Verse. 556 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

اُولٰۗىِٕكَ الَّذِيْنَ يَعْلَمُ اللہُ مَا فِيْ قُلُوْبِہِمْ۝۰ۤ فَاَعْرِضْ عَنْھُمْ وَعِظْھُمْ وَقُلْ لَّھُمْ فِيْۗ اَنْفُسِہِمْ قَوْلًۢا بَلِيْغًا۝۶۳
Olaika allatheena yaAAlamu Allahu ma fee quloobihim faaAArid AAanhum waAAithhum waqul lahum fee anfusihim qawlan baleeghan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم» من النفاق وكذبهم في عذرهم «فأعرض عنهم» بالصفح «وعِظهم» خوِّفهم الله «وقل لهم في» شأن «أنفسهم قولا بليغا» مؤثرا فيهم أي أزجرهم ليرجعوا عن كفرهم.

63

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {أُولَـئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} من النفاق فلا يغني عنهم الكتمان والحلف الكاذب من العقاب. {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} أي عن عقابهم لمصلحة في استبقائهم أو عن قبول معذرتهم. {وَعِظْهُمْ} بلسانك وكفهم عما هم عليه. {وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ} أي في معنى أنفسهم أو خالياً بهم فإن النصح في السر أنجع. {قَوْلاً بَلِيغاً} يبلغ منهم ويؤثر فيهم، أمرهم بالتجافي عن ذنوبهم والنصح لهم والمبالغة فيه بالترغيب والترهيب، وذلك مقتضى شفقة الأنبياء عليهم السلام، وتعليق الظرف ببليغا على معنى بليغاً في أنفسهم مؤثراً فيها ضعيف لأن معمول الصفة لا يتقدم على الموصوف، والقول البليغ في الأصل هو الذي يطابق مدلوله المقصود به. {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} بسبب إذنه في طاعته وأمره المبعوث إليهم بأن يطيعوه، وكأنه احتج بذلك على أن الذي لم يرض بحكمه وإن أظهر الإسلام كان كافراً مستوجب القتل، وتقريره أن إرسال الرسول لما لم يكن إلا ليطاع كان من لم يطعه ولم يرض بحكمه لم يقبل رسالته ومن كان كذلك كان كافراً مستوجب القتل. {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } بالنفاق أو التحاكم إلى الطاغوت. {جاؤوكَ} تائبين من ذلك وهو خبر أن وإذ متعلق به. {جَاءوكَ فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ} بالتوبة والإِخلاص. {وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ} واعتذروا إليك حتى انتصبت لهم شفيعاً، وإنما عدل الخطاب تفخيماً لشأنه وتنبيهاً على أن من حق الرسول أن يقبل اعتذار التائب وإن عظم جرمه ويشفع له، ومن منصبه أن يشفع في كبائر الذنوب. {لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً} لعلموه قابلاً لتوبتهم متفضلاً عليهم بالرحمة، وإن فسر وجد بصادف كان تواباً حالاً ورحيماً بدلاً منه أو حالاً من الضمير فيه. {فَلاَ وَرَبّكَ} أي فوربك، ولا مزيدة لتأكيد القسم لا لتظاهر لا في قوله: {لاَ يُؤْمِنُونَ } لأنها تزاد أيضاً في الإثبات كقوله تعالى: {أية : لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ }تفسير : [البلد: 1] {حَتَّىٰ يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } فيما اختلف بينهم واختلط ومنه الشجر لتداخل أغصانه. {ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مّمَّا قَضَيْتَ } ضيقاً مما حكمت به، أو من حكمك أو شكاً من أجله، فإن الشاك في ضيق من أمره. {وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً} وينقادوا لك انقياداً بظاهرهم وباطنهم. {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ} تعرضوا بها للقتل في الجهاد، أو اقتلوها كما قتل بنو إسرائيل وأن مصدرية أو مفسرة لأن كتبنا في معنى أمرنا. {أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَـٰرِكُمْ} خروجهم حين استتيبوا من عبادة العجل، وقرأ أبو عمرو ويعقوب أن اقتلوا بكسر النون على أصل التحريك، أو اخرجوا بضم الواو للاتباع والتشبيه بواو الجمع في نحو قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَنسَوُوا ٱلْفَضْلِ }تفسير : [البقرة: 237] وقرأ حمزة وعاصم بكسرهما على الأصل والباقون بضمهما إجراء لهما مجرى الهمزة المتصلة بالفعل. {وَمَا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مّنْهُمْ} إلا أناس قليل وهم المخلصون. لما بين أن إيمانهم لا يتم إلا بأن يسلموا حق التسليم، نبه على قصور أكثرهم ووهن إسلامهم، والضمير للمكتوب ودل عليه كتبنا، أو لأحد مصدري الفعلين ـ وقرأ ابن عامر بالنصب على الاستثناء أو على إلا فعلاً قليلاً. {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ} من متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم مطاوعته طوعاً ورغبة. {لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ} في عاجلهم وآجلهم. {وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً} في دينهم لأنه أشد لتحصيل العلم ونفي الشك أو تثبيتاً لثواب أعمالهم ونصبه على التمييز. والآيه أيضاً مما نزلت في شأن المنافق اليهودي. وقيل إنها والتي قبلها نزلتا في حاطب بن أبي بلتعة خاصم زبيراً في شراج من الجرة كانا يسقيان بها النخل، فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك، فقال حاطب: لأن كان ابن عمتك. فقال عليه الصلاة والسلام أسق يا زبير ثم احبس الماء إلى الجدر واستوف حقك، ثم أرسله إلى جارك»تفسير : {وَإِذاًلآتََيْنَـٰهُمْ مّن لَّدُنَّـا أَجْراً عَظِيماً } جواب لسؤال مقدر كأنه قيل؛ وما يكون لهم بعد التثبيت فقال وإذا لو تثبتوا لآتيناهم لأن {إِذَا} جواب وجزاء. {وَلَهَدَيْنَـٰهُمْ صِرٰطاً مُّسْتَقِيماً} يصلون بسلوكه جناب القدس ويفتح عليهم أبواب الغيب، قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم»تفسير : {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم} مزيد ترغيب في الطاعة بالوعد عليها مرافقة أكرم الخلائق وأعظمهم قدراً. {مّنَ ٱلنَّبِيّينَ وَٱلصّدّيقِينَ وَٱلشُّهَدَاء وَٱلصَّـٰلِحِينَ} بيان للذين أو حال منه، أو من ضميره قسمهم أربعة أقسام بحسب منازلهم في العلم والعمل، وحث كافة الناس على أن لا يتأخروا عنهم، وهم: الأنبياء الفائزون بكمال العلم والعمل المتجاوزون حد الكمال إلى درجة التكميل. ثم الصديقون الذين صعدت نفوسهم تارة بمراقي النظر في الحجج والآيات وأخرى بمعارج التصفية والرياضات إلى أوج العرفان، حتى اطلعوا على الأشياء وأخبروا عنها على ما هي عليها. ثم الشهداء الذين أدى بهم الحرص على الطاعة والجد في إظهار الحق حتى بذلوا مهجهم في إعلاء كلمة الله تعالى. ثم الصالحون الذين صرفوا أعمارهم في طاعته وأموالهم في مرضاته. ولك أن تقول المنعم عليهم هم العارفون بالله وهؤلاء إما أن يكونوا بالغين درجة العيان أو واقفين في مقام الاستدلال والبرهان. والأولون إما أن ينالوا مع العيان القرب بحيث يكونون كمن يرى الشيء قريباً وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أولاً فيكونون كمن يرى الشيء بعيداً وهم الصديقون، والآخرون إما أن يكون عرفانهم بالبراهين القاطعة وهم العلماء الراسخون في العلم الذين هم شهداء الله في أرضه، وإما أن يكون بأمارات وإقناعات تطمئن إليها نفوسهم وهم الصالحون. {وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً} في معنى التعجب، و {رفيقاً} في معنى التعجب، ورفيقاً نصب على التمييز أو الحال ولم يجمع لأنه يقال للواحد والجمع كالصديق، أو لأنه أريد وحسن كل واحد منهم رفيقاً. روي أن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه يوماً وقد تغير وجهه ونحل جسمه، فسأله عن حاله فقال: ما بي من وجع غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة فخفت أن لا أراك هناك لأني عرفت أنك ترتفع مع النبيين وإن أدخلت الجنة كنت في منزل دون منزلك، وإن لم أدخل فذلك حين لا أراك أبداً فنزلت. {ذَلِكَ} مبتدأ إشارة إلى ما للمطيعين من الأجر ومزيد الهداية ومرافقة المنعم عليهم، أو إلى فضل هؤلاء المنعم عليهم ومزيتهم. {ٱلْفَضْلِ} صفته. {مِنَ ٱللَّهِ} خبره أو الفضل خبره ومن الله حال والعامل فيه معنى الإِشارة. {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيماً} بجزاء من أطاعه، أو بمقادير الفضل واستحقاق أهله. {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ} تيقظوا واستعدوا للأعداء، والحذر والحذر كالأثر والأثر. وقيل ما يحذر به كالحزم والسلاح. {فَٱنفِرُواْ } فاخرجوا إلى الجهاد. {ثُبَاتٍ} جماعات متفرقة، جمع ثبة من ثبيت على فلان تثبية إذا ذكرت متفرق محاسنه ويجمع أيضاً على ثبين جبراً لما حذف من عجزه. {أَوِ ٱنْفِرُواْ جَمِيعاً} مجتمعين كوكبة واحدة، والآية وإن نزلت في الحرب لكن يقتضي إطلاق لفظها وجوب المبادرة إلى الخيرات كلها كيفما أمكن قبل الفوات. {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ} الخطاب لعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمنين منهم والمنافقين والمبطئون منافقوهم تثاقلوا وتخلفوا عن الجهاد، من بطأ بمعنى أبطأ وهو لازم أو ثبطوا غيرهم كما ثبط ابن أبي ناساً يوم أحد، من بطأ منقولاً من بطؤ كثقل من ثقل واللام الأولى للابتداء دخلت اسم إن للفصل بالخبر، والثانية جواب قسم محذوف والقسم بجوابه صلة من والراجع إليه ما استكن في ليبطئن والتقدير: وإن منكم لمن أقسم بالله ليبطئن. {فَإِنْ أَصَـٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ} كقتل وهزيمة. {قَالَ} أي المبطىء. {قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَىَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً} حاضراً فيصيبني ما أصابهم. {وَلَئِنْ أَصَـٰبَكُمْ فَضْلٌ مِنَ الله } كفتح وغنيمة. {لَّيَقُولَنَّ} أكده تنبيهاً على فرط تحسره، وقرىء بضم اللام إعادة للضمير إلى معنى {مِنْ}. {كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ} اعتراض بين الفعل ومفعوله وهو. {يٰلَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً} للتنبيه على ضعف عقيدتهم، وأن قولهم هذا قول من لا مواصلة بينكم وبينه، وإنما يريد أن يكون معكم لمجرد المال، أو حال من الضمير في ليقولن أو داخل في المقول أي يقول المبطىء لمن يبطئه من المنافقين، وضعفه المسلمين تضريباً وحسداً، كأن لم يكن بينكم وبين محمد صلى الله عليه وسلم مودة حيث لم يستعن بكم فتفوزوا بما فازيا ليتني كنت معهم. وقيل: إنه متصل بالجملة الأولى وهو ضعيف، إذ لا يفصل أبعاض الجملة بما لا يتعلق بها لفظاً ومعنى وكأن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن وهو محذوف. وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم ورويس عن يعقوب {تَكُنْ} بالتاء لتأنيث لفظ المودة، والمنادى في يا ليتني محذوف أي: يا قوم وقيل يا أطلق للتنبيه على الاتساع فأفوز نصب على جواب التمني وقرىء بالرفع على تقدير فأنا أفوز في ذلك الوقت، أو العطف على كنت.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أُولَئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِى قُلُوبِهِمْ } من النفاق وكذبهم في عذرهم {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } بالصفح {وَعِظْهُمْ } خَوِّفْهُم اللهَ {وَقُل لَّهُمْ فِى } شأن {أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً } مؤثراً فيهم أي ازجرهم ليرجعوا عن كفرهم.

