٧٤ - ٱلْمُدَّثِّر
74 - Al-Muddathir (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
11
Tafseer
الرازي
تفسير : أجمعوا على أن المراد ههنا الوليد بن المغيرة، وفي نصب قوله وحيداً وجوه الأول: أنه نصب على الحال، ثم يحتمل أن يكون حالاً من الخالق وأن يكون حالاً من المخلوق، وكونه حالاً من الخالق على وجهين الأول: ذرني وحدي معه فإني كاف في الانتقام منه والثاني: خلقته وحدي لم يشركني في خلقه أحد، وأما كونه حالاً من المخلوق، فعلى معنى أني خلقته حال ما كان وحيداً فريداً لا مال له، ولا ولد كقوله: {أية : وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } تفسير : [الأنعام: 94]، القول الثاني: أنه نصب على الذم، وذلك لأن الآية نزلت في الوليد وكان يلقب بالوحيد، وكان يقول أنا الوحيد بن الوحيد، ليس لي في العرب نظير، ولا لأبي نظير. فالمراد ذرني ومن خلقت أعني وحيداً. وطعن كثير من المتأخرين في هذا الوجه، وقالوا: لا يجوز أن يصدقه الله في دعواه أنه وحيد لا نظير له، وهذا السؤال ذكره الواحدي وصاحب الكشاف، وهو ضعيف من وجوه الأول: أنا لما جعلنا الوحيد اسم علم فقد زال السؤال لأن اسم العلم لا يفيد في المسمى صفة بل هو قائم مقام الإشارة الثاني: لم لا يجوز أن يحمل على كونه وحيداً في ظنه واعتقاده؟ ونظيره قوله تعالى: {أية : ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ } تفسير : [الدخان: 49] الثالث: أن لفظ الوحيد ليس فيه أنه وحيد في العلو والشرف، بل هو كان يدعى لنفسه أنه وحيد في هذه الأمور. فيمكن أن يقال: أنت وحيد لكن في الكفر والخبث والدناءة القول الثالث: أن وحيداً مفعول ثان لخلق، قال أبو سعيد الضرير: الوحيد الذي لا أب له، وهو إشارة إلى الطعن في نسبه كما في قوله: {أية : عُتُلٍ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ } تفسير : [القلم: 13].
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً} {ذَرْنِي} أي دعني؛ وهي كلمة وعيد وتهديد. {وَمَنْ خَلَقْتُ} أي دعني والذي خلقتُه وحيداً؛ فـ «ـوحيداً» على هذا حال من ضمير المفعول المحذوف، أي خلقته وحده، لا مال له ولا ولد، ثم أعطيتهُ بعد ذلك ما أعطيته. والمفسرون على أنه الوليد بن المغيرة المخزوميّ، وإن كان الناس خلقوا مثل خلقه. وإنما خُصّ بالذكر لاختصاصه بكفر النعمة وإيذاء الرسول عليه السلام، وكان يسمَّى الوحيد في قوله. قال ٱبن عباس: كان الوليد يقول: أنا الوحيد بن الوحيد، ليس لي في العرب نظير، ولا لأبي المغيرة نظير، وكان يسمى الوحيد؛ فقال الله تعالى: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ} بزعمه {وَحِيداً} لا أن الله تعالى صدّقه بأنه وحيد. وقال قوم: إن قوله تعالى: {وَحِيداً} يرجع إلى الربّ تعالى على معنين: أحدهما: ذرني وحدي معه فأنا أجزيك في الانتقام منه عن كل منتقم. والثاني: أني ٱنفردت بخلقه ولم يشركني فيه أحد، فأنا أهلكه ولا أحتاج إلى ناصر في إهلاكه؛ فـ «ـوحِيداً» على هذا حال من ضمير الفاعل، وهو التاء في «خَلَقْتُ» والأوّل قول مجاهد، أي خلقته وحيداً في بطن أمه لا مال له ولا ولد، فأنعمت عليه فكفر؛ فقوله: «وِحيداً» على هذا يرجع إلى الوليد، أي لم يكن له شيء فملكته. وقيل: أراد بذلك ليدله على أنه يبعث وحيداً كما خُلق وحيداً. وقيل: الوحيد الذي لا يُعرف أبوه، وكان الوليد معروفاً بأنه دَعِيّ؛ كما ذكرنا في قوله تعالى: { أية : عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ } تفسير : [القلم: 13] وهو في صفة الوليد أيضاً. قوله تعالى: {وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً} أي خوّلته وأعطيته مالاً ممدوداً، وهو ما كان للوليد بين مكة والطائف من الإبل والحُجُور والنَّعَم والجِنان والعبيد والجواري، كذا كان ٱبن عباس يقول. وقال مجاهد: غلّة ألف دينار؛ قاله سعيد بن جبير وٱبن عباس أيضاً. وقال قتادة: ستة آلاف دينار. وقال سفيان الثوري وقتادة: أربعة آلاف دينار. الثوريّ أيضاً: ألف ألف دينار. مقاتل: كان له بستان لا ينقطع خيره شتاءً ولا صيفاً. وقال عمر رضي الله عنه: {وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً} غلة شهر بشهر. النعمان بن سالم: أرضاً يزرع فيها. القشيريّ: والأظهر أنه إشارة إلى ما لا ينقطع رزقه، بل يتوالى كالزرع والضرع والتجارة. قوله تعالى: {وَبَنِينَ شُهُوداً} أي حضوراً لا يغيبون عنه في تصرف. قال مجاهد وقتادة: كانوا عشرة. وقيل: ٱثنا عشر؛ قاله السّديّ والضحاك. قال الضحاك: سبعة ولدوا بمكة وخمسةٌ ولدوا بالطائف. وقال سعيد بن جبير: كانوا ثلاثة عشر ولداً. مقاتل: كانوا سبعة كلهم رجال، أسلم منهم ثلاثة: خالد وهشام والوليد بن الوليد. قال: فما زال الوليد بعد نزول هذه الآية في نقصان من ماله وولده حتى هلك. وقيل: شهوداً، أي إذا ذُكر ذكروا معه؛ قاله ٱبن عباس. وقيل: شهوداً، أي قد صاروا مثله في شهود ما كان يشهده، والقيام بما كان يباشره. والأوّل قول السديّ، أي حاضرين مكة لا يظعنون عنه في تجارة ولا يغيبون. قوله تعالى: {وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً} أي بسطت له في العيش بسطاً، حتى أقام ببلدته مطمئناً مترفهاً يُرجع إلى رأيه. والتمهيد عند العرب: التوطئة والتهيئة؛ ومنه مَهْدُ الصبيّ. وقال ٱبن عباس: {وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً} أي وسّعت له ما بين اليمن والشام؛ وقاله مجاهد. وعن مجاهد أيضاً في {وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً} أنه المال بعضه فوق بعض كما يمهد الفراش. قوله تعالى: {ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ} أي ثم إن الوليد يطمع بعد هذا كله أن أزيده في المال والولد. {كَلاَّ} أي ليس يكون ذلك مع كفره بالنعم. وقال الحسن وغيره: أي ثم يطمع أن أدخله الجنة، وكان الوليد يقول: إن كان محمد صادقاً فما خُلقت الجنة إلا لي؛ فقال الله تعالى ردًّا عليه وتكذيباً له: {كَلاَّ} أي لستُ أزيده، فلم يزل يرى النقصان في ماله وولده حتى هلك. و «ثُمَّ» في قوله تعالى: {ثُمَّ يَطْمَعُ} ليست بثم التي للنَّسق ولكنها تعجيب؛ وهي كقوله تعالى: { أية : وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ } تفسير : [الأنعام: 1] وذلك كما تقول: أعطيتك ثم أنت تجفوني؛ كالمتعجّب من ذلك. وقيل يطمع أن أترك ذلك في عقبه؛ وذلك أنه كان يقول: إن محمداً مبتور؛ أي أبتر وينقطع ذكره بموته. وكان يظنّ أن ما زرق لا ينقطع بموته. وقيل: أي ثم يطمع أن أنصره على كفره. و {كَلاَّ} قطعٌ للرجاء عما كان يطمع فيه من الزيادة؛ فيكون متصلاً بالكلام الأوّل. وقيل: {كَلاَّ} بمعنى حقًّا ويكون ٱبتداء. {إِنَّهُ} يعني الوليد {كان لآيَاتِنَا عَنِيداً} أي معانداً للنبيّ صلى الله عليه وسلم وما جاء به؛ يقال: عاند فهو عنِيد مثل جالِس فهو جلِيس؛ قاله مجاهد. وعَنَدَ يَعْنِد بالكسر أي خالف وردّ الحقّ وهو يعرفه فهو عنِيد وعانِد. والعانِد: البعير الذي يجور عن الطريق ويعدل عن القصد والجمع عُنَّد مثل راكِع ورُكَّع؛ وأنشد أبو عبيدة قول الحارثيّ: شعر : إذا رَكِبتُ فٱجْعَلاَنِي وَسَطَا إنِّي كَبيرٌ لا أطيقُ الْعُنَّدَا تفسير : وقال أبو صالح: {عَنِيداً} معناه مباعداً؛ قال الشاعر: شعر : أرَانا على حالٍ تُفَرِّقُ بَيْنَنَا نَوْىً غَرْبَةٌ إنّ الفِرَاقَ عَنُود تفسير : قتادة: جاحداً. مقاتل: معرضاً. ٱبن عباس: جحوداً. وقيل: إنه المجاهر بعدوانه. وعن مجاهد أيضاً قال: مجانباً للحق معانداً له معرضاً عنه. والمعنى كله متقارب. والعرب تقول: عَنَد الرجل إذا عَتا وجاوز قدره. والعَنُود من الإبل: الذي لا يخالط الإبل، إنما هو في ناحية. ورجل عَنُود إذا كان يحلّ وحده لا يخالط الناس. والعنيد من التجبر. وعرق عاند: إذا لم يَرقأ دمه، كل هذا قياس واحد وقد مضى في سورة «إبراهيم». وجمع العنيد عُنُد، مثل رِغيف ورغُفُ. قوله تعالى: {سَأُرْهِقُهُ} أي سأكلفه. وكان ٱبن عباس يقول: سألجئه؛ والإرهاق في كلام العرب: أن يُحَمل الإنسان على الشيء. {صَعُوداً}. «حديث : الصَّعُودُ: جبل من نار يتصعّد فيه سَبْعين خَريفاً ثم يَهْوِي كَذَلكَ فيه أبَدا» تفسير : رواه أبو سعيد الخدريّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، خرجه الترمذيّ وقال فيه حديث غريب. وروى عطية عن أبي سعيد قال: صخرة في جهنم إذا وضعوا عليها أيديهم ذابت فإذا رفعوها عادت، قال: فيبلغ أعلاها في أربعين سنة يُجذب من أمامه بسلاسل ويضْرب من خلفه بمقامع، حتى إذا بلغ أعلاها رمَى به إلى أسفلها، فذلك دأبه أبداً. وقد مضى هذا المعنى في سورة {قُلْ أُوحِيَ}. وفي التفسير: أنه صخرة ملساء يكلّف صعودها فإذا صار في أعلاها حُدِر في جهنم، فيقوم يهوِي ألف عام من قبل أن يبلغ قرار جهنم، يحترق في كل يوم سبعين مرّة ثم يعاد خلقاً جديداً. وقال ٱبن عباس: المعنى سأكلفه مشقّة من العذاب لا راحة له فيه. ونحوه عن الحسن وقتادة. وقيل: إنه تصاعد نفسه للنزع وإن لم يتعقبه موت، ليُعذّب من داخل جسده كما يعذّب من خارجه.
البيضاوي
تفسير : {ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً } نزلت في الوليد بن المغيرة، و {وَحِيداً } حال من الياء أي ذرني وحدي معه فإني أكفيكه، أو من التاء أي ومن خلقته وحدي لم يشركني في خلقه أحد، أو من العائد المحذوف أي من خلقته فريداً لا مال له ولا ولد، أو ذم فإنه كان ملقباً به فسماه الله به تهكماً، أو إرادة أنه وحيد ولكن في الشرارة أو عن أبيه فإنه كان زنيماً. {وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً } مبسوطاً كثيراً أو ممداً بالنماء، وكان له الزرع والضرع والتجارة. {وَبَنِينَ شُهُوداً } حضوراً معه بمكة يتمتع بلقائهم لا يحتاجون إلى سفر لطلب المعاش استغناء بنعمته، ولا يحتاج إلى أن يرسلهم في مصالحه لكثرة خدمه، أو في المحافل والأندية لوجاهتهم واعتبارهم. قيل كان له عشرة بنين أو أكثر كلهم رجال، فأسلم منهم ثلاثة خالد وعمارة وهشام. {وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً } وبسطت له الرياسة والجاه العريض حتى لقب ريحانة قريش والوحيد أي باستحقاقه الرياسة والتقدم. {ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ } على ما أوتيه وهو استبعاد لطمعه أما لأنه لا مزيد على ما أوتي، أو لأنه لا يناسب ما هو عليه من كفران النعم ومعاندة المنعم ولذلك قال: {كَلاَّ إِنَّهُ كان لآيَـٰتِنَا عَنِيداً } فإنه ردع له عن الطمع وتعليل للردع على سبيل الاستئناف بمعاندة آيات المنعم المناسبة لإزالة النعمة المانعة عن الزيادة، قيل: ما زال بعد نزول هذه الآية في نقصان ماله حتى هلك. {سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً } سأغشيه عقبة شاقة المصعد، وهو مثل لما يلقى من الشدائد. وعنه عليه الصلاة والسلام «حديث : الصعود جبل من نار يصعد فيه سبعين خريفاً ثم يهوي فيه كذلك أبداً»تفسير : {إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ } تعليل أو بيان للعناد، والمعنى فكر فيما يخيل طعناً في القرآن وقدر في نفسه ما يقول فيه. {فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ } تعجب من تقديره استهزاء به، أو لأنه أصاب أقصى ما يمكن أن يقال عليه من قولهم: قتله الله ما أشجعه، أي بلغ في الشجاعة مبلغاً يحق أن يحسد ويدعو عليه حاسده بذلك. روي أنه مر بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ {حـم } «السجدة»، فأتى قومه وقال لقد سمعت من محمد آنفاً كلاماً ما هو من كلام الإِنس والجن، إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يعلى. فقالت قريش صبأ الوليد فقال ابن أخيه أبو جهل: أنا أكفيكموه، فقعد إليه حزيناً وكلمه بما أحماه فناداهم فقال: تزعمون أن محمداً مجنون فهل رأيتموه يخنق، وتقولون إنه كاهن فهل رأيتموه يتكهن، وتزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه يتعاطى شعراً، فقالوا لا فقال: ما هو إلا ساحر أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه، ففرحوا بقوله وتفرقوا عنه متعجبين منه.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى متوعداً لهذا الخبيث الذي أنعم الله عليه بنعم الدنيا، فكفر بأنعم الله، وبدلها كفراً، وقابلها بالجحود بآيات الله والافتراء عليها، وجعلها من قول البشر، وقد عدد الله عليه نعمه حيث قال تعالى: { ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً} أي: خرج من بطن أمه وحده لا مال له ولا ولد، ثم رزقه الله تعالى: {مَالاً مَّمْدُوداً} أي: واسعاً كثيراً، قيل: ألف دينار، وقيل: مائه ألف دينار، وقيل: أرضاً يستغلها، وقيل غير ذلك، وجعل له { وَبَنِينَ شُهُوداً} قال مجاهد: لا يغيبون، أي: حضوراً عنده، لا يسافرون بالتجارات، بل مواليهم وأجراؤهم يتولون ذلك عنهم، وهم قعود عند أبيهم يتمتع بهم ويتملى بهم، وكانوا فيما ذكره السدي وأبو مالك وعاصم بن عمر بن قتادة ثلاثة عشر، وقال ابن عباس ومجاهد: كانوا عشرة، وهذا أبلغ في النعمة، وهو إقامتهم عنده، { وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً} أي: مكنته من صنوف المال والأثاث وغير ذلك. { ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلاَّ إِنَّهُ كان لأَيَـٰتِنَا عَنِيداً } أي: معانداً، وهو الكفر على نعمه بعد العلم، قال الله تعالى: { سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً} قال الإمام أحمد: حدثنا حسن حدثنا ابن لهيعة عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ويل: واد في جهنم، يهوي فيه الكافر أربعين خريفاً، قبل أن يبلغ قعره، والصعود: جبل من نار يتصعد فيه الكافر سبعين خريفاً، ثم يهوي به كذلك فيه أبداً» تفسير : وقد رواه الترمذي عن عبد بن حميد عن الحسن بن موسى الأشيب به، ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة عن دراج، كذا قال، وقد رواه ابن جرير عن يونس عن عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث عن دراج، وفيه غرابة ونكارة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة وعلي بن عبد الرحمن المعروف بعلان المصري قال: حدثنا منجاب، أخبرنا شريك عن عمار الدهني عن عطية العوفي عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم: { سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً} قال: «حديث : هو جبل في النار من نار، يكلف أن يصعده، فإذا وضع يده ذابت، وإذا رفعها عادت، فإذا وضع رجله ذابت، وإذا رفعها عادت» تفسير : ورواه البزار وابن جرير من حديث شريك به. وقال قتادة عن ابن عباس: صعوداً: صخرة في جهنم يسحب عليها الكافر على وجهه. وقال السدي: صعوداً: صخرة ملساء في جهنم، يكلف أن يصعدها. وقال مجاهد: { سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً} أي: مشقة من العذاب، وقال قتادة: عذاباً لا راحة فيه، واختاره ابن جرير. وقوله تعالى: { إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ} أي: إنما أرهقناه صعوداً، أي: قربناه من العذاب الشاق؛ لبعده عن الإيمان؛ لأنه فكر وقدر، أي: تروى ماذا يقول في القرآن، حين سئل عن القرآن، ففكر ماذا يختلق من المقال، {وَقَدَّرَ} أي: تروى، { فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ } دعاء عليه { ثُمَّ نَظَرَ} أي: أعاد النظرة والتروي، {ثُمَّ عَبَسَ} أي: قبض بين عينيه وقطب، {وَبَسَرَ} أي: كلح وكره، ومنه قول توبة بن حمير:شعر : وقَدْ رابَنِي مِنْها صُدُودٌ رَأَيْتُهُ وإِعْراضُها عن حاجَتي وبُسورُها تفسير : وقوله: { ثُمَّ أَدْبَرَ وَٱسْتَكْبَرَ} أي: صرف عن الحق، ورجع القهقرى مستكبراً عن الانقياد للقرآن، { فَقَالَ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ} أي: هذا سحر ينقله محمد عن غيره ممن قبله، ويحكيه عنهم، ولهذا قال: { إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ قَوْلُ ٱلْبَشَرِ} أي: ليس بكلام الله، وهذا المذكور في هذا السياق هو الوليد بن المغيرة المخزومي أحد رؤساء قريش، لعنه الله، وكان من خبره في هذا ما رواه العوفي عن ابن عباس قال: دخل الوليد بن المغيرة على أبي بكر بن أبي قحافة، فسأله عن القرآن، فلما أخبره، خرج على قريش فقال: يا عجباً لما يقول ابن أبي كبشة فوالله ما هو بشعر ولا بسحر، ولا بهذي من الجنون، وإن قوله لمن كلام الله، فلما سمع بذلك النفر من قريش، ائتمروا وقالوا: والله لئن صبأ الوليد، لتصبو قريش، فلما سمع بذلك أبو جهل بن هشام قال: أنا والله أكفيكم شأنه، فانطلق حتى دخل عليه بيته، فقال للوليد: ألم تر إلى قومك قد جمعوا لك الصدقة؟ فقال: ألست أكثرهم مالاً وولداً؟ فقال أبو جهل: يتحدثون أنك إنما تدخل على ابن أبي قحافة لتصيب من طعامه، فقال الوليد: أقد تحدث به عشيرتي؟ فلا والله لا أقرب ابن أبي قحافة ولاعمر ولا ابن أبي كبشة، وما قوله إلا سحر يؤثر، فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم: {ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً} إلى قوله {لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ} وقال قتادة: زعموا أنه قال: والله لقد نظرت فيما قال الرجل، فإذا هو ليس بشعر، وإن له لحلاوة، وإنه عليه لطلاوة، وإنه ليعلو وما يعلى عليه، وما أشك أنه سحر، فأنزل الله: {فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ} الآية. { ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ}: قبض ما بين عينيه وكلح، وقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن عباد بن منصور عن عكرمة: أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقرأ عليه القرآن، فكأنه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل بن هشام، فأتاه فقال: أي عم إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالاً. قال: لِمَ؟ قال: يعطونكه؛ فإنك أتيت محمداً تعرض لما قبله، قال: قد علمت قريش أني أكثرها مالاً، قال: فقل فيه قولاً يعلم قومك أنك منكر لما قال، وأنك كاره له، قال: فماذا أقول فيه؟ فو الله ما منكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه ولا بقصيده، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا، والله إن لقوله الذي يقوله لحلاوة، وإنه ليحطم ما تحته، وإنه ليعلو وما يعلى، وقال: والله لا يرضى قومك حتى تقول فيه، قال: فدعني حتى أتفكر فيه، فلما فكر قال: إنْ هذا إلا سحر يؤثره عن غيره، فنزلت: {ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً} حتى بلغ {تِسْعَةَ عَشَرَ} وقد ذكر محمد بن إسحاق وغير واحد نحواً من هذا، وقد زعم السدي أنهم لما اجتمعوا في دار الندوة ليجمعوا رأيهم على قول يقولونه فيه قبل أن يقدم عليهم وفود العرب للحج ليصدوهم عنه، فقال قائلون: شاعر، وقال آخرون: ساحر، وقال آخرون: كاهن، وقال آخرون: مجنون؛ كما قال تعالى: {أية : ٱنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ} تفسير : [الإسراء: 48] كل هذا والوليد يفكر فيما يقوله فيه، ففكر وقدر، ونظر وعبس وبسر، فقال: إنْ هذا إلا سحر يؤثر، إنْ هذا إلا قول البشر، قال الله تعالى: { سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} أي: سأغمره فيها من جميع جهاته، ثم قال تعالى: { وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ}؟ وهذا تهويل لأمرها وتفخيم، ثم فسر ذلك بقوله تعالى: { لاَ تُبْقِى وَلاَ تَذَرُ} أي: تأكل لحومهم وعروقهم وعصبهم وجلودهم، ثم تبدل غير ذلك، وهم في ذلك لا يموتون ولا يحيون، قاله ابن بريدة وأبو سنان وغيرهم. وقوله تعالى: { لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ} قال مجاهد: أي: للجلد، وقال أبو رزين: تلفح الجلد لفحة، فتدعه أسود من الليل، وقال زيد بن أسلم: تلوح أجسادهم عليها. وقال قتادة: { لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ} أي: حراقة للجلد. وقال ابن عباس: تحرق بشرة الإنسان. وقوله تعالى: { عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} أي: من مقدمي الزبانية، عظيم خلقهم، غليظ خلقهم. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا ابن أبي زائدة، أخبرني حارث عن عامر عن البراء في قوله تعالى: { عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} قال: إن رهطاً من اليهود سألوا رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خزنة جهنم، فقال: الله ورسوله أعلم، فجاء الرجل، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى عليه ساعتئذ: { عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ}، فأخبر أصحابه، وقال: «حديث : ادعهم، أما إني سائلهم عن تربة الجنة إن أتوني، أما إنها درمكة بيضاء» تفسير : فجاؤوه فسألوه عن خزنة جهنم، فأهوى بأصابع كفيه مرتين، وأمسك الإبهام في الثانية ثم قال: «حديث : أخبروني عن تربة الجنة» تفسير : فقالوا: أخبرهم يابن سلام، فقال: كأنها خبزة بيضاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أما إن الخبز إنما يكون من الدرمك» تفسير : هكذا وقع عند ابن أبي حاتم عن البراء، والمشهور عن جابر بن عبد الله كما قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا منده، حدثنا أحمد بن عبدة، أخبرنا سفيان ويحيى بن حكيم، حدثنا سفيان عن مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد غلب أصحابك اليوم، فقال: «حديث : بأي شيء؟» تفسير : قال: سألتهم يهود هل أعلمكم نبيكم عدة خزنة أهل النار؟ قالوا: لا نعلم حتى نسأل نبينا صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أفغلب قوم يسألون عما لا يعلمون، فقالوا: لا نعلم حتى نسأل نبينا صلى الله عليه وسلم؟ علي بأعداء الله، لكنهم قد سألوا نبيهم أن يريهم الله جهرة» تفسير : فأرسل إليهم فدعاهم، قالوا: يا أبا القاسم كم عدة خزنة أهل النار؟ قال: «حديث : هكذا» تفسير : وطبق كفيه، ثم طبق كفيه مرتين، وعقد واحدة، وقال لأصحابه: «حديث : إن سئلتم عن تربة الجنة، فهي الدرمك» تفسير : فلما سألوه، فأخبرهم بعدة خزنة أهل النار، قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما تربة الجنة؟» تفسير : فنظر بعضهم إلى بعض، فقالوا: خبزة يا أبا القاسم فقال: «حديث : الخبز من الدرمك» تفسير : وهكذا رواه الترمذي عند هذه الآية عن ابن أبي عمر عن سفيان به، وقال هو والبزار: لا يعرف إلا من حديث مجالد، وقد رواه الإمام أحمد عن علي بن المديني عن سفيان، فقص الدرمك فقط.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ذَرْنِى } اتركني {وَمَنْ خَلَقْتُ } عطف على المفعول أو مفعول معه {وَحِيداً } حال من من، أو من ضمير المحذوف من خلقت أي منفرداً بلا أهل ولا مال هو الوليد بن المغيرة المخزومي.
