمال عند أهل الدنيا {ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ } استبعاد واستنكار لطمعه وحرصه فيرجو أن أزيد في ماله وولده من غير شكر. وقال الحسن: أن أزيد أن أدخله الجنة فأوتيه مالاً وولداً كما قال {أية : لأوتين مالاً وولداً }تفسير : {كَلاَّ } [مريم: 77] ردع له وقطع لرجائه أي لا يجمع له بعد اليوم بين الكفر والمزيد من النعم، فلم يزل بعد نزول الآية في نقصان من المال والجاه حتى هلك {إِنَّهُ كان لآيَـٰتِنَا } للقرآن {عَنِيداً } معانداً جاحداً وهو تعليل للردع على وجه الاستئناف كأن قائلاً قال: لم لا يزاد؟ فقيل: إنه جحد آيات المنعم وكفر بذلك نعمته والكافر لا يستحق المزيد {سَأُرْهِقُهُ } سأغشيه {صَعُوداً } عقبة شاقة المصعد وفي الحديث «حديث : الصعود جبل من نار يصعد فيه سبعين خريفاً ثم يهوي فيه كذلك أبد»تفسير : {إِنَّهُ فَكَّرَ } تعليل للوعيد كأن الله تعالى عاجله بالفقر والذل بعد الغنى والعز لعناده، ويعاقبه في الآخرة بأشد العذاب لبلوغه بالعناد غايته، وتسميته القرآن سحراً يعني أنه فكر ماذا يقول في القرآن {وَقَدَّرَ } في نفسه ما يقوله وهيأه. {فَقُتِلَ } لعن {كَيْفَ قَدَّرَ } تعجيب من تقديره {ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ } كرر للتأكيد و«ثم» يشعر بأن الدعاء الثاني أبلغ من الأول {ثُمَّ نَظَرَ } في وجوه الناس أو فيما قدر {ثُمَّ عَبَسَ } قطب وجهه {وَبَسَرَ } زاد في التقبض والكلوح {ثُمَّ أَدْبَرَ } عن الحق {وَٱسْتَكْبَرَ } عنه أو عن مقامه وفي مقاله. و{ثُمَّ نَظَرَ } عطف على {فَكَّرَ وَقَدَّرَ } والدعاء اعتراض بينهما، وإيراد «ثم» في المعطوفات لبيان أن بين الأفعال المعطوفة تراحياً {فَقَالَ إِنْ هَـٰذَا } ما هذا {إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ } يروى عن السحرة. رُوي أن الوليد قال لبني مخزوم: والله لقد سمعت من محمد آنفاً كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو وما يعلى. فقالت قريش: صبأ والله الوليد. فقال أبو جهل وهو ابن أخيه: أنا أكفيكموه، فقعد إليه حزيناً وكلمه بما أحماه فقام الوليد، فأتاهم فقال: تزعمون أن محمداً مجنون فهل رأيتموه يخنق؟ وتقولون إنه كاهن فهل رأيتموه يتكهن؟ وتزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه يتعاطى شعراً قط؟ وتزعمون أنه كذاب فهل جربتم عليه شيئاً من الكذب؟ فقالوا في كل ذلك: اللهم لا. ثم قالوا: فما هو؟ ففكر فقال: ما هو إلا ساحر، أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه؟ وما الذي يقوله إلا سحر يؤثر عن مسيلمة وأهل بابل، فارتج النادي فرحاً وتفرقوا متعجبين منه. وذكر الفاء دليل على أن هذه الكلمة لما خطرت بباله نطق بها من غير تلبث {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ قَوْلُ ٱلْبَشَرِ } ولم يذكر العاطف بين هاتين الجملتين لأن الثانية جرت مجرى التوكيد للأولى.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {يا أيها المدثر} (ق) عن يحيى بن كثير قال "سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن قال يا أيها المدثر قلت يقولون اقرأ باسم ربك قال أبو سلمة سألت جابراً عن ذلك وقلت له مثل الذي قلت فقال لي جابر لا أحدثك إلا ما حدثنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : "جاورت بحراء شهراً فلما قضيت جواري هبطت فنوديت فنظرت عن يميني فلم أر شيئاً ونظرت عن شمالي فلم أر شيئاً ونظرت خلفي فلم أر شيئاً فرفعت رأسي فرأيت شيئاً. فأتيت خديجة فقلت دثروني فدثروني" وصبوا علي ماء بارداً" تفسير : فنزلت {يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر} وذلك قبل أن تفرض الصلاة وفي رواية "حديث : فلما قضيت جواري هبطت فاستبطنت الوادي - وذكر نحوه - فإذا هو قاعد على عرش في الهواء - يعني جبريل - فأخذتني رجفة شديدة" تفسير : (ق) عن جابر رضي الله عنه من رواية الزهري "حديث : عن أبي سلمة عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث عن فترة الوحي فقال لي في حديثه: فبينما أنا أمشي سمعت صوتاً من السماء فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فجثثت منه رعباً فقلت زملوني زملوني فدثروني فأنزل الله عز وجل {يا أيها المدثر} إلى {والرجز فاهجر} تفسير : وفي رواية "حديث : فجئثت منه حتى هويت إلى الأرض فجئت إلى أهلي" تفسير : وذكره وفيه قال أبو سلمة الرّجز الأوثان قال ثم حمى الوحي بعد وتتابع. فإن قلت دل هذا الحديث على أن سورة المدثر أول ما نزل من القرآن، ويعارضه حديث عائشة رضي الله عنها المخرج في الصحيحين أيضاً في بدء الوحي، وسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى وفيه "حديث : فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: {اقرأ باسم ربك الذي خلق}، حتى بلغ - {ما لم يعلم} - فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده"تفسير : الحديث. قلت الصّواب الذي عليه جمهور العلماء أن أول ما نزل من القرآن على الإطلاق {اقرأ باسم ربك الذي خلق}، كما صرح به في حديث عائشة، وقول من قال إن سورة المدثر أول ما نزل من القرآن على الإطلاق ضعيف لا يعتد به، وإنما كان نزولها بعد فترة الوحي كما صرح به في رواية الزّهري عن أبي سلمة عن جابر، ويدل عليه أيضاً قوله في الحديث وهو يحدث عن فترة الوحي إلى أن قال وأنزل الله تعالى يا أيها المدثر ويدل عليه أيضاً قوله "حديث : فإذا الملك الذي جاءني بحراء ثم قال وأنزل الله تعالى: يا أيها المدثر" تفسير : وأيضاً قوله "ثم حمي الوحي بعد وتتابع" فالصواب إن أول ما نزل من القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة {أية : اقرأ باسم ربك الذي خلق} تفسير : [العلق: 1] وإن أول ما نزل بعد فترة الوحي سورة المدثر فحصل بهذا الذي بيناه الجمع بين الحديثين، والله أعلم قوله "فإذا هو قاعد على عرش بين السماء والأرض" يريد به السرير الذي يجلس عليه وقوله يحدث عن فترة الوحي، أي عن احتباسه وعدم تتابعه، وتواليه في النزول قوله "فجئثت منه" روى بجيم مضمومة ثم همزة مكسورة ثم ثاء مثلثة ساكنة ثم تاء الضّمير وروى بثاءين مثلثتين بعد الجيم، ومعناه فرعبت منه وفزعت. وقوله "وحمي الوحي بعد وتتابع" أي كثر نزوله، وازداد بعد فترته من قولهم حميت الشّمس والنّار إذا ازداد حرهما، وقوله وصبوا علي ماء فيه أنه ينبغي لمن فزع أن يصب عليه ماء حتى يسكن فزعه والله أعلم. وأما التّفسير فقوله عز وجل: يا أيها المدثر أصله المتدثر وهو الذي يتدثر في ثيابه ليستدفىء بها، وأجمعوا على أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما سماه مدثراً لقوله صلى الله عليه وسلم دثروني، وقيل معناه يا أيّها المدثر بدثار النّبوة والرّسالة من قولهم ألبسه الله لباس التقوى، فجعل النّبوة كالدثار واللباس، مجازاً {قم فأنذر} أي حذرهم من عذاب ربك إن لم يؤمنوا والمعنى قم من مضجعك ودثارك، وقيل قم قيام عز واشتغل بالإنذار الذي تحملته {وربك فكبر} أي عظم ربك عما يقوله عبدة الأوثان {وثيابك فطهر} فيه أربعة أوجه: أحدها أن ينزل لفظ الثّياب والتّطهير على الحقيقة، والثاني أن ينزل لفظ الثياب على الحقيقة والتطهير على المجاز والثالث أن ينزل لفظ الثّياب على المجاز، والتّطهير على الحقيقة والرابع أن ينزل لفظ الثّياب والتّطهير على المجاز. أما الوجه الأول: فمعناه وثيابك فطهر من النّجاسات والمستقذرات، وذلك أن المشركين لم يكونوا يحترزون عنها فأمر صلى الله عليه وسلم بصون ثيابه من النجاسات، وغيرها خلافاً للمشركين. الوجه الثاني: معناه وثيابك فقصر وذلك لأن المشركين كانوا يطولون ثيابهم ويجرون أذيالهم على النّجاسات وفي الثّوب الطّويل من الخيلاء والكبر والفخر ما ليس في الثوب القصير فنهى عن تطويل الثوب وأمر بتقصيره لذلك، وقيل معناه وثيابك فطهر عن أن تكون مغصوبة أو محرمة بل تكون من وجه حلال وكسب طيب. الوجه الثالث: معناه حمل الثوب على النفس قال عنترة: شعر : وشككت بالرمح الأصم ثيابه ليس الكريم على القنا بمحرم تفسير : يريد نفسه والمعنى ونفسك فطهر عن الذّنوب والرّيب وغيره وكنى بالثياب عن الجسد لأنها تشتمل عليه. الوجه الرابع: وهو حمل الثّياب والتّطهير على المجاز، فقيل معناه وقلبك فطهر عن الصّفات المذمومة، وقيل معناه وخلقك فحسن وسئل ابن عباس عن قوله، وثيابك فطهر فقال: لا تلبسها على معصية ولا غدر أما سمعت قول غيلان بن سلمة الثقفي: شعر : وإني بحمد الله لا ثوب فاجر لبست ولا من غدرة أتقنع تفسير : والعرب تقول في وصف الرّجل بالصّدق والوفاء هو طاهر الثّياب، وتقول لمن غدر إنه لدنس الثّوب، والسّبب في ذلك أن الثوب كالشّيء الملازم للإنسان فلهذا جعلوه كناية عن الإنسان كما يقال الكرم في ثوبه والعفة في أزاره، وقيل إن من طهر باطنه طهر ظاهره. وقوله تعالى: {والرجز فاهجر} يعني أترك الأوثان ولا تقربها وقال ابن عباس: اترك المآثم، وقيل الشّرك والمعنى اترك ما أجب لك العذاب من الأعمال والأقوال.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات {الرجز} بضم الراء: يزيد وسهل ويعقوب وحفص والمفضل والآخرون: بالكسر {تسعة عشر} بسكون العين لتوالي الحركات: يزيد والخراز عن هبيرة {إذا} بسكون الذال {أدبر} من الإدبار: نافع ويعقوب وحمزة وخلف وحفص والمفضل. الباقون {إذا} بالألف {دبر} من الدبور. {مستنفرة} بفتح الفاء: أبوجعفر ونافع وابن عامر والمفضل {تخافون} بتاء الخطاب: ابن مجاهد والنقاش عن أبي ذكوان {وما تذكرون} على الخطاب: نافع ويعقوب. الوقوف: {المدثر} ه لا {فأنذر} ه لا {فكبر} ه ك {فطهر} ه ك {فاهجر} ه ك {تستكثر} ه ك {فاصبر} ه ط وقد يجوز الوقوف على الآيات قبلها إلا على الأولى {الناقور} ه لا {عسير} ه {يسير} ه {وحيداً} ه لا {ممدوداً} ه ك {شهوداً} ه ك {تمهيداً} ه ك {أن أزيد} ه {كلا} ط {عنيداً} ه ط للإبتداء بالتهديد {صعوداً} ه ك للإبتداء بأن {وقدر} ه لا {قدر} ه لا {نظر} ه لا {وبسر} ه ك {واستكبر} ه ك {يؤثر} ه ك {البشر} ه {سقر} ه لا {ما سقر} ه ط لتناهي الإستفهام {ولا تذر} ه م لأن التقدير هي لواحة مع اتحاد المقصود {للبشر} ط للآية ولأن ما بعده من تمام المقصود {عشر} ه ط {ملائكة} ص لاتفاق الجملتين مع استقلال كل منهما بنفي واستثناء {كفروا} لا لتعلق اللام {والمؤمنون} لا لذلك {مثلاً} ط {ويهدي من يشاء} ط {إلا هو} ط {للبشر} ه قد يوصل على جعل {كلا} ردعاً والوقف على {البشر} دون {كلا} صواب لأنه تأكيد القسم بعدها {والقمر} ه {إذ أدبر} ه لا {أسفر} ه لا {الكبر} ه {للبشر} ه {يتأخر} ه ط {رهينة} ه لا {اليمين} ه ط على تقديرهم في جنات يتساءلون فيها. والوقف على {جنات} أولى لعدم الإضمار {سقر} ه {المصلين} ه {المسكين} ه {الخائضين} ه ك {الدين} ه لا {اليقين} ه {الشافعين} ه ج للإبتداء بالاستفهام به {معرضين} ه لا لأن ما بعده صفتهم {مستنفرة} ه ط {قسورة} ه ط {منشرة} ه ط {كلا} للردع عن الإرادة {الآخرة} لا على جعل {كلا} بمعنى حقاً تذكرة} ج للشرط مع الفاء {ذكره} ه {الله} ه {المغفرة} ه. التفسير: حديث : روى جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كنت على جبل حراء فنوديت يا محمد إنك رسول الله، فنظرت عن يميني ويساري فلم أر شيئاً، فنظرت فوقي فرأيت الملك قاعداً على عرش بين السماء والأرض فخفت ورجعت إلى خديجة فقلت: دثروني وصبوا عليّ ماء بارداً، ونزل جبرائيل وقال {يا أيها المدثر} تفسير : وروى الزهري مثله، وقريب منه ما قيل: إنه تحنث في غار حراء فقيل له {يا أيها المدثر} المغطى بدثار اشتغل بدعوة الخلق، فالسورة على هذا من أوائل ما نزل. وقيل: سمع من قريش ما كرهه كما يجيء حكايته عن الوليد فاغتنم فتغطى بثوبه مفكراً فأمر أن لا تدع إنذارهم وتصبر على أذاهم. وقيل: أراد يا أيها المدثر بدثار النبوة مثل لباس التقوى. والدثار ما فوق الشعار، والشعار الثوب الذي يلي الجسد قال صلى الله عليه وسلم "حديث : الأنصار شعار والنار دثار "تفسير : قوله {قم} أي من مضجعك أو قيام عزم وتصمم. وقوله {فأنذر} متروك المفعول لئلا يختص بأحد نحو " فلان يعطي " أي فافعل الإنذار وأوجده وقيل: أراد فحذر قومك من عذاب الله إن لم تؤمنوا. قوله {وربك فكبر} أي عظم ربك مما يقول عبدة الأوثان، أو من أن يأمرك بالإنذار من غير حكمة وصلاح عام. وعن مقاتل: وهو نفس التكبير. يروى أنه لما نزل قال النبي صلى الله عليه وسلم: الله أكبر فكبرت خديجة وفرحت وأيقنت أنه الوحي وقد يحمل على تكبير الصلوات ولا يبعد أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر صلوات مخصوصة والفاآت في {فكبر} وما يتلوها لتلازم ما قبلها وما بعدها كأنه قيل: مهما كان من شيء فلا تدع تكبيره. وقوله {وثيابك فطهر} في تفسيره وجوه أربعة: أحدها أن يترك كل من لفظي الثياب والتطهير على ظاهره. فعن الشافعي أن المراد الإعلام بأن الصلاة لا تجوز إلا في ثياب طاهرة من الأنجاس والأقذار ولا ريب أن هذا هو الأصل إلا أن في غير حال الصلاة أيضاً لا يحل إستعمال النجس أولا يحسن فقبح بالمؤمن الطيب أن يحمل خبثاً. وروي أنهم ألقوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم سلى شاة فرجع إلى بيته حزيناً وتدثر ثيابه فقيل {يا أيها المدثر قم فأنذر} ولا تمنعك تلك الناهية عن الإنذار. {وربك فكبر} عن أن لا ينتقم منهم {وثيابك فطهر} عن تلك النجاسات والقاذورات الثاني: الثياب حقيقة والتطهير كناية عن التقصير لان العرب كانوا يطولون ثيابهم ويجرون أذيالهم. وقال علي عليه السلام: قصر ثيابك فإنه أتقى وأبقى وأنقى. وقيل: تطهيرها أن لا تكون مغصوبة ولا محرمة بل تكون مكتبسة من وجه حلال. الثالث: عكسه فعبر عن الجسد بالثياب لاشتماله على النفس. وكان العرب لا يتنظفون وقت الإستنجاء فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتنظيف. الرابع: أن يكون كل من اللفظين مجازاً قال القفال: إنهم لما لقبوه بالساحر شق عليه ذلك فرجع إلى بيته وتدثر فكان ذلك إظهار جزع وقلة صبر فأمر بحسن الخلق وتهذيب الأخلاق أي طهر قلبك عن الصفات الذميمة كقطع الرحم وعزم الإنتقام والسآمة من الدعوة إلى دين الله لأجل أذى القوم. وهذا بعد منا سبته لخطابه بالمدثر مجاز مستعمل يقال: فلان طاهر الجيب نقي الذيل إذا كان بريئاً من المثالب. ويقال: المجد في ثوبيه والكرم في برديه وذلك أن الثواب كالشيء الملازم للإنسان فجعل طهارته كطهارته، ولأن الغالب أن من طهر باطنه طهر ظاهرة. وقيل: هو أمر بالإحتراز عن الآثام والأوزار التي كان يقدم عليها قبل النبوة. وهذا تأويل من حمل قوله {أية : ووضعنا عنك وزرك}تفسير : [الشرح: 2] على آثام الجاهلية: وقيل: معناه نساءك طهرهن. وقد يكنى عن النساء بالثياب هن لباس لكم. قوله {والرجز فاهجر} هو بالكسر والضم العذاب والمراد اهجر ما يؤدي إليه من عبادة الأوثان وغيرها أي أثبت على هجره مثل أهدنا، وهذا يؤكد تأويل من حمل قوله {وثيابك فطهر} على تحسين الأخلاق والإجتناب عن المعاصي {ولا تمنن تستكثر} لا تعط مستكثراً رائياً لما أعطيته كثيراً بل يجب أن تستحقرها وترى أن للأخذ حرمة عليك بقبول ذلك الإنعام، وهذا نهاية الكرم على أن الإستكثار ينبيء على المنة وهي مبطلة للعمل كما قال {أية : لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى} تفسير : [البقرة: 267] فقوله {تستكثر} مرفوع والجملة في موضع الحال منصوباً، ويجوز أن يكون الأصل لأن تستكثر فحذف اللام ثم " أن " وأبطل عملها كما روي " ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى" بالرفع. واختار أبو علي الفارسي الوجه الأول إلا أنه قال: تأويله لا تمنن مقدراً الإستكثار كما في قول القائل: مررت برجل معه صقر صائداً به غداً. وأقول: هذا التأويل مما لا حاجة إليه لأن طلب الكثرة مقرون بالإعطاء بخلاف الصيد غداً. وذهب جم غفير من المفسرين إلى أنه نهى عن الإستقراض وهو أن يهب شيئاً طامعاً في أن يأخذ أكثر منه فيكون نهى تنزيه لأنه جاء في الحديث " حديث : المستغزر يثاب من هبته " تفسير : ويجوز أن يكون نهي تحريم خاصاً برسول الله لأن منصبه يجل عن طلب الدنيا خصوصاً بهذا الوجه، ومنهم من حمله على الرياء فيكون نهي تحريم للكل والمن معنى. وقال القفال: يحتمل أن يكون المقصود النهي عن طلب العوض زائداً أو مساوياً أو ناقصاً. أما الزائدة فطاهر. وأما المساوي والناقص فلأن طالب العوض كاره أن ينتقص المال بسبب العطاء فكأنه يطلب الكثرة. ويجوز أن يقال: إنما حسنت هذه الإستعارة لأن الغالب أن الثواب يكون زائداً على العطاء فسمي طلب الثواب إستكثاراً حملاً للشيء على أغلب أحواله، وكما أن الأغلب أن المرأة ذات الولد إنما تتزوج للحاجة إلى من يربى ولدها فسمي الولد ربيباً، ثم اتسع ولد المرأة ربيباً. وإن كان كبيراً خارجاً عن حد التربية أمر صلى الله عليه وسلم أن يكون عطاؤه خالياً عن انتظار العوض والتفات النفس إليه كيف كان حتى يقع خالصاً لوجه الله ويكون صابراً محتسباً. وعن الحسن وغيره أنه لما أمره الله بإنذار القوم وتكبير الرب وتطهير الثياب وهجران الرجز قال {ولا تمنن} على ربك بهذه الأعمال الشاقة كالمستكثر لما تفعله بل اصبر على ذلك كله ويؤكده قوله بعد ذلك {ولربك فاصبر} أي استعمل الصبر في مظانه خالصاً لوجه ربك وقيل: لا تمنن على الناس بما تعلمهم من أمر الدين والوحي كالمستكثر لذلك بأمر الله. وقيل: لا تمنن عليهم بنبوتك لتستكثر أي لتأخذ منهم على ذلك أجراً فيكثر مالك. وقال مجاهد: لا تمنن أي لا تضعف من قولك " حبل من " أي ضعيف ومنه " منّه السير " أي أضعفه. والمعنى لا تضعف أن تستكثر من هذه الأوامر ووجه الرفع ما مر في قوله " أحضر الوغى" قوله {فإذا نقر} الفاء للتسبيب كأنه قال: اصبر على التكاليف المعدودة وعلى أذى المشركين فبين أيديهم يوم عسير يلقون فيه عاقبة أذاهم وتلقى عاقبة صبرك والفاء في {فذلك} للجزاء. وانتصب {إذا} بما دل عليه الجزاء لأن المعنى: فإذا نقر في الناقور عسر الأمر على الكافرين " فاعول " من النقر كالهاضوم من الهضم، يشبه أن يكون البناء للآلة لأن الهاضوم ما به يهضم. فالناقور ما ينقر به وهو الصور باتفاق المفسرين، فكأنه آلة النقر أي النفخ وذلك أن النفخ سبب حدوث الصوت في المزامير كما أن النقر سبب الحدوث في الآلات ذوات الأوتار. قال الجوهري في الصحاح {فإذا نقر في الناقور} أي نفخ في الصور. وقد يلوح من كلام الإمام فخر الدين الرازي في التفسير الكبير أن النقر غير النفخ. وهكذا من كلام الحليمي في كتاب " المنهاج " وذلك أنه قال: جاء في الأخبار أن في الصور ثقباً بعدد الأرواح كلها فإذا نفخ فيه للإصعاق جمع بين النقر و" النفخ " لتكون الصيحة أهول وأعظم. وإذا نفخ فيه للإحياء لم ينقر فيه. واقتصر على النفخ لأن المراد إرسال الأرواح من ثقب الصور إلى أجسادها ويظهر من فحوى كلامه أنه حمل هذا النقر على أنه مقرون بالنفخة الأولى بعد أن أثبت المغايرة. ومن المفسرين من ذهب إلى أن النفخة الثانية أهول لأنه سبحانه أخبر أن ذلك الوقت شديد على الكافرين، والإصعاق ليس بشديد عليهم ولذلك يقولون {أية : يا ليتها كانت القاضية}تفسير : [الحاقة: 27] أي يا ليتنا بقينا على الموتة الأولى. قلت: لا دليل في هذا لأن الإصعاق شديد عليهم لا محالة، ثم إذا جاءت النفخة الثانية رأوا من الأهوال ما تمنوا حالة الإصعاق. أو نقول: مبدأ الشدة من حين الإصعاق ثم يصير الأمر بعد ذلك أشد لأنهم يناقشون في الحساب وتسود وجوههم وتتكلم جوارحهم إلى غير ذلك من القبائح والأهوال، فلذلك يحتمل أن يكون إشارة إلى النقر ويتم الكلام بتقدير مضاف أي {فذلك} النقر {يومئذ} نقر {يوم عسير} فالعامل في {يومئذ} هو النقر. ويجوز أن يكون إشارة إلى اليوم و {يومئذ} مبني على الفتح ولكنه مرفوع المحل بدلاً منه كأنّه قيل: فيوم النقر يوم عسير وقوله {غير يسير} تأكيد كقولك " أنا محب لك غير مبغض" وفائدته أن يعلم أن عسرة على الكافرين ولا يرجى زواله كما يرجى تيسير العسير من أمور الدنيا، أو يراد أنه عسير على الكل لأن أكثر الأنبياء يقول: نفسي نفسي والولدان يشيبون إلا أن الكافر يختص بمزيد العسر بحيث يكون اليسر منفياً عنه رأساً ويعلم هذا من تقديم الظرف. روى المفسرون أن الوليد بن المغيرة الخزومي وجماعة من صناديد قريش كأبي جهل وأبي لهب وأبي سفيان والنضر بن الحارث وأمية بن خلف والعاصي بن وائل اجتمعوا وقالوا: إن وفود العرب يجتمعون في أيام الحج ويسألوننا عن أمر محمد فكل منا يجيب بجواب آخر؛ فواحد يقول مجنون. وآخر يقول: كاهن وآخر يقول: شاعر فتستدل العرب باختلاف الأجوبة على كون هذه الأجوبة باطلة، فهلموا نجتمع على تسمية محمد باسم واحد. فقال واحد: إنه شاعر فقال الوليد: سمعن كلام عبيد بن الأبرص وكلام أمية بن أبي الصلت وكلامه ما يشبه كلامهما. فقال الآخر. وهو كاهن. فقال الوليد: إن الكاهن يصدق تارة ويكذب أخرى ومحمد ما كذب قط. فقال آخر: إنه مجنون فقال الوليد: المجنون يخيف الناس وما يخيف محمد أحداً قط فقام الوليد وانصرف إلى بيته فقال الناس: صبأ الوليد فدخل أبو جهل وقال: مالك يا أبا عبد شمس؟ هذه قريش تجمع لك شيئاً زعموا أنك احتجت وصبأت فقال الوليد: مالي إليه حاجة ولكني فكرت في أمر محمد فقلت: إنه ساحر لأنه يفرق بين الرجل ووالده ومواليه وما الذي يقوله إلا سحر يأثره عن مسيلمة وعن أهل بابل. فأجمعوا على تلقيب محمد صلى الله عليه وسلم بهذا اللقب وفرحوا بذلك وعجبوا عن كياسته وفكره ونظره ثم إنهم خرجوا ونادوا بمكة إن محمداً لساحر، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك اشتد عليه ورجع إلى بيته حزيناً فتدثر بقطيفة وأنزل الله تعالى {يا أيها المدثر قم فأنذر} الآية. ثم إنه هدد الوليد وسلى نبيه بقوله {ذرني ومن خلقت وحيداً} وهو كقوله في المزمل {أية : فذرني والمكذبين}تفسير : [الآية: 11] وقوله {وحيداً} من غير شكة أحد أو من " مفعول " خلقت المحذوف أي خلقته وهو وحيد فريد لا مال له ولا ولد. ويجوز أن يكون نصباً على الذم والمراد أذم وحيداً بناء على أن الوليد كان يلقب بالوحيد فإن كان علماً فلا إشكال، وإن كان صفة على ما روى أنه كان يقول أنا الوحيد بن الوحيد ليس لي في العرب نظير ولا لأبي نظير، وهو إستهزاء به وتهكم بحسب ظنه واعتقاده نحو {أية : ذق أنك أنت العزيز الكريم} تفسير : [الدخان: 49] فيفيد أنه ليس وحيداً في العلو والشرف ولكنه وحيد في الخبث والدناءة والكفر. وقيل: إن {وحيداً} مفعول ثان قال أبو سعيد الضرير: الوحيد الذي لا أب له فيكون طعناً في نسبه كما في قوله {أية : عتل بعد ذلك زنيم}تفسير : [ن: 13] وفي المال الممدود وجوه أظهرها أنه المال الذي يكون له مدد يأتي منه الخير بعد الخير على الدوام كالزرع والضرع وأنواع التجارات، ولهذا فسره عمر بن الخطاب بغلة شهر بشهر. وقال ابن عباس: هو ما كان له بين مكة والطائف من صنوف الأموال.وعلى هذا يكون المال الممدود إما بمعنى المدد كما قلنا، أو بمعنى امتداد مكانه. وقريب منه ما روى مقاتل أنه كان له بستان بالطائف لا تنقطع ثماره صيفاً ولا شتاءً. ومن المفسرين من قدر المال الممدود فقال: ألف دينار أو أربعة آلاف أو تسعة آلاف أو ألف ألف فهذه تحكمات لا أصل لها إلا أن تكون رواية صحيحة أن مال الوليد على أحد هذه الأعداد وحينئذ يمكن أن يقال: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وفي قوله {وبنين شهوداً} وجوه: أحدها أنهم حضور معه بمكة لا يفارقونه لاستغنائهم عن الكسب وطلب المعاش فهو مستأنس بهم يغر محزون بفراقهم. الثاني أنهم رجال يشهدون معهم بمكة في المجامع والمحافل. الثالث أنهم من أهل الشهادات في الحكومات يسمع قولهم ويعتد بهم. وأما عددهم فعن مجاهد: عشرة وقيل: ثلاثة عشر وقيل: سبعة كلهم رجال: الوليد بن الوليد وخالد وعمارة وهشام والعاص وقيس وعبد شمس. قال جار الله: أسلم منهم ثلاثة: خالد وهشام وعمارة. قلت: إنه أبقى الوليد بن الوليد في حوزة الكفرة وهو مسلم حسن الإسلام مشهور الصحبة كما ذكره رشيد الدين الوطواط في رسالته، وصاحب سر السلف سيد الحفاظ أبو القاسم فيه أن الوليد بن الوليد ابن المغيرة كان من المستضعفين حبسه المشركون فدعا النبي صلى الله عليه وسلم في قنوته: اللهم أنج الوليد ابن الوليد وعياش بن أبي ربيعة وسلمة بن هشام. ثم قدم المدينة فتوفى بها فكفنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قميصه وكانت أم سلمة تندبه. شعر : أبكى الوليد بن الوليد بن المغيرة أبكى الوليد بن الوليد أخا العشيرة تفسير : وقال ابن الأثير في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤلف كتاب " جامع الأصول ": هو الوليد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشي أخو خالد بن الوليد، أسر يوم بدر كافراً وفداه أخواه خالد وهشام، فلما فدى أسلم فقيل له: هلا أسلمت قبل أن تفتدي؟ فقال: كرهت أن تظنوا أني أسلمت جزعاً من الإسار فحبسوه بمكة وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو له في القنوت مع من يدعو له من المستضعفين بمكة ثم أفلت من أيديهم ولحق بالمدينة. والعجب من جار أنه ذكر في سورة الزمر في تفسيره قوله {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم} أن الوليد أسلم وأسلم معه نفر هاجروا ثم إنه أبقاه ههنا في بقية الكفار. قوله {ومهدت له تمهيداً} أي وبسطت له الجاه العريض والرياسة في قومه فأتممت عليه نعمتي المال والجاه، واجتماعهما هو الكمال عند أهل الدنيا حتى جعلوه دعاء الخير فيما بينهم قائلين " أدام الله تأييدك وتمهيدك " أي بسطتك وتصرفك في الأمور. وكان الوليد من وجهاء قريش وصناديدهم ولذلك لقب بالوحيد وريحانة قريش. ومعنى " ثم " في قوله {ثم يطمع أن أزيد} استبعاد وتعجب من طمعه وحرصه على الزيادة بعد أن لم يعرف حق بعض ما أوتي. قال الكلبي ومقاتل: ثم يرجو أن أزيد في ماله وولده وقد كفر بي. وقيل: إن تلك الزيادة في الآخرة كأن يقول إن كان محمد صادقاً فما خلقت الجنة إلا لي. ثم قال الله تعالى {كلا} حتى افقتر ومات فقيراً. ثم علل الرجع على وجه الاستئناف كأن قائلاً قال: لم لا يزداد؟ فقال: لأنه {كان لآياتنا عنيداً} معانداً والكافر لا يستحق المزيد ولا سيما إذا كان كفره أفحش أنواعه وهو كفر العناد، ومما يدل على أن كفره كفر عناد بعدما حكينا عنه ما روي أن الوليد مر برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ حم السجدة فرجع وقال لبني مخزوم: والله لقد سمعت آنفاً من محمد كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن. إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يعلى، ولا ريب أن من عرف هذا القدر ثم زعم أن القرآن سحر فإنه يكون معانداً، والعنيد هو الذي كان العناد خلقه وديدنه فلشدة عناده وصفه الله تعالى به. وتقديم الظرف يدل على أن عناده كان مختصاً بآيات الله وإن كان تاركاً للعناد في سائر الأمور. وفي جمع الآيات إشارة إلى أنه كان منكراً للتوحيد والنبوة والبعث وغير ذلك من دلائل الدين ومعجزاته ولهذا أوعده الله سبحانه أشد الوعيد قائلاً {سأرهقه صعوداً} أي سأصعده عقبة شاقة المصعد وفيه قولان: أحدهما الظاهر وهو ما روي عن النبي "حديث : الصعود جبل من نار يصعد فيه خمسين خريفاً ثم يهوي فيه كذلك أبداً " تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم "حديث : يكلف أن يصعد عقبة من النار كلما وضع عليها يده ذابت فإذا رفعها عادت وإذا وضع رجله ذابت فإذا رفعها عادت "تفسير : الثاني إنه مثل لما سيلقى من العذاب الشاق الصعب الذي لا يطاق كما مر في قوله {أية : يسلكه عذاباً صعداً}تفسير : [الجن: 17] ثم فسر كيفية عناده بقوله {إنه فكر} ماذا يقول في القرآن {وقدر} في نفسه كلاماً {فقتل كيف قدر} وهذا الكلام مما ينطق به العرب عند التعجب والإستعظام يقولون: قتله الله ما أشجعه. وقاتله ما أشعره، وأخزاه ما أظرفه. والمراد أنه قد بلغ المبلغ الذي حق له أن يحسد فيدعى عليه . والمعنى في الآية التعجب من قوة خاطره. أنه كيف استنبط هذه الشبهة في أمر محمد صلى الله عليه وسلم بحيث وافق غرض قريش كما حكينا وهي بالحقيقة ثناء على طريق الإستهزاء. ومعنى {ثم} الداخلة في تكرير الدعاء الدلالة على أن التعجب في الكرة الثانية أبلغ من الأولى، أو هي حكاية لما كرره من قوله تعالى {قتل كيف قدر} ويجوز أن يكون التقدير الأخير تقديراً للتقدير أي ينظر فيه بتمام الإحتياط فهذا ما يتعلق بأحوال قلبه. ثم وصفه بأحوال ظاهره قائلاً {ثم نظر} في وجوه القوم {ثم عبس وبسر} قال الليث: عبس عبوساً إذا قطب ما بين عينينه فإن أبدى عن أسنانه في عبوسه قيل: كلح {واستكبر} عن الإيمان ويحتمل أن يقال: قدر ما يقوله ثم نظر فيه احتياطاً والدعاء بينهما اعتراض، ثم قطب في وجه النبي ثم أدبر عن الحق واستكبر عنه. ومعنى " ثم " في هذه الأفعال سوى فعل الدعاء الثاني المهلة. والفاء في قوله تعالى {فقال} للدلالة على أنه كما تولى واستكبر ذكر هذه الشبهة، أو أن الكلمة لما خطرت بباله بعد التفكر لم يتمالك أن نطق بها من غير تراخ. وقوله {يؤثر} من الأثر بالسكون الرواية كما مر أو من الإيثار أي هو مختار على جميع أنواع السحر. قوله {إن هذا إلا قول البشر} جار مجرى التوكيد من الجملة الأولى ولهذا لم يتوسط العاطف بينهما. أراد بذلك أنه ملفوظ من كلام غيره. ومن تأمل في هاتين الجملتين عرف أنه حكاية كلام مفتخر غير خاف عليه وجوه الحيل ودفع الحق الصريح ولذلك جازاه الله بقوله {سأصليه سقر} ولعله بدل من قوله {سأرهقه صعوداً} ثم قال {وما أدراك ما سقر} والمراد التهويل: ثم بينه بقوله {لا تبقي ولا تذر} قال بعضهم: معناهما واحد والتكرير للمبالغة. وقال آخرون: لا بد من الفرق: فروى عطاء عن ابن عباس أنها لا تبقي من الدم واللحم والعظم شيئاً فإذا أعيدوا خلقاً جديداً فلا تترك إحراقهم وهكذا أبداً. وقيل: لا تبقي من المستحقين للعذاب إلا عذبتهم، ثم لا تذر من أبدان أولئك المعذبين شيئاً إلاّ أحرقته. وقيل: لا تبقى على شيء ولا تذر من قوتها شيئاً إلا استعملته والتقدير هي لا تبقى بدليل قوله خبراً بعد خبر {لواحة} ويجوز أن يكون هذا خبراً لمبتدأ آخر. قال أكثر المفسرين: هي من لاحه العطش ولوحه أي غيره وذلك أنها تسود البشرة وهي أعلى الجلود بإحراقها. واعتراض الحسن والأصم بأن وصفها بالتغيير لا يناسب بعد قوله {لا تبقى ولا تذر} نعم لو عكس الترتيب لاتجه لأنها تغير البشرة أولاً ثم تفنيها، فمعنى لواحة لماعة من لاح البرق ونحوه يلوح إذا لمع والبشر بمعنى الإنسان وذلك أنها تظهر لهم من مسيرة خمسمائة عام. ثم بين أن عدد الخزنة الموكلين عليها {تسعة عشر} فترك المميز فقيل صنفاً. والأكثرون شخصاً مالك وثمانية عشر أعينهم كالبرق وأنيابهم كالصياصي يجرون أشعارهم يخرج اللهب والنار من أفواههم، ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة يسع كف أحدهم مثل ربيعة ومضر، نزعت الرأفة والرحمة منهم يأخذ أحدهم سبعين ألفاً في كفه ويرميهم حيث أراد من جهنم. وذكر العلماء في تخصيص هذا العدد وجوها فقال المتشرعون: هذا مما لا يصل إليه عقول البشر كأعداد السموات والأرضين والكواكب وأيام السنة والشهور.