ابن عبد السلام

تفسير : {يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِى قُلُوبِهِمْ} من النفاق {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} بالعداوة {وعظهم} فيما أبدوه، أو {فَأَعْرِضْ} عن عقابهم {وَعِظْهُمْ} أو {فَأَعْرِضْ} عن قبول عذرهم {وَعِظْهُمْ}. {قَوْلاً بَلِيغاً} أزجرهم أبلغ زجر، أو قل إن أظهرتم ما في قلوبكم قتلتكم، فإنه يبلغ من نفوسهم كل مبلغ.

النسفي

تفسير : {أُولَـئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِى قُلُوبِهِمْ } من النفاق. {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِى أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً } فأعرض عن قبول الأعذار وعظ بالزجر والإنكار وبالغ في وعظهم بالتخويف والإنذار، أو أعرض عن عقابهم وعظهم في عتابهم وبلغ كنه ما في ضميرك من الوعظ بارتكابهم. والبلاغة أن يبلغ بلسانه كنه ما في جنانه. و«في أنفسهم» يتعلق بـ «قل لهم» أي قل لهم في معنى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولاً بليغاً منهم ويؤثر فيهم. {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ } أي رسولاً قط {إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } بتوفيقه في طاعته وتيسيره، أو بسبب إذن الله في طاعته وبأنه أمر المبعوث إليهم بأن يطيعوه لأنه مؤد عن الله فطاعته طاعة الله {أية : وَمَن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ }تفسير : [النساء: 80] {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } بالتحاكم إلى الطاغوت {جَاءُوكَ } تائبين من النفاق معتذرين عما ارتكبوا من الشقاق {فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ } من النفاق والشقاق {وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ } بالشفاعة لهم. والعامل في «إذ ظلموا» خبر «أنّ» وهو «جاؤوك» والمعنى: ولو وقع مجيئهم في وقت ظلمهم مع استغفارهم واستغفار الرسول {لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً } لعلموه تواباً أي لتاب عليهم. ولم يقل «واستغفرت لهم» وعدل عنه إلى طريقة الالتفات تفخيماً لشأنه صلى الله عليه وسلم وتعظيماً لاستغفاره وتنبيهاً على أن شفاعة من اسمه الرسول من الله بمكان {رَّحِيماً } بهم. قيل: جاء أعرابي بعد دفنه عليه السلام فرمى بنفسه على قبره وحثا من ترابه على رأسه وقال: يا رسول الله، قلت فسمعنا وكان فيما أنزل عليك: « ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم» الآية. وقد ظلمت نفسي وجئتك أستغفر الله من ذنبي فاستغفر لي من ربي، فنودي من قبره قد غفر لك. {فَلاَ وَرَبّكَ } أي فوربك كقوله {أية : فَوَرَبّكَ لَنَسْـئَلَنَّهُمْ }تفسير : [الحجر: 92] «ولا» مزيدة لتأكيد معنى القسم وجواب القسم {لاَ يُؤْمِنُونَ } أو التقدير: فلا أي ليس الأمر كما يقولون ثم قال « وربك لا يؤمنون»{حَتَّىٰ يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } فيما اختلف بينهم واختلط ومنه الشجر لتداخل أغصانه {ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجاً } ضيقاً {مّمَّا قَضَيْتَ } أي لا تضيق صدورهم من حكمك أو شكًّا، لأن الشاك في ضيق من أمره حتى يلوح له اليقين {وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً } وينقادوا لقضائك انقياداً وحقيقته. سلم نفسه له وأسلمها أي جعلها سالمة له أي خاصة. وتسليماً مصدر مؤكد للفعل بمنزلة تكريره كأنه قيل: وينقادوا لحكمك انقياداً لا شبهة فيه بظاهرهم وباطنهم، والمعنى لا يكونون مؤمنين حتى يرضوا بحكمك وقضائك {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ } على المنافقين أي ولو وقع كتبنا عليهم {أَنِ ٱقْتُلُواْ } «أن» هي المفسرة {أَنفُسَكُـمْ } أي تعرضوا للقتل بالجهاد. أو ولو أوجبنا عليهم مثل ما أوجبنا على بني إسرائيل من قتلهم أنفسهم {أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَـٰرِكُمْ } بالهجرة {مَّا فَعَلُوهُ } لنفاقهم. والهاء ضمير أحد مصدري الفعلين وهو القتل أو الخروج أو ضمير المكتوب لدلالة كتبنا «عليه» {إِلاَّ قَلِيلٌ مّنْهُمْ } «قليلاً»: شامي على الاستثناء والرفع على البدل من واو «فعلوه» {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ } من اتباع رسول الله عليه السلام والانقياد لحكمه {لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ } في الدارين {وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً } لإيمانهم وأبعد عن الاضطراب فيه {وَإِذَاً } جواب لسؤال مقدر كأنه قيل: وماذا يكون لهم بعد التثبيت؟ فقيل: وإذا لو ثبتوا {لاَتَيْنَـٰهُمْ مّن لَّدُنَّـا أَجْراً عَظِيماً } أي ثواباً كثيراً لا ينقطع. {وَلَهَدَيْنَـٰهُمْ صِرٰطاً } مفعول ثانٍ {مُّسْتَقِيماً } أي لثبتناهم على الدين الحق {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مّنَ ٱلنَّبِيّيْنَ وَٱلصّدّيقِينَ } كأفاضل صحابة الأنبياء. والصديق: المبالغ في صدق ظاهره بالمعاملة وباطنه بالمراقبة، أو الذي يصدق قوله بفعله {وَٱلشُّهَدَاء } والذين استشهدوا في سبيل الله {وَٱلصَّـٰلِحِينَ } ومن صلحت أحوالهم وحسنت أعمالهم {وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً } أي وما أحسن أولئك رفيقاً وهو كالصديق والخليط في استواء الواحد والجمع فيه {ذٰلِكَ } مبتدأ خبره {ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ } أو« الفضل» صفته و«من الله» خبره والمعنى: أن ما أعطى المطيعون من الأجر العظيم ومرافقة المنعم عليهم من الله لأنه تفضل به عليهم، أو أراد أن فضل المنعم عليهم ومزيتهم من الله. {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيماً} بِعِبَادِهِ وَبِمَن هُوَ أَهْلُ ٱلْفَضْلِ ودلت الآية على أن ما يفعل الله بعباده فهو فضل منه بخلاف ما يقوله المعتزلة { يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ } الحذر