٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
64
Tafseer
الرازي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } واعلم أنه تعالى لما أمر بطاعة الرسول في قوله: {وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِى ٱلاْمْرِ مِنْكُمْ } ثم حكى ان بعضهم تحاكم الى الطاغوت ولم يتحاكم الى الرسول، وبين قبح طريقه وفساد منهجه، رغب في هذه الآية مرة أخرى في طاعة الرسول فقال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الزجاج كلمة «من» ههنا صلة زائدة، والتقدير: وما أرسلنا رسولا، ويمكن أن يكون التقدير: وما أرسلنا من هذا الجنس أحدا الا كذا وكذا، وعلى هذا التقدير تكون المبالغة أتم. المسألة الثانية: قال أبو علي الجبائي: معنى الآية: وما أرسلت من رسول إلا وأنا مريد أن يطاع ويصدق ولم أرسله ليعصى. قال: وهذا يدل على بطلان مذهب المجبرة لانهم يقولون: انه تعالى أرسل رسلا لتعصى، والعاصي من المعلوم أنه يبقى على الكفر، وقد نص الله على كذبهم في هذه الآية، فلو لم يكن في القرآن ما يدل على بطلان قولهم إلا هذه الآية لكفى، وكان يجب على قولهم أن يكون قد أرسل الرسل ليطاعوا وليعصوا جميعا، فدل ذلك على أن معصيتهم للرسل غير مرادة لله، وأنه تعالى ما أراد ألا أن يطاع. واعلم أن هذا الاستدلال في غاية الضعف وبيانه من وجوه: الأول: ان قوله: {إلاَّ لِيُطَاعَ } يكفي في تحقيق مفهومه أن يطيعه مطيع واحد في وقت واحد، وليس من شرط تحقق مفهومه أن يطيعه جميع الناس في جميع الاوقات، وعلى هذا التقدير فنحن نقول بموجبه: وهو أن كل من أرسله الله تعالى فقد أطاعه بعض الناس في بعض الاوقات، اللهم الا أن يقال: تخصيص الشيء بالذكر يدل على نفي الحكم عما عداه، الا أن الجبائي لا يقول بذلك، فسقط هذا الاشكال على جميع التقديرات. الثاني: لم لا يجوز أن يكون المراد به ان كل كافر فانه لا بد وأن يقربه عند موته، كما قال تعالى: {أية : وَإِن مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } تفسير : [النساء: 159] أو يحمل ذلك على ايمان الكل به يوم القيامة، ومن المعلوم أن العلم بعدم الطاعة مع وجود الطاعة متضادان، والضدان لا يجتمعان، وذلك العلم ممتنع العدم، فكانت الطاعة ممتنعة الوجود، والله عالم بجميع المعلومات، فكان عالما بكون الطاعة ممتنعة الوجود، والعالم بكون الشيء ممتنع الوجود لا يكون مريداً له، فثبت بهذا البرهان القاطع أن يستحيل أن يريد الله من الكافر كونه مطيعاً، فوجب تأويل هذه اللفظة وهو أن يكون المراد من الكلام ليس الارادة بل الأمر، والتقدير: وما أرسلنا من رسول إلا ليؤمر الناس بطاعته، وعلى هذا التقدير سقط الاشكال. المسألة الثالثة: قال أصحابنا: الآية دالة على أنه لا يوجد شيء من الخير والشر والكفر والايمان والطاعة والعصيان إلا بارادة الله تعالى، والدليل عليه قوله تعالى: {إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } ولا يمكن أن يكون المراد من هذا الاذن الأمر والتكليف، لأنه لا معنى لكونه رسولا الا أن الله أمر بطاعته، فلو كان المراد من الاذن هو هذا لصار تقدير الآية: وما أذنا في طاعة من أرسلناه الا باذننا وهو تكرار قبيح، فوجب حمل الاذن على التوفيق والاعانة. وعلى هذا الوجه فيصير تقدير الآية: وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بتوفيقنا وإعانتنا، وهذا تصريح بأنه سبحانه ما أراد من الكل طاعة الرسول، بل لا يريد ذلك الا من الذي وفقه الله لذلك وأعانه عليه وهم المؤمنون. وأما المحرومون من التوفيق والاعانة فالله تعالى ما أراد ذلك منهم، فثبت أن هذه الآية من أقوى الدلائل على مذهبنا. المسألة الرابعة: الآية دالة على أنه لا رسول إلا ومعه شريعة ليكون مطاعا في تلك الشريعة ومتبوعا فيها، اذ لو كان لا يدعو إلا إلى شرع من كان قبله لم يكن هو في الحقيقة مطاعا، بل كان المطاع هو الرسول المتقدم الذي هو الواضع لتلك الشريعة، والله تعالى حكم على كل رسول بأنه مطاع. المسألة الخامسة: الآية دالة على أن الأنبياء عليهم السلام معصومون عن المعاصي والذنوب لأنها دلت على وجوب طاعتهم مطلقا، فلو أتوا بمعصية لوجب علينا الاقتداء بهم في تلك المعصية فتصير تلك المعصية واجبة علينا، وكونها معصية يوجب كونها محرمة علينا، فيلزم توارد الايجاب والتحريم على الشيء الواحد وإنه محال. فان قيل: ألستم في الاعتراض على كلام الجبائي ذكرتم أن قوله: {إلاَّ لِيُطَاعَ } لا يفيد العموم، فكيف تمسكتم به في هذه المسألة مع أن هذا الاستدلال لا يتم إلا مع القول بأنها تفيد العموم. قلنا: ظاهر اللفظ يوهم العموم، وإنما تركنا العموم في تلك المسألة للدليل العقلي القاطع الذي ذكرناه على أنه يستحيل منه تعالى أن يريد الايمان من الكافر، فلأجل ذلك المعارض القاطع صرفنا الظاهر عن العموم، وليس في هذه المسألة برهان قاطع عقلي يوجب القدح في عصمة الأنبياء فظهر الفرق. قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَاءوكَ فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً }. وفيه مسائل: المسألة الأولى: في سبب النزول وجهان: الأول: المراد به من تقدم ذكره من المنافقين، يعني لو أنهم عندما ظلموا أنفسهم بالتحاكم إلى الطاغوت والفرار من التحاكم إلى الرسول جاؤا الرسول وأظهروا الندم على ما فعلوه وتابوا عنه واستغفروا منه واستغفر لهم الرسول بأن يسأل الله أن يغفرها لهم عند توبتهم لوجدوا الله توابا رحيما. الثاني: قال أبو بكر الأصم: إن قوما من المنافقين اصطلحوا على كيد في حق الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم دخلوا عليه لأجل ذلك الغرض فأتاه جبريل عليه السلام فأخبره به، فقال صلى الله عليه وسلم: إن قوما دخلوا يريدون أمراً لا ينالونه، فليقوموا وليستغفروا الله حتى أستغفر لهم فلم يقوموا، فقال: ألا تقومون، فلم يفعلوا فقال صلى الله عليه وسلم: قم يا فلان قم يا فلان حتى عد أثنى عشر رجلا منهم، فقاموا وقالوا: كنا عزمنا على ما قلت، ونحن نتوب إلى الله من ظلمنا أنفسنا فاستغفر لنا، فقال: الآن اخرجوا أنا كنت في بدء الأمر أقرب إلى الاستغفار: وكان الله أقرب الى الاجابة اخرجوا عني. المسألة الثانية:لقائل أن يقول: أليس لو استغفروا الله وتابوا على وجه صحيح لكانت توبتهم مقبولة، فما الفائدة في ضم استغفار الرسول إلى استغفارهم؟ قلنا: الجواب عنه من وجوه: الأول: أن ذلك التحاكم إلى الطاغوت كان مخالفة لحكم الله، وكان أيضاً إساءة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وإدخالا للغم في قلبه، ومن كان ذنبه كذلك وجب عليه الاعتذار عن ذلك الذنب لغيره، فلهذا المعنى وجب عليهم أن يطلبوا من الرسول أن يستغفر لهم. الثاني: أن القوم لما لم يرضوا بحكم الرسول ظهر منهم ذلك التمرد، فاذا تابوا وجب عليهم أن يفعلوا ما يزيل عنهم ذلك التمرد، وما ذاك إلا بأن يذهبوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ويطلبوا منه الاستغفار. الثالث: لعلهم إذا أتوا بالتوبة أتوا بها على وجه الخلل، فاذا انضم اليها استغفار الرسول صارت مستحقة للقبول والله أعلم. المسألة الثالثة: إنما قال: {وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ } ولم يقل واستغفرت لهم إجلالا للرسول عليه الصلاة والسلام، وأنهم إذا جاؤه فقد جاؤا من خصه الله برسالته وأكرمه بوحيه وجعله سفيرا بينه وبين خلقه، ومن كان كذلك فان الله لا يرد شفاعته، فكانت الفائدة في العدول عن لفظ الخطاب إلى لفظ المغايبة ما ذكرناه. المسألة الرابعة: الآية دالة على الجزم بأن الله تعالى يقبل توبة التائب، لأنه تعالى لما ذكر عنهم الاستغفار قال بعده: {لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً } وهذا الجواب إنما ينطلق على ذلك الكلام إذا كان المراد من قوله: {تَوَّاباً رَّحِيماً } هو أن يقبل توبتهم ويرحم تضرعهم ولا يريد استغفارهم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ} {مِن} زائدة للتّوكيد. {أِلاَّ لِيُطَاعَ} فيما أمر به ونهى عنه. {بِإِذْنِ ٱللَّهِ} بعلم الله. وقيل: بتوفيق الله. {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ} روى أبو صادق عن عليّ قال: قدِم علينا أعرابيّ بعدما دفّنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاثة أيام، فرمى بنفسه على قبر رسول صلى الله عليه وسلم، وحَثَا على رأسه من ترابه؛ فقال: قلتَ يا رسول الله فسمعنا قولك، وَوَعَيْتَ عن الله فوعينا عنك، وكان فيما أنزل الله عليك {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ} الآية، وقد ظلمتُ نفسي وجئتك تستغفر لي. فنودي من القبر أنه قد غفر لك. ومعنى {لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً} أي قابلا لتوبتهم، وهما مفعولان لا غير.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ} أي: فرضت طاعته على من أرسله إليهم. وقوله: {بِإِذْنِ ٱللَّهِ} قال مجاهد: أي: لا يطيع أحد إلا بإذني، يعني: لا يطيعهم إلا من وفقته لذلك، كقوله: {أية : وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} تفسير : [آل عمران: 152] أي: عن أمره وقدره ومشيئته وتسليطه إياكم عليهم. وقوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} الآية، يرشد تعالى العصاة والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فيستغفروا الله عنده، ويسألوه أن يستغفر لهم، فإنهم إذا فعلوا ذلك، تاب الله عليهم، ورحمهم، وغفر لهم، ولهذا قال: {لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً} وقد ذكر جماعة منهم الشيخ أبو نصر بن الصباغ في كتابه "الشامل" الحكاية المشهورة عن العتبي، قال: كنت جالساً عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله يقول: { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً} وقد جئتك مستغفراً لذنبي، مستشفعاً بك إلى ربي. ثم أنشأ يقول:شعر : يا خَيْرَ مَنْ دُفِنَتْ بِالقاعِ أَعْظُمُهُ فَطابَ مِنْ طِيْبِهِنَّ القاعُ والأَكَمُ نَفْسِي الفِداءُ لِقَبْرٍ أَنْتَ ساكِنُهُ فيهِ العَفافُ وفيهِ الجُودُ والكَرَمُ تفسير : ثم انصرف الأعرابي، فغلبتني عيني، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم، فقال: يا عتبي الحق الأعرابي، فبشره أن الله قد غفر له». وقوله: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع الأمور، فما حكم به، فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطناً وظاهراً، ولهذا قال: {ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِىۤ أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} أي: إذا حكموك، يطيعونك في بواطنهم، فلا يجدون في أنفسهم حرجاً مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن، فيسلمون لذلك تسليماً كلياً من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة، كما ورد في الحديث: «حديث : والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به»تفسير : . وقال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا معمر عن الزهري، عن عروة، قال: خاصم الزبير رجلاً في شريج من الحرة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك» تفسير : فقال الأنصاري: يا رسول الله، أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: «حديث : اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، ثم أرسل الماء إلى جارك»تفسير : . واستوعى النبي صلى الله عليه وسلم للزبير حقه، في صريح الحكم حين أحفظه الأنصاري، وكان أشار عليهما صلى الله عليه وسلم بأمر لهما فيه سعة، قال الزبير: فما أحسب هذه الآية إلا نزلت في ذلك: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} الآية. هكذا رواه البخاري ههنا، أعني: في كتاب التفسير من صحيحه من حديث معمر، وفي كتاب الشرب من حديث ابن جريج ومعمر أيضاً، وفي كتاب الصلح من حديث شعيب بن أبي حمزة، ثلاثتهم عن الزهري، عن عروة، فذكره، وصورته صورة الإرسال، وهو متصل في المعنى، وقد رواه الإمام أحمد من هذا الوجه، فصرح بالإرسال، فقال: حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب عن الزهري، أخبرني عروة بن الزبير أن الزبير كان يحدث أنه كان يخاصم رجلاً من الأنصار قد شهد بدراً إلى النبي صلى الله عليه وسلم في شراج الحرة، كانا يسقيان بها كلاهما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للزبير: «حديث : اسق، ثم أرسل إلى جارك» تفسير : فغضب الأنصاري، وقال: يا رسول الله، أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «حديث : اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر» تفسير : فاستوعى النبي صلى الله عليه وسلم للزبير حقه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه سعة له وللأنصاري، فلما أحفظ الأنصاري رسول الله صلى الله عليه وسلم استوعى النبي صلى الله عليه وسلم للزبير حقه في صريح الحكم. قال عروة: فقال الزبير: والله ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك: { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِىۤ أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً}، هكذا رواه الإمام أحمد، وهو منقطع بين عروة وبين أبيه الزبير، فإنه لم يسمع منه، والذي يقطع به أنه سمعه من أخيه عبد الله، فإن أبا محمد عبد الرحمن ابن أبي حاتم، رواه كذلك في تفسيره، فقال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني الليث ويونس عن ابن شهاب: أن عروة بن الزبير حدثه: أن عبد الله بن الزبير حدثه عن الزبير بن العوام: أنه خاصم رجلاً من الأنصار قد شهد بدراً مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شراج الحرة، كانا يسقيان به كلاهما النخل، فقال الأنصاري: سرح الماء يمر، فأبى عليه الزبير، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : اسق يا زبير، ثم أرسل إلى جارك»تفسير : فغضب الأنصاري، وقال: يا رسول الله، أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «حديث : اسقِ يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر» تفسير : واستوعى رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير حقه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه السعة له وللأنصاري، فلما أحفظ الأنصاري رسول الله صلى الله عليه وسلم، استوعى للزبير حقه في صريح الحكم، فقال الزبير: ما أحسب هذه الآية إلا في ذلك: { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِىۤ أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} وهكذا رواه النسائي من حديث ابن وهب به. ورواه أحمد والجماعة كلهم من حديث الليث به. وجعله أصحاب الأطراف في مسند عبد الله بن الزبير. وكذا ساقه الإمام أحمد في مسند عبد الله بن الزبير، والله أعلم. والعجب كل العجب من الحاكم أبي عبد الله النيسابوري؛ فإنه روى هذا الحديث من طريق ابن أخي ابن شهاب عن عمه عن عروة، عن عبد الله بن الزبير، عن الزبير، فذكره، ثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. فإني لا أعلم أحداً قام بهذا الإسناد عن الزهري بذكر عبد الله بن الزبير غير ابن أخيه، وهو عنه ضعيف، وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن علي أبو دحيم، حدثنا أحمد ابن حازم، حدثنا الفضل بن دكين، حدثنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار، عن سلمة ـ رجل من آل أبي سلمة ـ قال: خاصم الزبير رجلاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى للزبير، فقال الرجل: إنما قضى له لأنه ابن عمته، فنزلت: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} الآية، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا أبو حيوة، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب في قوله: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} قال: نزلت في الزبير بن العوام وحاطب بن أبي بلتعة، اختصما في ماء، فقضى النبي صلى الله عليه وسلم أن يسقي الأعلى ثم الأسفل، هذا مرسل، ولكن فيه فائدة تسمية الأنصاري. (ذكر سبب آخر غريب جداً) قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، أخبرنا ابن وهب، وأخبرني عبد الله بن لهيعة عن أبي الأسود، قال: اختصم رجلان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى بينهما، فقال المقضي عليه: ردنا إلى عمر بن الخطاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : نعم انطلقا إليه» تفسير : فلما أتيا إليه، فقال الرجل: يابن الخطاب قضى لي رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا، فقال: ردنا إلى عمر بن الخطاب، فردنا إليك، فقال: أكذاك؟ قال: نعم. فقال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما فأقضي بينكما، فخرج إليهما مشتملاً على سيفه، فضرب الذي قال: ردنا إلى عمر، فقتله، وأدبر الآخر، فأتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، قتل عمر والله صاحبي، ولولا أني أعجزته لقتلني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ما كنت أظن أن يجترىء عمر على قتل مؤمن» تفسير : فأنزل الله: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ} الآية، فهدر دم ذلك الرجل، وبرىء عمر من قتله، فكره الله أن يسن ذلك بعد، فأنزل: {أية : وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} تفسير : [النساء: 66] الآية. وكذا رواه ابن مردويه من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود، به، وهو أثر غريب مرسل، وابن لهيعة ضعيف، والله أعلم. (طريق أخرى) قال الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن ابن إبراهيم بن دحيم في تفسيره: حدثنا شعيب بن شعيب، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا عتبة بن ضمرة، حدثني أبي: أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقضى للمحق على المبطل، فقال المقضي عليه: لا أرضى، فقال صاحبه: فما تريد؟ قال: أن نذهب إلى أبي بكر الصديق، فذهبا إليه، فقال الذي قضي له: قد اختصمنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى لي، فقال أبو بكر: أنتما على ما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى صاحبه أن يرضى، فقال: نأتي عمر بن الخطاب، فقال المقضي له: قد اختصمنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى لي عليه، فأبى أن يرضى، فسأله عمر ابن الخطاب، فقال كذلك، فدخل عمر منزله، وخرج والسيف في يده قد سله، فضرب به رأس الذي أبى أن يرضى، فقتله، فأنزل: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} الآية.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ } فيما يأمر به ويحكم {بِإِذُنِ ٱللَّهِ } بأمره لا ليُعْصَى ويُخَالف {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } بتحاكمهم إلى الطاغوت {جاءُوك} تائبين { فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ } فيه التفات عن الخطاب تفخيماً لشأنه {لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً } عليهم {رَّحِيماً } بهم.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} ومعنى {شَجَرَ بَينَهُم} أي وقع بينهم من المشاجرة وهي المنازعة والاختلاف، سُمِّيَ ذلك مشاجرة، لتداخل بعض الكلام كتداخل الشجر بالتفافها. {ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيتَ} وفي الحرج تأويلان: أحدهما: يعني شكّاً وهو قول مجاهد. والثاني: يعني إثماً، وهو قول الضحاك. واختلف في سبب نزولها على قولين. أحدهما: أنها نزلت في المنافق واليهودي اللَّذين احتكما إلى الطاغوت، وهذا قول مجاهد، والشعبي. والثاني: أنها نزلت في الزبير ورجل من الأنصار قد شهد بدراً، تخاصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شراج من الحرّة كانا يسقيان به نخلاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : اسْقِ يا زُبَيرُ ثُمَّ أَرسِل المَاءَ إلَى جَارِكَ" تفسير : فغضب الأنصاري وقال: يا رسول الله آن كان ابن عمتك، فَتَلَوِّنَ وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرف أن قد ساءه، ثم قال يا زبير: "حديث : احْبسِ المَاءَ إلَى الجُدُرِ أو الكَعْبَينِ ثَمَّ خَلِّ سَبِيلَ المَاءِ" تفسير : فنزلت هذه الآية، وهذا قول عبد الله بن الزبير، وعروة، وأم سلمة.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ}: تنبيهٌ علَىٰ جلالة الرُّسُل، أي: فأنْتَ، يا محمَّد، منهم تَجِبُ طاعَتُكَ، وتتعيَّن إجابةُ الدعْوَةِ إلَيْكَ، و {بِإِذُنِ ٱللَّهِ}: معناه: بأمْرِ اللَّه، و {ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ}: أيْ: بالمعصيةِ، والنِّفَاق، وعن العتبيِّ، قال: كُنْتُ جالساً عند قَبْرِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَمِعْتُ اللَّهَ تَعَالَىٰ يَقُولُ: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً}، وقَدْ جِئْتُكَ مُسْتَعْفِياً مِنْ ذُنُوبِي، مُسْتَغْفِراً إلَىٰ رَبِّي، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: [البسيط] شعر : يَا خَيْرَ مَنْ دُفِنَتْ بِالْقَاعِ أَعْظُمُهُ فَطَابَ مِنْ طِيبِهِنَّ القَاعُ وَالأََكَمُ نَفْسي الفِدَاءُ لِقَبْرٍ أَنْتَ سَاكِنُهُ فِيهِ العَفَافُ، وَفِيهِ الجُودُ وَالكَرَمُ تفسير : قال: ثُمَّ ٱنْصَرَفَ، فَحَمَلَتْنِي عَيْنَايَ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي النَّوْمِ، فَقَالَ لِي: «يَا عُتْبِيُّ: ٱلْحَقِ الأَعْرَابِيَّ، فَبَشِّرْهُ أنَّ اللَّهَ تَعَالَىٰ قَدْ غَفَرَ لَهُ». انتهى من «حلية النوويِّ»، و «سُنَنِ الصَّالحين»؛ للباجيِّ، وفيه: مُسْتَغْفِراً مِنْ ذُنُوبِي، مستشفعاً بك إلى ربِّي.