وكأعداد الزكاة والكفارات والصلوات. وقيل: إن العدد على وجهين: قليل وهو من الواحد إلى التسعة، وكثير وهو من العشرة إلى ما لا نهاية، فجمع بين نهاية القليل وبداية الكثير. وقيل: إن ساعات اليوم بليلته أربع وعشرون، خمس منها تركت لأجل الصلوات الخمس والباقية لكل منها يعذب من يضيعها في غير حق الله. وقيل: إن أبواب جهنم سبعة، وله للفساق زبانية زبانية واحدة بسبب ترك العمل، ولكل من الأبواب الباقية ثلاثة أملاك لأن الكفار يعذبون لأجل أمور ثلاثة: ترك الاعتقاد وترك الإقرار وترك العمل. قال الحكيم: إن فساد النفس الإنسانية في قوتها النظرية والعملية هو بسبب استعماله القوى الحيوانية والطبيعية لا على وجهها. والقوى الحيوانية الشهوة والغضب. والحواس الخمس الظاهرة والخمس الباطنة. والماسكة والهاضمة والدافعة والغاذية والنامية والمولدة، فلما كان منشأ الإفادة هذه القوى التسع عشر لا جرم كان عدد الزبانية كذلك. يروى أنه لما نزلت الآية قال أبو جهل لقريش: ثكلتكم أمهاتكم أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل منهم؟ فقال المسلمون: ويحكم أتقاس الملائكة بالحدادين أي السجانين؟ وجرى هذا مثلاً في كل شيئين لا يسوىّ بينهما وأنزل الله تعالى {وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة} أي وما جعلناهم رجالاً من جنسكم يطاقون ويرحمون فإن الجنسية مظنة الرأفة ولذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم من جنس الأمة ليكون بهم رؤفاً رحيماً. ولا استبعاد في كون الملائكة في النار غير معذبين بناء على القول بالفاعل المختار، ولعلهم غلبت عليهم النارية فصارت لهم طبعاً كالحيوانات المائية. وقوله {وما جعلنا عدتهم إلا فتنة} الآية. هو على مذهب أهل السنة ظاهر، وأما على أصول المعتزلة فقال الجبائي: المراد بالفتنة تشديد التعبد، استدلوا به على كمال قدرة الله تعالى وقال الكعبي: هي الإمتحان فيؤمن المؤمن بالمتشابه ويفوض حكمة التخصيص بهذا العدد إلى الخالق، والكافر يعترض عليه. وقال: بعضهم: أراد ما وقعوا فيه من الكفر بسبب إنكارهم والتقدير إلا فتنة على الذين كفروا، وحاصله يرجع إلى ترك الألطاف. وأجيب عن هذه التأويلات بأن تنزيل المتشابهات لا بد أن يكون له أثر في تقوية داعية الكفر وإلا كان إنزالها كلا إنزال. ومع هذا الترجيح لا يحصل الإيمان ألبتة وهو المعنى بالإضلال. واعلم أن في الآية دلالة على أنه سبحانه جعل افتتان الكافر بعدد الزبانية سبباً لأمور أربعة: أولها {ليستيقن} ثانيها {ويزداد} ثالثها {ولا يرتاب} رابعها {وليقول} وفيه إشكال. قال جار الله: ما جعل افتتانهم بالعدد سبباً ولكنه وضع {فتنة} موضع {تسعة عشر} تعبيراً عن المؤثر باللفظ الدال على الأثر تنبيهاً على أن هذا الأثر من لوازم ذلك المأثر. وقال آخرون: تقديره وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للكافرين وإلا ليستيقن كما يقال: فعلت كذا لتعظيمك ولتحقير عدوك. قالوا: والعاطف يذكر في هذا الموضع تارة ويحذف أخرى. وأما سبب إستيقان أهل الكتاب فهو أنهم قرؤا هذا العدد في كتابهم ولكنهم ما كانوا واثقين لتطرق التحريف إلى كتابهم. فلما سمعوا ذلك في القرآن تيقنوا بصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه أخبرهم بما في كتابهم من غير سابقة دراسة وتعلم. ولأنه أخبر كفار قريش بهذا الأمر الغريب من غير مبالاة باستهزائهم وتكذيبهم فعرفوا أنه من قبيل الوحي وإلا لم يجترىء على التكلم به خوفاً من السخرية. وأما زيادة إيمان المؤمنين فحمل على آثاره ولوازمه ونتائجه. وأما نفي الارتياب عن أهل الكتاب والمؤمنين بعد إثبات الاستيقان وزيادة الإيمان لهم فمن باب التوكيد كأنه قيل: حصل لهم يقين جازم بحيث لا يحصل بعده شك وريب. فإن الذي حصل له اليقين قد يغفل عن مقدمة من مقدمات الدليل فيعود له الشك. وفيه أيضاً تعريض بحال من عداهم كأنه قيل: وليخالف حالهم حال المرتابين من أهل الزيغ ولكفران، وأما الذين في قلوبهم مرض فهم أهل النفاق الذين أحدثوا بعد ذلك لأن السورة مكية ولم يكن بمكة نفاق وإنما حدث بالمدينة، ففي الآية إخبار بالغيب وقد وقع مطابقاً فكان معجزاً. واللامات في الأمور الأربعة للغاية عند الأشاعرة، والمعتزلة يسمونها لام العاقبة وقد مر في مواضع. وقوله {ماذا أراد الله بهذا مثلاً} إلى قوله {من يشاء} قد مر في " البقرة". وجعل مثل هذا العدد مثلاً لغرابته حيث لم يقل عشرين وسواه والمعنى أي شيء أراد الله بهذا العدد العجيب مع أنهم منكرون له من أصله. والكاف في {كذلك} منصوب المحل أي مثل ذلك المذكور من الإضلال والهدى يضل ويهدي. قوله {وما يعلم جنود ربك} إشارة إلى أن ما عليه عدد الخزنة لا يعلم حكمته ولا حكمة ما عليه كل جند من العدد إلى حين الأبد إلا الله سبحانه كما يقوله أهل الحق وقد مر. وقيل: إن القوم قد استقلوا ذلك العدد فقال تعالى في جوابهم: هبوا أن هؤلاء تسعة عشر إلا أن لكل واحد من الأعوان والجنود ما لا يحصيهم إلا الله {وما يعلم جنود ربك} لفرظ كثرتها {إلا هو} فلا يعسر عليه تتميم الخزنة عشرين وأزيد ولكن له في هذا العدد حكمة اختص هو بمعرفتها. قوله {وما هي إلا ذكرى} متصل بوصف سقر. وقوله {وما جعلنا أصحاب النار} إلى ههنا اعتراض أي وما سقر وصفتها إلا موعظة للناس. ويحتمل أن يعود الضمير إلى هذه الآيات المشتملة على هذه المتشابهات وهي ذكرى لجميع العالمين وإن لم ينتفع بها إلا أهل الإيمان وقوله {كلا} قيل: إنكار لأن يكون للكفار ذكرى لأنهم لا يتذكرون أو ردع لمن ينكر أن تكون إحدى الكبر نذيراً، أو ردع لقول أبي جهل وأصحابه أنهم يقدرون على مقاومة خزنة النار، أو ردع لهم عن الإستهزاء بالعدة المخصوصة. وقد مر أنه يجوز أن يكون بمعنى حقاً تأكيداً للقسم بعده. قال الفراء: دبر وأدبر بمعنى واحد كقبل وأقبل. روى بعضهم أن ابن عباس كان يعيب قراءة الثلاثي ويقول: إنما يدبر ظهر البعير. وفي صحة الرواية نظر لأن القراآت السبع كلها متواترة. قال الواحدي: والقراءتان عند أهل اللغة سواء ومنه أمس الدابر. وعلى هذا يكون دبور الليل وإدباره وإسفار الصبح أي إضاءته كشيء واحد. قال أبو عبيدة وابن قتيبة: هو من دبر الليل النهار إذا خلفه. ثم قال {إنها} أي إن سقر التي جرى ذكرها {لإحدى} البلايا أو الدواهي {الكبر} جمع الكبرى. قال جار الله: جعلت ألف التأنيث كتائها فكما جمعت " فعلة " على " فعل " جمعت " فعلى " عليه. ونظير ذلك" السوافي " في جمع " السافياء " وهو التراب الذي يسفيه الريح. " والقواصع " في جمع " القاصعاء " كأنها فاعلة. وقال المفسرون: المراد من الكبر دركات جهنم وهي سبع: جهنم ولظى والحطمة وسعير وسقر والجحيم والهاوية. فعلى هذا معنى كون سقر إحداهن ظاهر. وقال أهل المعاني: أراد أنها من بين الدواهي واحدة في العظم لا نظير لها {ونذيراً} تمييز من إحدى أي إنها لإحدى الدواهي إنذاراً كما تقول: هي إحدى النساء عفافاً وقيل {نذيراً} حال ومن غريب التفسير أن {نذيراً} متصل بأول السورة أي قم فأنذر نذيراً. ثم قال {لمن شاء} السبق أو هو خبر وما بعده وهو {أن يتقدم أو يتأخر} مبتدأ كقولك لمن توضأ أن يصلي أنه مطلق لمن شاء السعي إلى الخير أو التخلف عنه. " أو " للتهديد كقوله {أية : فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} تفسير : [الكهف: 29] ويجوز أن يكون {لمن شاء} بدلاً من قوله {للبشر} أي إنها منذرة للذين إن شاؤا تقدموا ففازوا وإن شاؤا تأخروا فهلكو. واستدلال المعتزلة على أن العبد مختار ظاهر، والأشاعرة يحملونه على التهديد أو على أن فاعل شاء هو الله سبحانه أي لمن شاء الله منه التقدم أو التأخر. سلمنا أن الفاعل ضمير عائد إلى من لكن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله لقوله {وما تشاؤن إلا أن يشاء الله}. ثم أكد المعنى المتقدم بقوله {كل نفس بما كسبت رهينة} أي ليس لامرىء إلا جزاء عمله كما مر نظيره في " الطور " قال النحويون: التاء في رهينة ليست للتأنيث لأن " فعيلاً " بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث، وإنما هي إسم بمعنى الرهن كالشتيمة بمعنى الشتم. وأقول أيضاً: يحتمل أن تكون التاء للمبالغة {إلا أصحاب اليمين} فإنهم فكوا رقابهم عن الرهب بسبب أعمالهم الحسن كما يخلص الراهن رهنه بأداء الحق. قال الكلبي: هم الذين كانوا على يمين آدم. وقال ابن عباس: هم الملائكة. وعن علي عليه السلام وابن عمر: هم الأطفال. قال الفراء: هذا القول أشبه بالصواب لأن الولدان لم يكتسبوا إثماً يرتهنون به، ولأنه تعالى ذكر فيهم أنهم يتساءلون عن حال المجرمين وهذا إنما يليق بالولدان الذين لايعرفون موجب دخول النار والأولون حملوا السؤال على التوبيخ والتخجيل. قال في الكشاف: معنى التساؤل عنهم أنهم يسأل بعضهم بعضاً عن حالهم. أو يتساءلون غيرهم عنهم كقولك " دعوته أنا وتداعيناه نحن ". ثم زعم أن الوجه في قوله {ما سلككم} على الخطاب مع أن سياق الكلام يقتضي الغيبة هو أنه حكاية قول المسؤلين لأن المسؤلين يلقون إلى السائلين ما جرى بينهم وبين المجرمين فيقولون قلنا لهم ما سلككم {في سقر} وقال غيره: المراد أن أصحاب اليمين كانوا يتساءلون عن المجرمين أين هم، فلما رأوهم قالوا لهم ما سلككم؟ وأقول: ولو فرض التكلم مع المجرمين زال الإشكال أي يتساءلون عن حال المجرمين أي عن حال أنفسهم وليس فيه إلا وضع المظهر مكان الضمير. وهذا التكرار مما جاء في القرآن وغيره من فصيح الكلام شائعاً ذائعاً كقوله {أية : فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا} تفسير : [الأعراف: 162] " أن يسألوا الحق يعطي الحق سائله". وإذا جاز ذلك مع التصريح بهما فكيف لم يجز وأحدهما محذوف؟ وهذا من غرائب نظم القرآن وفصاحته غير بعيد، والمعنى ما أدخلكم في هذه الدركة من النار؟ فأجابوا بأن ذلك لأمور أربعة: أحدها ترك الصلاة، والثاني ترك إطعام المسكين. قال العلماء: يجب أن يحمل هذان على الصلاة والصدقة الواجبتين وإلا لم يجز العذاب على تركهما. الثالث الشروع في الأباطيل مع أهلها كإيذاء أهل الحق وكل ما لا يعني المسلم. الرابع التكذيب بالبعث والجزاء إلى حين عيان الموت وأمارات ظهور نتائج أعمال المكلف عليه، وقد يستدل بالآية على أن الكفار معذبون بفروع الشرائع كما يعذبون بأصولهما كالتكذيب بيوم الدين. وإنما أخر لأنه أعظم الذنوب أي إنهم بعد ذلك كله يكذبون بهذا الأصل كقوله {أية : ثم كان من الذين آمنوا} تفسير : [البلد: 17] ويجوز أن يكون سبب التأخير أنه آخر الأصول فأوّلها المبدأ وآخرها المعاد. وأيضاً أراد أن يرتب عليه قوله {حتى أتانا اليقين} وهو آخر حالات المكلف فلو قدم لم يحسن معنى ولا لفظاً لوقوع الفصل بين المعطوفات. قال في الكشاف: يحتمل أن كل واحد منهم دخل النار لمجموع هذه الأربع، أو دخلها بعضهم ببعضها والباقون بسائرها أو بكلها. قلت: إنهم جميعاً مستوون في الدركة والظاهر أنهم دخلوها بمجموع الأمور، ثم بين غاية خسرانهم بقوله {فما تنفعهم شفاعة الشافعين} وفيه دليل على أن غيرهم تنفعهم الشفاعة وذلك لغير الفساق عند المعتزلة، وفائدة الشفاعة زيادة درجاتهم أو العفو عن صغائرهم، ثم وبخهم بقوله {فمالهم عن التذكرة} أي عن القرآن الذي هو سبب الموعظة {معرضين} حال نحو مالك قائماً {كأنهم حمر مستنفرة} من قرأ بكسر الفاء فمعناه الشديدة النفار كأنها تطلب النفار من نفوسها، وفي تشبيههم بالحمر مذمة ظاهرة ونداء عليهم بالبلادة والغباوة وعدم التأثر من مواعظ القرآن بل صار ما هو سبب لاطمئنان القلوب موجباً لنفرتهم، ولا ترى مثل نفار حمير الوحش ولا سيما إذا رابها ريب ولهذا وصف الحمر بقوله {فرت من قسورة} وهى إسم جمع للرماة أو إسم جنس للأسد وهو القهر والغلبة، وقال ابن عباس: هي ركز الناس وأصواتهم. وعن عكرمة: ظلمة الليل. ومن قرأ بفتح الفاء فهي المحمولة على النفار. ورجح بعضهم قراءة الكسر بناء على أن الفرار يناسب النفار. ذكر المفسرون أنهم قالوا لرسول الله: لا نتبعك حتى تأتي لكل واحد منا بكتب من السماء بصحف عنوانها من رب العالمين. إلى فلان ابن فلان نؤمر فيها باتباعك. وروى بعضهم أنهم قالوا: إن كان محمداً صادقاً فليصبح عند رأس كل رجل منا صحيفة فيها براءة وأمنة من النار فأنكر الله تعالى فقال: {بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتي صحفاً منشرة} أي قراطيس منتشرة تقرأ كسائر الصحف، أو منتشرة على أيدي الملائكة أنزلت ساعة كتبت قبل أن تطوى. وقيل: كانوا يقولون: بلغنا أن بني إسرائيل كان الرجل منهم يصبح مكتوباً على رأسه ذنبه وكفارته فائتنا بمثل ذلك. فعلى هذا المراد بالصحف الكتابات الظاهرة المكشوفة. ثم زجرهم عن اقتراح الآيات فقال {كلا بل لا يخافون الآخرة} فلذلك أعرضوا عن التذكرة. ثم وصف القرآن بأنه موعظة بليغة وتذكر شاف {فمن شاء ذكره} وتذكير الضمير ههنا وفي إنه بتأويل الذكر أوالقرآن. ثم بين السبب الأصلي في عدم التذكرة قائلاً {وما يذكرون إلا أن يشاء الله} واستدلال الأشعري به ظاهر، والمعتزلة حملوه على مشيئة القسر والإلجاء. ثم ختم السورة بذكر ما ينبىء عن كمال الهيبة وهو صفة القهر الذي بسببه يجب أن يتقى، وصفه اللطف الذي به يجب أن يرجى، والله الموفق للصواب وإليه المصير والمآب.
الثعالبي
تفسير : قوله عز وجل: {يَٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ} الآيةَ، اخْتُلِفَ في أول ما نزل من القرآن، فقال الجمهورُ هو: {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ} وهذَا هو الأَصَحُّ، وقال جابرٌ وجماعةٌ هو: {يَٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ}، * ص *: والتَّدَثَّرُ: لُبْسُ الدِّثَارِ، وهو الثَّوْبُ الذي فَوْقَ الشِّعَارِ، والشِّعَارُ الثَّوبُ الذي يلي الجَسَدَ؛ ومنه قوله: ـــ عليه السلام ـــ: «حديث : الأَنْصَارُ شِعَارٌ، وَالنَّاسُ دِثَارٌ» تفسير : انتهى. وقوله تعالى: {قُمْ فَأَنذِرْ} بَعْثَةٌ عامةٌ إلى جميع الخلق. {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} أي: فعظمْ. {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} قال ابنُ زيدٍ وجماعة: هو أمْرٌ بتطهيرِ الثيابِ حَقِيقةً، وذَهَبَ الشافعيُّ وغيرُه من هذه الآيةِ إلى: وجُوبِ غَسْلِ النَّجَاسَاتِ مِنَ الثيابِ، وقالَ الجُمْهُورُ: هَذِه الألْفَاظُ اسْتِعَارَةٌ في تنقيةِ الأفْعَالِ والنَّفْسِ، والعْرِضِ، وهذا كما تقول: فلانٌ طَاهِرُ الثوبِ، ويقال للفَاجِر: دَنِسُ الثَّوْبِ، قال ابن العربي في «أحكامه»: والذي يقول إنها الثيابُ المَجَازِيَّة أكْثَرَ، وكثيراً ما تستعملُه العَرَبُ، قال أبو كَبْشَةَ: [الطويل] شعر : ثِيَابُ بَنِي عَوْفٍ طَهَارَىٰ نَقِيَّةٌ وَأَوْجُهُهُمْ عِنْدَ المَشَاهِدِ غُرَّانُ تفسير : يعني: بطهارةِ ثيابهم وسلامَتَهم من الدَّنَاءَاتِ، وقال غَيْلاَنُ بْنُ سَلَمَةَ الثَّقَفِيُّ: [الطويل] شعر : فَإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لاَ ثَوْبَ فَاجِرٍ لَبِسْتُ وَلاَ مِنْ غَدْرَةٍ أَتَقَنَّعُ تفسير : ولَيْسَ يمتنع أن تُحْمَلَ الآيةُ على عمومِ المرادِ فيها بالحقيقةِ والمجازِ على ما بيَّناه في أصولِ الفقه، وإذا حملنَاها على الثيابِ المعلومَة؛ فهي تتناول معنيين: أحدهما: تَقْصِيرُ الأَذْيَالِ؛ فإنَّها إذا أُرْسِلَتْ تَدَنَّسَتْ، وتَقْصِيرُ الذيلِ أَنْقى لثَوْبِه وأتْقَى لربِّه، المَعْنَى الثَّاني: غَسْلُها من النَّجاسَةِ فهو ظَاهِرٌ منها صحيحٌ فيها، انتهى، قال الشيخ أبو الحسن الشاذليُّ ـــ رضي اللَّه عنه ـــ: رأَيْتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم في المَنَامِ، فقالَ: يَا عَلِيُّ، طَهِّرْ ثِيَابَكَ مِنَ الدَّنَسِ، تَحْظَ بمَدَدِ اللَّهِ في كُلِّ نَفَسٍ، فَقُلْتُ: وَمَا ثِيَابي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ كَسَاكَ [حُلَّة المَعْرِفَةِ، ثُمَّ] حُلَّةَ المَحَبَّةِ، ثُمَّ حلةَ التَّوْحِيدِ، ثُمَّ حُلَّةَ الإيمَانِ، ثُمَّ حُلَّةَ الإسْلاَمِ، فَمَنْ عَرَفَ اللَّهَ صَغُرَ لديْهِ كُلُّ شَيْءٍ، ومَنْ أَحَبَّ اللَّهَ هَانَ عَلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ، وَمَنْ وَحَّدَ اللَّهَ، لَمْ يُشْرِكْ به شَيْئاً، ومَنْ آمَنَ بِاللَّهِ أَمِنَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَمَنْ أَسْلَمَ لِلَّهِ قَلَّمَا يَعْصِيهِ، وإنْ عَصَاهُ، ٱعْتَذَرَ إلَيْهِ، وَإذَا ٱعْتَذَرَ إليه، قَبِلَ عُذْرَه، قال: فَفَهِمْتُ حِينَئِذٍ مَعْنَىٰ قولِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} انتهى من «التنوير» لابن عطاء اللَّه. {وَٱلرُّجْزَ} يعني الأصْنَام والأَوثَانَ، وقال ابن عباس: الرُّجْزُ السَّخَط يعني: اهْجُرْ ما يؤدي إليه ويوجبُه، واخْتُلِفَ في معنى قولهِ تعالى: {وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ} فقالَ ابن عباس وجماعة: معناه لاَ تَعْطِ عَطَاءً لِتُعْطَى أكْثَرَ منه، فكأَنه من قولهم: مَنَّ إذَا أَعْطَى، قال الضحاك: وهذَا خاصُّ بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم ومُبَاحٌ لأُمَّتِه، لكنْ لاَ أجْرَ لهم فيه، وقال الحسن بن أبي الحسن: معناه ولاَ تَمْنُنْ على اللَّهِ بِجِدِّكَ، تَسْتَكْثِرْ أعْمَالَك، ويَقَعْ لَكَ بها إعْجَابٌ، قال * ع*: وهَذَا مِنَ المنِّ الذي هو تعديدُ اليَدِ وذكرُها، وقال مجاهد: معناه ولاَ تَضْعُفْ تَسْتَكْثِرْ مَا حَمَّلْنَاك من أعباء الرسالةِ، وتستكثرْ مِنَ الخَيْرِ؛ وهَذَا من قولهم حَبْلٌ مَنِينٌ أي: ضعيفٌ.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ}؛ يا أيها الذي قد دثر ثيابه، أي: تغشى بها ونام. وقرأ العامة: بتشديد الدال وكسر الثاء، اسم فاعل من "تدثَّر" وأصله: المتدثر فأدغم كـ"المزمّل". وفي حرف أبي: "المتدثر" على الأصل المشار إليه. وقرأ عكرمة: بتخفيف الدال، اسم فاعل من "دثّر" - بالتشديد - ويكون المفعول محذوفاً أي: المدثر نفسه، كما تقدم. وعنه أيضاً: فتح الثاء. ومعنى "تَدثَّر" لبس الدِّثَار، وهو الثوب الذي فوق الشِّعار، "والشِّعَار": ما يلي الحسد، وفي الحديث: "حديث : الأنْصَارُ شِعَارٌ والنَّاسُ دِثَارٌ ". تفسير : و "سيف دَاثِر": بعيد العَهْد الصِّقال. ومنه قيل للمنزل الدارس: داثر لذهاب أعلامه وفلان داثرُ المال، أي: حسن القيام به. قوله: "قُمْ" إما أن يكون من القيام المعهود، فيكون المعنى: قم من مضجعك، وإما من "قام" بمعنى الأخذ في القيام، كقوله: [الطويل] شعر : 4944 - فَقَامَ يَذُودُ النَّاسَ عَنْهَا بِسيْفِهِ ..................... تفسير : وقوله: [الوافر] شعر : 4945 - عَلَى مَا قَامَ يَشْتُمُنِي لَئِيمُ ....................... تفسير : في أحد القولين، فيكون المعنى: قيام عزم وتصميم، والقول الآخر: أن "قام" مزيدة، وفي جعلها بمعنى الأخذ في القيام نظر؛ لأنه حينئذ يصير من أخوات "عَسَى" فلا بد له من خبر يكون فعلاً مضارعاً مجرداً. قوله: {فَأَنذِرْ}، مفعوله محذوف، أي: أنذر قومك عذاب الله، والأحسن أن لا يقدر له، أي: أوقع الإنذار. فصل في معنى الآية المعنى: يا أيها الذي قد دُثِّر ثيابه، أي: تغشى بها ونام. وقيل: ليس المراد التدثر بالثوب، فإن قلنا التدثر، ففيه وجوه: أحدها: أن هذا من أوائل ما نزل من القرآن. روى جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كُنْتُ عَلى جَبلِ حِراءَ، فنُودِيتُ يا مُحَمَّدُ، إنَّكَ لرَسُولٌ، فنَظرْتُ عَنْ يَمِينِي، ويسَارِي، فَلمْ أرَ أحَداً فنَظرْتُ فَوْقِي فَرأيتُ المَلكَ الذي جَاءَنِي بحِراءَ جَالِساً عَلى كُرسِي بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَخِفْتُ فَرجَعْتُ إلى خَدِيْجَةَ، فقلتُ: دَثِّرُوني، وصبُّوا عليَّ ماءاً بارداًتفسير : فأنزلَ اللَّهُ تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ}. وثانيها: أن أبا جهل، وأبا لهب، وأبا سفيان، والوليد بن المغيرة، والنضر بن الحارث، وأميَّة بن خلف، والعاص بن وائل والمطعم بن عدي، اجتمعوا وقالوا: إنَّ وفود العرب مجتمعون في أيام الحج، وهم يسألون عن أمر محمدٍ صلى الله عليه وسلم وقد اختلفتم في الإخبار عنه، فمن قائل هو مجنون. وقائل: كاهن. وقائل: ساحر، وتعلم العرب أن هذا كله لا يجتمع في رجل واحد، فيستدلون باختلاف الأجوبة على أنها أجوبة باطلة، فسمُّوا محمداً باسم واحد يجتمعون عليه، وتسميه العرب به فقدم رجل منهم فقال: إنه شاعر، فقال الوليد: سمعت كلام عبيدة بن الأبرص [وكلام أمية بن أبي الصلت، وكلامه ما يشبه كلامهما، فقالوا: كاهن: فقال:] الكاهن يصدق ويكذب، وما كذب محمد صلى الله عليه وسلم قط، فقال آخر: إنه مجنون، فقال الوليد: الجنون يخنق الناس وما خنق محمد قط، ثم قام الوليد فانصرف إلى بيته، فقال الناس: صبأ الوليد بن المغيرة، فدخل عليه أبو جهل فقال: ما لك يا أبا عبد شمس، هذه قريش تجمع لك شيئاً يعطونكه، زعموا أنك قد احتجت وصبأت، فقال الوليد: ما لي إليه حاجة، ولكني فكرت في محمد، فقلت: إنه ساحر لأن الساحر هو الذي يفرق بين الأب وابنه، وبين الأخ وأخيه، وبين المرأة وزوجها، فشاع ذلك في الناس، فصاحوا يقولون: محمد ساحر والناس مجتمعون، فوقعت الصيحةُ في الناس فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك اشتد عليه ورجع إلى بيته محزوناً، فتدثر بقطيفة فأنزل الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ}. وثالثها: أنه صلى الله عليه وسلم كان نائماً، متدثراً بثيابه، فجاءه جبريل - عليه السلام - وأيقظه - عليه الصلاة والسلام -، وقال: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ} كأنه قال: اترك التدثر بالثياب، واشتغل بهذا المنصب الذي نصبك الله تعالى له. وإن قلنا: ليس المراد منه التدثر بالثياب ففيه وجوه: الأول: قال عكرمة: يا أيها المدثر بالنبوة، والرسالة انْقُلْها، من قولهم: ألبسه اللَّهُ لباس التقوى وزيَّنَهُ برداء العلم. قال ابن العربي: "وهذا مجاز بعيد، لأنه لم يكن تنبأ بعد، وإن قلنا: إنها أول القرآن لم يكن نبياً بعد إلا إن قلنا: إنها ثاني ما نزل". الثاني: أن المدثر بالثوب يكون كالمتخفي فيه، فإنه صلى الله عليه وسلم كان في جبل حراء كالمتخفي من النَّاس، فكأنه قال: يا أيها المدثِّر بدثار الاختفاء قم بهذا الأبر واخرج من زاوية الخمول، واشتغل بإنذار الخلق، والدعوة إلى معرفة الحقِّ. الثالث: أنه تعالى جعله رحمة للعالمين، فكأنه قيل له: يا أيها المدثِّر بأثواب العلم العظيم، والخلق الكريم، والرحمة الكاملة: "قُمْ فأنْذِرْ" عذاب ربّك. فصل في لطف الخطاب في الآية قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ} ملاطفة في الخطاب من الكريم إلى الحبيب إذ ناداه بحاله وعبر عنه بصفته، ولم يقل: يا محمدُ، كما تقدم في المزمل. فصل في معنى "فأنذر" ومعنى قوله تعالى: {فَأَنذِرْ}، أي: خوِّف أهل مكة، وحذرهم العذاب إن لم يسلموا. وقيل: الإنذار هنا: إعلامهم بنوته - عليه السلام - لأنها مقدمة الرسالة. وقيل: هو دعاؤهم إلى التوحيد لأنه المقصود. وقال الفراء: قم فصلِّ ومر بالصلاة. قوله: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ}، قدم المفعول، وكذا ما بعد، إيذاناً بالاختصاص عند من يرى ذلك، أو للاهتمام به. قال الزمخشري: "واختص ربَّك بالتكبير". ثم قال: "ودخلت الفاء لمعنى الشرط كأنه قيل: ومهما تكن فلا تدع تكبيره" وقد تقدم الكلام في مثل هذه الفاء في البقرة عند قوله تعالى: {أية : وَإِيَّايَ فَٱرْهَبُونِ}تفسير : [البقرة: 40]. قال أبو حيان: "وهو قريب مما قدره النحاة في قولك: "زيداً فاضرب"، قالوا: تقديره: "تنبَّهْ فاضرب زيداً" فالفاء هي جواب الأمر، وهذا الأمر إما مضمن معنى الشرط، وإما الشرط محذوف على الخلاف الذي فيه عند النحاة". قال أبو الفتح الموصلي: يقال: "زيداً اضرب، وعمراً اشكر" وعنده أن الفاء زائدة. وقال الزجاج: ودخلت الفاء لإفادة معنى الجزائية، والمعنى: قم فكبِّر ربَّك، وكذلك ما بعده. فصل في معنى الآية معنى قوله: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ}، أي سيدك ومالكك ومصلح أمرك فعظمه، وصفه بأنه أكبر من أن يكون له صاحبة، أو ولد، وفي الحديث: أنهم قالوا: بم تفتتح الصلاة؟ فنزلت: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ}. أي: صفه بأنه أكبر. قال ابن العربي: وهذا القول وإن كان يقتضي بعمومه تكبير الصلاة فإنه مراد به تكبيره بالتقديس، والتنزيه بخلع الأنداد، والأصنام دونه، ولا تتخذ ولياً غيره، ولا تعبد سواه، وروي حديث : أن أبا سفيان قال يوم أحد: "أعْلُ هُبَل"، فقال: صلى الله عليه وسلم "قُولُواْ اللَّهُ أعْلَى وأجَلُّ"تفسير : وقد صار هذا القول بعرف الشرع في تكثير العبادات كلها أذاناً، وصلاة بقوله "اللَّهُ أكبرُ" وحمل عليه لفظ النبي صلى الله عليه وسلم الوارد على الإطلاق في موارد منها قوله: "حديث : تَحْريمُهَا التَّكبيرُ، وتحْلِيلُهَا التَّسلِيمُ"تفسير : ، والشَّرعُ يقتضي معرفة ما يقتضي بعمومه، ومن موارده أوقات الإهلال بالذبائح تخليصاً له من الشرك، وإعلاناً باسمه بالنسك، وإفراداً لما شرع من أمره بالسفك. والمنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم في التكبير في الصلاة هو لفظ "اللَّهُ أكبَرُ". وقال المفسرون: لما نزل قوله تعالى: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} قام النبي صلى الله عليه وسلم وقال: اللَّهُ أكبر، فكبرت خديجة - رضي الله عنها - وعلمت أنه وحي من الله تعالى ذكره القشيري. وقال الكلبيُّ: فعظم ربَّك عما يقوله عبدة الأوثان. قال مقاتل: هو أن يقال: الله أكبر. وقيل: المرادُ منه التكبير في الصلاة. فإن قيل: هذه السورة نزلت في أول البعث، ولم تكن الصلاة واجبة. فالجواب: لا يبعد أنه كانت له - عليه الصلاة والسلام - صلوات تطوع فأمر أن يُكبِّر ربَّه فيها قال ابن الخطيب: وعندي أنه لما قيل له: {قُمْ فَأَنذِرْ} قيل بعد ذلك {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} عن اللغو والرفث. قوله: {وَثَيَابَكَ فَطَهِّرْ}. قيل: المراد الثياب الملبوسة، فعلى الأول يكون المعنى: وعملك فأصلح، قاله مجاهد وابن زيد والسديُّ، وروى منصور عن أبي رزين، قال: يقول: وعملك فأصلح. وإذا كان الرجل خبيث العمل، قالوا: إن فلاناً خبيث الثيابِ، وإذ كان الرجل حسن العمل، قالوا: إنَّ فلاناً طاهر الثياب، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : يَحْشرُ المَرءُ فِي ثَوبَيْهِ الَّذي مَاتَ فِيْهِمَا"تفسير : يعني: عمله الصالح والطالح، ذكره الماوردي. ومن قال المراد به القلب، قلبك فطهر، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير رضي الله عنهما؛ ومنه قول امرىء القيس: [الطويل] شعر : 4946 -................... فَسُلِّي ثِيَابِي مِن ثِيابكِ تَنْسُلِ تفسير : أي: قلبي من قلبك. قال الماورديُّ: ولهم في تأويل الآية وجهان: أحدهما: المعنى: وقلبك فطهر من الإثم والمعاصي قاله ابن عباس وقتادة. الثاني: وقلبك فطهر من القذر، أي: لا تقذر فتكون دنس الثياب وهو ما يروى عن ابن عباس أيضاً، واستشهدوا بقوله غيلان بن سلمة الثقفي: [الطويل] شعر : 4947 - فَإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ غَادِرٍ لَبِسْتُ وَلا مِنْ غَدْرةٍ أتقنَّعُ تفسير : ومن قال: المراد به النفس، قال: معناه ونفسك فطهر، أي: من الذنوب، والعرب تكني عن النفس بالثياب. قاله ابن عباس - رضي الله عنه -؛ ومنه قول عنترة: [الكامل] شعر : 4948 - فَشَكَكْتُ بالرُّمْحِ الطَّويلِ ثِيابَهُ لَيْسَ الكرِيمُ على القَنَا بِمُحَرَّمِ تفسير : وقول امرىء القيس المتقدم. ومن قال: بأنه الجسم قال: المعنى وجسمك فطهر من المعاصي الظاهرة، ومنه قول ليلى تصف إبلاً: [الطويل] شعر : 4949 - رَموْهَا بأثْوابٍ خِفافٍ فلا تَرَى لَهَا شَبَهاً إلاَّ النَّعامَ المُنفَّرَا تفسير : أي: ركبوها فرموها بأنفسهم. ومن قال: المراد به الأهل، قال: معناه: وأهلك طهرهم من الخطايا بالموعظة والتأديب، والعرب تسمي الأهل ثوباً وإزاراً ولباساً، قال تعالى: {أية : هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ}تفسير : [البقرة: 187]. قال الماورديُّ: ولهم في تأويل الآية وجهان: الأول: معناه: ونساءك فطهر باختيار المؤمنات العفائف. الثاني: الاستمتاع بهن في القبل دون الدبر في الطهر إلا في الحيض حكاه ابن بحر. قال ابن الخطيب: "وحمل الآية على هذا التأويل يعسر لأنه على هذا الوجه لا يحسن اتصال الآية بما قبلها". ومن قال المراد به الخلق قال معناه: وخلقك فحسِّنْ قاله الحسن والقرظي؛ لأن خلق الإنسان مشتمل على أحواله اشتمال ثيابه على نفسه؛ قال الشاعر: [الطويل] شعر : 4950 - فَلاَ أبَ وابْناً مِثْلَ مَرْوانَ وابْنِهِ إذَا هُوَ بالمَجْدِ ارتَدَى وتَأزَّرَا تفسير : والسبب في حسن هذه الكناية وجهان: الأول: أن الثوب كالشيء الملازم للإنسان فلهذا جعلوا الأثواب كناية عن الإنسان، فيقال: المجد في ثوبه والعفة في إزاره. الثاني: أنه من طهر باطنه غالباً طهر ظاهره، ومن قال: المراد به الدين فمعناه: ودينك فطهر. جاء في الصحيح: أنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ورأيتُ النَّاس وعَلَيْهِمْ ثِيابٌ مِنْهَا ما يَبلغُ الثُّدِيَّ، ومِنْهَا دونَ ذلِكَ، ورَأيْتُ عُمر بن الخطَّاب، وعليْهِ إزارٌ يُجُرُّهُ، قالوا: يا رسُولَ اللَّهِ فَمَا أوَّلتَ ذلِكَ؟ قال: الدِّينُ ". تفسير : وروي عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - في قوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} قال: معناه لا تلبس ثيابك على عذرة؛ قال ابن أبي كبشة: [الطويل] شعر : 4951 - ثِيَابُ بَنِي عَوْفٍ طَهارَى نَقيَّةٌ وأوْجُهُهمْ عِنْدَ المُشاهدِ غُرَّانُ تفسير : يعني بطهارة ثيابهم: سلامتهم عن الدناءات ويعني بعزة وجوههم: تنزيههم عن المحرمات، أو جمالهم في الخلقة، أو كليهما. قاله ابن العربي. وقال سفيانُ بن عيينة: لا تلبس ثيابك على كذب ولا جور ولا غدر ولا إثم، قاله عكرمة. ومن قال: إن المراد به الثياب الملبوسة، فلهم أربعة أوجهٍ: الأول: وثيابك فأنق. الثاني: وثيابك فشمِّر، أي قصِّر، فإن تقصير الثياب أبعد من النجاسة فإذا جُرَّت على الأرض لم يؤمن أن يصيبها نجاسة، قاله الزجاج وطاووس. الثالث: وثيابك فطهر من النجاسة بالماء، قاله محمد ابن سيرين وابن زيد والفقهاء. الرابع: لا تلبس ثيابك إلا من كسبِ الحلال ليكون مطهرة من الحرام. وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - لا يكون ثيابك التي تلبس من ملبس غير طاهر. قال ابن العربي: وليس بممتنع أن تحمل الآية على عمومها، من أن المراد بها الحقيقة، والمجاز، وإذا حملناها على الثياب الطاهرةِ المعلومة، فهي تتناول معنيين: أحدهما: تقصير الأذيال، فإنها إذا أرسلت تدنست، ولهذا قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لغلام من الأنصار، وقد رأى ذيله مسترخياً: ارفع إزارك، فإنه أتْقَى، وأبْقَى، وأنقى. وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إزْرَةُ المُؤمِن إلى أنْصَافِ سَاقيْهِ، لا جُناحَ عليْهِ فِيْمَا بَينهُ وبيْنَ الكعْبَيْنِ ومَا كَانَ أسْفل مِنْ ذلِكَ ففِي النَّارِ"تفسير : . فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الغاية في لباس الإزار الكعب، وتوعد ما تحته بالنار، فما بال رجال يرسلون أيذالهم، ويطيلون ثيابهم، ثم يتكلفون رفعها بأيديهم وهذه حالة الكبر، وقال صلى الله عليه وسلم: حديث : "لا يَنْظرُ اللَّهُ تعالى إلى مَنْ جَرَّ ثَوبَهُ خَيلاء"، وفي رواية: "منْ جرَّ إزارهُ خُيَلاء لَمْ ينْظُرِ اللَّهُ إليْهِ يَوْمَ القِيامةِ" قال أبو بكر - رضي الله عنه -: يا رسول الله إني أجد شِقّ إزاري يسترخي إلا أني أتعاهد ذلك منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَسْتَ ممَّنْ يَصْنعهُ خيلاء" . تفسير : والمعنى الثاني: غسلها بالماء من النجاسة، وهو الظاهر. قال المهدوي: واستدل به بعض العلماء على وجوب طهارة الثوب، وليس ذلك يفرض عند مالك وأهل المدينة، وكذلك طهارة البدن، للإجماع على جواز الصلاة بالاستجمار غير غسل. قال ابن الخطيب: إذا حملنا لفظ التطهير على حقيقته، فنقول: المراد منه أنه صلى الله عليه وسلم أمر بتطهير ثيابه من الأنجاس والأقذار، وعلى هذا التقدير ففي الآية ثلاثة احتمالاتٍ: الأول: قال الشافعي - رضي الله عنه -: المقصود من الآية الإعلام بأن الصلاة لا تجوز إلا في ثياب طاهرة من الأنجاس. وثانيها: قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كان المشركون لا يصونون ثيابهم عن النجاسات، فأمره الله تعالى بأن يصون ثيابه عن النجاسات. وثالثها: روي أنهم ألقوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم سَلَى شاةٍ، فشق عليه فرجع إلى بيته حَزيناً وتدثر في ثيابه، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ} ولا تمنعك تلك السفاهة عن الإنذار {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} على أن لا ينتقم منهم {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} عن تلك النجاسات والقاذورات. قوله: {وَٱلرُّجْزَ}. قرأ حفص ومجاهد وعكرمة وابن محيصن: بضم الراء، والباقون: بكسرها. فقيل: لغتان بمعنى، وعن أبي عبيدة: الضم أقيس اللغتين، وأكثرهما. وقال مجاهدٌ: هو بالضم اسم صنم، ويعزى للحسن البصري أيضاً، وبالكسر ويذكر: اسم للعذاب، وعلى تقدير كونه العذاب، فلا بد من حذف مضاف، أي: اهجر أسباب العذاب المؤدية إليه، أقام السبب مقام المسبب، وهو مجاز شائع بليغ. وقال السديُّ: "الرَّجْز"، بنصب الراء: الوعيد. وقال مجاهد وعكرمة: المراد بالرجز: الأوثان، لقوله تعالى: {أية : فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ}تفسير : [الحج: 10]، وقال ابن عباس أيضاً: والمأثم فاهجر، أي فاترك، وكذلك روى مغيرة عن إبراهيم النخعي، قال: الرجز: الإثم. وقال قتادة: الرجز إساف، ونائلة. وأصل "الرُّجْز": العذابُ، قال تعالى: {أية : لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ}تفسير : [الأعراف: 134]. وقال تعالى: {أية : فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ}تفسير : [الأعراف: 163]. قوله: {وَلاَ تَمْنُن}، العامة: على فك الإدغام والحسن وأبو السمال والأشهب العقيلي: بالإدغام. وقد تقدم أن المجزوم، والموقوف من هذا النوع يجوز فيهما الوجهان، وتقدم تحقيقه في "المائدة"، عند قوله تعالى: {أية : مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ}تفسير : [المائدة: 54]. والمشهور أنه من المنّ، وهو الاعتداد على المعطى بما أعطاه، وقيل: معناه "ولا تضعف" من قولهم: حبل متين، أي: ضعيف. قوله: {تَسْتَكْثِرُ}، العامة على رفعه، وفيه وجهان: أحدهما: أنه في موضع الحال، أي: لا تمنن مستكثراً ما أعطيت. وقيل: معناه لا تأخذ أكثر مما أعطيت. الثاني: على حذف "أن" يعني أن الأصل ولا تمنن أن تستكثر، فلما حذفت "أن" ارتفع الفعل، كقوله: [الطويل] شعر : 4952 - ألاَ أيُّهَذَا الزَّاجِري أحْضُرُ الوغَى ....................... تفسير : في إحدى الروايتين. قاله الزمخشريُّ. ولم يبين ما محل "أن" وما في خبرها. وفيه وجهان: أظهرهما - وهو الذي يريده - هو أنها إما في محل نصب، أو جر على الخلاف فيها؛ حذف حرف الجر وهو هنا لام العلة، تقديره: ولا تمنن لأن تستكثر. والثاني: أنها في محل نصب فقط مفعولاً بها، أي: لا تضعف أن تستكثر من الخير، قاله مكي. وقد تقدم أن "تَمْنُنْ" بمعنى تضعف، وهو قول مجاهد. إلا إنَّ أبا حيان قال - بعد كلام الزمخشريِّ -: "وهذا لا يجوز أن يحمل القرآن عليه لأنه لا يجوز ذلك إلا في الشعر، ولنا مندوحة عنه مع صحته معنى". والكوفيون يجيزون ذلك، وأيضاً: فقد قرأ الحسن والأعمش: "تَسْتكثِرَ" أيضاً على إضمار "أن"، كقولهم: "مُرْهُ يحفرها". وأبلغ من ذلك التصريح بأن في قراء عبد الله: "ولا تمنن أن تستكثر". وقرأ الحسن - أيضاً - وابن أبي عبلة تستكثرْ جزماً، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون بدلاً من الفعل قبله. كقوله: {أية : يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ}تفسير : [الفرقان: 68 - 69] فـ"يُضَاعَفُ" بدلاً من "يَلْقَ"؛ وكقوله: [الطويل] شعر : 4953 - مَتَى تَأتِنَا تُلْمِمْ بنَا في دِيَارنَا تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً ونَاراً تَأجَّجَا تفسير : ويكون من المنِّ الذي في قوله تعالى: {أية : لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ}تفسير : [البقرة: 264]. الثاني: أن يشبه "ثرو" بعضد فيسكن تخفيفاً. قاله الزمخشري. يعني: أنه يأخذ من مجموع "تستكثر" [ومن الكلمة التي بعده وهو الواو ما يكون فيه شبهاً بعضد، ألا ترى أنه قال: أن يشبه ثرو، فأخذ بعض "تستكثر"] وهو الثاء، والراء وحرف العطف من قوله: {وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ}؛ وهذا كما قالوا في قول امرىء القيس: [السريع] شعر : 4954 - فالْيَوْمَ أشْرَبْ غَيْرَ مُسْتحقِبٍ إثْماً من اللَّهِ ولا واغِلِ تفسير : بتسكين "أشْرَبْ" - أنهم أخذوا من الكلمتين رَبْغَ كـ"عضد" ثم سكن. وقد تقدم في سورة "يوسف" في قراءة قُنبل: "من يَتّقي"، بثبوت الياء، أن "مَنْ" موصولة، فاعترض بجزم "يَصْبِر"؟. فأجيب بأنه شبه بـ"رف"، أخذوا الباء والراء من "يَصْبِر" والفاء من "فإنَّه"، وهذه نظير تيك سواء. الوجه الثالث: أن يعتبر حال الوقف، ويجرى الوصل مجراه، قاله الزمخشري، أيضاً. يعني أنه مرفوع، وإنما سكن تخفيفاً، أو أجري الوصل مُجْرَى الوقفِ. قال أبو حيان: "وهذان لا يجوز أن يحمل عليهما مع وجود أرجح منهما، وهو البدل معنى وصناعة". فصل في تعلق الآية بما قبلها في اتصال هذه الآية بما قبلها أنه تعالى أمره قبل هذه الآية بأربعة أشياء: إنذار القوم، وتكبير الرب، وتطهير الثياب، وهجر الرجز، ثم قال - جلَّ ذكره -: {وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ}، أي: لا تمن على ربِّك بهذه الأعمال الشاقة كالمستكثر لما يفعله بل اصبر على ذلك كله لوجه ربِّك متقرباً بذلك إليه غير ممتن به عليه. قال الحسن - رحمه الله -: بحسناتك، فتستكثرها. وقال ابن عباس وقتادة وعكرمةُ: ولا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها. وقيل: لا تمنن على الناس بما تعلمهم من أمر الدين والوحي مستكثراً بذلك الإنعام، فإنَّما فعلت ذلك بأمر الله تبارك وتعالى، فلا منة لك عليهم، ولهذا قال تعالى: {وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ}. وقيل: لا تمنن عليهم بنبوتك، أي: لتستكثر، أي: لتأخذ منهم على ذلك أجراً تستكثر به مالك. وقال مجاهدٌ: لا تضعف أن تستكثر من الخير، من قولك: حبل منين، إذا كان ضعيفاً، ودليله قراءة ابن مسعود: ولا تمنن تستكثر من الخير وعن مجاهد أيضاً، والربيع: لا تعظم عملك في عينك أن تستكثر من الخير فإنه مما أنعم الله عليك. وقال ابن كيسان: لا تستكثر عملك فتراه من نفسك، إنما عملك منه من الله عليك، إذ جعل الله لك سبيلاً إلى عبادته. وقال زيد بن أسلم إذا أعطيت عطية فأعطها لربِّك، لا تقل: دعوت فلم يستجب لي. وقيل: لا تفعل الخير لترائي به الناس. فإن قيل هذا النهي مختص بالرسول صلى الله عليه وسلم أو يتناول الأمة؟. فالجوابُ: أن ظاهر اللفظ قرينة الحال لا تفيد العموم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم إنما نهي عن ذلك تنزيهاً لمنصب النبوة، وهذا المعنى غير موجود في الأمة. وقيل: المعنى في حقِّ الأمة هو الرياءُ، واللَّهُ تعالى منع الكل من ذلك. فإن قيل: هل هذا نهي تحريم أو تنزيه؟ فالجواب: أن ظاهر النهي التحريم. فصل في المقصود من الآية قال القفال: يحتمل أن يكون المقصود من الآية أن يحرم على النبي صلى الله عليه وسلم أن يعطي أحداً شيئاً لطلب عوض سواء كان العوض زائداً أو ناقصاً، أو مساوياً، ويكون معنى قوله تعالى {تَسْتَكْثِرُ}، أي: طالباً للكثرة كارهاً أن ينتقص المال بسبب العطاءِ، فيكون الاستكثار - هاهنا - عبارة عن طلب العوض كيف كان، وإنما حسنت هذه العبارةُ، لأن الغالب أن الثواب زائد على العطاء، فسمى طلب الثواب استكثاراً، حملاً للشيء على أغلب أحواله، كما أن الأغلب أن المرأة إنما تتزوج، ولها ولد للحاجة إلى من يربي أغلب أن المرأة إنما تتزوج، ولها ولد للحاجة إلى من يربي ولدها، فسمي الولد ربيباً، ثم اتسع الأمر، وإن كان حين تتزوج أمه كبيراً، ومن ذهب إلى هذا القول قال: السبب فيه أن يصير عطاء النبي صلى الله عليه وسلم خالياً عن انتظار العوض، والتفات النفس إليه فيكون ذلك خالصاً مخلصاً لوجه الله تعالى. قال القرطبي - رحمه الله -: "أظهر الأقوال قول ابن عباس "لا تعط لتأخذ أكثر مما أعطيت من المال" يقال: مننت فلاناً كذا، أي: أعطيته، ويقال للعطية: المنة فكأنه أمر بأن تكون عطاياه لله، لا لارتقاب ثواب من الخلق عليها، لأنه صلى الله عليه وسلم ما كان يجمع للدنيا، ولهذا قال: "حديث : مَا لي ممَّا أفَاء اللَّهُ عليَّ إلا الخُمْسَ، والخمس مَردُودٌ عَليْكُمْ"تفسير : وكان ما يفضل عن نفقة عياله مصروفاً إلى مصالح المسلمين، ولهذا لم يورث". قوله: {وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ} التقديم على ما تقدم. وحسنه كونه رأس فاصلة موافياً لما تقدم. {وَلِرَبِّكَ} يجوز فيه وجهان: أحدهما: أن تكون لام العلة، أي: لوجه ربِّك فاصبر، أي: على أذى الكفار وعلى عبادة ربك، وعلى كل شيء مما لا يليق فترك المصبور عليه، والمصبور عنه للعلم بهما. والأحسن أن لا يقدر شيء خاص بل شيء عام. والثاني: ان يضمن "صبر" معنى: "أذعن"، أي: أذعن لربِّك، وسلم له أمرك صابراً، لقوله تعالى: {أية : فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ}تفسير : [القلم: 48].
البقاعي
تفسير : ولما ختمت "المزمل" بالبشارة لأرباب البصارة بعدما بدئت بالاجتهاد في الخدمة المهيىء للقيام بأعباء الدعوة، افتتحت هذه بمحط حكمة الرسالة وهي النذارة لأصحاب الخسارة، فقال معبراً بما فيه بشارة بالسعة في المال والرجال والصلاح وحسن الحال في الحال والمآل، ومعرفاً بأن المخاطب في غاية اليقظة بالقلب وإن ستر القالب: {يا أيها المدثر *} المشتمل بثوبه، من تدثر بالثوب: اشتمل به، والدثار - بالكسر ما فوق الشعار من الثياب، والشعار ما لاصق البدن "الأنصار شعار والناس دثار" والدثر: المار الكثير، ودثر الشجر: أورق، وتدثير الطائر: إصلاحه عشه، والتعبير بالأداة الصالحة للقرب والبعد يراد به غاية القرب بما عليه السياق وإن كان التعبير بالأداة فيه نوع ستر لذلك مناسبة للتدثر، واختير التعبير بها لأنه لا يقال بعدها إلى ما جل وعظم من الأمور، وكان الدثار لم يعم بدنه الشريف بما دل عليه التعبير بالإدغام دون الإظهار الدال على المبالغة لأن المراد إنما كان ستر العين ليجتمع القلب، فيكفي في ذلك ستر الرأس وما قاربه من البدن، والإدغام شديد المناسبة للدثار. ولما كان في حال تدثره قد لزم موضعاً واحداً فلزم من ذلك إخفاء نفسه الشريفة، أمره صلى الله عليه وسلم بالقيام، وسبب عنه الإنذار إشارة إلى أن ما يراد به من أنه يكون أشهر الخلق بالرسالة العامة مقتض لتشمير الذيل والحمل على النفس بغاية الجد والاجتهاد اللازم عنه كثرة الانتشار، فهو مناف للتدثر بكل اعتبار فقال: {قم} أي مطلق قيام، ولا سيما من محل تدثرك بغاية العزم والجد. ولما كان الأمر عند نزول هذه السورة في أوله والناس قد عمهم الفساد، ذكر أحد وصفي الرسالة إيذاناً بشدة الحاجة إليه فقال مسبباً عن قيامه: {فأنذر} أي فافعل الإنذار لكل من يمكن إنذاره فأنذر من كان راقداً في غفلاته، متدثراً بأثواب سكراته، لاهياً عما أمامه من أهوال يوم القيامة، وكذا من كان مستيقظاً ولكنه متدثر بأثواب تشويفاته وأغشيته فتراته، فإنه يجب على كل مربوب أن يشكر ربه وإلا عاقبه بعناده له أو غفلته عنه بما أقله الإعراض عنه، وحذف المفعول إشارة إلى عموم الإنذار لكل من يمكن منه المخالفة عقلاً وهم جميع الخلق، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان نزل عليه جبريل عليه السلام بـ{أية : اقرأ باسم ربك}تفسير : [العلق: 1] ونحوها فكان بذلك نبياً ثم نزلت عليه هذه الآية فكان بها رسولاً، وذلك أنه نودي وهو في جبل حراء، فلما سمع الصوت نظر يميناً وشمالاً فلم ير شيئاً، فرفع رأسه فإذا جبريل عليه الصلاة والسلام جالس على عرش بين السماء والأرض، ففرق من ذلك أشد الفرق، فبادر المجيء إلى البيت ترجف بوادره وقال:"حديث : دثروني دثروني، لقد خشيت على نفسي، صبوا عليّ ماءً بارداً ". تفسير : ولما كان الإنذار يتضمن مواجهة الناس بما يكرهون، وذلك عظيم على الإنسان، وكان المفتر عن اتباع الداعي أحد أمرين: تركه مما يؤمر به، وطلبه عليه الأجر، كما أن الموجب لاتباعه عمله بما دعا إليه، وبعده عن أخذ الأجر عليه، أمره بتعظيم من أرسله سبحانه فإنه إذا عظم حق تعظيمه صغر كل شيء دونه، فهان عليه الدعاء وكان له معيناً على القبول فقال: {وربك} أي المربي لك خاصة {فكبر *} أي وقم فتسبب عن قيامك بغاية الجد والاجتهاد أن تصفه وحده بالكبرياء قولاً واعتقاداً على كل حال، وذلك تنزيهه عن الشرك أول كل شيء، وكذا عن كل ما لا يليق به من وصل وفصل، ومن سؤال غيره، والاشتغال بسواه. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: ملاءمتها لسورة المزمل واضحة، واستفتاح السورتين من نمط واحد، وما ابتدئت به كل واحدة منهما من جليل خطابه عليه الصلاة والسلام وعظيم تكريمه{أية : يا أيها المزمل}تفسير : [المزمل: 1] {يا أيها المدثر} [المدثر: 1] والأمر فيهما بما يخصه{أية : قم الّيل إلا قليلاً نصفه}تفسير : [المزمل: 2 - 3] الآي، وفي الآخرى {قم فانذر وربك فكبر}[المدثر: 2 - 3] أتبعت في الأولى بقوله:{أية : واصبر على ما يقولون}تفسير : [المزمل: 10] وفي الثانية بقوله {ولربك فاصبر}[المدثر: 7] وكل ذلك قصد واحد، واتبع أمره بالصبر في الزمل بتهديد الكفار ووعيدهم{أية : وذرني والمكذبين}تفسير : [المزمل: 11] الآيات، وكذلك في الأخرى{أية : ذرني ومن خلقت وحيداً}تفسير : [المدثر: 11] الآيات، فالسورتان واردتان في معرض واحد وقصد متحد - انتهى. ولما كان تنزيه العبد عن الأدناس لأجل تنزيه المعبود، قال آمراً بتطهير الظاهر والباطن باستكمال القوة النظرية في تعظيمه سبحانه ليصلح أن يكون من أهل حضرته وهو أول مأمور به من رفض العادات المذمومة: {وثيابك فطهر *} أي وقم فخص ثيابك الحسية بإبعادها عن النجاسات بمجانبة عوائد المتكبرين من تطويلها، وبتطهيرها لتصلح للوقوف في الخدمة بالحضرة القدسية، والمعنوية وهي كل ما اشتمل على العبد من الأخلاق المذمومة والعوائد السقيمة من الفترة عن الخدمة والضجر والاسترسال مع شيء من عوائد النفس، وذلك يهون باستكمال القوة النظرية. ولما أمر بمجانبة الذر في الثياب وأراد الحسية والمعنوية، وكان ذلك ظاهراً في الحسية، وجعل ذلك كناية عن تجنب الأقذار كلها لأن من جنب ذلك ملبسه أبعده عن نفسه من باب الأولى، حقق العموم وأكد فقال: {والرجز} أي كل قذر فإنه سبب الدنايا التي هي سبب العذاب، قال في القاموس: الرجز بالكسر والضم: القذر وعبادة الأوثان والعذاب والشرك. {فاهجر *} أي جانب جهاراً وعبادة، ليحصل لك الثواب كما كنت تجانبها سراً وعادة، فحصل لك الثناء الحسن حتى أن قريشاً إنما تسميك الأمين ولا تناظر لك أحداً منها. ولما بدأ بأحد سببي القبول، أتبعه الثاني المبعد عن قاصمة العمل من الإعجاب والرياء والملل فقال: {ولا تمنن} أي على أحد بدعائك له أو بشيء تعطيه له على جهة الهبة أو القرض بأن تقطع لذة من أحسنت إليه بالتثقيل عليه بذكرك على جهة الاستعلاء والاستكثار بما فعلته معه، أو لا تعط شيئاً حال كونك {تستكثر *} أي تطلب أن تعطي أجراً أو أكثر مما أعطيت - قاله ابن عباس رضي الله عنهما، وهو من قولهم، منَّ - إذا أعطى، وذلك لأنه الأليق بالمعطي من الخلق أن يستقل ما أعطى، ويشكر الله الذي وفقه له، وبالآخذ أن يستكثر ما أخذ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يفعل شيئاً لعلة أصلاً، بل لله خالصاً، فإنه إذا زال الاستكثار حصل الإخلاص، لأنه لا يتعلق همه بطلب الاستمثال، فكيف بالاستقلال، فيكون العمل في غاية الخلوص لا يقصد به ثواباً أصلاً، ولا يراد لغير وجه الله تعالى، وهذا هو النهاية في الإخلاص. ولما كان الإنذار شديداً على النفوس يحصل به من المعالجات ما الموت دونه، لأن ترك المألوفات أصعب شيء على النفوس، وكذا ترك الفوائد، قال أمراً بالتحلي بالعاصم بعد التخلي عن القاصم، معلماً بأن الأذى من المنذرين أمر لا بد منه فيدخل في الطاعة على بصيرة، فاقتضى الحال لذلك أن الإنذار يهون بالغنى عن الفانين والكون مع الباقي وحده، فأشار إلى ذلك بتقديم الإله معبراً عنه بوصف الإحسان ترغيباً فقال: {ولربك} أي المحسن إليك، المربي لك، المدبر لجميع مصالحك وحده {فاصبر *} أي على مشاق التكاليف أمراً ونهياً وأذى المشركين وشظف العيش وجميع البلايا، فإنه يجزل عطاءك من خير الدارين بحيث لا يحوجك إلى أحد، ويحوج الناس إليك، ويهون عليك حمل المشاق في الدارين ولا سيما أمر يوم البعث، فإن من حمل العمل في الدنيا حمله العمل في الآخرة. ولما كان المقام للإنذار، وكان من رد الأوامر تكذيباً كفر، ومن تهاون بها ما أطاع ولا شكر، حذر من الفتور عنها بذكر ما للمكذب بها، فقال مسبباً عن ذلك باعثاً على اكتساب الخيرات من غير كسل ولا توقف، مذكراً بأن الملك التقم القرن وأصغى بجبهته انتظاراً للأمر بالنفخ، مشيراً بالبناء للمفعول إلى هوانه لديه وخفته عليه مؤذناً بأداة التحقق أنه لا بد من وقوعه: {فإذا نقر} أي نفخ وصوّت بشدة وصلابة ونفوذ وإنكاء {في الناقور *} أي الصور وهو القرن الذي إسرافيل عليه السلام ملتقمه الآن وهو مصغ لانتظار الأمر بالنفخ فيه للقيامة، ويجوز أن يراد الأيام التي يقضي فيها بالذل على الكافرين كيوم بدر والفتح وغيرهما كما جعلت الساعة والقيامة كناية عن الموت، فقال صلى الله عليه وسلم:"حديث : من مات فقد قامت قيامته"تفسير : عبر عنه بالنقر إشارة إلى أنه في شدته كالنقر في الصلب فيكون عنه صوت هائل، وأصل النقر القرع الذي هو سبب الصوت فهو أشد من صدعك لهم بالإنذار للحذار من دار البوار، فهنالك ترد الأرواح إلى أجسادها، فيبعث الناس فيقومون من قبورهم كنفس واحدة، وترى عاقبة الصبر، ويرى أعداؤك عاقبة الكبر، والتعبير فيه بصيغة المبالغة وجعله فاعلاً كالجاسوس إشارة إلى زيادة العظمة حتى كأنه هو الفاعل على هيئة هي في غاية الشدة والقوة، "حديث : وحذر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه رضي الله عنهم من النفخ في الصور وقربه فقالوا:كيف نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل" تفسير : ويجوز أن يكون التسبب عن الأمر بالصبر، أي اصبر فلنأخذن بثأرك في ذلك اليوم بما يقر عينك، فيكون تسلية له صلى الله عليه وسلم وتهديداً لهم. ولما ذكر هذا الشرط هل (؟) الذي صوره بصوره هائلة، أجابه بقوله: {فذلك} أي الوقت الصعب الشديد العظيم الشدة جداً البالغ في ذلك مبلغاً يشار إليه إشارة ما هو أبعد بعيد، وهو وقت النقر، ثم أبدل من هذا المبتدأ زيادة في تهويله قوله: {يومئذ} أي وقت إذ يكون النقر الهائل {يوم عسير *} أي بالغ العسر {على الكافرين} أي الذين كانوا يستهينون بالإنذار ويعرضون عنه لأنهم راسحون في الكفر الذي هو ستر ما يجب إظهاره من دلائل الوحدانية، ولما كان العسر قد يطلق على الشيء وفيه يسر من بعض الجهات أو يعالج فيرجع يسيراً، بين أنه ليس كذلك بقوله: {غير يسير *} فجمع فيه بين إثبات الشيء ونفي ضده تحقيقاً لأمره ودفعاً للمجاز عنه وتأييداً لكونه ولأنه غير منقطع بوجه، وتقييده بالكافرين يشعر بتيسره على المؤمنين.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن الضريس وابن مردويه والنحاس والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة المدثر بمكة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله. وأخرج الطيالسي وعبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن الضريس وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه وابن الأنباري في المصاحف قال: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن فقال: "يا أيها المدثر" قلت: يقولون {اقرأ باسم ربك الذي خلق} فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبدالله عن ذلك قلت له مثل ما قلت. قال جابر: لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : جاورت بحراء، فلما قضيت جواري فنوديت فنظرت عن يميني فلم أرَ شيئاً، ونظرت عن شمالي فلم أرَ شيئاً، ونظرت خلفي فلم أرَ شيئاً، فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فجثثت منه رعباً، فرجعت فقلت دثروني فدثروني، فنزلت {يا أيها المدثر قم فأنذر} إلى قوله: {والرجز فاهجر} . تفسير : وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة صنع لقريش طعاماً فلما أكلوا قال: ما تقولون في هذا الرجل؟ فقال بعضهم: ساحر، وقال بعضهم: ليس بساحر، وقال بعضهم: كاهن، وقال بعضهم: ليس بكاهن، وقال بعضهم: شاعر، وقال بعضهم ليس بشاعر، وقال بعضهم: سحر يؤثر، فاجتمع رأيهم على أنه سحر يؤثر فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فخرج وقنع رأسه وتدثر، فأنزل الله {يا أيها المدثر} إلى قوله: {ولربك فاصبر} . وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما {يا أيها المدثر} قال: دثرت هذا الأمر فقم به. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن إبراهيم النخعي رضي الله عنه {يا أيها المدثر} قال: كان متدثراً في قطيف، يعني شملة صغيرة الخمل {وثيابك فطهر} قال: من الإِثم {والرجز فاهجر} قال: الإِثم {ولا تمنن تستكثر} قال: لا تعط شيئاً لتعطى أكثر منه {ولربك فاصبر} قال: إذا أعطيت عطية فأعطها لربك واصبر حتى يكون هو الذي يثيبك. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه {يا أيها المدثر} قال: المتدثر في ثيابه {قم فأنذر} قال: أنذر عذاب ربك ووقائعه في الأمم وشدة نقمته إذا انتقم {وثيابك فطهر} يقول: طهرها من المعاصي وهي كلمة عربية، كانت العرب إذا نكث الرجل ولم يوف بعهده قالوا: إن فلاناً لدنس الثياب، وإذا أوفى وأصلح قالوا: إن فلاناً لطاهر الثياب {والرجز فاهجر} قال: هما صنمان كانا عند البيت أساف ونائلة يمسح وجوههما من أتى عليهما من المشركين، فأمر الله نبيه محمداً أن يهجرهما ويجانبهما {ولا تمنن تستكثر} قال: لا تعط شيئاً لمثابة الدنيا ولا لمجازاة الناس. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي مالك رضي الله عنه {وربك فكبر} قال: عظم {وثيابك فطهر} قال: عنى نفسه {والرجز فاهجر} قال: الشيطان والأوثان. وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه: قلنا يا رسول الله كيف نقول إذا دخلنا في الصلاة، فأنزل الله {وربك فكبر} فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نفتتح الصلاة بالتكبير. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما {يا أيها المدثر} قال: النائم {وثيابك فطهر} قال: لا تكن ثيابك التي تلبس من مكسب باطل {والرجز فاهجر} قال: الأصنام {ولا تمنن تستكثر} قال: لا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما {وثيابك فطهر} قال: من الإِثم قال: وهي في كلام العرب نقي الثياب. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وثيابك فطهر} قال: من الغدر، ولا تكن غداراً. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في الوقف والابتداء وابن مردويه عن عكرمة أن ابن عباس سئل عن قوله: {وثيابك فطهر} قال: لا تلبسها على غدرة ولا فجرة، ثم قال: ألا تسمعون قول غيلان بن سلمة: شعر : إني بحمد الله لا ثوب فاجر لبست ولا من غدرة أتقنع تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: كان الرجل في الجاهلية إذا كان غدراً قالوا: فلان دنس الثياب. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن أبي رزين {وثيابك فطهر} قال: عملك أصلحه، كان أهل الجاهلية إذا كان الرجل حسن العمل قالوا: فلان طاهر الثياب. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {وثيابك فطهر} قال: وعملك فأصلح. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما {وثيابك فطهر} قال: لست بكاهن ولا ساحر فأعرض عنه {والرجز فاهجر} قال: الأوثان {ولا تمنن تستكثر} قال: لا تعط مصانعة رجاء أفضل منه من الثواب {ولربك فاصبر} قال: على ما أوذيت. وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك رضي الله عنه {وثيابك فطهر} قال: عنى نفسه. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه {وثيابك فطهر} قال: ليس ثيابه الذي يلبس. وأخرج ابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه في قوله: {وثيابك فطهر} قال: خلقك فحسن. وأخرج ابن المنذر عن يزيد بن مرثد في قوله: {وثيابك فطهر} أنه ألقى على رسول الله صلى الله عليه وسلم سلا شاة. وأخرج الطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم {والرجز فاهجر} بالكسر. وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " حديث : {والرجز فاهجر} برفع الراء، وقال: هي الأوثان ". تفسير : وأخرج ابن المنذر عن حماد رضي الله عنه قال: قرأت في مصحف أبي "ولا تمنن أن تستكثر". وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه {ولا تمنن تستكثر} يقول: لا تعط شيئاً لتعطى أكثر منه، وإنما نزل هذا في النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك رضي الله عنه {ولا تمنن تستكثر} قال: لا تعط شيئاً لتعطى أكثر منه، وهي للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة والناس موسع عليهم. وأخرج الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما {ولا تمنن تستكثر} قال: لا تعط الرجل عطاء رجاء أن يعطيك أكثر منه. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه {ولا تمنن تستكثر} قال: لا تعظم عملك في عينك أن تستكثر من الخير. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما {ولا تمنن تستكثر} قال: لا تقل قد دعوتهم فلم يقبل مني، عد فادعهم {ولربك فاصبر} على ذلك. أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {فإذا نقر في الناقور} قال: الصور {يوم عسير} قال: شديد. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه {فإذا نقر في الناقور} قال: فإذا نفخ في الصور. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه وأبي مالك وعامر مثله. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه قال: الناقور الصور شيء كهيئة البوق. وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت {فإذا نقر في الناقور} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن وحنى جبهته يستمع متى يؤمر؟ قالوا: كيف نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا ". تفسير : وأخرج ابن سعد والحاكم عن بهز بن حكيم قال: أمنا زرارة بن أوفى فقرأ المدثر، فلما بلغ {فإذا نقر في الناقور} خر ميتاً فكنت فيمن حمله. وأخرج عبد حميد عن قتادة {فذلك يومئذ يوم عسير} قال: ثم بين على من مشقته وعسره فقال: {على الكافرين غير يسير} .