والحذر بمعنى وهو التحرز وهما كالإثر والأثر. يقال: أخذ حذره إذا تيقظ، واحترز من المخوف كأنه جعل الحذر آلته التي يقي بها نفسه ويعصم بها روحه، والمعنى احذروا واحترزوا من العدو {فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ } فاخرجوا إلى العدو جماعات متفرقة سرية بعد سرية، فالثباب الجماعات واحدها ثبة. {أَوِ ٱنْفِرُواْ جَمِيعاً } أي مجتمعين أو مع النبي عليه السلام، لأن الجمع بدون السمع لا يتم، والعقد بدون الواسطة لا ينتظم. أو انفروا ثباتٍ إذا لم يعم النفير، أو انفروا جميعاً إذا عم النفير. وثبات «حال» وكذا «جميعاً». واللام في {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن } للابتداء بمنزلتها في {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ } تفسير : [النحل: 18] و «من» موصولة. وفي {لَّيُبَطّئَنَّ } جواب قسم محذوف تقديره: وإن منكم لمن أقسم بالله ليبطئن والقسم وجوابه صلة من، والضمير الراجع منها إليه ما استكنّ في {لَّيُبَطّئَنَّ } أي ليتثاقلن وليتخلفن عن الجهاد، وبطؤ بمعنى أبطأ أي تأخر ويقال: «ما بطؤ بك» فيتعدى بالباء. والخطاب لعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله «منكم »أي في الظاهر دون الباطن يعني المنافقين يقولون لم تقتلون أنفسكم تأنوا حتى يظهر الأمر {فَإِنْ أَصَـٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ } قتل أو هزيمة {قَالَ } المبطىء {قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَىَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً } «حاضر» فيصيبني مثل ما أصابهم {وَلَئِنْ أَصَـٰبَكُمْ فَضْلٌ مِنَ الله } فتح أو غنيمة {لَّيَقُولَنَّ } هذا المبطىء متلهفاً على ما فاته من الغنمية لا طلباً للمثوبة {كَأنَ } مخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي كأنه {لََّمْ تَكُنْ } وبالتاء مكي وحفص {بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ } وهي اعتراض بين الفعل وهو« ليقولن» وبين مفعوله وهو {يٰلَيتَنِى كُنتُ مَعَهُمْ } والمعنى: كأن لم يتقدم له معكم موادة لأن المنافقين كانوا يوادون المؤمنين في الظاهر وإن كانوا يبغون لهم الغوائل في الباطن {فَأَفُوزَ } بالنصب لأنه جواب التمني {فَوْزاً عَظِيماً } فآخذ من الغنيمة حظاً وافراً. {فَلْيُقَاتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ } يبيعون {ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلأخِرَةِ } والمراد المؤمنون الذين يستحبون الحياة الآجلة على العاجلة ويستبدلونها بها، أي إن صد الذين مرضت قلوبهم وضعفت نياتهم عن القتال فليقاتل الثابتون المخلصون أو يشترون، والمراد المنافقون الذين يشترون الحياة الدنيا بالآخرة، وعطفوا بأن يغيروا ما بهم من النفاق ويخلصوا الإيمان بالله ورسوله ويجـاهدوا في سبيل الله حق جهاده {وَمَن يُقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً } وعد الله المقاتل في سبيل الله ظافراً أو مظفوراً به إيتاء الأجر العظيم على اجتهاده في إعزاز دين الله. {وَمَا لَكُمْ } مبتدأ وخبر، وهذا الاستفهام في النفي للتنبيه على الاستبطاء، وفي الإثبات للإنكار {لاَ تُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } حال والعامل فيها الاستقرار كما تقول «مالك قائماً» والمعنى وأي شيء لكم تاركين القتال وقد ظهرت دواعيه {وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ } مجرور بالعطف «على سبيل الله» أي في سبيل الله وفي خلاص المستضعفين، أو منصوب على الاختصاص منه أي واختص من سبيل الله خلاص المستضعَفين من المستضعِفين، لأن سبيل الله عام في كل خير، وخلاص المسلمين من أيدي الكفار من أعظم الخير وأخصه. والمستضعفون هم الذين أسلموا بمكة وصدهم المشركون عن الهجرة فبقوا بين أظهرهم مستذلين مستضعفين يلقون منهم الأذى الشديد {مِنَ ٱلرّجَالِ وَٱلنّسَاء وَٱلْوِلْدٰنِ } ذكر الولدان تسجيلاً بإفراط ظلمهم حيث بلغ أذاهم الولدان غير المكلفين إرغاماً لآبائهم وأمهاتهم، ولأن المستضعفين كانوا يشركون صبيانهم في دعائهم استنزالاً لرحمة الله بدعاء صغارهم الذين لم يذنبوا كما فعل قوم يونس عليه السلام. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: كنت أنا وأمي من المستضعفين من النساء والولدان {ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ } يعني مكة {ٱلظَّـٰلِمِ أَهْلُهَا }« الظالم» وصف للقرية إلا أنه مسند إلى أهلها فأعطي إعراب القرية لأنه صفتها وذكر لإسناده إلى الأهل كما تقول «من هذه القرية التي ظلم أهلها» {وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً } يتولى أمرنا ويستنقذنا من أعدائنا {وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً } ينصرنا عليهم. كانوا يدعون الله بالخلاص ويستنصرونه فيسر الله لبعضهم الخروج إلى المدينة وبقي بعضهم إلى الفتح حتى جعل الله لهم من لدنه خير ولي وناصر وهو محمد عليه السلام، فتولاهم أحسن التولي ونصرهم أقوى النصر. ولما خرج محمد صلى الله عليه وسلم استعمل عتاب بن أسيد فرأوا منه الولاية والنصرة كما أرادوا. قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان ينصر الضعيف من القوي حتى كانوا أعز بها من الظلمة ثم رغب الله المؤمنين بأنهم يقاتلون في سبيل الله فهو وليهم وناصرهم، وأعداؤهم يقاتلون في سبيل الشيطان فلا ولي لهم إلا الشيطان بقوله {ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱلطَّـٰغُوتِ } أي الشيطان {فَقَـٰتِلُواْ أَوْلِيَاء ٱلشَّيْطَـٰنِ } أي الكفار {إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَـٰنِ } أي وساوسه. وقيل: الكيد السعي في فساد الحال على جهة الاحتيال {كَانَ ضَعِيفاً } لأنه غرور لا يؤول إلى محصول، أو كيده في مقابلة نصر الله ضعيف. كان المسلمون مكفوفين عن القتال مع الكفار ما داموا بمكة وكانوا يتمنون أن يؤذن لهم فيه فنزل.

