٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
62
Tafseer
الرازي
تفسير : وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن في اتصال هذه الآية بما قبلها وجهين: الأول: أن قوله: {فَكَيْفَ إِذَا أَصَـٰبَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } كلام وقع في البين، وما قبل هذه الآية متصل بما بعدها هكذا: واذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا ثم جاؤك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا، يعني أنهم في أول الأمر يصدون عنك أشد الصدود، ثم بعد ذلك يجيئونك ويحلفون بالله كذبا على أنهم ما أرادوا بذلك الصد إلا الاحسان والتوفيق، وعلى هذا التقدير يكون النظم متصلا، وتلك الآية وقعت في البين كالكلام الأجنبي، وهذا يسمى اعتراضا، وهو كقول الشاعر:شعر : إن الثمانين وبلغتها قد أحوجت سمعي إلى ترجمان تفسير : فقوله: وبلغتها، كلام أجنبي وقع في البين، إلا أن هذا الكلام الأجنبي شرطه أن يكون له من بعض الوجوه تعلق بذلك المقصود كما في هذا البيت، فان قوله: بلغتها دعاء للمخاطب وتلطف في القول معه، والآية أيضا كذلك، لأن أول الآية وآخرها في شرح قبائح المنافقين وفضائحهم وأنواع كيدهم ومكرهم، فان الآية أخبرت بأنه تعالى حكى عنهم في أول الآية أنهم يتحاكمون إلى الطاغوت مع أنهم أمروا بالكفر به، ويصدون عن الرسول مع أنهم أمروا بطاعته، فذكر بعد هذا ما يدل على شدة الأحوال عليهم بسبب هذه الأعمال السيئة في الدنيا والآخرة فقال: {فَكَيْفَ إِذَا أَصَـٰبَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } أي فكيف حال تلك الشدة وحال تلك المصيبة، فهذا تقرير هذا القول، وهو قول الحسن البصري، واختيار الواحدي من المتأخرين. الوجه الثاني: أنه كلام متصل بما قبله، وتقريره انه تعالى لما حكى عنهم في الآية المتقدمة أنهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويفرون من الرسول عليه الصلاة والسلام أشد الفرار دل ذلك على شدة نفرتهم من الحضور عند الرسول والقرب منه، فلما ذكر ذلك قال: {فَكَيْفَ إِذَا أَصَـٰبَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } يعني إذا كانت نفرتهم من الحضور عند الرسول في أوقات السلامة هكذا، فكيف يكون حالهم في شدة الغم والحسرة إذا أتوا بجناية خافوا بسببها منك، ثم جاؤك شاؤا أم أبوا ويحلفون بالله على سبيل الكذب: انا ما أردنا بتلك الجناية إلا الخير والمصلحة، والغرض من هذا الكلام بيان ان ما في قلبهم من النفرة عن الرسول لا غاية له، سواء غابوا أم حضروا، وسواء بعدوا أم قربوا، ثم انه تعالى أكد هذا المعنى بقوله: {أُولَـئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِى قُلُوبِهِمْ } والمعنى أن من أراد المبالغة في شيء قال: هذا شيء لا يعلمه إلا الله، يعني انه لكثرته وقوته لا يقدر أحد على معرفته إلا الله تعالى، ثم لما عرف الرسول عليه الصلاة والسلام شدة بغضهم ونهاية عداوتهم ونفرتهم أعلمه انه كيف يعاملهم فقال: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِى أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً } وهذا الكلام على ما قررناه منتظم حسن الاتساق لا حاجة فيه إلى شيء من الحذف والإضمار، ومن طالع كتب التفسير علم ان المتقدمين والمتأخرين كيف اضطربوا فيه والله أعلم. المسألة الثانية: ذكروا في تفسير قوله: {أَصَـٰبَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ } وجوها: الأول: أن المراد منه قتل عمر صاحبهم الذي أقر أنه لا يرضى بحكم الرسول عليه السلام، فهم جاؤا إلى النبي عليه الصلاة والسلام فطالبوا عمر بدمه وحلفوا انهم ما أرادوا بالذهاب إلى غير الرسول إلا المصلحة، وهذا اختيار الزجاج. الثاني: قال أبو علي الجبائي: المراد من هذه المصيبة ما أمر الله تعالى الرسول عليه الصلاة والسلام من أنه لا يستصحبهم في الغزوات، وانه يخصهم بمزيد الاذلال والطرد عن حضرته وهو قوله تعالى: {أية : لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ وَٱلْمُرْجِفُونَ فِى ٱلْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً * مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُواْ أُخِذُواْ وَقُتّلُواْ تَقْتِيلاً }تفسير : [الأحزاب: 60 ـ 61] وقوله: {أية : قُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا } تفسير : [التوبة: 83] وبالجملة فأمثال هذه الآيات توجب لهم الذل العظيم، فكانت معدودة في مصائبهم، وانما يصيبهم ذلك لأجل نفاقهم، وعني بقوله: {ثُمَّ جاؤك} أي وقت المصيبة يحلفون ويعتذرون أنا ما أردنا بما كان منا من مداراة الكفار الا الصلاح، وكانوا في ذلك كاذبين لانهم أضمروا خلاف ما أظهروه، ولم يريدوا بذلك الاحسان الذي هو الصلاح. الثالث: قال أبو مسلم الاصفهاني: انه تعالى لما أخبر عن المنافقين أنهم رغبوا في حكم الطاغوت وكرهوا حكم الرسول، بشر الرسول صلى الله عليه وسلم أنه ستصيبهم مصائب تلجئهم إليه، والى أن يظهروا له الايمان به والى أن يحلفوا بأن مرادهم الاحسان والتوفيق. قال: ومن عادة العرب عند التبشير والانذار أن يقولوا: كيف أنت اذا كان كذا وكذا، ومثاله قوله تعالى: {أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ } تفسير : [النساء: 41] وقوله: {أية : فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَـٰهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ } تفسير : [آل عمران: 25] ثم أمره تعالى اذا كان منهم ذلك أن يعرض عنهم ويعظهم. المسألة الثالثة: في تفسير الاحسان والتوفيق وجوه: الأول: معناه ما أردنا بالتحاكم إلى غير الرسول صلى الله عليه وسلم الا الاحسان الى خصومنا واستدامة الاتفاق والائتلاف فيما بيننا، وانما كان التحاكم إلى غير الرسول إحسانا إلى الخصوم لأنهم لو كانوا عند الرسول لما قدروا على رفع صوت عند تقرير كلامهم، ولما قدروا على التمرد من حكمه، فاذن كان التحاكم إلى غير الرسول إحسانا الى الخصوم. الثاني: أن