ابو السعود
تفسير : مكية وآيُها ست وخمسون {يـٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثّرُ} أي المتدثرُ هو لابسُ الدثارِ وهُوَ مَا يُلبسُ فوقَ الشِّعارِ الَّذي يلي الجسدَ قيلَ: هيَ أولُ سورةٍ نزلتْ. رُويَ عنْ جابرٍ رضيَ الله عنْهُ عنِ النبـيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قالَ: « حديث : كُنت عَلى جبلِ حراءٍ فنوديتُ يا محمدُ إنَّكَ رسولُ الله فنظرتُ عنْ يميني وَيسارِي فلمْ أرَ شيئاً فنظرتُ فوقِي فإذَا بهِ قاعدٌ عَلَى عرشٍ بـينَ السماءِ والأرضِ يعنيَ المَلكَ الَّذي ناداهُ فرعبتُ ورجعتُ إلى خديجَةَ فقلتُ: دثرونِي فنزلَ جبريلُ وقال: {يـٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثّرُ} » تفسير : عَنِ الزهري أنَّ أولَ ما نزلَ سورةُ اقرأْ إلى قولهِ تعالى: { أية : مَا لَمْ يَعْلَمْ} تفسير : [سورة العلق، الآية 5] فحزنَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وجعلَ يعلو شواهقَ الجبالِ فأتاهُ جبريلُ عليهِ السَّلامُ وقالَ: إنكَ نبـيُّ الله فرجِعَ إلى خديجةَ فقالَ: « حديث : دثرونِي وصُبُّوا عليَّ ماءً بارداً » تفسير : فنزلَ جبريلُ فقالَ: {يـٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثّرُ} وقيلَ: سمعَ منْ قريشٍ ما كرهَهُ فاغتمَّ فتغطّى بثوبِه متفكراً كَمَا يفعلُ المغمومُ فأُمِرَ أنْ لا يدعَ إنذارَهم وإنْ أسمعُوه وآذوه. وقيلَ: كانَ نائماً متدثراً. وقيلَ: المرادُ المتدثرُ بلباسِ النبوةِ والمعارفِ الإلهيةِ. وقُرِىءَ المُدَثَّرُ علَى صيغةِ اسمِ المفعولِ منْ دَثَرَهُ أي الَّذي دثرَ هذا الأمرَ العظيمَ وعصبَ به وفي حرفِ أبـي المنذرِ يا أيها المتدثرُ عَلى الأصْلِ {قُمِ} أي من مضجعكَ أوْ قُمْ قيامَ عَزْمٍ وَتصميمٍ {فَأَنذِرْ} أي افعلِ الإنذارَ وَأَحْدِثْهُ وقيلَ: أنذرْ قومَكَ كقولِه تعالَى: { أية : وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ} تفسير : [سورة الشعراء، الآية 214] أو جميعَ النَّاسِ حسبَمَا ينبىءُ عَنْهُ قولُه تعالى: { أية : وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ كَافَّةً لّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً} تفسير : [سورة سبأ، الآية 28] {وَرَبَّكَ فَكَبّرْ} واختصَّ ربَّك بالتكبـيرِ وهو وَصْفُهُ تعالى بالكبرياءِ اعتقاداً وقولاً ويُروى أنَّه لمَّا قالَ رسولُ الله: « حديث : الله أكبرُ » تفسير : فكبرتْ خديجةُ وفرحتُ وأيقنتْ أنَّه الوحيُ وقدْ يحملُ على تكبـيرِ الصَّلاةِ والفاءُ لمعنى الشرطِ كأنَّه قيلَ: ما كان أيْ أيُّ شيءٍ حدث فلا تدعُ تكبـيرَهُ أوْ للدلالةِ عَلى أنَّ المقصودَ الأولى من الأمرِ بالقيامِ أنْ يكبرَ رَبَّه وينزهَهُ منَ الشركِ فإنَّ أولَ ما يجبُ معرفةُ الصانعِ جلَّ جلالُه ثم تنزيهُه عَمَّا لا يليقُ بجنابهِ. {وَثِيَابَكَ فَطَهّرْ} مما ليسَ بطاهرٍ فإنَّه واجبٌ في الصَّلاةِ وأولى وأحبُّ في غيرِها وذلكَ بصيانتها وحفظها عن النجاساتِ وغسلِها بعد تلطخِها وبتقصيرها أيضاً فإنَّ طولَها يؤدي إلى جرِّ الذيولِ على القاذوراتِ وهُوَ أولُ ما أمَرَ بهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ منْ رفضِ العاداتِ المذمومةِ وقيلَ: هُو أمرٌ بتطهيرِ النفسِ مما يستقذرُ منَ الأفعالِ ويُستهجنُ منَ الأحوالِ يقالُ: فلانُ طاهرُ الذيلِ والأردانِ إذا وصفُوه بالنقاءِ من المعايبِ ومدانسِ الأخلاقَ.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ}[1-2] قال: يا أيها المستغيث من إعانة نفسك على صدرك وقلبك، قم بنا وأسقط عنك ما سوانا، وأنذر عبادنا لأنا قد هيأناك لأشرف المواقف وأعظم المقامات.
السلمي
تفسير : قال سهل: يا أيها المستعتب من إعانة نفسك على صدرك وقلبك قم بنا وأسقط عنك ما سوانا وأنذر عبادنا فإنا قد هيأناك لأشرف المواقف وأعظم المقامات. قال بعضهم: أزعج سره بالتجريد عن سكونه إلى القيام فى الطلب وعن طمأنينته حتى ورمت قدماه ثم قال: (فاعلم أنه لا إله إلا الله) فدلّ على دعوته إياه على التفريد {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [الآية:3، 4].
القشيري
تفسير : يا أيها المتدثر بثوبه. وهذه السورة من أول ما أُنْزِلَ من القرآن. قيل: إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ذَهَبَ إلى حِرَاء قبل النُّبُوة، فَبَدا له جبريلُ في الهواء، فرجع الرسول إلى بيت خديجة وهو يقول "دثِّروني دثِّروني" فَدُثِّرَ بثوبٍ فنزل عليه جبريل وقال: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ}. وقيل: أيها الطالبُ صَرْفَ الأذى عنك بالدثار اطلبْه بالإنذار. ويقال: قُمْ بنا، وأَسْقِطْ عنك ما سوانا، وأَنذِر عبادَنا؛ فلقد أقمناك بأشرف المواقف، ووقفناك بأعلى المقامات. ويقال: لمَّا سَكَنَ إلى قوله {قُمْ} وقام قَطَعَ سِرَّه عن السُّكونِ إلى قيامِه، ومن الطمأنينة في قيامه.
البقلي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ} اى ايها الغريق فى قلزم القدم قم بدعوى محبتى وانذار احبائى عن الاشتغال بغيرى واظهر جواهر حقائق بحر عينى للمقبلين الينا قال سهل يا ايها المستغيث من اغاثة نفسك على صدرك وقلبك قم بنا واسقط عنك ما سوانا وانذر عبادنا فانا ------لاشرف المواقف واعظم المقامات وقال بعضهم ازعج سره بالتجريد عن سكونه عن القيام فى الطلب وعن طمانيته حتى ورمت قدماه ثم قال فاعلم انه لا اله الا الله فدل ذلك على دعوته اياه على التفريد وقال بعضهم قم الينا بالقعود عما سوانا.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا ايها المدثر} بتشديدين اصله المتدثر وهو لابس الدثار وهو ما يلبس فوق الشعار الذى يلى الجسد ومنه قوله عليه السلام "حديث : الانصار شعار والناس دثارتفسير : وفيه اشارة الى ان الولاية كالشعار من حيث تعلقها بالباطن والنبوة كالدثار من حيث تعلقها بالظاهر ولذلك خوطب عليه السلام فى مقام الانذار بالمدثر (روى) عن جابر رضى الله عنه عن النبى عليه السلام انه قال كنت على جبل حرآء فنوديت يا محمد انك رسول الله فنظرت عن يمينى وعن يسارى ولم أر شيأ فنظرت فوقى فاذا به قاعد على عرش بين السماء والارض يعنى الملك الذى ناداه فرعبت ورجعت الى خديجة رضى الله عنها فقلت دثرونى دثرونى وصبوا علّى ماء باردا فنزل جبريل وقال يا أيها المدثر يعنى انه انما تدثر بناءً على اقشعرار جلده وارتعاد فرآئصه رعبا من الملك النازل من حيث انه رأى مالم يره قبل ولم يستأنس به بعد فظن ان به مسا من الجن فخاف على نفسه لذلك وذكر حضرة الشيخ الاكبر قدس سرة الاطهر ان التدثر انما يكون من البرودة التى تحصل عقيب الوحى وذلك ان الملك اذا ورد على النبى عليه السلام بعلم او حكم يلقى ذلك الروح الانسان وعند ذلك تشتعل الحرارة الغريزية فيتغير الوجه وتنقل الروطوبات الى سطح البدن لاستيلاء الحرارة فيكون من ذلك العرق فاذا سرى عنه ذلك سكن المزاج وانقشعت تلك الحرارة وانفتحت تلك المسام وقبل الجسم الهوآء من خارج فيتخلل الجسم فيبرد المزاج فتأخذه القشعريرة فتزاد عليه الثياب ليسخن انتهى وقرر بعضهم هذا المقام على غير ما ذكر كما قال فى كشف الاسرار وتفسير الكاشفى جابر بن عبد الله رضى الله عنه نقل ميكند از رسول صلى الله عليه وسلم درزمان فترت وحى براهى ميرفتم ناكاه ازآسمان آوازى شنيدم جشم بالاكردم ديدم همان ملك كه درغار حرا بمن آمده بود بركرسى نسته ميان زمين وآسمان ازسطوت وهيأت وعظمت وهيكل او خوفى برمن طارى شد بخانه بازكشتم وكفتم مرا بيوشانيد جامها برمن بوشيدند ومن در انديشه آن حال بودم كه حضرت عزت جل شأنه وحى فرستادكه ايها المدثر. وقال السهيل رحمه الله كان عليه السلام متدثرا بثيابه حين فزع من هول الوحى اول نزوله قال دثرونى دثرونى فقال له ربه ايها المدثر ولم يقل يا محمد ولا يا فلان ليستشعر اللين والملاطفة من ربه كما تقدم فى المزمل وفائدة اخرى مشاكلة الآية بما بعدها ووجه المشاكلة بين اول الكلام وبين قوله قم فأنذر خفى الابعد التأمل والمعرفة بقوله عليه السلام انى انا النذير العريان ومعنى النذير العريان الجاد المشمر وكان النذير من العرب اذا جتهد جرد ثوبه وأشار به مع الصياح تأكيدا فى الانذار والتحذير وقد قيل ايضا ان اصل قولهم النذير العريان ان رجلا من خثعم وهو كجعفر جبل واهل خثعميون وابن انما رابوا قبيلة من معد كما فى القاموس اخذه العدو فقطعوا يده وجردوا ثيابه فأفلت الى قومه نذيرا لهم وهو عريان فقيل لكل مجتهد فى الانذار والتخويف النذير العريان فاذا ثبت هذا فقد تشاكل الكلام بعضه ببعض فأمر المتدثر بالثياب مضاف الى معنى النذير العريان ومقابل ومرتبط به لفظا ومعنى.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: { يا أيها المدَّثِّر} أي: المتدثر, أُدغمت التاء في الدال، أي: المتلفّف في ثيابه، من الدِّثار، وهو كلُّ ما كان من الثياب فوق الشعار، والشعار: الثوب الذي يلي الجسد. قيل: هي أول سورة نزلت، والصحيح: أن أول ما نزل: {أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِكَ...}تفسير : [العلق:1] إلى قوله {أية : ...عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}تفسير : [العلق:5] ثم فتر الوحي نحو سنتين، فحزن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، حتى جعل يأتي شواهق الجبال، فيريد أن يتردَّى منها، فأتاه جبريلُ عليه السلام، وقال: إنك نبي الله، فرجع إلى خديجة، فقال: دثِّروني وصُبوا عليَّ ماءً بارداً، فنزل: {يا أيها المُدَّثر}، وقيل: سمع من قريش ما كرهه، فاغتم، فتغطّى بثوبه متفكراً، كما يفعل المغتم، فأمر ألاّ يدع إنذارهم وإن آذوه، فقال: {قُمْ} أي: من مضجعك, أو قيام عزم وتصميم، {فأنذِرْ} أي: فَحذِّر قومك من عذاب الله إن لم يؤمنوا، أو فافعل الإنذار من غير تخصيص، كما يُنبىء عنه قوله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً } تفسير : [سبأ:28]. {وربَّك فَكَبِّرْ} أي: خُص ربك بالتكبير، وهو التعظيم قولاً واعتقاداً، فلا يَكْبُرُ في عينك إلاّ الله، وقل عندما يعروك من غيره: الله أكبر. رُوي أنه لمّا نزل، قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الله أكبر" تفسير : فكبَّرت خديجة وفرحت، وأيقنت أنه الوحي. وقد يُحمل على تكبير الصلاة، والفاء بمعنى الشرط، كأنه قيل: أيّ شيء حدث فلا تدع تكبيره. {وثيابَك فطهِّرْ} مما ليس بطاهر، فإنه واجب في الصلاة، فلا تصح إلاّ بها، ووَصْفُ كمالٍ في غيرها، وذلك بصيانتها عن النجاسات، وغسلها بعد إصابتها، أو قَصِّرْها مخالفةً للعرب في تطويلهم الثياب، وجرهم الذيول كِبراً، فإنَّ طولها يؤدي إلى جرها على القاذورات، وهو أول ما أُمر به صلى الله عليه وسلم من ترك العادات المذمومة، وقيل: المراد تطهير النفس مما يُستقبح من الأفعال، ويُستهجن من الأحوال, يُقال: فلان طاهر الذيل والرداء، إذا وصفوه بالنقاء من المعايب ومدانس الأخلاق، ولأنَّ مَن طهر باطنه ظاهره غالباً. قال ابن العربي في أحكامه: والذي يقول: إنها الثياب المَجازية أكثر. هـ. ومَن قال: إنها الحسية استدل بها على وجوب غسل النجاسة للصلاة، وبه قال الشافعي، ومالك، في أحدى الروايات عنه. {والرُّجزَ فاهجرْ} أي: دم على هجرانها، قاله الزهري وغيره. وقال ابن عباس: أي: اترك المآثم التي توجب الرجز، وهو العذاب، وفيه لغتان: كسر الراء، وضمها، وقُرىء بهما معاً. قال الكسائي: الرُّجز ـ بالضم: الوثن، وبالكسر: العذاب. {ولا تمننْ تستكثرُ} أي: ولا تعطِ مُتكثِّراً، أي: رائياً لما تعطيه كثيراً، أو طالباً للكثير على ما أعطيت، فإنك مأمور بأجلّ الأخلاق، وأشرف الآداب، وهو من المنّ بمعنى الإنعام، يُقال: مَنَّ عليه إذا أعطاه وأنعم عليه، "وتستكثر": حال، أي: لا تُعطِ حال كونك تُعد ما أعطيت كثيراً، أو طالباً أكثر مما أعطى. وقرأ الحسن بالجزم جواب النهي. {ولربك فاصبِرْ} أي: لوجه الله استعمل الصبر على أوامره ونواهيه، وعلى تحمُّل مشاق أعباء التبليغ وأذى المشركين. {فإِذا نُقِرَ في الناقور} أي: نُفخ في الصور، وهو فَاعُول من النقر، بمعنى التصويت، وأصله: القرع، الذي هو سبب الصوت، والفاء سببية، كأنه قيل: اصبر على أذاهم، فبين أيديهم يوم هائل، يلْقون فيه عاقبة أذاهم، وتلقى عاقبة صبرك، والعامل في "إِذا" قوله: {فذلك يومئذٍ يومٌ عسيرٌ}، فإنَّ معناه: عسر الأمر على الكافرين إذا نُقر في الناقور، و"ذلك" إشارة إلى وقت النقر، وهو مبتدأ، و {يومئذ}: مرفوع المحل بدل منه، و {يوم عسير}: خبر، كأنه قيل: يوم النقر يوم عسير {على الكافرين}، وأكّده بقوله: {غيرُ يسير}؛ ليؤذن بأنه يَسيرٌ على المؤمنين، أو عسيرٌ لا يُرجى أن يرجع يسيراً، كما يرجى تيسير العسير من أمور الدنيا. واختُلف في أن المراد به: يوم النفخة الأولى أو الثانية، والحق إنها الثانية؛ إذ هي التي يختص عسرها بالكافرين، وأما النفخة الأولى، فحكمها ـ الذي هو الإصعاق ـ يعم البر والفاجر، على أنها مختصة بمَن كان حيًّا عند وقوعها، وقد جاء في الأخبار: أن في الصور ثُقْباً بعدد الأرواح، وأنها تجمع في تلك الثُقب في النفخة الثانية، فتخرج عند النفخ من كل ثقبة روح، فترجع إلى الجسد الذي نزعت منه، فيعود الجسد كما كان حيًّا، بإذن الله تعالى. الإشارة: يا أيها المتدثر بالعلوم والأسرار والمعارف؛ قُم فأنذر الناسَ، والخطاب للداعي الأكبر صلى الله عليه وسلم، ويتوجه لخليفته في كل زمان، وهو مَن وجَّهه الله لتذكير العباد ليحيي به الدين في أول كل عصر، كما في الأثر. قال الورتجبي: يا أيها المدثر، أي: يا أيها الغريق في قَلزوم القِدم، قُم لدعوى محبتي، وأنذر أحبائي عن الاشتغال بغيري، وأَظْهِر جواهر حقائب بحر غيبي للمقبلين إلينا. ثم قال على قوله: (وربك فَكَبِّر)، عن الحُسيْن: عَظِّم قدره عن احتياجه إليك في الدعوة إليه، فإنَّ إجابة دعوتك ممن سبقت له الهداية مني. هـ. قال القشيري: كبِّر ربك عن احتياجه إلى تكبير أحد، فإنَّ كبرياءه ذاتيٌّ له، قائم بنفسه، لا بغيره من المكبِّرين. هـ. والمتبادر أنه أمَرَ الداعي بتعظيم الله وإجلاله دون غيره من سائر المنذرين، فلا تمنعه جلالة أحد من العظماء والمتكبرين عن التصدَّي لإنذاره وتذكيره. وقوله تعالى: {وثيابك فطهِّر} أي: نَزّه ثياب إيمانك وعرفانك عن لوث الطمع في الخلق، وخصوصاً عند الدعوة، فلا تسأل عليه أجراً، ولا تؤمّل في جانبه عوضاً، فتُحرم بركة إنذارك، ويقلّ الانتفاع به. وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: رأيت النبيَّ صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال: يا علي، طَهِّر ثيابك من الدنس، تَحْظَ بمدد الله في كل نَفَس، فقلتُ: وما ثيابي يا رسول الله؟ فقال: إنَّ الله كساك حُلة المعرفة، ثم حُلة المحبة، ثم حُلة التوحيد، ثم حُلة الإيمان، ثم حُلة الإسلام، فمَن عرف الله صَغُر لديه كل شيء، ومَن أحبّ الله هان عليه كل شيء، ومَن وحّد الله لم يشرك به شيئاً، ومَن آمن بالله أَمِن من كل شيء، ومَن أسلم لله قلّما يعصيه، وإن عصاه اعتذر إليه، وإذا اعتذر إليه قَبِل عُذره. قال: ففهمتُ حينئذ قوله تعالى: {وثيابك فَطَهّر}. هـ. والرُّجز: كلُّ ما يشغل عن الله، فيُهجر اشتغالاً بالله، ولا تمنن ببذل مُهجتك على ربك، مستكثراً لذلك، فإنَّ قيمة وجودك لا تُساوي عُشر العشر من عظمة وجوده، الذي يمنحك بدلاً من وجودك الذي أعطيته، أو: ولا تمنن عليه بوجودك تطلب وجوده، فإنَّ وجوده إنما يُنال بكرمه، لا بشيء من العلل، ولربك فاصبر، أي: ولأجل الوصول إلى ربك فاصبر على مشاق السير، أو: ولربك فاصبر على إذاية الخلق في حال الدعوة. قال الورتجبي: ولربك فاصبر في بذل وجودك في جريان تقديره، أو مع ربك، وفي ربك، حين انكشف لك أنوار أسراره، وخاصيتُكَ في النظر إلى جلاله وجماله، ولا تنزعج، فتسقط عن درجة التمكين. وقال القاسم: ولربك فاصبر تحت القضاء والقدر. هـ. فإذا نُقر في الناقور: نُفخ في صور الفناء، فتندك السموات والأرض، بإظهار ما فيها من الأسرار، فتُطوى عن نظر العارف، فيفنى مَن لم يكن، ويبقى مَن لم يزل، فذلك يوم عسير على الكافرين بطريق الخصوص؛ إذ لا تنهدم العوالم لعين البصيرة إلاَّ لمَن هدم عوائد نفسه، وخالف هواه. وبالله التوفيق. ثم ذكر بعض رؤساء الكفرة الذين يعسر عليهم ذلك اليوم، فقال: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً}.
الطوسي
تفسير : هذا خطاب من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله يقول له {يا أيها المدثر} واصله المتدثر بثيابه، فادغمت التاء في الدال، لانها من مخرجها مع أن الدال اقوى بالجهر فيها، يقال: تدثر تدثراً ودثره تدثيراً، ودثر الرسم يدثر دثوراً إذا محي أثره، فكأنه قال: يا ايها الطالب صرف الأذى بالدثار اطلبه بالانذار. وقوله {قم فأنذر} أمر من الله تعالى له أن يقوم وينذر قومه، والانذار الاعلام بموضع المخافة ليتقى، فلما كان لا مخافة أشد من الخوف من عقاب الله كان الانذار منه اجلّ الانذار، وتقديره قم إلى الكفار فانذر من النار. وقوله {وربك} منصوب بـ {كبر} والتكبير وصف الاكبر على اعتقاد معناه كتكبير المكبر في الصلاة بقوله الله اكبر، والتكبير نقيض التصغير، ومثله التعظيم. والكبير الشأن هو المختص باتساع المقدور والمعلوم من غير مانع من الجود. فالله تعالى قادر لا يعجزه شيء، وعالم لا يخفى عليه شيء لا يمنعه من الجود على عباده شيء، فهو اكبر من كل كبير بما لا يساويه شيء، واختصاصه بالمقدور والمعلوم بأنه ما صح من مقدور او معلوم فهو قادر عليه عالم به فهو لنفسه كبير واكبر من كل كبير سواه. وقوله {وثيابك فطهر} أي وطهر ثيابك فهو منصوب به. والطهارة النظافة بانتفاء النجاسة، لأن النظافة قد تكون بانتفاء الوسخ من غير نجاسة، وقد تكون بانتفاء النجاسة. فالطهارة في الآية هو القسم الأخير. وقال ابن عباس {وثيابك فطهر} معناه من لبسها على معصيته، كما قال سلامة بن غيلان الثقفي - انشده ابن عباس: شعر : وإني بحمد الله لا ثوب فاجر لبست ولا من غدة أتقنع تفسير : وقال الزجاج: معناه لم أكن غادراً، قال يقال: للغادر دنس الثياب أي لم أعص قط وقيل: معناه شمر ثيابك - وفي رواية عن ابن عباس وإبراهيم وقتادة - ان معناه وثيابك فطهر من الذنوب. وقال ابن سيرين وابن زيد: اغسلها بالماء. وقيل معناه شمر ثيابك، وقيل: معناه وثيابك فطهر للصلاة فيها. وقوله {والرجز} منصوب بقوله {فاهجر} وقال الحسن: كل معصية رجز وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والزهري: معناه فاهجر الاصنام. وقال ابراهيم والضحاك: الرجز الاثم. وقال الكسائي: الرجز - بكسر الراء - العذاب، وبفتحها الصنم والوثن. وقالوا: المعنى اهجر ما يؤدي إلى العذاب، ولم يفرق احد بينهما. وبالضم قرأ حفص ويعقوب وسهل. الباقون بالكسر إما لانهما لغتان مثل الذكر والذكر او بما قاله الكسائي. وقال قوم: الرجز بالضم الصنم. وقال: كان الرجز صنمين: أساف ونائلة، نهى الله تعالى عن تعظيمهما. وقوله {ولا تمنن تستكثر} قال ابن عباس وابراهيم والضحاك وقتادة ومجاهد: معناه لا تعط عطية لتعطى أكثر منها، وقال الحسن والربيع وانس: معناه لا تمنن حسناتك على الله مستكثراً لها، فينفصل ذلك عند الله. وقال ابن زيد: معناه لا تمنن ما أعطاك الله من النبوة والقرآن مستكثراً به الأجر من الناس، وقال ابن مجاهد: معناه لا تضعف فى عملك مستكثراً لطاعتك، وقال قوم: معناه لا تمنن على الناس بما تنعم به عليهم على سبيل الاستكثار لذلك. وقال جماعة من النحويين: إن {تستكثر} فى موضع الحال ولذلك رفع. وأجاز الفراء الجزم على أن يكون جواباً للنهي، والرفع هو الوجه. والمن ذكر النعمة بما يكدرها، ويقطع حق الشكر بها، يقال: منّ بعطائه يمنّ مناً إذا فعل ذلك، فأما من على الاسير إذا أطلقه، فهو قطع أسباب الاعتقال عنه. ويقال: لمن أنعم على وجه المن، لأنه بهذه المنزلة، وأصله القطع من قوله {أية : فلهم أجر غير ممنون}تفسير : أى غير مقطوع. والاستكثار طلب الكثرة يقال: استكثر فلان من المال والعلم، والمراد - ها هنا - هو طلب ذكر الاستكثار للعطية. وقوله {ولربك فاصبر} قال ابراهيم: من أجل ربك فاصبر على عطيتك. وقال مجاهد: لاجل الله فاصبر على أذى المشركين. وقيل: معناه {ولربك فاصبر} على ما أمرك به من أداء الرسالة وتعليم الدين، وما ينالك من الاذى والتكذيب، فاحتمله لتنال الفوز من الله بالنعيم والصبر الذى هو طاعة الله هو الصبر على الضرر الذى يدعو اليه العقل، لان ما يدعو اليه العقل فخالق العقل يريده، لأنه بمنزلة دعاء الأمر الى الفعل، والسبب الذى يتقوى به على الصبر هو التمسك بداعي العقل دون داعي الطبع، لان العقل يدعو بالترغيب فيما ينبغي أن يرغب فيه. والطبع داعي الهوى يدعو إلى خلاف ما في العقل. وقوله {فإذا نقر في الناقور} معناه إذا نفخ فى الصور، وهو كهيأة البوق - فى قول مجاهد - وقيل: ان ذلك فى اول النفختين، وهو أول الشدة الهائلة العامة، والناقور على وزن (فاعول) من النقر، كقولك: هاضوم من الهضم وحاطوم من الحطم، وهو الذي من شأنه أن ينقر فيه للتصويت به. وقوله {فذلك يومئذ} يعني اليوم الذي ينفر فيه فى الناقور {يوم عسير} أى يوم شديد عسر {على الكافرين} لنعم الله الجاحدين لآياته {غير يسير} فاليسير القليل الكلفة، ومنه اليسار وهو كثرة المال لقلة الكلفة به فى الانفاق، ومنه تيسر الامر لسهولته وقلة الكلفة فيه. وقال الزجاج: قوله {يوم عسير} مرتفع بقوله {فذلك} والمعنى فذلك يوم عسير يوم النفخ فى الصور، ويومئذ يجوز أن يكون نصباً على معنى فذلك يوم عسير فى يوم ينفخ فى الصور، ويجوز الرفع، وإنما بني على الفتح لاضافته إلى (إذ) لأن (إذ) غير متمكنة.
الجنابذي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ} تدثّر تلفّف بثيابه، روى عن الرّسول (ص) انّه قال: "حديث : جاورت شهراً بحراء فلمّا قضيت جوارى نزلت فاستبطنت الوادى فنوديتُ، فنظرت امامى وخلفى وعن يمينى وشمالى فلم ار احداً، ثمّ نوديت فرفعت رأسى فاذا هو على العرش فى الهواء يعنى جبرئيل فقلت: دثّرونى دثّرونى فصبّوا علىّ ماءً"تفسير : فأنزل الله عزّ وجل: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ}، وفى خبرٍ: "حديث : فرعبت ورجعت الى خديجة فقلت: دثّرونى"تفسير : ، فنزل جبرئبل يا ايّها المدّثّر.
الأعقم
تفسير : {المدثر} لابس الدثار وهو ما فوق الشعار وهو الثواب الذي يلي الجسد، وقيل: هي أول سورة نزلت، روى جابر بن عبد الله عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : كنت على جبل حراء فنوديت: يا محمد إنك رسول الله، فنظرت عن يميني ويساري فلم أرَ شيئاً، فنظرت فوقي فرأيت شيئاً"تفسير : ، وفي رواية عائشة: "حديث : فنظرت فوقي فإذا به قاعدٌ على عرش بين السماء والأرض - يعني الملك الذين ناداه - فرعبت ورجعت إلى خديجة فقلت: دثروني، فنزل جبريل وقال: {يأيها المدثر}"تفسير : ، وعن الزهري: "أول سورة نزلت {أية : اقرأ باسم ربك} تفسير : [العلق: 1] إلى قوله: {أية : ما لم يعلم} تفسير : [العلق: 5] فحزن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعلو شواهق الجبال، فأتاه جبريل (عليه السلام) وقال: إنك نبي الله، فرجع إلى خديجة (رضي الله عنها) وقال: "حديث : دثروني وصبوا عليَّ ماء بارد"تفسير : ، فنزل {يأيها المدثر} {قم} من مضجعك أو قم قيام عزم {فانذر} فحذر قومك من عذاب الله إن لم يؤمنوا، والصحيح أن المعنى فافعل الإِنذرا من غير تخصيص له بأحد {وربك فكبر} واختص ربك بالتكبير وأن تقول الله أكبر، وروي أنه لما نزل قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "الله أكبر" فكبرت خديجة وفرحت وعلمت أنه الوحي، وقد يحمل على تكبير الصلاة {وثيابك فطهّر} أمر (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن تكون ثيابه طاهرة من النجاسات لأن طهارة الثياب شرط في الصلاة لا تصح إلا بها، وقيل: أمر بتقصيرها ومخالفة العرب، وقيل: هو أمر بتطهير النفس، وقيل: لا تلبسها على غدر فإن الغادر يدنس الثياب، وقيل: عملك فاخلصه {والرجز فاهجر} قيل: اترك المآثم والذنوب، وقيل: هي الأوثان، وقيل: كل معصية رجز، وقيل: اجتنب النجاسات، وقيل: العذاب أي اهجر كل ما يوجب العذاب من الأعمال {ولا تمنن تستكثر} قيل: لا تعطي شيئاً طمعاً في أن تعطى أكثر منه فتكون طالباً للمكافأة وهذا جائز إلا أن الله تعالى اختار له أشرف الآداب وأحسن الأخلاق، وقيل: لا تستكثر عملك، وقيل: لا تمنن على الناس بما تمنن به عليهم، وقيل: لا تمنن بالنبوة، وقيل: لا تمنن بما تأتيه من الابلاغ على أمتك {ولربك فاصبر} على أذى المشركين، وقيل: اصبر على ما أمر الله تعالى.
الهواري
تفسير : تفسير سورة المُدَّثِّر، وهي مكية كلها {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله عز وجل: {يَآ أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} أي: المُتَدَثِّر بِثيابه، يعني النبي عليه السلام. {قُمْ فَأَنْذِرْ} أي من النار. ذكروا عن جابر بن عبد الله قال: هذه أول سورة نزلت على النبي عليه السلام. قال [يحيى]: والعامة على أن أول ما نزل من القرآن: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ}. قال: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} قال بعضهم: لا يلبسها على معصيته. وقد يقال للرجل الصالح: إنه لطاهر الثياب. وتفسير الحسن: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} أي: من الغدر. قال تعالى: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ}. والرجز الأوثان، أي: لا تعبدها. قال تعالى: {وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ}. ذكروا عن الضحاك بن مزاحم أنه قال في قوله تعالى: (أية : وَمَآ ءَاتَيْتُم مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ اللهِ) تفسير : [الروم:39] قال تلك الهدية تهديها لِيُهدَى لك خبر منها، ليس لك فيها أجر، وليس عليك فيها وزر، نهى عنها النبي عليه السلام فقال: {وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ}. قال بعضهم: وهي في مصحف أبي بن كعب: {وَلاَ تَمْنُنْ أَنْ تَسْتَكْثِرَ} وذلك تفسيرها على قراءة من قرأها بالرفع. ذكروا عن الحسن أنه كان يقرأها بالجزم: {وَلاَ تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرْ} موقوفة. وقال: هي مقدّمة ومؤخرة. يقول: لاَ تَسْتَكْثِرْ عَمَلَكَ فَتَمُنَّ عَلَيْنَا.
اطفيش
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ} لابس الدثار وهو ما فوق الشعار وهو الثوب الذي يلي الجسد سمي لقوله لما جاءه الوحي دثروني وقيل المراد دثار النبوة والرسالة تجوزا قال صلى الله عليه وسلم الأنصار شعار والناس دثار وعن عكرمة يا أيها المتحمل نقل الرسالة فقم بها والأصل المتدثر ابدلت التاء دالا وأدغمت الدال في الدال وقرأ عكرمة بفتح الثاء على أنه اسم مفعول من دثره فالدال غير مشددة عنده قال جابر بن عبد الله وغيره أول ما نزل {يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ} حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم جاورت بحراء عشراً فلما قضيت جواري هبطت فنوديت يا محمد فنظرت عن يميني فلم أر شيئا ونظرت عن شمالي فلم أر شيئا ونظرت خلفي فلم أر شيئا فرفعت رأسي فرأيت شيئا فأتيت خديجة فقلت دثروني فدثروني وصبوا عليّ الماء البارد فنزلت {يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ} الخ وروي أنه نودي وهو على حراء يا محمد انك رسول الله وفي رواية عائشة فنظرت فوقي فإذا به قاعد على عرش بين السماء والأرض يعني الملك الذي ناداه فرعبت ورجعت الى خديجة فقلت دثروني دثروني فنزل {يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ} والعرش الكرسي وذلك الملك جبريل وفي رواية أنه ناداه في الوادي بعد الهبوط وفي رواية بينما أمشي سمعت صوتا فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءنى بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فرعبت وأخذتني رجفة شديدة فقلت زملوني زملوني فدثروني فنزل {يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ} والصحيح أن أول ما نزل سورة {أية : اقرأ باسم ربك} تفسير : وعليه الجمهور قال الزهري أول ما نزلت سورة {أية : إقرأ باسم ربك} تفسير : إلى قوله {أية : ما لم يعلم} تفسير : فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل يعلو شواهق الجبال فناداه جبريل إنك نبي الله فرجع الى خديجة وقال دثروني وصبوا عليّ ماء باردا فنزل {يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ} والجمع بين القولين أن أول ما نزل على الإطلاق اقرأ وأول ما نزل بعد فترة الوحي المدثر. وقيل سمع من قريش ما كرهه فاغتم فتغطى بثوبه مفكراً كما يفعل المغموم فأمر أن لا يدع إنذارهم وأن سمعون وأذوه وقيل كان نائماً متدثراً.