الخازن

تفسير : {أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم} يعني من النفاق {فأعرض عنهم} يعني عن عقوبتهم وقيل عن قبول عذرهم {وعظهم} يعني باللسان والمراد زجرهم بالوعظ عن النفاق والكفر والكذب وتخويفهم بعذاب الآخرة {وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً} يعني بليغاً يؤثر في قلوبهم موقعه وهو التخويف بالله عز وجل هو أن يوعدهم بالقتل إن لم يتوبوا من النفاق. وقيل هو أن يقول إن أظهرتم ما في قلوبكم من النفاق قتلتم لأن هذا القول يبلغ في نفوسهم كل مبلغ وقيل معناه فأعرض عنهم في الملأ وقل لهم في أنفسهم إذا خلوت بهم قولاً بليغاً أي اغلظ لهم في القول خالياً بهم ليس معهم غيرهم مساراً لهم بالنصيحة لأنها في السر أنجع. وقيل هذا الإعراض منسوخ بآية القتال وقد تكلم العلماء في حد البلاغة فقال بعضهم البلاغة إيصال المعنى إلى الفهم في أحسن صورة من اللفظ وقيل البلاغة حسن العبارة مع صحة المعنى وقيل البلاغة سرعة الإيحاز مع الإفهام وحسن التصرف من غير إدجار. وقيل أحسن الكلام ما قلت ألفاظه وكثرت معانيه وقيل خير الكلام ما شوق أوله إلى سماع آخره وقيل لا يستحق الكلام اسم البلاغة إلاّ إذا طابق لفظه معناه ومعناه لفظه ولم يكن لفظه إلى السمع أسبق من معناه إلى القلب. وقيل المراد بالقول البليغ في الآية أن يكون حسن الألفاظ حسن المعاني مشتملاً على الترغيب والترهيب والإعذار والإنظار والوعد والوعيد بالثواب والعقاب، فإن الكلام إذا كان كذلك عظم وقعه في القلوب وأثر في النفوس. قوله تعالى: {وما أرسلنا من رسول} قال الزجاج لفظه من هنا صلة مؤكدة والمعنى وما أرسلنا رسولاً {إلا ليطاع بإذن الله} يعني بأمر الله والمعنى إنما وجبت طاعة الرسول بأمر الله لأن الله أذن في ذلك وأمر به وقيل معناه بعلم الله وقضائه أي طاعته تكون بإذن الله لأنه أذن فيه فتكون طاعة الرسول طاعة الله ومعصيته معصية الله والمعنى وما أرسلنا من رسول إلا فرضت طاعته على من أرسلته إليهم وأنت يا محمد من الرسل الذين فرضت طاعتهم على من أرسلوا إليهم ففيه توبيخ وتقريع للمنافقين الذين تركوا حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضوا بحكم الطاغوت {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم} يعني الذين تحاكموا إلى الطاغوت ظلموا أنفسهم بالتحاكم إليه {جاؤوك} يعني جاؤوك تائبين من النفاق والتحاكم إلى الطاغوت متنصلين مما ارتكبوا من المخالفة {فاستغفروا الله} يعني من ذلك الذنب بالإخلاص وبالغوا في الاعتذار إليك من إيذائك برد حكمك والتحاكم إلى غيرك {واستغفر لهم الرسول} يعني من مخالفته والتحاكم إلى غيره وإنما قال واستغفر لهم الرسول ولم يقل واستغفرت لهم إجلالاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتفخيماً له وتعظيماً لاستغفاره وانهم إذا جاؤوه فقد جاؤوا من خصه الله برسالته وجعله سفيراً بينه وبين خلقه ومن كان كذلك فإن الله تعالى لا يرد شفاعته فلهذا السبب عدل إلى طريقة الالتفات من لفظ الخطاب إلى لفظ الغيبة {لوجدوا الله تواباً رحيماً} يعني لو أنهم تابوا من ذنوبهم ونفاقهم واستغفرت لهم لعلموا أن الله يتوب عليهم ويتجاوز عنهم ويرحمهم. قوله عز وجل: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} نزلت هذه الآية في الزبير بن العوام ورجل من الأنصار (ق) عن عروة بن الزبير عن أبيه حديث : أن رجلاً من الأنصار خاصم الزبير في شراج الحرة التي يسقون بها النخل فقال الأنصاري: سرح الماء يمر فأبى عليه فاختصما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير: "اسق يا زبير ثم أرسل إلى جارك" فغضب الأنصاري ثم قال يا رسول الله إن كان ابن عمتك. فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال للزبير اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدرتفسير : . فقال الزبير والله إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} زاد البخاري فاستوعى رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذٍ للزبير حقه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك قد أشار على الزبير رأياً أي أراد سعة له وللأنصاري فلما أحفظ الأنصاري رسول الله صلى الله عليه وسلم استوعى رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير حقه في صريح الحكم قال الزبير والله ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك. قوله في شراج الحرة الشراج مسايل الماء التي تكون من الجبل وتنزل إلى السهل الواحدة شرجة بسكون الراء والحرة الأرض الحمراء المتلبسة بالحجارة السود وقوله فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني تغير وقوله فلما أحفظ أي أغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله حتى يرجع إلى الجدر هو بفتح الجيم يعني أصل الجدار وقوله فاستدعى له أي استوفى له حقه في صريح الحكم. وهو أن من كان أرضه أقرب إلى فم الوادي فهو أولى بأول الوادي وحقه تمام السقي فرسول الله صلى الله عليه وسلم أذن للزبير في السقي على وجه المسامحة فلما أبى خصمه ذلك ولم يعترف بما أشار به رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسامحة لأجله أمر الزبير باستيفاء حقه على التمام وحمل خصمه على مر الحق. فعلى هذا القول تكون الآية مستأنفة لا تعلق لها بما قبلها قال البغوي: روي أنهما لما خرجا مرا على المقداد فقال لمن كان القضاء قال الأنصاري لابن عمته ولوى شدقه ففطن له يهودي كان مع المقداد فقال قاتل الله هؤلاء يشهدون أنه رسول الله ثم يتهمونه في قضاء يقضي بينهم وأيم الله لقد أذنبنا ذنباً مرة في حياة موسى فدعا موسى إلى التوبة منه فقال فاقتلوا أنفسكم ففعلنا فبلغ قتلانا سبعين ألفاً في طاعة ربنا حتى رضي عنا. فقال ثابت بن قيس بن شماس: أما والله إن الله ليعلم مني الصدق ولو أمرني محمد أن أقتل نفسي لفعلت. وقال مجاهد والشعبي نزلت هذه الآية في بشر المنافق واليهودي اللذين اختصما إلى الطاغوت. وعلى هذا القول تكون الآية متصلة بما قبلها فلا وربك معناه فوربك فعلى هذا تكون لا مزيدة لتأكيد معنى القسم. وقيل إن لا رد لكلام سبق كأنه قال ليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا وهم يخالفون حكمك ثم استأنف القسم فقال تعالى فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم يعني فيما اختلفوا فيه من الأمور وأشكل عليهم حكمه وقيل فيما التبس عليهم يقال شاجره في الأمر إذا نازعه فيه وأصله التداخل والاختلاط وشجر الكلام إذا دخل بعضه في بعض واختلط {ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت} يعني ضيقاً مما قضيت وقيل شكاً فيما قضيت بل يرضوا بقضائك {ويسلموا تسليماً} يعني وينقادوا لأمرك انقياداً أو لا يعارضونك في شيء من أمرك وقيل معناه يسلموا ما تنازعوا فيه لحكمك.