ابن عادل
تفسير : لما أمر - [تعالى] - بطاعَةِ الرَّسُول في الآيةِ الأولَى، رغَّب في هذه الآيةِ مَرَّة أخْرَى. قال الزَّجَّاج: كلمة "مِنْ" هَهُنَا صِلَة زَائِدَة، والتَّقْدِير: وَمَا أرْسلْنَا رَسُولاً. قوله: "ليطاع" هذه لاَمُ كي، والفِعْلُ بَعْدَها مَنْصُوب بإضْمَار "أن"، وهذا استِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ من المَفْعُول لَهُ، والتَّقْدِير: ومَا أرسَلْنَا من رسُولٍ لشَيْءٍ من الأشْيَاءِ إلاَّ للطَّاعَةِ. و"بإذن الله". فيه ثلاثَةَ أوْجُه: أحدها: أنه يَتَعَلَّق بـ {لِيُطَاعَ} والبَاءُ للسَّبَبِيَّة، وإليه ذَهَب أبُو البَقَاءِ؛ قال: وقيل: مَفْعُولٌ به، أي: بِسَبَبِ أمْر اللَّه. الثاني: أن يَتَعَلَّق بـ "أرسلنا" أي: وما أرسلنا بأمْرِ اللَّه، أي: بِشَرِيعَته. الثالث: أن يتعلَّق بِمحْذُوفٍ على أنه حالٌ من الضَّمِير في "يطاع" وبه بَدأ أبُو البَقَاء. وقال ابن عَطِيَّة: وعلى التَّعْلِيقَيْنِ؛ أي: تعليقُهُ بـ "يطاع" أو بـ "أرسلنا"، فالكلام عَامٌّ واللَّفْظُ خاصٌّ، المعنى لأنَّا نَقْطَع أن اللَّه قد أرَادَ من بَعْضِهِم ألاَّ يُطيعُوه، ولذلِك تأوَّل بَعْضُهم الإذْن بالعِلْمِ، وبعضهم بالإرْشَادِ. قال أبو حَيَّان: ولا يَحْتَاجُ لذلك؛ لأن قَوْلَه عامُّ اللَّفْظِ مَمْنُوع؛ وذلك أن "يطاع" مبني للمَفْعُول فيقدر ذَلِك الفَاعِل المَحْذُوف خَاصاً، وتقديره: إلاَّ ليُطيعَه من أراد [الله] طاعَتَهُ. فصل قال الجُبَّائِيّ: معنى الآية: وما أرْسَلْنَا من رسُول إلاّ وأنا مُريدٌ، أن يُطَاعَ ويُصَدَّق، ولم أرسِلْهُ لِيُعْصَى، [و] وهذا يَدُلُّ على بُطْلان مَذْهَب المجَبَّرة؛ لأنَّهُم يَقُولون: إنه - تعالى - أرْسَل رُسُلاً لتُعْصَى، والعَاصي من المَعْلُومِ أنَّهُ يَبْقَى على الكُفْرِ، وقد نَصَّ الله - تعالى - على كَذبِهِم في هَذِه الآيَة، وكان يَجِبُ على قَوْلِهِم أن يكُون قَدْ أرْسَل الرُّسُل لِيُطاعُوا وليُعْصُوا جَميعاً، فدلَّ ذلك على أنَّ مَعْصِيتَهُم للرُّسُل غير مُرَادةٍ لله - تعالى -، وأنَّه ما أرَادَ إلا أنْ يُطاعَ. والجواب من وُجُوه: الأول: أن قوله: "إلا ليطاع" يكفي في تحقيق مَفْهُومه أن يُطيعَهُ مُطِيعٌ واحِدٌ، لا أن يُطيعَه جميع النَّاسِ في جَمِيع الأوْقَاتِ، وعلى هذا فَنَحْنُ نَقُولُ بموجبه؛ وهو [أن] كُلَّ ما أرْسَلَهُ الله - تعالى، فقد أطَاعَهُ بَعْضُ النَّاسِ في بَعْضِ الأوْقَاتِ، اللَّهُم إلا أن يُقَالَ: تَخْصِيص الشَّيْء بالذِّكْر يَدُلُّ على نَفْيِ الحُكْمِ همَّا عداه، والجُبَّائِيّ لا يَقُول بِذَلِك، فَسَقَطَ هذا الإشْكَال. الثاني: يجُوز أن يكُون المُرادُ به: أن كُلَّ كافِرٍ لا بُدَّ وأن يُقرّ [به] عند مَوْتهِ؛ لقوله - تعالى -: {أية : وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} تفسير : [النساء: 159] أو يحمل ذَلِكَ على إيمانِ الكُلِّ بهم يَوْم القِيَامَة، ومن المَعْلُوم أن الوَصْفَ في جَانِب الثُّبوتِ، يكْفي في حُصُول مُسَمَّاه في بَعْضِ الصُّوَر وفي بعض الأحْوَالِ. الثالث: أن العِلْمَ بعدم الطَّاعَةِ مع وُجُودِ الطَّاعَةِ مُتَضَادَّان، [والضِّدَّان] لا يَجْتَمِعَانِ، وذلك العلْم مُمْتَنِع العَدَم، فكانت مُمْتَنِعَة الوُجُود، واللَّه عالم بِجَمِيع المَعْلُومَات، فكان عَالِماً بكون الطَّاعَة مُمْتَنِعة الوُجُود، والعَالِم بكون الشَّيءِ ممتنع الوُجُود لا يكُونُ مُرِيداً له؛ فثبت بهذا البُرْهَانِ القَاطِع أن يَسْتَحيلَ أن يُريدَ اللَّهُ من الكَافِرِ كَوْنَه مُطِيعاً، فوجَبَ تأويلُ هذه اللَّفْظَة؛ بأن يكون المُرَاد من الكَلاَمِ لَيْس الإرَادَةَ بل الأمْر، والتَّقْدِير: وما أرسَلْنَا من رسول إلا ليُؤمَر النَّاسَ بِطَاعَتِهِ. فصل استَدَلُّوا بهذه الآيةِ على أنَّه لا يُوجَد شَيْءٌ من الخَيْرِ والشَّرِّ؛ والكُفْرِ والإيمانِ، والطَّاعَةِ والعِصْيَان، إلا بإرَادَة الله؛ لقوله: {إلا ليطاع بإذن الله} ولا يمكنُ أن يكُون المُرَادُ من هَذَا الإذْنِ: الأمْر والتَّكْليف؛ لأنَّه لا مَعْنَى لكونه رَسُولاً إلا أنَّ الله - تعالى - أمر بِطَاعته، فلو كان [المُرَادُ] من الإذْنِ هذا لصَارَ التَّقْدِير: وما أذِنَّا في طَاعَةِ من أرْسَلْنَاهُ إلا بإذْنِنَا، وهو تَكْرَارٌ قَبِيحٌ؛ فوجب حمل الإذْنِ على التَّوْفِيقِ والإعَانَةِ، فيصير التَّقْدِير: وما أرْسَلْنَا من رسُولٍ إلا ليُطَاع بتَوْفِيقِنَا وإعانَتِنَا، وهذا تَصْرِيحٌ بأنه - تعالى - ما أرَادَ من الكُلِّ طاعة الرَّسُول، بل لا يُريدُ ذلك [إلا منَ الَّذِي وفَّقَهُ اللَّه لذلك وهم المؤمِنُون، فما من لم يُوَفِّقْهُ، فللَّهِ - تعالى - ما أرَادَ ذَلِكَ منهم]. فصل دلَّت هذه الآيةُ على أن الأنْبِيَاء - [عليهم الصلاة والسلام] - مَعْصُومُون عن الذنُوبِ؛ لأنَّها دَلَّت على وُجُوبِ طاعَتِهِم مطلقاً، فلو أتَوْا بِمَعْصِيةٍ، لوجَبَ الاقْتدَاء بهم في تِلْكَ المعصِيَة، فتَصِيرُ وَاجِبةً علينا، وكَوْنُها معْصِيَةً يجب كوْنُهَا مُحَرَّمَةً عَلَيْنَا، فيلزم تَوَارُد الإيجَابِ والتَّحْرِيم على الشَّيْءِ الوَاحِدِ، وهو مُحَال. فإن قيل: ألَسْتُم في الاعْتِرَاض على الجُبَّائِيّ ذكَرْتُم أن قوله: "إلا ليطاع" لا يفيد العُمُوم، فَكَيْفَ تَمَسَّكتُم به في هَذِه المَسْألة، مع أن [هَذَا] الاسْتِدْلاَل لا يَتِمُّ إلا مَعَ القَوْلِ بأنَّهَا تفيد العُمُوم. فالجواب: ظاهر [هذا] اللَّفْظِ يُوهِمُ العُمُوم، وإنما تَرَكْنَاهُ في تلك المَسْألَةِ؛ للدَّلِيلِ القَاطِعِ الَّذِي ذكَرْنَاه، على أنه يَسْتَحِيلُ منه - تعالى - أن يُريدَ الإيمَان من الكَافِرِ، فلأجْل ذلك المُعَارِض القَاطِعِ صَرَفْنَا الظَّاهِر عن العُمُوم، ولَيْس هَهُنَا بُرْهَان قاطِعٌ عَقْلِيٌّ يوجب القَدْحَ في عِصْمَة الأنبياء - عليهم السلام -، فظهر الفَرْق. قوله: "ولو أنهم" قد تقدم الكلام على "أنَّ" الوَاقِعَة بعد "لَوْ"، و"إذْ" ظَرْفٌ معمول لخبرِ "أنَّ" وهُو "جاءك"، وقال: {واستغفر لهم الرسول}، ولم يقل: واسْتَغْفَرْت، خُرُوجاً من الخِطَابِ إلى الغَيْبَة، لما فِي هذا الاسْمِ الظَّاهِر من التَّشْرِيف بوَصْفِ الرِّسَالة، إجْلالاً للرَّسُول - عليه السلام - و"وَجَدَ" هنا يُحْتَمِل أن تكُون العِلْمِيَّة، فتَتَعَدَّى لاثْنَيْن والثاني: "تواباً"، وأن تكون غير العِلْميَّة، فتتعدى لِوَاحِدٍ، ويكون "تواباً" حَالاً، وأما "رحيماً" فَيُحْتَمَلُ أن يكون حالاً من ضمير "توّاباً" [وأن يكُون بَدلاً من تواباً] ويحتمل أن يَكُون خَبَراً ثَانياً في الأصْلِ، بنَاءً على تعَدُّد الخَبَر وهو الصَّحيح، فلما دَخَل النَّاسِخ، نَصَب الخَبَر المُتَعَدِّد، تقول: زَيْد فَاضِلٌ شاعِرٌ فَقِيهٌ عَالِمٌ، ثم تقول: علمت زَيْداً فَاضِلاً شَاعِراً فَقِيهاً عَالِمَاً، إلا أنَّهُ لا يَحْسُن أن يُقَال هُنا: شاعراً: مفعول ثالِث، وفَقِيهاً [مفعول] رابع، وعَالِماً: خامس. فصل: سبب نزول الآية في سَببِ النُّزُول وَجْهَان: الأول: أن مَنْ تقَدَّم ذِكْرُه مع المُنَافِقِين، عندما ظَلَمُوا أنْفُسَهُم بالتَّحَاكُمِ إلى الطَّاغُوت، والفِرَار من التَّحَاكُمِ إلى رسُولِ الله - [صلى الله عليه وسلم]، [لو جَاءُوا] للرَّسُول، وأظْهَرُوا النَّدَم على ما فَعَلُوهُ، وتَابُوا عَنْهُ واسْتَغْفَرُوا عنه، واسْتَغْفَر لهم الرَّسُول بأن يَسْألَ اللَّه أن يَغْفر لَهُم، وجَدُوا اللَّه تَوَّاباً رَحِيماً. الثاني: قال الأصم: حديث : إن قَوْماً من المُنَافِقِين اتَّفَقُوا على كَيْد الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام -، ثمَّ دَخَلُوا عليه لأجْل [ذلك الغَرَضِ، فأتَاهُ جِبْرِيل - عليه السلام - فأخبرهُ بِه، فقال صلى الله عليه وسلم: إن قوماً] دَخَلُوا يُريدُون أمْراً لا ينَالُونَه، فليقُومُوا وليَسْتَغْفِرُوا اللَّه حَتَّى أسْتَغْفِر لهم، فلَمْ يَقُومُوا، فقال: ألا تَقُومُون؛ فلم يَفْعَلُوا، فقال صلى الله عليه وسلم: قُمْ يا فُلانُ، قُمْ يا فُلاَنُ، حَتَّى عدَّ اثْنَيْ عَشَر رَجُلاً منهم، فقاموا وقَالُوا: كُنَّا عَزَمْنَا على ما قُلْتَ، ونَحْنُ نَتُوب إلى اللَّهِ من ظُلْمِنَا أنْفُسِنَا، فاسْتَغْفِرْ لَنَا. فقال: الآن اخْرُجُوا، أنا كُنْتُ في بَدْءِ الأمْرِ أقْرَبُ إلى الاسْتِغْفَارِ، وكان اللَّهُ أقْرَبُ إلى الإجَابَةِ، اخْرُجُوا عَنِّي . تفسير : فإن قيل: ألَيْسَ لِوَ اسْتَغْفَرُوا اللَّه وتَابُوا على وَجْهٍ [صَحِيحٍ]، لكَانَت تَوْبَتُهم مَقْبُولة، فما فَائِدَة ضَمِّ اسْتِغْفَار الرَّسُولِ إلى اسْتِغْفَارِهِم؟ فالجواب من وُجُوهٍ: أحدُهَا: أن ذلك التَّحَاكُم إلى الطَّاغُوتِ كان مُخَالَفَةً لحُكْمِ اللَّه - تعالى -، وكانَ إسَاءَةً للرَّسُول - عليه السلام - وإدْخَالاً للغَمِّ في قَلْبِهِ، ومن كَانَ ذَنْبُهُ كَذَلِك، وجَبَ عليه الاعْتِذَارُ عن ذَلِك لِغَيْرِه؛ فلهذا المَعْنَى وَجَب عليهم إظهار طَلَب الاسْتِغْفَارِ [من الرَّسُولِ]. ثانيها: أنَّهُم لمَّا لم يَرْضوا بحُكْم الرَّسُول - عليه السلام -، ظهر مِنْهُم التمَرُّد، فإذا نَابُوا، وَجَبَ عليهم أن يَفْعَلُوا ما يُزيلُ عنهم ذلك التَّمَرُّد؛ بأن يَذْهَبُوا إلى الرَّسُول ويَطْلُبُوا مِنْهُ الاسْتِغْفار. وثالثها: أنهم إذا أتَوا بالتَّوْبَةِ أتوا بها على وجْهِ خَلَلٍ، فإذا انْضَمَّ إليها اسْتِغْفَارُ الرَّسُولِ، صارَتْ مُحَقَّقَة القَبُولِ، وهذه الآيَةُ تَدُلُّ على أن اللَّه - تعالى - يَقْبَلُ التَّوْبَة؛ لقوله: {لوجدوا الله تواباً رحيماً}.