يكون المعنى ما أردنا بالتحاكم إلى عمر إلا أنه يحسن الى صاحبنا بالحكم العدل والتوفيق بينه وبين خصمه، وما خطر ببالنا أنه يحكم بما حكم به الرسول. الثالث: أن يكون المعنى ما أردنا بالتحاكم الى غيرك يا رسول الله الا أنك لا تحكم الا بالحق المر، وغيرك يدور على التوسط ويأمر كل واحد من الخصمين بالاحسان الى الآخر، وتقريب مراده من مراد صاحبه حتى يحصل بينهما الموافقة. ثم قال تعالى: {أُولَـئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِى قُلُوبِهِمْ } والمعنى أنه لا يعلم ما في قلوبهم من النفاق والغيظ والعداوة الا الله. ثم قال تعالى: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِى أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً } واعلم أنه تعالى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعاملهم بثلاثة أشياء: الأول: قوله: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } وهذا يفيد أمرين أحدهما: أن لا يقبل منهم ذلك العذر ولا يغتر به، فان من لا يقبل عذر غيره ويستمر على سخطه قد يوصف بأنه معرض عنه غير ملتفت إليه. والثاني: أن هذا يجري مجرى أن يقول له: اكتف بالاعراض عنهم ولا تهتك سترهم، ولا تظهر لهم أنك عالم بكنه ما في بواطنهم، فان من هتك ستر عدوه وأظهر له كونه عالما بما في قلبه فربما يجرئه ذلك على أن لا يبالي باظهار العداوة فيزداد الشر، ولكن إذا تركه على حاله بقي في خوف ووجل فيقل الشر. النوع الثاني: قوله تعالى: {وَعِظْهُمْ } والمراد أنه يزجرهم عن النفاق والمكر والكيد والحسد والكذب ويخوفهم بعقاب الآخرة، كما قال تعالى: {أية : ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ } تفسير : [النحل: 125]. النوع الثالث: قوله تعالى: {وَقُل لَّهُمْ فِى أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في قوله: {فِى أَنفُسِهِمْ } وجوه: الأول: أن في الآية تقديما وتأخيرا، والتقدير: وقل لهم قولا بليغا في أنفسهم مؤثرا في قلوبهم يغتمون به اغتماما ويستشعرون منه الخوف استشعاراً. الثاني: أن يكون التقدير: وقل لهم في معنى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولا بليغا، وإن الله يعلم ما في قلوبكم فلا يغني عنكم إخفاؤه، فطهروا قلوبكم من النفاق وإلا أنزل الله بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك أو شراً من ذلك وأغلظ. الثالث: قل لهم في أنفسهم خاليا بهم ليس معهم غيرهم على سبيل السر، لأن النصحية على الملأ تقريع وفي السر محض المنفعة. المسألة الثانية: في الآية قولان: أحدهما: أن المراد بالوعظ التخويف بعقاب الآخرة، والمراد بالقول البليغ التخويف بعقاب الدنيا، وهو أن يقول لهم: إن ما في قلوبكم من النفاق والكيد معلوم عند الله، ولا فرق بينكم وبين سائر الكفار، وإنما رفع الله السيف عنكم لأنكم أظهرتم الايمان، فان واظبتم على هذه الأفعال القبيحة ظهر للكل بقاؤكم على الكفر، وحينئذ يلزمكم السيف. الثاني: أن القول البليغ صفة للوعظ، فأمر تعالى بالوعظ، ثم أمر أن يكون ذلك الوعظ بالقول البليغ، وهو أن يكون كلاما بليغا طويلا حسن الألفاظ حسن المعاني مشتملا على الترغيب والترهيب والاحذار والانذار والثواب والعقاب، فان الكلام إذا كان هكذا عظم وقعه في القلب، وإذا كان مختصرا ركيك اللفظ قليل المعنى لم يؤثر ألبتة في القلب.
القرطبي
تفسير : أي {فَكَيْفَ} يكون حالهم، أو {فَكَيْفَ} يصنعون {إِذَآ أَصَابَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ} أي مِن ترك الاستعانة بهم، وما يلحقهم من الذل في قوله: { أية : فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً } تفسير : [التوبة: 83]. وقيل: يريد قتل صاحبهم {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} وتم الكلام. ثم ٱبتدأ يُخبر عن فعلهم؛ وذلك أن عمر لما قَتَل صاحبَهم جاء قومُه يطلبون دِيتَه ويحلفون ما نريد بطلب دِيته إلاَّ الإحسان وموافقة الحقّ. وقيل: المعنى ما أردنا بالعدول عنك في المحاكمة إلاَّ التوفيق بين الخصوم، والإحسان بالتقريب في الحكم. ٱبن كَيْسان؛ عدلاً وحقاً؛ نظيرها { أية : وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ ٱلْحُسْنَىٰ } تفسير : [التوبة: 107] فقال الله تعالىٰ مكذِّباً لهم: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} قال الزجاج: معناه قد علم الله أنهم منافقون. والفائدة لنا: اعلموا أنهم منافقون. {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} قيل: عن عقابهم. وقيل: عن قبول ٱعتذارهم {وَعِظْهُمْ} أي خوّفهم. قيل في المَلأَ. {وَقُل لَّهُمْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً} أي ٱزجرهم بأبلغ الزّجر في السرّ والخلاء. الحسن: قل لهم إن أظهرتم ما في قلوبكم قَتَلتكُم. وقد بلغ القول بلاغة؛ ورجل بليغٌ يَبلغُ بلسانه كُنْه ما في قلبه. والعرب تقول: أَحْمَقُ بَلْغٌ وبِلْغٌ، أي نهاية في الحَمَاقة. وقيل: معناه يبلغ ما يريد وإن كان أَحْمَقَ. ويقال: إن قوله تعالىٰ: {فَكَيْفَ إِذَآ أَصَابَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} نزل في شأن الذين بَنَوْا مسجد الضِّرار؛ فلما أظهر الله نفاقهم، وأمرهم بهدم المسجد حلفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم دفاعاً عن أنفسهم: ما أردنا ببناء المسجد إلاَّ طاعة الله وموافقة الكتاب.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَكَيْفَ } يصنعون {إِذَا أَصَٰبَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ } عقوبة {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } من الكفر والمعاصي أي أيقدرون على الإعراض والفرار منها؟ لا {ثُمَّ جَاءوكَ } معطوف على( يصدّون) {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنْ } ما {أَرَدْنَا } بالمحاكمة إلى غيرك {إِلاَّ إِحْسَاناً } صلحاً {وَتَوْفِيقاً } تأليفاً بين الخصمين بالتقريب في الحكم دون الحمل على مُرِّ الحق.