ابو السعود

تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ} إشارةٌ إلى المنافقين، وما فيه من معنى البُعد للتنبـيه على بُعد منزلتِهم في الكفر والنفاقِ، وهو مبتدأٌ خبرُه {ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِى قُلُوبِهِمْ} أي من فنون الشرورِ والفسادِ المنافيةِ لما أظهروا لك من الأكاذيب. {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} جوابُ شرطٍ محذوفٍ أي إذا كان حالُهم كذلك فأعرِضْ عن قَبول معذرتِهم وقيل: عن عقابهم لمصلحة في استبقائهم، ولا تُظهِرْ لهم علمَك بما في بواطنهم ولا تهتِكْ سترَهم حتى يبقَوْا على وجَلٍ وحذر {وَعِظْهُمْ} أي ازجُرْهم عن النفاق والكيد {وَقُل لَّهُمْ فِى أَنفُسِهِمْ} في حق أنفسِهم الخبـيثةِ وقلوبِهم المُنْطويةِ على الشرور التي يعلمها الله تعالى، أو في أنفسهم خالياً بهم ليس معهم غيرُهم مُسارّاً بالنصيحة لأنها في السرّ أنجَعُ {قَوْلاً بَلِيغاً} مؤثراً واصِلاً إلى كُنه المرادِ مطابقاً لما سيق له من المقصود، فالظرفُ على التقديرين متعلقٌ بالأمر، وقيل: متعلقٌ ببليغاً على رأي من يُجيز تقديمَ معمولِ الصفةِ على الموصوف أي قل لهم قولاً بليغاً في أنفسهم مؤثراً في قلوبهم يغتمّون به اغتماماً ويستشعرون منه الخوفَ استشعاراً وهو التوعُّدُ بالقتل والاستئصالِ، والإيذانُ بأن ما في قلوبهم من مكنونات الشرِّ والنفاقِ غيرُ خافٍ على الله تعالى وأن ذلك مستوجِبٌ لأشد العقوباتِ، وإنما هذه المكافأةُ والتأخيرُ لإظهارهم الإيمانَ والطاعةَ وإضمارِهم الكفرَ، ولئن أظهروا الشقاقَ وبرَزوا بأشخاصهم من نفق النفاقِ لَيَمسَّنهم العذابُ إن الله شديدُ العقاب. {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} كلامٌ مبتدأٌ جيء به تمهيداً لبـيان خطئِهم في الاشتغال بسَتر جنايتِهم بالاعتذار بالأباطيل وعدمِ تلافيها بالتوبة، أي وما أرسلنا رسولاً من الرسل لشيء من الأشياء إلا ليُطاعَ بسبب إذنِه تعالى في طاعته، وأمرِه المرسلَ إليهم بأن يُطيعوه ويتبعوه لأنه مؤدَ عنه تعالى فطاعتُه طاعةُ الله تعالى ومعصيتُه معصيتُه تعالى {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ } تفسير : [النساء، الآية: 80] أو بتيسير الله تعالى وتوفيقِه في طاعته. {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ} وعرَّضوها لعذاب [زائد] على عذاب النفاقِ بترك طاعتِك والتحاكمِ إلى غيرك {جَاءوكَ} من غير تأخيرٍ كما يُفصح عنه تقديمُ الظرفِ متوسِّلين بك في التنصُّل عن جناياتهم القديمةِ والحادثةِ ولم يزدادوا جنايةً على جناية بالقصد إلى سترها بالاعتذار الباطلِ والأَيْمانِ الفاجرة {فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ} بالتوبة والإخلاصِ وبالغوا في التضرُّع إليك حتى انتصبْتَ شفيعاً إلى الله تعالى واستغفرْتَ لهم وإنما قيل: {وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ} على طريقة الالتفاتِ تفخيماً لشأن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وتعظيماً لاستغفاره وتنبـيهاً على أن شفاعتَه في حيِّز القَبول {لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً} لعَلِموه مبالغاً في قَبول توبتهم والتفضّل عليهم بالرحمة، وإن فُسّر الوُجدانُ بالمصادفة كان قوله تعالى: {تَواباً} حالاً و{رَّحِيماً} بدلاً منه، أو حالاً من الضمير فيه، وأياً ما كان ففيه فضلُ ترغيبٍ للسامعين في المسارعة إلى التوبة والاستغفارِ ومزيدُ تنديمٍ لأولئك المنافقين على ما صنعوا لما أن ظهورَ تباشيرِ قَبولِ التوبةِ وحصولَ الرحمةِ لهم ومشاهدتَهم لآثارهما نعمةٌ زائدةٌ عليهما موجبةٌ لكمال الرغبةِ في تحصيلها وتمامِ الحسرةِ على فواتها.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {وَقُل لَّهُمْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً}[63] أي مبلغاً بلسانك كنه ما في قلبك بأحسن العبارة عني.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ} [الآية: 63]. قال الواسطى رحمه الله: أعرض عن الجهَّال وعظ الأوساط وأخبر بعيوب الأشراف وخاطب كُلاً على قدر طاقته. وقال فارس رحمه الله: فأعرض عنهم وعظهم وتوكل، ولا يصح للعبد توكل وهو لا يجد غير الله معولاً. وقيل فى قوله عز وجل: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} بقولك وأعرض عنهم بفعلك. قوله عز وجل: {وَقُل لَّهُمْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً}. قال الجنيد رحمه الله: كلمهم على مقادير العقول ومحتمل الطاقة. وقيل: أرهم عيوب ما يعتمدونه من طاعتهم. قوله عز وجل: {وَقُل لَهُمْ فى أَنفُسِهِم قََوْلاً بَلِيغًا} [الآية: 63]. قال سهل رحمه الله: مبلغًا بلسانك كنه ما فى قلبك بأحسن العبادة عنى.

القشيري

تفسير : أُبْسُطْ لهم لسانَ الوعظِ بمقتضى الشفقة عليهم، ولكن انْقَبِضْ بقلبك عن المبالاة بهم والسكون إليهم، واعلم أن من لا نكون نحن له لا يغني عنه أن تعينه شيئاً.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ} تسلى قلب نبيه عليه السلام بقوله يعلم الله ما فى قلوبهم اى لا تهتم فانا اجازيهم بما فى صدورهم فاحجبهم عن كل مراد هم فى الدنيا والاخرة فاعرض عنهم ان ترك صحبتهم وصحبة كل جاهل غافل وعظهم على قدر فهو منهم فان موعظتك لهم عقوبة حتيث لم يعرفوها ولم يتبعوها حق الاتباع قال الواسطى عرض عن الجهال وعظ بفعلك قوله تعالى {وَقُل لَّهُمْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً} اى صفنى بالعظمة والكبرياء واسغنائى عن كفرهم وايمانهم وبعدهم الايدى عن حين احتجبوا عنى بحب الرياسة والانكار على الانبياء والصديقين قال الاجنيد كلهم على مقادير العقول ومحتمل الطاعة.

اسماعيل حقي

تفسير : {اولئك} اى المنافقون {الذين يعلم الله ما فى قلوبهم} من النفاق فلا يغنى عنهم الكتمان والحلف الكاذب من العقاب {فاعرض عنهم} اى لا تقبل اعتذارهم ولا تفرج عنهم بدعائك {وعظهم} اى ازجرهم عن النفاق والكيد {وقل لهم فى انفسهم} اى فى حق انفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على الشرور التى يعلمها الله تعالى او فى انفسهم خاليا بهم ليس معهم غيرهم مسارا بالنصيحة لانها فى السر انجع {قولا بليغا} مؤثرا واصلا الى كنه المراد مطابقا لما سيق له المقصود والقول البليغ بان يقول ان الله يعلم سركم وما فى قلوبكم فلا يغنى عنكم اخفاؤه فاصلحوا انفسكم وطهروا قلوبكم من رذيلة الكفر وداووها من مرض النفاق والا انزل الله بكم ما انزل بالمجاهرين بالشرك وشرا من ذلك واغلظ عسى ان تنجع فيهم الموعظة.