اطفيش
تفسير : أصله المتدثر كما قرأ به أُبى أُبدلت التاء دالاً وأُدغمت من تدثر بمعنى لبس الدثار وهو ما فوق الثوب الذى بلى البدن كما قال - صلى الله عليه وسلم - فى مدح الأَنصار وفى تفضيلهم على سائر الناس غير المهاجرين أو غير قريش أو على قريش أيضا والمهاجرين أيضا من وجه حديث : الأَنصار شعار والناس دثارتفسير : ، والشعار الثوب الذى يلى الجلدة والشعر، نودى باسم من فعله ملاطفة ومؤانسة له على حد ما مر فى المزمل، عن ابن عباس صنع الوليد بن المغيرة طعاماً لقريش فأَكلوا فقال: ما تقولون فى هذا الرجل فاختلفوا على حد ما مر ثم اتفقوا على أنه ساحر مؤثر فحزن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقنع رأسه وتدثر ونزلت إِلى قوله {ولربك فاصبر}، قال جابر ابن عبد الله قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إِذ سأَلته عن الآية حديث : لما قضيت جواري بحراء وقد جاوزت فيها شهراً هبطت فنوديت فنظرت يمينا وشمالا وخلفاً فلم أر شيئاً فرفعت رأسي فإِذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي فى الهواء ورعبت فقلت لأَهلي دثروني دثروني وصبوا على ماء بارداً تفسير : فنزلت يا أيها المدثر إِلى قوله فاهجر، وفى رواية لما قضيت جوارى فى حراء هبطت فاستبطنت الوادى الخ. فنوديت الخ وعن جابر أنها أول ما نزل ولا يصح عنه هذا فإِن هذه السورة نزلت بعد سورة المزمل بثلاث سنين وهو وقت إِرساله وكان قبلها نبياً غير رسول ألا ترى إِلى قوله فإِذا الملك الذى جاءنى بحراء فإِنه جاءه فيها فضمه فقال اقرأ وأطلقه وقال ما أنا بقارئ، كان ذلك ثلاثاً، وفى الثالثة قال اقرأ "أية : بسم الله الرحمن الرحيم. اقرأ باسم ربك" تفسير : [العلق: 1] إِلى "أية : ما لم يعلم" تفسير : [العلق: 5] فجاء أهله فقال زملونى زملونى، فأَول ما نزل سورة اقرأ وكان إِسرافيل يتعهده بكلمات ولما تمت ثلاث سنين رجع إِليه جبريل. وأمره بالإنذار، وهذا التدثر هو التزمل لا تدثر آخر، ولعل الخطاب بيا أيها المزمل قم الليل بعد أن كان له أصحاب يقومون بقيامه لا فى قوله زملونى إِذ لا أصحاب له حينئذ اللهم إِلا إِن كان له أصحاب على الهدى قبل النبوة وليس هذا معروفا ولعل جابر أراد الأَولية بالإِضافة إِلى الإِرسال بالإِنذار، أى أول ما نزل من الإِرسال بعد فترة الوحى، وقيل المدثر الغائب فى حراء أو فى ثيابه أو فى صورة عن الحقيقة المحمدية أو عن أنظار الخلق فلا يعرف حقيقته إِلا الله تعالى، والقولان للمتشدقين الصوفية قبحهم الله عز وجل يغيرون القرآن عن ظواهره إِلى ما هو خارج عن معناها وحقيقته يعلمها الله تعالى وحده كما قال فى البردة: أعيا الورى فهم معناه... إِلى قوله كلهم. وقيل المدثر بالنبوة والكمالات وقيل المستريح الفارغ لأنه فى ثلاث السنين الأولى لم يكلف بالتبليغ وفى ذلك كله نودى بذلك تأنيساً.
الالوسي
تفسير : أصله المتدثر فأدغم وهو على الأصل في حرف أبـي من تدثر لبس الدثار بكسر الدال وهو ما فوق القميص الذي يلي البدن ويسمى شعاراً لاتصاله بالبشرة والشعر ومنه قوله عليه الصلاة والسلام حديث : الأنصار شعار والناس دثار تفسير : والتركيب على ما قيل دائر مع معنى الستر على سبيل الشمول، كان الدثار ستر بالغ مكشوف نودي صلى الله عليه وسلم / باسم مشتق من صفته التي كان عليها تأنيساً له وملاطفة كما سمعت في {أية : يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمّلُ}تفسير : [المزمل: 1] وتدثره عليه الصلاة والسلام لما سمعت آنفاً. وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة صنع لقريش طعاماً فلما أكلوا قال ما تقولون في هذا الرجل؟ فاختلفوا ثم اجتمع رأيهم على أنه سحر يؤثر فبلغ ذلك النبـي صلى الله عليه وسلم فحزن وقنع رأسه وتدثر أي كما يفعل المغموم فأنزل الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثّرُ} [المدثر: 1] إلى قوله تعالى: {أية : وَلِرَبّكَ فَٱصْبِرْ}تفسير : [المدثر: 7]. وقيل المراد بالمدثر المتدثر بالنبوة والكمالات النفسانية على معنى المتحلي بها والمتزين بآثارها. وقيل أطلق المدثر وأريد به الغائب عن النظر على الاستعارة والتشبيه فهو نداء له بما كان عليه في غار حراء. وقيل الظاهر أن يراد بالمدثر وكذا بالمزمل الكناية عن المستريح الفارغ لأنه في أول البعثة، فكأنه قيل له عليه الصلاة والسلام قد مضى زمن الراحة وجاءتك المتاعب من التكاليف وهداية الناس، وأنت تعلم أنه لا ينافي إرادة الحقيقة وأمر التلطيف على حاله. وقال بعض السادة أي يا أيها الساتر للحقيقة المحمدية بدثار الصورة الآدمية، أو يا أيها الغائب عن أنظار الخليقة فلا يعرفك سوى الله تعالى على الحقيقة، إلى غير ذلك من العبارات والكل إشارة إلى ما قالوا في الحقيقة المحمدية من أنها حقيقة الحقائق التي لا يقف على كنهها أحد من الخلائق وعلى لسانها قال من قال: شعر : وإني وإن كنت ابن آدم صورة فلي فيه معنى شاهد بأبوتي تفسير : وإنها التعين الأول وخازن السر المقفل وإنها وإنها إلى أمور هيهات أن يكون للعقل إليها منتهى: شعر : أعيا الورى فهم معناه فليس يرى في القرب والبعد منه غير منفحم كالشمس تظهر للعينين من بعد صغيرة وتكل الطرف من أمم وكيف يدرك في الدنيا حقيقته قوم نيام تسلوا عنه بالحلم فمبلغ العلم فيه أنه بشر وأنه خير خلق الله كلهم تفسير : وقرأ عكرمة (المدثر) بتخفيف الدال وتشديد الثاء المكسورة على زنة الفاعل، وعنه أيضاً (المدثر) بالتخفيف والتشديد على زنة المفعول من دثره، وقال دثرت هذا الأمر وعصب بك أي شد والمعنى أنه المعول عليه فالعظائم به منوطة وأمور حلها وعقدها به مربوطة فكأنه قيل يا من توقف أمور الناس عليه لأنه وسيلتهم عند الله عز وجل.
سيد قطب
تفسير : ينطبق على هذه السورة من ناحية سبب نزولها، ووقت نزولها ما سبق ذكره عن سورة "المزمل". فهناك روايات بأنها هي أول ما نزل بعد سورة العلق، ورواية أخرى بأنها نزلت بعد الجهر بالدعوة وإيذاء المشركين للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ. قال البخاري، حدثنا يحيى، حدثنا وكيع، عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير قال: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن؟ قال: {يا أيها المدثر}.. قلت: يقولون {أية : اقرأ باسم ربك الذي خلق}تفسير : فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله عن ذلك، وقلت له مثل ما قلت لي، فقال جابر: لا أحدثك إلا ما حدثنا به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"حديث : جاورت بحراء فلما قضيت جواري هبطت فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أر شيئاً، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئاً، ونظرت أمامي فلم أر شيئاً، ونظرت خلفي فلم أر شيئاً، فرفعت رأسي فرأيت شيئاً. فأتيت خديجة فقلت: "دثروني وصبوا عليّ ماء بارداً" قال: فدثروني وصبوا عليّ ماء بارداً. قال: فنزلت: {يا أيها المدثر. قم فأنذر. وربك فكبر ".. تفسير : وقد رواه مسلم من طريق عقيل، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة. قال: أخبرني جابر بن عبد الله، أنه سمع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يحدث عن فترة الوحي، فقال في حديثه: "حديث : فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتاً من السماء، فرفعت بصري قبل السماء، فإذا الملك الذي جاءني بحراء، قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فجثيت منه حتى هويت إلى الأرض فجئت إلى أهلي فقلت: زملوني، فدثروني، فأنزل الله تعالى: {يا أيها المدثر. قم فأنذر.. ـ إلى ـ والرجز فاهجر}" تفسير : قال أبو سلمة: والرجز الأوثان. ثم حمي الوحي وتتابع".. ورواه البخاري من هذا الوجه أيضاً.. وهذا لفظ البخاري. وعلق ابن كثير في التفسير على هذا الحديث بقوله: "وهذا السياق هو المحفوظ، وهو يقتضي أنه قد نزل الوحي قبل هذا لقوله: "حديث : فإذا الملك الذي جاءني بحراء"تفسير : وهو جبريل، حين أتاه بقوله.. {أية : اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم}.. تفسير : ثم إنه حصل بعد هذا الفترة، ثم نزل الملك بعد هذا. ووجه الجمع أن أول شيء نزل بعد فترة الوحي هذه السورة".. فهذه رواية. وهناك رواية أخرى.. قال الطبراني. حدثنا محمد بن علي بن شعيب السمسار، حدثنا الحسن بن بشر البجلي، حدثنا المعافى بن عمران، عن إبراهيم بن يزيد، سمعت ابن أبي مليكة يقول: سمعت ابن عباس يقول: إن الوليد بن المغيرة صنع لقريش طعاماً، فلما أكلوا منه قال: ما تقولون في هذا الرجل؟ فقال بعضهم: ساحر. وقال بعضهم: ليس بساحر. وقال بعضهم: كاهن. وقال بعضهم: ليس بكاهن. وقال بعضهم: شاعر. وقال بعضهم: ليس بشاعر. وقال بعضهم: بل سحر يؤثر. فأجمع رأيهم على أنه سحر يؤثر. فبلغ ذلك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فحزن، وقنع رأسه، وتدثر. فأنزل الله تعالى: {يا أيها المدثر. قم فأنذر. وربك فكبر. وثيابك فطهر. والرجز فاهجر، ولا تمنن تستكثر. ولربك فاصبر}.. وتكاد تكون هذه الرواية هي ذاتها التي رويت عن سورة "المزمل".. مما يجعلنا لا نستطيع الجزم بشيء عن أيتهما هي التي نزلت أولاً. والتي نزلت بهذه المناسبة أو تلك. غير أن النظر في النص القرآني ذاته يوحي بأن مطلع هذه السورة إلى قوله تعالى: {ولربك فاصبر} ربما يكون قد نزل مبكراً في أوائل أيام الدعوة. شأنه شان مطلع سورة المزمل إلى قوله تعالى: {أية : واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلاً، رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلاً}.. تفسير : وهذا وذلك لإعداد نفس الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ للنهوض بالتبعة الكبرى، ومواجهة قريش بعد ذلك بالدعوة جهاراً وكافة، مما سيترتب عليه مشاق كثيرة متنوعة، تحتاج مواجهتها إلى إعداد نفسي سابق.. ويكون ما تلا ذلك في سورة المدثر، وما تلا هذا في سورة المزمل، قد نزلا بعد فترة بمناسبة تكذيب القوم وعنادهم، وإيذائهم للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالاتهام الكاذب والكيد اللئيم. إلا أن هذا الاحتمال لا ينفي الاحتمال الآخر، وهو أن يكون كل من المطلعين قد نزل متصلاً بما تلاه في هذه السورة وفي تلك، بمناسبة واحدة، وهي التكذيب، واغتمام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ للكيد الذي كادته قريش ودبرته.. ويكون الشأن في السورتين هو الشأن في سورة القلم على النحو الذي بيناه هناك. وأياً ما كان السبب والمناسبة فقد تضمنت هذه السورة في مطلعها ذلك النداء العلوي بانتداب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لهذا الأمر الجلل؛ وانتزاعه من النوم والتدثر والدفء إلى الجهاد والكفاح والمشقة: {يا أيها المدثر. قم فأنذر}.. مع توجيهه ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى التهيؤ لهذا الأمر العظيم، والاستعانة عليه بهذا الذي وجهه الله إليه: {وربك فكبر. وثيابك فطهر. والرجز فاهجر. ولا تمنن تستكثر. ولربك فاصبر}.. وكان ختام التوجيه هنا بالصبر كما كان هناك في سورة المزمل! وتضمنت السورة بعد هذا تهديداً ووعيداً للمكذبين بالآخرة، وبحرب الله المباشرة، كما تضمنت سورة المزمل سواء: {فإذا نقر في الناقور، فذلك يومئذ يوم عسير، على الكافرين غير يسير. ذرني ومن خلقت وحيداً. وجعلت له مالاً ممدوداً، وبنين شهوداً، ومهدت له تمهيداً، ثم يطمع أن أزيد. كلا! إنه كان لآياتنا عنيداً. سأرهقه صعوداً}.. وتعين سورة المدثر أحد المكذبين بصفته، وترسم مشهداً من مشاهد كيده ـ على نحو ما ورد في سورة القلم، وربما كان الشخص المعني هنا وهناك واحداً، قيل: إنه الوليد بن المغيرة ـ (كما سيأتي تفصيل الروايات عند مواجهة النص) وتذكر سبب حرب الله سبحانه وتعالى له: {إنه فكَّر وقدَّر. فقتل! كيف قدَّر؟ ثم نظر، ثم عبس وبسر. ثم أدبر واستكبر. فقال: إن هـذآ إلا سحر يؤثر. إن هـذآ إلا قول البشر}.. ثم تذكر مصيره: {سأصليه سقر. ومآ أدراك ما سقر، لا تبقي ولا تذر. لواحة للبشر. عليها تسعة عشر}.. وبمناسبة مشهد سقر. والقائمين عليها التسعة عشر. وما أثاره هذا العدد من بلبلة وفتنة وتساؤل وشك واستهزاء في أوساط المشركين وضعاف الإيمان، تتحدث السورة عن حكمة الله في ذكر هذا العدد، ثم تفتح كوة على حقيقة غيب الله، واختصاصه بهذا الغيب، وهي كوة تلقي ضوءاً على جانب من التصور الإيماني لحقيقة غيب الله المكنون: {وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة. وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا، ليستيقن الذين أوتوا الكتاب، ويزداد الذين آمنوا إيماناً، ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون، وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون: ماذآ أراد الله بهـذا مثلاً؟ كذلك يضل الله من يشآء ويهدي من يشآء، وما يعلم جنود ربك إلا هو، وما هي إلا ذكرى للبشر}.. ثم يصل أمر الآخرة وسقر ومن عليها بمشاهد كونية حاضرة، ليجمع على القلوب إيحاء هذه وتلك في معرض الإيقاظ والتحذير: {كلا والقمر. والليل إذ أدبر. والصبح إذآ أسفر. إنها لإحدى الكبر. نذيراً للبشر. لمن شآء منكم أن يتقدم أو يتأخر}.. كما يعرض مقام المجرمين ومقام أصحاب اليمين، حيث يعترف المكذبون اعترافاً طويلاً بأسباب استحقاقهم للارتهان والقيد في يوم الجزاء والحساب، يعقب عليه بكلمة الفصل في أمرهم الذي لا تنفعهم فيه شفاعة شافع: {كل نفس بما كسبت رهينة. إلا أصحاب اليمين. في جنات يتسآءلون عن المجرمين. ما سلككم في سقر؟ قالوا: لم نك من المصلين. ولم نك نطعم المسكين. وكنا نخوض مع الخآئضين. وكنا نكذب بيوم الدين. حتى أتانا اليقين. فما تنفعهم شفاعة الشافعين}.. وفي ظل هذا المشهد المخزي، والاعتراف المهين، يتساءل مستنكراً موقف المكذبين من الدعوة إلى التذكرة والنجاة من هذا المصير، ويرسم لهم مشهداً ساخراً يثير الضحك والزراية من نفارهم الحيواني الشموس: {فما لهم عن التذكرة معرضين؟ كأنهم حمر مستنفرة. فرت من قسورة!}. ويكشف عن حقيقة الغرور الذي يساورهم فيمنعهم من الاستجابة لصوت المذكر الناصح. {بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفاً منشرة}.. فهو الحسد للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والرغبة في أن يؤتى كل منهم الرسالة! والسبب الدفين الآخر هو قلة التقوى: {كلا! بل لا يخافون الآخرة}.. وفي الختام يجيء التقرير الجازم الذي لا مجاملة فيه: {كلا! إنه تذكرة. فمن شاء ذكره} ورد الأمر كله إلى مشيئة الله وقدره: {وما يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة}.. وهكذا تمثل السورة حلقة من حلقات الكفاح النفسي الذي كافحه القرآن للجاهلية وتصوراتها في قلوب قريش؛ كما كافح العناد والكيد والإعراض الناشئ عن العمد والقصد بشتى الأساليب.. والمشابهات كثيرة بين اتجاهات هذه السورة واتجاهات سورة المزمل، وسورة القلم، مما يدل على أنها جميعاً نزلت متقاربة، لمواجهة حالات متشابهة.. وذلك باستثناء الشطر الثاني من سورة المزمل، وقد نزل لشأن خاص بالرياضة الروحية للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وطائفة من الذين معه كما تقدم. وهذه السورة قصيرة الآيات. سريعة الجريان. منوعة الفواصل والقوافي. يتئد إيقاعها أحياناً، ويجري لاهثاً أحياناً! وبخاصة عند تصوير مشهد هذا المكذب وهو يفكر ويقدر ويعبس ويبسر.. وتصوير مشهد سقر. لا تبقي ولا تذر. لواحة للبشر.. ومشهد فرارهم كأنهم حمر مستنفرة. فرت من قسورة! وهذا التنوع في الإيقاع والقافية بتنوع المشاهد والظلال يجعل للسورة مذاقاً خاصاً؛ ولا سيما عند رد بعض القوافي ورجعها بعد انتهائها كقافية الراء الساكنة: المدثر. أنذر. فكبر.. وعودتها بعد فترة: قدر. بسر. استكبر. سقر.. وكذلك الانتقال من قافية إلى قافية في الفقرة الواحدة مفاجأة ولكن لهدف خاص. عند قوله: {فما لهم عن التذكرة معرضين؟ كأنهم حمر مستنفرة. فرت من قسورة}.. ففي الآية الأولى كان يسأل ويستنكر. وفي الثانية والثالثة كان يصور ويسخر! وهكذا.. والآن نأخذ في الاستعراض التفصيلي للسورة: {يا أيها المدّثّر. قم فأنذر. وربك فكبر. وثيابك فطهر. والرجز فاهجر. ولا تمنن تستكثر. ولربك فاصبر}.. إنه النداء العلوي الجليل، للأمر العظيم الثقيل.. نذارة هذه البشرية وإيقاظها، وتخليصها من الشر في الدنيا، ومن النار في الآخرة؛ وتوجيهها إلى طريق الخلاص قبل فوات الأوان.. وهو واجب ثقيل شاق، حين يناط بفرد من البشر ـ مهما يكن نبياً رسولاً ـ فالبشرية من الضلال والعصيان والتمرد والعتو والعناد والإصرار والالتواء والتفصي من هذا الأمر، بحيث تجعل من الدعوة أصعب وأثقل ما يكلفه إنسان من المهام في هذا الوجود! {يا أيها المدثر. قم فأنذر}.. والإنذار هو أظهر ما في الرسالة، فهو تنبيه للخطر القريب الذي يترصد للغافلين السادرين في الضلال وهم لا يشعرون. وفيه تتجلى رحمة الله بالعباد، وهم لا ينقصون في ملكه شيئاً حين يضلون، ولا يزيدون في ملكه شيئاً حين يهتدون. غير أن رحمته اقتضت أن يمنحهم كل هذه العناية ليخلصوا من العذاب الأليم في الآخرة، ومن الشر الموبق في الدنيا. وأن يدعوهم رسله ليغفر لهم ويدخلهم جنته من فضله! ثم يوجه الله رسوله في خاصة نفسه بعد إذ كلفه نذارة غيره: يوجهه إلى تكبير ربه: {وربك فكبر}.. ربك وحده.. فهو وحده الكبير، الذي يستحق التكبير. وهو توجيه يقرر جانباً من التصور الإيماني لمعنى الألوهية، ومعنى التوحيد. إن كل أحد، وكل شيء، وكل قيمة، وكل حقيقة.. صغير.. والله وحده هو الكبير.. وتتوارى الأجرام والأحجام، والقوى والقيم، والأحداث والأحوال، والمعاني والأشكال؛ وتنمحي في ظلال الجلال والكمال، لله الواحد الكبير المتعال. وهو توجيه للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليواجه نذارة البشرية، ومتاعها وأهوالها وأثقالها، بهذا التصور، وبهذا الشعور، فيستصغر كل كيد، وكل قوة، وكل عقبة، وهو يستشعر أن ربه الذي دعاه ليقوم بهذه النذارة، هو الكبير.. ومشاق الدعوة وأهوالها في حاجة دائمة إلى استحضار هذا التصور وهذا الشعور. ويوجهه إلى التطهر: {وثيابك فطهر}.. وطهارة الثياب كناية في الاستعمال العربي عن طهارة القلب والخلق والعمل.. طهارة الذات التي تحتويها الثياب، وكل ما يلم بها أو يمسها.. والطهارة هي الحالة المناسبة للتلقي من الملأ الأعلى. كما أنها ألصق شيء بطبيعة هذه الرسالة. وهي بعد هذا وذلك ضرورية لملابسة الإنذار والتبليغ، ومزاولة الدعوة في وسط التيارات والأهواء والمداخل والدروب؛ وما يصاحب هذا ويلابسه من أدران ومقاذر وأخلاط وشوائب، تحتاج من الداعية إلى الطهارة الكاملة كي يملك استنقاذ الملوثين دون أن يتلوث، وملابسة المدنسين من غير أن يتدنس.. وهي لفتة دقيقة عميقة إلى ملابسات الرسالة والدعوة والقيام على هذا الأمر بين شتى الأوساط، وشتى البيئات، وشتى الظروف، وشتى القلوب! ويوجهه إلى هجران الشرك وموجبات العذاب: {والرجز فاهجر}.. والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان هاجراً للشرك ولموجبات العذاب حتى قبل النبوة. فقد عافت فطرته السليمة ذلك الانحراف، وهذا الركام من المعتقدات الشائهة، وذلك الرجس من الأخلاق والعادات، فلم يعرف عنه أنه شارك في شيء من خوض الجاهلية. ولكن هذا التوجيه يعني المفاصلة وإعلان التميز الذي لا صلح فيه ولا هواده. فهما طريقان مفترقان لا يلتقيان. كما يعني التحرز من دنس هذا الرجز ـ والرجز في الأصل هو العذاب، ثم أصبح يطلق على موجبات العذاب ـ تحرز التطهر من مس هذا الدنس! ويوجهه إلى إنكار ذاته وعدم المن بما يقدمه من الجهد، أو استكثاره واستعظامه: {ولا تمنن تستكثر}.. وهو سيقدم الكثير، وسيبذل الكثير، وسيلقى الكثير من الجهد والتضحية والعناء. ولكن ربه يريد منه ألا يظل يستعظم ما يقدمه ويستكثره ويمتن به.. وهذه الدعوة لا تستقيم في نفس تحس بما تبذل فيها. فالبذل فيها من الضخامة بحيث لا تحتمله النفس إلا حين تنساه. بل حين لا تستشعره من الأصل لأنها مستغرقة في الشعور بالله؛ شاعرة بأن كل ما تقدمه هو من فضله ومن عطاياه. فهو فضل يمنحها إياه، وعطاء يختارها له، ويوفقها لنيله. وهو اختيار واصطفاء وتكريم يستحق الشكر لله. لا المن والاستكثار. ويوجهه أخيراً إلى الصبر. الصبر لربه: {ولربك فاصبر}.. وهي الوصية التي تتكرر عند كل تكليف بهذه الدعوة أو تثبيت. والصبر هو هذا الزاد الأصيل في هذه المعركة الشاقة. معركة الدعوة إلى الله. المعركة المزدوجة مع شهوات النفوس وأهواء القلوب؛ ومع أعداء الدعوة الذين تقودهم شياطين الشهوات وتدفعهم شياطين الأهواء! وهي معركة طويلة عنيفة لا زاد لها إلا الصبر الذي يقصد فيه وجه الله، ويتجه به إليه احتساباً عنده وحده. فإذا انتهى هذا التوجيه الإلهي للنبي الكريم، اتجه السياق إلى بيان ما ينذر به الآخرين، في لمسة توقظ الحس لليوم العسير، الذي ينذر بمقدمه النذير: {فإذا نقر في الناقور. فذلك يومئذ يوم عسير: على الكافرين غير يسير}.. والنقر في الناقور، هو ما يعبر عنه في مواضع أخرى بالنفخ في الصور. ولكن التعبير هنا أشد إيحاء بشدة الصوت ورنينه؛ كأنه نقر يصوّت ويدوّي. والصوت الذي ينقر الآذان أشد وقعاً من الصوت الذي تسمعه الآذان.. ومن ثم يصف اليوم بأنه عسير على الكافرين، ويؤكد هذا العسر بنفي كل ظل لليسر فيه: {على الكافرين غير يسير}.. فهو عسر كله. عسر لا يتخلله يسر. ولا يفصل أمر هذا العسر، بل يدعه مجملاً مجهلاً يوحي بالاختناق والكرب والضيق.. فما أجدر الكافرين أن يستمعوا للنذير، قبل أن ينقر في الناقور، فيواجههم هذا اليوم العسير العسير! وينتقل من هذا التهديد العام إلى مواجهة فرد بذاته من المكذبين؛ يبدو أنه كان له دور رئيسي خاص في التكذيب والتبييت للدعوة؛ فيوجه إليه تهديداً ساحقاً ماحقاً، ويرسم له صورة منكرة تثير الهزء والسخرية من حاله وملامح وجهه ونفسه التي تبرز من خلال الكلمات كأنها حية شاخصة متحركة الملامح والسمات: {ذرني ومن خلقت وحيدا، وجعلت له مالاً ممدودا، وبنين شهودا، ومهدت له تمهيدا؛ ثم يطمع أن أزيد! كلا! إنه كان لآياتنا عنيدا. سأرهقه صعودا. إنه فكر وقدر. فقتل! كيف قدر؟ ثم قتل! كيف قدر؟ ثم نظر، ثم عبس وبسر، ثم أدبر واستكبر، فقال: إن هـذآ إلا سحر يؤثر. إن هـذآ إلا قول البشر. سأصليه سقر. ومآ أدراك ما سقر؟ لا تبقي ولا تذر، لواحة للبشر، عليها تسعة عشر...}.. وقد وردت روايات متعددة بأن المعنيّ هنا هو الوليد بن المغيرة المخزومي. قال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثورة، عن معمر، عن عبادة بن منصور، عن عكرمة، أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقرأ عليه القرآن، فكأنه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل بن هشام، فأتاه فقال له: أي عم! إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالاً: قال: لم؟ قال: يعطونكه، فإنك أتيت محمداً تتعرض لما قِبله (يريد بخبث أن يثير كبرياءه من الناحية التي يعرف أن الوليد أشد بها اعتزازاً) قال: قد علمت قريش أني أكثرها مالاً! قال: فقل فيه قولاً يعلم قومك أنك منكر لما قال، وأنك كاره له! قال: فماذا أقول فيه؟ فوالله ما منكم رجل أعلم بالأشعار مني ولا أعلم برجزه ولا بقصيده، ولا بأشعار الجن! والله ما يشبه الذي يقوله شيئاً من هذا. والله إن لقوله الذي يقوله لحلاوة، وإنه ليحطم ما تحته، وإنه ليعلو وما يعلى.. قال: والله لا يرضى قومك حتى تقول فيه.. قال: فدعني حتى أفكر فيه.. فلما فكر قال: إن هذا إلا سحر يؤثره عن غيره. فنزلت: {ذرني ومن خلقت وحيداً ـ حتى بلغ ـ عليها تسعة عشر}. وفي رواية أخرى أن قريشاً قالت: لئن صبأ الوليد، لتصبون قريش كلها! فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه! ثم دخل عليه!.. وأنه قال بعد التفكير الطويل: إنه سحر يؤثر. أما ترون أنه يفرق بين المرء وأهله وولده ومواليه؟ هذه هي الواقعة كما جاءت بها الروايات. فأما القرآن فيسوقها هذه السياقة الحية المثيرة.. يبدأ بذلك التهديد القاصم الرهيب. {ذرني ومن خلقت وحيداً}.. والخطاب للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومعناه خل بيني وبين هذا الذي خلقته وحيداً مجرداً من كل شيء آخر مما يعتز به من مال كثير ممدود وبنين حاضرين شهود ونعم يتبطر بها ويختال ويطلب المزيد. خل بيني وبينه ولا تشغل بالك بمكره وكيده. فأنا سأتولى حربه.. وهنا يرتعش الحس ارتعاشه الفزع المزلزل؛ وهو يتصور انطلاق القوة التي لا حد لها.. قوة الجبار القهار.. لتسحق هذا المخلوق المضعوف المسكين الهزيل الضئيل! وهي الرعشة التي يطلقها النص القرآني في قلب القارئ والسامع الآمنين منها. فما بال الذي تتجه إليه وتواجهه! ويطيل النص في وصف حال هذا المخلوق، وما آتاه الله من نعمه وآلائه، قبل أن يذكر إعراضه وعناده. فهو قد خلقه وحيداً مجرداً من كل شيء حتى من ثيابه! ثم جعل له مالاً كثيراً ممدوداً. ورزقه بنين من حوله حاضرين شهوداً، فهو منهم في أنس وعزوة. ومهد له الحياة تمهيداً ويسرها له تيسيراً.. {ثم يطمع أن أزيد}.. فهو لا يقنع بما أوتي، ولا يشكر ويكتفي.. أم لعله يطمع في أن ينزل عليه الوحي وأن يعطى كتاباً كما سيجيء في آخر السورة: {بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفاً منشرة}.. فقد كان ممن يحسدون الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ على إعطائه النبوة. وهنا يردعه ردعاً عنيفاً عن هذا الطمع الذي لم يقدم حسنة ولا طاعة ولا شكراً لله يرجو بسببه المزيد: {كلا!}، وهي كلمة ردع وتبكيت ـ {إنه كان لآياتنا عنيداً}.. فعاند دلائل الحق وموحيات الإيمان. ووقف في وجه الدعوة، وحارب رسولها، وصد عنها نفسه وغيره، وأطلق حواليها الأضاليل. ويعقب على الردع بالوعيد الذي يبدل اليسر عسراً، والتمهيد مشقة! {سأرهقه صعوداً}.. وهو تعبير مصور لحركة المشقة. فالتصعيد في الطريق هو أشق السير وأشده إرهاقاً. فإذا كان دفعاً من غير إرادة من المصعد كان أكثر مشقة وأعظم إرهاقاً. وهو في الوقت ذاته تعبير عن حقيقة. فالذي ينحرف عن طريق الإيمان السهل الميسر الودود، يندبّ في طريق وعر شاق مبتوت؛ ويقطع الحياة في قلق وشدة وكربة وضيق، كأنما يصعد في السماء، أو يصعد في وعر صلد لا ريّ فيه ولا زاد، ولا راحة ولا أمل في نهاية الطريق! ثم يرسم تلك الصورة المبدعة المثيرة للسخرية والرجل يكد ذهنه! ويعصر أعصابه! ويقبض جبينه! وتكلح ملامحه وقسماته.. كل ذلك ليجد عيباً يعيب به هذا القرآن، وليجد قولاً يقوله فيه: {إنه فكر وقدر. فقتل! كيف قدر؟ ثم قتل! كيف قدر؟ ثم نظر. ثم عبس وبسر. ثم أدبر واستكبر. فقال: إن هـذآ إلا سحر يؤثر. إن هـذآ إلا قول البشر}.. لمحة لمحة. وخطرة خطرة. وحركة حركة. يرسمها التعبير، كما لو كانت ريشة تصور، لا كلمات تعبر، بل كما لو كانت فيلماً متحركاً يلتقط المشهد لمحة لمحة!!! لقطة وهو يفكر ويدبر ومعها دعوة هي قضاء {فقتل!} واستنكار كله استهزاء {كيف قدَّر} ثم تكرار الدعوة والاستنكار لزيادة الإيحاء بالتكرار. ولقطة وهو ينظر هكذا وهكذا في جد مصطنع متكلف يوحي بالسخرية منه والاستهزاء. ولقطة وهو يقطب حاجبيه عابساً، ويقبض ملامح وجهه باسراً، ليستجمع فكره في هيئة مضحكة! وبعد هذا المخاض كله؟ وهذا الحَزق كله؟ لا يفتح عليه بشيء.. إنما يدبر عن النور ويستكبر عن الحق.. فيقول: {إن هذا إلا سحر يؤثر. إن هذا إلا قول البشر}! إنها لمحات حية يثبتها التعبير القرآني في المخيلة أقوى مما تثبتها الريشة في اللوحة؛ وأجمل مما يعرضها الفيلم المتحرك على الأنظار! وإنها لتدع صاحبها سخرية الساخرين أبد الدهر، وتثبت صورته الزرية في صلب الوجود، تتملاها الأجيال بعد الأجيال! فإذا انتهى عرض هذه اللمحات الحية الشاخصة لهذا المخلوق المضحك، عقب عليها بالوعيد المفزع: {سأصليه سقر}.. وزاد هذا الوعيد تهويلاً بتجهيل سقر: {وما أدراك ما سقر؟}.. إنها شيء أعظم وأهول من الإدراك! ثم عقب على التجهيل بشيء من صفتها أشد هولاً: {لا تبقي ولا تذر}.. فهي تكنس كنساً، وتبلع بلعاً، وتمحو محواً، فلا يقف لها شيء، ولا يبقى وراءها شيء، ولا يفضل منها شيء! ثم هي تتعرض للبشر وتلوح: {لواحة للبشر}.. كما قال في سورة المعارج: {تدعو من أدبر وتولى}.. فهي تدل على نفسها، وكأنما تقصد إثارة الفزع في النفوس، بمنظرها المخيف! ويقوم عليها حراس عدتهم: {تسعة عشر}.. لا ندري أهم أفراد من الملائكة الغلاظ الشداد، أم صفوف أم أنواع من الملائكة وصنوف. إنما هو خبر من الله سندري شأنه فيما يجيء.. فأما المؤمنون فقد تلقوا كلمات الله بالتسليم اللائق بمن وثق بربه، وتأدب معه أدب العبد مع الرب فلم يعد يماري في خبره وقوله. وأما المشركون فتلقفوا هذا العدد بقلوب خاوية من الإيمان، عارية من التوقير لله، خالية من الجد في تلقي هذا الأمر العظيم. وراحوا يتهكمون عليه ويسخرون منه، ويتخذونه موضعاً للتندر والمزاح.. قال قائل منهم: أليس يتكفل كل عشرة منكم بواحد من هؤلاء التسعة عشر!؟ وقال قائل: لا بل اكفوني أنتم أمر اثنين منهم وعليّ الباقي أنا أكفيكموهم! وبمثل هذه الروح المطموسة المغلقة الفاضية تلقوا هذا القول العظيم الكريم. عندئذ نزلت الآيات التالية تكشف عن حكمة الله في الكشف عن هذا الجانب من الغيب، وذكر هذا العدد، وترد علم الغيب إلى الله، وتقرر ما وراء ذكر سقر وحراسها من غاية ينتهي الموقف إليها: {وما جعلنآ أصحاب النار إلا ملائكة. وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا، ليستيقن الذين أوتوا الكتاب، ويزداد الذين آمنوا إيماناً، ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون، وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون: ماذآ أراد الله بهـذا مثلاً؟ كذلك يضل الله من يشآء، ويهدي من يشآء، وما يعلم جنود ربك إلا هو، وما هي إلا ذكرى للبشر}... تبدأ الآية بتقرير حقيقة أولئك التسعة عشر الذين تمارى فيهم المشركون: {وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة}.. فهم من ذلك الخلق المغيب الذي لا يعلم طبيعته وقوته إلا الله؛ وقد قال لنا عنهم: إنهم {أية : لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون}تفسير : فقرر أنهم يطيعون ما يأمرهم به الله، وأن بهم القدرة على فعل ما يأمرهم. فهم إذن مزودون بالقوة التي يقدرون بها على كل ما يكلفهم الله إياه. فإذا كان قد كلفهم القيام على سقر، فهم مزودون من قبله سبحانه بالقوة المطلوبة لهذه المهمة، كما يعلمها الله، فلا مجال لقهرهم أو مغالبتهم من هؤلاء البشر المضعوفين! وما كان قولهم عن مغالبتهم إلا وليد الجهل الغليظ بحقيقة خلق الله وتدبيره للأمور. {وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا}.. فهم الذين يثير ذكر العدد في قلوبهم رغبة الجدل؛ ولا يعرفون مواضع التسليم ومواضع الجدل. فهذا الأمر الغيبي كله من شأن الله، وليس لدى البشر عنه من علم كثير ولا قليل، فإذا أخبر الله عنه خبراً فهو المصدر الوحيد لهذا الطرف من الحقيقة، وشأن البشر هو تلقي هذا الخبر بالتسليم، والاطمئنان إلى أن الخير في ذكر هذا الطرف وحده، بالقدر الذي ذكره، وأن لا مجال للجدل فيه، فالإنسان إنما يجادل فيما لديه عنه علم سابق يناقض الخبر الجديد أو يغايره. أما لماذا كانوا تسعة عشر (أياً كان مدلول هذا العدد) فهو أمر يعلمه الله الذي ينسق الوجود كله، ويخلق كل شيء بقدر. وهذا العدد كغيره من الأعداد. والذي يبغي الجدل يمكنه أن يجادل وأن يعترض على أي عدد آخر وعلى أي أمر آخر بنفس الاعتراض.. لماذا كانت السماوات سبعاً؟ لماذا كان خلق الإنسان من صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من نار؟ لماذا كان حمل الجنين تسعة أشهر؟ لماذا تعيش السلاحف آلاف السنين؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟ والجواب: لأن صاحب الخلق والأمر يريد ويفعل ما يريد! هذا هو فصل الخطاب في مثل هذه الأمور.. {ليستيقن الذين أوتوا الكتاب، ويزداد الذين آمنوا إيماناً، ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون}.. فهؤلاء وهؤلاء سيجدون في عدد حراس سقر ما يدعو بعضهم إلى اليقين ويدعو البعض إلى ازدياد الإيمان. فأما الذين أوتوا الكتاب فلا بد أن لديهم شيئاً عن هذه الحقيقة، فإذا سمعوها من القرآن استيقنوا أنه مصدق لما بين يديهم عنها. وأما الذين آمنوا فكل قول من ربهم يزيدهم إيماناً. لأن قلوبهم مفتوحة موصولة تتلقى الحقائق تلقياً مباشراً؛ وكل حقيقة ترد إليها من عند الله تزيدها أنساً بالله.. وستشعر قلوبهم بحمكة الله في هذا العدد، وتقديره الدقيق في الخلق، فتزيد قلوبهم إيماناً. وتثبت هذه الحقيقة في قلوب هؤلاء وهؤلاء فلا يرتابون بعدها فيما يأتيهم من عند الله. {وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون: ماذا أراد الله بهذا مثلاً؟}.. وهكذا تترك الحقيقة الواحدة أثرين مختلفين في القلوب المختلفة.. فبينما الذين أوتوا الكتاب يستيقنون، والذين آمنوا يزيدون إيماناً، إذا بالذين كفروا وضعاف القلوب المنافقون في حيرة يتساءلون: {ماذا أراد الله بهذا مثلاً؟}.. فهم لا يدركون حكمة هذا الأمر الغريب. ولا يسلمون بحكمة الله المطلقة في تقدير كل خلق. ولا يطمئنون إلى صدق الخبر والخير الكامن في إخراجه من عالم الغيب إلى عالم الشهادة.. {كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء}.. كذلك. بذكر الحقائق وعرض الآيات. فتتلقاها القلوب المختلفة تلقياً مختلفاً. ويهتدي بها فريق وفق مشيئة الله؛ ويضل بها فريق حسب مشيئة الله. فكل أمر مرجعه في النهاية إلى إرادة الله المطلقة التي ينتهي إليها كل شيء. وهؤلاء البشر خرجوا من يد القدرة باستعداد مزدوج، للهدى والضلال؛ فمن اهتدى ومن ضل كلاهما يتصرف داخل حدود المشيئة التي خلقتهم بهذا الاستعداد المزدوج، ويسرت لهم التصرف في هذا أو ذاك، في حدود المشيئة الطليقة، ووفق حكمة الله المكنونة. وتصور طلاقة المشيئة وانتهاء كل ما يقع في هذا الوجود إليها تصوراً كاملاً واسع المدلول، يعفي العقول من الجدل الضيق حول ما يسمونه الجبر والإرادة. وهو الجدل الذي لا ينتهي إلى تصور صحيح، بسبب أنه يتناول المسألة من زاوية ضيقة، ويضعها في أشكال محددة نابعة من منطق الإنسان وتجاربه وتصوراته المحدودة! بينما هو يعالج قضية من قضايا الألوهية غير المحدودة! لقد كشف الله لنا عن طريق الهدى وطريق الضلال. وحدد لنا نهجاً نسلكه فنهتدي ونسعد ونفوز. وبيّن لنا نهوجاً ننحرف إليها فنضل ونشقى ونخسر. ولم يكلفنا أن نعلم وراء ذلك شيئاً، ولم يهبنا القدرة على علم شيء وراء هذا. وقال لنا: إن إرادتي مطلقة وإن مشيئتي نافذة.. فعلينا أن نعالج ـ بقدر طاقتنا ـ تصور حقيقة الإرادة المطلقة والمشيئة النافذة. وأن نلتزم النهج الهادي ونتجنب النهوج المضللة. ولا ننشغل في جدل عقيم حول ما لم نوهب القدرة على إدراك كنهه من الغيب المكنون. ومن ثم ننظر فنرى كل ما أنفقه المتكلمون في مسألة القدر على النحو الذي تكلموا به جهداً ضائعاً لا طائل وراءه لأنه في غير ميدانه.. إننا لا نعلم مشيئة الله المغيبة بنا، ولكننا نعلم ماذا يطلب الله منا لنستحق فضله الذي كتبه على نفسه. وعلينا إذن أن ننفق طاقتنا في أداء ما كلفنا، وأن ندع له هو غيب مشيئته فينا. والذي سيكون هو مشيئته، وعندما يكون سنعرف أن هذه مشيئته لا قبل كونه! والذي سيكون وراءه حكمة يعرفها العليم بالكل المطلق.. وهو الله وحده.. وهذا هو طريق المؤمن في التصور ومنهجه في التفكر.. {وما يعلم جنود ربك إلا هو}.. فهي غيب. حقيقتها. ووظيفتها. وقدرتها.. وهو يكشف عما يريد الكشف عنه من أمرها، وقوله هو الفصل في شأنها. وليس لقائل بعده أن يجادل أو يماحك أو يحاول معرفة ما لم يكشف الله عنه، فليس إلى معرفة هذا من سبيل.. {وما هي إلا ذكرى للبشر}.. {وهي} إما أن تكون هي جنود ربك، وإما أن تكون هي سقر ومن عليها. وهي من جنود ربك. وذكرها جاء لينبه ويحذر؛ لا لتكون موضوعاً للجدل والمماحكة! والقلوب المؤمنة هي التي تتعظ بالذكرى، فأما القلوب الضالة فتتخذها مماحكة وجدلاً! ويعقب على هذه الوقفة التقريرية لهذه الحقيقة من حقائق الغيب، ولمناهج التصور الهادية والمضللة.. يعقب على هذا بربط حقيقة الآخرة، وحقيقة سقر، وحقيقة جنود ربك، بظواهر الوجود المشهودة في هذا العالم، والتي يمر عليها البشر غافلين، وهي تشي بتقدير الإرادة الخالقة وتدبيرها، وتوحي بأن وراء هذا التقدير والتدبير قصداً وغاية، وحساباً وجزاء: {كلا والقمر. والليل إذ أدبر. والصبح إذآ أسفر. إنها لإحدى الكبر. نذيراً للبشر} ومشاهد القمر، والليل حين يدبر، والصبح حين يسفر.. مشاهد موحية بذاتها، تقول للقلب البشري أشياء كثيرة؛ وتهمس في أعماقه بأسرار كثيرة؛ وتستجيش في أغواره مشاعر كثيرة. والقرآن يلمس بهذه الإشارة السريعة مكامن هذه المشاعر والأسرار في القلوب التي يخاطبها، على خبرة بمداخلها ودروبها! وقلَّ أن يستيقظ قلب لمشهد القمر حين يطلع يسري وحين يغيب.. ثم لا يعي عن القمر شيئاً يهمس له به من أسرار هذا الوجود! وإن وقفة في نور القمر أحياناً لتغسل القلب كما لو كان يستحم بالنور! وقلَّ أن يستيقظ قلب لمشهد الليل عند إدباره، في تلك الهدأة التي تسبق الشروق، وعندما يبدأ هذا الوجود كله يفتح عينيه ويفيق.. ثم لا ينطبع فيه أثر من هذا المشهد وتدب في أعماقه خطرات رفافة شفافة. وقلَّ أن يستيقظ قلب لمشهد الصبح عند إسفاره وظهوره، ثم لا تنبض فيه نابضة من إشراق وتفتح وانتقال شعوري من حال إلى حال، يجعله أشد ما يكون صلاحية لاستقبال النور الذي يشرق في الضمائر مع النور الذي يشرق في النواظر. والله الذي خلق القلب البشري يعلم أن هذه المشاهد بذاتها تصنع فيه الأعاجيب في بعض الأحايين، وكأنها تخلقه من جديد. ووراء هذه الانبعاثات والإشراقات والاستقبالات ما في القمر، وما في الليل، وما في الصبح من حقيقة عجبية هائلة يوجه القرآن إليها المدارك، وينبه إليها العقول. ومن دلا لة على القدرة المبدعة والحكمة المدبرة، والتنسيق الإلهي لهذا الكون، بتلك الدقة التي يحير تصورها العقول. ويقسم الله سبحانه بهذه الحقائق الكونية الكبيرة لتنبيه الغافلين لأقدارها العظيمة، ودلالاتها المثيرة. يقسم على أن {سقر} أو الجنود التي عليها، أو الآخرة وما فيها، هي إحدى الأمور الكبيرة العجيبة المنذرة للبشر بما وراءهم من خطر: {إنها لإحدى الكبر، نذيراً للبشر}.. والقسم ذاته، ومحتوياته، والمقسم عليه بهذه الصورة.. كلها مطارق تطرق قلوب البشر بعنف وشدة، وتتسق مع النقر في الناقور، وما يتركه من صدى في الشعور. ومع مطلع السورة بالنداء الموقظ: {يا أيها المدثر} والأمر بالنذارة: {قم فأنذر}.. فالجو كله نقر وطرق وخطر!! وفي ظل هذه الإيقاعات المثيرة الخطيرة يعلن تبعة كل نفس لذاتها وعلى ذاتها؛ ويدع للنفوس أن تختار طريقها ومصيرها؛ ويعلن لها أنها مأخوذة بما تكسبه باختيارها، مرهونة بأعمالها وأوزارها: {لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر. كل نفس بما كسبت رهينة}.. فكل فرد يحمل همَّ نفسه وتبعتها، ويضع نفسه حيث شاء أن يضعها، يتقدم بها أو يتأخر، ويكرمها أو يهينها. فهي رهينة بما تكسب، مقيدة بما تفعل. وقد بين الله للنفوس طريقة لتسلك إليه على بصيرة، وهو إعلان في مواجهة المشاهد الكونية الموحية، ومشاهد سقر التي لا تبقي ولا تذر.. له وقعه وله قيمته! وعلى مشهد النفوس الرهينة بما كسبت، المقيدة بما فعلت، يعلن إطلاق أصحاب اليمين من العقال، وإرسالهم من القيد، وتخويلهم حق سؤال المجرمين عما انتهى بهم إلى هذا المصير: {إلا أصحاب اليمين، في جنات يتسآءلون عن المجرمين: ما سلككم في سقر؟ قالوا: لم نك من المصلين، ولم نك نطعم المسكين، وكنا نخوض مع الخآئضين، وكنا نكذب بيوم الدين، حتى أتانا اليقين}.. وانطلاق أصحاب اليمين وانفلاتهم من الرهن والقيد موكول إلى فضل الله الذي يبارك حسناتهم ويضاعفها. وإعلان ذلك في هذا الموقف وعرضه يلمس القلوب لمسة مؤثرة. يلمس قلوب المجرمين المكذبين، وهم يرون أنفسهم في هذا الموقف المهين، الذي يعترفون فيه فيطيلون الاعتراف، بينما المؤمنون الذين كانوا لا يحفلونهم في الدنيا، ولا يبالونهم، في موقف الكرامة والاستعلاء، يسألونهم سؤال صاحب الشأن المفوض في الموقف: {ما سلككم في سقر؟}.. ويلمس قلوب المؤمنين الذين كانوا يلاقون من المجرمين ما يلاقون في الأرض، وهم يجدون أنفسهم اليوم في هذا المقام الكريم وأعداءهم المستكبرين في ذلك المقام المهين.. وقوة المشهد تلقي في نفوس الفريقين أنه قائم اللحظة وأنهم فيه قائمون.. وتطوي صفحة الحياة الدنيا بما فيها كأنه ماض انتهى وولى! والاعتراف الطويل المفصل يتناول الجرائر الكثيرة التي انتهت بالمجرمين إلى سقر، يعترفون بها هم بألسنتهم في ذلة المستكين أمام المؤمنين: {قالوا: لم نك من المصلين}.. وهي كناية عن الإيمان كله، تشير إلى أهمية الصلاة في كيان هذه العقيدة، وتجعلها رمز الإيمان ودليله، يدل إنكارها على الكفر، ويعزل صاحبها عن صف المؤمنين. {ولم نك نطعم المسكين}.. وهذه تلي عدم الإيمان، بوصفها عبادة الله في خلقه، بعد عبادته ـ سبحانه ـ في ذاته. ويدل ذكرها بهذه القوة في مواضع شتى على الحالة الاجتماعية التي كان القرآن يواجهها، وانقطاع الإحسان للفقير في هذه البيئة القاسية، على الرغم من الفخر بالكرم في مواضع المفاخرة والاختيال، مع تركه في مواضع الحاجة والعطف الخالص البريء. {وكنا نخوض مع الخائضين}.. وهي تصف حالة الاستهتار بأمر العقيدة، وحقيقة الإيمان، وأخذها مأخذ الهزل واللعب والخوض بلا مبالاة ولا احتفال. وهي أعظم الجد وأخطر الأمر في حياة الإنسان؛ وهي الشأن الذي ينبغي أن يفصل فيه ضميره وشعوره قبل أن يتناول أي شأن آخر من شؤون هذه الحياة، فعلى أساسها يقوم تصوره وشعوره وقيمه وموازينه. وعلى ضوئها يمضي في طريق الحياة. فكيف لا يقطع فيها برأي ولا يأخذها مأخذ الجد؟ ويخوض فيها مع الخائضين، ويلعب فيها مع اللاعبين؟ {وكنا نكذب بيوم الدين} وهذه أس البلايا. فالذي يكذب بيوم الدين تختل في يده جميع الموازين، وتضطرب في تقديره جميع القيم، ويضيق في حسه مجال الحياة، حين يقتصر على هذا العمر القصير المحدود في هذه الأرض؛ ويقيس عواقب الأمور بما يتم منها في هذا المجال الصغير القصير، فلا يطمئن إلى هذه العواقب، ولا يحسب حساب التقدير الأخير الخطير.. ومن ثم تفسد مقاييسه كلها ويفسد في يده كل أمر من أمور هذه الدنيا، قبل أن يفسد عليه تقديره للآخرة ومصيره فيها.. وينتهي من ثم إلى شر مصير. والمجرمون يقولون: إننا ظللنا على هذه الأحوال، لا نصلي، ولا نطعم المسكين، ونخوض مع الخائضين، ونكذب بيوم الدين.. {حتى أتانا اليقين}.. الموت الذي يقطع كل شك وينهي كل ريب، ويفصل في الأمر بلا مرد.. ولا يترك مجالاً لندم ولا توبة ولا عمل صالح.. بعد اليقين.. ويعقب السياق على الموقف السيئ المهين، بقطع كل أمل في تعديل هذا المصير: {فما تنفعهم شفاعة الشافعين}.. فقد قضي الأمر، وحق القول، وتقرر المصير، الذي يليق بالمجرمين المعترفين! وليس هنالك من يشفع للمجرمين أصلاً. وحتى على فرض ما لا وجود له فما تنفعهم شفاعة الشافعين! وأمام هذا الموقف المهين الميئوس منه في الآخرة، يردهم إلى موقف في الفرصة المتاحة لهم في الأرض قبل مواجهة ذلك الموقف؛ وهم يصدون عنها ويعرضون، بل يفرون من الهدى والخير ووسائل النجاة المعروضة عليهم فيها، ويرسم لهم صورة مضحكة تثير السخرية والعجب من أمرهم الغريب: {فما لهم عن التذكرة معرضين؟ كأنهم حمر مستنفرة، فرت من قسورة؟}.. ومشهد حمر الوحش وهي مستنفرة تفر في كل اتجاه، حين تسمع زئير الأسد وتخشاه.. مشهد يعرفه العرب. وهو مشهد عنيف الحركة. مضحك أشد الضحك حين يشبه به الآدميون! حين يخافون! فكيف إذا كانوا إنما ينفرون هذا النفار الذي يتحولون به من آدميين إلى حمر، لا لأنهم خائفون مهددون بل لأن مذكراً يذكرهم بربهم وبمصيرهم، ويمهد لهم الفرصة ليتقوا ذلك الموقف الزري المهين، وذلك المصير العصيب الأليم؟! إنها الريشة المبدعة ترسم هذا المشهد وتسجله في صلب الكون، تتملاه النفوس، فتخجل وتستنكف أن تكون فيه، ويروح النافرون المعرضون أنفسهم يتوارون من الخجل، ويطامنون من الإعراض والنفار، مخافة هذا التصوير الحي العنيف! تلك هيئتهم الخارجية. {حمر مستنفرة، فرت من قسورة} ثم لا يدعهم حتى يرسم نفوسهم من الداخل، وما يعتلج فيها من المشاعر: {بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفاً منشرة}.. فهو الحسد للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يختاره الله ويوحي إليه؛ والرغبة الملحة أن ينال كل منهم هذه المنزلة، وأن يؤتى صحفاً تنشر على الناس وتعلن.. ولا بد أن الإشارة هنا كانت بصدد الكبراء الذين شق عليهم أن يتخطاهم الوحي إلى محمد بن عبد الله، فقالوا: {لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم؟}.. ولقد علم الله أين يضع رسالته واختار لها ذلك الإنسان الكريم الكبير العظيم. فكان الحنق الذي يغلي في الصدور، والذي يكشف عنه القرآن، وهو يعلل ذلك الشماس والنفار! ثم يستمر في رسم صورة النفوس من داخلها، فيضرب عما ذكره من ذلك الطمع والحسد، ويذكر سبباً آخر للإعراض والجحود. وهو يردع في نفوسهم ذلك الطمع الذي لا يستند إلى سبب من صلاح ولا من استعداد لتلقي وحي الله وفضله: {كلا! بل لا يخافون الآخرة}.. وعدم خوفهم من الآخرة هو الذي ينأى بهم عن التذكرة، وينفرهم من الدعوة هذه النفرة. ولو استشعرت قلوبهم حقيقة الآخرة لكان لهم شأن غير هذا الشأن المريب! ثم يردعهم مرة أخرى، وهو يلقي إليهم بالكلمة الأخيرة، ويدعهم لما يختارون لأنفسهم من طريق ومصير: {كلا! إنه تذكرة. فمن شاء ذكره}.. إنه، هذا القرآن الذي يعرضون عن سماعه، وينفرون كالحمر، وهم يضمرون في أنفسهم الحسد لمحمد، والاستهتار بالآخرة.. إنه تذكرة تنبه وتذكر. فمن شاء فليذكر. ومن لم يشأ فهو وشأنه، وهو ومصيره، وهو وما يختار من جنة وكرامة، أو من سقر ومهانة.. وبعد أن يثبت مشيئتهم في اختيار الطريق يعقب بطلاقة المشيئة الإلهية، وعودة الأمور إليها في النهاية. وهي الحقيقة التي يحرص القرآن على تقريرها في كل مناسبة لتصحيح التصور الإيماني من ناحية طلاقة المشيئة الإلهية وشمولها الكامل الأخير، وراء جميع الأحداث والأمور: {وما يذكرون إلا أن يشاء الله، هو أهل التقوى وأهل المغفرة}.. فكل ما يقع في هذا الوجود، مشدود إلى المشيئة الكبرى، يمضي في اتجاهها وفي داخل مجالها. فلا يقع أن يشاء أحد من خلقه ما يتعارض مع مشيئته، ومشيئته تسيطر على أقدار الوجود كله، وهي التي أنشأته وأنشأت نواميسه وسننه، فهو يمضي بكل ما فيه وكل من فيه في إطار من تلك المشيئة المطلقة من كل إطار ومن كل حد ومن كل قيد. والذكر توفيق من الله ييسره لمن يعلم من حقيقة نفسه أنه يستحق التوفيق. والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء. فإذا علم من العبد صدق النية وجهه إلى الطاعات. والعبد لا يعرف ماذا يشاء الله به. فهذا من الغيب المحجوب عنه. ولكنه يعرف ماذا يريد الله منه، فهذا مما بينه له. فإذا صدقت نيته في النهوض بما كلف أعانه الله ووجهه وفق مشيئته الطليقة. والذي يريد القرآن أن يطبعه في حس المسلم هو طلاقة هذه المشيئة، وإحاطتها بكل مشيئة، حتى يكون التوجه إليها من العبد خالصاً، والاستسلام لها ممحضاً.. فهذه هي حقيقة الإسلام القلبية التي لا يستقر في قلب بدونها. وإذا استقرت فيه كيفته تكييفياً خاصاً من داخله، وأنشأت فيه تصوراً خاصاً يحتكم إليه في كل أحداث الحياة.. وهذا هو المقصود ابتداء من تقرير طلاقة المشيئة الإلهية وشمولها عقب الحديث عن كل وعد بجنة أو نار، وبهدى أو ضلال. فأما أخذ هذا الإطلاق، والانحراف به إلى جدل حول الجبر والاختيار، فهو اقتطاع لجانب من تصور كلي وحقيقة مطلقة، والتحيز بها في درب ضيق مغلق لا ينتهي إلى قول مريح. لأنها لم تجئ في السياق القرآني لمثل هذا التحيز في الدرب الضيق المغلق! {وما يذكرون إلا أن يشاء الله}.. فهم لا يصادمون بمشيئتهم مشيئة الله، ولا يتحركون في اتجاه، إلا بإرادة من الله، تقدرهم على الحركة والاتجاه. والله {هو أهل التقوى}.. يستحقها من عباده. فهم مطالبون بها.. {وأهل المغفرة}.. يتفضل بها على عباده وفق مشيئته. والتقوى تستأهل المغفرة، والله ـ سبحانه ـ أهل لهما جميعاً. بهذه التسبيحة الخاشعة تختم السورة، وفي النفس منها تطلع إلى وجه الله الكريم، أن يشاء بالتوفيق إلى الذكر، والتوجيه إلى التقوى، والتفضيل بالمغفرة. {هو أهل التقوى وأهل المغفرة}..
ابن عاشور
تفسير : نودي النبي صلى الله عليه وسلم بوصفه في حالة خاصة تلبس بها حين نزول السورة. وهي أنه لما رأى الملك بين السماء والأرض فرق من رؤيته فرجع إلى خديجة فقال: دثروني دثروني، أو قال: زملوني، أو قال: زملوني فدثروني، على اختلاف الروايات، والجمع بينها ظاهر فدثرته فنزلت: {يا أيها المدثر}. وقد مضى عند قوله تعالى: {أية : يا أيها المزمل}تفسير : [المزمل: 1] ما في هذا النداء من التكرمة والتلطف. و {المدثر}: اسم فاعل من تدثّر، إذا لبس الدِّثَار، فأصله المتدثّر أدغمت التاء في الدال لتقاربهما في النطق كما وقع في فعل ادَّعى. والدِّثار: بكسر الدال: الثوب الذي يُلبس فوق الثوب الذي يُلبس مباشِراً للجسد الذي يسمى شعاراً. وفي الحديث «حديث : الأنصار شِعَار والناسُ دِثَار»تفسير : . فالوصف بـ {المدثر} حقيقة، وقيل هو مجاز على معنى: المدثر بالنبوءة، كما يقال: ارتدى بالمجد وتأزَّر به على نحو ما قيل في قوله تعالى: {يا أيها المزمل}، أي يا أيها اللابس خلعة النبوءة ودِثارها. والقيام المأمور به ليس مستعملاً في حقيقته لأن النبي لم يكن حين أوحي إليه بهذا نائماً ولا مضطجعاً ولا هو مأمور بأن ينهض على قدميه وإنما هو مستعمل في الأمر بالمبادرة والإِقبال والتهمُّم بالإِنذار مجازاً أو كناية. وشاع هذا الاستعمال في فعل القيام حتى صار معنى الشروع في العمل من معاني مادة القيام مساوياً للحقيقة وجاء بهذا المعنى في كثير من كلامهم، وعدّ ابن مالك في التسهيل فعل قام من أفعال الشروع، فاستعمال فعل القيام في معنى الشروع قد يَكون كناية عن لازم القيام من العزم والتهمم كما في الآية، قال في «الكشاف»: قُم قيام عزم وتصميم. وقد يراد المعنى الصريح مع المعنى الكنائي نحو قول مُرَّة بن مَحْكَانَ التميمي من شعراء الحماسة:شعر : يا ربَّةَ البيتِ قُومِي غيرَ صاغرة ضُمّي إليكِ رجال الحي والغُربا تفسير : فإذا اتصلت بفعل القيام الذي هو بهذا المعنى الاستعمال جملةٌ حصل من مجموعهما معنى الشروع في الفعل بجد وأنشدوا قول حسان بن المنذر: شعر : على مَا قام يشتمني لئيم كخنزِير تمرَّغ في رماد تفسير : وقول الشاعر، وهو من شواهد النحو وَلم يعرف قائله: شعر : فقام يذود الناس عنها بسيفه وقال ألا لا من سبيلٍ إلى هند تفسير : وأفادت فاء {فأنذر} تعقيب إفادة التحفز والشروع بالأمر بإيقاع الإِنذار. ففعل {قم} منزَّل منزلة اللازم، وتفريع {فأنذر} عليه يبين المراد من الأمر بالقيام. والمعنى: يا أيها المدثر من الرعب لرؤية مَلَك الوحي لا تخف وأقبل على الإِنذار. والظاهر: أن هذه الآية أول ما نزل في الأمر بالدعوة لأن سورة العلق لم تتضمن أمراً بالدعوة، وصدر سورة المزمل تضمن أنه مسبوق بالدعوة لقوله فيه {أية : إِنا أرسلنا إليكم رسولاً شاهداً عليكم}تفسير : [المزمل: 15]، وقوله: {أية : وذَرني والمكذبين}تفسير : [المزمل: 11]. وإنما كان تكذيبهم بعد أن أبلغهم أنه رسول من الله إليهم وابتدىء بالأمر بالإنذار لأن الإنذار يجمع معاني التحذير من فعل شيء لا يليق وعواقبه فالإِنذار حقيق بالتقديم قبل الأمر بمحامد الفعال لأن التخلية مقدمة على التحلية ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، ولأن غالب أحوال الناس يومئذٍ محتاجة إلى الإِنذار والتحذير. ومفعول {أنذر} محذوف لإِفادة العُموم، أي أنذر الناس كلهم وهم يومئذٍ جميع الناس ما عدا خديجة رضي الله عنها فإنها آمنت فهي جديرة بالبشارة.
الشنقيطي
تفسير : الإنذار إعلام بتخويف، فهو أخص من مطلق الإعلام، وهو متعد لمفعولين المنذر باسم المفعول والمنذر به، ولم يذكر هنا واحد منهما. أما المنذر فقد بينت آيات أخر أنه قد يكون للكافرين، كما في قوله تعالى: {أية : وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمَاً لُّدّاً}تفسير : [مريم: 97] تخويفاً لهم. وقد يكون للمؤمنين لأنهم المنتفعون به كما في قوله: {أية : إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ}تفسير : [يس: 11]. وقد يكون للجميع أي لعامة الناس كما في قوله تعالى: {أية : أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ}تفسير : [يونس: 2]. وأما المنذر به فهو ما يكون يوم القيامة. وقد قدر الأمرين هنا ابن جرير بقوله: فأنذر عذاب الله قومك الذين أشركوا بالله وعبدوا غيره. وقد تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، تفصيل ذلك عند قوله تعالى: {أية : لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [الأعراف: 2] في سورة الأعراف.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 1، 2، 3، 4- يا أيها المتلفف بثيابه قم من مضجعك فحذر الناس من عذاب الله إن لم يؤمنوا، وخُصَّ ربك - وحده - بالتعظيم، وثيابك فطهرها بالماء من النجاسة. 5، 6، 7- والعذاب فاترك، أى دُمْ على هَجْر ما يوصل إلى العذاب، ولا تعط أحداً مستكثراً لما تعطيه إيَّاه، ولمرضاة ربك فاصبر على الأوامر والنواهى وكل ما فيه جهد ومشقة. 8، 9، 10- فإذا نفخ فى الصور، فذلك الوقت يومئذ شديد على الكافرين، غير سهل أن يخلصوا مما هم فيه من مناقشة الحساب، وغيرها من الأهوال.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: يا أيها المدثر: أي يا أيها المدثر أي المُتلفف في ثيابه وهو النبي صلى الله عليه وسلم. قم فأنذر: أي خَوف أهل مكة النار إن لم يؤمنوا ويوحدوا. وربك فكبر: أي عظم ربك من إشراك المشركين. وثيابك فطهر: أي طهر ثيابك من النجاسات. والرجز فاهجر: أي أدم هجرانك للأوثان. ولا تمنن تستكثر: أي لا تمنن على ربك ما تقوم به من أعمال لأجله طاعة له. فإِذا نقر في الناقور: أي نفخ في الصور النفخة الثانية. معنى الآيات: قوله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ} أي المتلفف في ثيابه والمراد به النبي صلى الله عليه وسلم روى الزهري قال فتر الوحي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فترة فحزن حزناً فجعل يعدو شواهق رؤوس الجبال ليتردّى منها فكلما أوفى بذروة جبل تبدّى له جبريل عليه السلام فيقول إنك نبيّ الله فيسكن جأشه وتسكن نفسه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يحدث عن ذلك فقال حديث : بينما أنا أمشي يوما إذ رأيت الملك الذي كان يأتيني بحراء على كرسيّ بين السماء والأرض فجئثت منه رعبا فرجعت إلى خديجة فقلت زملوني تفسير : فزملناه أي فدثرناه فأنزل الله يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر قال الزهري فأول شيء أنزل عليه اقرأ باسم ربّك الذي خلق خلق الإِنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإِنسان ما لم يعلم. وعليه فهذا النداء الإِلهي كان بعد فترة الوحي الأولى ناداه ملقبا له بهذا اللقب الجميل تكريما وتلطفا معه ليقوم بأعباء الدعوة وما أشد ثقلها، ومن يقدر عليها إنها أعباء ثقيلة اللهم لقد أُعنت عليها رسولك فأعني على قدر ما أقوم به منها، وإن كان ما أقوم به منها لا يساوي جمرة من لظى ولا قطرة من ماء السماء. يا أيها المدثر في ثيابه يا محمد رسولنا قم فأنذر لم يبق لك مجال للنوم والراحة فأنذر قومك في مكة وكل الثقلين من وراء مكة أنذرهم عذاب النار المترتب على الكفر والشرك بالواحد القهار وربك فكبر أي وربّك فعظمه تعظيماً يليق بجلاله وكماله فإِنه الأكبر الذي لا أكبر منه والعظيم الذي لا أعظم منه فأعلن عن ذلك بلسانك قائلا الله أكبر وبحالك فلا تذل إلا له ولا ترغب إلا فيه وكبره بأعمالك فلا تأت منها إلاّ ما أذن لك فيه أو أمرك به {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} أي طهر ثيابك من النجاسات مخالفاً بذلك ما عليه قومك؛ إذ يجرون ثيابهم ولا يتنزهون من أبوالهم {وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ} أي والأصنام التي يعبدها قومك فاهجرها فلا تقربها ودُم على هجرانها على دعوتك أجرا، ولا تمنن عطاء أعطيته لغيرك تستكثر به ما عندك إن ذاك مناف لأجمل الأخلاق وكريم السجايا وسامي الآداب. ولربك وحده دون سواه فاصبر على كل ما تلقاه في سبيل إبلاغ رسالتك ونشر دعوتك دعوة الخير والكمال هذا الذي أدب به الله رسول الله في فاتحة دعوته. ثم نزل بعد فإِذا نقر في الناقور والناقور البوق الذي ينفخ فيه إسرافيل والنقر يُحدث صوتا والصوت هو صوت البوق والمراد به النفخة الثانية نفخة البعث والجزاء فإِذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير صعب شديد لا يحتمل ولا يطاق على الكافرين غير يسير فذكر به من تدعوهم فإِن التذكير به نافع إن شاء الله، ولذا كان من أعظم أركان العقيدة التي إن تمكنت من النفس تهيأ صاحبها لحمل كل ثقيل ولإِنفاق كل غال ورخيص ولفراق الأهل والدار الإِيمان بالله واليوم الآخر إذ هما محور العقيدة وعليهما مدار الإِصلاح والهداية. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- الجد طابع المسلم، فلا كسل ولا خمول ولا لهو ولا لعب ومن فارق هذه فليتهم نفسه في إسلامه. 2- وجوب تعظيم أسمائه وصفاته وتعظيم كلامه وكتابه، وتعظيم شعائره وتعظيم ما عظم. 3- وجوب الطهارة للمؤمن بدناً وثوبا ومسجداً. أكلاً وشرباً وفراشاً ونفساً وروحا. 4- حرمة العجب فلا يعجب المؤمن بعمله ولا يزكي به نفسه ولو صام الدهر، وأنفق الصخرة وجاهد الدهر. 5- وجوب الصبر على الطاعات فعلا وعلى المعاصي تركاً وعلى البلاء تسليما ورضا.