الماوردي
تفسير : {ذرْني ومَنْ خَلَقْتُ وَحيداً} قال المفسرون يعني الوليد بن المغيرة المخزومي وإن كان الناس خلقوا مثل خلقه، وإنما خص بالذكر لاختصاصه بكفر النعمة لأذى الرسول. وفي قوله تعالى: " وحيداً" تأويلان: أحدهما: أن الله تفرد بخلقه وحده. الثاني: خلقه وحيداً في بطن أُمّه لا مال له ولا ولد، قاله مجاهد، فعلى هذا الوجه في المراد بخلقه وحيداً وجهان: أحدهما: أن يعلم به قدر النعمةعليه فيما أعطي من المال والولد. الثاني: أن يدله بذلك على أنه يبعث وحيداً كما خلق وحيداً. {وجَعَلْتُ له مالاً مَمْدوداً} فيه ثمانية أقاويل: أحدها: ألف دينار، قاله ابن عباس. الثاني: أربعة الآف دينار، قاله سفيان. الثالث: ستة الآف دينار، قاله قتادة. الرابع: مائة ألف دينار، قاله مجاهد. الخامس: أنها أرض يقال لها ميثاق، وهذا مروي عن مجاهد أيضاً. السادس: أنها غلة شهر بشهر، قاله عمر رضي الله عنه. السابع: أنه الذي لا ينقطع شتاء ولا صيفاً، قاله السدي. الثامن: أنها الأنعام التي يمتد سيرها في أقطار الأرض للمرعى والسعة، قاله ابن بحر. ويحتمل تاسعاً: أن سيتوعب وجوه المكاسب فيجمع بين زيادة الزراعة وكسب التجارة ونتاج المواشي فيمد بعضها ببعض لأن لكل مكسب وقتاً. ويحتمل عاشراً: أنه الذي يتكون نماؤه من أصله كالنخل والشجر. {وبَنينَ شُهوداً} اختلف في عددهم على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم كانوا عشرة، قاله السدي. الثاني: قال الضحاك: كان له سبعة ولدوا بمكة، وخمسة ولدوا بالطائف. الثالث: أنهم كانوا ثلاثة عشر رجلاً، قاله ابن جبير. وفي قوله " شهوداً" ثلاثة تأويلات: أحدها: أنهم حضور معه لا يغيبون عنه، قاله السدي. الثاني: أنه إذا ذكر ذكروا معه، قاله ابن عباس. الثالث: أنهم كلهم رب بيت، قاله ابن جبير. ويحتمل رابعاً: أنهم قد صاروا مثله من شهود ما كان يشهده، والقيام بما كان يباشره. {ومَهّدْت له تَمْهيداً} فيه وجهان: أحدها: مهدت له من المال والولد، قاله مجاهد. الثاني: مهدت له الرياسة في قومه، قاله ابن شجرة. ويحتمل ثالثاً: أنه مهد له الأمر في وطنه حتى لا ينزعج عنه بخوف ولا حاجة. {ثم يَطْمَعُ أنْ أَزيدَ} فيه وجهان: أحدهما: ثم يطمع أن أدخله الجنة، كلاّ، قاله الحسن. الثاني: أن أزيده من المال والولد " كلاّ " قال ابن عباس: فلم يزل النقصان في ماله وولده. ويحتمل وجهاً ثالثاً: ثم يطمع أن أنصره على كفره. {كلاّ إنه كان لآياتِنَا عَنيداً} في المراد " بآياتنا" ثلاثة أقاويل: أحدها: القرآن، قاله ابن جبير. الثاني: محمد صلى الله عليه وسلم، قاله السدي. الثالث: الحق، قاله مجاهد. وفي قوله " عنيداً " أربعة تأويلات: أحدها: معاند، قاله مجاهد وأبو عبيدة، وأنشد قول الحارثي: شعر : إذا نزلت فاجعلاني وسطا إني كبير لا أطيق العُنَّدا تفسير : الثاني: مباعد، قاله أبو صالح، ومنه قول الشاعر: شعر : أرانا على حال تفرِّق بيننا نوى غُرْبَةٍ إنّ الفراق عنود. تفسير : الثالث: جاحد، قاله قتادة. الرابع: مُعْرض، قاله مقاتل. ويحتمل تأويلاً خامساً: أنه المجاهر بعداوته. {سأرْهِقُه صَعُوداً} فيه أربعة أقاويل: أحدها: مشقة من العذاب، قاله قتادة. الثاني: أنه عذاب لا راحة فيه، قاله الحسن. الثالث: أنها صخرة في النار ملساء يكلف أن يصعدها، فإذا صعدها زلق منها، وهذا قول السدي. الرابع: ما رواه عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم " سأرهقه صعودا" قال: حديث : هو جبل في النار من نار يكلف أن يصعده، فإذا وضع يده عيله ذابت، وإذا رفعها عادت، وإذا وضع رجله ذابت، وإذا رفعها عادت . تفسير : ويحتمل إن لم يثبت هذا النقل قولاً خامساً: أنه تصاعد نفسه للنزع وإن لم يتعقبه موت ليعذب من داخل جسده كما يعذب من خارجه. {إنه فكَّر وقَدَّر} قال قتادة: زعموا أن الوليد بن المغيرة قال: لقد نظرت فيما قال هذا الرجل فإذا هو ليس بشعر، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه ليعلو وما يُعْلَى، وما أشك أنه سحر، فهو معنى قوله " فكر وقدّر" أي فكر في القرآن فيما إنه سحر وليس بشعر. ويحتمل وجهاً ثالثاً: أن يكون فكّر في العداوة وقدّر في المجاهدة. {فقُتِلَ كيف قَدَّرَ} فيه وجهان: أحدهما: أي عوقب ثم عوقب، فيكون العقاب تكرر عليه مرة بعد أخرى. الثاني: أي لعن ثم لعن كيف قدر أنه ليس بشعر ولا كهانة، وأنه سحر. {ثم نَظَرَ} يعني الوليد بن المغيرة، وفي ما نظر فيه وجهان: أحدهما: أنه نظر في الوحي المنزل من القرآن، قاله مقاتل. الثاني: أنه نظر إلى بني هاشم حين قال في النبي صلى الله عليه وسلم إنه ساحر، ليعلم ما عندهم. ويحتمل ثالثاً: ثم نظر إلى نفسه فيما أُعطِي من المال والولد فطغى وتجبر. {ثم عَبَسَ وبَسَرَ} أما عبس فهو قبض ما بين عينينه، وبَسَرَ فيه وجهان: أحدهما: كلح وجهه، قاله قتادة، ومنه قول بشر بن أبي خازم: شعر : صبحنا تميماً غداة الجِفار بشهباءَ ملمومةٍ باسِرةَ تفسير : الثاني: تغيّر، قاله السدي، ومنه قول توبة: شعر : وقد رابني منها صدودٌ رأيتُه وإعْراضها عن حاجتي وبُسورها. تفسير : واحتمل أن يكون قد عبس وبسر على النبي صلى الله عليه وسلم حين دعاه. واحتمل أن يكون على من آمن به ونصره. وقيل إن ظهور العبوس في الوجه يكون بعد المحاورة، وظهور البسور في الوجه قبل المحاورة. {ثم أَدْبَر واسْتَكْبَرَ} يحتمل وجهين: أحدهما: أدبر عن الحق واستكبر عن الطاعة. الثاني: أدبر عن مقامه واستكبر في مقاله. {فقال إنْ هذا إلا سِحْرٌ يُؤْثَر} قال ابن زيد: إن الوليد بن المغيرة قال: إنْ هذا القرآن إلا سحر يأثره محمد عن غيره فأخذه عمن تقدمه. ويحتمل وجهاً آخر: أن يكون معناه أن النفوس تؤثر لحلاوته فيها كالسحر. {إنْ هذا إلا قَوْلَ البَشِرِ} أي ليس من كلام الله تعالى، قال السدي: يعنون أنه من قول أبي اليسر عَبْدٌ لبني الحضرمي كان يجالس النبي صلى الله عليه وسلم، فنسبوه إلى أنه تعلم منه ذلك. {سأصْليه سَقَرَ} فيه وجهان: أحدهما: أنه اسم من أسماء جهنم مأخوذ من قولهم: سقرته الشمس إذا آلمت دماغه، فسميت جهنم بذلك لشدة إيلامها. {وما أدراك ما سَقَر لا تُبقي ولا تذر} فيه وجهان: أحدهما: لا تبقي من فيها حياً، ولا تذره ميتاً، قاله مجاهد. الثاني: لا تبقي أحداً من أهلها أن تتناوله، ولا تذره من العذاب، حكاه ابن عيسى. ويحتمل وجهاً ثالثاً: لا تبقيه صحيحاً، ولا تذره مستريحاً. {لوّاحَةً للبَشَرِ} فيه أربعة أوجه: أحدها: مغيرة لألوانهم، قال أبو رزين تلفح وجوههم لفحة تدعهم أشد سواداً من الليل. الثاني: تحرق البشر حتى تلوح العظم، قاله عطية. الثالث: أن بشرة أجسادهم تلوح على النار، قاله مجاهد. الرابع: أن اللواح شدة العطش، والمعنى أنها معطشة للبشر، أي لأهلها، قاله الأخفش، وأنشد: شعر : سَقَتْني على لوْحٍ من الماءِ شَرْبةً سقاها به الله الرهامَ الغواديا. تفسير : يعني باللوح شدة العطش: ويحتمل خامساً: أنها تلوح للبشر بهولها حتى تكون أشد على من سبق إليها، وأسرّ لمن سلم منها. وفي البشر وجهان: أحدهما: أنهم الإنس من أهل النار، قالهالأخفش والأكثرون. الثاني: أنه جمع بشرة، وهي جلدة الإنسان الظاهرة، قاله مجاهد وقتادة. {عليها تسعةَ عَشَرَ} هؤلاء خزنة جهنم وهم الزبانية، وعددهم هذا الذي ذكره الله تعالى، وروى عامر عن البراء أن رهطاً من اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خزنة جهنم، فأهوى بأصابع كفيه مرتين، فأمسك الإبهام في الثانية، وأخبر الله عنهم بهذا العدد،وكان الاقتصار عليه دون غيره من الأعداد إخباراً عمن وكل بها وهو هذا العدد، وموافقة لما نزل به التوراة والإنجيل من قبل. وقد يلوح لي في الاقتصار على هذا العدد معنى خفي يجوز أن يكون مراداً، وهو أن تسعة عشر عدد يجمع أكثر القليل من العدد وأقل الكثير، لأن العدد آحاد وعشرات ومئون وألوف، والآحاد أقل الأعداد، وأكثر الآحاد تسعة، وما سوى الآحاد كثير وأقل الكثير عشرة، فصارت التسعة عشر عدداً يجمع من الأعداد أكثر قليلها، وأقل كثيرها، فلذلك ما وقع عليها الاقتصار والله أعلم للنزول عن أقل القليل وأكثر الكثير فلم يبق إلا ما وصفت. ويحتمل وجهاً ثانياً: أن يكون الله حفظ جهنم حتى ضبطت وحفظت بمثل ما ضبطت به الأرض وحفظت به من الجبال حتى رست وثبتت، وجبال الأرض التي أرسيت بها واستقرت عليها تسعة عشر جبلاً، وإن شعب فروعها تحفظ جهنم بمثل هذا العدد، لأنها قرار لعُصاة الأرض من الإنس والجن، فحفظت مستقرهم في النار بمثل العدد الذي حفظ مستقرهم في الأرض، وحد الجبل ما أحاطت به أرض تتشعب فيها عروقه ظاهره ولا باطنه، وقد عد قوم جبال الأرض فإذا هي مائة وتسعون جبلاً، واعتبروا انقطاع عروقها رواسي وأوتاداً، فهذان وجهان يحتملهما الاستنباط، والله أعلم بصواب ما استأثر بعلمه. وذكر من يتعاطى العلوم العقلية وجهاً ثالثاً: أن الله تعالى حفظ نظام خلقه ودبر ما قضاه في عباده بتسعة عشر جعلها المدبرات أمراً وهي سبعة كواكب واثنا عشر برجاً، فصار هذا العدد أصلاً في المحفوظات العامة، فلذلك حفظ جهنم، وهذا مدفوع بالشرع وإن راق ظاهره. ثم نعود إلى تفسير الآية، روى قتادة أن الله تعالى لما قال: " عليها تسعة عشر" قال أبو جهل: يا معشر قريش أما يستطيع كل عشرة منكم أن يأخذوا واحداً منهم وأنتم أكثر منهم. قال السدي: وقال أبو الأشد بن الجمحي: لا يهولنكم التسعة عشر أنا أدفع عنكم بمنكبي الأيمن عشرة من الملائكة، وبمنكبي الأيسر التسعة ثم تمرون إلى الجنة، يقولها مستهزئاً.
ابن عطية
تفسير : قوله تعالى: {ذرني ومن خلقت وحيداً} وعيد محض، المعنى أنا أكفي عقابه وشأنه كله. ولا خلاف بين المفسرين أن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي، فروي أنه كان يلقب الوحيد، أي لأنه لا نظير له في ماله وشرفه في بيته، فذكر الوحيد في الآية في جملة النعمة التي أعطي وإن لم يثبت هذا، فقوله تعالى: {خلقت وحيداً} معناه منفرداً قليلاً ذليلاً، فجعلت له المال والبنين، فجاء ذكر الوحدة مقدمة حسن معها وقوع المال والبنين، وقيل المعنى خلقته وحدي لم يشركني فيه أحد، فـ {وحيداً} حال من التاء في {خلقت}، والمال الممدود: قال مجاهد وابن جبير هو ألف دينار، وقال سفيان: بلغني أنه أربعة آلاف دينار وقاله قتادة، وقيل: عشرة آلاف دينار، فهذا مد في العدد، وقال النعمان بن بشير هي الأرض لأنها مدت، وقال عمر بن الخطاب: المال الممدود الربع المستغل مشاهرة، فهو مد في الزمان لا ينقطع، و {شهوداً} معناه حضوراً متلاحقين، قال مجاهد وقتادة: كان له عشرة من الولد، وقال ابن جبير: ثلاثة عشر، والتمهيد: التوطئة والتهيئة، قال سفيان: المعنى بسطت له العيش بسطاً. وقوله تعالى: {ثم يطمع أن أزيد} وصفه بجشع الوليد وعتبة في الازدياد من الدنيا، وقوله تعالى: {كلا} زجر ورد على أمنية هذا المذكور، ثم أخبر عنه أنه كان معانداً مخالفاً لآيات الله و عبره، يقال بعير عنود للذي يمشي مخالفاً للإبل. ويحتمل أن يريد بالآيات آيات القرآن وهو الأصح في التأويل سبب كلام الوليد في القرآن بأنه سحر، و "أرهقه" معناه أكلفه بمشقة وعسر، و {صعوداً}: عقبة في جهنم، روى ذلك أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم كلما وضع عليها شيء من الإنسان ذاب، والصعود في اللغة: العقبة الشاقة. وقوله تعالى مخبراً عن الوليد {إنه فكر وقدر} الآية، روى جمهور المفسرين أن الوليد سمع من القرآن ما أعجبه ومدحه، ثم سمع كذلك مراراً حتى كاد أن يقارب الإسلام، ودخل إلى أبي بكر الصديق مراراً، فجاءه أبو جهل فقال: يا وليد، أشعرت أن قريشاً قد ذمتك بدخولك إلى ابن أبي قحافة وزعمت أنك إنما تقصد أن تأكل طعامه، فقد أبغضتك لمقاربتك أمر محمد، وما يخلصك عندهم إلا أن تقول في هذا الكلام قولاً يرضيهم، ففتنه أبو جهل فافتتن، وقال: افعل ذلك ثم فكر فيما عسى أن يقول في القرآن، فقال: أقول شعر ما هو بشعر، أقول هو كاهن؟ ما هو بكاهن، أقول هو {سحر يؤثر} هو قول البشر، أي لبس منزل من عند الله قال أكثر المفسرين، فقوله تعالى: {فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر} هو دعاء عليه وتقبيح لحاله أي أنه ممن يستحق ذلك. وروي عن الزهري وجماعة غيره أو الوليد حاج أبا جهل وجماعة من قريش في أمر القرآن وقال: والله إن له لحلاوة وإن أصله لعذق وإن فرعه لحياة وإنه ليحطم ما تحته وإنه ليعلو ولا يعلى ونحو هذا من الكلام فخالفوه فقالوا له: هو شعر، فقال والله ما هو بشعر، ولقد عرفنا الشعر هزجه وبسيطه، قالوا: فهو كاهن، قال والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان وزمزمتهم، قالوا: هو مجنون، قال: والله ما هو بمجنون، ولقد رأينا المجنون وخنقه، قالوا: هو سحر، قال أما هذا فيشبه أنه سحر ويقول أقوال نفسه. قال القاضي أبو محمد: فيحتمل قوله تعالى: {فقتل كيف قدر} أن يكون دعاء عليه على معنى تقبيح حاله، ويحتمل أن يكون دعاء مقتضاه استحسان منزعه الأول ومدحه القرآن، وفي نفيه الشعر والكهانة والجنون عنه فيجري هذا مجرىحديث : قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي جندل بن سهيل: "ويل أمه مسعر حرب" تفسير : ،ومجرى قول عبد الملك بن مروان: قاتل الله كثيراً كأنه رآنا حين قال كذا، وهذا معنى مشهور في كلام العرب، ثم وصف تعالى إدباره واستكباره وأنه ضل عند ذلك وكفر، وإذا قلنا إن ذلك دعاء على مستحسن فعله فيجيء قوله تعالى: {ثم نظر}، معناه نظر فيما احتج به القرآن فرأى ما فيه من علو مرتبة محمد عليه السلام فـ {عبس} لذلك {وبسر} أي قطب وقبض ما بين عينيه وأربد وجهه حسداً له فأدبر واستكبر، أي ارتكس في ضلاله وزال إقباله أولاً ليهتدي ولحقته الكبرياء، وقال هذا سحر، و {يؤثر} معناه يروى ويحمل، أي يحمله محمد عن غيره، وعلى التأويل أن الدعاء عليه دعاء على مستقبح فعله يجيء قوله {ثم نظر} معناه معاداً بعينه لأن {فكر وقدر} يقتضيه لكنه إخبار بترديده النظر في الأمر، وقد رويحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الوليد فقال له: "انظر وفكر فلما فكر قال ما تقدم" .