الطوسي

تفسير : المعنى: {أولئك} اشارة إلى المنافقين الذين تقدم وصفهم، وإنما قال: يعلم ما في قلوبهم وإن كان معلوماً ذلك بدلالة العقل لأمرين: أحدهما - تأكيداً لما علمناه. والثاني - انه يفيد أنه لا يغني عنهم كتمان ما يضمرونه شيئاً من العقاب، لأن الله يعلم ما في قلوبهم من النفاق. وكذلك كل ما ذكره الله مما هو معلوم عند المخاطب. إنما الفائدة في مقارنته بما ليس بمعلوم على جهة الاحتجاج به، أو غيره من الوجوه. وقوله: {فأعرض عنهم وعظهم} جمع بين معنى الاعراض والاقبال. وقيل في معناه ثلاثة أوجه: أحدها - فاعرض عنهم بعداوتك لهم، وعظهم. الثاني - فاعرض عن عقابهم وعظهم. الثالث - قال الجبائي: أعرض عن قبول الاعتذار منهم. وقوله: {وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً} قال الحسن: القول البليغ الذي أمر به في الآية أن يقول: إن أظهرتم ما في قلوبكم قتلتكم، فهذا يبلغ من نفوسهم كل مبلغ. وقال الجبائي: خوفهم بمكاره تنزل بهم في أنفسهم إن عادوا لمثل ما فعلوه. ويجوز أن يكون المراد ازجرهم عما هم عليه بأبلغ الزجر. اللغة: وأصل البلاغة البلوغ، تقول: بلغ الرجل بالقول بليغ بلاغة، فهو بليغ: إذا كان بعبارته يبلغ كثير ما في قلبه. ويقال: أحمق بليغ، وبلغ ومعناه. أنه أحمق يبلغ حيث يريد. وقيل: معناه قد بلغ في الحماقة. وفي الآية دلالة على فضل البلاغة، وأنها أحد أقسام الحكمة، لما فيها من بلوغ المعنى الذي يحتاج إلى التفسير باللفظ الوجيز مع حسن الترتيب.

الجنابذي

تفسير : {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} من النّفاق ويستر عليهم {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} اى عن تفضيحهم ولا تعاقبهم ودارهم فانّ فى مداراتهم مصلحة كلّيّة لنظام الكلّ {وَعِظْهُمْ} اتماماً للحجّة وتقليلاً لاظهارهم نفاقهم {وَقُل لَّهُمْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ} فى شأن علىّ (ع) فانّه نفسيّة كلّ ذى نفس او فى الخلوة او فى شأن انفسهم {قَوْلاً بَلِيغاً} يؤثّر فيهم ويمنعهم من اظهار نفاقهم حتّى لا يوافقهم كثير من امّتك فانّ اكثرهم بسبب قتل علىّ (ع) منهم اقاربهم يعادونه واذا رأوا من يعانده وينافقه يوافقونه، والمداراة مع هؤلاء المنافقين وموعظتهم وتخويفهم بحيث لا يجترؤن على اظهار نفاقهم مع غيرهم اصلح لحفظ امّتك عن النّفاق.

اطفيش

تفسير : {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعلَمُ اللهُ مَا فِى قُلُوبِهِم}: من النفاق. {فَأعرِض عَنهُم}: أى عن عقوبتهم، أو عن قبول عذرهم لعلم ما فى قلوبهم، فهو كافيكهم، ثم نزل القتال أى عن توبيخهم بحضرة الناس، وعظهم سرا كما فسر به: {وَقُل لَّهُم فِى أَنفُسِهِم}. {وَعِظهُم}: بوعيد المنافقين الدنيوى والأخروى. {وَقُل لَّهُم فِى أَنفُسِهِم}: أى فى شأن أنفسهم وما زلت أقوله حتى رأيته ببعض من كتب على القاضى، والحمد لله. وقال السفاقصى: المعنى قل لهم خاليا بهم، لأن النصح اذا كان فى السر كان الحج أو قل لهم فى حال أنفسهم النجسة، المنطوية على النفاق، وهذا الوجه الآخر من كلامه موافق لما قلت، وهو مراد القاضى، وصرح به السيوطى، وفى أنفسهم متعلق بقل، أى أثبت القول البليغ فى أنفسهم لا ببليغا، لأن معمول النعت لا يتقدم على المعمول إلا شاذا أو ضرورة. {قَولاً بَلِيغًا}: أى مؤثرا فى نفوسهم زاجرا لها، وأصلا لها، كما يصل الصبغ أجزاء المصبوغ، بأن يبالغ فى زجرهم عن الذنوب والتوبة بالترغيب والترهيب، ولو بالتكرير والاطناب، أو بما يخرج به الكلام عن البلاغة فى اصطلاح أهل المعانى، غير أنه لا يصدر منه صلى الله عليه وسلم كلام خارج عن البلاغة التى فى اصطلاح أهل المعانى. وفسر بعضهم البلاغة فى الآية بكون الكلام حسن الألفاظ، حسن المعانى، مشتملا على الترغيب والترهيب، والاعذار والانذار، والوعد والوعيد، والثواب والعقاب، فبذلك يؤثر فى القلوب، وقيل: القول البليغ التخويف بالله عز وجل، وقيل: أن يوعدهم بالقتل ان لم يتوبوا من النفاق، وقيل: أن يقولوا لهم: ان أظهرتم ما فى قلوبكم من النفاق، وقتلتم، لان هذا القول يبلغ فى نفوسهم كل مبلغ، وقيل: أن يقول أن الله يعلم ما فى قلوبكم من النفاق، فما أنتم إلا كمن أظهر ما فى قلبه من الشرك، وانما رفع عنكم السيف والسلب، لإيمان ألسنتكم، والله قادر على أن ينزل فيكم السيف والسلب، أو داهية. وقيل: القول البليغ فى الأصل هو الذى يطابق مدلوله المقصود به، وقد قيل: خير الكلام ما شوق السماع أوله الى سماع آخره، وقيل: أحسن الكلام ما قلت ألفاظه، وكثرت معانيه، وقيل: لا يستحق اسم البلاغة إلا اذا سابق لفظه معناه، ومعناه لفظه، ولم يكن لفظه الى السمع أسبق من معناه الى القلب، وقيل: البلاغة فى الجملة ايصال المعنى الى الفهم فى أحسن صورة من اللفظ، وقيل: البلاغة حسن العبارة مع صحة المعنى، وهذا صادق بالفصاحة، وقيل: سرعة الايجاز مع الافهام، وحسن التصرف من غير إضجار، وقد قيل: البلاغة مأخوذة من بلوغ المراد.

اطفيش

تفسير : {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ مَا فِى قُلُوبِهِمْ} من النفاق وحب المخالفة، فلن يفوته عقابهم {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} لا تعاقبهم، فإن فى ترك عقابهم صلاحاً، ولو عاقبتهم لقال ناس بجهلهم، عاقبهم فى أدنى شىء، وكانت الفتنة فى أهله، أو فأعرض عن قبول عذرهم، كما يقال اعتذر إليه فأعرض عنه بمعنى أنه لم يجبه بقبول عذره ولم يلتفت إلى قبوله، والمصيبة تكون عقاباً على الذنب، وإن لم يتب عوقب أيضاً عليه فى الآخرة، وتكون للثواب وتكون مغفرة لما لم يصر عليه وأَهمله {وَعِظْهُمْ} بالزجر عن النفاق والمكر والكذب، وبعقاب الله فى الآخرة{وَقَل لَّهُمْ فِى أَنْفُسِهِمْ} فى شأن أنفسهم الخبيثة وحقها، أو فى خلوة بهم فإن النصح فى السر أنفع وفى الجهر فضيحة {قَوْلاً بَلِيغاً} أكيداً يأخذ منهم مأخذاً بأن يكون خشونة فى حق، مثل أن يقول أنتم لا بد مغلوبون مفتضحون، وقد استوجبتم أكثر مما استوجب من أظهر الشرك، إلا أن الله ستر عليكم لظاهر إسلامكم، فكيف تأمنون أن ينزل عيكم ما أنزل على المشركين المجاهرين من قتل، وسبى، وغنم، فقد يسلط الله عليكم المسلمين.