القطان
تفسير : المدّثر: اصلُه المتدثر وهو الذي يتغطَّى بثيابه ويلتفّ بها. أنذِر: حذّر قومك من عذاب الله ان لم يؤمنوا. كبِّر: عظم. وثيابك فطهّر: اعتن بالنظافة في ثيابك وفي نفسك. تقول العرب عن الرجل اذا نكث العهد ولم يف به: انه لَدَنِس الثياب. واذا وفى ولم يغدر: انه طاهرُ الثوب. فالمطلوب: تطهير النفس والثياب والجسم. الرجز: الذنب، وكل محرّم، وعبادة الاوثان. ولا تمنن تستكثر: لا تمنَّ بعملك على غيرك، ومعنى تستكثر: لا تستكثر ما أعطيتَ وبذلت. الناقور: الصور الذي ينفخ فيه يوم القيامة. يا أيها الذي تدثَّر بثيابه رعباً وخوفاً من رؤية الملَكِ، قُمْ وشمِّرْ عن ساعِدِ الجد، وأنذِر الناسَ عذابَ يوم عظيم، وادعُهم الى الدِين القويم، ولْيتركوا عبادةَ الأوثان وما عندهم من الخرافات.. ادعُهم إلى معرفة الحق لينجُوا من هولِ ذلك اليوم العظيم. {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} عظّم ربك، وخُصَّه وحدَه بالتعظيم. وطهِّر ثيابك وجسمك ونفسَك، والطهارةُ اساسٌ عظيم في دين الاسلام. يقول الاستاذ بثنام في كتابه أصول الشرائع: ان كثرةَ الطهارة في دين الإسلام تدعو معتنقيه إلى رقيّ الأخلاق والفضيلة إذا قاموا باتّباع أوامره خير قيام. {وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ....} اهجر المعاصي والآثام وابتعدْ عن الغرور والمنِّ فيما تعلِّمُ وتعطي، ولا تمنُنْ على أصحابك فيما تعلّمهم وتبلّغهم عن الوحي مستكثراً ذلك عليهم، ولا تستكثر أي شيء بَذَلْتَه للناس، لأن الكريم يستقلُّ ما يُعطي وان كان كثيراً، وأعطِ عطاءَ من لا يخاف الفقر. وفي هذا تعليمٌ لنا أن نعطيَ ما استطعنا من غيرِ منٍّ ولا أذى. {وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ} اصبر في أداء رسالتك على أذى قومك، ابتغاءَ وجه ربك، ولا تجزَعْ من أذى من خالفَك. وبعد ان وجّه اللهُ الرسولَ الكريم الى التحلّي بمكارم الاخلاق، والبعدِ عن الجفاء والسَّفَه وكلِّ ما لا يليق بأصحابِ المقامات العالية - أتى بوعيدِ الاشقياء وما سيلقونه من عذابٍ فقال: {فَإِذَا نُقِرَ فِي ٱلنَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ}. فاذا جاء وعدُ ربك ونُفخ في الصُّور فذلك اليومُ يومٌ شديد الهول على الكافرين، غيرُ هيّنٍ ولا يسير، وليس له مثيل {أية : يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ} تفسير : [الحج: 2]. هل يوجد اعظم من هذه الصورة لذلك اليوم؟ حسبنا الله ونعم الوكيل!!
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَيُّهَا} (1) - قَالَ رَسُولُ اللهَ صلى الله عليه وسلم: جَاوَرْتُ بِغَارِ حِرَاءَ فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي، هَبَطْتُ فَنُودِيتُ، فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلَمْ أَرَ شَيْئاً، وَنَظَرْتُ عَنْ شِمَالِي فَلَمْ أَرَ شَيْئاً، وَنَظَرْتُ أَمَامِي فَلَمْ أَرَ شَيْئاً، وَنَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أَرَ شَيْئاً، فَرَفْعَتْ رَأْسِي فَرَأَيْتُ شَيْئاً، فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِداً. قَالَ فَدَثَّرُونِي، وَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِداً، قَالَ فَنَزَلَتْ {يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ}. وَمَعْنَى الآيَةِ: يَا أَيُّهَا المُتَدَثِّرُ بِثِيَابِكَ، رُعْباً وَفَرَقاً مِنْ رُؤْيَةِ المَلَكِ عِنْدَ نُزُولِ الوَحْيِ أَوَّلَ مَرَّةٍ. تَدَثَّرَ - تَغَطَّى بِثِيَابِهِ.
الثعلبي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ}: أي المدّثر في قطيفه. أخبرنا ابو نعيم الاسفرائيني، بها قال: أخبرنا أبو عمران بن موسى بن العباس الارادواري بها، قال: أخبرنا العباس بن الوليد بن مزيد البيروتي ببيروت قال: أخبرني أبي قال: حدّثنا أبو عمرو الأوزاعي قال: حدّثنا، أبو نصر يحيى ابن أبي كبير العطار اليماني قال: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن: أي القرآن أنزل قبل؟ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إني جاورت بحراء شهراً فلما قضت جواري نزلت فاستبطنت الوادي، فنوديت فنظرت بين يدي وخلفي وعن يميني وشمالي فلم أر شيئاً، ثم نظرت إلى السماء فإذا هو على العرش في الهواء فأخذتني وحشة، فأمرتهم فدثّروني فأنزل الله سبحانه: يا أيها المدثر، حتى بلغ: وثيابك فطهر ". تفسير : وأخبرنا أبو نعيم قال: حدّثنا أبو عمران قال: حدّثنا جعفر بن عامر البغدادي قال: حدّثنا سعد أبو محمد قال: حدّثنا شيبان عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: أخبرني جابر بن عبد الله إنّ أوّل شيء نزل من القرآن يا أيها المدثر، وقال جابر: ألا أخبرك ما سمعت عن النبي (عليه السلام) سمعته يقول: "حديث : جاورت بحراء فلما قضيت جواري أقبلت في بطن الوادي فناداني مناد فنظرت عن يميني وشمالي وخلفي وأمامي فلم أرَ شيئاً، ثم ناداني فنظرت فوقي فإذا هو جالس على عرش بين السماء والأرض فجثثتُ منه فرقاً فأقبلت إلى خديجة، فقلت: دثروني وصبّوا عليّ ماءاً بارداً فأنزل الله سبحانه يا أيها المدّثّر ". تفسير : أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمد بن جعفر بن يزيد الصيرفي قال: حدّثنا عليّ بن حرب الموصلي قال: حدّثنا عبد الرحمن بن يحيى المدني عن يونس عن الزهري قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يقول: أخبرني جابر أنه سمع رسول الله (عليه السلام) يقول: "حديث : فنزعني الوحي مرّة فبينما أنا أمشي إذ سمعت صوتاً من السماء فرفعت بصري قبل السماء فإذا الملك الذي أتاني بحراء قاعد على الكرسي بين السماء والأرض فجثثت منه فرقاً حتى هويت إلى الأرض فجئت إلى أهلي فقلت زمّلوني فأنزل الله سبحانه يا أيها المدثر ". تفسير : {قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} قال: عكرمة سئل ابن عباس عن هذه الآية فقال: معناه لا يلبسها على معصية ولا على غدرة ثم قال: قول غيلان بن سلمة الثقفي: شعر : إني بحمد لله لا ثوب فاجر لبست ولا من غدرة اتقنع تفسير : والعرب تقول للرجل إذا وفى وصدق: إنه طاهر الثياب، وإذا غدر ونكث: إنه لدنس الثياب. وقال أبي بن كعب: لا يلبسها على غدر ولا على ظلم ولا على أكم البسها وأنت طاهر، وقال قتادة وإبراهيم والضحاك والشعبي والزهري ويمان: وثيابك فطهّر من الذنب والإثم والمعصية، وقال أهل المعاني: أراد طهّر نفسك عن الذنوب فكنى عن الجسم بالثياب لأنها تشتمل عليه، كقول عنترة: شعر : فشككت بالرمح الأصم ثيابه ليس الكريم على القنا بمحرم تفسير : أي نفسه، وقال آخر: شعر : ثياب بني عوف طهارى نقية وأوجههم بيض المسافر غران تفسير : أي أنفس بني عوف. وقال السدي: يقال للرجل إذا كان صالحاً: إنّه لطاهر الثياب، وإذا كان فاجراً: إنه لخبيث الثياب. قال الشاعر: شعر : لا هم إن عامر بن جهم أو ذم حجا في ثياب دسم تفسير : يعني متدنس بالخطايا. أبو زوق عن الضحاك: وعملك فأصلح، وهي رواية فضيل بن عياض عن منصور عن مجاهد. سعيد بن جبير: وقلبك وبيتك فطهّر، ودليل هذا التأويل قول امرؤ القيس: شعر : وإن تك قد ساءتك منّي خليقة فسلي ثيابي من ثيابك تنسل تفسير : أي قلبي من قلبك. وقال الحسن والمقرظي: وخلقك فحسّن، ودليلهما قول الشاعر: شعر : ويحيى لا يلام بسوء خلق ويحيى طاهر الأثواب حر تفسير : أي حسن الأخلاق. عطية عن ابن عباس: لا تكن ثيابك التي تلبس من مكسب غير طائل، وقال ابن زيد وابن شريك نقِّ ثيابك واغسلها بالماء وطهّرها من النجاسة وذلك أنّ المشركين كانوا لا يتطهرون فأمره أن يطهّر ثيابه. قال الفراء: وسمعت بعضهم يقول: طهّرها بالأشنان. وقال طاوس: وثيابك فقصّر وشمّر، لأن تقصير الثياب طهرُة لها، وقيل: وأهلك فطهّره من الخطايا بالوعظ والتأديب؛ والعرب تسمّي الأهّل ثوباً ولباساً وإزاراً، وقد مضى ذكره. يحيى ابن معاد: طهّر قلبك من مرض الخطايا وأشغال الدنيا تجد حلاوة العبادة، فإن من لم يصُن الجسم لا يجد شهوة الطعام، وقيل: طهّر قلبك عما سوى الله. {وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ} قرأ الحسن وعكرمة ومجاهد وحميد وأبو جعفر وشيبة ويعقوب (والرُجز) بضم الراء ومثله روى الفضل وحفص عن عاصم واختاره أبو حاتم وقرأ الباقون بكسر الراء واختاره أبو عبيد قال لأنها أفشى اللغتين وأكثرهما، وهما لغتان لمعنى واحد. قال ابن عباس: اترك المأثم، مجاهد وقتادة وعكرمة والزهري وابن زيد: والأوثان فأهجر ولا تقربها وهي رواية الوالبي عن ابن عباس، وقيل الزاي فيه منقلبة عن السين والعرب تعاقب بين الزاي والسين لقرب مخرجهما ودليل هذا التأويل قوله سبحانه: {أية : فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ} تفسير : [الحج: 30]. أبو العالية والربيع: الرُجز بالضم الصّنم، وبالكسر: النجاسة والمعصية، وقال الضحاك: يعني الشرك، ابن كيسان: يعني الشيطان، وقال الكلبي: يعني العذاب، ومجاز الآية: اهجّر ما أوجب لك العذاب من الأعمال، وقيل: أتسقط حب الدُنيا عن قلبك؛ فإنها رأس كلّ خطيئة، وقيل: ونفسك فخالفها. {وَلاَ تَمْنُن} قراءة العامة باظهاره التضعيف وقرأ أبو السماك العدوى ولا تمُنّ مدغمة مفتوحة مؤكدة {تَسْتَكْثِرُ} قرأ الحسن بالجزم على جواب النهي وهو ردي؛ لأنه ليس بجواب. وقرأ الأعمش بالنصب على توهّم لام كي كأنه قال: لتستكثر، وقرأ الآخرون بالرفع واختلفوا في معنى الآية فقال أكثر المفسرين ولا تعُطِ شيئاً لتعُطى أكبر منه، قال قتادة: لا تعط شيأ طمعاً لمجازاة الدنيا ومقارضتها، القرظي: لا تعط مالك مصانعة، قال الضحاك ومجاهد: كان هذا للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة، وقال الضحاك: هما رياءان: حلال وحرام، فأما الحلال فالهدايا وأما الحرام فالربا. وقال الحسن: ولا تمنن على الله بعملك فتستكثره، الربيع: لا يكثرن عملك في عينك فإنه فيما أنعم الله عليك وأعطاك قليل، ابن كيسان: لا تستكثر عملك فتراه من نفسك أنّما عملك منّةً من الله سبحانه عليك، إذ جعل لك سبيلا إلى عبادته [فله] بذلك الشكر أن هداك له، خصيف عن مجاهد: ولا تضعف أن تستكثر من الخير من قولهم: حبل متين إذا كان ضعيفاً، ودليله قراءة ابن مسعود ولا تمنن أن تستكثر، وقال ابن زيد: معناه ولا تمنّ بالنبوة على الناس فنأخذ عليها منهم أجراً وعرضاً من الدنيا. زيد بن أسلم: إذا أعطيت عطية فاعطها لربّك واصبر حتى يكون هو الذي يثيبك عليها، وقال مجاهد: واصبر لله على ما أوذيت، ابن زيد: حملت أمراً عظيماً محاربة العرب ثم العجم فاصّبر عليه لله، وقيل: على أوامر الله ونواهيه، وقيل: فاصبر تحت موارد القضاء لأجل الله، وقيل: فارق الملامة والسآمة، وقيل: فاصبر على البلوى فإنه يمتحن أحباءه وأصفياءه.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا شيبان عن يحيى بن أَبي كثير، قال: حدثني إِبراهيم بن محمد بن عبد الله بن قارط الزهري أَن جابر بن عبد الله الأَنصاري أَخبره قال: إِن أَول شيء نزل من القرآن: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ} [الآية: 1]. قال: /84 ظ/ جابر: فسمعت رسول الله، صلى الله عليه [وسلم]. يقول: حديث : جاورت في حراءٍ، فلما قضيت جواري أَقبلت في بطن الوادي فناداني مناد، فنظرت عن يميني وشمالي وخلفي وأَمامي، فلم أَر شيئاً. فنظرت فوقي، فإِذا جبريل، عليه السلام جالس على عرش بين السماءِ والأَرض، فخشيت منه، فأَقبلت إِلى خديجة فقلت: دثروني، فدثروني. وصبوا علي ماءً بارداًتفسير : . ونزل: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ} [الآية: 1 ـ 2].
الصابوني
تفسير : اللغَة: {ٱلْمُدَّثِّرُ} المتغطي بثيابه، تدثر: لبس الدثار وهو الثوب الذي فوق الشعار، والشعار الثوب الذي يلي الجسد، ومنه حديث "حديث : الأنصار شعار، والناس دثار"تفسير : {ٱلنَّاقُورِ} الصور الذي ينفخ فيه، والنقر في كلام العرب الصوت، سمي ناقوراً لأنه يخرج منه صوت عظيم رهيب، يفزع الناس منه ويموتون {عَبَسَ} قطب بين عينيه {بَسَرَ} كلح وجهه وتغير لونه قال الليث: عبس إذا قطب ما بين عينيه، فإن أبدى عن أسنانه في عبوسه قيل كلح، فإن اهتم في الأمر وفكر فيه قيل: بسر، فإن غضب مع ذلك قيل: بسل {أَسْفَرَ} أضاء وانكشف {ٱلْكُبَرِ} الدواهي وعظائم المصائب والعقوبات قال الراجز: شعر : يا ابن المعلى نزلت إحدى الكبر داهية الدهر وصمَّاء الغير تفسير : {قَسْوَرَةٍ} أسد، من القسر وهو القهر، سمي بذلك لأنه يقهر السباع، وقيل هو جماعة الرماة الذين يتصيدون قال الأزهري: هو اسم جمع للرماة لا واحد له من جنسه قال لبيد: شعر : إذا ما هتفنا هتفة في ندِّينا أتانا الرجال الصَّائدون القساور تفسير : سَبَبُ النّزول: روي أنه لما نزل قوله تعالى {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} قال أبو جهل لقريش: ثكلتكم أمهاتكم إن ابن أبي كبشة - يعني محمداً صلى الله عليه وسلم - يتوعدنا ويخوفنا بجهنم، ويخبر أن خزنة النار تسعة عشر، وأنتم الجمع العظيم، أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد منهم!! فقال "أبو الأسد الجمحي": أنا أكفيكم منهم سبعة عشر، واكفوني أنتم اثنين، فأنزل الله تعالى {وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ...} الآية. التفسِير: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ} أي يا أيها المتغطي بقطيفته يريد النوم والراحة، قم من مضجعك قيام عزم وتصميم، وحذر الناس من عذاب الله إن لم يؤمنوا، خوطب صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ "المدثر" مؤانسة له صلى الله عليه وسلم وتلطفاً، كما خوطب بلفظ {ٱلْمُزَّمِّلُ} في السورة السابقة قال المفسرون: حديث : كان صلى الله عليه وسلم يتعبد في غار حراء فجاءه جبريل بالآيات الكريمة {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ..} الآيات وهي أول ما نزل عليه من القرآن، فرجع يرجف فؤاده فقال لخديجة: زملوني، زملوني فنزلت {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ * قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً} تفسير : الآيات ثم فتر الوحي فحزن صلى الله عليه وسلم فبينا هو يمشي سمع صوتاً من السماء، فرفع رأسه فإِذا الملك الذي جاءه بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فعراه صلى الله عليه وسلم من رؤيته الرعب والفزع، فجاء إلى أهله فقال: دثروني، دثروني فأنزل الله {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ} قال القرطبي: وفي هذا النداء ملاطفة في الخطاب، من الكريم إلى الحبيب، إذ ناداه بوصفه ولم يقل "يا محمد" ليستشعر اللين والملاطفة من ربه، ومثله قول النبي صلى الله عليه وسلم لحذيفة بن اليمان يوم الخندق: "قم يا نومان" {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} أي عظم ربك، وخصه بالتمجيد والتقديس، وأفرده بالعظمة والكبرياء، فليس هناك من هو أكبر من الله قال الألوسي: أي اخصص ربك بالتكبير، وهو وصفه تعالى بالكبرياء والعظمة، اعتقاداً وقولاً، وإنما ذكرت هذه الجملة بعد الأمر بالإِنذار، تنبيهاً للنبي صلى الله عليه وسلم على عدم الاكتراث بالكفار، فإن نواصي الخلائق بيد الجبار، فلا ينبغي أن يبالي الرسول بأحد من الخلق، ولا أن يرهب سوى الله، فإن كل كبير مقهور تحت عظمته تعالى وكبريائه {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} أي وثيابك فطهرها من النجاسات والمستقذرات، فإن المؤمن طيبٌ طاهر، لا يليق منه أن يحمل الخبيث، قال ابن زيد: كان المشركون لا يتطهرون، فأمره الله أن يتطهر وأن يطهر ثيابه وقال ابن عباس: كنَّى بالثياب عن القلب والمعنى وقلبك فطهر من الإِثم والمعاصي واستشهد بقول غيلان شعر : وإني بحمد الله لا ثوب فاجر لبست ولا من غدرة أتقنع تفسير : يقول العرب: فلان طاهر الثياب أو نقي الثياب، يريدون وصفه بالنقاء من المعايب وذميم الصفات، ويقولون: فلان دنس الثياب إذا كان موصوفاً بالأخلاق الذميمة قال الرازي: والسبب في حسن هذه الكناية، أن الثوب كالشيء الملازم للإِنسان، فلهذا السبب جعلوا الثوب كناية عن الإِنسان، فقالوا: المجدُ في ثوبه، والعفة في إزاره {وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ} أي اترك عبادة الأصنام والأوثان ولا تقربها قال ابن زيد: الرجز: الآلهة التي كانوا يعبدونها، فأمره أن يهجرها فلا يأتيها ولا يقربها وقال الإِمام الفخر: الرجز: اسم للقبيح المستقذر كالرجس قال تعالى {أية : فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ}تفسير : [الحج: 30] وقوله {وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ} كلام جامع لمكارم الأخلاق، كأنه قيل له: اهجر الجفاء، والسفه، وكل قبيح، ولا تتخلق بأخلاق هؤلاء المشركين، والمراد بالهجر الأمر بالمداومة على ذلك الهجران، كما يقول المسلم: {أية : ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ}تفسير : [الفاتحة: 6] ليس معناه أنه ليس على الهداية، بل المراد ثبتنا على هذه الهداية {وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ} أي ولا تعط الناس عطاء وتستكثره، لأن الكريم يستقل ما يعطي وإن كان كثيراً، واعط عطاء من لا يخاف الفقر وقال ابن عباس: لا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها بمعنى: لا تعط شيئاً لتعطى أكثر منه، وسر النهي أن يكون العطاء خالياً عن انتظار العوض تعففاً وكمالاً، فإن النبي صلى الله عليه وسلم مأمور بأشرف الآداب وأجل الأخلاق {وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ} أي اصبر على أذى قومك، ابتغاء وجه ربك.. ثم أخبر تعالى عن أهوال القيامة وشدائدها فقال: {فَإِذَا نُقِرَ فِي ٱلنَّاقُورِ} أي فإِذا نفخ في الصور، نفخة البعث والنشور، وعبر عن النفخ وعن الصور، بالنقر في الناقور، لبيان هول الأمر وشدته، فإن النفر في كلام العرب معناه الصوت وإذا اشتد الصوت أصبح مفزعاً فكأنه يقول: إصبر على أذاهم، فبين أيديهم يوم هائل يلقون فيه عاقبة أذاهم، وتلقى عاقبة صبرك، ولهذا قال بعده {فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ} أي فذلك اليوم يوم شديد هائل، يشتد فيه الهول ويعسر الأمر عليهم، والإِشارة بالبعيد {فَذَلِكَ} للإِيذان ببعد منزلته في الهول والفظاعة {عَلَى ٱلْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ} أي هو عسير على الكافرين، غير هين ولا يسير عليهم، لأنهم يناقشون الحساب، وتسود وجوههم، ويحشرون زرقاً، ويفتضحون على رءوس الأشهاد، قال الصاوي: ودلت الآية على أنه يسير على المؤمنين، لأنه قيد عسره بالكافرين، وفيها زيادة وعيد وغيظ للكافرين، وبشرى وتسلية للمؤمنين.. ثم أخبر عن قصة ذلك الشقي الكافر "الوليد بن المغيرة" وقوله الشنيع في القرآن فقال {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً} أي دعني يا محمد وهذا الشقي، الذي خلقته في بطن أُمه وحيداً فريداً، لا مال له ولا ولد، ولا حول له ولا مدد، ثم كفر بي وكذب بآياتي قال المفسرون: نزلت في "الوليد بن المغيرة" كان من أكابر قريش، ولذلك لقب الوحيد وريحانة قريش، وقد أنعم الله عليه بنعم الدنيا من المال والبنين، وأغدق عليه الرزق فكان ماله كالنهر الدافق، وكان للوليد بستان في الطائف لا ينقطع ثمره صيفاً ولا شتاء، فكفر بأنعم الله وبدلها كفراً، وقابلها بالجحود بآيات الله والافتراء علهيا، وفيه نزل {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً} وهو أسلوب بليغ في التهديد، كما نزلت فيه الآيات المتقدمة في سورة نون، {أية : وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ}تفسير : [القلم: 10] إلى {أية : سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ}تفسير : [القلم: 16] وهو الذي آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكاد له، فإن صناديد قريش لما برموا برسول الله، وضاقت عليهم الحيل في إسكاته، وإطفاء نور دعوته، لجأوا إلى الوليد فأشار عليهم بأن يلقبوه صلى الله عليه وسلم بالساحر، ويأمروا عبيدهم وصبيانهم أن ينادوا بذلك في مكة، فجعلوا ينادون إن محمداً ساحر، فحزن لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الآيات الكريمة في معرض تهديده وتخويفه، ليكون ذلك أدعى للكسر من كبريائه ثم قال تعالى {وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً} أي جعلت له المال الواسع المبسوط، من الإِبل، والخيل، والغنم، والبساتين النضرة قال البيضاوي: {مَّمْدُوداً} أي مبسوطاً كثيراً، وكان له الزرع والضرع والتجارة قال ابن عباس: كان ماله ممدوداً ما بين مكة والطائف وقال مقاتل: كان له بستان لا ينقطع نفعه شتاء ولا صيفاً {وَبَنِينَ شُهُوداً} أي وأولاداً مقيمين معه في بلده، يحضرون معه المحافل والمجامع، يستأنس بهم ولا يتنغَّص عيشه لفراقهم قال المفسرون: كان له عشرة بنين لا يفارقونه سفراً ولا حضراً، وكان مستأنساً بهم وله بهم عز ومنعة، أسلم منهم ثلاثة: "خالد، وهشام، والوليد".. وبعد أن ذكر من مظاهر النعم المال والبنين عاد فعمم الخيرات الدنيوية التي أنعم بها الله عليه فقال {وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً} أي بسطت بين يديه الدنيا بسطاً، ويسرت له تكاليف الحياة، ومظاهر الجاه والعز والسيادة، فكان في قريش عزيزاً منيعاً، وسيداً مطاعاً {ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ} أي ثم بعد هذا العطاء الجزيل يطمع أن أزيد له في ماله وولده وقد كفر بي قال الفخر الرازي: لفظ {ثُمَّ} هنا للإِنكار والتعجب، كما تقول لصاحبك: أنزلتك داري، وأطعمتك وأكرمتك ثم أنت تشتمني!! أي ومع كل هذا الإِنعام والإِكرام فقد كفر وجحد، وبدل أن يشكر الوليد لربه هذا الإِحسان، ويقابله بالطاعة والإِيمان، عكس الأمر وقابله بالجحود والكفران {كَلاَّ} ردع وزجر أي ليرتدع هذا الفاجر الأثيم عن ذلك الطمع الفاسد، ثم علل ذلك بقوله {إِنَّهُ كان لآيَاتِنَا عَنِيداً} أي لأنه معاند للحق، جاحد بآيات الله، مكذب لرسوله، فكيف يطمع بالزيادة هذا الشقي العنيد؟ {سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً} أي سأكلفه وألجئه إلى عذاب صعب شاق لا يطاق، تضعف عنه قوته كما تضعف قوة من يصعد في الجبل قال القرطبي: {صَعُوداً} صخرة ملساء يكلف صعودها، فإذا صار في أعلاها حدر في جهنم، فيهوي ألف عام قبل أن يبلغ قرارها وفي الحديث "حديث : الصعود جبل من نار يصعد فيه الكافر سبعين خريفاً، ثم يهوي فيه كذلك أبداً"تفسير : {إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ} أي إنه فكر في شأن النبي والقرآن، وأجال رأية وذهنه الثاقب، ثم رتب وهيأ كلاماً في نفسه، ماذا يقول في القرآن؟ وبماذا يطعن فيه؟ قال تعالى دعاء عليه {فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ} أي قاتله الله وأخزاه على تلك الكلمة الحمقاء التي أجالها في نفسه، حيث قال عن القرآن، إنه سحر، وقال عن محمد إنه ساحر، وفي الآية استهزاء به وتهكم، حيث قدر ما لا يصح تقديره، ولا يسوغ أن يقوله عاقل قال في البحر: يقول العرب عند استعظام الأمر والتعجب منه: قاتله الله، ومرادهم أنه قد بلغ المبلغ الذي يحسد عليه ويدعي عليه من حُسَّاده، والاستفهام في قوله {كَيْفَ قَدَّرَ}؟ في معنى ما أعجب تقديره وما أغربه؟ كقولهم أي رجل هذا؟ أي ما أعظمه؟ {ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ} كرر العبارة تأكيداً لذمه وتقبيحاً لحاله، ولغاية التهكم به، كأنه قال: قاتله الله ما أروع تفكيره، وأبدع رأيه الحصيف؟ حيث قال عن القرآن إنه سحر يؤثر؟ قال المفسرون: مر الوليد بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ويقرأ القرآن، فاستمع لقراءته وتأثر بها، فانطلق الوليد حتى أتى مجلس قومه من بني مخزوم فقال: والله لقد سمعت من محمد آنفاً كلاماً، ما هو من كلام الإِنس ولا من كلام الجن، والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو وما يعلى عليه، ثم انصرف إلى منزله، فقالت قريش: لقد صبأ والله الوليد، ولتصبأن قريش كلها! فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه، فانطلق حتى جلس إلى جانب الوليد حزيناً، فقال له الوليد: ما لي أراك حزيناً يا ابن أخي؟! فقال: كيف لا أحزن وهذه قريش تجمع لك مالاً ليعينوك به على كبر سنك، ويزعمون أنك زيَّنت كلام محمد وصبأت لتصيب من فضل طعامه، وتنال من ماله!! فغضب الوليد وقال: ألم تعلم قريش أني من أكثرهم مالاً وولداً؟! وهل شبع محمد وأصحابه من الطعام حتى يكون لهم فضل طعام؟ ثم قام مع أبي جهل حتى أتى مجلس قومه فقال لهم: تزعمون أن محمداً مجنون فهل رأيتموه يخنق؟ قالوا: اللهم لا، قال: تزعمون أنه كاهن فهل رأيتموه تكهن قط؟ قالوا: اللهم لا، قال: تزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه نطق بشعر قط؟ قالوا اللهم لا، قال: تزعمون أنه كذاب، فهل جربتم عليه كذباً قط؟ قالوا اللهم لا، فقالت قريش للوليد: فما هو؟ ففكر في نفسه ثم قال: ما هو إلا ساحر، أما رأيتموه يفرِّق بين الرجل وأهله وولده، وما هذا الذي يقوله إلا سحر يؤثر، فذلك قوله تعالى {إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ} الآيات تركنا الوليد يفكر ويقدر، ولنرجع إليه لنرى ماذا فعل بعد، قال تعالى {ثُمَّ نَظَرَ} أي أجال النظر مرة أُخرى متفكراً في شأن القرآن {ثُمَّ عَبَسَ} أي ثم قطب وجهه وكلحه ضيقاً بما يقول {وَبَسَرَ} أي وزاد في القبض والكلوح، كالمهتم المتفكر في أمر يدبره قال في التسهيل: البسور تقطيب الوجه وهو أشد من العبوس {ثُمَّ أَدْبَرَ وَٱسْتَكْبَرَ} أي ثم أعرض عن الإِيمان، وتكبر عن اتباع الهدى والحق {فَقَالَ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ} أي فقال: ما هذا الذي يقوله محمد إلا سحر ينقله ويرويه عن السحرة {إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ قَوْلُ ٱلْبَشَرِ} أي ليس هذا كلام الله، وما هو إلا كلام المخلوقين، يخدع به محمد القلوب، ويؤثر فيها كما يؤثر السحر بالمسحور قال الألوسي: هذا كالتأكيد للجملة الأولى، لأن المقصود منهما نفي كونه قرآنا أو من كلام الله تعالى، ولذلك لم يعطف عليها بالواو، وفي وصف إشكاله واستنباطه هذا القول السخيف استهزاء به، وإشارة إلى أنه عن الحق بمعزل، ويظهر من تتبع أحوال الوليد، أنه إنما قال ذلك عناداً وحمية جاهلية، لا جهلاً بحقيقة الحال، ألا ترى ثناءه على القرآن ونفيه عنه جميع ما نسبوا إليه من الشعر والكهانة والجنون!! {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} أي سأدخله جهنم يتلظى حرها، ويذوق عذابها {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ}؟ استفهام للتهويل والتفظيع أي وما أعلمك أي شيء هي سقر؟ {لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ} أي لا تبقي على شيء فيها إلا أهلكته، ولا تترك أحداً من الفجار إلا أحرقته قال ابن عباس: لا تبقي من الدم والعظم واللحم شيئاً، فإذا أعيد خلقهم من جديد تعاود إحراقهم بأشد مما كانت وهكذا أبداً {لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ} أي تلوح وتظهر لأنظار الناس من مسافات بعيدة لعظمها وهولها كقوله تعالى {أية : وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ}تفسير : [النازعات: 36] قال الحسن: تلوح لهم من مسيرة خمسمائة عام حتى يروها عياناً فهي بارزة إِلى أنظارهم، يرونها من غير استشراف ولا مدِّ أعناق {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} أي خزنتها الموكلون عليها تسعة عشر ملكاً من الزبانية الأشداء كقوله تعالى {أية : عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}تفسير : [التحريم: 6] قال ابن عباس: "ما بين منكبي الواحد منهم مسيرة سنة، وقوة الواحد منهم أن يضرب بالمقمع فيدفع بتلك الضربة سبعين ألف انسان في قعر جهنم" قال الألوسي: روي عن ابن عباس أنها لما نزلت {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} قال أبو جهل لقريش: ثكلتكم أُمهاتكم، أسمع ابن أبي كبشة - يعني محمداً - يخبركم أن خزنة النار تسعة عشر، وأنتم الدَّهم - أي العدد - الشجعان، أفيعجز كل عشرةٍ منكم أن يبطشوا برجل منهم؟ فقال أبو الأشد الجمحي: - وكان شديد البطش - أنا أكفيكم سبعة عشر فاكفوني أنتم اثنين، فأنزل الله {وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً} أي وما جعلنا خزنة النار إِلا من الملائكة الغلاظ الشداد، ولم نجعلهم من البشر حتى يصارعوهم ويغالبوهم {وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي لم نجعل ذلك العدد إلاَّ سبباً لفتنة وضلال المشركين، حين استقلوا بعددهم واستهزءوا حتى قال أبو جهل: أفيعجز كل مائةٍ منكم أن يبطشوا بواحدٍ منهم ثم تخرجون من النار؟ قال الطبري: وإِنما جعل الله الخبر عن عدة خزنة جهنم فتنةً للكافرين، لتكذيبهم بذلك وقول بعضهم لأصحابه - على سبيل الاستهزاء - أنا أكفيكموهم {لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} أي ليتيقن أهل الكتاب من صدق محمد، وأن هذا القرآن من عند الله، إِذ يجدون هذا العدد في كتبهم المنزَّلة {وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِيمَاناً} أي ويزداد المؤمنون تصديقاً لله ورسوله، بما يشهدون من صدق أخبار نبيهم صلى الله عليه وسلم وتسليم أهل الكتاب لما جاء في القرآن موافقاً للتوراة والإِنجيل {وَلاَ يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ} أي ولا يشك أهل الكتاب والمؤمنون في عددهم، وهذا تأكيدٌ لما قبله لأنه لما ذكر اليقين نفى عنهم الشك، فكان قوله {وَلاَ يَرْتَابَ} مبالغة وتأكيداً، وهو ما يسميه علماء البلاغة الإِطناب {وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْكَافِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً} أي وليقول الذين في قلوبهم شك ونفاق والكافرون من أهل مكة: أيَّ شيء أراد الله بهذا القول العجيب، الذي هو مثل في الغرابة والبداعة؟ ولماذا يخوفنا بواسطته من سقر وخزنتها التسعة عشر؟ قال الرازي: إِثبات اليقين في بعض الأحوال لا ينافي حصول الارتياب بعد ذلك، فالمقصود من إِعادة هذا الكلام هو أنه حصل لهم يقين جازم بحيث لا يحصل عقيبه البتة شك ولا ريب، وقد كان صلى الله عليه وسلم يعلم من حال قريش أنه متى أخبرهم بهذا العدد العجيب فإِنهم يستهزئون به ويضحكون منه، ولذلك بيَّن تعالى الغاية من ذكر هذا الخبر أوضح بيان {كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} أي مثل ما أضلَّ الله أبا جهل وأصحابه، يضلُّ الله عن الهداية والإِيمان من أراد إِضلاله، ويهدي من أراد هدايته، وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} أي وما يعلم عدد الملائكة، وقوتهم وضخامة خلقهم، وكثرتهم إِلا الله رب العالمين، وفي الآية ردٌّ على أبي جهل حين قال: أما لربِّ محمد أعوان إِلاّ تسعة عشر؟ {وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ} أي وما هذه النار التي وصفها لكم الجبار، إِلا موعظة وتذكرة للخلق ليخافوا ويطيعوا {كَلاَّ وَٱلْقَمَرِ} {كَلاَّ} كلمة ردع وزجر ثم أقسم تعالى بالقمر على أن سقر حق، والمعنى ليرتدع أولئك المستهزئون بالوحي والقرآن عن فعلهم وسوء صنيعهم، وأُقسم بالقمر {وَٱللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ} أي وأُقسم بالليل حين ولَّى بظلمته ذاهباً {وَٱلصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ} أي وبالصبح إِذا تبلَّج وأضاء، ونشر ضياءه على الأرجاء {إِنَّهَا لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ} أي إِن جهنم لإِحدى الدواهي الكبيرة، والبلايا الخطيرة، فكيف يستهزئون بها ويكذبون؟ قال أبو حيان: أقسم تعالى بهذه الأشياء تشريفاً لها، وتنبيهاً على ما يظهر فيها من عجائب الله وقدرته، وقوام الوجود بإِيجادها، أقسم على أن جهنم إِحدى الدواهي العظيمة التي لا نظير لها - وفي الآية إِيماء إِلى أن الشمس والقمر مخلوقان لله، وأنهما في حركاتهما وإِدبارهما وإِسفارهما، ونشوء الليل والنهار عنهما، مسخران لأمره تعالى، ساجدان بين يدي قدرته وقهره، فكيف يحسن بالبشر أن يعبدوهما ويكفروا بالإِله الذي خلقهما؟ ثم قال تعالى عن جهنم {نَذِيراً لِّلْبَشَرِ} أي هي إِنذار للخلق ليتقوا ربهم {لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ} أي لمن أراد من العباد أن يتقرب الى ربه بفعل الخيرات أو يتأخر بفعل الموبقات قال في البحر: والمراد بالتقدم والتأخر: السبق الى الخير والتخلف عنه كقوله تعالى: {أية : فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ}تفسير : [الكهف: 29] قال ابن عباس: من شاء اتبع طاعة الله، ومن شاء تأخر عنها بمعصيته {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} أي كل نفس محبوسة بعملها، مرهونةٌ عند الله بكسبها، ولا تفك حتى تؤدي ما عليها من الحقوق والعقوبات {إِلاَّ أَصْحَابَ ٱلْيَمِينِ} أي إِلا فريق السعداء المؤمنين، فإِنهم فكوا رقابهم وخلَّصوها من السجن والعذاب، بالإِيمان وطاعة الرحمن {فِي جَنَّاتٍ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلْمُجْرِمِينَ} أي هم في جناتٍ وبساتين لا يدرك وصفها، يسأل بعضهم بعضاً عن حال المجرمين الذين في النار، والسؤال لزيادة تبكيت أولئك المجرمين وتوبيخهم، وإِدخال الألم والحسرة على نفوسهم، يقولون لهم {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ}؟ ما الذي أدخلكم جهنم، وجعلكم تذوقون سعيرها؟ قال في البحر: وسؤالهم سؤال توبيخ لهم وتحقير، وإِلاّ فهم عالمون ما الذي أدخلهم النار {قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ} أي قال المجرمون مجيبين للسائلين: لم نكن من المصلين في الدنيا لرب العالمين {وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ} أي ولم نكن نتصدق ونحسن إِلى الفقراء والمساكين قال ابن كثير: مرادهم في الآيتين: ما عبدنا ربنا، ولا أحسنا إِلى خلقه من جنسنا {وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلُخَآئِضِينَ} أي وكنا نتحدث بالباطل مع أهل الغواية والضلالة، ونقع معهم فيما لا ينبغي من الأباطيل قال في التسهيل: والخوض هو كثرة الكلام بما لا ينبغي من الباطل وشبهه {وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ} أي نكذب بيوم القيامة، وبالجزاء والمعاد، وإِنما أخر التكذيب بيوم الدين تعظيماً له، لأنه أعظم جرائمهم وأفحشها {حَتَّىٰ أَتَانَا ٱلْيَقِينُ} أي حتى جاءنا الموت ونحن في تلك المنكرات والضلالات، قال تعالى معقباً على اعترافهم بتلك الجرائم {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ} أي ليس لهم شافع ينقذهم من عذاب الله، ولو شفع لهم أهل الأرض ما قبلت شفاعتهم فيهم قال ابن كثير: من كان متصفاً بمثل هذه الصفات، فإِنه لا تنفعه بيوم القيامة شفاعة شافع فيه، لأن الشفاعة إِنما تنجع إِذا كان المحل قابلاً، فأما من وافى الله كافراً فإِنه مخلد في النار أبداً.. ولما ذكر تعالى قبائحهم وشنائعهم عاد بالتوبيخ والتقريع عليهم فقال {فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ}؟ فما لهؤلاء المشركين معرضين عن القرآن وآياته، وما فيه من المواعظ البليغة والنصائح والإِرشادات؟ {كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ} أي كأن هؤلاء الكفار حمر وحشية نافرة وشاردة {فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ} أي هربت ونفرت من الأسد من شدة الفزع قال في البحر: شبههم تعالى بالحمر النافرة مذمة لهم وتهجيناً وقال ابن عباس: الحمر الوحشية إِذا عاينت الأسد هربت، كذلك هؤلاء المشركون إِذا رأوا محمداً صلى الله عليه وسلم هربوا منه كما يهرب الحمار من الأسد ثم قال: والقسورة: الأسد {بَلْ يُرِيدُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفاً مُّنَشَّرَةً} أي بل يطمع كل واحد من هؤلاء المجرمين أن ينزل عليه كتاب من الله كما أُنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، ويريد أن يتنزَّل عليه الوحي كما تنزَّل على الرسل والأنبياء، والغرض من الآية بيان إِمعانهم في الضلالة وكأنه يقول: دع عنك ذكر إِعراضهم وغباوتهم ونفارهم نفار العجماوات مما فيه خيرهم وسعادتهم، واستمع لما هو أعجب وأغرب، وذلك طمع كل فردٍ منهم أن يكون رسولاً يوحى إِليه، وهيهات أن يصل الاشقياء إلى مراتب الأنبياء، ثم قال تعالى {كَلاَّ بَل لاَّ يَخَافُونَ ٱلآخِرَةَ} أي ليرتدعوا وينزجروا عن مثل ذلك الطمع، بل الحقيقة أنهم قوم لا يصدقون بالبعث والحساب، ولا يؤمنون بالنعيم والعذاب، وهذا هو الذي أفسدهم وجعلهم يعرضون عن مواعظ القرآن {كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ} كرَّر الردع والزجر لهم بقوله {كَلاَّ} ثم قال {إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ} أي إِنَّ هذا القرآن موعظة بليغة، كافية لاتعاظهم لو أرادوا لأنفسهم السعادة {فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ} أي فمن شاء اتعظ بما فيه، وانتفع بهداه {وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} أي وما يتعظون به إِلا أن يشاء الله لهم الهدى فيتذكروا ويتعظوا، وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وترويح عن قلبه الشريف، مما كان يخامره من إِعراضهم وتكذيبهم له {هُوَ أَهْلُ ٱلتَّقْوَىٰ وَأَهْلُ ٱلْمَغْفِرَةِ} أي هو جل وعلا أهلٌ لأن يتقى لشدة عقابه، وأهل لأن يغفر الذنوب لكرمه وسعة رحمته قال الألوسي: أي حقيقٌ بأن يتقى عذابه ويطاع، وحقيقٌ بأن يغفر لمن آمن به وأَطاعه وفي الحديث عن أنس حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية {هُوَ أَهْلُ ٱلتَّقْوَىٰ وَأَهْلُ ٱلْمَغْفِرَةِ} ثم قال "قال ربكم: أنا أهل أن أُتقى، فمن اتقاني فلم يجعل معي إِلهاً فأنا أهلٌ أن أغفر له ". تفسير : البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الطباق بين {عَسِيرٌ.. ويَسِيرٍ} كما أن بين اللفظتين جناس الاشتقاق. 2- المقابلة بين {وَٱللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ} وبين {وَٱلصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ}. 3- الإِطناب بتكرار الجملة {فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ} زيادة في التوبيخ والتشنيع. 4- جناس الاشتقاق {فَإِذَا نُقِرَ فِي ٱلنَّاقُورِ}. 5- تقديم المفعول لإِفادة الاختصاص {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ}. 6- الطباق بين {كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} وبين {يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ}. 7- أسلوب التقريع والتوبيخ بطريق الاستفهام {فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ}؟ 8- التشبيه التمثيلي {كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ * فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ} لأن وجه الشبه منتزع من متعدد. 9- الإِيجاز بحذف بعض الجمل {يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ}؟ أي قائلين لهم: ما سلككم في سقر، فحذف اعتماداً على فهم المخاطبين. 10- الاستفهام للتهويل والتفخيم {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ}؟ 11- ذكر الخاص بعد العام {وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ} خصَّه بالذكر مع أنه داخل في الخوض بالباطل مع الخائضين لبيان تعظيم هذا الذنب. 12- السجع المرصَّع مثل {كَلاَّ وَٱلْقَمَرِ * وَٱللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ * وَٱلصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ * إِنَّهَا لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ} ومثل {وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلُخَآئِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ * حَتَّىٰ أَتَانَا ٱلْيَقِينُ} الخ.