ابن عبد السلام
تفسير : {وَحِيداً} منفرداً بخلقه أو وحيداً في بطن أمه لا مال له ولا ولد أعلمه بذلك قدر نعمه عليه بالمال والولد أو ليدلّه على أنّه يبعث وحيداً كما خلق وحيداً نزلت في الوليد بن المغيرة.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً} الآية، لا خلافَ بَيْنَ المفسرين أن هذه الآيةَ نزلتْ في الوليدِ بن المغيرةِ المخزومي، فَرُوِيَ أنَّه كَانَ يُلَقَّبُ الوحيدَ أي: لأنه لاَ نَظِيرَ له في مالهِ وشَرَفهِ في بيتِه، فَذَكَرَ الوَحِيدَ في جملة النِّعَمِ التي أُعْطِيَ، وإنْ لم يَثْبُتْ هذا فقوله تعالى: {خَلَقْتُ وَحِيداً} معناه: منفَرِداً قليلاً ذَلِيلاً، والمالُ الممدودُ قال مجاهد وابن جبير: هو ألْفُ دينار، وقال سفيان: بلغني أَنَّهُ أربَعة آلافٍ؛ وقاله قتادة: وقيل عَشَرَةُ آلافِ دينار، قال * ع *: وهذا مَدّ في العدَدِ، وقال عمر بن الخطاب: المالُ الممدودُ: الرَّيْع المستغَلُّ مُشَاهَرةً. {وَبَنِينَ شُهُوداً} أي حُضُوراً، قيل عشَرَةٌ وقِيلَ ثَلاَثَةُ عَشَرَ، قال الثعلبيُّ: أسْلَم منهم ثلاثةٌ خَالد بْن الوليدِ، وهِشَام، وعِمَارَة، قالوا: فما زال الوليدُ بَعْد نزولِ هذهِ الآيةِ في نُقْصَانٍ مِنْ مالهِ وَوَلدِه حتَى هلك، انتهى. {وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً} قال سفيانُ: المعنى بَسَطْتُ له العيشَ بَسْطاً.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً}، الواو في قوله: {وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً}، كقوله: "والمُكَذبين" في الوجهين المتقدمين في السورة قبلها. وقوله تعالى: {وَحِيداً} فيه أوجه: أحدها: أنه حال من الياء في "ذَرْنِي"، أي: ذرني وحدي معه فأنا أكفيك في الانتقام منه. الثاني: أنه حال من التاء في "خَلقْتُ"، أي خلقته وحدي لم يشركني في خلقه أحد فأنا أهلكه. الثالث: أنه حال من "مَن". الرابع: أنه حال من عائده المحذوف، أي خلقته وحيداً، فـ"وَحِيْداً" على هذا حال من ضمير المفعول المحذوف، أي: خلقته وحده لا مال له ولا ولد، ثم أعطيته بعد ذلك ما أعطيته؛ قاله مجاهد. الخامس: أن ينتصب على الذَّمِّ، لأنه يقال: إن وحيداً كان لقباً للوليد بن المغيرة، ومعنى "وَحِيْداً" ذليلاً. قيل: كان يزعم أنه وحيد في فضله، وماله، وليس في ذلك ما يقتضي صدق مقالته لأن هذا لقب له شهر به، وقد يلقب الإنسان بما لا يتصف به، وإذا كان لقباً تعين نصبه على الذم. فصل في معنى "ذرني" معنى "ذرني" أي: دعني، وهي كلمة وعيد وتهديد، "ومَنْ خَلقْتُ" هذه واو المعية، أي: دعني والذي خلقته وحيداً. قال المفسرون: هو الوليد بن المغيرة المخزومي، وإن كان الناس خلقوا مثل خلقه فإنما خص بالذكر لاختصاصه بكفر النعمة، وأذى الرسول صلى الله عليه وسلم وكان يسمى الوحيد في قومه. قال ابن عباس: كان الوليد يقول: أنا الوحيد ابن الوحيد، ليس لي في العرب نظير، ولا لأبي المغيرة نظير، فقال الله تعالى: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ} بزعمه "وَحِيْداً" لأن الله تعالى صدقه، بأنه وحيد. قال ابن الخطيب: ورد هذا القول بعضهم بأنه تعالى لا يصدقه في دعواه بأنه وحيد لا نظير له، ذكره الواحدي، والزمخشري، وهو ضعيف من وجوه: الأول: لأنه قد يكون الوحيد علماً فيزول السؤال، لأن اسم العلم لا يفيد في المسمى صفة، بل هو قائم مقام الإرشاد. الثاني: أن يكون ذلك بحسب ظنه، واعتقاده، كقوله - عز وجل -: {أية : ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ}تفسير : [الدخان: 49]. الثالث: أنه وحيد في كفره، وعناده وخبثه؛ لأن لفظ الوحيد ليس فيه أنه وحيد في العلو والشرف. الرابع: أنه إشارة إلى وحدته عن نفسه. قال أبو سعيد الضرير: الوحيد الذي لا أب له كما تقدم في "زَنِيْمٌ". قوله تعالى: {وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً}، أي: خولته، وأعطيته مالاً ممدوداً. قال ابن عباس: هو ما كان للوليد بين مكة والطائف من الإبل والنعم والخيول والعبيد والجواري. وقال مجاهد وسعيد بن جبير وابن عباس - أيضاً -: ألف دينار. وقال قتادة: ستة آلاف دينار. وقال سفيان الثوري: أربعة آلاف دينار. وقال الثوري - أيضاً -: ألف ألف دينار. وقال ابن الخطيب: المال الممدود: هو الذي يكون له مدد يأتي منه الجزء بعد الجزء دائماً، ولذلك فسره عمر - رضي الله عنه - غلة شهر بشهر وقال النعمان: الممدود بالزيادة كالزرع والضرع، وأنواع التجارات. قال مقاتل: كان له بستان لا ينقطع شتاء ولا صيفاً، كما في قوله - عز وجل -: {أية : وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ}تفسير : [الواقعة: 30]، أي: لا ينقطع والذي يظهر أنه المال الكثير، والتقديرات تحكم. قوله: {وَبَنِينَ شُهُوداً}، أي: حضوراً لا يغيبون، ولا يفارقونه - ألبتة - طَيِّبَ القلب بحضورهم. وقيل: معنى كونهم شهوداً، أي: يشهدون معه المجامعَ والمحافلَ. وقيل: "شهوداً" أي: صاروا مثلهُ في شهود ما كان يشهدُ، والقيام بما كان يباشره. قال مجاهد وقتادة: كانوا عشرة. وقال السديُّ والضحاكُ: كانوا اثني عشر رجلاً، وعن الضحاك: سبعة ولدُوا بمكة، وخمسة بالطائف. وقال مقاتل: كانوا سبعة أسلم منهم ثلاثةٌ: خالد، وهشام، والوليد بن الوليد، قال: فما زال الوليد بعد نزول هذه الآية في نقصان من ماله وولده حتى هلك قال ابن الخطيب كانوا سبعة الوليد بن الوليد وخالد وعمارة وهشام والعاص، وعبد القيس، وعبد شمس أسلم منهم ثلاثة: خالد، وعمارة، وهشام. قوله: {وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً}، أي: بسطتُ له في العيش بسطاً في الجاه العريض والرياسة في قومه. والتميهدُ عند العرب: التوطئة والتهيئة. ومنه: مهدُ الصبيّ. وقال ابن عباس: {ومَهَّدتُ لهُ تَمْهِيداً} أي: وسعَّتُ له ما بين "اليمن" إلى "الشام"، وهو قول مجاهدٍ وعن مجاهد أيضاً: أنه المال بعضه فوق بعض كما يمهد الفراش. قوله تعالى: {ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلاَّ}. لفظة "ثُمَّ" - هاهنا - معناها: التعجب كقولك لصاحبك: أنزلتك داري وأطعمتك وأسقيتك ثم أنت تشتمني، ونظيره: قوله تعالى: {أية : ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ}تفسير : [الأنعام: 1]، فمعنى "ثُمَّ - هاهنا - الإنكارُ والتعجبُ، أي: ثم الوليد يطمعُ بعد هذا كله أن أزيدهُ في المالِ والولدِ، وقد كفر بِي! قاله الكلبي ومقاتل، ثم قال: "كَلاَّ" ليس يكون ذلك مع كفرهِ بالنعمِ. قال الحسنُ وغيره: أي: ثُمَّ يطمعُ أن أدخلهُ الجنة، وكان الوليد يقولُ: إنْ كَانَ محمدٌ صادقاً فما خلقتِ الجنة إلا لي، فقال الله عزَّ وجلَّ رداً عليه وتكذيباً له: "كلاَّ" لستُ أزيدهُ، فلمْ يزلْ في نقصانٍ بعد قوله: "كلاَّ" حتى افتقر ومات فقيراً. وقيل: أي: ثم يطمع أن أنصره على كفره، "كَلا" قطع للرجاء عما كان يطمع فيه من الزيادة، فيكون متصلاً بالكلام الأول. وقيل: "كَلاَّ" بمعنى "حقاً"، ويبتدىء بقوله "إنَّهُ" يعني الوليد {كان لآيَاتِنَا عَنِيداً}، أي: معانداً للنبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به. قال الزمخشريُّ: {إِنَّهُ كان لآيَاتِنَا} استئناف جواب لسائل سأل: لم لا يزداد مالاً، وما باله ردع عن طبعه؟. فأجيب بقوله: {إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيداً}، انتهى. فيكون كقوله صلى الله عليه وسلم في الهرة: "حديث : إنَّها ليْسَتْ بنجسٍ، إنَّها مِنَ الطوَّافِيْنَ عَليْكُمْ ". تفسير : والعنيد: المعاند. يقال: عاند فهو عنيد وعانِد، والمعاند: البعير الذي يجور عن الطريق ويعدل عن القصد، والجمع: عند مثل: "راكع وركع"، قاله أبو عبيدة؛ وأنشد قول الحازميِّ: [الرجز] شعر : 4959 - إذَا رَكبتُ فاجْعَلانِي وَسَطا إنَّي كَبِيرٌ لا أطيقُ العُنَّدا تفسير : وقال أبو صالح: "عنيداً" معناه: مباعداً؛ قال الشاعر: [الطويل] شعر : 4960 - أرَانَا على حَالٍ تُفَرِّقُ بَيْنَنا نَوّى غُرْبَةٌ إنَّ الفِراقَ عَنُودُ تفسير : وقال قتادة: جاحداً. وقال مقاتل: معرضاً. وقيل: إنه المجاهر بعداوته. وعن مجاهد: أنه المجانب للحق. قال الجوهري: ورجل عنود: إذا كان لا يخالط الناس، والعنيد من التجبر، وعرق عاند: إذا لم يرقأ دمه، وجمع العنيد عُنُد مثل رغيف ورغف، والعنود من الإبل: الذي لا يخالط الإبل إنما هو في ناحية، والعنيد في معنى المعاند كالجليس والأكيل والعشير. فصل في بيان فيما كانت المعاندة في الآية إشارة إلى أنه كان يعاند في أمور كثيرة: منها أنه كان يعاند في دلائل التوحيد، والعدل، والقدرة، وصحة النبوة وصحة البعث. ومنها: أن كفره كان عناداً لأنه كان يعرف هذه الأشياء بقلبه وينكرها بلسانه. وكفر المعاند أفحش أنواع الكفر. ومنها: أن قوله "كان" يدل على أن هذه حرفته من قديم الزمان. ومنها: أن هذه المعاندة، كانت مختصة منه بآيات الله تعالى. قوله: {سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً}، أي: سأكلفه، وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: سألجئه، والإرهاق في كلام العرب: أن يحمل الإنسان الشيء. والصعود: جبل من نار يتصعد فيه سبعين خريفاً، ثم يهوي به كذلك فيه أبداً. رواه الترمذي. وفي رواية: صخرة في جهنم، إذا وضعوا أيديهم عليها ذابت، فإذا رفعوها عادت. وقيل: هذا مثل لشدة العذاب الشاق الذي لا يطاق، كقوله: عقبة صعود وكؤود، أي: شاقة المصعدِ. ثم إنه تعالى حكى كيفية عناده، وهو قوله تعالى: {إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ}: يجوز أن يكون استئناف تعليل لقوله تعالى: {سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً}، ويجوز أن يكون بدلاً من {إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيداً}. يقال: فكر في الأمر، وتفكر إذا نظر فيه وتدبر، ثم لما تفكر رتب في قلبه كلاماً وهيأه، وهو المراد من قوله "وقَدَّرَ". والعرب تقول: قدرت الشيء إذا هيأته. فصل في معنى الآية معنى الآية: أن الوليد فكر في شأن النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن لما نزل: {أية : حـمۤ تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِي ٱلطَّوْلِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ}تفسير : [غافر: 1 - 3]، سمعه الوليد يقرأها، فقال: والله لقد سمعت منه كلاماً ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجنِّ، وإنَّ له لحلاوة، وإنَّ عليه لطلاوة، وإنَّ أعلاه لمثمر، وإنَّ أسفله لمغدق وإنه ليعلو، وما يعلى عليه، وما يقول هذا بشر، فقالت قريش: صبأ الوليد لتصبونَّ قريش كلها، وكان يقال للوليد: ريحانة قريش، فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه فانطلق إليه حزيناً، فقال له: ما لي أراك حزيناً، فقال: وما لي لا أحزن، وهذه قريش يجمعون لك نفقة يعينوك بها، ويزعمون أنك زينت كلام محمدٍ، وتدخل على ابن أبي كبشة، وابن أبي قحافة لتنال من فضل طعامهما، فغضب الوليدُ - لعنهُ الله - وتكبَّر، وقال: أنا أحتاجُ إلى كسرِ محمدٍ وصاحبه، وأنتم تعلمون قدر مالي، واللاتِ والعُزَّى ما بي حاجةٌ إلى ذلك وأنتم تزعمُون أن محمداً مجنون، فهل رأيتموه قط يخنق؟. قالوا: لا والله، قال: وتزعمون أنه كاهنٌ، فهل رأيتموه تكهن قط؟ ولقد رأينا للكهنةِ أسجاعاً وتخالجاً، فهل رأيتموهُ كذلك؟. قالوا: لا والله. وقال: تزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه نطق بشعر قط؟ قالوا: لا والله. قال: وتزعمون أنه كذَّاب، فهل جريتمْ عليه كذباً قط؟. قالوا: لا والله. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يُسمَّى الصادق والأمين من كثرة صدقه، فقالت قريش للوليدِ: فما هو؟ ففكّر في نفسه ثم نظر ثم عبس، فقال: ما هذا إلا سحرٌّ أما رأيتموه يفرق بين الرجل وولده فذلك قوله تعالى: {إِنَّهُ فَكَّرَ} أي في أمر محمدٍ والقرآن "وقدر" في نفسه ماذا يمكنهُ أن يقول فيهما. قوله: {فَقُتِلَ}، أي: لعنَ. وقيل: قُهِرَ وغلبَ. وقال الزهري: عذب، وهو من باب الدعاء. قال ابن الخطيب: وهذا إنما يذكرُ عند التعجب والاستعظام. ومثله قولهم: قتلهُ اللَّهُ ما أشجعهُ، وأخزاه الله ما أفجره، ومعناهُ: أنه قد بلغ المبلغ الذي هو حقيق بأن يحسد ويدعو عليه حاسدهُ بذلك، وإذا عرف ذلك، فنقول: هنا يحتملُ وجهين: الأول: أنه تعجب من قوة خاطره، يعني أنه لا يمكن القدحُ في أمر محمدٍ صلى الله عليه وسلم بشبهةٍ أعظم ولا أقوى مما ذكرهُ هذا القائلُ. الثاني: الثناءُ عليه على طريقةِ الاستهزاء، يعني أن هذا الذي ذكره في غاية الركاكة والسقوط. قوله: {كَيْفَ قَدَّرَ}، أي: كيف فعل هذا، كقوله تعالى: {أية : ٱنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ}تفسير : [الإسراء: 48] ثم قيل: بضرب آخر من العقوبة. "كيف قدَّر" على أيّ حال قدَّر. "ثم نظر" بأي شيء يردّ الحق ويدفعهُ. قال ابن الخطيب: والمعنى أنه أولاً فكّر. وثانياً: قدَّر. وثالثاً: نظر في ذلك المقدرِ، فالنظر السابق للاستخراج، والنظر اللاحق لتمام الاحتياطِ، فهذه المرات الثلاث متعلقة بأحوال ثلاث. قوله تعالى: {ثُمَّ عَبَسَ}، يقال: عبس يعبس عبساً، وعبوساً: أي: قطب وجهه. وقال الليث: عبس يعبس فهو عبس إذا قطب ما بين عينيه، فإذا أبدى عن أسنانه في عبوسه قيل: كلح، فإن اهتم لذلك، وفكر فيه قيل: بسر، فإن غضب مع ذلك قيل بسل. واعلم أنه ذكر صفات جسمه بعد صفات قلبه، وهذا يدل على عناده، لأن من فكر في أمر حسن يظهر عليه الفرح لا العبوس، والعبس أيضاً: ما يبس في أذناب الإبل من البعر، والبول؛ قال أبو النجم: [الرجز] شعر : 4961 - كَأنَّ في أذْنابِهنَّ الشُّوَّلِ مِنْ عبسِ الصَّيفِ قُرونَ الأُيَّلِ تفسير : فصل في معنى الآية معنى الآية: قطب وجهه في وجوه المؤمنين، وذلك أنه لما قال لقريش محمداً ساحر مرَّ على جماعة من المسلمين، فدعوه إلى الإسلام، فعبس في وجوههم. وقيل: عبس على النبي صلى الله عليه وسلم حين دعاه، والعبس: مصدر "عبس" مخففاً"، كما تقدم. قوله: "وَبَسَرَ"، يقال: بَسَر يَبسُرُ بسراً وبُسُوراً" إذا قبض ما بين عينيه كراهة للشيء واسود وجهه منه، يقال: وجه باسر، أي منقبض مسود كالح متغير اللون، قاله قتادة والسدي؛ ومنه قول بشير بن الحارث: [المتقارب] شعر : 4962 - صَبَحْنَا تَمِيماً غَداةَ الجِفارِ بِشهْبَاءَ ملمُومةٍ بَاسِرَهْ تفسير : وأهل اليمن يقولون: بسر المركب بسراً، أي: وقف لا يتقدم، ولا يتأخر، وقد أبسرنا: أي صرنا إلى البسور. وقال الراغب: البسر استعجال الشيء قبل أوانه، نحو: بسر الرجل حاجته طلبها في غير أوانها، وماء بسر متناول من غديره قبل سكونه، ومنه قيل للذي لم يدرك من التمر: بسر، وقوله تعالى: {عَبَسَ وَبَسَرَ}، أي: أظهر العبوس قبل أوانه، وقبل وقته. قال: فإن قيل: فقوله تعالى: {أية : وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ}تفسير : [القيامة: 24]، ليس يفعلون ذلك قبل الموت، وقد قلت: إن ذلك يكون فيما يقع قبل وقته. قيل: أشير بذلك إلى حالهم قبل الانتهاء بهم إلى النار، فخص لفظ البسر تنبيهاً على أن ذلك مع ما ينالهم من بعد، يجري مجرى التكلف، ومجرى ما