ابن عطية
تفسير : قالت فرقة: هي في المنافقين الذين احتكموا حسب ما تقدم، فالمعنى: فكيف بهم إذا عاقبهم الله بهذه الذنوب بنقمة منه؟ ثم حلفوا إن أردنا بالاحتكام إلى الطاغوت إلا توفيق الحكم وتقريبه، دون مر الحكم وتقصي الحق، وقالت فرقة: هي في المنافقين الذين طلبوا دم الذي قتله عمر، فالمعنى: {فكيف} بهم {إذا أصابتهم مصيبة} في قتل قريبهم ومثله من نقم الله تعالى، ثم إنهم حلفوا ما أرادوا بطلب دمه {إلا إحساناً} وحقاً، نحا إليه الزجّاج، وموضع {كيف} نصب بفعل تقديره: فكيف تراهم ونحوه، ويصح أن يكون موضعها رفعاً، تقديره: فكيف صنيعهم. وقوله تعالى: {أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم} تكذيب المنافقين المتقدم ذكرهم وتوعدهم، أي فهو مجازيهم بما يعلم، و {أعرض عنهم} يعني عن معاقبتهم، وعن شغل البال بهم، وعن قبول أيمانهم الكاذبة في قوله {يحلفون} وليس بالإعراض الذي هو القطيعة والهجر، فإن قوله: {وعظهم} يمنع من ذلك، {وعظهم} معناه بالتخويف من عذاب الله، وغيره من المواعظ، والقول البليغ اختلف فيه، فقيل: هو الزجر والردع والكف بالبلاغة من القول، وقيل: هو التوعد بالقتل إن استداموا حالة النفاق، قاله الحسن، وهذا أبلغ ما يكون في نفوسهم، والبلاغة: مأخوذة من بلوغ المراد بالقول، وحكي عن مجاهد أن قوله: {في أنفسهم} ، متعلق بقوله: {مصيبة} وهو مؤخر بمعنى التقديم، وهذا ضعيف. وقوله تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله} تنبيه على جلالة الرسل، أي: فأنت يا محمد منهم، تجب طاعتك وتتعين إجابة الدعوة إليك، و {ليطاع} ، نصب بلام كي، و {بإذن الله} معناه بأمر الله، وحسنت العبارة بالإذن، إذ بنفس الإرسال تجب طاعته وإن لم ينص أمر بذلك، ويصح تعلق الباء من قوله {بإذن} بـ {أرسلنا} ، والمعنى وما أرسلنا بأمر الله أي بشريعته وعبادته من رسول إلا ليطاع، والأظهر تعلقه بـ "يطاع" والمعنى: وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بأمر الله بطاعته. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وعلى التعليقين فالكلام عام اللفظ خاص المعنى، لأنا نقطع أن الله تبارك وتعالى قد أراد من بعض خلقه ألا يطيعوا، ولذلك خرجت طائفة معنى الإذن إلى العلم، وطائفة خرجته إلى الإرشاد لقوم دون قوم، وهذا تخريج حسن، لأن الله إذا علم من أحد أنه يؤمن ووفقه لذلك فكأنه أذن له فيه، وحقيقة الإذن: التمكين مع العلم بقدر ما مكن منه، وقوله تعالى: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم} الآية، معناه: بالمعصية والنفاق، ونقصها حظها من الإيمان و {استغفروا الله} معناه: طلبوا مغفرته، وتابوا إليه رجعوا، و {تواباً} : معناه راجعاً بعباده.
ابن عبد السلام
تفسير : {مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} لما قتل عمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ منافقاً لم يرض بحكم الرسول صلى الله عليه وسلم جاء إخوانه المنافقون يطلبون دمه، يقولون ما أردنا بطلب دمه إلا إحساناً إلينا، وما يوافق الحق في أمرنا، فنزلت، أو اعتذروا في عدولهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم بأنهم أرادوا التوفيق بين الخصوم بتقريب في الحكم دون الحمل على مُر الحق. فنزلت....
ابن عادل
تفسير : في اتَّصال هذه الآيةِ بما قَبْلَهَا وَجْهَان: الأوَّل أنه اْعْتِرَاضٌ، وما قَبْلَ الآية مُتَّصلٌ بما بَعْدَهَا، والتَّقْدير: وإذا قيل لَهمُ: تعالَوْا إلى ما أنْزل اللَّهُ وإلى الرَّسُول رَأيْتَ المُنَافِقين يَصُدون عَنْك صُدُوداً، ثُمَّ جاءُوك يَحْلِفُون باللَّهِ إن أردْنَا إلاَّ إحساناً وتوْفِيقاً، يعني: أنَّهُم في أوَّلِ الأمْر يصُدُّون عنك، ثم بَعْدَ ذلك يَجيئُونَك، ويَحْلِفُون باللَّهِ كَذِباً أنَّهُم ما أرَادُوا بِذَلِكَ إلا الإحْسَانَ والتَّوْفِيق، وشرط الاعتراضِ أن يَكُونَ لَهُ تَعَلُّق بذلك الكلامِ من بَعْضِ الوُجُوه؛ كقوله: [السريع] شعر : 1818- إنَّ الثَّمَانِينَ وَبُلِّغْتَهَا قَدْ أحْوَجَتْ سَمْعِي إلى تَرْجُمَانْ تفسير : فقوله: "وبُلِّغْتَهَا" [كلامٌ] أجْنَبِيٌّ اعْتُرِض به، لكنه دُعَاء للمُخَاطَبِ، وتَلَطُّفٌ في القَوْلِ مَعَهُ، وكذلك الآية؛ لأن أوّل الآيةِ وآخِرَهَا في شَرْحِ قبائِح المُنافقِين وكَيْدهم ومَكْرهم، فإنه - تعالى - حكى عنهم أنَّهُم يَتَحَاكمُون إلى الطَّاغُوتِ، مع أنَّهم أمِرُوا بالكُفْرِ به، ويَصُدُّون عن الرَّسُول، مع أنَّهم أمِرُوا بطاعته، فذكر هُنَا ما يَدُلُّ على شِدَّة الأهْوَالِ عَلَيْهِم؛ بِسَبب هذه الأعْمَال القَبِيحَة في الدُّنْيَا والآخِرَةِ، فقال: {فَكَيْفَ إِذَآ أَصَابَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} أي: فَكَيْفَ حالُ تِلْك الشِّدَّةِ وحَالُ تِلْك المُصِيبَةِ، قاله الحسن البَصْرِيّ، وهو اخْتِيَار الوَاحِدِيّ. الثاني: أنه - تعالى - لما حَكَى عنهُم تحاكُمَهُم إلى الطَّاغُوت، وفِرارِهم من الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام - دلَّ ذلك على شِدَّة نَفْرتهم من الحُضُورِ عند رسُول اللَّهِ والقُرْبِ مِنْهُ، فلمَّا ذكر ذَلِكَ، قال: {فَكَيْفَ إِذَآ أَصَابَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} يَعْني: إذا كانَت نَفْرتُهُم من الحُضُورِ عند الرسول في أوْقَاتِ السَّلامةِ هكذا، فكَيْفَ يكُون حَالُهُم في النُّفْرَة في شِدَّة الغمِّ والحُزْن، إذا أتَوُا بجنَايَةٍ خافُوا بسَبَبِها مِنْك، ثم جَاءُوك شَاءُوا أم أبَوْا، ويَحْلِفُونَ باللَّه كَذِباً ما أردْنا بتلك الجِنَايَة إلاَّ الخَيْر والمَصْلَحَة، والغَرَضُ من هَذا الكلامِ: بَيَانُ أنَّ نَفرتَهُم عن الرَّسُول لا غاية لَهَا سواءٌ غابُوا أم حَضَرُوا، ثم إنه - تعالى - أكَّدَ هذا المَعْنَى بقوله: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} ومعناه: أنَّ من أرادَ المُبَالَغَة في شَيْءٍ، قال: هذا شَيْءٌ لا يَعْلَمُهُ إلا اللَّه يعني: لكَثْرَتهِ وقُوَّتِه لا يقْدرِ أحَدٌ على مَعْرَفَتهِ إلا اللَّه - [تعالى] -. قوله: {فَكَيْفَ} يجوز فيها وَجْهَان: أحدهما: أنَّها في مَحَلِّ نَصْبٍ، وهو قول الزَّجَّاج؛ قال: تقديره: فكَيْفَ تَرَاهُم؟ والثاني: أنها في مَحَلِّ رفع خبرٍ لمُبْتَدأ مَحْذُوف، أي: فكيْف صنيعُهُم في وَقتِ إصَابَة المُصِيبَةِ إيَّاهُم؛ وإذا مَعْمُولَةٌ لذلك المُقَدَّر بَعْد كَيْف، والبَاءُ في "بِهَا" للسَّببيَّة، و"مَا" يجوز أن تكون مَصْدَرِيَّة أو اسْمِيَّة، والعَائدُ مَحْذُوف. فصل في المقصُود بالمُصِيبَة في الآية قال الزَّجَّاج: [المراد] بالمُصِيبَة: قَتْل صَاحِبهم الَّذِي أقَرَّ أنَّه لا يَرْضَى بِحُكْم الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام -، جَاءُوا إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم وطالَبُوا عُمَر بِهِ، وحَلَفُوا أنَّهُم ما أرَادُوا بالذَّهَاب إلى غير الرَّسُول إلا الخَيْرَ والمَصْلَحة. وقال الجُبَّائِيُّ: المُراد بـ "المصيبة" هُنَا: ما أمر اللَّهُ - تعالى - نَبِيَّهُ من أنَّه لا يَسْتَصحبهُم في الغَزَوات، وأنَّه يَخُصُّهم بمزيد الإذْلاَل والطَّرْدِ عن حَضْرتِهِ، وهو قوله -تعالى -: {أية : لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ} تفسير : [الأحزاب: 60]، إلى قوله: {أية : وَقُتِّلُواْ تَقْتِيلاً} تفسير : [الأحزاب: 61]، وقوله: {أية : لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً} تفسير : [التوبة: 83]، وهذا يُوجِب لَهُم الذُّلَّ العَظيم، وإنما أصَابَهُم ذلك لأجْلِ نفاقهم. وقوله: "ثم جاءوك" أي: وقْتَ المُصِيبَةِ يحلفون ويعْتَذِرُون، وأنَّا ما أرَدْنَا بما كان مِنَّا إلا الإصْلاحَ، وكانوا كَاذِبين؛ لأنَّهُم أضْمَرُوا خِلاف ما أظْهَرُوهُ. وقال أبو مُسْلِم: إنه - تعالى - لمَّا أخْبَر عن المُنَافِقِين، ورغبتهم في حُكْمِ الطَّاغُوتِ، وكَراهتهم في حُكْمِ الرَّسُولِ - عليه الصلاة والسلام - أنه سَيُصيبُهم مَصَائِب تُلْجِئُهم إلَيْه وإلى أَن يُظْهِرُوا الإيمَانَ لَهُ، ويَحْلِفُون أنَّ مُرَادَهُم الإحْسَان والتَّوفِيق، قال: ومن عَادَةِ العَرَبِ عند التَّبشير والإنْذَارِ أن يقُولُوا: كيف أنت إذا كان كَذَا وكَذا؛ ومثله قولُه - تعالى -: {أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ} تفسير : [النساء: 41] وقوله: {أية : فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ} تفسير : [آل عمران: 25]، ثم أمرهُ - تعالى - إذا كان مِنْهمُ ذلِك، أن يُعْرِضَ عَنْهُم ويَعظُهم. وقال غيره: المراد بـ "المصيبة": كُلُّ مُصِيبةٍ تُصيبُ المُنَافِقِين في الدُّنْيَا والآخِرَةِ. قال القُرْطُبِيّ: وقيل: إن قوله - تعالى -: {فَكَيْفَ إِذَآ أَصَابَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} نزل في شَأنِ الذين بَنَوْا مَسْجِد الضِّرار، فلما أظهر اللَّهُ - تعالى - نِفَاقَهُم، وأمرهم بهَدْمِ المَسْجِد - حَلَفُوا للرَّسُول صلى الله عليه وسلم دِفَاعاً عن أنْفُسهم: ما أردنا بِبِنَاء المَسْجِد إلاَّ طاعة اللَّه ومُوافَقَةِ الكِتَابِ. قوله: "يحلفون" حالٌ من فَاعِل جَاءُوك، و "إن" نافية، أي: ما أردْنَا و "إحساناً" مَفْعُول به، أو اسْتِثْنَاء على حَسَبِ القوْلَيْن في المسْألة. فصل في تفسير الإحسان والمراد بـ "الإحسان" قيل: ما أرَدْنَا بالتَّحاكُم إلى غَيْرِ الرَّسُول إلاَّ الإحْسَان إلى خُصُومِنَا، واستِدَامة الاتِّفَاق والائتِلاف بَيْنَنَا. وقيل: ما أرَدْنَا بالتَّحَاكُم إلى عُمَر، إلا أنَّهُ يُحْسِنُ إلى صَاحِبنَا بالحُكْمِ والعَدْلِ، والتَّوْفيقِ بينَهُ وبين خَصْمِهِ، وما خَطَر بِبَالِنَا أنَّه يَحْكُمُ لهُ بِمَا حَكَمَ. وقيلَ: ما أرَدْنَا بالتَّحَاكُم إلى غَيْرك، إلا أنَّك لا تَحْكُمُ إلاَّ بالحقِ، وغَيْرُك يُوَفَّقُ بين الخَصْمَيْن، ويأمُرُ كُلَّ واحدٍ بما ذَكَرْنَا ويقرب مراده من مُرَادِ صَاحِبهِ حتى تَحْصُل المُوافَقَة بَيْنَهُمَا. وقال الكَلْبي: "إلا إحساناً" في القَوْل "وتوفيقاً" صواباً. وقال ابن كَيْسان: حقَّا وعَدْلاً؛ نظيرُه: {أية : وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ ٱلْحُسْنَىٰ} تفسير : [التوبة: 107]، وقيل: هو تَقْرِيبُ الأمْر من الحقِّ، لا القَضَاءُ على أمْرِ الحُكم. ثم قال: {أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم} أي: من النِّفَاقِ والغَيْظِ والعَدَاوة. ثم قال: "فأعرض عنهم" وهذا يُفيدُ أمْرَيِن: الأوّل: أن لا يَقْبَل مِنْهُم العَذْر ويَصْبِر على سُخْطِهِ، فإن مَنْ لا يَقْبَلُ العُذْرَ فقد يُوصَفُ بأنه مُعْرِضٌ عَنْه، غير مُلْتَفِت إليه. الثاني: أن هذا يَجْرِي مُجْرَى قوله: اكْتَفِ بالإعْرَاضِ ولا تَهْتِك سَتْرَهُم، ولا تُظْهِر لَهُم علمك بما في بَوَاطِنهم، فإنَّ من هَتَكَ سَتْر عُدُوِّه وأَظهر عِلْمَه بما في قَلْبِهِ، فربما يُجَرِّئُهُ ألاَّ يُبَالِي بإظْهَارِ العَدَاوَة، فَيَزْدَاد الشَّرُّ، وإذا تركَهُ على