زيد بن علي
تفسير : أخبرنا أبو جعفر. قال: حدّثنا علي بن أحمد. قال: حدّثنا عطاء بن السائب عن أبي خالد عن زيد بن علي عليهما السّلامُ في قولهِ تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ} معناه يا أيُّها النائمُ المتدثِّرُ بثيابهِ.
الأندلسي
تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ} هذه السورة مكية ومناسبتها لما قبلها أن فيما قبلها ذرني والمكذبين وفيه أن هذه تذكرة فناسب يا أيها المدثر فأنذر وناسب ذكر يوم القيامة بعد ذكر بعض المكذبين في قوله: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً} قم فأنذر. المعنى: ثم قيام تصميم وجد فأنذر أي حذر عذاب الله تعالى ووقائعه والإِنذار عام لجميع الناس وبعثه إلى الخلق. {فَكَبِّرْ} أي فعظم كبرياءه. {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} الظاهر أنه أمر بتطهير الثياب من النجاسات لأن طهارة الثياب شرط في صحة الصلاة. {وَٱلرُّجْزَ} العذاب. {فَٱهْجُرْ} أي أهجر ما يؤدي إليه وقرىء بضم الراء. {وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ} قال ابن عباس لا تعط عطاء لتعطي أكثر منه من قولهم منّ إذا أعطى وقال الحسن لا تمنن على الله بجدك تستكثر أعمالك ويقع لك بها إعجاب والجملة حالية أي مستكثراً. {وَلِرَبِّكَ} أي لوجه ربك. {فَٱصْبِرْ} أمر بالصبر فيتناول الصبر على تكاليف النبوة وعلى أداء طاعات لله تعالى وعلى أذى الكفار. قال الزمخشري: والفاء في قوله: {فَإِذَا نُقِرَ} للتسبب كأنه قيل فاصبر على أذاهم فبين أيديهم يوم عسير يلقون فيه عاقبة أذاهم وتلقى فيه عاقبة صبرك عليه والنقر الصوت والناقور فاعول منه كالجاسوس مأخوذ من التجسس. {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً} لا خلاف أنها نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي فروي أنه كان يلقب بالوحيد أي لا نظير له في ماله وشرفه في بيته والظاهر إنتصاب وحيداً على الحال من الضمير المحذوف العائد على من أي خلقته منفرداً ذليلاً قليلاً لا مال له ولا ولد فآتاه الله المال والولد فكفر نعمته وأشرك به واستهزأ نعمته. {وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً} قال ابن عباس: كان له بين مكة والطائف إبل وحجور ونعم وجنان وعبيد وجوار. {وَبَنِينَ شُهُوداً} أي حظوراً معه بمكة لا يظعنون عنه لغناهم فهو مستأنس بهم منهم خالد وهشام وعمارة وقد أسلموا والوليد والعاصي وقيس وعبد شمس. {وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً} أي وطأت له وهيأت وبسطت له بسطاً حتى أقام ببلده مطمئناً يرجع إلى رأيه وقال ابن عباس وسعت له ما بين اليمن إلى الشام. {ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ} أي على ما أعطيته من المال والوليد. {كَلاَّ} قطع لرجائه وردع أي ليس يكون كذلك مع كفره بالنعم. {إِنَّهُ كان لآيَاتِنَا عَنِيداً} تعليل للردع على وجه الاستئناف كان قائلاً قال: لم لا يزاد فقال: إنه عاند آيات المنعم وكفر بذلك نعمته والكافر لا يستحق المزيد. {سَأُرْهِقُهُ} أي سأكلفه وأغشيه بمشقة وعسر. {صَعُوداً} عقبة في جهنم كلما وضع عليها شىء من الإِنسان ذاب ثم يعود والصعود في اللغة العقبة الشاقة. {إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ} روي أن الوليد حاج أبا جهل وجماعة من قريش في أمر القرآن وقال ان له لحلاوة وان أسفله لمغدق وان فرعه لجناة وانه ليحطم ما تحته وانه ليعلو وما يعلى فخالفوه وقالوا هو شعر فقال: والله ما هو بشعر قد عرفنا الشعر هزجه ورجزه وطويله وبسيطه قالوا فهو كاهن قال: والله ما هو بكاهن لقد رأينا الكهان قالوا: هو مجنون قال: والله ما هو بمجنون لقد رأينا الجنون وخنقه قالوا: هو سحر قال: أما هذا فيشبه أنه سحر. {فَكَّرَ} أي في القرآن وبمن أتى به. {وَقَدَّرَ} أي في نفسه ما يقول فيه. {فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ} قيل قتل لعن وقيل غلب وقهر وذل. {ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ} أي قطب وكلح لما ضاقت عليه الحيل ولم يدر ما يقول وناسب العطف بالواو وكان العطف في: {فَقَالَ} بالفاء دلالة على التعقيب لأنه لما خطر بباله هذا القول بعد تطلبه لم يتمالك أن نطق به من غير تمهل ومعنى يؤثر أي يروي وينقل ومعنى إلا سحر أي يشبه السحر. {إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ قَوْلُ ٱلْبَشَرِ} تأكيد لما قبله أي ملتقط من أقوال الناس. {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} قال الزمخشري بدل من سأرهقه صعوداً "انتهى" ويظهر أنهما جملتان اعتقبت كل واحدة منهما على سبيل التوعد للعصيان الذي قبل كل واحد منهما متوعدة على كونه عنيداً لآيات الله بإِرهاق صعود على قوله بأن القرآن سحر يؤثر بإِصلائه سقر. {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ} تعظيم لهولها وشدتها. {لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ} أي لا تبقي على من ألقي فيها ولا تذر غاية من العذاب إلا أوصلته إليه. {لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ} قال ابن عباس: معناه مغيرة للبشرات محرقة للجلود مسوّدة لها والبشر جمع بشرة تقول العرب لاحت النار الشىء إذا أحرقته وسودته. {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} التميز محذوف والمتبادر إلى الذهن أنه ملك ألا ترى العرب وهم الفصحاء كيف فهموا منه أن المراد ملك حين سمعوا ذلك فقال أبو جهل لقريش: ثكلتكم أمهاتكم اسمع ابن أبي كبشة يخبركم أن خزنة النار تسعة عشر وأنتم الدهم أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل منهم فقال أبو الأشد بن أسيد بن كلدة الجمحي وكان شديد البطش أنا أكفيكم سبعة عشر فاكفوني أنتم اثنين فأنزل الله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَٰئِكَةً} أي وما جعلناهم رجالاً من جنسكم يطاقون وأنزل الله تعالى في أبي جهل: {أية : أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ}تفسير : [القيامة: 34]. {وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً} أي سبب فتنة ففتنة مفعول ثان لجعلنا أي جعلنا تلك العدة وهي تسعة عشر سبباً لفتنة الكفار فليست فتنة مفعولاً من أجله وفتنتهم هو كونهم أظهروا مقاومتهم والطماعية في مغالبتهم وذلك على سبيل الاستهزاء فإِنهم مكذبون بالبعث وبالنار وبخزنتها. {لِيَسْتَيْقِنَ} هذا مفعول من أجله وهو متعلق بجعلنا لا بفتنة. و{ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ} هم اليهود والنصارى إذ هم عالمون أن القرآن هو من عند الله إذ هم يجدون ذلك في كتبهم المنزلة ويعلمون أن الرسول عليه السلام لم يقرأها ولا قرأها عليه أحد. {وَلاَ يَرْتَابَ} توكيد لقوله ليستيقن إذ ثبات اليقين ونفي الارتياب أبلغ وآكد في الوصف لسكون النفس السكون التام. {مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ} لما سمعوا هذا العدد لم يهتدوا وحاروا فاستفهم بعضهم بعضاً عن ذلك استبعاداً أن يكون هذا من عند الله وسموه مثلاً استعارة من المثل المضروب استغراباً منهم لهذا العدد والمعنى أي شىء أراد الله بهذا العدد العجيب ومرادهم إنكر أصله وأنه ليس من عند الله. {كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} الكاف في محل نصب وذلك إشارة إلى ما قبله من معنى الإِضلال والهدي أي مثل ذلك المذكور من الإِضلال والهدي يضل الكافرين فيشكون فيزيدهم كفراً وضلالاً ويهدي المؤمنين فيزيدهم إيماناً. {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} إعلام بأن الأمر فوق ما يتوهم وأن الخبر إنما هو عن بعض القدرة لا عن كلها والسماء عامرة بأنواع من الملائكة وفي الحديث حديث : أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا وملك واضع جبهته لله تعالى ساجد . تفسير : {وَمَا هِيَ} أي النار. {إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ} أي الذين أهلوا للتذكر والاعتبار.
الجيلاني
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ} [المدثر: 1 والمتدثر: المتغطي بملابس الطبيعة، وثياب الإمكان الموجبة لأنواع الخسران والحرمان. {قُمْ} من عالم الطبيعة، واخرج عن مضيق بقعة الإمكان بعدما كشفت طلائع فضاء اللاهوت، وبعدما خلصت من سجن عالم الناسوت {فَأَنذِرْ} [المدثر: 2] عموم بني نوعك؛ أي: المحبوسين في سجن الإمكان، المقيدين بسلاسل الزمان، وأغلال المكان عن دركات النيران، وأودية الضلالات والجهالات في النشأة الأولى والأخرى. {وَ} خصص {رَبَّكَ} الذي ربَّاك على فطرة المعرفة والإيقان بأنواع التجبيل والتعظيم {فَكَبِّرْ} [المدثر: 3] ذاته تكبيراً كاملاً إلى حيث لا يخطر ببالك معه شيء؛ إذ هو المتعزز برداء العظمة والكبرياء، لا شيء سواه. وبعدما انكشفت بوحدة ربك، وكبرته تكبيراً لائقاً بشأنه {وَثِيَابَكَ} التي هي ملابس بشريتك {فَطَهِّرْ} [المدثر: 4] عن أوساخ الإمكان، وقذر عالم الطبيعة والهيولي، فإن طهارتك عنها واجبة عليكم في ميلك إلى مقصد الوحدة. {وَٱلرُّجْزَ} أي: الرجز العارض لبشريتك من التقليدات الموروثة، والتخمينات المستحدثة من الآراء الباطلة، والأهواء الفاسدة المكدرة لصفاء مشرب التوحيد واليقين من الأخلاق الرديئة، والملكات الغير مرضية من الشهوية والغضبية المترتبة على القوى البهيمية إلى غير ذلك من القبائح الصورية والمعنوية. {فَٱهْجُرْ} [المدثر: 5] أي: جانِب وافترق؛ ليمكنك التخلق بأخلاق الله، والاتصاف بأوصافه. ومن جملة الأخلاق المذمومة، بل من معظمها: المنة على الله بالطاعة وفعل الخيرات، وعلى عباده بالتصدق والإنفاق عليهم. {وَ} إذا سمعت {لاَ تَمْنُن} على الله مباهياً بطاعتك، وعلى عباده تفوقاً عليهم {تَسْتَكْثِرُ} [المدثر: 6] وتستجلب نعم الله على نفسك وإحسانه عليك، وامتنانه لك بما لا مزيد عليه، أو المعنى: {لاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ} أي: لا تعط أحداً شيئاً على نية أن تستكثر وتتعوض منه بدله أكثر مما أعطيته، على مقتضى القراءتين. {وَ} بالجملة: {لِرَبِّكَ} الذي ربَّاك على الخُلق العظيم {فَٱصْبِرْ} [المدثر: 7] على مشاق التكاليف، ومتاعب الطاعات والعبادات، وعلى أذيات المشركين حين تبليغ الدعوة إياهم، وإيصال الوحي إليهم. وبعدما سمعت يا أكمل الرسل من الوصايا ما سمعت، امتثل بها واتصف بمقتضاها اتقاءً عن يوم الجزاء. {فَإِذَا نُقِرَ} ونُفخ {فِي ٱلنَّاقُورِ} [المدثر: 8] أي: الصور المصور؛ لتصويت الأموات؛ ليبعثوا من قبورهم أحياءً كما كانوا، ثمَّ نُقر ثانياً؛ ليحشروا إلى المحشر، ويحاسبوا بين يدي الله، ثمَّ يجازوا على مقتضى ما يحاسب، إن خيراً فخير وإن شراً فشر. {فَذَلِكَ} أي: وقت النقر الثاني للحشر والوقوف بين يدي الله {يَوْمَئِذٍ} أي: يوم القيامة {يَوْمٌ عَسِيرٌ} [المدثر: 9]. {عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} إذ عسر عليهم حينئذٍ الأمر، واشتد الهول، وتشتتت أحوالهم واضطربت قلوبهم، وبالجملة: {غَيْرُ يَسِيرٍ} [المدثر: 10] عليهم حسابهم؛ لذلك عسر عليهم. وبعدما سمعت قيام يوم القيامة وتنقيد الأعمال فيها، والجزاء عليها، لا تستعجل يا أكمل الرسل لانتقام المشركين المسرفين، ولا تعجل عليهم، بل {ذَرْنِي} يا أكمل الرسل {وَمَنْ خَلَقْتُ} أي: مع شخص خلقته {وَحِيداً} [المدثر: 11] متفرداً من أهل عصره، مفروزاً منهم بكثرة الأموال والأولاد، والثروة والجاه، إلى حيث لُقب بين قومه بريحانة قريش؛ يعني: وليد بن المغيرة. {وَجَعَلْتُ لَهُ} توسيعاً عليه، وامتناناً له {مَالاً مَّمْدُوداً} [المدثر: 12] كثيراً وافراً، متزايداً يوماً فيوماً بالتجارة والنتاج والزراعة وغير ذلك. {وَبَنِينَ شُهُوداً} [المدثر: 13] حضوراً معه دائماً، لا ينفصلون عنه زماناً؛ لاستغنائهم عن التجارة والحراثة وسائر المصالح؛ لكثرة خدمهم وحشمهم، بحيث لا احتياج لهم من تهيئة أسبابهم إلى ترددهم بأنفسهم؛ لذلك يحضرون معه في جميع المحافل والمجالس، والأندية تكميلاً لثروته ووجاهته. {وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً} [المدثر: 14] أي: بسطت له بسطاً واستيلاءً، يتحسر ويتحسد بحاله جميع بطون العرب وأفخاذه. ومع تلك الوجاهة العظمى، والكرامة الكبرى الموهوبة له لم يشكر عليَّ، ولم يرجع إليَّ قط {ثُمَّ يَطْمَعُ} ويرجو {أَنْ أَزِيدَ} [المدثر: 15] على ما آتيته وأعطيته من النعم العظام، مع أنه مصر على الكفر الكفران، وأنواع الفسوق والعصيان. {كَلاَّ} أي: كيف أزيد عليه، مع أن كفرانه وطغيانه يوجب ويقتضي زوال ما أُعطي به، وكيف لا يوجبه {إِنَّهُ كان لآيَاتِنَا} الدالة على كمال عظمتنا، واقتدارنا على أنواع الإنعام والانتقام {عَنِيداً} [المدثر: 16] معانداً منكراً، وعناده أمارة زوال ماله وثروته وجاهه؟! وبالجملة: {سَأُرْهِقُهُ} أي: سأغشيه وأكلفه بالعنف في النشأة الأخرى {صَعُوداً} [المدثر: 17] عقبة شاقة المصعد والمهوى، فأكلفه على الصعود والهبوط دائماً، بحيث لا نجاة منها، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : الصعود جبل من نار يصعد فيه سبعين خريفاً، ثمَّ يهوى فيه كذلك أبداً"تفسير : ، وهو مثل لما يلقى من الشدائد. وكيف لا أكلفه بصعود الصعود وهبوطه {إِنَّهُ} من شدة شكيمته، وخباثة طينته {فَكَّرَ} في آيات القرآن على وجه التدبر فلم يجد فيه طعناً وقدحاً {وَ} بعدما لم يجد ما يصلح للطعن {قَدَّرَ} [المدثر: 18] في نفسه على مقتضى خباثته ما ينفق به، ويقول فيه على سبيل القدح؟! ثمَّ قال سبحانه على سبيل التعجب من إفكه وتقديره: {فَقُتِلَ} أي: لُعن وطُرد {كَيْفَ قَدَّرَ} [المدثر: 19] له قدحاً، مع أن القرآن منزه عن القدح مطلقاً؟! {ثُمَّ قُتِلَ} ذلك المعاند الطاغي {كَيْفَ قَدَّرَ} [المدثر: 20] ما هو بعيد عن شأن القرآن بمراحل؟! كرره سبحانه مبالغةً في التعجب والاستبعاد. {ثُمَّ نَظَرَ} [المدثر: 21] كرة بعد أولى، ومرة بعد أخرى في أمر القرآن {ثُمَّ} لمَّا لم يجد فيه طعناً، مع أنه من أرباب اللسن والفصاحة {عَبَسَ} أي: قطب وجهه وكلح، واستكره كراهة شديدة {وَبَسَرَ} [المدثر: 22] اهتم وبالغ في وجدان القدح اهتماماً بليغاً فلم يجد، وأيس ملوماً مخذولاً. {ثُمَّ} بعدما دبر مراراً فلم يجد {أَدْبَرَ} عن الإيمان بعدما أشرف على الإقبال بالإيمان والقبول {وَ} ما حمله على الإدبار إلى أنه {ٱسْتَكْبَرَ} [المدثر: 23] واستحيى عن أتِّباعه. وبالجملة: {فَقَالَ} بعد اللتيا والتي {إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ} [المدثر: 24] أي: يُروى ويُتعلم.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : يا أيها المنذر لا تدثر بدثار القالب، {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ} [المدثر: 1] من خوف وارد القلب، {قُمْ فَأَنذِرْ} [المدثر: 2] قواك بأمر الرب، {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} [المدثر: 3]؛ أي: عظم الرب عما تصفه القوى الكافرة، {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4]؛ يعني: طهر بماء الذكر ثياب وجودك ليمكن لك أن تعظم الرب، {وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ}[المدثر: 5]؛ يعني: اهجر الرجز بعد تطهير الثياب؛ لئلا يلوث بالخاطر الهوى، {وَلاَ تَمْنُن} [المدثر: 6] بتكثير؛ يعني: لا تنذر الخلق لنفسك، ولا تنصحهم لحظك، ولا تعط مالك من المعارف الآثارية تريد به وجاهتك حتى يفيض عليك من المعارف الصفاتية، {وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ} [المدثر: 6] في نفسك عين معرفتك حتى يشرفك الله بالمعارف الذاتية، ولا تعمل لله مراقبة جهره لتكون مخلصاً في عملك. {وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ} [المدثر: 7]؛ يعني: فاصبر على كتمان الأسرار خاصة لأمر الرب وغيره على محذورات أسراره المقدسة؛ لئلا يطلع عليها الأغيار، {فَإِذَا نُقِرَ فِي ٱلنَّاقُورِ} [المدثر: 8]؛ يعني: إذا نفخ في الصور التي هي كالناقور، وفي عالم الأنفس ناقور كل أحد قالبه، والنافخ فيه قوة إسرافيلية كما ذكرنا من قبل، {فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ} [المدثر: 9]؛ يعني: النفخ في القالب في تلك الساعة أمر عسير، {عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} [المدثر: 10]؛ أي: على القوى الكافرة، {غَيْرُ يَسِيرٍ} [المدثر: 10] ليس بعده عسرة رجاء اليسر . {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً} [المدثر: 11]؛ يعني: أيتها اللطيفة الخفية المنذرة ذرني ومن خلقت من القوى وحيداً من غير شريك، {وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً} [المدثر: 12]؛ يعني: جعلت له استعدادات كثيرة، وأعطيته آلات وأدوات لأجل الكسب، {وَبَنِينَ شُهُوداً}[المدثر: 13]؛ يعني: بنتائج شاهدين لها مأمور بأمرها معينين على كسبها، {وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً} [المدثر: 14]؛ يعني: بسطت له بساط العيش على أحسن وجه خيراً من لطائف النباتات والحيوانات العلوية والسفلية، {ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ} [المدثر: 15] بعناده وكفرانه؛ يعني: {كَلاَّ} [المدثر: 16]؛ أي: ليس الأمر كما ظن، {إِنَّهُ كان لآيَاتِنَا عَنِيداً} [المدثر: 16] كما بينا له أنه عاند اللطيفة المنذرة والآية البينة معاندة جحوداً وإنكاراً {سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً} [المدثر: 17] سأكلفه اليوم مشقة دائمة صاعدة أبد الآباد.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : تقدم أن المزمل والمدثر بمعنى واحد، وأن الله أمر رسوله صلى الله عليه وسلم، بالاجتهاد في عبادة الله القاصرة والمتعدية، فتقدم هناك الأمر له بالعبادات الفاضلة القاصرة، والصبر على أذى قومه، وأمره هنا بإعلان الدعوة، والصدع بالإنذار، فقال: { قُمِ } [أي] بجد ونشاط { فَأَنْذِرْ } الناس بالأقوال والأفعال، التي يحصل بها المقصود، وبيان حال المنذر عنه، ليكون ذلك أدعى لتركه، { وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ } أي: عظمه بالتوحيد، واجعل قصدك في إنذارك وجه الله، وأن يعظمه العباد ويقوموا بعبادته. { وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ } يحتمل أن المراد بثيابه، أعماله كلها، وبتطهيرها تخليصها والنصح بها، وإيقاعها على أكمل الوجوه، وتنقيتها عن المبطلات والمفسدات، والمنقصات من شر ورياء، [ونفاق]، وعجب، وتكبر، وغفلة، وغير ذلك، مما يؤمر العبد باجتنابه في عباداته. ويدخل في ذلك تطهير الثياب من النجاسة، فإن ذلك من تمام التطهير للأعمال خصوصا في الصلاة، التي قال كثير من العلماء: إن إزالة النجاسة عنها شرط من شروط الصلاة. ويحتمل أن المراد بثيابه، الثياب المعروفة، وأنه مأمور بتطهيرها عن [جميع] النجاسات، في جميع الأوقات، خصوصا في الدخول في الصلوات، وإذا كان مأمورا بتطهير الظاهر، فإن طهارة الظاهر من تمام طهارة الباطن. { وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ } يحتمل أن المراد بالرجز الأصنام والأوثان، التي عبدت مع الله، فأمره بتركها، والبراءة منها ومما نسب إليها من قول أو عمل. ويحتمل أن المراد بالرجز أعمال الشر كلها وأقواله، فيكون أمرا له بترك الذنوب، صغيرها وكبيرها، ظاهرها وباطنها، فيدخل في ذلك الشرك وما دونه. { وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ } أي: لا تمنن على الناس بما أسديت إليهم من النعم الدينية والدنيوية، فتتكثر بتلك المنة، وترى لك [الفضل] عليهم بإحسانك المنة، بل أحسن إلى الناس مهما أمكنك، وانس [عندهم] إحسانك، ولا تطلب أجره إلا من الله تعالى واجعل من أحسنت إليه وغيره على حد سواء. وقد قيل: إن معنى هذا، لا تعط أحدا شيئا، وأنت تريد أن يكافئك عليه بأكثر منه، فيكون هذا خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم. { وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ } أي: احتسب بصبرك، واقصد به وجه الله تعالى، فامتثل رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمر ربه، وبادر إليه، فأنذر الناس، وأوضح لهم بالآيات البينات جميع المطالب الإلهية، وعظم الله تعالى، ودعا الخلق إلى تعظيمه، وطهر أعماله الظاهرة والباطنة من كل سوء، وهجر كل ما يبعد عن الله من الأصنام وأهلها، والشر وأهله، وله المنة على الناس -بعد منة الله- من غير أن يطلب منهم على ذلك جزاء ولا شكورا، وصبر لله أكمل صبر، فصبر على طاعة الله، وعن معاصي الله، وعلى أقدار الله المؤلمة، حتى فاق أولي العزم من المرسلين، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.
النسائي
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم 651 - أنا محمدُ بن رافعٍ، نا حُجين بن المُثَنَّي، نا اللَّيثُ، عن ابن شهابٍ، قال: سمعتُ أبا سلمة بن عبد الرحمن يقول: أخبرني جابرُ بن عبد اللهِ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : ... ثم فتر الوحيُ عنِّي فترةً، فبينما أنا أمشي سمعتُ صوتاً بين السَّماءِ والأرض فرفعتُ بصري قبل السَّماءِ، فإذا الملكُ الذي جاءني بحراءٍ قاعدٌ على كرسيٍّ بين السماءِ والأرضِ، فجُئِثْتُ فرقاً حتى هويتُ إلى الأرض. فجئتُ أهلي فقلت: زَمِّلُوني زَمِّلُوني، فَدَثَّرُوني فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ} [1-5] تفسير : - قال أبو سلمةَ: الرُّجْزُ: الأوثانُ - "حديث : ثم حَمِيَ الوَحَيُ وتَتَابعَ ". تفسير : 652 - أخبرني محمودُ بن خالدٍ، نا عمرُ، عن الأوزاعيِّ قال: حدَّثني يحيى بنُ أبي كثيرٍ قال: سألتُ أبا سلمة: أيُّ القُرآنِ نزلَ قبلُ؟ قال: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ} [1] قُلتُ: أو {أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ}تفسير : [العلق: 1] قال: سألتُ جابر بن عبد اللهِ: أيُّ القرآنِ نزل قبلُ {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ} قلتُ: أو {أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ}تفسير : [العلق: 1]؟ قال جابرٌ: ألا أُحدثُكم بما حدثنا به رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ قال رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم: "حديث : جاورتُ بحراءٍ شهراً فلما قضيتُ جواري نزلت فاستبطنتُ بطن الوادي فنُوديتُ، فنظرتُ أمامي وخلفي وعن يميني وشمالي فلم أر شيئاً،/ ثم نُوديتُ فنظرتُ أمامي وخلفي فلم أر شيئاً، ثم نُوديتُ فنظرتُ أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي فلم أر شيئاً ثم نظرتُ إلى السماءِ فإذا هو على العرشِ في الهواءِ فأخذتني رجفةٌ فأتيتُ خديجة فأمرتهم فدثروني فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [1-4] ". تفسير : - قال أبو عبد الرحمنِ: خالفهُ شيبانُ. 653 - أنا الربيعُ بن محمد بن عيسى، نا آدمُ، نا شيبانُ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، قال: حدَّثني إبراهيم بن عبد الله بن قارظٍ الزُّهريُّ، أن جابر بن عبد اللهِ أخبرهُ أنَّ أولَ شيءٍ نزل من القرآن: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ}. قال جابرٌ: سمعتُ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : جاورتُ بحراءٍ فلمَّا قضيتُ جواري أقبلتُ في بطنِ الوادي، فنادى مُنادي، فنظرتُ عن يميني وشمالي وخلفي فلم أر شيئاً، فنظرتُ فوقي فإذا جبريل جالسٌ على عرشٍ بين السماء والأرضِ فجُئِثتُ منهُ فأقبلتُ إلى خديجة فقلتُ: دثِّرُوني دَثِّرونِي، فَدَثَّرُوني وَصَبُّوا عليَّ ماءً بارداً، فأُنزل: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ} [1] .
همام الصنعاني
تفسير : 3377- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزّهريّ، في قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ}: [الآية: 1]، قالَ: فتر الوحي عن النبي صلى الله عليه وسلم فترة. قَال: وكان أول شيء أُنزل عليه {أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ}تفسير : حتى بلغ: {أية : مَا لَمْ يَعْلَمْ}تفسير : : [العلق: 1-5] فلما فتر عنه الوحي، حَزنَ حُزْناً حَتَّى جعل يغدو مراراً إلى رؤوس شواهق الجبال، ليتردّى منها، فكلَّما أوْفَى بذوره جبل تبدّى له جبريل فيقول: إنك نبيّ الله حقّاً فيسكن لذلك جَأْشُهُ وترجع إليه نفسه. 3378- عبد الرزاق، قال معمر، قال الزّهري: فأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر قال: فكان النبي صلى الله عليه وسلم يُحَدِّثُ ع فترة الوحي، قال: فبينا أنا أمشي يَوْماً إذا رأيت الملك الذي كان أتاني بحراء على كُرسيّ بي نالسماء والأرض، فَجُثِثْتُ منه رُعْباً، فرجعت إلى خديجة فقلت: زملوني، زملوني، زملوني، قالت خديجة: فدثرناه، فأنزل الله تعالى عليه {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ}: [الآيات: 1-2-3-4]. 3379- قال معمر، وقال قتادة هي كلمة عربية، كانت العرب تقولها: طَهَّر ثيابك أيْ مِنَ الذَّنْبِ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):