البقاعي
تفسير : ولما أمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وذم من حاكم إلى غيره وهدده، وختم تهديده بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإعراض عنه والوعظ له، فكان التقدير: فما أرسلناك وغيرك من الرسل إلا الرفق بالأمة والصفح عنهم والدعاء لهم على غاية الجهد والنصيحة، عطف عليه قوله: {وما أرسلنا} أي بما لنا من العظمة، ودل على الإعراق في الاستغراق بقوله: {من رسول} ولما كان ما يؤتيهم سبحانه وتعالى من الآيات ويمنحهم به من المعجزات حاملاً في ذاته على الطاعة, شبهه بالحامل على إرساله فقال: {إلا ليطاع} أي لأن منصبه الشريف مقتض لذلك آمر به داعٍ إليه {بإذن الله} أي بعلم الملك الأعظم الذي له الإحاطة بكل شيء في تمكينه من أن يطاع، لما جعلنا له من المزية بالصفات العظيمة والمناصب الجليلة والأخلاق الشريفة كما قال صلى الله عليه وسلم "حديث : ما من الأنبياء نبي إلا وقد أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر "تفسير : أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه. ولما كان التقدير: فلو أطاعوك لكان خيراً لهم، عطف عليه قوله: {ولو أنهم إذ} أي حين {ظلموا أنفسهم} أي بالتحاكم إلى الطاغوت أو غيره {جاءوك} أي مبادرين {فاستغفروا الله} أي عقبوا مجيئهم بطلب المغفرة من الملك الأكرم لما استحضروه له من الجلال {واستغفر لهم الرسول} أي ما فرطوا بعصيانه فيما استحقه عليهم من الطاعة {لوجدوا الله} أي الملك الأعظم {تواباً رحيماً *} أي بليغ التوبة على عبيده والرحمة، لإحاطته بجميع صفات الكمال، فقبل توتبهم ومحا ذنوبهم وأكرمهم. ولما أفهم ذلك أن إباءهم لقبول حكمه والاعتراف بالذنب لديه سبب مانع لهم من الإيمان، قال - مؤكداً للكلام غاية التأكيد بالقسم المؤكد لإثبات مضمونه و "لا" النافية لنقيضه: {فلا وربك} أي المحسن إليك {لا يؤمنون} أي يوجدون هذا الوصف ويجددونه {حتى يحكموك} أي يجعلوك حكماً {فيما شجر} أي اختلط واختلف {بينهم} من كلام بعضهم لبعض للتنازع حتى كانوا كأغصان الشجر في التداخل والتضايق. ولما كان الإذعان للحكم بما يخالف الهوى في غاية الشدة على النفس, أشار إليه بأداة التراخي فقال: {ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً} أي نوعاً من الضيق {مما قضيت} أي عليهم به، وأكد إسلامهم لأنفسهم بصيغة التفعيل فقال: {ويسلموا} أي يوقعوا التسليم البليغ لكل ما هو لهم من أنفسهم وغيرها لله ورسوله صلى الله عليه وسلم خالصاً عن شوب كره؛ ثم زاده تأكيداً بقوله: {تسليماً *} وفي الصحيح أن الآية نزلت في الزبير وخصم له من الأنصار، فلا التفات إلى من قال: إنه حاطب رضي الله عنه. ولما كان التقدير: فقد كتبنا عليهم طاعتك والتسيم لك في هذه الحنيفية السمحة التي دعوتهم إليها وحملتهم عليها، عطف عليه قوله: {ولو أنا كتبنا عليهم} أي هذا المخاصم للزبير رضي الله تعالى عنه وأشباه هذا المخاصم ممن ضعف إيمانه كتابة مفروضة {أن اقتلوا أنفسكم} أي كما كان في التوراة في كفارة بعض الذنوب مباشرة حقيقة، وكما فعل المهاجرون بتعريض أنفسهم لذلك ثلاث عشرة سنة، هم فيها عند أعداء الله مضغة لحم بين يدي نسور يتخاطفونها {أو اخرجوا} كما فعل المهاجرون - رضي الله تعالى عنهم - الذين الزبير من رؤوسهم {من دياركم} أي التي هي لأشباحكم كأشباحكم لأرواحكم - توبة لربكم {ما فعلوه} أي لقصور إيمانهم وضعف إيقانهم، ولو كتبناه عليهم ولم يرضوا به كفروا، فاستحقوا القتل. ولما كان كل كدر لا يخلو عن خلاصه، قال: {إلا قليل منهم} أي وهم العالمون بأن الله سبحانه وتعالى خير لهم من أنفسهم، وأن حياتهم إنما هي في طاعته؛ روي أن من هؤلاء ثابت بن قيس بن شماس رضي الله تعالى عنه، قال: أما والله! إن الله ليعلم مني الصدق، لو أمرني محمد أن أقتل نفسي لقتلها! وكذا قال ابن مسعود وعمار ابن ياسر رضي الله عنهما، وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: والله لو أمرنا ربنا لفعلنا! والحمد الله الذي لم يفعل بنا ذلك. ولا ريب في أن التقدير: ولكنا لم نكتب عليهم فليشكروا لنا ويستمسكوا بهذه الحنيفية السمحة. ولما كان مبنى السورة على الائتلاف وكان السياق للاستعطاف، قال مرغباً: {ولو أنهم} أي هؤلاء المنافقين {فعلوا ما يوعظون} أي يجدد لهم الوعظ في كل حين {به لكان} أي فعلهم ذلك {خيراً لهم} أي مما اختاروه لأنفسهم {وأشد تثبيتاً *} أي مما ثبتوا به أنفسهم بالأيمان الحانثة {وإذاً لآتيناهم} أي وإذا فعلوا ما يوعظون به آتيناهم بما لنا من العظمة إيتاء مؤكداً لا مرية فيه. وأشار بقوله: {من لدنا} إلى أنه من غرائب ما عنده من خوارق خوارق العادات ونواقض نواقض المطردات {أجراً عظيماً * ولهديناهم} أي بما لنا من العظمة {صراطاً مستقيماً *} أي يوصلهم إلى مرادهم، وقد عظم سبحانه وتعالى هذا الأجر ترغيباً في الطاعة أنواعاً من العظمة منها التنبيه بـ "إذا"، والإتيان بصيغة العظمة و "لدن" مع العظمة والوصف بالعظيم.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله} قال: واجب لهم أن يطيعهم من شاء الله لا يطيعهم أحد إلا بإذن الله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم} الآية قال: هذا في الرجل اليهودي والرجل المسلم اللذين تحاكما إلى كعب بن الأشرف. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: الاستغفار على نحوين: أحدهما في القول، والآخر في العمل. فأما استغفار القول فإن الله يقول {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول} وأما استغفار العمل فإن الله يقول {أية : وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} تفسير : [الأنفال: 33] فعنى بذلك أن يعملوا عمل الغفران، ولقد علمت أن أناساً سيدخلون النار وهم يستغفرون الله بألسنتهم، ممن لا يدعي بالإسلام ومن سائر الملل.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ} [الآية: 64]. قال: بالمخالفات قصدوك فدللتهم على سبيل الموافقة. وقيل: ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك قال ابن عطاء رحمه الله: جعلوك الوسيلة إلى الوصلة ليصلوا إلىَّ، وقال: من لم يجعل قصده إلينا على سبيلك، وسنتك وهداك ضل الطريق وأخطأ الرشد. قال بعضهم رحمه الله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ} بالمخالفات قصدوك فدللتهم على سبيل الموافقة. وقيل: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ} بالإعراض عنا، استشفعوا بك إلينا لأقبلنا عليهم بالبر والفضل.
القشيري
تفسير : ما أَمَرْنَا الرسلَ إلاَّ بدعوة الخلْقِ إلينا. وقوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ}. لو جعلوك ذريعتهم لوصلوا إلينا، ويقال لو لازموا التذلل والافتقار وركبوا مطية الاستغفار لأناخوا بعقوة المبار.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً} اخبر الله سبحانه عن قوم نقضوا حظ انفسهم منه ياشتغالهم بحظ انفسهم من الكون وعن مرارة قلوبهم بمر البعد ويخرجون من ظلماتها وحجابها الى انوار رؤية النبى صلى الله عليه وسلم يبصرون فى وجهه طلعة جلالى وجمالى فيخرجون فى رؤيته عن اشتغالهم بالكون فيجعون من انفسهم بنعت الخجل واحياء الى ساحة كرمه ويقفون على باب عظمته مرهونين باستغفار النبى صلى الله عليه وسلم لان عليهم بقايا الذنوب من ترك الحرمة فى ديوان النبوة التى لا ترفع عنهم الا بشافاعته عليه السم فاذا كانوا كذلك يحدون الله بننعت الاقبال عليهم وقبولهم وارشادهم بنفسه الى نفسه قال ابن عطا فى هذه الاية اى لو جعلوك الوسلة الى لوصلوا الى قوله تعالى {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} بين الله سبحانه انه عليه السلام سبب ايمان الكل والايمان به يكون عجل الايمان بالله وقد اشار ههنا الى مقام الاتحاد وعين الجمع وقاسم الاية بنفسه تعالى على ذلك علاما بان الحبيب المحبوب واحد فى المحبة وبين ان حقائق الحكم ودقائق الدين لا يظهر الا عنده لانه لبيان بيان الحق فى العالم ونفى الحكم عن غيره من الجبت والطاغوت الذين قروا الكتب ولم يظفرو بحقائقها وصرح فى بيان الاية ان من اسلم وسلم الحكم اليه لم يبلغ حقائق الايمان هو اليقين وهذا معنى قوله تعالى {ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} قال ابو حفص رضى الله تعالى من عباده لنفسه بظاهر القول ولم يرض لنبيه صلى الله عليه وسلم الا باخلاص القلب والرضا بتحكمه ساء امر سر ومن لم يكن للنبى صلى الله عليه وسلم مستقيما ظاهر وباطنا وسرا وعلنا وحقيقة ورسما كان بعيدا من حقيقة الاسلام مراتب المسلمين قال عبد العزيز المكى قسم الحبيب للحبيب بالحبيب انهم لا يؤمنون حتى يحكموك فيالها من شرف وبالها من كرامة حارث فنه اوهام الخلائق وجعل نفسه لنفسه وجعل الرضا بحكمه كالرضا بحكمه ما وجب على خلق الرضا والتسليم بحكم نبيه عليه السلام كما اوجب عليهم الرضا والتسليم بحكمه فهكذا اانسان المتحابين وقال بعضهم فى هذه الاية اظهر الحق على حبيبه خلعة من خلع الربوبية فجعل الرضا بحكمه ساء ام سر سببا الايمان المؤمنين كما جعل الرضا بضائه لا يقان الموقنين فاسقط عنه اسم الواسطى لانه متصف وصاف الحق متخلق باخلاقه الا ترى كيف قال حسان فذوا العرض محمود وهذا محمد وقال الاستاد سيد الطريق الى نفسه على الكافة الا بعد الايمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فمن لم يمش تحت رايته فليس من الله فى نفس ثم جعل من شرط الايمان زوال المعارضة بالكلية بقوله ثم لا يجدوا فى انفهسم حرجا مما قضيت فلا بد لك من ملقى انها لك لوجه ضاحك.