حَالِهِ، بَقِيَ في خَوْف ووجَلٍ فَيَقِلُّ الشَّرُّ. ثم قال: "وعظهم" أي: ازجرهم عن النِّفَاقِ والمكْرِ والمكيدَة والحَسَد والكَذِبِ، وخَوِّفْهُم بعقاب اللَّه - تعالى - في الآخِرَةِ، كما قال - تعالى -: {أية : ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ} تفسير : [النحل: 125]. ثم قال - تعالى -: {فقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً}. قوله تعالى: "في أنفسهم" فيه أوجه: الأول: أن يتعلّق بـ "قل"، وفيه معنيان: الأوّل: قُلْ لهم خالياً لا يكُونُ معهم أحد؛ لأن ذلك أدعى إلى قبول النصيحة. الثاني: قل لهم في معنى أنفسهم المنطوية على النفاق قولاً يبلغ بهم ما يزجرهم عن العود إلى النفاق. الثالث من الأوجه: أن يتعلق بـ "بليغاً"، أي قولاً مؤثراً في قلوبهم يغتمون به اغتماماً، ويستشعرون به استشعاراً. قال معناه الزمخشري، ورد عليه أبو حيان بأن هذا مَذْهَبُ الكُوفيين؛ إذ فيه تقدِيم مَعْمُول الصِّفَةِ على المَوْصُوف، لو قُلْت: "جَاء زَيْداً رجلٌ يَضْرِبُ"، لم يَجُزْ عند البَصْريين لأنه لا يتقدم المعْمُول إلا حَيْثُ يَجُوزُ تَقْدِيم العَامِل، والعَامِلُ هُنَا لا يجوزُ تَقْدِيمُه؛ لأن الصِّفَة لا تَتَقَدَّم على المَوْصُوف، والكُوفِيُّون يُجِيزُون تَقْديم مَعْمُول الصِّفَة على الموصُوف، وأمَّا قَوْل البَصْريَّين: إنه لا يَتَقدَّم المَعْمُول إلا حَيْثُ يَتَقدَّم العَامِل فيه بَحْثٌ؛ وذلك أنَّا وجدْنا هذه القَاعِدَة مُنْخَرمَة في نَحْوِ قوله: {أية : فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ} تفسير : [الضحى: 9، 10] فـ "اليتيم" مَعْمُول لـ "تقهر" و"السائل" مَعْمُول لـ "تنهر"، وقد تقدَّمَا على "لاَ" النَّاهِيَة والعَامِل فيهما لا يجوزُ تَقْدِيمُه عليهما؛ إذا المجْزُوم لا يتَقَدَّم على جَازِمِه، فقد تَقَدَّم المَعْمُول حيث لا يَتَقَدَّم العَامِل. وكذلك قَالُوا في قوله: [الطويل] شعر : 1819- قنَافِذُ هَدَّاجُونَ حَوْلَ بُيُوتِهِمْ بِمَا كَانَ إيَّاهُمْ عَطِيَّةُ عَوَّدَا تفسير : خَرَّجوا هذا البَيْتَ على أنَّ في "كان" ضَمِيرَ الشَّأنِ، و"عَطِيَّة" مبْتَدأ و"عَوَّدَ" خبره حتى لا يلي "كان" معْمُول خَبَرها، وهو غير ظَرْفٍ ولا شِبْهُه، فَلَزمَهُم من ذِلك تَقْديم المَعْمُول، وهو "إيَّاهُم" حيث لا يَتَقَدَّم العَامِل؛ لأن الخَبَر مَتَى كَانَ فِعْلاً رافعاً لضمِيرٍ مُسْتَتِرٍ، امْتَنَع تَقْدِيمه على المُبْتَدأ، لئلا يَلْتبس بالفَاعِلِ، نحو: زَيْد ضَرَب عَمْراً، وأصل مَنْشَأ هذا البَحْث تَقْدِيم خَبَر "لَيْس" عليها، أجازه الجُمْهُور؛ لقوله - تعالى -: {أية : أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ} تفسير : [هود: 8] ووجه الدَّليل أن "يَوْم" مَعْمُولٌ لـ "مصروفاً" وقد تَقَدَّم على "لَيْسَ"، وتقديم المَعْمُول يؤذِنُ بتقديم العَامِلِ، فعورضوا بما ذَكَرْنَا. فصل في تفسير القول البليغ قيل المراد بـ "القَوْل البَلِيغ": التَّخْوِيف باللَّه - عزَّ وجَلَّ -، وقيل: تَوعَّدَهُم بالقَتْل إن لم يَتُوبُوا. وقال الحَسَن: القَوْلُ البَلِيغُ أن يَقُول لَهُم: إن أظْهَرْتم ما في قُلُوبكُم من النِّفَاقِ، قُتِلْتُم؛ لأنه يَبْلُغ في نُفُوسِهِم كُلَّ مَبْلَغٍ. وقال الضَّحَّاك: "فأعرضْ عَنْهُم وعِظْهُم" في المَلأ [الأعْلى]، {وقل لهم في أنفسهم قولا بليغاً} في السِّرِّ والخَلاَء. وقيل: هذا مَنْسُوخٌ بآيةِ القِتَالِ.
السلمي
تفسير : قوله عز زجل: {فَكَيْفَ إِذَآ أَصَابَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} [الآية: 62]. قيل: أعظم المصائب اشتغالك عن الله عز وجل، وأعظم الغنائم اشتغالك بالله تعالى. وقيل: المصائب كثيرة وأجَلُّ المصائب ذهاب وقتك عنك بلا فائدة. وقال أبو الحسين الوراق رحمه الله: أعظم المصائب سقوط الحرمة من قلبك ونزع الحياء من وجهك ونقل السنن عن جوارحك.
القشيري
تفسير : تَضَرُّعُ غير المخلص عند هجوم الضُّر لا أصل له، فلا ينبغي أن يكون به اعتبار لأن بقاءه إلى زوال المحنة، والمصيبة العظمى ترك المبالاة (بما يحصل من التقصير). ويقال من المصيبة أن يمحقك وقتك فيما لا يجدي عليك.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {فَكَيْفَ إِذَآ أَصَابَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} المصيبة التى اصابتهم هى جزاء انكارهم على النبى واصحابه ومصيبتهم احتجابهم بانفسهم عن بلوغهم الى مقام الولاية والمعرفة واعظم المصائب عند القوم الا تقطاع عن الله والتحير عن وجدان السبيل اليه قيل اعظم المصائب اشتغالك عن الله واعظم الغنائم اشتغالك بالله قال ابو الحسين الوراق اعظم المصائب سقوط الحرمة من قلبك ونزع الحياء من وجهك وثقل السنن على جوارحك.
اسماعيل حقي
تفسير : {فكيف} يكون حالهم وكيف يصنعون يعنى انهم يعجزون عند ذلك فلا يصدرون امرا ولا يوردونه {اذا اصابتهم مصيبة} اى وقت اصابة المصيبة اياهم بافتضاحهم بظهور نفاقهم {بما قدمت ايديهم} بسبب ما عملوا من الجنايات التى من جملتها التحاكم الى الطاغوت وعدم الرضى بحكم الرسول {ثم جاؤك} للاعتذار عما صنعوا من القبائح وهو عطف على اصابتهم {يحلفون بالله} حال من فاعل جاؤك {ان اردنا الا احسانا وتوفيقا} اى ما اردنا بتحاكمنا الى غيرك الا الفصل بالوجه الحسن والتوفيق بين الخصمين ولم نرد مخالفة لك ولا سخطا لحكمك فلا تؤاخذنا بما فعلنا وهذا وعيد لهم على ما فعلوا وانهم سيندمون عليه حين لا ينفعهم الندم ولا يغنى عنهم الاعتذار.