يفعل قبل وقته، ويدل على ذلك {أية : تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ}تفسير : [القيامة: 25]. وقد عطف في هذه الجمل بحروف مختلفة، ولكل منها مناسبة، أما ما عطف بـ"ثُمَّ" فلأن بين الأفعال مهلة، وثانياً: لأن بين النظر، والعبوس، وبين العبوس، والإدبار تراخياً. قال الزمخشريُّ: و "ثمّ نظر" عطف على "فكَّر" و "قدَّر"، والدعاء اعتراض بينهما، يعني بالدعاء قوله: "فَقُتِل"، ثم قال: فإن قلت: ما معنى "ثُمَّ" الداخلة على تكرير الدعاء؟. قلت: الدلالة على أن الكرة الثانية أبلغ من الأولى؛ ونحوه قوله: [الطويل] شعر : 4963 - ألاَ يَا اسْلمِي ثُمَّ اسْلمِي ثُمَّتَ اسْلَمِي ..................... تفسير : فإن قلت: ما معنى المتوسطة بين الأفعال التي بعدها؟. قلت: للدلالة على أنه تأنَّى في التأمل، والتمهل، وكأن بين الأفعال المتناسقة تراخٍ، وتباعد، فإن قلت: فلم قال: "فَقالَ" - بالفاء - بعد عطف ما قبله بـ"ثُمَّ"؟. قلت: لأن الكلمة لما خطرت بباله بعد التطلب لم يتمالك أن نطق بها من غير تلبث، فإن قلت: فلم لم يتوسط حرف العطف بين الجملتين؟. قلت: لأن الأخرى جرت من الأولى مجرى التأكيد من المؤكد. قوله تعالى: {ثُمَّ أَدْبَرَ}، أي: ولى وأعرض ذاهباً عن سائر الناس إلى أهله. {وَٱسْتَكْبَرَ} حين دعي إلى الإيمان، أي: تعظم. {إن هذا} أي: ما هذا الذي أتى به محمد صلى الله عليه وسلم {إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ}، أي: تأثره عن غيره. والسحر: الخديعة. وقيل: السحر إظهار الباطل في صورة الحق. والأثر: مصدر قولك: أثرت الحديث آثره، إذا ذكرته عن غيرك؛ ومنه قيل: حديث مأثور، أي: ينقله خلف عن سلف؛ قال الأعشى: [السريع] شعر : 4964 - إنَّ الَّذي فيه تَمَاريْتُمَا بُيِّنَ للسَّامِع والآثِرِ تفسير : قال ابن الخطيب: فيه وجهان: الأول: أنه من قولهم: أثرت الحديث آثره، أَثراً، إذا حدثت به عن قوم في آثارهم، أي: بعدما ماتوا، هذا هو الأصل، ثم صار بمعنى الرواية عما كان. والثاني: يؤثر على جميع السحر، وهذا يكون من الإيثارِ. وقال أبو سعيد الضرير: يؤثر، أي: يُورَثُ. قوله تعالى: {إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ قَوْلُ ٱلْبَشَرِ}، أي: هذا إلا كلام المخلوقين تختدع به القلوب كما يخدع بالسحر. قال ابن الخطيب: ولو كان الأمر كذلك لتمكنوا من معارضته إذا طريقتهم في معرفة اللغة متقاربة. قال السديُّ: يعني أنه من قول سيَّار عبد لبني الحضرمي، كان يجالس النبي صلى الله عليه وسلم فنسبوه إلى أنه تعلم منه ذلك. وقيل: إنه أراد أنه تلقنه ممن ادعى النبوة قبله، فنسج على منوالهم. قال ابن الخطيب وهذا الكلام يدل على أن الوليد كان يقولُ هذا الكلام عناداً، لما روي في الحديث المتقدم: "حديث : أنه لما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم "حم" ثم خرج من عند النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لقد سمعتُ من محمدٍ كلاماً، ليس من كلام الجنِّ، ولا من كلام الإنس"تفسير : الحديث، فلمَّا أقر بذلك في أول الأمر علمنا أن قوله - هاهنا -: {إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ قَوْلُ ٱلْبَشَرِ}، إنَّما ذكره عناداً، أو تمرداً لا اعتقاداً. قوله تعالى: {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} هذا بدل من قوله تعالى: {سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً}. قاله الزمخشري. فإن كان المراد بالصعود: المشقة، فالبدل واضح، وإن كان المراد: صخرة في جهنم - كما جاء في التفسير - فيعسر البدل، ويكون فيه شبه من بدل الاشتمال، لأن جهنم مشتملة على تلك الصخرة. فصل في معنى الآية المعنى: سأدخله سقر كي يصلى حرها، وإنما سميت "سَقَرَ" من سقرته الشمس: إذا أذابته ولوحته، وأحرقت جلدة وجهه، ولا ينصرف للتعريف والتأنيث قال ابن عباس: "سقر" اسم للطبقة السادسة من "جهنم". {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ}. هذا مبالغة في وصفها، أي: وما أعلمك أي شيء هي؟. وهي كلمة تعظيم، وتهويل، ثم فسر حالها، فقال - جل ذكره -: {لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ} أي: لا تترك لهم لحماً، ولا عظماً، ولا دماً إلا أحرقته. قوله: {لاَ تُبْقِي}، فيها وجهان: أحدهما: أنها في محل نصب على الحال، والعامل فيها معنى التعظيم، قاله أبو البقاء. يعني أن الاستفهام في قوله: "مَا سَقَرُ" للتعظيم، والمعنى: استعظموا سقر في هذه الحال. ومفعول "تُبْقِي"، وتَذرُ" محذوف أي لا تبقي ما ألقي فيها، ولا تذره، بل تهلكه. وقيل: تقديره لا تُبْقِي على من ألقي فيها، ولا تذر غاية العذاب إلا وصلته إليه. والثاني: أنها مستأنفة. قال ابن الخطيب: واختلفوا في قوله: {لا تبقي ولا تذر}. فقيل: هما لفظان مترادفان بمعنى واحد، كرر للتأكيد والمبالغة، كقولك صدَّ عني وأعرض عني، بل بينهما فرق، وفيه وجوه: الأول: لا تبقي من اللحم، والعظم، والدم شيئاً، ثم يعادون خالقاً جديداً، "ولا تَذرُ" أن تعاود إحراقهم بأشد مما كانت، وهكذا أبداً، رواه عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما. وقال مجاهد: لا تبقي فيها حياً ولا تذره ميتاً بل تحرقهم كلما جُدِّدوا. وقال السديّ: لا تبقي لهم لحماً ولا تذر لهم عظماً. وقيل: لا تبقي من المعذبين، ولا تذر من فوقها شيئاً، إلا تستعمل تلك القوة في تعذيبهم. قوله تعالى: {لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ}، قرأ العامة: بالرفع، خبر مبتدأ مضمر، أي هي لواحة، وهذه مقوية للاستئناف في "لا تُبقِي". وقرأ الحسن، وابن أبي عبلة وزيد بن علي وعطية العوفي ونصر بن عاصم وعيسى بن عمر: بنصبهما على الحال، وفيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنها حال من "سَقرُ"، والعامل معنى التعظيم كما تقدم. والثاني: أنها حال من "لا تُبْقِي". والثالث: من "لا تَذرُ". وجعل الزمخشري: نصبها على الاختصاص للتهويل. وجعلها أبو حيان حالاً مؤكدة. قال: "لأن النار التي لا تبقي ولا تذر، لا تكون إلاَّ مُغيرة للأبشار". و "لوَّاحةٌ" هنا مبالغة، وفيها معنيان: أحدهما: من لاح يلوح،أي: ظهر، أي: أنها تظهر للبشر، [وهم الناس، وإليه ذهب الحسن وابن كيسان، فقال: "لوَّاحةٌ" أي: تلوح للبشر] من مسيرة خمسمائة عام، وقال الحسن: تلوح لهم جهنم حتى يرونها عياناً، ونظيره: {أية : وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ}تفسير : [النازعات: 36]. والثاني: وإليه ذهب جمهور الناس، أنها من لوّحه أي: غيَّرهُ، وسوَّدهُ. قال الشاعر: [الرجز] شعر : 4965 - تقُولُ: ما لاحَكَ يا مُسَافِرُ يَا بْنَةَ عَمِّي لاحَنِي الهَواجِرُ تفسير : وقال رؤبة بن العجَّاج: [الرجز] شعر : 4966 - لُوِّحَ مِنْهُ بَعْدَ بُدْنٍ وسَنَقْ تَلْويحكَ الضَّامرَ يُطْوى للسَّبَقْ تفسير : وقال آخر: [الطويل] شعر : 4967 - وتَعْجَبُ هِنْدٌ إنْ رأتْنِي شَاحِباً تقُولُ لشَيءٍ لوَّحتهُ السَّمائمُ تفسير : ويقال: لاحَهُ يلُوحُه: إذا غير حليته. قال أبو رزين: تلفح وجوههم لفحة تدعهم أشد سواداً من الليل، قال تعالى: {أية : تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ}تفسير : [المؤمنون: 104]. وطعن القائلون بالأول في هذا القول، فقالوا: لا يجوز أن يصفهم بتسويد الوجوهِ، مع قوله: {لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ}. وقيل: اللوح شدة العطش، يقال: لاحه العطش ولوحه: أي غيره، قال الأخفش: والمعنى أنها معطشة للبشر، أي: لأهلها؛ وأنشد: [الطويل] شعر : 4968 - سَقَتْنِي على لَوْحِ من المَاءِ شَرْبةً سَقَاهَا بِه اللَّهُ الرِّهامَ الغَوادِيَا تفسير : يعني باللوح: شدة العطش. والرهام جمع رهمة - بالكسر - وهي المطرة الضعيفة وأرهمت السحابة: أتت بالرهام. واللُّوح - بالضم - الهواء بين السماء والأرض، والبشر: إما جمع بشرة، أي: مغيرة للجلود. قاله مجاهد وقتادة، وجمع البشر: أبشار، وإما المراد به الإنس من أهل النار، وهو قول الجمهور. واللام في "البشر": مقوية، كهي في {أية : لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ}تفسير : [يوسف:43]. وقراءة النصب في "لوَّاحَةً" مقوية، لكون "لا تُبْقِي" في محل الحال. قوله تعالى: {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ}، هذه الجملة فيها الوجهان: أعني: الحالية، والاستئناف وفي هذه الكلمة قراءات شاذة، وتوجيهات مشكلة. فقرأ أبو جعفر وطلحة: "تِسعَة عْشرَ" - بسكون العين من "عشر"؛ تخفيفاً؛ لتوالي خمس حركات من جنس واحد، وهذه كقراءة {أَحَدَ عَشْرَ كَوْكباً} [يوسف: 4] وقد تقدمت. وقرأ أنس وابن عباس رضي الله عنهما "تِسعَةُ عشَر" بضم التاء، "عَشَر" بالفتح. وهذه حركة بناء، لا يجوز أن يتوهم كونها إعراباً، إذ لو كانت للإعراب لجعلت في الاسم الأخير لتنزل الكلمتين منزلة الكلمة الواحدة، وإنما عدل إلى التسكين كراهة توالي خمس حركات. وعن المهدوي: "من قرأ: "تِسْعَةُ عَشَرْ" فكأنه من التداخل، كأنه أراد العطف، فترك التركيب، ورفع هاء التأنيث، ثم راجع البناء، وأسكن" انتهى. فجعل الحركة للإعراب، ويعني بقوله: أسكن راء "عَشَرْ" فإنه في هذه القراءة كذلك. وعن أنس - رضي الله عنه - أيضاً: "تِسْعَةُ أعْشُرٍ" بضم "تِسْعَة" و "أعْشُر" بهمزة مفتوحة، ثم عين ساكنة، ثم شين مضمومة، وفيها وجهان: قال أبو الفضل: يجوز أن يكون جمع "العشيرة" على "أعْشُر"، ثم أجراه مجرى "تِسْعَة عشر". وقال الزمخشريُّ: جمع "عَشِير" مثل: يَمِين وأيْمُن. وعن أنس - أيضاً -: "تِسْعَةُ وعْشُرْ" بضم التاء وسكون العين وضم الشين وواو مفتوحة بدل الهمزة. وتخريجها كتخريج ما قبلها، إلا أنه قلب الهمزة واواً مبالغة في التخفيف، والضمة - كما تقدم - للبناء لا للإعراب. ونقل المهدوي: أنه قرىء: "تِسْعَةٌ وعَشْرْ"، قال: "فجاء به على الأصل قبل التركيب وعطف "عَشْر" على "تِسْعَة"، وحذف التنوين، لكثرة الاستعمال، وسكون الراء من "عشر" على نية الوقف". وقرأ سليمان بن قتة: بضم التاء وهمزة مفتوحة، وسكون العين، وضم الشين وجر الراء من "أعْشُرٍ". والضمة على هذا ضمة إعراب، لأنه أضاف الاسم لها بعده فأعربهما إعراب المتضايفين وهي لغة لبعض العرب يفكون تركيب الأعداد، ويعربونها كالمتضايفين؛ كقوله: [الرجز] شعر : 4969 - كُلِّفَ مِنْ عَنائِهِ وشِقْوتِهْ بِنْتَ ثَمانِي عَشْرةٍ مِنْ حِجَّتِهْ تفسير : قال أبوالفضل: ويجيء على هذه القراءة، وهي قراءة من قرأ: "أعشر" مبنياً، أو معرباً من حيث هو جمع، أن الملائكة الذي هم على "سَقَر" تسعون ملكاً. فصل في معنى الآية معنى الآية: أنه يلي أمر تلك النار تسعة عشر من الملائكة يلقون فيها أهلها. قيل: هم خزنة النار، مالك وثمانية عشر ملكاً. وقيل: التسعة عشر نقيباً، وقال أكثر المفسرين: تسعة عشر ملكاً بأعيانهم. قال القرطبي: وذكر ابن المبارك عن رجل من بني تميم، قال كنا عند أبي العوام. فقرأ هذه الآية، فقال: ما تسعة عشر تسعة عشر ألف ملك أو تسعة عشر ملكاً؟ قال: قلت: لا بل تسعة عشر ملكاً، قال: وأنى تعلم ذلك؟ فقلت: لقول الله - عز وجل -: {أية : وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ}تفسير : [المدثر: 31] قال: صدقت، هم تسعة عشر ملكاً. قال ابنُ جريج: نعت النبي صلى الله عليه وسلم خزنة جهنم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أعْينُهُمْ كالبَرْقِ، وأنْيابُهمْ كالصَّيَاصي، وأشْعارُهمْ تَمَسُّ أقْدامَهُمْ يَخرجُ لهَبُ النَّارِ مِنَ أفْواهِهِمْ"تفسير : ، الحديث. قال ابن الأثير: "الصَّياصِي: قرون البقر". وروى الترمذي عن عبد الله قال: حديث : قال ناس من اليهود لأناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: هل يعلم نبيكم عدد خزنة جهنم؟ قالوا: لا ندري حتى نسأله فجاء رجل الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد غلب أصحابك اليوم، فقال: وبماذا غلبوا؟. قال: سألهم يهود، هل يعلم نبيكم عدد خزنة جهنم؟. قال: فماذا قالوا؟ قال: فقالوا: لا ندري حتى نسأل نبينا صلى الله عليه وسلم قال صلى الله عليه وسلم: أيغلب قومٌ سئلوا عما لا يعلمون، فقالوا: لا نعلم حتى نسأل نبينا صلى الله عليه وسلم؟ لكنهم قد سألوا نبيهم، فقالوا: أرنا الله جهرة، عليّ بأعداء الله، إني سائلهم عن تربة الجنة، وهي الدرمك، فلما جاءوا، قالوا: يا أبا القاسم، كم عدد خزنة جهنم؟. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هَكذَا، وهَكذَا"، في مرة عشرة، وفي مرة تسعة، قالوا: نعم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَا تُربَةُ الجنَّةِ"؟ فسكتوا، ثم قالوا: أخبرنا يا أبا القاسم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الخُبْزُ مِنَ الدَّرْمكِ ". تفسير : قال ابن الأثير: الدرمك: هو الدقيق الحوارى. قال القرطبيُّ: الصحيح - إن شاء الله - أن هؤلاء التسعة عشر، هم الرؤساء، والنقباء، وأما جملتهم فكما قال تعالى: {أية : وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ}تفسير : [المدثر: 31]، وقد ثبت في الصحيح عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يُؤتَى بجَهنَّم يَومئِذٍ، لها سبعُونَ ألفَ زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يَجُرُّونهَا ". تفسير : وقال ابن عباس وقتادة والضحاك: لما نزل قوله - عز وجل - {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} قال أبو جهل لقريش: ثكلتكم أمهاتكم، أسمعُ ابن أبي كبشة يخبركم أن خزنة جهنم: "تسعة عشر" وأنتم الدهماء - أي العدد العظيم - والشجعان، فيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد منهم. قال السدي: فقال أبو الأسود بن كلدة الجمحي: لا يهولنكم التسعة عشر، أنا أدفع بمنكبي الأيمن عشرة من الملائكة وبمنكبي الأيسر التسعة، ثم تمرون إلى الجنة، يقولها مستهزءاً. وفي رواية: أن الحارث بن كلدة قال: أنا أكفيكم سبعة عشر، واكفوني أنتم اثنين، فلما قال أبو الأسود ذلك، قال المسلمون: ويحكم، لا يقاس الملائكة بالحدادين، فجرى هذا مثلاً في كل شيئين لا تساوي بينهما، ومعناه: لا يقاس الملائكة بالسجّانين، والحداد: السجان. فصل في تقدير عدد الملائكة ذكر أرباب المعاني في تقدير هذا العدد وجوهاً: منها ما قاله أرباب الحكمةِ: أنّ سبب فساد النفس الإنسانية في قوتها النظرية والعملية، هو القوى الحيوانية والطبيعية، فالقوى الحيوانية: فهي الخمسة الظاهرة، والخمسة الباطنة، والشَّهوة، والغضب فهذه اثنا عشر، وأما القوى الطبيعية: فهي الجاذبة، والماسكة، والهاضمة، والدافعة والعادية، والنافية، والمولدة، فالجموع تسعة عشر، فلما كانت هذه منشآت الآفات لا جرم كان عدد الزبانية هكذا. ومنها: أن أبو جهنم سبعة، فستة منها للكفار وواحد للفسَّاق، ثم إنَّ الكفَّار يدخلون النار لأمور ثلاثة: ترك الاعتقاد، وترك الإقرار، وترك العمل، فيكون لكل باب من تلك الأبواب الستة ثلاثة، فالمجموع: ثمانية عشر. وأما باب الفساق: فليس هناك إلا ترك العمل، فالمجموع: تسعة عشر مشغولة بغير العبادة، فلا جرم صار عدد الزبانية تسعة عشر.