اسماعيل حقي
تفسير : {وما ارسلنا من رسول الا ليطاع باذن الله} اى وما ارسلنا رسولا من الرسل لشىء من الاشياء الا ليطاع بسبب اذنه تعالى فى طاعته وامره المبعوث اليهم بان يطيعوه ويتبعوه لانه مؤد عنه تعالى وطاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله {ولو انهم اذ ظلموا انفسهم} وعرضوها للعذاب بترك طاعتك والتحاكم الى غيرك {جاؤوك} تائبين من النفاق {فاستغفروا الله} بالتوبة والاخلاص {واستغفر لهم الرسول} بان يسأل الله ان يغفر لهم عند توبتهم. فان قلت لو تابوا على وجه صحيح لقبلت توبتهم فما الفائدة فى ضم استغفار الرسول الى استغفارهم. قلت التحاكم الى الطاغوت كان مخالفة لحكم الله وكان ايضا اساءة الى الرسول عليه السلام وادخالا للغم الى قلبه عليه السلام ومن كان ذنبه كذلك وجب عليه الاعتذار عن ذلك الغير {لوجدوا الله} لصادفوه حال كونه تعالى {توابا} مبالغا فى قبول التوبة {رحيما} مبالغا فى التفضل عليهم بالرحمة بدل من توابا.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {توابًا رحيمًا} مفعولاً (وَجَدَ) أن كانت علمية، أو {توابًا} حال، و {رحيمًا} بدل منه، أو حال من ضميره إن فسرت بصادف. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وما أرسلنا من رسول} من لدن آدم إلى زمانك، {إلا ليُطاع بإذن الله} وأمره بطاعته، فمن لم يطعه ولم يرض بأحكامه فهو كافر به. {ولو أنهم} أي: المنافقون حين {ظلموا أنفسهم} بالترافع إلى غيرك، والتحاكم إلى الطاغوت {جاؤوك} تائبين {فاستغفروا الله} بالتوبة، {واستغفر لهم الرسول} حين اعتذروا إليه حتى انتصب لهم شفيعًا، {لوجدوا الله} أي: تحققوا كونه {توابًا رحيمًا}، قابلاً لتوبتهم متفضلاً عليهم بالرحمة والغفران. وإنما عدل عن الخطاب في قوله: {واستغفر لهم الرسولُ} ولم يقل: واستغفرت لهم، تفخيمًا لشأنه، وتنبيهًا على أن من حق الرسول أن يقبل اعتذار التائبين، وإن عَظُم جُرمُهم، ويشفع لهم، ومن جلالة منصبه أن يشفع في عظائم الذنوب وكبائرها. ثم أقسم بربوبيته على نفي إيمان من لم يرض بحكم رسوله، فقال: {فلا وربك لا يؤمنون} إيمانًا حقيقيًا {حتى يحكموك} أي: يترافعوا إليك، راضين بحكمك، {فيما شَجَر بينهم} أي: اختلط بينهم واختلفوا فيه {ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا} أي: ضيقًا وشكًا {مما قضيت}، بل تنشرح صدورهم لحكمك؛ لأنه حق من عند الله. {ويُسلموا} لأمرك {تسليمًا}. أي ينقادوا لأمرك ظاهرًا وباطنًا. {ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم}، توبة من ذنوبكم، كما كتبناه على بني إسرائيل، أو في الجهاد في سبيل الله، {أو اخرجوا من دياركم} كما خرج بنو إسرائيل حين أمرناهم بالهجرة من مصر، {ما فعلوه إلا قليل منهم} وهم المخلصون. قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: (لو كتب ذلك علينا أنا أول خارج). قال ثابت بن قيس بن شماس: ( لو أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقتل نفسي لفعلت). وكذلك قال عُمر وعمارُ بن ياسر وابنُ مسعود وناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أمرنا لفعلنا. فبلغ ذلك النبيُ صلى الله عليه وسلم فقال: " حديث : إنَّ مِن أُمَّتِي رِجَالاً: الإيمَانُ في قُلُوبِهِم أثبَتُ مِنَ الجِبَالِ الرَّوَاسِي" تفسير : . فهؤلاء من القليل. وسبب نزول قوله: {فلا وربك...} الخ: قضية الزُّبَيرِ مع حَاطِب في شرَاج الحَرَّة، كَانَا يسقيانِ به النّخل، فتخاصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه السلام: " حديث : اسقِ يا زُبيرُ وأرسِل إلى جارِكَ"تفسير : فقال حَاطبُ: لأن كَان ابن عمتك. فقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ:" حديث : اسقِ يا زُبيرُ، واحِبِس الماءَ حتَّى يبلغ الجدر واستوف حقك " تفسير : . وقيل: نزلت في اليهودي مع المنافق المتقدم، وهو أليق بالسياق. {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به} من طاعة الرسول، والرضى بحكمه، {لكان خيرًا لهم} في آجلهم وعاجلهم، {وأشد تثبيتًا} في دينهم وقوة في إيمانهم، أو تثبيتًا لثواب أعمالهم، {وإذًا} لو فعلوا ذلك {لآتيناهم من لدنا أجرًا عظيمًا ولهديناهم صراطًا مستقيمًا} يصلون بسلوكه إلى حضرة القدس، ودوام الأنس، ويفتح لهم أسرار العلوم، ومخازن الفهوم، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من عَمِلَ بما عِلَمَ أورثه الله علمَ ما لم يعلم"تفسير : . والله تعالى أعلم. الإشارة: كما أمر الله بطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم في حياته، أمر بطاعة ورثته بعد مماته، وهم العلماء الأتقياء الذين يعدلون في الأحكام، والأولياء العارفون الذين يحكمون بوحي الإلهام، فالعلماء حُكَّام على العموم، والأولياء حكام على الخصوص، أعني من تعلق بهم من أهل الإرادة، فمن لم يرض بحكم العلماء، ووجد في نفسه حرجًا مما قضوا به عليه، ففيه شُبعة من النفاق، وخصلة من المنافقين. ومن لم يرض بحكم الأولياء فقد خرج من دائرتهم، ومن عُش تربيتهم، لأن حكم الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ وحكم ورثته هو حكم الله، ومن لم يرض بحكم الله خرج عن دائرة الإيمان. فلا يكمل إيمان العبد حتى لا يجد في نفسه حرجًا من أحكام الله، القهرية والتكليفية، ويسلم لما يبرز من عنصر القدرة الأزلية، كيفما كان، فقرًا أو غنى، ذلاً أو عزًا، منعًا أو عطاء، قبضًا أو بسطًا، مرضًا أو صحة، إلى غير ذلك من اختلاف المقادير. ويرضى بذلك ظاهرَا وباطنًا، وينسلخ من تدبيره واختياره؛ إلى اختيار مولاه فهو أعلم بمصالحه، وأرحم به من أمه وأبيه: وبالله التوفيق. وهو الهادي إلى سواء الطريق.
الطوسي
تفسير : المعنى: "ما" في قوله: {وما أرسلنا} نافية فلذلك قال: {من رسول}، لأن (من) لا تزاد في الايجاب، وزيادتها تؤذن باستغراق الكلام كقولك: ما جاءني من أحد. والتقدير في الآية: وما أرسلنا رسولا إلا ليطاع، فيمتثل ما نأمره به. والذي اقتضى ذكر طاعة الرسول إعراض هؤلاء المنافقين - الذين تحاكموا إلى الطاغوت - عن طاعته، وهم يزعمون أنهم يؤمنون به حتى كأنه قد قيل لهم: من الايمان أن لا تطيعوه في كل ما يدعو إليه، فبين الله تعالى أنه كغيره من الرسل الذي ما أرسل إلا ليطاع. وقوله: {بإذن الله} معناه بأمر الله الذي دل على وجوب طاعتهم، والاذن على وجوه: يكون بمعنى اللطف، كقوله: {أية : وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله} تفسير : ومنها الأمر مثل هذه الآية. ومنها التخلية نحو {أية : وما هم بضارّين به من أحد إلا بإذن الله } تفسير : وقوله: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم} معناه إذ بخسوها حقها بادخال الضرر عليها بفعل المعصية من استحقاق العقاب، وتفويت الثواب بفعل الطاعة. الاعراب والمعنى: وموضع {أنهم} رفع. والمعنى لو وقع مجيئهم في وقت ظلمهم مع استغفارهم {لوجدو الله تواباً رحيماً} و (لو) موضوعة للفعل، لما فيها من معنى الجزاء تقول: لو كان كذا، لكان كذا. ولا يقع بعدها إلا (أن). وإنما اجيز في (أن) خاصة أن تقع بعدها، لأنها كالفعل في إفادة معنى الجملة. وفتحت (ان) لأنها مبنية على (لو) بترتيبها على نحو ترتيبها بعد العامل فيها. وفي الآية دلالة على بطلان مذهب المجبرة: من أن الله تعالى يريد أن يعصي الانبياء قوم ويطيعهم آخرون، لأنه تعالى بين أنه ما أرسلهم إلا ليطاعوا، واللام لام الغرض ومعناه إلا وأراد من المبعوث إليهم أن يطيعوا. وذلك خلاف مذهبهم. وفيها أيضاً دلالة على أن من كان مرتكباً لكبيرة يجب أن يستغفر الله فان الله سيتوب عليه ويقبل توبته، ولا ينبغي لأحد أن يستغفر مع كونه مصراً على المعصية بل ينبغي أن يتوب ويندم على ما فعل ويعزم على أن لا يعود إلى مثله ثم يستغفر باللسان ليتوب الله عليه. وقوله: {لوجدوا الله} يحتمل أمرين: أحدهما - لوجدوا مغفرة الله لذنوبهم ورحمته إياهم. والثاني - لعلموا الله تواباً رحيماً. والوجدان قد يكون بمعنى الادراك، فلا يجوز عليه تعالى أنه تعالى غير مدرك في نفسه. وذكر الحسن في هذه الآية: أن اثني عشر رجلا من المنافقين اجتمعوا على أمر من النفاق وائتمروا به فيما بينهم، فاخبره الله بذلك، وقد دخلوا على رسول الله، فقال رسول الله: حديث : إن اثني عشر رجلا من المنافقين اجتمعوا على أمر من النفاق، وائتمروا به فيما بينهم، فليقم أولئك فليستغفروا ربهم، وليعترفوا بذنوبهم حتى اشفع لهم.تفسير : فلم يقم أحد. فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):حديث : ألا تقومون؟ مراراً -. ثم قال: قم يا فلان وأنت يا فلانتفسير : ، فقالوا يا رسول الله نحن نستغفر الله ونتوب إليه، فاشفع لنا. قال حديث : الآن أنا كنت في إول أمركم أطيب نفساً بالشفاعة، وكان الله تعالى أسرع إلى الاجابة أخرجوا عني تفسير : ، فأخرجوا عنه حتى لم يرهم.
الجنابذي
تفسير : {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ أِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} عطف على قوله: اذا قيل لهم، وتنبيه على غاية شقاوتهم فى الآباء عن الرّجوع اليه (ص) {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ} بالمعاهدة على معاندة علىّ (ع) والاتّفاق على غصب حقّه تابوا وندموا و {جَآءُوكَ} يعنى جاؤا عليّاً (ع) تعريضاً او لانّه مظهره {فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ} مخلصين عند علىّ (ع) {وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ} اى نفس الرّسول (ص) وهو علىّ (ع) {لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً} فانّه جعل عليّاً (ع) بابه ومظهر رحمته فمن تاب عنده فاز بتوبة الله ورحمته.
الأعقم
تفسير : {وما أرسلنا من رسول} قط {إلا ليطاع بإذن الله} سبب إذن الله في طاعته وبأنه أمراً للمبعوث إليهم بأن يطيعوه ويتبعوه {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك} قيل: حديث : إن قوماً من المنافقين ائتمروا على مكيدة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأتاه جبريل فأخبره فقال: ان قوماً دخلوا يريدون أمراً لا ينالوه فليقوموا فليستغفروا الله حتى نستغفر لهم فلم يقوموا فقال: ألا تقومون؟ فلم يفعلوا، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "قم يا فلان" حتى عد اثني عشر رجلاً فقاموا وقال: "إخرجوا عنِّي" تفسير : قال جار الله: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم} بالتحاكم إلى الطاغوت {جاؤوك} تائبين من النفاق {فاستغفروا الله} من ذلك بالاخلاص وبالغوا في الاعتذار إليك من إيذائك برد قضائك حتى انتصبت شفيعاً لهم إلى الله ومستغفراً {لوجدوا الله توَّاباً} أي فتاب عليهم {فلا وربك} معناه فوربك كقوله: فوربك لنسألنهم ولا مزيد للتأكيد معناه القَسَم، وقيل: معناه فلا وربك أي خالقك ورازقك يا محمد وهي قسَم {لا يؤمنون} أي لا يكونوا مؤمنين بنبوَّتك {حتى يحكموك} يجعلوك حكماً أي يقرون أن الحكم إليك {فيما شجر بينهم} فيما اختلط من أمورهم وفيما اختلفوا فيه من المنازعات، والآية نزلت في اليهودي والمنافق الذين قالوا: يحتكمون إلى الطاغوت {ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً} إذا حكمت بينهم لا يجدون في قلوبهم ضيقاً، وقيل: شكَّاً {ويسلموا تسليماً} وينقادون يذعنون لما تأتي به من قضائك لا يعارضونه بشيء، قال جار الله: سلم لأمر الله وأسلم له حقيقةً سلم نفسه له وأسلمها إذا جعلها سالمة له خالِصَةً وتسليماً تأكيداً للفعل بمنزلة تكرير كأنه قيل: تنقادون لحكمه انقياداً لا شبهة فيه بظاهرهم وباطنهم، وقيل: نزلت في شأن المنافق واليهودي، وقيل: "حديث : في شأن الزبير وحاطب بن أبي بلتعة حين اختصما إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في سراح من الحرة كانا يسقيان به النخل فقال: "إسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك" فغضب خاطب وقال: لئن كان ابن عمتك فتغير وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم قال: "اسق يا زبير ثم احبس حتى يبلغ الجدار واستوف حقك ثم أرسله إلى جارك" كان على الزبير برأي فيه السعة ولخصمه فلما احفظ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) استوعب الزبير حقه في صريح الحكم ثم خرجا إلى المقداد فقال قائل: إن هؤلاء يشهدون به رسول الله ثم يتهمونه في قضاء يقضي بينهم" تفسير : {ولو أنَّا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم} أي لو أوجبنا عليهم مثل ما أوجبنا على بني إسرائيل من قتل أنفسهم أو خروجهم من ديارهم حتى استتيبوا من عبادة العجل ما فعلوه {إلا} ناس {قليل منهم} وهذا توبيخ عظيم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به من اتِّباع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبحكمه وطاعته والانقياد لما يراه {لكان خيراً} في عاجلهم وآجلهم {وأشد تثبيتاً} لإِيمانهم {وإذاً} جواز السؤال مقدر كأنه قيل: وماذا يكون لهم بعد التثبت، فقيل: {وإذاً لآتيناهم من لدنا أجراً عظيماً ولهديناهم} وللطفنا بهم ووفقناهم.