الطوسي
تفسير : الاعراب: قيل في موضع كيف من الاعراب قولان: أحدهما - انه رفع بتقدير: فكيف صنيعهم إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم، كأنه قال الاساءة صنيعهم بالجرأة في كذبهم أم الاحسان بالتوبة من جرمهم. والثاني - انه نصب وتقديره: كيف يكونون أمصرين أم تائبين يكونون؟ ويجوز الرفع على معنى كيف بك. كأنه قال أصلاح أم فساد؟ المعنى: وقيل في معنى المصيبة في الآية قولان: أحدهما - ذكره الزجاج: ان بعض المنافقين أظهر أنه لا يرضى بحكم رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فقتله عمر، ثم جاء إخوانه من المنافقين يطالبون بدمه {يحلفون بالله إن أردنا إلا إحساناً وتوفيقاً} كذباً وزوراً. الثاني - ان أصابتهم نقمة من الله لم ينيبوا تائبين من المعصية بل يزدادون جرأة بحلفهم كاذبين بالله عز وجل. وقال الحسين بن علي المغربي: الآية نزلت في عبد الله بن أبي وما أصابه من الذل عند مرجعهم من غزوة بني المصطلق هي غزوة المريسيع حين نزلت سورة المنافقين، فاضطر إلى الخشوع والاعتذار، وذلك مذكور في تفسير سورة المنافقين أو مصيبة الموت لما تضرع إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في الاقالة والاستغفار واستوهبه ثوبه، ليتقي به النار يقولون: ما أردنا إلا إحساناً وتوفيقاً أي بكلامه بين الفريقين المتازعين في غزوة بني المصطلق. وقوله: {فأعرض عنهم} يأساً منهم {وعظهم} ايجاباً للحجة عليهم {وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً} فيه دلالة على فضل البلاغة وحث على اعتمادها. وقوله: {إن أردنا إلا إحساناً أردنا وتوفيقاً} معناه قيل فيه قولان: أحدهما - أي ما اردنا بالمطالبة بدم صاحبنا إلا احسانا إلينا، وما وافق الحق في أمرنا. الثاني - ما أردنا بالعدول عنك في المحاكمة توفيقاً بين الخصوم، واحسانا بالتقريب في الحكم دون الحمل على مرّ الحق. كل ذلك كذب منهم وافك. ان قيل كيف يقتضي الانتقام منهم الاعتذار لما سلف من جرمهم؟ قلنا: عنه جوابان: أحدهما - للتقريع بتعجيل العقاب على ما ارتكبوا من الاثام. الثاني - ان الانتقام قد يكون اقصاء النبي (صلى الله عليه وسلم) واذلاله إياهم، وتخويفه بالنفي أو القتل ان لم ينتهوا عن قبائحهم - هذا قول الجبائي - والحلف: القسم. ومنه الحلف، لتحالفهم فيه على الامر. وحليف الجود ونحوه، لأنه كالحلف في اللزوم، أو حلف الغلام إذا قارب البلوغ.
الجنابذي
تفسير : {فَكَيْفَ} حالك معهم {إِذَآ أَصَابَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ} عقوبة من الله {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ} للاعتذار كذباً {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَاناً} بك وبامّتك {وَتَوْفِيقاً} بينهم.
الهواري
تفسير : قوله: {فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ}. قال الحسن: هذا كلام منقطع عما قبله وعما بعده. يقول: إذا أصابتهم مصيبة، يعني إن تباينوا بنفاقهم فيقتلهم رسول الله. وفيه إضمار. والإِضمار الذي فيه: يقول: إذا أصابتهم مصيبة لم ينجهم منها ولم يغثهم. ثم رجع إلى الكلام الأول، إلى قوله: {يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً} {ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً} [أي إن أردنا إلا الخير]. قال الله: {أُولَئِكَ الذِينَ يَعْلَمُ اللهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} أي من النفاق {فأَعْرِضْ عَنْهُمْ} ولا تقتلهم ما أظهروا لك الإِقرار بدينك والتصديق لقولك. قال: {وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قُوْلاً بَلِيغاً}. يعني يقول لهم: إن باينتم بنفاقكم قتلتكم؛ فهذا القول البليغ. قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ}. قال مجاهد: أوجب الله لهم، يعني الرسل، أن يطيعهم من شاء الله [من الناس، ثم أخبر أنه] لا يطيعهم أحد إلا بإذن الله. قوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَّحِيماً}. قال الحسن: حديث : إن اثني عشر رجلاً من المنافقين اجتمعوا على أمر من النفاق، وائتمروا به فيما بينهم، فأتى جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك. وقد دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم [فقال رسول الله]:إن اثني عشر رجلاً من المنافقين قد أجمعوا على أمر من النفاق، فليقم أولئك، فليستغفروا ربهم، وليعترفوا بذنوبهم حتى أشفع لهم. فجعلوا لا يقومون؛ فقال رسول الله: ألا يقومون؟ ألا يقومون؟ مراراً، ثم قال: قم يا فلان، وأنت يا فلان، وأنت يا فلان. فقالوا: يا رسول الله، نحن نستغفر رسول الله، ونتوب إليه، فاشفع لنا. فقال: آلآن؟ لأنا كنت أول مرة أطيب نفساً بالشفاعة، وكان الله أسرع بالإِجابة، اخرجوا عني، فأخرجهم من عنده حتى لم يرهم .
اطفيش
تفسير : {فَكَيفَ إِذَا أَصَابَتهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمت أَيدِيهِم}: كيف خبر لكون محذوف، أى كيف يكون حالهم أو حال لمحذوف، أى كيف تراهم، أو كيف يصنعون، أو كيف يحتالون، أو خبر لمحذوف، أى كيف حالهم، أو كيف صنعهم، أو كيف صفتهم، والمصيبة ما يصيبهم من عذاب الله في الدنيا أو فى الآخرة، أو قتل ذلك المنافق، لأنه ولو مضى لكن يجوز أن نزله الله جل وعلا منزلة المستقبل الذى يراقب كل المراقبة لتدرك حاله ما يكون به، أو نزل حال يزول الآية منزلة ما قبل قتله، والباء للسببية، أى لما فعلوا من التحاكم الى غيرك أولا وعدم الرضا بحكمك قبل الحكم وبعده ثانيا، وفى الآية اطلاق المصيبة على ما يصيب الكافر، فلا تختص بالمؤمن، ويناسب ما قيل: ان المصيبة قتل ذلك المنافق قوله: {ثُمَّ جَآءُوكَ يَحلِفُونَ باللهِ}: بعد قتله. {إِن أَردَنَا}: بتحاكمنا الى عمر بعدك، وقيل: الى غيرك قبل أن تحكم وبعده. {إلا إحسَانًا}: بين الخصمين. {وَتَوفِيقًا}، بينهما بالصلح، ولم نرد مخالفة حكمك، فانه قيل: جاء أولياء المنافق الذى قتله عمر يطلبون ديته وقالوا: ما أردنا بالتحاكم الى عمر الا أن يحسن الى صاحبنا فى حكمه، فيوفق بينه وبين خصمه، وما خطر ببالنا أن يحكم بقتله، وطلبوا ديته، والله عز وجل هدرها، والعطف بثم على: أصابتهم مصيبة، وقيل على: يصدون، ويحلفون حال من واو جاءوك.