الالوسي

تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ} أي المنافقون المذكورون {ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِى قُلُوبِهِمْ} من فنون الشرور المنافية لما أظهروا لك من (بنات غير وجاءوا به من أذنى عناق) {فَأَعْرِضْ} حيث كانت حالهم كذلك {عَنْهُمْ} أي قبول عذرهم، ويلزم ذلك الإعراض عن طلبهم دم القتيل لأنه هدر، وقيل: عن عقابهم لمصلحة في استبقائهم، ولا تظهر لهم علمك بما في بواطنهم الخبيثة حتى يبقوا على نيران الوجل {وَعِظْهُمْ} بلسانك وكفهم عن النفاق {وَقُل لَّهُمْ فِى أَنفُسِهِمْ} أي قل لهم خالياً لا يكون معهم أحد لأنه أدعى إلى قبول النصيحة، ولذا قيل: النصح بين الملأ تقريع، أو قل لهم في شأن أنفسهم ومعناها {قَوْلاً بَلِيغاً} مؤثراً واصلا إلى كنه المراد مطابقاً لما سيق له من المقصود فالظرف على التقديرين متعلق بالأمر. وقيل: متعلق بـ {بَلِيغاً} وهو ظاهر على مذهب الكوفيين، والبصريون لا يجيزون ذلك لأن معمول الصفة عندهم لا يتقدم على الموصوف لأن المعمول إنما يتقدم حيث يصح تقدم عامله، وقيل: إنه إنما يصح إذا كان ظرفاً وقواه البعض، وقيل: إنه متعلق بمحذوف يفسره المذكور ـ وفيه بعد ـ والمعنى على تقدير التعلق: قل لهم قولاً بليغاً في أنفسهم مؤثراً فيها يغتمون به اغتماماً، ويستشعرون منه الخوف استشعاراً، وهو التوعد بالقتل والاستئصال، والإيذان بأن ما انطوت عليه قلوبهم الخبيثة من الشر والنفاق بمرأى من الله تعالى ومسمع ـ غير خاف عليه سبحانه ـ وإن ذلك مستوجب (لما تشيب منه النواصي، وإنما هذه المكافة) والتأخير لإظهارهم الإيمان وإضمارهم الكفر، ولئن أظهروا الشقاق وبرزوا بأشخاصهم من نفق النفاق (لتسامرنهم السمر والبيض، وليضيقن عليهم رحب الفلا بالبلاء العريض)، واستدل بالآية الأولى على أنه قد تصيب المصيبة بما يكتسبه العبد /من الذنوب، ثم اختلف في ذلك فقال الجبائي: لا يكون ذلك إلا عقوبة في التائب، وقال أبو هاشم: يكون ذلك لطفاً. وقال القاضي عبد الجبار: قد يكون لطفاً وقد يكون جزاءاً وهو موقوف على الدليل.

د. أسعد حومد

تفسير : {أُولَـٰئِكَ} (63) - وَهَذَا الضَّرْبُ مِنَ النَّاسِ هُمُ المُنَافِقُونَ، وَاللهُ وَحْدَهُ يَعْلَمُ مَبْلَغَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الكُفْرِ وَالحِقْدِ وَالكَيْدِ، وَسَيَجْزِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ، فَإنَّهُ لاَ تَخْفَى عَلَيهِ مِنْهُمْ خَافِيةٌ. ثُمَّ يَدْعُو اللهُ نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم إلى مُعَامَلَتِهِمْ: - أَوَّلاً - بِالإِعْرَاضِ عَنْهُمْ وَعَدَمِ الإِقْبَالِ عَلَيْهِمْ بِالبَشَاشَةِ وَالتَّكْرِيمِ، وَهَذَا النَّوعُ مِنَ المُعَامُلَةِ يُثِيرُ فِي نُفُوسِهِمُ الهَوَاجِسَ وَالشُّكُوكَ وَالظُّنُونَ. - ثُمَّ بِالنُّصْحِ وَالتَّذْكِيرِ بِالخَيْرِ، عَلَى وَجْهٍ تَرِقُّ لَهُ قُلُوبُهُمْ، وَيَبْعَثُهُمْ عَلَى التَّأمُّلِ فِيمَا يُلْقَى إلَيْهمْ مِنَ العِظَاتِ. - ثُمَّ بِالقَوْلِ البَلِيغِ، الذِي يُؤَثِّرُ فِي نُفُوسِهِمْ، كَالتَّوَعُّدِ بِالقَتْلِ، وَالاسْتِئْصَالِ إنْ ظَهَرَ مِنْهُمْ نِفَاقٌ، وَأنْ يُخْبِرَهُمْ أنَّ اللهَ عَالِمٌ بِمَا فِي نُفُوسِهِمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وناهيك بعلم الله، ولذلك يقول ربنا: {أية : وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ} تفسير : [محمد: 30]. يعني: نحن لو شئنا أن نقول لك من هم لقلنا لك ودللناك عليهم حتى تعرفهم بأعيانهم، ولكن الله ستر عليهم إبقاء عليهم لعلهم يتوبون، ولتعرفنهم من فحوى كلامهم وأسلوبهم. {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} لقد ذهبوا ليتحاكموا إلى الطاغوت، وقد ذهبوا إلى هناك لعلمهم أنهم ليسوا على حق، ولأنهم إن ذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسيحكم بالحق، والحق يضارُّهم ويُضايقهم، فهل كانوا بالفعل يريدون إحساناً وتوفيقاً، أو كانوا لا يريدون الحق؟. لقد أرادوا الحكم المزور. لذلك يأتي الأمر من الحق لرسوله: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ}؛ لأنك إن عاقبتهم فقد أخذت منهم حقك، والله يريد أن يبقي حقك ليقتص - سبحانه - لك منهم، وأعرض أيضاً عنهم لأننا نريد أن يُظهر منهم في كل فترة شيئاً لنعلم المجتمع الإيماني اليقظة إلى أن هناك أناساً مدسوسين بينهم، لذلك لا بد من الحذر والتدبر. كما أنك إذا أعرضت عنهم أسقطتهم من حساب دعوتك. "وعظهم" أي قل لهم: استحوا من أفعالكم. {وَقُل لَّهُمْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً} أي قل لهم قولاً يبلغ الغاية من النفس البشرية ويبلغ الغاية من الوعظ، أي يوعدهم الوعيد الذي يخيفهم كي يبلغ من أنفسهم مبلغاً، أو {وَقُل لَّهُمْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً} أي أفضح لهم ما يسترون؛ كي يعرفوا أن الله مطلعك على ما في أنفسهم فيستحوا من فعلهم ولا يفعلوه، قل لهم ذلك بدون أن تفضحهم أمام الناس؛ لأن عدم فضحهم أمام الناس يجعل فيهم شيئا من الحياء، وأيضاً لأن العظة تكون ذات أثر طيب إذا كان الواعظ في خلوة مع الموعوظ فيناجيه ولا يفضحه، ففضح الموعوظ أمام الناس ربما أثار فيه غريزة العناد، لكن عندما تعظه في السرّ يعرف أنك لا تزال به رحيماً، ولا تزال تعامله بالرفق والحسنى. {وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ} وإنك لو فعلت ذلك علناً فستعطي الأسوة لغيرك أن يفعل. والله قد أطلعك على ما في قلوب هؤلاء من الكفر أما غيرك فلا يطلعه الله على غيب ولو رمى أحداً بذنب أو كفر فلعله لا يصادف الحق والواقع وتشريعنا يقول لنا: "ادرأوا الحدود بالشبهات". والتطبيق لهذا التشريع نجده عندما يتم القبض على سارق، لكن هناك شبهة في الاتهام، هذه الشبهة يجب أن تفسر في صالح المتهم، وندرأ الحد لوجود شبهة؛ فليس من مصلحة المسلمين أن نقول كل يوم: إننا قطعنا يد سارق أو رجمنا زانية. لكن إذا افتضحت الجرائم وليس في ارتكابها شبهة والمسألة واضحة فلا بد أن نضرب على أيدي المجرمين. فنحن ندرأ الحد بالشبهة حتى لا نلحق ضرراً أو ننال من بريء، ونطق الحد حتى يرتدع كل من تسول له نفسه أمراً محرّما حتى لا يرتكب الأمر المحرّم. وعندما يقام الحدّ في أي بيئة، فإنه لا يقام إلا لفترة قليلة وتتراجع بعدها الجرائم، ولا يرى أحد سارقاً أو زانياً. إذن فقول الله: {وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً} يعني: قل لهم ما يهددهم تهديداً يصل إلى أعماق نفوسهم، أو {وَقُل لَّهُمْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ} بأن تكشف مستورات عيوبهم أو قل لهم في أنفسهم بينك وبينهم؛ لأن هذا أدعي إلى أن يتقبلوه منك ولا يوغر صدورهم ويثير فيهم غريزة العناد. ويقول الحق بعد ذلك: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ...}.