البقاعي
تفسير : ولما آذن هذا بأن أكثر الخلق يوافى يوم القيامة على كفره وخبث طويته وسوء أمره وكان ذلك مما يهم لشفقته صلى الله عليه وسلم على الخلق، ولما يعلم من نصبهم للعداوة، هون أمرهم عليه وحقر شأنهم لديه بوعده بالكفاية بقوله مستأنفاً منبهاً على أسباب الهلاك التي أعظمها الغرور وهو شبهة زوجتها شهوة: {ذرني} أي أتركني على أي حالة اتفقت {ومن} أي مع كل من {خلقت} أي أوجدت من العدم وأنشأت في أطوار الخلقة، حال كونه {وحيداً *} لا مال له ولا ولد ولا شيء، وحال كوني أنا واحداً شديد الثبات في صفة الوحدانية لم يشاركني في صنعه أحد فلم يشكر هذه النعمة بل كفرها بالشرك بالله سبحانه القادر على إعدامه بعد إيجاده. ولما كان المطغى للإنسان المكنة التي قطب دائرتها المال قال: {وجعلت له} أي بأسباب أوجدتها أنا وحدي لا حول منه ولا قوة بدليل أن غيره أقوى منه بدناً وقلباً وأوسع فكراً وعقلاً وهو دونه في ذلك {مالاً ممدوداً *} أي مبسوطاً واسعاً نامياً كثيراً جداً عاماً لجميع أوقات وجوده، والمراد به كما يأتي الوليد بن المغيرة، قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان له بين مكة والطائف إبل وحجور ونعم وجنان وعبيد وجوار. ولما كان أول ما يمتد إليه النفس بعد كثرة المال الولد، وكان أحب الولد الذكر، قال: {وبنين} ولما كان الاحتياج إلى فراقهم ولو زمناً يسيراً شاقاً، وكان ألزمهم له وأغناهم عن الضرب في الأرض نعمة أخرى قال: {شهوداً *} أي حضوراً معه لغناه عن الأسفار بكثرة المال وانتشار الخدم وقوة الأعوان، وهم مع حضورهم في الذروة من الحضور بتمام العقل وقوة الحذق، فهم في غاية المعرفة بما يزيدهم الاطلاع عليه حيثما أرادهم وجدهم وتمتع بلقياهم، ومع ذلك فهم أعيان المجالس وصدور المحافل كأنه لا شاهد بها غيرهم، منهم خالد الذي من الله بإسلامه، فكان سيف الله تعالى وسيف رسوله صلى الله عليه وسلم. ولما كان هذا كناية عن سعة الرزق وعظم الجاه، وكان من بسط له في المال والولد والجاه تتوق نفسه إلى إتمام ذلك بالحفظ والتيسير، قال مستعطفاً لما كان هكذا بالتذكير بنعمه: {ومهدت} أي بالتدريج والمبالغة {له} أي وطأت وبسطت وهيأت في الرئاسة بأن جمعت له إلى ملك الأعيان ملك المعاني التي منها القلوب، وأطلت عمره، وأزلت عنه موانع الرغد في العيش، ووفرت أسباب الوجاهة له حتى دان لذلك الناس، وأقام ببلده مطمئناً يرجع إلى رأيه الأكابر، قال ابن عباس رضي الله عنهما: وسعت له ما بين اليمن إلى الشام فأكملت له من سعادة الدنيا ما أوجب التفرد في زمانه من أهل بيته وفخذه بحيث كان يسمى الوحيد وريحانة قريش فلم يزع هذه النعمة العظيمة: وأكد ذلك بقوله: {تمهيداً *}. ولما كان قد فعل به ذلك سبحانه، فأورثته هذه النعمة من البطر والاستكبار على من خوله فيها ضد ما كان ينبغي له من الشكر والازدجار، قال محققاً أنه سبحانه هو الذي وهبها له وهو الواحد القهار، مشيراً بأداة التراخي إلى استبعاد الزيادة له على حالته هذه من عدم الشكر: {ثم} أي بعد الأمر العظيم الذي ارتكبه من تكذيب رسولنا صلى الله عليه وسلم {يطمع} أي بغير سبب يدلي به إلينا مما جعلناه سبب المزيد من الشكر: {أن أزيد *} أي فيما آتيته من دنياه أو آخرته وهو يكذب رسولي صلى الله عليه وسلم. ولما كان التقدير: إنه ليطمع في ذلك لأن المال والجاه يجران الشرف والعظمة بأيسر سعي، هذا هو المعروف المتداول المألوف، استأنف زجره عن ذلك بمجامع الزجر: علماً من أعلام النبوة، وبرهاناً قاطعاً على صحة الرسالة، فقال ما لا يصح أن يقوله غيره سبحانه لأنه مع أنه لا تردد فيه ولا افتراء طابق الواقع، فلم يزد بعد ذلك شيئاً، بل لم يزل في نقصان حتى هلك وتمت كلمات ربك صدقاً وعدلاً، لا مبدل لكلماته {كلا} أي وعزتنا وجلالنا لا تكون له زيادة على ذلك أصلاً، وأما النقصان فسيرى إن استمر على تكذيبه فليرتدع عن هذا الطمع، وليزدجر وليرتجع، فإنه حمق محض وزخرف بحت، وغرور صرف، ولما ردعه هذا الردع المقتضي ولا بد للإذعان وصادق الإيمان ممن لم يستول عليه الحرمان، علله بقوله مؤكداً لإنكارهم العناد والمعاد: {إنه} أي هذا الموصوف {كان} بخلق كأنه جبلة له وطبع لا يقدر على الانفكاك عنه {لآياتنا} على ما لها من العظمة خاصة لكونها هادية إلى الوحدانية، لا لغيرها من الشبه القائدة إلى الشرك {عنيداً *} أي بالغ العناد على وجه لا يعد عناده لغيرها بسبب مزيد قبحه عناداً، والعناد - كما قال الملوي: من كبر في النفس أو يبس في الطبع أو شراسة في الأخلاق أو خبل في العقل، وقد جمع ذلك كله إبليس، لأنه خلق من نار. وهي من طبعها اليبوسة وعدم الطواعية، وحقيقته ميل عن الجادة، ومجاوزة للحد مع الإصرار واللزوم، ومنه مخالفة الحق مع المعرفة بأنه حق. ولما كان هذا محراً للتشوف إلى بيان هذا الردع، وكان العناد غلظة في الطبع وشكاسة في الخلق يوجب النكد والمشقة جعل جزاءه من جنسه فقال: {سأرهقه} أي ألحقه بعنف وغلظة وقهر إلحاقاً يغشاه ويحيط به بوعيد لا خلف فيه {صعوداً *} أي شيئاً من الدواهي والأنكاد كأنه عقبة، فإن الصعود لغة العقبة شاق المصعد جداً، وروى الترمذي عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جبل من نار يتصعد فيه سبعين خريفاً ثم يهوي، وفي رواية: أنه كلما وضع يده في معالجة الصعود ذابت، فإذا رفعها عادت وكذا رجله، وقال الكلبي: إنه صخرة ملساء في النار يكلف أن يصعدها بجذب من أمامه بسلاسل الحديد، ويضرب من خلفه بمقامع الحديد فيصعدها في أربعين عاماً، فإذا بلغ ذروتها أسقط إلى أسفلها ثم يكلف أن يصعدها، فذلك دأبه أبداً.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد عن قتادة {ذرني ومن خلقت وحيداً} قال: هو الوليد بن المغيرة أخرجه الله من بطن أمه وحيداً لا مال له ولا ولد، فرزقه الله المال والولد والثروة والنماء {كلاّ إنه كان لآياتنا عنيداً} قال: كفوراً بآيات الله جحوداً بها {إنه فكر وقدر} قال: ذكر لنا أنه قال: لقد نظرت فيما قال هذا الرجل فإذا هو ليس بشعر وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه ليعلو وما يعلى، وما أشك أنه سحر، فأنزل الله فيه {فقتل كيف قدر} إلى قوله: {وبسر} قال: كلح. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس {ذرني ومن خلقت وحيداً} قال: الوليد بن المغيرة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد {ذرني ومن خلقت وحيداً} قال: نزلت في الوليد بن المغيرة {وحيداً} قال: خلقته وحده لا مال له ولا ولد {وجعلت له مالاً مدوداً} قال: ألف دينار {وبنين} قال: كانوا عشرة {شهوداً} قال: لا يغيبون {ومهدت له تمهيداً} قال: بسطت له من المال والولد {ثم يطمع أن أزيد كلا} قال: فما زال يرى النقصان في ماله وولده حتى هلك {إنه كان لآياتنا عنيداً} قال: معانداً عنها مجانباً لها {سأرهقه صعوداً} قال: مشقة من العذاب. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي مالك {ذرني ومن خلقت وحيداً} قال: الوليد بن المغيرة {وبنين شهوداً} قال: كانوا ثلاثة عشر {ثم يطمع أن أزيد كلا} قال: فلم يولد له بعد يومئذ ولم يزدد له من المال إلا ما كان {إنه كان لآياتنا عنيداً} قال: مشاقاً. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير {ذرني ومن خلقت وحيداً} الآيات، قال: هو الوليد بن المغيرة بن هشام المخزومي وكان له ثلاثة عشر ولداً كلهم رب بيت، فلما نزلت {إنه كان لآياتنا عنيداً} لم يزل في إدبار من الدنيا في نفسه وماله وولده حتى أخرجه من الدنيا. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس {وجعلت له مالاً ممدوداً} قال: ألف دينار. وأخرج عبد بن حميد عن سفيان {وجعلت له مالاً ممدوداً} قال: ألف ألف وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والدينوري في المجالسة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سئل عن قوله: {وجعلت له مالاً ممدوداً} قال: غلة شهر بشهر. وأخرج ابن مردويه عن النعمان بن سالم في قوله: {وجعلت له مالاً ممدوداً} قال: الأرض. وأخرج هناد عن أبي سعيد الخدري في قوله: {سأرهقه صعوداً} قال: هو جبل في النار يكلفون أن يصعدوا فيه، فكلما وضعوا أيديهم عليه ذابت، فإذا رفعوها عادت كما كانت. وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل من طريق عكرمة عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه القرآن، فكأنه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه فقال: يا عم إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالاً ليعطوه لك، فإنك أتيت محمداً لتعرض لما قبله. قال: قد علمت قريش أني من أكثرها مالاً. قال: فقل فيه قولاً يبلغ قومك أنك منكر أو أنك كاره له. قال: وماذا أقول؟ فوالله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني ولا برجزه ولا بقصيده مني، ولا بشاعر الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا، ووالله إن لقوله: الذي يقول لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله، وإنه ليعلوا وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته. قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه. قال: فدعني حتى أفكر. ففكر. فلما فكر قال: هذا سحر يؤثر يأثره عن غيره فنزلت {ذرني ومن خلقت وحيداً} . وأخرج ابن جرير وأبو نعيم في الحلية وعبد الرزاق وابن المنذر عن عكرمة مرسلاً. وأخرج أبو نعيم في الدلائل من طريق مجاهد عن ابن عباس قال: لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم جمع الوليد بن المغيرة قريشاً فقال: ما تقولون في هذا الرجل، فقال بعضهم: هو شاعر، وقال بعضهم: هو كاهن، فقال الوليد: سمعت قول شاعر وسمعت قول الكهنة، فما هو مثله. قالوا: فما تقول أنت؟ قال: فنظر ساعة {ثم فكر وقدر فقتل كيف قدر} إلى قوله: {سحر يؤثر} . وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال: دخل الوليد بن المغيرة على أبي بكر فسأله عن القرآن، فلما أخبره خرج على قريش فقال: يا عجباً لما يقول ابن أبي كبشة فوالله ما هو بشعر ولا بسحر ولا بهذي من الجنون، وإن قوله: لمن كلام الله فلما سمع النفر من قريش ائتمروا وقالوا: والله لئن صبأ الوليد لتصبأن قريش، فلما سمع بذلك أبو جهل قال: والله أنا أكفيكم شأنه. فانطلق حتى دخل عليه بيته. فقال للوليد: ألم تر قومك قد جمعوا لك الصدقة؟ فقال: ألست أكثرهم مالاً وولداً فقال له أبو جهل: يتحدثون أنك إنما تدخل على ابن أبي قحافة لتصيب من طعامه. فقال الوليد: تحدث بهذا عشيرتي فوالله لا أقرب ابن أبي قحافة ولا عمر ولا ابن أبي كبشة وما قوله: إلا سحر يؤثر فأنزل الله {ذرني ومن خلقت وحيداً} إلى قوله: {لا تبقي ولا تذر} . وأخرج ابن جرير وهناد بن السري في الزهد وعبد بن حميد عن ابن عباس {عنيداً} قال: جحوداً. وأخرج أحمد وابن المنذر والترمذي وابن أبي الدنيا في صفة النار وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:حديث : الصعود جبل في النار يصعد فيه الكافر سبعين خريفاً ثم يهوي وهو كذلك فيه أبداً ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور والفريابي وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي من وجه آخر عن أبي سعيد قال: إن {صعوداً} صخرة في جهنم إذا وضعوا أيديهم عليها ذابت، فإذا رفعوها عادت واقتحامها {أية : فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة}تفسير : [البلد: 14]. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: صعود صخرة في جهنم يسحب عليها الكافر على وجهه. وأخرج ابن المنذر من طريق عكرمة عن ابن عباس قي قوله: {سأرهقه صعوداً} قال: جبل في النار. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في قوله: {صعوداً} قال: جبلاً في جهنم. وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك {سأرهقه صعوداً} قال: صخرة ملساء في جهنم يكلفون الصعود عليها. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد {سأرهقه صعوداً} قال: مشقة من العذاب. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: {عبس وبسر} قال: قبض ما بين عينيه وكلح. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي رزين {إن هذا إلا سحر يؤثر} قال: يأثره عن غيره. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال: {سقر} أسفل الجحيم، نار فيها شجرة الزقوم. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: {لا تبقي ولا تذر} قال: لا تحيي ولا تميت. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس {لا تبقي} إذا أخذت فيهم لم تبق منهم شيئاً، وإذا بدلوا جلداً جديداً لم تذر أن تباردهم سبيل العذاب الأول. وأخرج ابن المنذر عن الضحاك {لا تبقي ولا تذر} تأكله كله، فإذا تبدى خلقه لم تذره حتى تقوم عليه. وأخرج ابن المنذر عن ابن بريد {لا تبقي ولا تذر} قال: تأكل اللحم والعظم والعرق والمخ ولا تذره على ذلك. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: {لواحة للبشر} قال: حراقة للجلد. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس {لواحة للبشر} قال: تلوح الجلد فتحرقه فيتغير لونه فيصر أسود من الليل. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن أبي رزين {لواحة للبشر} قال: تلوح جلده حتى تدعه أشد سواداً من الليل. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عليّ عن ابن عباس {لواحة} محرقة. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث عن البراء أن رهطاً من اليهود سألوا رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن خزنة جهنم فقال: الله ورسوله أعلم، فجاء فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فنزل عليه ساعتئذ {عليها تسعة عشر} . وأخرج الترمذي وابن مردويه عن جابر قال: قال ناس من اليهود لأناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: هل يعلم نبيكم عدد خزنة جهنم؟ قال: هكذا وهكذا في مرة عشرة وفي مرة تسعة. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: لما نزلت {عليها تسعة عشر} قال رجل من قريش يدعى أبا الأشدين: يا معشر قريش لا يهولنكم التسعة عشر، أنا أدفع عنكم بمنكبي الأيمن عشرة وبمنكبي الأيسر التسعة، فأنزل الله {وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة} . وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: لما سمع أبو جهل {عليها تسعة عشر} قال لقريش: ثكلتكم أمهاتكم أسمع ابن أبي كبشة يخبركم أن خزنة النار تسعة عشر وأنتم الدهم أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل من خزنة جهنم، فأوحى الله إلى نبيه أن يأتي أبا جهل فيأخذ بيده في بطحاء مكة فيقول له: {أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى} . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: {عليها تسعة عشر} قال: ذكر لنا أن أبا جهل حين أنزلت هذه الآية قال: يا معشر قريش ما يستطيع كل عشرة منكم أن يغلبوا واحداً من خزنة النار وأنتم ألدهم؟. وأخرج ابن المبارك وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في البعث من طريق الأزرق بن قيس عن رجل من بني تميم قال: كنا عند أبي العوام فقرأ هذه الآية {عليها تسعة عشر} فقال: ما تقولون أتسعة عشر ملكاً أو تسعة عشر ألفاً؟ قلت: لا بل تسعة عشر ملكاً، فقال: ومن أين علمت ذلك؟ قلنا: لأن الله يقول: {وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا} قال: صدقت هم تسعة عشر ملكاً بيد كل ملك منهم مرزبة من حديد له شعبتان فيضرب بها الضربة يهوي بها في جهنم سبعين ألفاً بين منكبي كل ملك منهم مسيرة كذا وكذا. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: {عليها تسعة عشر} قال: جعلوا فتنة. قال: قال أبو الأشدين الجمحي: لا يبلغون رتوتي حتى أجهضهم عن جهنم. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس {وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا} قال: قال أبو الأشدين: خلوا بيني وبين خزنة جهنم أنا أكفيكم مؤنتهم. قال: وحدثت أن النبي صلى الله عليه وسلم وصف خزان جهنم فقال: "حديث : كأن أعينهم البرق وكأن أفواههم الصياصي يجرون أشفارهم لهم مثل قوة الثقلين، يقبل أحدهم بالأمة من الناس يسوقهم، على رقبته جبل، حتى يرمي بهم في النار فيرمي بالجبل عليهم ". تفسير : وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج {ليستيقن الذين أوتوا الكتاب} أنهم يجدون عدتهم في كتابهم تسعة عشر {ويزداد الذين آمنوا إيماناً} فيؤمنوا بما في كتابهم من عدتهم فيزدادوا بذلك إيماناً. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة في قوله: {ليستيقن الذين أوتوا الكتاب} قال: يستيقن أهل الكتاب حين وافق عدد خزنة النار ما في كتابهم. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد {ليستيقن الذين أوتوا الكتاب} قال: يجدونه مكتوباً عندهم عدة خزنة النار. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة {ليستيقن الذين أوتوا الكتاب، ويزداد الذين آمنوا إيماناً} قال: صدق القرآن الكتب التي خلت قبله التوراة والإِنجيل أن خزنة جهنم تسعة عشر {وليقول الذين في قلوبهم مرض} قال: الذين في قلوبهم النفاق والله أعلم. أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: {وما يعلم جنود ربك إلا هو} قال: من كثرتهم. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج مثله. وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات من طريق ابن جريج عن رجل عن عروة بن الزبير أنه سأل عبدالله بن عمرو بن العاص أي الخلق أعظم؟ قال: الملائكة. قال: من ماذا خلقت؟ قال: من نور الذراعين والصدر. قال: فبسط الذراعين. فقال: كونوا ألفي ألفين. قيل لابن جريج: ما ألفي ألفين؟ قال: ما لا يحصى كثرته. وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثهم عن ليلة الإِسراء قال: "حديث : فصعدت أنا وجبريل إلى السماء الدنيا، فإذا أنا بملك يقال له اسماعيل، وهو صاحب سماء الدنيا، وبين يديه سبعون ألف ملك مع كل ملك منهم جنده مائة ألف،وتلا هذه الآية {وما يعلم جنود ربك إلا هو} " . تفسير : أخرج عبد بن حميد عن مجاهد {وما هي إلا ذكرى للبشر} قال: النار. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة مثله. وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة عن ابن عباس أنه قرأ: "والليل إذا دبر" فجعل الألف مع إذا. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن ابن الزبير أنه كان يقرأ: "والليل إذا دبر". وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن سعيد بن جبير أنه قرأها: "دبر" مثل قراءة ابن عباس. وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن أنه قرأها: "إذ " بغير ألف {أدبر} بألف. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن هرون قال: إنها في حرف أبي وابن مسعود {إذا أدبر} يعني بألفين. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس {والليل إذا أدبر} قال: دبوره ظلامه. وأخرج مسدد في مسنده وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: سألت ابن عباس عن قوله: {والليل إذا أدبر} فسكت عني حتى إذا كان من آخر الليل وسمع الأذان الأول ناداني: يا مجاهد هذا حين دبر الليل. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة {والصبح إذا أسفر} قال: إذا أضاء {إنها لإِحدى الكبر} قال: النار. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد {إنها لإِحدى الكبر} قال: النار. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن أبي رزين {إنها لإِحدى الكبر نذيراً للبشر} قال: هي جهنم. وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الأمل عن حذيفة قال: ما من صباح ولا مساء إلا ومنادٍ ينادي: يا أيها الناس الرحيل الرحيل، وإن تصديق ذلك في كتاب الله {إنها لإِحدى الكبر نذيراً للبشر لمن شاء منكم أن يتقدم} قال: الموت {أو يتأخر} قال: الموت. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس {لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر} قال: من شاء اتبع طاعة الله ومن شاء تأخر عنها. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {لمن شاء منكم أن يتقدم} قال: في طاعة الله {أو يتأخر} قال: في معصية الله.