اطفيش
تفسير : {فَكَيْفَ} حالهم أو صفتهم، أيصبرون أو يقدرون على الفرار {إذَآ أَصَابَهُم مُّصِيبَةٌ} كقتل عمر رضى الله عنه بشر المنافق، ونقمة الله دنيا {بِمَآ قَدَّمَتْ أَيْديِهِمْ} من المعاصى والنفاق وإطلاع اليهود على السر {ثُمَّ جَآءُوكَ} اعتذاراً {يَحْلِفُونَ بِاللهِ} يجىء المصاب الحى أو من يليه أو يجىء من يلى الميت الذى مات بتلك المصيبة {إنْ أَرَدْنَآ} بما قلنا أو فعلنا {إلآ إحْسَاناً} إلى الخصم بالصلح، أو إليك يا رسول الله {وَتَوْفِيقاً} تأليفاً بين الخصمين، أو بينكم وبين عدوكم من المشركين، كما جاء أصحاب الذى قتله عمر طالبين ذمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: ما أردنا بالتحاكم إلى عمر إلا أن يحسن إلى صاحبنا ويوفق بينه وبين خصمه دون الحمل على مر الحق الذى هو عادتك بلا تساهل.
الالوسي
تفسير : {فَكَيْفَ} يكون حالهم {إِذَا أَصَـٰبَتْهُمْ} نالتهم {مُّصِيبَةٌ} نكبة تظهر نفاقهم {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} أي بسبب ما عملوا من الجنايات كالتحاكم إلى الطاغوت والإعراض عن حكمك {ثُمَّ جَاءوكَ} للاعتذار وهو عطف على {أَصَـٰبَتْهُمْ} والمراد تهويل ما (دهاهم)، وقيل: على {أية : يَصِدُّونَ} تفسير : [النساء: 61] وما بينهما اعتراض {يَحْلِفُونَ} حال من فاعل {جَاءوكَ} أي حالفين لك {بِٱللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا} أي ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك {إِلاَّ إِحْسَـٰناً} إلى الخصوم {وَتَوْفِيقاً} بينهم ولم نرد بالمرافعة إلى غيرك عدم الرضا بحكمك فلا تؤاخذنا بما فعلنا، وهذا وعيد لهم على ما فعلوا وأنهم سيندمون حين لا ينفعهم الندم، ويعتذرون ولا يغني عنهم الاعتذار، وقيل: جاء أصحاب القتيل طالبين بدمه وقالوا: إن أردنا بالتحاكم إلى عمر رضي الله تعالى عنه إلا أن يحسن إلى صاحبنا ويوفق بينه وبين خصمه ـ فإذا ـ على هذا لمجرد الظرفية دون الاستقبال. وقيل: المعنّي بالآية عبد الله بن أبـيّ والمصيبة ما أصابه وأصحابه من الذل برجوعهم من غزوة بني المصطلق ـ وهي غزوة مريسيع ـ حين نزلت سورة المنافقين فاضطروا إلى الخشوع والاعتذار على ما سيذكر في محله إن شاء الله تعالى. وقالوا: ما أردنا بالكلام بين الفريقين المتنازعين في تلك الغزوة إلا الخير، أو مصيبة الموت لما تضرع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإقالة والاستغفار واستوهبه ثوبه ليتقي به النار.
ابن عاشور
تفسير : تفريع على قوله: {أية : وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول}تفسير : [النساء: 61] الآية، لأنّ الصدود عن ذلك يوجب غضب الله عليهم، فيوشك أن يصيبهم الله بمصيبة من غير فعل أحد، مثل انكشاف حالهم للمؤمنين فيعرفوا بالكفر فيصبحوا مهدّدين، أو مصيبة من أمر الله رسوله والمؤمنين بأن يظهروا لهم العداوة وأن يقتلوهم لنفاقهم فيجيئوا يعتذرون بأنّهم ما أرادوا بالتحاكم إلى أهل الطاغوت إلاّ قصد الإحسان إليهم وتأليفهم إلى الإيمان والتوفيق بينهم وبين المؤمنين. وهذا وعيد لهم لأنّ {إذا} للمستقبل، فالفعلان بعدها: وهما {أصابتهم} و{جاؤوك} مستقبلان، وهو مثل قوله: «لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينّك بهم ثمّ لا يجاورونك فيها إلاّ قليلاً ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلاً». و{كَيْفَ} خبر مبتدأ محذوف معلوم من سياق الكلام: أي كيف حالهم حين تصيبهم مصيبة بسبب ما فعلوا فيجيئونك معتذرين. والاستفهام مستعمل في التهويل، كما تقدّم القول فيه في قوله تعالى آنفاً: {فكيف إذا جئنا من كلّ أمة بشهيد}. وتركيب «كيف بك» يقال إذا أريدت بشارة أو وعيد تعجيباً أو تهويلاً. فمن الأوّل قول النبي صلى الله عليه وسلم لسُراقة بن مالك: «كيْف بك إذ لبست سِوارَيْ كسرى» بشارة بأنّ سواري كسرى سيقعان بيد جيش المسلمين، فلمّا أتي بسواري كسرى في غنائم فتح فارس ألبسهما عُمَرُ بن الخطاب سُراقَةَ بن مالك تحقيقاً لمعجزة النبي صلى الله عليه وسلم. ومن الثاني قوله تعالى: {أية : فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه}تفسير : [آل عمران: 25] وقد جمع الأمرين قوله تعالى: {أية : فكيف إذا جئنا من كلّ أمّة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً}تفسير : [النساء: 41] الآية. وقوله: {أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم} جاء باسم الإشارة لتمييزهم للسامعين أكمل تمييز، لأنّهم قد حصل من ذكر صفاتهم مَا جعلهم كالمشاهدين، وأراد بما في قلوبهم الكفر الذي أبطنوه وأمر رسوله بالإعراض عنهم. وحقيقة الإعراض عدم الالتفات إلى الشيء بقصد التباعد عنه، مشتقّ من العُرْض ــــ بضم العين ــــ وهوَ الجانب، فلعلّ أصل الهمزة في فعل أعرض للدخول في الشيء، أي دخل في عرض المكان، أو الهمزة للصيرورة، أي صار ذا عرض، أي جانب، أي أظهر جانبه لغيره، ولم يُظهر له وجهَه، ثم استعمل استعمالاً شائعاً في التَّرك والإمساك عن المخالطة والمحادثة، لأنّه يتضمّن الإعراض غالباً، يقال: أعرض عنه كما يقال: صدّ عنه، كقوله تعالى: {أية : وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتّى يخوضوا في حديث غيره}تفسير : [الأنعام: 68] ولذلك كثر هذا اللفظ في أشعار المتيَّمين رديفاً للصدود، وهذا أقرب المعاني إلى المعنى الحقيقي، فهو مجاز مرسل بعلاقة اللزوم، وقد شاع ذلك في الكلام ثمّ أطلق على العفو وعدم المؤاخذة بتشبيه حالة من يعفو بحالة من لا يلتفت إلى الشيء فيوليه عُرض وجهه، كما استعمل صَفَح في هذا المعنى مشتقّاً من صفحة الوجه، أي جانبه، وهو أبعد عن المعنى الحقيقي من الأوّل لأنّه مبني على التشبيه. والوعظ: الأمر بفعل الخير وترك الشرّ بطريقة فيها تخويف وترقيق يحملان على الامتثال، والاسم منه الموعظة، وتقدّم آنفاً عند قوله تعالى: {أية : إنّ الله نعمّا يعظكم به} تفسير : [النساء: 58]. فهذا الإعراض إعراض صفح أو إعراض عدم الحزن من صدودهم عنك، أي لا تهتمّ بصدودهم، فإنّ الله مجازيهم، بدليل قوله: {وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً}، وذلك إبلاغ لهم في المعذرة، ورجاء لصلاح حالهم،. شأن الناصح الساعي بكلّ وسيلة إلى الإرشاد والهدى. والبليغ فعيل بمعنى بالغ بلوغاً شديداً بقوّة، أي: بالغاً إلى نفوسهم متغلغلاً فيها. وقوله: {في أنفسهم} يجوز أن يتعلّق بقوله بليغاً، وإنّما قدّم المجرور للاهتمام بإصلاح أنفسهم مع الرعاية على الفاصلة، ويجوز أن يتعلق بفعل {قل لهم}، أي قل لهم قولاً في شأن أنفسهم، فظرفية (في) ظرفية مجازية، شبّهت أنفسهم بظرف للقول.