اطفيش
تفسير : {وَمَا أَرسَلنَا مِن رَّسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذنِ اللهِ}: أى لتطيعه أمته فيما يأمرهم به من طاعة الله، بأمر الله لهم أن يطيعوه، فطاعة الرسول طاعة لله، فكيف تخالفون ـ أيها المنافقون ـ حكمه، وترغبون فى غيره، فقد استوجبتم القتل بكفركم به فى قلوبكم، وبمعاندتكم من أرسله الله ليطاع، وقيل: باذن الله بمعنى بعلمه وقضائه بطاعة من يطيعه، والباء يتعلق بيطاع. {وَلَو أَنَّهُم إِذ ظَّلَمُوا}: بالنفاق والتحاكم الى الطاغوت. {أَنفُسَهُم}: أى ولو ثبت أنهم الخ، وإذ متعلق بخبر أن وهو قوله: {جَآءُوكَ}: أى ولو ثبت مجيئهم بالتوبة إذ ظلموا أنفسهم اليك، واستغفارهم الله، واستغفار الرسول لهم كما قال: {فَأستَغفَرُوا اللهَ وَاستَغفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ}: مقتضى الظاهر أن يقال: فاستغفرونا واستغفرت لهم بالاضمار لكان أظهر، ليذكر نفسه بلفظ الجلالة الجامع للكمالات التى منها قبول اعتذار المعتذر، التائب، ويذكر نبيه باسم الرسول، اشارة الى أن من شأن الرسول قبول التوبة والاعتذار، ويفحمه باسم الرسول. {لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا}: قابلا للتوبة قبولا عظيما كثيرا. {رَحِيمًا}: منعما عليهم فى الدنيا والآخرة رحمة عظيمة كثيرة، ووجد بمعنى صادف، فيكون توابا حالا، ورحيما حالا ثانية، أو حالا من الضمير فى توابا، وأجيز أن يكون بدلا من توابا، ولكن البدل بالمشتق ضعيف، أو وجد بمعنى علم، فتوابا مفعول ثان، ورحيما مفعول ثان متعددا، أو حال من ضمير توابا، أو بدل على ما مر. وقال الشيخ هود رحمه الله عن الحسن: حديث : إن قوما من المنافقين اتفقوا على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمكر، ثم دخلوا عليه لأجل ذلك، فأتاه جبريل عليه السلام وأخبره بذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أن قوما دخلوا على يريدون أمرا لا ينالونه فليقوموا ليستغفروا الله حتى أستغفر لهم" فلم يقوموا فقال: "قوموا" فلم يفعلوا، فقال عليه الصلاة والسلام: "قم يا فلان قم يا فلان" حتى عد اثنى عشر رجلا منهم، فقاموا وقالوا: كنا عزمنا على ما قلت، ونحن نتوب الى الله عز وجل من ظلم أنفسنا، فاستغفر لنا. فقال: "الآن اخرجوا ما كنت فى بدء الأمر أقرب الى الاسغفار، وكان الله أقرب الى الاجابة اخرجوا عنى ". تفسير : قال العتبى: كنت جالسا عند قبر النبى صلى الله عليه وسلم فجاء أعرابى فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله تعالى يقول: {وَلَو أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَّحِيماً} وقد جئتك مستعفيا من ذنوبى، ومستغفرا الى ربى وفى رواية مستغفرا من ذنوبى، مستشفعا بك الى ربى ثم أنشأ يقول: شعر : يا خير من دفنت فى التراب أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسى الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم تفسير : ثم انصرف، فحملتنى عيناى فرأيت النبى صلى الله عليه وسلم فقال: يا أعرابى الحق الأعرابى فبشره أن الله قد غفر له.
اطفيش
تفسير : {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِنَ رذَسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ} فى الواجب والمباح، وكذا الأمراء المحقون، وقيل لا تجب طاعة الأمراء فى المباح والمندوب إليه، وقيل تجب إن لم تكن فيها مضرة {بِإِذْنِ اللهِ} بأمر الله، أو فيما أمر الله به، وهذا رسولنا لم يطيعوه في حكمه الذى أمره الله به، أو اجتهد ومن لم يطعه فهو كافر لم يؤمن برسالته، وذكر الإرسال مغن عن أن يقال المعنى، وما أرسلنا بإذن الله أى بشريعته من رسول إلا ليطاع {وَلَوْ أَنَّهُمْ إذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ} بالنفاق وتوابعه من عدم الرضا بحكمه كما مر، ومن الدخول عليه ليقتلوه موهمين الزيارة وبالتحاكم إلى الطاغوت {جَآءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ} من ذنوبهم مخلصين {وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ} مقتضى الظاهر،واستغفرت لهم، لكن ذكر الرسول تفخيما له تنبيهاً على أن من شأن الرسول قبول العذر، ومنه عليهم لو قبلوها لأن استغفار الرسول عظيم {لَوَجَدُوا للهَ} صادفوه، أو علموه، لأنهم إن تابوا أخبرهم الله بقبولها فذلك لهم علم {تَوَّاباً} قابلا لتوبتهم {رَّحِيماً} متفضلا عليهم بزيادة الخير، روى أن قوما من المنافقين دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقتلوه فأخبره جبريل عليه السلام، فقال: إن قوما دخلوا على يريدون أمراً لا ينالونه، فليقوموا وليستغفروا الله حتى استغفر لهم، فلم يقوموا، فقال: قوموا فلم يفعلوا: فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : قم يا فلان، قم يا فلان حتى عد اثنى عشر رجلا، فقاموا وقالوا: كنا عزمنا على ما قلت، ونحن نتوب إلى الله عز وجل من ظلم أنفسنا، فاستغفر لنا، فقال: الآن اخرجوا، أما كنت فى بدء الأمر أقرب إلى الاستغفار وكان الله أقرب إلى الإجابة اخرجوا عنى ".
الالوسي
تفسير : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} تمهيد لبيان خطئهم باشتغالهم بستر نار جنايتهم بهشيم اعتذارهم الباطل وعدم إطفائها بماء التوبة أي وما أرسلنا رسولاً من الرسل لشيء من الأشياء إلا ليطاع بسبب إذنه تعالى وأمره المرسل إليهم أن يطيعوه لأنه مؤد عنه عز شأنه فطاعته طاعته ومعصيته معصيته أو بتيسيره وتوفيقه سبحانه في طاعته، ولا يخفى ما في العدول عن الضمير إلى الإسم الجليل، واحتج المعتزلة بالآية على أن الله تعالى لا يريد إلا الخير والشر على خلاف إرادته، وأجاب عن ذلك صاحب «التيسير» بأن المعنى إلا ليطيعه من أذن له في الطاعة وأرادها منه، وأما من لم يأذن له فيريد عدم طاعته فلذا لا يطيعه ويكون كافراً، أو بأن المراد إلزام الطاعة أي وما أرسلنا رسولاً إلا لإلزام طاعته الناس ليثاب من انقاد ويعاقب من سلك طريق العناد فلا تنتهض دعواهم الاحتجاج بها على مدعاهم، واحتج بها أيضاً من أثبت الغرض في أفعاله تعالى وهو ظاهر، ولا يمكن تأويل ذلك بكونه غاية لا غرضاً لأن طاعة الجميع لا تترتب على الإرسال إلا أن يقال إن الغاية كونه مطاعاً بالإذن لا للكل إذ من لا إذن له لا يطيع، وقد تقدم الكلام في هذه المسألة. {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ} وعرضوها للبوار بالنفاق والتحاكم إلى الطاغوت {جَاءوكَ} على إثر ظلمهم بلا ريث متوسلين بك تائبين عن جنايتهم غير جامعين ـ حشفاً وسوء كيلة ـ باعتذارهم الباطل وأيمانهم الفاجرة {فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ} لذنوبهم ونزعوا عما هم عليه وندموا على ما فعلوا. {وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ} وسأل الله تعالى أن يقبل توبتهم ويغفر ذنوبهم، وفي التعبير ـ باستغفر ـ الخ دون استغفرت تفخيم لشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث عدل عن خطابه إلى ما هو من عظيم صفاته على طريق حكم الأمير بكذا مكان حكمت، وتعظيم لاستغفاره عليه الصلاة والسلام حيث أسنده إلى لفظ منبىء عن علو مرتبته {لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً} أي لعلموه قابلاً لتوبتهم متفضلاً عليهم بالتجاوز عما سلف من ذنوبهم، ومن فسر ـ الوجدان ـ بالمصادفة كان الوصف الأول: حال والثاني: بدلاً منه أو حالا من الضمير فيه أو مثله، وفي وضع الاسم الجامع موضع الضمير إيذان بفخامة القبول والرحمة.
ابن عاشور
تفسير : {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ}. جملة معترضة في خلال الخبر عن قضية المنافق الذي تحاكم إلى الطاغوت. وهو رجوع إلى الغرض الأوّل، وهو الإنحاء عليهم في إعراضهم عن التحاكم إلى الرسول، وأنّ إعراضهم ذلك مؤذن بنفاقهم: ببيان أنّ معنى الإيمان الرضا بحكم الرسول إذ ما جاء الرسول إلاّ ليُطاع فكيف يُعرض عنه. وقوله: {بإذن الله} في موضع الحال من الضمير في (يطاع) أي متلبّساً في ذلك بإذن الله أي بأمره ووصايته، إذ لا تظهر فائدة الشرائع بدون امتثالها. فمن الرسل من أطيع، ومنهم من عصي تارةٌ أو دائماً، وقد عصي موسى في مواقع، وعصى عيسى في معظم أمره، ولم يعصَ محمد من المؤمنين به المحقيّن إلاّ بتأوّل، مثل ما وقع في يوم أحُد إذ قال الله تعالى: {أية : وعصيتم}تفسير : [آل عمران: 152]، وإنّما هو عصيان بتأوّل، ولكنّه اعتبر عصياناً لكونه في الواقع مخالفة لأمر الرسول، ولذلك كان أكملُ مظاهر الرسالة تأييدَ الرسول بالسلطان، وكون السلطان في شخصه لكيلا يكون في حاجة إلى غيره، وإنّما تمّ هذا المظهر في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ولذلك وصف بأنّه نبي الملاحم، وقد ابتدأت بوارق ذلك في رسالة موسى عليه السلام، ولم تستكمل، وكملت لمحمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى: {أية : لقد أرسلنا رسلنا بالبيّنات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسلَه بالغيب}تفسير : [الحديد: 25] ولا أحسبه أراد برسله إلاّ رسوله محمداً ــــ عليه الصلاة والسلام ــــ وكان هو المراد من الجمع لأنّه الأكمل فيهم. عطف على جملة {أية : فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدّمت أيديهم}تفسير : [النساء: 62] توبيخاً لهم على تحاكمهم إذ كان ذلك عصياناً على عصيان، فإنّهم ما كفاهم أن أعرضوا عن تحكيم الرسول حتّى زادوا فصدّوا عمّن قال لهم: تعالَوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول. فلو أَستفاقوا حينئذٍ من غُلوائهم لعلموا أنّ إرادتهم أن يتحاكموا إلى الكفار والكهنة جريمة يجب الاستغفار منها ولكنّهم أصرّوا واستكبروا. وفي ذكر (لو) وجعل {لوَجدوا الله تواباً رحيماً} جواباً لها إشارة إلى أنّهم لمّا لم يفعلوا فقد حُرموا الغفران. وكان فعل هذا المنافق ظلماً لنفسه. لأنّه أقحمها في معصية الله ومعصية الرسول، فجرّ لها عقاب الآخرة وعرضها لمصائب الانتقام في العاجلة.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: بإذن الله: إذن الله: إعلامه بالشيء وأمره به. ظلموا أنفسهم: بالتحاكم إلى الطاغوت وتركهم التحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. استغفروا الله: طلبوا منه أن يغفر لهم بلفظ اللهم اغفر لنا، أو استغفروا الله. يحكموك: يجعلونك حكما بينهم ويفوضون الأمر إليك. فيما شجر بينهم: أي اختلفوا فيه لاختلاط وجه الحق والصواب فيه بالخطأ والباطل. حرجا: ضيقاً وتحرُّجاً. مما قضيت: حكمت فيه. ويسلموا: أي يذعنوا لقبول حكمك ويسلمون به تسليماً تاماً. معنى الآيتين: بعد تقرير خطأ وضلال من أرادا أن يتحاكما إلى الطاغوت كعب بن الأشرف اليهودي وهما اليهودي والمنافق في الآيات السابقة أخبر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه ما أرسلَ رسولاً مِن رسله المئات إلا وأمر المرسل إليهم بطاعته واتباعه والتحاكم إليه وتحكيمه في كل ما يختلفون فيه وذلك أمره وقضاؤه وتقديره فما شاءه كان وما لم يشأه لم يكن كما أخبر تعالى أن أولئك الظالمين لأنفسهم بتحاكمهم إلى الطاغوت وصدودهم عن التحاكم إليك أيها الرسول لَوْ جاءوك متنصلين من خطيئتهم مستغفرين الله من ذنوبهم واستغفرت لهم أنت أيها الرسول أي سألت الله تعالى لهم المغفرة لو حصل منهم هذا لدل ذلك على توبتهم وتاب الله تعالى عليهم فوجدوه عز وجل {تَوَّاباً رَّحِيماً}. هذا معنى الآية [64] {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً}. وأما الآية الثانية [65] {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} فإن الله تعالى يقول {فَلاَ} أي ليس الأمر كما يزعمون، ثم يقسم تعالى فيقول {وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ} أيها الرسول أي يطلبون حكمك فيما اختلفوا فيه واختلط عليهم من أمورهم ثم بعد حكمك لا يجدون في صدروهم أدنى شك في صحة حكمك وعدالته، وفي التسليم له والرضا به وهو معنى الحرج المتبقي في قوله، {ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً}. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يأمر به وينهى عنه. 2- بطلان من يزعم أن في الآية دليلا على جواز طلب الاستغفار من الرسول صلى الله عليه وسلم لأن قوله تعالى {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ} الآية نزلت في الرجلين اللّذين أرادا التحاكم إلى كعب بن الأشرف اليهودي وإعراضهما عن رسول الله صل الله عليه وسلم فاشترط توبتهما إتيانهما لرسول الله صلى الله عليه وسلم واستغفارهما الله تعالى، واستغفار الرسول لهما، وبذلك تقبل توبتهما، وإلا فلا توبة لهما أما من عداهما فتوبته لا تتوقف على إتيانه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا لاستغفاره له وهذا محل إجماع بين المسلمين. 3- كل ذنب كبر أو صغر يعتبر ظلماً للنفس وتجب التوبة منه بالاستغفار والندم والعزم على عدم مراجعته بحال من الأحوال. 4- وجوب التحاكم إلى الكتاب والسنة وحرمة التحاكم إلى غيرهما. 5- وجوب الرضا بحكم الله ورسوله والتسليم به.