ابو السعود
تفسير : {ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً} حَالٌ إمَّا منَ الياءِ أيْ ذرني وَحديِ معَهُ فَإنِّي أكفيكَهُ في الانتقامِ منْهُ أو منَ التاءِ أي خلقتُهُ وَحْدِي لَمْ يُشركني فِي خلقِه أحدٌ أو منَ العائدِ المحذوفِ أيْ وَمَنْ خلقتُه وحيداً فريداً لا مالَ لَهُ وَلاَ ولدٌ، وقيلَ: نزلت في الوليدِ بنِ المغيرةِ المخزومي وكانَ يلقبُ في قومِه الوحيدَ فهو تهكمٌ به وبلقبِه وصرفٌ لهُ عنْ الغرضِ الذي يؤمونَهُ من مدحِه إلى جهةِ ذمهِ بكونهِ وحيداً من المَالِ والولدِ أو وحيداً من أبـيهِ لأنَّه كانَ زنيماً كما مَرَّ أوْ وَحيداً في الشَّرارةِ {وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً} مبسوطاً كثيراً أو ممداً بالنماءِ من مَدَّ النهرٌ ومدَّهُ نهرٌ آخرُ، قيلَ: كانَ لَهُ الضرعُ والزرعُ والتجارةُ. وعنِ ابنِ عبَّاس رضيَ الله عنْهما هُوَ ما كانَ لَه بـينَ مكةَ والطائفِ من صنوفِ الأموالِ، وقيلَ: كانَ لَهُ بالطائفِ بستانٌ لا ينقطعُ ثمارُهُ صيفاً وشتاءً. وقالَ ابن عباسٍ ومجاهدٌ وسعيدُ بنُ جُبـيرٍ كانَ لَهُ ألفُ دينارٍ وقالَ قَتَادةُ: ستةُ آلافِ دينار، وقال سفيان الثوري: أربعة آلاف دينار، وقال الثوريُّ أيضاً: ألف ألف دينار. {وَبَنِينَ شُهُوداً} حضوراً معَهُ بمكةَ يتمتعُ بمشاهدتِهم لا يفارقونَهُ للتصرف في عملٍ أو تجارةٍ لكونِهم مكفيـينَ لوفورِ نعمِهم وكثرةِ خدمِهم أو حضوراً فِي الأنديةِ والمحافلِ لوجاهتِهم واعتبارِهم قيلَ: كانَ له عشرةُ بنينَ وقيلَ: ثلاثةَ عشرَ وقيلَ: سبعةٌ كلُّهم رجالٌ الوليدُ بن الوليد وخالدٌ وعمارةٌ وهشامٌ والعاصُ والقيسُ وعبدُ شمسٍ أسلَم منهْم ثلاثةٌ خالدٌ وهشامٌ وعمارةُ {وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً} وبسطتُ لهُ الرياسةَ والجاهَ العريضُ حَتَّى لقبَ ريحانةَ قريشٍ {ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ} عَلى ما أوتيهِ وهو استبعادٌ واستنكارٌ لطمِعه وحرصِه إما لأنهُ لا مزيدَ عَلى ما أُوتيَ سعة وكثرةً أو لأنَّه منافٍ لما هُوَ عليهِ منْ كُفرانِ النعمِ ومعاندةِ المنعمِ وقيلَ: إنَّه كانَ يقول إن كان محمدٌ صادقاً فما خُلقتْ الجنةُ إِلاَّ لِي.
القشيري
تفسير : أي: لا تهتمْ بشأنهم، ولا تَحْتَفِلْ؛ فإنِّي أكفيكَ أمرَهم. إنِّي خَلَقْتُه وحدي؛ لم يشارِكْني في خلقي إيَّاه أحدٌ. ويحتمل: خَلَقْتُه وَحْدَه لا ناصرَ له.
اسماعيل حقي
تفسير : {ذرنى ومن خلقت وحيدا} حال اما من الياء اى ذرنى وحدى معه فانى اكفيكه فى الانتقام منه او من التاء اى خلقته وحدى لم يشركنى فى خلقه احدا ؤامن العائد المحذوف اى ومن خلقته وحيدا فريدا لا مال له ولا ولد نزلت فى الوليد بن المغيرة المخزومى وكان يلقب فى قومه بالوحيد زعما منهم انه لا نظير له فى وجاهته ولا فى ماله وكان يفتخر بنفسه ويقول أنا الوحيد ابن الوحيد ليس لى فى العرب نظير لا لأبى المغيرة نظير أيضا فسماه الله بالوحيد تهكما به واستهزآء بلقبه كقوله تعالى ذق انك أنت العزيز الكريم وصرفا له عن الغرض الذى يؤمونه من مدحه الى جهة ذمه بكونه وحيدا من المال والولد أو وحيدا من أبيه ونسبه لانه كان زنيما وهو من ألحق بالقوم وليس منهم كما مر أو وحيدا فى الشرارة والخباثة والدناءة.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {ذَرْنِي ومَنْ خلقتُ} أي: كِلْ أمره إليَّ فأنا أكفيك أمره، وهو الوليد بن المغيرة، وقوله: {وحيداً}: حال من عائد الموصول، أي: خلقته منفرداً، لا مال له ولا ولداً، أو من الياء، أي: ذرني وحدي معه، فأنا أكفيكه، أو من التاء، اي: خلقته وحدي ولم يشاركني في خلقه أحد، والأول أنسب بقوله: {وجعلتُ له مالاً ممدوداً}؛ مبسوطاً كثيراً، أو ممدوداً بالنماء، وكان له الزرع والضرع والتجارة، وعن مجاهد: له مائة ألف دينار، وكان له أرض بالطائف، لا تنقطع ثمارها صيفاً وشتاءً، {وبنينَ شُهوداً}؛ حضوراً معه بمكة لغناهم، يتمتع بشهودهم، لا يفارقونه لعمل، لكونهم مكُفيين، أو حضوراً في الأندية والمحامل لوجاهتهم، واعتيادهم، وكانوا عشرة، وقيل: ثلاثة عشر، وقيل: سبعة، كلهم رجال، الوليد بن الوليد، وخالد، وعمار ة، وهشام، والعاصي، وقيس، وعبد شمس، أسلم منهم خالد وهشام وعمارة، وجعل السهيلي بدل عمارة الوليدَ بن الوليد، وهو الصحيح، وفيه قال عليه السلام: "حديث : اللهم أنج الوليد بن الوليد"تفسير : حين كان يُعذّب بمكة على الإسلام، والوليد هذا كان سبب إسلام أخيه خالد، وكان خالد فارًّا منه صلى الله عليه وسلم، فسمع الوليدُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: " حديث : لو أتانا لأكرمناه"تفسير : ، فكتب إليه، فوقع الإسلام في قلبه، وسمّاه سيفاً من سيوف الله، به فتح الله كثيراً من البلدان، وأما عُمارة فذكر غيرُ واحد أنه مات مشركاً عند النجاشي، ويروى أنَّ النجاشي قتله بسبب اختلافه إلى زوجته، ووشى به عَمْرُو بن العاص، كما ذكره الطيبي. انظر المحشي. {ومَهَّدتُ له تمهيداً} أي: بسطت له الجاه العريض، والرياسة، حتى كان يُلقَّب ريحانة قريش، فأتممت عليه نعمتَي الجاه والمال، واجتماعهما هو الكمال عند أهل الدنيا، {ثم يطمعُ أن أزيدَ} على ما أوتيه من المال والولد والجاه من غير شكر، وهور استبعاد واستنكارٌ لطمعه وحرصه. وعن الحسن: يطمع أن أزيده الجنة، فأعطيه فيها مالاً وولداً، كما قال العاصي: { أية : لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَدًا } تفسير : [مريم:77]، وكان من فرط جهله يقول: إن كان محمد صادقاً فما خُلقت الجنة إلاَّ ليَ. {كلاَّ}: ردع وزجر عن طمعه الفارغ، وقطع لرجائه الخائب، أي: لا نجمع له بعد اليوم بين الكفر والمزيد من النِّعم، فلم يزل بعد نزول الآية في نقصان من المال والجاه، وانتكاس، حتى هلك، {إِنه كان لآياتنا}؛ القرآن {عنيداً}؛ معانداً جاحداً، وهو تعليل للردع على وجه الاستئناف، كأنّ قائلاً قال: لِمَ لا يُزاد؟ فقال: إنه عاند آيات المنعِم، مع وضوحها، وكَفَرَ نعمته مع سُبُوغها، وهو مما يوجب حرمانها بالكلية، مع أن ما أوتيه إنما هو استدراج يوجب مزيد العذاب، كما قال تعالى: {سأُرهقه صَعوداً}؛ سأُغشيه بدل ما يطمعه من الجنة عقبة شاقة المصْعد، وهو مثل لِما يلقى من العذاب الصعب الذي لا يُطاق، وفي الحديث: "حديث : الصعود: جبل من نار يصعد فيه سبعين خريفاً، ثم يهوي فيه كذلك أبداً ". تفسير : ثم علّل استحقاقه لهذا العذاب بقوله: {إِنه فَكَّر} ما يقول في شأن القرآن، {وقَدَّر} في نفسه ما يقوله وهياه، كأنه تعالى عاجله بالفقر والذل بعد الغنى والعز, لعناده، ويُعاقبه في الآخرة بأشد العذاب، لبلوغه بالعناد غايته، حيث قال في كلامه تعالى المعجِز: سحراً، وفي رسوله عليه السلام: ساحراً، {فقُتل} أي: لُعن {كيف قَدَّر ثم قُتل كيف قَدَّر}؟ كرّر للتأكيد، و"ثم" للإشعار بأنَّ الدعاء الثاني أبلغ، وقيل: هو تعجيب من تقديره وإصابته فيه الغرض الذي كان ينتحيه قريش، قاتلهم الله، كما يقال: قاتله الله ما أشجعه، وأخزاه الله ما أشعره! رُوي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ "حم" غافر، أو فُصلت، ثم رجع إلى بني مخزوم, فقال: والله لقد سمعتُ من محمد كلاماً ما هو من كلام الإنس, ولا من كلام الجن، وإنَّ له لحلاوة، وإنَّ عليه لَطلاوة، وإنَّ أعلاه لمُثمر، وإنَّ أسفله لمُغدق، وإنه يعلو ولا يُعلى عليه، فقالت قريش: صبأ والله الوليد، لتَصْبُوَنّ قريش كلها، فقال ابن أخيه أو جهل: أنا أكفيكموه، فانطلق إليه حزيناً، فقال له: ما لي أراك حزيناً؟ فقال: وما لي لا أحزن، وهذه قريش يجمعون لك نفقة يعينونك على كِبر سنك، يزعمون أنك زيّنت كلام محمد، تدخل على ابن أبي كبشة وأبي قحافة، لِتنال من طعامهم، فغضب الوليد، وقصدهم، وقال: تزعمون أنَّ محمداً مجنون، فهل رأيتموه يُخْنِقُ قط؟ قالوا: لا، قال: تزعمون أنه شاعر، فهل رأيتموه ينطق بشعر قط؟ قالو: لا، قال: تزعمون أنه كاهن، فهل رأيتموه يتكهّن قط؟ قالوا: لا، قال: تزعمون أنه كذّاب، فهل جريتم عليه من الكذب قط؟ قالوا: اللهم لا، ثم قالوا له: فما هو؟ ففكَّر فقال: ما هو إلاَّ ساحر، أمّا رأيتموه يُفرّق بين الرجل وأهله وولده ومواليه؟ وما الذي يقوله إلاّ سحر يأثره عن أهل بابل، فارتجّ النادي فرحاً، وتفرّقوا معْجبين بقوله متعجبين منه، وهذا معنى قوله: {إنه فكَّر...} الخ. {ثم نَظَرَ} أي: في القرآن مرة بعد مرة، أو نظر بأي شيء يَرُدُّ الحقَّ، أو فيما قدّر، {ثم عَبَسَ}؛ قطَّب وجهه لمَّا لم يجد فيه مطعناً، ولم يدرِ ماذا يقول، وقيل: نظر في وجوه الناس، ثم قطَّب وجه، {وبَسَرَ}؛ زاد في العبوسة والكلوح، {ثم أدبرَ} عن الحق، أو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، {واستكبر} عن اتباعه، و {ثم نظر}: عطف على (قَدَّر)، والدعاء اعتراض، وإيراد "ثم" في المعطوفات لبيان أنَّ بين الأفعال والمعطوفة تراخياً أو تفاوتاً، {فقال إِنْ هذا إِلاّ سِِحْر يُؤثَرُ} أي: يُروى ويُتعلم، والفاء للدلالة على أنَّ هذه الكلمة لمّا خطرت بباله تفوَّه بها من غير تَلعثم ولا تلبُّث, وقوله: {إِنْ هذا إِلاَّ قولُ البشرِ} تأكيد لِما قبله، ولذلك أخلى عن العاطف. قال تعالى: {سأُصليه}؛ سأُدخله {سَقَر}، وهو بدل من {سأُرهقه صَعُوداً} وسقر: علم لجهنم، ولم ينصرف للتعريف والتأنيث، {وما أدراك ما سَقَرُ}، تهويل لشأنها، {لا تُبقي ولا تَذرُ}، بيان لحالها، أي: لا تُبقي شيئاً يُلقى فيها إلاَّ أهلكته، وإذا هلك لم تذره هالكاً حتى يُعاد، أو: لا تُبقي لحماً، ولا تّذرُ عظماً، أو: لا تُبقي لحماً إلاّ أكلته، ولا تدع أن تعود عليه أشد ما كانت، وقال الضحاك: إذا أخذت فيهم لم تُبق منهم شيئاً، وإذا أُعيدوا لم تذرهم حتى تفنيهم، ولكل شيء فترة ومَلالة إلاّ جهنم. هـ. {لوَّحاةٌ للبَشرِ} أي: مغيّرة للجلود حتى تُسوّدها، تقول العرب: لاحته الشمس ولوَّحته، أي: غيَّرته، قيل: تلفح الجلد لفحة، فتدعه أشد سواداً من الليل، وقال الحسن: تلوح لهم جهنم حتى يرونها عياناً، نظيره: {أية : وَبُرِزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ } تفسير : [الشعراء:91] والبشر: اسم، جمع بشرة، وهي ظاهر جلد الإنسان، ويجمع أيضاً على أبشار، {عليها تسعةَ عشرَ} أي: على أمرها تسعة عشر ملكاً، خزنتُها، وقيل: تسعة عشر صِنفاً من الملائكة، وقيل: صفًّا، وقيل: نقيباً. قيل: الحكمة في تخصيص هذا العدد لخزنة جهنم؛ أن ذكرهم الذي يتقوَّون به البسلمة، وذلك عدد حروفها. هـ. والله تعالى أعلم. الإشارة: هذه الآية تَجُر ذيلها على كل مَن آتاه الله المالَ والجاه البنين، ثم جعل ينتقد على أولياء الله، ويحتقر أهل النسبة، بل على كل مَن يُطلق لسانه في أهل النسبة يناله ما نال الوليد؛ لأنه كان لآيات الله ـ وهم خاصة أوليائه ـ عنيداً جاحد القلب، وحاسداً، سأُرهقه صَعُوداً، أي: عذاباً متعباً له، في الدنيا بالحرص والطمع، وفقر القلب، وكذا العيش في الآخرة بسدل الحجاب، والطرد عن ساحة المقربين، إنه فَكَّر فيما يكيد به أولياءه، وقَدّر ذلك، فلُعن كيف قَدّر، ثم نظر إليهم فعبس وبسر. قلت: وقد رأيتُ بعض المتفقهة المتجمدين، إذا رأوا أحداً من أهل التجريد، عبسوا وقطَّبوا وجوههم، ولووا رؤوسهم، لشدة حَنقهم على هذه الطائفة، نعوذ بالله من الحرمان. وكل ما رُمي به صلى الله عليه وسلم من السحر وغيره قد رُمي به خلفاؤه، فيُقال لمَن رماهم وعابهم: سأُصليه سقر، نار القطيعة والبُعد، لا تٌبقي له رتبة، ولا تذر له مقاماً ولا جاهاً عند الله، تُزيل عنه سيما العارفين ومهجة المحبين وتغير بشريته بالكآبة والحسرة، والتأسُّف عن التخلُّف عن مقام المقربين، عليها، أي: على النار المحيطة بهم، تسعة عشر حجاباً؛ حجاب المعاصي القلبية والقالبية، ثم حجاب الغفلة، ثم حُب الدنيا، ثم حب الهوى، ثم الحسد، ثم الكفر، ثم الحقد، ثم الغضب، ثم حب الظهور، ثم حب الجاه، ثم الطمع، ثم الحرص، ثم خوف الفقر، ثم هَم الزرق، ثم خوف الخلق، ثم التدبير والاختيار، ثم العَجَلة، ثم الرعونة، ثم حجاب الحسد والوهم. والله تعالى أعلم. ثم ذكر حكمة جعل الخزنةَ تسعة عشر، فقال: {وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً}.
الطوسي
تفسير : يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله على وجه التهديد للكافر الذى وصفه {ذرني ومن خلقت وحيداً} ومعناه دعني وإياه فاني كاف فى عقابه كما تقول العرب: دعني وإياه لا أن الله تعالى يجوز عليه المنع حتى يقول: ذرني وإياه. ولكن المعنى ما قلناه. وقوله {وحيداً} قال الزجاج: يحتمل ان يكون من صفة الخالق، ويحتمل أن يكون من صفة المخلوق، فاذا حملناه على صفة الخالق كان معناه دعني ومن خلقته متوحداً بخلقه لا شريك لي في خلقه وجعلته على الاوصاف التي ذكرتها، وإذا حمل على صفه المخلوق، كان معناه ومن خلقته فى بطن أمه وحده لا شيء له ثم جعلت له كذا وكذا - ذكره مجاهد وقتادة - وقوله {وجعلت له مالا ممدوداً} أى مالا كثيراً له مدد يأتي شيئاً بعد شيء، فوصفه بأنه ممدود يقتضي هذا المعنى. وقال مجاهد وسعيد بن جبير: نزلت الآية في الوليد بن المغيرة المخزومي. وقالا: كان ماله الف دينار. وقال سفيان: كان ماله أربعة آلاف دينار. وقال النعمان بن سالم: كان أبرص. وقال عطاء عن عمر: كان غلة شهر شهر. وقال مجاهد: كان بنوه عشرة {وبنين شهوداً} أي واولاداً ذكوراً معه يستمتع بمشاهدتهم، وينتفع بحضورهم. وقيل كان بنوه لا يغيبون عنه لغنائهم عن ركوب السفر فى التجارة بخلاف من هو غائب عنهم. وقوله {ومهدت له تمهيداً} أي سهلت له التصرف فى الأمور تسهيلا وقد يكون التسهيل من المصيبة ليخف الحزن بها، وقد يكون لما يتصرف فيه من المبالغة. وقوله {ثم يطمع أن أزيد} أي لم يشكرني على هذه النعم، وهو مع ذلك يطمع ان أزيد فى إنعامه. والتمهيد والتوطئة والتذليل والتسهيل نظائر. ثم قال تعالى على وجه الردع والزجر "كلا" كأنه قال: ارتدع عن هذا وانزجر كما ان (صه) بمنزلة اسكت (ومه) بمنزلة اكفف. وإنما هي أصوات سمي الفعل بها، فكأنه قال: انزجر، فليس الأمر على ما تتوهم. ثم بين لم كان كذلك فقال {إنه كان لآياتنا} أي إنما لم أفعل به ذلك، لانه لحجتنا وأدلتنا {عنيداً} أي معانداً، فالعنيد الذاهب عن الشيء على طريق العداوة له، يقال عند العرق يعند عنوداً، فهو عاند إذا نفر، وهو من هذا، والمعاندة منافرة المضادة، وكذلك العناد، وهذا الكافر يذهب عن آيات الله ذهاب نافر عنها. وقيل معنى {عنيد} عنود أي جحود بتكذيب المعاندة - فى قول ابن عباس وقتادة - وقيل: معناه معاند، وبعير عنود أي نافر قال الشاعر: شعر : إذا نزلت فاجعلوني وسطا إني كبير لا أطيق العندا تفسير : أي نفراً، وقوله {سأرهقه صعوداً} فالارهاق الاعجال بالعنف والصعود العقبة التي يصعب صعودها، وهي الكؤد والكدود فى ارتقائها ونقيض الصعود الهبوط، وقيل: صعود جبل من نار فى جهنم يؤخذون بارتقائه، فاذا وضع يديه ذابت، فاذا رفعها عادت وكذلك رجلاه، فى خبر مرفوع. وقيل: صعود جبل فى جهنم من نار يضرب بالمقامع حتى يصعد عليه، ثم يضرب حتى ينزل ذلك دأبه ابداً. ثم قال {إنه فكر} أى فكر فكراً يحتال به للباطل، لانه لو فكر على وجه طلب الرشاد لم يكن مذموماً بل كان ممدوحاً، ولذلك مدح الله قوماً فقال {أية : إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون}تفسير : أى على وجه طلب الحق. وقوله {وقدر} أي قدر فقال: إن قلنا شاعر كذبتنا العرب باعتبار ما أتى به، وإن قلنا كاهن لم يصدقونا، لان كلامه لا يشبه كلام الكهان، فنقول ساحر يأثر ما أتى به عن غيره من السحرة. فقال الله تعالى {فقتل} أى لعن {كيف قدر} هذا. ثم كرر تعالى فقال {ثم قتل كيف قدر} أى عوقب بعقاب آخر كيف قدر من ابطال الحق تقديراً آخر. وقيل: لعن بما يجري مجرى القتل، ومثله {أية : قتل الخراصون}تفسير : وقال الحسن: هو شتم من الله لهذا الكافر. وقوله {ثم نظر} نظر من ينكر الحق ويدفعه، ولو نظر طلباً للحق كان ممدوحاً وكان نظره صحيحاً. وقوله {ثم عبس} أى قبض وجهه تكرها للحق، يقال: عبس يعبس عبوساً، فهو عابس وعباس فالعبوس والتكليح والتقطيب نظائر فى اللغة، وضده الطلاقة والبشاشة. وقوله {وبسر} فالبسور بدّو التكره الذى يظهر فى الوجه وأصله من قولهم: بسر بالأمر إذا عجل به قبل حينه، ومنه البسر لتعجيل حاله قبل الارطاب قال توبة: شعر : وقد رابني منها صدود رأيته وإعراضها عن حاجتي وبسورها تفسير : فكأنه قيل: قبض وجهه وبدى التكره فيه. وقوله {ثم أدبر} فالادبار الأخذ فى جهة الدبر خلاف جهة الاقبال، فذلك ادبار وهذا إقبال، يقال: دبر يدبر دبوراً وأدبر إدباراً، وتدبر نظر في عاقبة الأمر، ودبره أى عمله على إحكام العاقبة وكل مأخوذ من جهة الخلف مدبر. وقوله {واستكبر فقال إن هذا إلا سحر يؤثر} أى طلب كبراً ليس له، ولو طلب كبراً هو له لم يكن مذموماً، وفي صفات الله تعالى {أية : الجبار المتكبر}تفسير : لان له الكبرياء، وهو كبير الشأن في أعلى المراتب لاختصاصه باتساع مقدوراته والمعلوم في أعلى المراتب. وقيل: ان الوليد قال في القرآن: والله ليعلو وما يعلا وما هو بشعر ولا كهانة، ولكنه سحر يؤثر من قول البشر، والسحر حيلة يخفى سببها فيوهم الشيء على خلاف ما هو به وذلك منفي عن كل ما يشاهد ويعلم انه قد خرج عن العادة مما لا يمكن عليه معارضة، ولو كان القرآن من قول البشر لامكنهم أن يأتوا بمثله، كما لو كان قلب العصا حية من فعل ساحر لأمكن السحرة أن يأتوا بمثله. ثم قال يعني الوليد {إن هذا إلا قول البشر} أى ليس هذا إلا قول البشر وليس من كلام الله عناداً منه وبهتاناً.