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَصَابَتْهُمْ} {إِحْسَاناً} (62) - فَكَيْفَ يَكُونُ حَالُهُمْ إذَا سَاقَتْهُمُ المَقَادِيرُ إلَيكَ فِي مَصَائِبَ تَحِلُّ بِهِمْ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ، وَاحْتَاجُوا إليْكَ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ جَاؤُوكَ يَعْتَذِرُونَ إلَيْكَ، وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ أَنَّهُمْ مَا أرَادُوا بِذَهَابِهِمْ إلَى غَيْرِكَ، وَبِتَحَاكُمِهِمْ إلَى أَعْدَائِكَ، إلا المُدَارَاةَ وَالمُصَانَعَةَ (إحْسَاناً وَتَوْفِيقاً)، لاَ اعْتِقَاداً مِنْهُمْ بِصِحَّةِ تِلْكَ الحُكُومَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والمنافقون يواجهون تساؤلاً: لماذا ذهبتم للطاغوت ليحكم بينكم وتركتم رسول الله؟. فقالوا: نحن أردنا إحساناً، وأن نرفق بك فلا تتعب نفسك بمشكلاتنا، ونريد أن نوفق توفيقاً بعيداً عنك كيلا تصلك المسائل فتشق عليك، ولم نرد مخالفة لك ولا تسخطاً على حكمك؛ وهم يقولون هذا بعد أن انفضحوا أمام الناس. {فَكَيْفَ إِذَآ أَصَابَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ} والمصيبة هي الأمر يطرأ على الإنسان بما يضرّه في عُرفه؛ ولأنهم منافقون فهم يريدون أن يكون هذا النفاق مكتوماً، فإذا جاءت حادثة لتفضحهم صارت مصيبة. على الرغم من أنّ الحادثة في واقعها ليست مصيبة. فعندما نعرف المنافقين ونظهرهم أمام أنفسهم وأمام الناس فنحن نكفي أنفسنا شرّهم. وهم يريدون بالنفاق أموراً لأنفسهم. وهكذا يكون الكشف لنفاقهم مصيبة بالنسبة لهم، هم يرون النفاق نفعاً لهم، فبه يستفيدون من أحكام الإسلام وإجرائها وتطبيقها عليهم، وعندما ينفضح نفاقهم يشعرون بالمصيبة، مثلهم كمثل الذي ذهب ليسرق، ثم فوجئ وهو داخل المكان ليسرق أن الشرطة موجودة لتقبض عليه، وهذا في الواقع نعمة لأنها تضرب على أيدي المجرم العابث، لكنها بالنسبة له مصيبة. وعندما تحدث لهؤلاء المنافقين مصيبة فهم يحلفون بالله كذباً لأنهم يريدون استدامة نفاقهم.. ويحاولون أن يعتذروا عما حدث، يحلفون بالله إنهم بالذهاب إلى الطاغوت وأرادوا الإحسان والتوفيق بينهم وبين خصومهم. لكن الحق يعلم ما يخفون وما يعلنون. فيقول سبحانه: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ...}.
الجيلاني
تفسير : {فَكَيْفَ} لا يكونون منافقين إنهم {إِذَآ أَصَٰبَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} من نفاقهم مع المؤمنين وتحاكمهم إلى الطاغوت، وعدم الرضا بحكمك وقضائك { ثُمَّ} بعدما أصابوا {جَآءُوكَ} معتذرين لك {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ} أي: ما قصدنا {إِلاَّ إِحْسَٰناً} طلباً للخير من الله لإخواننا المؤمنين {وَتَوْفِيقاً} [النساء: 62] بينهم. عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن منافقاً نازع يهودياً، فدعاه اليهودي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمنافق إلى كعب بن الأشرف، ثم بعد النزاع والجدال احتكما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحكم لليهودي فلم يرضى المنافق بقضائه، فقال: نتحاكم إلى عمر رضي الله عنه، فحضروا عنده فقال اليهودي لعمر رضي الله عنه: قضى لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرض، فخاصم إليك، فقال عمر للمنافق: أهكذا، قال: نعم، فقال: مكانكما حتى أخرج، فدخل بيته، وأخذ سيفه، فخرج فضرب به عنق المنافق، فقال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله، فنزل جبريل وقال: إن عمر رضي الله عنه قد فرق بين الحق والباطل، فسمي الفاروق. {أُولَـٰئِكَ} المنهمكون في الغي والضلال هم {ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} من النفاق والشقاق، فلا يغني عنهم حلفهم الكاذب شيئاً من عذاب الله {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} وعن حلفهم عن المؤمنين {وَعِظْهُمْ} في الخلوات على مقتضى شقاق مرتبة النبوة والرسالة {وَقُل لَّهُمْ} حين كانوا مفترقين متفردين {فِيۤ أَنْفُسِهِمْ} عن المؤمنين {قَوْلاً بَلِيغاً} [النساء: 63] ليؤثر فيهم ويحرك فطرتهم الأصلية التي فطروا عليها؛ رجاء أن يتفطنوا بالتوحيد وينتبهوا بحقيته بتوفيق الله وجذب من جانبه. {وَ} لا تستبعد يا أكمل الرسل مثال هذا التوفيق منا؛ إذ {مَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ} إلى أمة من الأممم الماضية {إِلاَّ لِيُطَاعَ} ويؤمن به ويمتثل بأمره إلا {بِإِذْنِ ٱللَّهِ} وتعلق إرادته بإطاعتهم له وإيمانهم به {وَلَوْ أَنَّهُمْ} من غاية جهلهم ونفاقهم {إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ} بالخروج عن إطاعتك وانقيادك عنا {جَآءُوكَ} تائبين معتذرين مما صدر عنهم {فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ} مخلصين نادمين {وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ} أيضاً بالاستشفاع والاستدعاء من الله بالقبول بعدما جاءوا معتذرين {لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ} وصادقوه مفضلاً كريماً {تَوَّاباً} يثل توبتهم {رَّحِيماً} [النساء: 64] لهم يوفقهم عليها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):