الأندلسي

تفسير : {يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} من النفاق، وعبر عن المجازاة بالعلم والقول البليغ هو الزاجر والرادع. ويتعلق قوله في أنفسهم، بقوله قل على أحد معنيين، أي قل لهم خالياً بهم لا يكون معهم أحد من غيرهم مسارّاً لأن النصح إذا كان في السر كان أنجح وكان بصدد أن يقبل سريعاً. ومعنى بليغاً أي مؤثراً فيهم. أو قل لهم في معنى أنفسهم النجسة المنطوية على النفاق قولاً بليغاً يبلغ منهم ما يزجرهم عن العود إلى ما فعلوا. وقال الزمخشري: فإِن قلت: بم تعلق قوله في أنفسهم؟ قلت: بقوله بليغاً، أي قل لهم قولاً بليغاً في أنفسهم مؤثراً في قلوبهم يغتمون به اغتماماً ويستشعرون منه الخوف استشعاراً وهو التوعد بالقتل والاستئصال ان نجم منهم النفاق. "انتهى إعرابه وتعليقه" في أنفسهم بقوله بليغاً، لا يجوز على مذهب البصريين لأن معمول الصفة لا يتقدم على الموصوف عندهم. لو قلت: هذا رجل ضارب زيداً، لم يجز أن تقول: هذا زيداً رجل ضارب، لأن حق المعمول أن لا يحل إلا في موضع يحل فيه العامل ومعلوم أن النعت لا يتقدم على المنعوت لأنه تابع والتابع لا يتقدم على المنعوت لأنه تابع والتابع لا يتقدم على المتبوع وأجاز ذلك الكوفيون أجازوا هذا طعامك رجل يأكل. والزمخشري أخذ في ذلك بمذهب الكوفيين. واللام في: {لِيُطَاعَ}، لام كي، وهو استثناء مفرغ من المفعول من أجله، أي وما أرسلنا من رسول لشيء من الأشياء إلا يجل الطاعة. وقال ابن عطية: وعلى التعليقين فالكلام عام اللفظ خاص المعنى لأنا نقطع ان الله تبارك وتعالى قد أراد من بعض خلقه أن لا يطيعوه، ولذلك خرجت طائفة معنى الاذن إلى العلم وطائفة خرجته إلى الارشاد لقوم دون قوم وهو تخريج حسن لأن الله تعالى إذا علم من أحد أنه يؤمن وفقه لذلك. فكأنه أذن له. "انتهى" لا يلزم ما ذكره من أن الكلام عام اللفظ خاص المعنى لأن قوله: ليطاع، مبني للمفعول الذي لم يسم فاعله ولا يلزم من الفاعل المحذوف أن يكون عاماً فيكون التقدير ليطيعه العالم بل المحذوف ينبغي أن يكون خالصاً ليوافق الموجود فيكون التقدير أصله إلا ليطيعه من أراد طاعته. وفي قوله: {بِإِذْنِ ٱللَّهِ}، التفات. وهو الخروج من ضمير المتكلم في أرسلنا إلى الاسم الغائب والعامل في إذ خبر إنّ وهو جاؤوك. {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} لا الأولى أكدت معنى النفي. و{لاَ يُؤْمِنُونَ} جواب القسم وهو قوله: وربك. ونظيره في التأكيد قول الشاعر: شعر : فلا وأبيك لا يلغى لما بي ولا للما بهم أبداً دواء تفسير : وحتى هنا للغاية أي لا يصح إيمانهم إلى أن يحكموك وقد تكون حتى بمعنى إلا أن، وهذا أظهر من الغاية وشجر الأمر التبس يشجر شجوراً وشجراً وشاجر الرجل غيره في الأمر نازعه فيه وتشاجروا. وإن في قوله: {أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ} يجوز أن تكون مفسرة بمعنى أي لأنه تقدمها كتبنا وهو في معنى القول ويجوز أن تكون مصدرية. وقرأ الجمهور: {إِلاَّ قَلِيلٌ} بالرفع وهو بدل من ضمير الفاعل في فعلوه. وقرأ ابن عامر وغيره بالنصب والرفع أكثر في لسان العرب لأن قبله نفي. وقال الزمخشري: وقرىء إلا قليلاً بالنصب على أصل الاستثناء أو على الا فعلاً قليلاً. "انتهى". أما النصب على أصل الاستثناء فهو الذي وجه الناس عليه هذه القراءة. وأما قوله: إلا فعلاً قليلا ً، فهو ضعيف لمخالفة مفهوم التأويل قراءة الرفع. ولقوله: منهم، فإِنه يَعلق على هذا التركيب. ولو قلت: ما ضربوا زيداً إلا ضرباً قليلاً منهم، لم يحسن أن يكون منهم لا فائدة في ذكره وضمير النصب فيما فعلوه عائد على أحد المصدرين المفهومين من قوله: أن اقتلوا أو أخرجوا. وقال أبو عبد الله الرازي: الكناية في قوله: ما فعلوه، عائدة على القتل والخروج معاً، وذلك لأن الفعل جنس واحد وإن اختلفت صورته. "انتهى". وهو كلام غير نحوي.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} [النساء: 63] من الشبهات واعتقاد السوء والصدود عن الحق وكتمان نفاقهم، {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} [النساء: 63] في الظاهر {أية : بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}تفسير : [النحل: 125]، لهم في الرجوع إليَّ، وترك التمادي في الباطل، {وَقُل لَّهُمْ} [النساء: 63]، بصلابة الدين {فِيۤ أَنْفُسِهِمْ} [النساء: 63] في قتلهم وهلاكهم؛ أي: خوفتهم بالقتل إن لم يرجعوا إلى الحق، {قَوْلاً بَلِيغاً} [النساء: 63] في الموعظة والتخويف، {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} [النساء: 64]، ولا يطاع العقل بإذن الهوى، فافهم جيداً. {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ} [النساء: 64]، بمتابعة الهوى وتحاكمهم إلى العقول دون الكتاب والسنة، {جَآءُوكَ} [النساء: 64]، تاركين أهواءهم، تابعين لك ولما جنت به، {فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ} [النساء: 64]؛ أي: تابوا إلى الله وطلبوا منه طريق الحق والوصول إلى الحقيقة في متابعتك، {وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ} [النساء: 64]؛ أي: يشفع لهم في الحضرة، ويهديهم بقوة النبوة والرسالة إلى صراط مستقيم في الطلب، { لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ} [النساء: 64] ووصلوا إليه؛ لأنه كان {تَوَّاباً} [النساء: 64] بهم إذا تابوا، واجداً لهم إذا طلبوا، {رَّحِيماً} [النساء: 64] بهم إذا وصلوا. ثم أخبر عن خواص الإيمان لخواص الإنسان بقوله تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [النساء: 65]، إلى قوله {أية : صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً}تفسير : [النساء: 68]، والإشارة فيه: إن الله تعالى أكد الكلام بالقسم، والقسم بذاته تبارك وتعالى {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} [النساء: 65]؛ يعني: الذين يزعمون أنهم يؤمنون، ليعلم أن الإيمان الحقيقي الذي ينفع العبد وينجيه ليس بمجرد التصديق والإقرار، بل له محك يضرب عليه نقود الإيمان فيظهر الخالص من المغشوش، والجيد من الرديء، والبر من البهرج، وهو قوله تعالى: {حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [النساء: 65]، حتى يحكموا الشرع لا الطبع، والنبوة والمولى لا الهوى، ووارد الحق لا موارد الخلق فيما التبس عليهم، واختلف أرادهم فيه وتخيّرت عقولهم عنه، {أية : فَتَنَازَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ}تفسير : [طه: 62]، {ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ} [النساء: 65]؛ يعني: وإن كان القضاء على خلاف الطبع وهو النفس لا يجدوا في مرآة أنفسهم صورة كراهة ولا خيال نزاهة من قضاء الحق، بل من القضايا الأزلية والأحكام الإلهية، {وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} [النساء: 65] للحق وأحكامه الأزلية باستسلام النفوس ورضا القلوب.