الجنابذي
تفسير : {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً} الوحيد بمعنى المتوحّد وهو حال عن فاعل خلقت، او عن من، او عائده المحذوف، او المراد به الوليد بن المغيرة فانّه كان يسمّى وحيداً فى قومه فيكون بدلاً من من، او لانّه كان لا يعرف له ابٌ، والوحيد من لا يعرف له ابٌ، وحينئذٍ يكون حالاً عن من.
اطفيش
تفسير : {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً} الواو للميعة أو للعطف ووحيداً حال من الباء أي ذرني وحدي معه فإي أكفيكه في الإنتقام على حد ما مر أو من التاء أي دعني ومن خلقته وحدي لم يشاركني في خلقه أحد كيف يعصيني ويطيع غيري وأنا الخالق له أو من الهاء المحذوفة اي ذرني ومن خلقته فردا لا مال له ولا ولد وتفضلنا عليه بهما أو مفعول لمحذوف اي أذم وحيدا فإن الذي نزلت فيه الآية هو الوليد بن المغيرة المخزومي كان هنا ملقبا بالوحيد لأنه لا نظير له في المال والولد والشرف فسماه الله به تهكما أو أراد انه وحيد في الشرارة أو عن ابيه فإنه كان زنيما أو ذكره بالوحدة في جملة النعم وقيل لقب بالوحيد بعد نزول الآية فلا تهكم.
اطفيش
تفسير : حال من الياء ذرنى وحدى معه فإِنى أكفيك فى الانتقام منه أو من التاء أى لم يشركنى فى خلقه أحد فهو فى قبضتى أهلكه بلا حاجة إِلى معين لى أو من مَن أو من ضميره المحذوف أى خلقته منفرداً عن المال والولد والرياسة وهو الوليد بن المغيرة على الصحيح، وقيل إِجماعاً وذلك مما يؤيد قولى أن السورة هذه بعد ثلاث سنين لأن شأْن الوليد وأحواله ليست أول الوحى وكان يلقب فى قومه بالوعيد لانفراده عنهم بالأَموال والأَولاد واستحقاق الرياسة فتهكم الله عز وجل عليه بلفظ وحيد على أنه حال من من أو الهاء المقدرة أو بصرفه إِلى الوحدة العظيمة فى الخبث أو إِلى الوحدة من أبيه إِذ كان دعياً.
الالوسي
تفسير : نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي كما روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم بل قيل كونها فيه متفق عليه وهو يقتضي أن هذه السورة لم تنزل جملة إذ لم يكن أمر الوليد وما اقتضى نزول الآية فيه في بدء البعثة فلا تغفل. و{وَحِيداً} حال إما من الياء في {ذَرْنِي} وهو المروي عن مجاهد أي ذرني وحدي معه فأنا أغنيك في الانتقام عن كل منتقم، أو من التاء في {خَلَقْتُ} أي خلقته وحدي لم يشركني في خلقه أحد فأنا أهلكه لا أحتاج إلى ناصر في إهلاكه /، أو من الضمير المحذوف العائد على {مَنْ} على ما استظهره أبو حيان أي ومن خلقته وحيداً فريداً لا مال له ولا ولد. وجوز أن يكون منصوباً بأذم ونحوه، فقد كان الوليد يلقب في قومه بالوحيد فتهكم الله تعالى به وبلقبه و صرفه عن الغرض الذي كانوا يؤمونه من مدحه والثناء عليه إلى جهة ذمه وعيبه فأراد سبحانه وحيداً في الخبث والشرارة، أو وحيداً عن أبيه لأنه كان دعياً لم يعرف نسبه للمغيرة حقيقة كما مَرَّ في سورة نون.
ابن عاشور
تفسير : لما جرى ذكر الكافرين في قوله: {أية : فذلك يومئذٍ يوم عسير على الكافرين}تفسير : [المدثر: 9، 10]، وأشير إلى ما يلقاه الرسول صلى الله عليه وسلم من الكافرين بقوله: {أية : ولربّك فاصبر}تفسير : [المدثر: 7] انتقل الكلام إلى ذكر زعيم من زعماء الكافرين ومدبر مطاعنهم في القرآن ودعوة الرسول صلى الله عليه وسلم وقوله: {ذرني ومن خلقت وحيداً} الخ. استئناف يؤذن بأن حدثاً كان سبباً لنزول هذه الآية عقبَ الآيات التي قبلها، وذلك حين فشا في مكة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاوده الوحي بعد فترة وأنه أُمر بالإِنذار ويدل على هذا ما رواه ابن إسحاق أنه اجتمع نفر من قريش فيهم أبو لهب، وأبو سفيان، والوليدُ بن المغيرة، والنضر بن الحارث، وأميةُ بن خلف، والعاصي بنُ وائل، والمُطْعِم بن عَدِي. فقالوا: إن وفود العرب ستقدِم عليكم في الموسم وهم يتساءلون عن أمر محمد وقد اختلفتم في الأخبار عنه. فمن قائل يقول: مجنون وآخر يقول: كاهن، وآخر يقول: شاعر، وتعلم العرب أن هذا كله لا يجتمع في رجل واحد، فسَمُّوا محمد باسم واحد تجتمعون عليه وتسميه العرب به، فقام رجل منهم فقال: شاعر، فقال الوليد بن المغيرة: سمعتُ كلام ابنِ الأبرص (يعني عَبيد بن الأبرص) وأميّة بن أبي الصلت، وعرفتُ الشعر كله، وما يشبه كلام محمد كلام شاعر، فقالوا: كاهن، فقال الوليد: ما هو بزمزمة الكاهن ولا بسجعه. والكاهن يصدُق ويكذب وما كذب محمد قط، فقام آخر فقال: مجنون، فقال الوليد: لقد عرفنا الجنون فإن المجنون يُخْنَق فما هو بخنقه ولا تَخالُجِه ولا وسوسته، فقالوا: ساحر، قال الوليد: لقد رأينا السُّحَّار وسِحْرهم فما هو بنفثه ولا عَقْده، وانصرف الوليد إلى بيته فدخل عليه أبو جهل فقال: ما لكَ يَا با عَبدِ شمس أصَبَأْتَ؟ فقال الوليد: فكَّرت في أمر محمد وإِن أقربَ القول فيه أن تقولوا: ساحر جاء بقول هو سحر، يفرق به بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته، فقال ابن إسحاق: فأنزل الله في الوليد بن المغيرة قوله: {ذرني ومن خلقت وحيداً} الآيات. وعن أبي نصر القشيري أنه قال: قيل بلغ النبي صلى الله عليه وسلم قول كفار مكة: أنتَ ساحر فوجد من ذلك غمّاً وحُمَّ فتدثر بثيابه فقال الله تعالى: {أية : قم فأنذر}تفسير : [المدثر: 2]. وأيّاما كان فقد وقع الاتفاق على أن هذا القول صدر عن الوليد بن المغيرة وأنه المعنِيُّ بقوله تعالى: {ومن خلقت وحيداً} فإن كان قول الوليد صدَر منه بعد نزول صدْر هذه السورة فجملة {ذرني ومن خلقت وحيداً} مستأنفة استئنافاً ابتدائياً والمناسبة ظاهرة، وإن كان قول الوليد هو سبب نزول السورة، كان متصلاً بقوله: {أية : ولربّك فاصبر}تفسير : [المدثر: 7] على أنه تعليل للأمر بالصبر بأن الله يتولى جزاء هذا القائل، وما بينهما اعتراض، ويؤيد هذا أن ابتداء الوحي كان في رَمضان وأن فترة الوحي دامت أربعين يوماً على الأصح سواء نزل وحي بين بدء الوحي وفترته مدةَ أيام، أوْ لم ينزل بعد بدئه شيء ووقعتْ فترته، فيكون قد أشرف شهر ذي القعدة على الانصرام فتلك مدة اقتراب الموسم فأخذ المشركون في الاستعداد لما يقولونه للوفود إذا استخبروهم خبر النبي صلى الله عليه وسلم. وتصدير الجملة بفعل {ذرني} إيماء إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان مهتماً ومغتماً مما اختلقه الوليد بن المغيرة، فاتصاله بقوله: {ولربّك فاصبر} يزداد وضوحاً. وتقدم ما في نحو {ذَرني} وكَذا، من التهديد والوعيد للمذكور بعد واو المعية، في تفسير قوله تعالى: {أية : فذَرني ومن يكذّب بهذا الحديث}تفسير : في سورة القلم (44). وجيء بالموصول وصلته في قوله: ومن خلقت وحيداً} لإِدماج تسجيل كفران الوليد النعمة في الوعيد والتهديد. وانتصب {وحيداً} على الحال من {مَن} الموصولة. والوحيد: المنفرد عن غيره في مكان أو حال مما يدل عليه سياق الكلام، أو شهرة أو قصة، وهو فعيل من وحُد من باب كَرُم وعَلِم، إذا انفرد. وكان الوليد بن المغيرة يلقب في قريش بالوحيد لتوحده وتفرده باجتماع مزايا له لم تجتمع لغيره من طبقته وهي كثْرةُ الولد وسعة المال، ومجده ومجد أبيه مِن قبله، وكان مرجعَ قريش في أمورهم لأنه كان أسنّ من أبي جهل وأبي سفيان، فلما اشتهر بلقب الوحيد كان هذا الكلام إيماء إلى الوليد بن المغيرة المشتهر به. وجاء هذا الوصف بعد فعل {خلَقْت}، ليصرف هذا الوصف عما كان مراداً به فينصرف إلى ما يصلح لأن يقارن فعل {خلقتُ} أي أوجدتُه وحيداً عن المال والبنين والبسطة، فيغيَّر عن غرض المدح والثناء الذي كانوا يخصونه به، إلى غرض الافتقار إلى الله الذي هو حالُ كل مخلوق فتكون من قبيل قوله: {أية : والله أخرجكم من بطون أمهاتِكم لا تعلمون شيئاً}تفسير : [النحل: 78] الآية. وعطف على ذلك {وجعلتُ له مالاً} عطفَ الخاص على العام. والممدود: اسم مفعول من مَدَّ الذي بمعنى: أطال، بأن شُبهت كثرة المال بسعة مساحة الجسم، أو من مدّ الذي بمعنى: زَاد في الشْيءِ من مثله، كما يقال: مَد الوادي النهرَ، أي مالاً مزيداً في مقداره ما يكتسبه صاحبه من المكاسب. وكان الوليد من أوسع قريش ثراءً. وعن ابن عباس: كان مال الوليد بين مكة والطائف من الإِبل والغنم والعبيد والجواري والجِنان وكانت غلة ماله ألف دينار (أي في السنة). وامتنّ الله عليه بنعمة البنين ووصَفهم بشهود جمع شاهد، أي حاضر، أي لا يفارقونه فهو مستأنس بهم لا يشتغل بالُه بمغيبهم وخوفِ معاطب السفر عليهم فكانوا بغنىً عن طلب الرزق بتجارة أو غارة، وكانوا يشهدون معه المحافل فكانوا فخراً له، قيل: كان له عشرة بنين وقيل ثلاثة عشر ابناً، والمذكور منهم سبعة، وهم: الوليد بن الوليد، وخالد، وعمارة، وهشام، والعاصي، وقيس أو أبو قيس، وعبد شمس (وبه يكنى). ولم يذكر ابن حزم في «جمهرة الأنساب»: العاصي. واقتصر على ستة. والتمهيدُ: مصدر مهّد بتشديد الهاء الدال على قوة المَهْد. والمَهْد: تسوية الأرض وإزالة ما يُقِضُّ جنب المضطجع عليها، ومَهْدُ الصبي تسمية بالمصدر. والتمهيد هنا مستعار لتيسير أموره ونفاذ كلمته في قومه بحيث لا يعسر عليه مطلب ولا يستعصي عليه أمر. وأُكد {مهَّدْتُ} بمصدره على المفعولية المطلقة ليتوسل بتنكيره لإِفادة تعظيم ذلك التمهيد وليس يطرد أن يكون التأكيد لرفع احتمال المجاز. ووصف في هذه الآية بما له من النعمة والسعة لأن الآية في سياق الامتنان عليه توطئة لتوبيخه وتهديده بسوء في الدنيا وبعذاب النار في الآخرة، فأما في آية سورة القلم فقد وصفه بما فيه من النقائص في قوله تعالى: {أية : ولا تطع كل حلاّف مهين}تفسير : [القلم: 10] الخ بناء على قول من قال: إن المراد به الوليد بن المغيرة (وقد علمت أنه احتمال) لأن تلك الآية في مقام التحذير من شره وغدره. و {ثم} في قوله: {ثم يطمع} للتراخي الرتبي، أي وأعظم من ذلك أنه يطمع في الزيادة من تلك النعم وذلك بما يعرف من يُسر أموره. وهذا مشعر باستبعاد حصول المطموع فيه وقد صرح به في قوله: {كلا}. والطمع: طلب الشيء العظيم وجعل متعلق طَمعه زيادة مما جعل الله له لأنهم لم يكونوا يسندون الرزق إلى الأصنام، أو لأنّه طمع في زيادة النعمة غير متذكر أنها من عند الله فيكون إسناد الزيادة إلى ضمير الجلالة إدماجاً بتذكيره بأن ما طمع فيه هو من عند الذي كفر هو بنعمته فأشرك به غيره في العبادة. ولهذه النكتة عُدِل عن أن يقال: يطمع في الزيادة، أو يطمع أن يُزاد. و {كلاّ} ردع وإبطال لطمعه في الزيادة من النّعم وقطع لرجائه. والمقصود إبلاغ هذا إليه مع تطمين النبي صلى الله عليه وسلم بأن الوليد سيقطع عنه مدد الرزق لئلا تكون نعمته فتنة لغيره من المعاندين فيغريهم حاله بأن عنادهم لا يضرهم لأنهم لا يحسبون حياة بعد هذه كما حكى الله من قول موسى عليه السلام: {أية : ربّنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربّنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم}تفسير : [يونس: 88]. وفي هذا الإِبطال والردع إيذان بأن كفران النعمة سبب لقطعها قال تعالى: {أية : لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد}تفسير : [إبراهيم: 7]، ولهذا قال الشيخ ابن عطاء الله: «من لم يشكر النعم فقد تعرَّض لزوالها، ومن شكرها فقد قَيَّدها بعِقَالها». {إِنَّهُ كان لآيَاتِنَا عَنِيداً} يجوز أن تكون هذه الجملة تعليلاً للردع والإِبطال، أي لأن شدة معاندته لآياتنا كانت كفراناً للنعمة فكانت سبباً لقطعها عنه إذ قد تجاوز حدّ الكفر إلى المناواة والمعاندة فإن الكافر يكون منعماً عليه على المختار وهو قول الماتريدي والمعتزلة خلافاً للأشعري، واختار المحقّقون أنه خلاف لفظي. ويجوز أن تكون مستأنفة ويكون الوقف عند قوله تعالى: {كلاّ}. والعنيد: الشديد العناد وهو المخالفة للصواب وهو فَعيل من: عَنَدَ يعنِد كضرب، إذا نازع وجادل الحق البين. وعناده: هو محاولته الطعن في القرآن وتحيله للتمويه بأنه سحر، أو شعر، أو كلام كهانة، مع تحققه بأنه ليس في شيء من ذلك كما أعلن به لقريش، قبل أن يلومَه أبو جهل ثم أخذه بأحد تلك الثلاثة، وهو أن يقول: هو سحر، تشبثاً بأن فيه خصائص السحر من التفريق بين المرء ومن هو شديد الصلة.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 11، 12، 13، 14، 15- اتركنى وحدى مع مَن خلقته، فإنى أكفيك أمره، جعلت له مالاً مبسوطاً واسعاً غير منقطع، وبنين حضوراً معه، وبسطت له الجاه والرياسة بسطة تامة، ثم يطمع أن أزيده فى ماله وبنيه وجاهه بدون شكر؟. 16، 17- ردعاً له عن طمعه إنه كان للقرآن معانداً مكذباً، سأغشيه عقبة شاقة، لا يستطيع اقتحامها. 18، 19، 20- إنه فكَّر فى نفسه وهيَّأ ما يقوله من الطعن فى القرآن، فاستحق بذلك الهلاك، كيف هيَّأ هذا الطعن؟ ثم استحق الهلاك لأنه أعد في نفسه هذا الطعن. 21، 22، 23، 24- ثم نظر فى وجوه الناس، ثم قطَّب وجهه وزاد فى كلوحه، ثم أعرض عن الحق وتعاظم أن يعترف به، فقال: ما هذا إلا سحر ينقل عن الأولين. 25- ما هذا إلا قول الخلق تعلمه - محمد - وادَّعى أنه من عند الله. 26، 27، 28، 29، 30- سأُدخله جهنم ليحترق بها، وما أدراك ما جهنم؟، لا تبقى لحماً ولا تترك عظماً إلا أحرقته. مُسوِّدة لأعالى الجلد، عليها تسعة عشر يَلُون أمرها وتعذيب أهلها.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ذرني ومن خلقت وحيدا: أي اتركني ومن خلقته وحيداً منفرداً بلا مال ولا ولد فأنا أكفيكه. وبنين شهودا: أي يشهدون المحافل وتُسمع شهادتهم وأغلب الوقت حاضرون ولا يغيبون. ومهدت له تمهيدا: أي بسطت له في العيش والعمر والولد والجاه حتى كان يلقب بريحانة قريش. عنيدا: أي معانداً وهو الوليد بن المغيرة المخزومي. سأرهقه صعودا: أي سأكلفه يوم القيامة صعود جبل من نار كلما صعد فيه هوى في النار أبداً. إنه فكر وقدّر: أي فيما يقول في القرآن الذي سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم وقدر في نفسه ذلك. ثم نظر ثم عبس وبسر: أي تروَّى في ذلك ثم عبس أي قبض ما بين عينيه ثم يسر أي كلح وجهه. ثم أدبر واستكبر: أي عن الإِيمان واستكبر عن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم. سحر يؤثر: أي ينقل من السحرة كمسيلمة وغيره. سأصليه سقر: سأدخله جهنم وسقر اسم لها يدخله فيها لإِحراقه بنارها. لا تبقي ولا تذر: أي لا تترك شيئا من اللحم ولا العصب إلا أهلكته ثم يعود كما كان لإِدامة العذاب. لواحة للبشر: أي محرقة مسودة لظاهر جلد الإِنسان وهو بشرته والجمع بشر. عليها تسعة عشر: أي ملكاً وهم خزنتها. معنى الآيات: لقد تحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم عبء الدعوة وأمر بالصبر وشرع صلى الله عليه وسلم في إنذار قومه وبدأت المعركة كأحرّ وأشد ما تكون إذ أعلم قومه وهم من هم أنه لا إله إلا الله وأنه هو رسول الله فتصدى له طاغية من أعظم الطغاة ساد الوادي مالاً وولداً وجاهاً عريضا حتى لقب بريحانة قريش هذا هو الوليد بن المغيرة صاحب عشرة رجال من صلبه وآلاف الدنانير من الذهب فلما أرهب رسول الله وأخافه قال له ربّه تبارك وتعالى {ذَرْنِي} أي دعني والذي خلقته {وَحِيداً} فريداً بلا مال ولا ولد، {وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً} واسعا تمده به الزراعة والتجارة فصلا بعد فصل ويوما بعد يوم، {وَبَنِينَ شُهُوداً} لا يغيبون كما يغيب الذين يطلبون العيش كما أنهم لمكانتهم يستشهدون فيشهدون فهم شهود على غيرهم. ويشهدون المحافل وغيرها. {وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً} أي بسطت له في العيش والعمر والولد والجاه العريض في ديار قومه، {ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ} أي أن أزيده من المذكور في الآيات {كَلاَّ} أي لن أزيده بعد اليوم، وعلل تعالى لمنعه الزيادة بقوله: {إِنَّهُ كان لآيَاتِنَا} "القرآنية" {عَنِيداً} أي معانداً يحاول إبطالها بعد رفضه لها. {سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً} أي سأكلفه عذابا شاقا لا قبل له به وذلك جبل من نار في جهنم يكلف صعوده كلما صعد سقط وذلك أبداً. وعلل أيضا لهذا العذاب الذي أعده له وأوعده به فقال تعالى {إِنَّهُ فَكَّرَ} أي فيما يقول في القرآن لما طلبت منه قريش أن يقول فيه ما يراه من صلاح أو فساد. {وَقَدَّرَ} في نفسه {فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ} أي لعن كيف قدر ذلك التقدير الذي هو قوله {إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ قَوْلُ ٱلْبَشَرِ}. {ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ} فلعنه الله لعنتين تلازمانه واحدة في الدنيا والأخرى في الآخرة وقوله تعالى عنه {ثُمَّ نَظَرَ} أي ترّوى {ثُمَّ عَبَسَ} أي قطب فقبض ما بين عينيه {وَبَسَرَ} أي كلح وجهه فاسودّ. فقال اللعين نتيجة تفكير وتقدير ونظر {إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ} أي ما هذا القرآن إلا سحر ينقل عن السحرة في اليمين ونجد والحجاز {إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ قَوْلُ ٱلْبَشَرِ} أي ما هذا الذي يتلوه محمد صلى الله عليه وسلم إلا قول البشر قال تعالى موعداً إياه على قولته الكافرة الفاجرة {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} أي سأدخله نار سقر يصطلي بنارها، ثم عظّم تعالى من شأن سقر فقال {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ} أي أي شيء يدريك ما هي وما شأنها فإِنها عظيمة {لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ} أي لا تبقي لحما ولا تذر عصبا بل تأتي على الكل لواحة للبشر أي تحرق الجلود وتسوّدها. والبشر جمع بشرة الجلدة ومن ذلك سمي الآدميون بشرا لأن بشرتهم مكشوفة ليست مستورة بوبر ولا صوف ولا شعر ولا ريش. وقوله تعالى {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} أي على سقر ملائكة يقال لهم الخزنة عدتهم تسعة عشر ملكاً لقد كان لنزول هذه الآية سبب معروف وهو أن قريشا اتهمت الوليد بأنه صبا أي مال إلى دين محمد فسمع ذلك منهم فأنكر وحلف لهم فطلبوا إليه إن كان صادقا أن يقول في القرآن كلمة يصرف بها العرب عن محمد وما يقوله ويدعو إليه فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ويقرأ في صلاته فاستمع إليه ففكر وقدر كما أخبر تعالى عنه في هذه الآيات وقال قولته الفاجرة الكافرة. إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر بعد أن وصف القرآن وصفا دقيقا بقوله ووالله إن لقوله لحلاوة وإنه ليحطم ما تحته، وإنه ليعلو ولا يُعلى أي عليه فقالوا والله لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه فقال دعوني حتى أفكر ففكر وقال ما تقدم فنزلت هذه الآيات {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً} إلى قوله {تِسْعَةَ عَشَرَ}. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- المال والبنون والجاه من عوامل الطغيان إلاّ أن يُسلّم الله عبده من فتنتها. 2- من أكفر الناس من يعاند في آيات الله يريد صرف الناس عنها وإبطال هدايتها. 3- بيان ما ظفر به طاغية قريش الوليد بن المغيرة من لعنة وعذاب شديد. 4- تقرير الوحي وإثبات النبوة المحمدية. 5- تقرير البعث والجزاء.
القطان
تفسير : ذرْني ومن خلقتُ وحيدا: اتركني واياه ولا تشغل قلبك به. وهذا الفعل لا يستعمل منه الا فعل الأمر والمضارع، فلم تستعمل العرب منه الفعل الماضي. ذرني وفلانا: كِلْه إليّ.... وحيدا: خلقته في بطن امه وحيدا لا مال له ولا ولد. وكان يقال للوليد بن المغيرة: الوحيد، لانه وحيد في قومه، فمالُه كثير، من إبلٍ وخيل وغنم وتجارة وزرع وعبيد وله عشرة ابناء الخ.... ممدودا: كثيرا. شهودا: حضورا معه يتمتع بمشاهدتهم. ومهّدت له تمهيدا: بسطت له الرياسة والجاه العريض. سأرهقه صعودا: ساكلفه عقبة شاقة لا تطاق، وهذا كناية عن العذاب الشديد. وقدَّر: هيأ ما يريده. فقُتل كيف قدر: لعنه الله كيف قدّر ما قاله من الطعن في القرآن. عبس: قطب ما بين عينيه. وبَسَر: كلح وجهه وظهرت الكراهية عليه. سِحر يؤثر: ينقَل ويروى. سأصليه سَقر: سأُدخله في جهنم. لا تبقي ولا تذر: لا تبقي لحما، ولا تترك عَظماً الا أحرقته. لواحة للبشر: تسوِّدُ بشرتهم. عدّتهم: عددهم. فتنة: اختبار وامتحان. ذكرى: تذكرة وموعظة للناس. في هذه الآيات عرضٌ لذِكر أحدِ زعماء قريش الكبار، هو الوليدُ بن المغيرة. وكان من اكبر أثرياء قريش ورؤسائها، يُقال له "العَدْل" لأنه كان عَدْلَ قريشٍ كلّها، إذ كانت قريش تكسو البيتَ، والوليد يكسوه وحدَه. وكان ممن حرَّم الخمرَ في الجاهلية، ولكنه أدركَ الإسلامَ وهو شيخٌ كبير وعادى النبيّ عليه الصلاة والسلام وقاوم دعوته بشدّة. وقد سمع القرآنَ وتأثر به وقال عنه: لقد سمعتُ من محمدٍ كلاماً ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجن.. والله إن لَه لحلاوةً، وان عليه لَطلاوة، وإن أعلاه لمثْمِر، وان أسفلَه لَمُغْدِق، وانه يعلو ولا يُعلى عليه. ومع ذلك فقد بقي على عنادِه وكفره وجمع قريشاً وقال لهم: "إن الناسَ يأتونكم أيامَ الحج فيسألونكم عن محمد، فتختلف أقوالكم فيه، فيقول هذا: كاهنٌ، ويقول هذا: شاعر، ويقول هذا: مجنون، وليس يُشبه واحداً مما يقولون. ولكن أصلَحُ ما قيل فيه أنه ساحر، لأنه يفرق بين المرء وأخيه والزوج وزوجته". وقد مات بعد الهجرة بثلاثة أشهر، وأسلمَ من اولاده خالدُ بن الوليد وهشام وعمارة، والوليدُ بن الوليد. دَعني ومن خلقتُه وحيداً فإني سأكفيكَ أمره، هذا الذي أنعمتُ عليه بمالٍ كثير، وعَشَرة بنين يحضرون معه المحافلَ ويتمتع بمنظرهم و {وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً} وبسطتُ له الرياسةَ والجاه العريضَ والسيادة في قومه، فكان سيّداً مطاعاً عزيزا، ثم يطمع ان أَزيدَ في ماله وبنيه وجاهه بدون شكر، {كَلاَّ} لا أفعلُ ولا أزيدُ. وقال المفسّرون: وقد تبدّلت حال الوليد بعد نزول هذه الآية وماتَ على أسوأ حال. {إِنَّهُ كان لآيَاتِنَا عَنِيداً} انه كان للقرآن معانِدا مكذِّبا. {سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً} سأكلفه عذاباً شاقاً لا راحة فيه. {إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ} انه فكر وزوّر في نفسه كلاما في الطعنِ في القرآن بعدما سمعَه وأعجبه، قاتلَه الله ولعَنه، كيف قدّر وقال لقريش إن محمّداً ساحر، وان هذا القرآن سِحر يؤْثَر ويروى. {ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَٱسْتَكْبَرَ} ثم نظر في وجوه الناس، ثم قطَب وجهه وزادَ في كُلوحه، ثم أعرضَ عن الحق الذي عرفه، وتعاظَمَ ان يعترفَ به {فَقَالَ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ} ينقله الرواة عن الأولين، ونقله محمد عن غيره ممن كانَ قبلَه من السحرة. {إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ قَوْلُ ٱلْبَشَرِ} ما هذا الا قولُ الخلق تعلَّمه محمدُ وادّعى أنه من عند الله. ثم بين الله تعالى ما هو جزاؤه يوم القيامة فقال: {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} سأدخِله جهنم ليحترقَ بها ويذوقَ أشدّ العذاب، وما أدراك ما جهنم؟ إنها لا تبقي لحماً ولا تترك عظماً الا أحرقَتْه، تأكل الأخضَر واليابسَ كما يقولون، وانها تُلَوِّحُ الوجوهَ والبشرةَ وتسوِّدُها، عليها تسعةَ عشرَ من الملائكة موكَّلون بها، كما جاءَ في قوله تعالى ايضا: {أية : عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} تفسير : [التحريم: 6]. {وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً....}. وما جعلْنا خزنةَ النار الا ملائكةً تقدَّم وصفُهم بالشِدة والغِلظة، وما جعلنا عِدَّتَهم تسعةَ عشر الا فتنةً واختبارا للذين كفروا، وذلك. {لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ}. ليحصل اليقينُ لليهود والنصارى بنبوة محمدٍ لموافقةِ ما جاءَ في القرآن لكتُبهم، فقد شهِدَ عددٌ من علماءِ اليهود والنصارى آنذاك ان عدَّةَ الخزنة تسعةَ عشر. {وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِيمَاناً}. ولكيَ تطمئن قلوبُهم بذلك، ولا يشكّ أهلُ التوراة والإنجيل والمؤمنون بالله في حقيقةِ ذلك العدد. {وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْكَافِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً}. وليقول المنافقون والمشركون الكافرون: ما الذي أراده اللهُ بهذا العدَدِ المستغرَبِ استغرابَ المثل؟ {كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ}. والله تعالى كما أضلَّ المنافقين والمشركين يُضِلُّ مِنْ خلْقه من يشاءُ فيخذُله عن إصابة الحق، ويهدي من يشاء منهم فيوفّقه إلى الخيرِ والهدى. وما يعلم جنودَ ربّك ومقدارهم إلا هو سبحانَه وتعالى. {وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ} وما سَقَرُ إلا تذكرة للبشَر وتخويفٌ لهم.
د. أسعد حومد
تفسير : (11) - كَانَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ سَيِّداً مِنْ سَادَاتِ قُرَيْشٍ، عَظِيمَ المَالِ والجَاهِ، وَلَهُ عَشَرَةُ أَبْنَاءٍ. سَمِعَ مَرَّةً رَسُولَ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) يَقْرَأُ القُرْآنَ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ فَتَأَثَّرَ بِذَلِكَ، وَقَالَ لِقَوْمِهِ: وَاللهِ لَقَدْ سَمِعْتُ مُحَمَّداً آنِفاً يَقُولُ كَلاَماً مَا هُوَ مِنْ كَلاَمِ الإِنْسِ، ولاَ مِنْ كَلاَمِ الجِنَّ، إِنَّ لَهُ لَحَلاَوَةً، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلاَوَةً، وَإِنَّ أَعْلاَهُ لَمُثْمِرٌ، وَإِنَّ أسْفَلَهُ لَمُغْدِقٌ، وَإِنَّهُ يَعْلُوا وَمَا يُعْلَى عَلَيْهِ. وَتَبِعَهُ أَبُو جَهْلٍ إِلَى مَنْزِلِهِ مَخَافَةَ أَنْ يَدْخُلَ الإِسْلاَمُ قَلْبَهُ فَتُسْلِمَ قُرَيْشٌ كُلُّهَا، وَأَخَذَ يَسْتَثِيرُهُ حَتَّى جَاءَ قُرَيْشاً فِي نَادِيهَا، فَقَالَ لَهُمْ إِنَّ مُحَمَّداً لَيْسَ بِمَجْنُونٍ، وَلاَ كَاهِنٍ، وَلاَ شَاعِرٍ، وَلاَ كَذَّابٍ، فَقَالُوا لَهُ: وَلَكِنْ مَا هُوَ؟ قَالَ: مَا هُوَ إِلاَّ سَاحِرٌ، أَمَا رَأَيْتُمُوهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الرَّجُلِ، وَأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَمَوَالِيهِ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَاتِ. (وَكَانَ الوَلِيدُ يُسَمَّىالوَحِيدَ لأَِنَّهُ وَحِيدٌ فِي قَوْمِهِ، لِكَثْرَةِ مَالِهِ، وَعَظِيمِ جَاهِهِ). وَمَعْنَى الآيَةِ: خَلِّ بَيْنِي وَبَيْنَ مَنْ أَخْرَجْتُهُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَحِيداً لاَ مَالَ لَهُ وَلاَ وَلَدَ. ذَرْنِي - دَعْنِي وَخَلِّنِي، وَهِيَ هُنَا لِلتَّهْدِيدِ.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً} معناه خَلقتُهُ وحدَهُ ليسَ مَعهُ مالٌ ولا ولدٌ. وهو الوَليدُ بن المُغيرة المَخزومي.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذه الآيات، نزلت في الوليد بن المغيرة، معاند الحق، والمبارز لله ولرسوله بالمحاربة والمشاقة، فذمه الله ذما لم يذمه غيره، وهذا جزاء كل من عاند الحق ونابذه، أن له الخزي في الدنيا، ولعذاب الآخرة أخزى، فقال: { ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا } أي: خلقته منفردا، بلا مال ولا أهل، ولا غيره، فلم أزل أنميه وأربيه، { وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا } أي: كثيرا { و } جعلت له { بنين } أي: ذكورا { شُهُودًا } أي: دائما حاضرين عنده، [على الدوام] يتمتع بهم، ويقضي بهم حوائجه، ويستنصر بهم. { وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا } أي: مكنته من الدنيا وأسبابها، حتى انقادت له مطالبه، وحصل على ما يشتهي ويريد، { ثُمَّ } مع هذه النعم والإمدادات { يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ } أي: يطمع أن ينال نعيم الآخرة كما نال نعيم الدنيا. { كَلا } أي: ليس الأمر كما طمع، بل هو بخلاف مقصوده ومطلوبه، وذلك لأنه { كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا } أي: معاندا، عرفها ثم أنكرها، ودعته إلى الحق فلم ينقد لها ولم يكفه أنه أعرض وتولى عنها، بل جعل يحاربها ويسعى في إبطالها، ولهذا قال عنه: { إِنَّهُ فَكَّرَ } [أي:] في نفسه { وَقَدَّرَ } ما فكر فيه، ليقول قولا يبطل به القرآن. { فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ } لأنه قدر أمرا ليس في طوره، وتسور على ما لا يناله هو و [لا] أمثاله، { ثُمَّ نَظَرَ } ما يقول، { ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ } في وجهه، وظاهره نفرة عن الحق وبغضا له، { ثُمَّ أَدْبَرَ } أي: تولى { وَاسْتَكْبَرَ } نتيجة سعيه الفكري والعملي والقولي أن قال: { إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ } أي: ما هذا كلام الله، بل كلام البشر، وليس أيضا كلام البشر الأخيار، بل كلام الفجار منهم والأشرار، من كل كاذب سحار. فتبا له، ما أبعده من الصواب، وأحراه بالخسارة والتباب!! كيف يدور في الأذهان، أو يتصوره ضمير كل إنسان، أن يكون أعلى الكلام وأعظمه، كلام الرب العظيم، الماجد الكريم، يشبه كلام المخلوقين الفقراء الناقصين؟! أم كيف يتجرأ هذا الكاذب العنيد، على وصفه كلام المبدئ المعيد. فما حقه إلا العذاب الشديد والنكال، ولهذا قال تعالى: { سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ } أي: لا تبقي من الشدة، ولا على المعذب شيئا إلا وبلغته. { لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ } أي: تلوحهم [وتصليهم] في عذابها، وتقلقهم بشدة حرها وقرها. { عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ } من الملائكة، خزنة لها، غلاظ شداد، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون. { وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلائِكَةً } وذلك لشدتهم وقوتهم. { وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا } يحتمل أن المراد: إلا لعذابهم وعقابهم في الآخرة، ولزيادة نكالهم فيها، والعذاب يسمى فتنة، [كما قال تعالى: {أية : يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ } تفسير : ] ويحتمل أن المراد: أنا ما أخبرناكم بعدتهم، إلا لنعلم من يصدق ومن يكذب، ويدل على هذا ما ذكر بعده في قوله: { لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا } فإن أهل الكتاب، إذا وافق ما عندهم وطابقه، ازداد يقينهم بالحق، والمؤمنون كلما أنزل الله آية، فآمنوا بها وصدقوا، ازداد إيمانهم، { وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ } أي: ليزول عنهم الريب والشك، وهذه مقاصد جليلة، يعتني بها أولو الألباب، وهي السعي في اليقين، وزيادة الإيمان في كل وقت، وكل مسألة من مسائل الدين، ودفع الشكوك والأوهام التي تعرض في مقابلة الحق، فجعل ما أنزله الله على رسوله محصلا لهذه الفوائد الجليلة، ومميزا للكاذبين من الصادقين، ولهذا قال: { وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } أي: شك وشبهة ونفاق. { وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا } وهذا على وجه الحيرة والشك، والكفر منهم بآيات الله، وهذا وذاك من هداية الله لمن يهديه، وإضلاله لمن يضل ولهذا قال: { كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ } فمن هداه الله، جعل ما أنزله الله على رسوله رحمة في حقه، وزيادة في إيمانه ودينه، ومن أضله، جعل ما أنزله على رسوله زيادة شقاء عليه وحيرة، وظلمة في حقه، والواجب أن يتلقى ما أخبر الله به ورسوله بالتسليم، فإنه لا يعلم جنود ربك من الملائكة وغيرهم { إلا هُوَ } فإذا كنتم جاهلين بجنوده، وأخبركم بها العليم الخبير، فعليكم أن تصدقوا خبره، من غير شك ولا ارتياب، { وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ } أي: وما هذه الموعظة والتذكار مقصودا به العبث واللعب، وإنما المقصود به أن يتذكر [به] البشر ما ينفعهم فيفعلونه، وما يضرهم فيتركونه.
همام الصنعاني
تفسير : 3384- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن رجل، عَنْ عِكْرِمة: أَنَّ الوليد بن المغيرة جاءَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقرأ عليه القرآن، فكأنَّه رق له فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه، فقال له: أيْ عم، إنَّ قَوْمَكَ يُريدُونَ أن يجمعوا لك مالاً، قال: وَلِمَ؟ ق ال: ليعطوكه، فإنك أتيت محمداً لتعرض لما قبله، قَالَ: قد عَلِمَتْ قريش أني منْ أكثرها مالاً، قال: فقل فيه قولاً يبلغ قومك أَنَّكَ مُنْكِرٌ لِمَا قَالَ، وأنك كارهٌ له، قال: وماذا أقول فيه، فوالله ما منكم رجل أعلم بالأشعارِ مني ولا أعلم برجزه، ولا بقصيدة وَلاَ بأشعار الجن مني، فوالله ما يشبه الذي يقُولُ شيئاً مِنْ هذا، والله إن لقوله الذي يَقُولُ لحَلاوة، وإن عليه لَطُلاَوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليحطم ما تحته، وإنه ليعلو ومَا يُعْلى. فقال: قد والله لا يَرْضَى عنك قومُكَ حتَّى تقُول فيه، قال: فَدَعْنِي حتَّى أفكر فيه قال: فلمَّا فكر، قال: {أية : هَـٰذَآ ... سِحْرٌ يُؤْثَرُ}تفسير : : [الآية: 24]، أيْ يأثره عن غيره، فنزلت فيه: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً}: [الآية: 11].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):