القطان
تفسير : ان سنّتنا في هذا الرسول الكريم مثل سنّتنا في الرسل قبله، نرسلهم ليُطاعوا بإذن الله، فمن يخرج عن طاعتهم بأن ينافق او يكذب او يخالف يكنْ ظالماً لنفسه، ويرتكب أكثر الآثام. ولو أن هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم ورغبوا عن حكمك رجعوا الى الهدى فجاؤوك وطلبوا المغفرةَ من الله على ما قدّموا، وندموا على ما فرط منهم، لدَعوتَ أنت يا محمد لهم بالمغفرة فغفر الله لهم، إنه كان تواباً رحيما. وأقسم الله تعالى بربوبيته مخاطباً رسوله الكريم بأن أولئك الذين لم يقبلوا التحاكُم إليه، هم ومن ماثَلَهم من المنافقين ـ لا يؤمنون إيماناً حقيقياً حتى يجعلوا محمداً حكَماً فيما يكون بينهم من نزاع، ثم لا تضيق نفوسهم فيما يحكم به، ويُسلّموا ويذعنوا لذلك.
د. أسعد حومد
تفسير : (64) - مِنْ سُنَّةِ اللهِ فِي رُسُلِهِ أنَّهُ لاَ يُرْسِلُهُمْ إلاَّ لِيُطَاعُوا بِإذْنِ اللهِ، فَمَنْ خَرَجَ عَنْ طَاعَتِهِمْ، أَوْ رَغِبَ عَنْ حُكْمِهِمْ، خَرَجَ عَنْ حُكْمِ اللهِ وَسُنَّتِهِ، وَارْتَكَبَ إثْماً عَظِيماً. وَلًوْ أنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ، حِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ، وَرَغِبُوا عَنْ حُكْمِ رَسُولِ اللهِ إلى حُكْمِ الطَّاغُوتِ، جَاؤُوا الرَّسُولَ، عَقِبَ الذَّنْبِ مُبَاشَرَةً، فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ مِنْ ذُنُوبِهِمْ، وَأظْهَرُوا نَدَمَهُمْ عَلَى مَا فَرَطَ مِنْهُمْ لِلرَّسُولِ لِيَصْفَحَ عَنْهُمْ، لاعْتِدَائِهِمْ عَلَى حَقِّهِ، وَلِيَدْعُوَ لَهُمْ بِالمَغْفِرَةِ، وَلَوْ أنَّ الرَّسُولَ دَعَا لَهُمْ بِالمَغْفِرَةِ، لَتَقَبَّلَ اللهُ تَوْبَتَهُمْ، وَلَغَمَرَهُمْ بِفَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ، وَلَشَمِلَهُمْ بِعَفْوِهِ، فَرَحْمَةُ اللهِ وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ (وَسَمَّى اللهُ تَعَالَى تَرْكَ طَاعَةِ الرَّسُولِ ظُلْماً لِلنَّفْسِ أيْ إفْسَاداً لَهَا).
الثعلبي
تفسير : {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ} بالتحاكم إلى الطاغوت {جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً}. روى الصادق عن علي (عليهما السلام) قال: قدم علينا أمرؤ عندما دفنّا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام فرمى بنفسه على قبر النبي عليه الصلاة والسلام وحثا على رأسه من ترابه وقال: يا رسول الله قلت فسمعنا قولك ووعيت من الله فوعينا عنك وكان فيما أنزل الله عليك {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً} فقد ظلمت نفسي فجئتك لتستغفر لي فنودي من القبر أنه قد غفر لك. {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ} الآية. نزلت في الزبير بن العوام وخصمه، واختلف في اسمه، فقال الصالحي: ثعلبة بن الحاطب، وقال الآخرون:"حديث : حاطب بن أبي بلتعة وذلك أنهما اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شراج من الخزة كانا يستقيان به النخل فقال صلى الله عليه وسلم إسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك، فغضب الرجل، فقال: يا رسول الله أكان ابن عمتك؟ فتغيّر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل يا زبير ثم احبَسْ الماء حتى ترجع الجدد فاستوف حقك ثم أرسل إلى جارك. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشار إلى الزبير بالسقي له ولخصمه فلما احفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم استوعب الزبير حقه في صريح الحكم. ثم خرجا فمرّا على المقداد، فقال: لمن كان القضاء بالسقاية؟ فقال: قضى لابن عمته، ولوى شِدْقَه. ففطن به يهودي كان مع المقداد، فقال: قاتل الله فلولا يشهدون أنه رسول الله ثم يتهمونه كانوا أقضى منهم، وأيمُ الله لقد أذنبنا ذنباً مرة واحدة في حياة موسى (عليه السلام) فدعانا موسى إلى التوبة منه، وقال: فاقتلوا أنفسكم ففعلنا مع ذلك فقتلنا سبعين ألفاً في طاعة ربنا حتى رضي عنا. فقال ثابت بن قيس بن شماس: أما والله إن الله ليعلم مني الصدق لو أمرني محمد أن أقتل نفسي لفعلت، فأنزل الله تعالى في شأن حاطب ابن أبي بلتعة، وليِّهِ شِدْقه {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ}"تفسير : الآية. وقال مجاهد والشعبي: نزلت في قصة بشر المنافق واليهودي اللذين اختصما إلى عمر(رضي الله عنه) وقد مضت القصة. قوله {فَلاَ} يعني ليس الأمر كما يزعمون انهم مؤمنون ثم لايرضون بحكمك ويصدون عنك ثم استأنف القسم فقال {وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} ويجوز أن يكون لأصله كقولهم وهم ممن يحكموك أي يجعلوك حكماً {فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} أي اختلف واختلط من أُمورهم والتبس عليهم حكمه، ومنه الشجر لا ختلاف أعضائه وقل يعطي الهودج شجار لتداخل بعضها في بعض. قال الشاعر: شعر : نفسي فداؤك والرماح شواهر والقوم في ضنك للقاء قيام تفسير : {ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً} أي ضيقاً وشكاً {مِّمَّا قَضَيْتَ} ومنه قيل للشجر الملتف الذي لا يكاد يوصل إليه حرج وحرجة وجمعها حراج. وقال الضحاك: أي إثماً يأتون بإنكارهم لما قضيت {وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} أي يخضعوا وينقادوا إليك إنقياداً {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا} فرضنا وأوجبنا {عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ} ما أمرنا بني اسرائيل. {أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ} كما أمرناهم بالخروج من مصر {مَّا فَعَلُوهُ} أرجع الهاء إلى فعل القتل والخروج لأن الفعل وإن اختلفت أجناسه فمعناه واحد {إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ} وهذه الآية نزلت في قول ثابت بن قيس وكان هو من القليل الذي استثنى الله عز وجل ورفع القليل على ضمير الفاعل بأنهم فعلوه وقلّ على التكرار تقديره: ما فعلوه، تم الكلام. ثم قال: إلاّ أنه فعله قليل منهم. كقول عمر بن معدي كرب: شعر : فكلُّ أخ مفارقه أخوه لعمر أبيك إلاّ الفرقدان تفسير : وقرأ أُبي بن كعب وعيسى بن عمر وابن أبي اسحاق وابن عامر (قليلاً) بالنصب، وكذا هو في مصاحف أهل الشام على [النصب] وقيل: فيه اضمار تقديره إلاّ أن يكون قليلاً منهم. قال الحسن ومقاتل: حديث : لما نزلت هذه الآية قال عمر وعمار وابن مسعود وناس صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم القليل: والله لو أمرنا لفعلنا، فالحمد لله الذي عافانا، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "إن من أُمتي لرجالاً الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي" . تفسير : قال الله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً} تحقيقاً وتصديقاً لإيمانهم. {وَإِذاً لأَتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّـآ أَجْراً عَظِيماً} ثواباً. {وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً * وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ} حديث : نزلت هذه الآية في ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان شديد الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم، وقد تغير لونه [ونحل جسمه يعرف في وجهه الحزن] وقلّ لحمه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا ثوبان ما غيّر لونك؟"؟ فقال: يا رسول الله مابي مرض، ولا وجع، غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك، وتوجّست وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة وأخاف أن لا أراك هناك، لأني عرفت أنك ترفع مع النبيين وأني وإن ادخلت الجنة، كنت في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة فذلك حين لا أراك أبداً . تفسير : فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : والذي نفسي بيده لايؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من نفسه وأبويه وأهله وولده والناس أجمعين ". تفسير : وقال قتادة ومسروق بن الأجدع: أنّ أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قالوا: ما ينبغي لنا أن نفارقك فإنا لا نراك إلاّ في الدنيا فأما في الآخرة فإنك ترفع فوقنا بفضلك فلا نراك، فأنزل الله تعالى {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ} في الفرائض {وَٱلرَّسُولَ} في السنن {فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ} وهم أفاضل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم {وَٱلشُّهَدَآءِ} وهم الذين استشهدوا في سبيل الله {وَٱلصَّالِحِينَ} من صلحاء أمة محمد صلى الله عليه وسلم. قال عكرمة: النبيون: محمّد، والصديقون: أبو بكر الصديق، والشهداء عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، والصالحون سائر أصحابه. {وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً} يعني دوماً في الجنة كما يقول: نعم الرفقا هم. والعرب تضع الولي في معنى الجمع كثيراً، كقوله: نحن منكم قبلاً أي اطياداً، ويولون الدبر أي الأدبار ويقولون ينظرون من طرف خفي. وقوله ورفيقاً نصب على خبر {ذٰلِكَ ٱلْفَضْلُ} [احسان] {مِنَ ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيماً} يعني بالآخرة وثوابها. وقيل: بمن أطاع رسول الله وأحبه، وفي هذه الآية دلالة على خلافة أبي بكر الصديق (رضي الله عنه) وذلك أن الله تعالى لما ذكر مراتب أوليائه في كتابه بدأ بالأعلى منهم، وهم النبيون فجعل الروضة الأعلى للنبيين فلم يجز أن يتقدمهم فيها أحد وثنى بذكر الصديقين فلا يجوز ان يتقدمهم أحد غير النبيين ولأن يكون من النبي صديق سرهم، وقد أجمع المسلمون على تسمية أبي بكر صديقاً كما أجمعوا على تسمية محمد رسول الله ولم يجز أن يكونوا غالطين في تسميتهم محمد الرسول كذلك لايجوز أن يكونون غالطين في تسمية أبي بكر صديقاً فإذا صح انه صديق وأنه ثاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجز أن يتقدّمه بعده أحد والله أعلم، وفي قوله {ذٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ} دليل على أنّهم لم ينالوا تلك الدرجة بطاعتهم بل نالوها بفضل الله خلافاً، لما قالت المعتزلة ان العبد إنما ينال ذلك بفعله فلما احسن الله على عباده بما آتاهم من فضله فكان لايجوز أن يثني على نفسه بمالم يفعله، فثبت ذلك على بطلان قولهم ثم علّمهم مباشرة الحروب، فقال: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ} من عدوكم أي عدتكم وآلاتكم من السلاح {أية : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} تفسير : [البقرة: 195] والحِذر والحَذر واحد، كالمِثل والمَثل، والعِدل والعَدل، والشِبه والشَبه، {فَٱنفِرُواْ} أي اخرجوا {ثُبَاتٍ} أي سرايا كسرية بعد سرية وجماعة بعد جماعة، والثبات الجماعات في تفرقه واحدها ثبة {أَوِ ٱنْفِرُواْ جَمِيعاً} أي مجتمعين كلّكم مع سلم واستدل أهل القدر بهذه الآية. بقوله {خُذُواْ حِذْرَكُمْ} قالوا: لولا أن الحذر يمنع عنهم مكايد الأعداء ما كان لأمره بالحذر إياهم معنى. فيقال لهم: الإئتمار لأمر الله والانتهاء عن نهيه واجب عليهم لأنهم به يسلمون من معصية الله عز وجل لأن المعصية تزل، فائتمروا وانتهوا عمّا نهوا عنه. وليس في هذه الآية دليل على أن حذرهم ينفع من القدر شيئاً، وهذا كقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : إعقلها وتوكّل ". تفسير : والمراد به طمأنينة النفس لا أن ذلك يدفع القدر، كذلك في أخذ الحذر فهو الدليل على ذلك، أن الله تعالى أثنى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله حاكياً عنهم {أية : لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا} تفسير : [التوبة: 51] وأمر بذلك رسوله صلى الله عليه وسلم كان يصيبهم غير ما قضى عليهم ما كان هذا مني. {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ}. قال بعضهم: نزلت هذه الآية في المؤمنين لأن الله خاطبهم بقوله {وَإِنَّ مِنْكُمْ} وقد فرق الله بين المؤمنين والمنافقين بقوله {أية : مَّا هُم مِّنكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ} تفسير : [المجادلة: 14]. وقال: أكثر أهل التفسير: إنّها نزلت في المنافقين وإنما جمع منهم في الخطاب من جهة الجنس والسبب ومن جهة الإيمان من {لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ} أي ليثاقلن ويتخلفنّ عن الجهاد والغزو. وقيل: معناه ليصدّقن غيره، وهو عبد الله بن أُبيّ المنافق وإنما دخلت (اللام) في (من) لمكان (من) كما تقول: إنّ فيها لأخاك فاللام في ليبطئن لام القسم وهي صلة لمن على اعتماد شبه باليمين كما يقال هذا الذي ليقومن وأرى رجلاً ليفعلن. {فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ} أي قتل وهزيمة {قَالَ قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيَّ} عهد {إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً} أي حاضراً في تلك الغزاة فيصيبني مثل ما أصابهم، يقول الله {كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ} أي معرفة. وقال معقل بن حيان: معناه كأن ليس من أهل دينكم وان نظم الآية وقوله كأن لم يكن متصل بقوله {فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ} {وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ الله} أي فتح وغنيمة {لَيَقُولَنَّ} هذا المنافق قول نادم حاسد: ياليتني كنت معهم في تلك الغزاة {فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً} أي آخذ نصيباً وافراً من الغنيمة. وقوله (فأفوز) نصب على نحو التمني بالفاء، وفي (التمني) معنى يسرني أن افعل مافعل كأنه متشوق لذلك النصيب، كما يقول: وددت ان أقوم فمنعني أُناس ثم نزلت في المنافقين الذين تخلفوا عن أُحدْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الغرض من إرسال الحق للرسول هو أن يعلم الناس شرع الله المتمثل في المنهج، وأن يهديهم إلى دين الحق. والمنهج يحمل قواعد هي: افعل، ولا تفعل، وما لا يرد فيه "افعل ولا تفعل" من أمور الحياة فالإنسان حرّ في اختيار ما يلائمة. وأي رسول لا يأتي بتكليفات من ذاته، بل إن التكليفات تجيء بإذن الله. وهو لا يطاع إلا بإذن من الله. فالرسول صلى الله عليه وسلم جاء بطاعة الله إلا إن يفوّض من الله في أمور أخرى، وقد فوّض الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله الحق: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} تفسير : [الحشر: 7]. فالمؤمنون برسالة محمد صلى الله عليه وسلم - إذن -عليهم طاعة الرسول في إطار ما فوّضه الله والله أذن له أن يشرع. ويتابع الحق: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً}. وظلم النفس: أن تحقق لها شهوة عاجلة لتورثها شقاء دائماً. وظلم النفس أشقى أنواع الظلم، فمن المعقول أن يظلم الإنسان غيره، أما أن يظلم نفسه فليس معقولاً. وأي عاصٍ يترك واجباً تكليفياً ويقبل على أمرٍ منهي عنه، قد يظن في ظاهر الأمر أنه يحقق لنفسه متعة، بينما هو يظلم نفسه ظلماً قاسياً؛ فالذي يترك الصلاة ويتكاسل أو يشرب الخمر أو يرتكب أي معصية نقول له: أنت ظلمت نفسك؛ لأنك ظننت أنك تحقق لنفسك متعة بينما أورثتها شقاءً أعنف وأبقى وأخلد، ولست أميناً على نفسك. والنفس - كما نعلم - تطلق على اجتماع الروح بالمادة، وهذا الاجتماع هو ما يعطي النفس الإنسانية صفة الاطمئنان أو صفة الأمارة بالسوء، أو صفة النفس اللوامة. وساعة تأتي الروح مع المادة تنشأ النفس البشرية. والروح قبلما تتصل بالمادة هي خيّرة بطبيعتها، والمادة قبلما تتصل بالروح خيرة بطبيعتها؛ فالمادة مقهورة لإرادة قاهرها وتفعل كل ما يطلبه منها. فإياك أن تقول: الحياة المادية والحياة الروحية، وهذه كذا وكذا. لا. إن المادة على إطلاقها خيّرة، طائعة، مُسَخَّرة، عابدة، مُسبِّحة. والروح على إطلاقها كذلك، فمتى يأتي الفساد.. ساعة تلتقي الروح بالمادة ويوجد هذا التفاعل نقول: أنت يا مكلف ستطمئن إلى حكم الله وتنتهي المسألة أم ستبقى نفسك لوّامة أم ستستمرئ المعصية وتكون نفسك أمارة بالسوء؟ فمَن يظلم مَن إذن؟. إنه هواك في المخالفة الذي يظلم مجموع النفس من روحها ومادتها. فأنت في ظاهر الأمر تحقق شهوة لنفسك بالمخالفة، لكن في واقع الأمر أنك تتعب نفسك، {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ}. ولنعلم أن هناك فرقاً بين أن يأتي الفاحشة إنسانَ ليحقق لنفسه شهوة. وأن يظلم نفسه، فالحق يقول: {أية : وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ} تفسير : [آل عمران: 135]. إذن فارتكاب الفاحشة شيء وظلم النفس شيء آخر، "فعل فاحشة" قد متع إنسان نفسَه قليلاً، لكن من ظلم نفسه لم يفعل ذلك. فهو لم يمتعها ولم يتركها على حالها، إذن فقد ظلم نفسه؛ لا أعطاها شهوة في الدنيا؛ ولم يرحمها من عذاب الآخرة، فمثلاً شاهد الزور الذي يشهد ليأخذ واحدٌ حقَّ آخر، هذا ظلم قاسٍ للنفس، ولذلك قال الرسول: "حديث : بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بِعرضٍ من الدنيا ". تفسير : {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ}. وظلم النفس أيضاً بأن يرفع الإنسان أمره إلى الطاغوت مثلاً، لكن عندما يرفع الإنسان أمره للحاكم، لا نعرف أيحكم لنا أم لا؛ وقد يهديه الله ساعة الحكم. إن قوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ} فالمسألة أنهم امتنعوا من المجيء إليك يا رسول الله؛ فأول مرتبة أن يرجعوا عما فعلوه، وبعد ذلك يستغفرون الله؛ لأن الذنب بالنسبة لعدم مجيئهم للرسول قبل أن يتعلق بالرسول تعلق بمن بعث الرسول، ولذلك يقولون: إهانة الرسول تكون إهانة للمرسِل؛ فصحيح أن عدم ذهابهم للرسول هو أمر متعلق بالرسول ولكن إذا صعدته تجده متعلقاً بمن بعث الرسول وهو الله، لأن الرسول لم يأت بشيء من عنده، وبعد أن تطيب نفس الرسول فيستغفر الله لهم، إذن فأولاً: يجيئون، وثانياً: يستغفرون الله وثالثاً: يستغفر لهم الرسول. وبعد ذلك يقول سبحانه: {لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً} إذن فوجدان الله تواباً رحيماً مشروط بعودتهم للرسول بدلاً من الإعراض عنه ثم أن يَستغفروا الله؛ لأن الله ما أرسل من رسول إلا ليطاع بإذنه، فعندما تختلف معه لا تقل: إنني اختلفت مع الرسول؛ لا. إنك إن اختلفت معه تكون قد اختلفت مع من أرسله وعليك أن تستغفر الله. ولو أنك استغفرت الله دون ترضية الرسول فلن يقبل الله ذلك منك. فلا يقدر أحد أبداً أن يصلح ما بينه وبين الله من وراء محمد عليه الصلاة والسلام. وحين يفعلون ذلك من المجيء إلى الرسول واستغفارهم الله واستغفار الرسول لهم سيجدون الله تواباً رحيماً، وكلمة "توّاب" مبالغة في التوبة فتشير إلى أن ذنبهم كبير. إن الحق سبحانه وتعالى خلق خلقه ويعلم أن الأغيار تأتي في خواطرهم وفي نفوسهم وأن شهواتهم قد تستيقظ في بعض الأوقات فتنفلت إلى بعض الذنوب، ولأنه رب رحيم بين لنا ما يمحص كل هذه الغفلة، فإذا أذنب العبد ذنباً أَرَبُّهُ الرحيم يتركه هكذا للذنب؟ لا. إنه سبحانه شرع له العودة إليه؛ لأن الله يحب أن يئوب عبده ويرجع إليه وإن غفل بمعصيته. إن الحق سبحانه وتعالى يعلمنا كيف نزيل عنا آثار المعاصي، فقال: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ} فالعلاج من هذه أن يجيئوك لأنهم غفلوا عن أنك تنطق وتبلغ من قِبَل الحق في التشريع وفي الحكم، وبعد المجيء يستغفرون الله ويستغفر لهم الرسول، تأييداً لاستغفارهم لله، حينئذ يجدون الله تواباً رحيماً. ويقول الحق بعد ذلك: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى خبرا في ضمنه الأمر والحث على طاعة الرسول والانقياد له. وأن الغاية من إرسال الرسل أن يكونوا مطاعين ينقاد لهم المرسلُ إليهم في جميع ما أمروا به ونهوا عنه، وأن يكونوا معظمين تعظيم المطيع للمطاع. وفي هذا إثبات عصمة الرسل فيما يبلغونه عن الله، وفيما يأمرون به وينهون عنه؛ لأن الله أمر بطاعتهم مطلقا، فلولا أنهم معصومون لا يشرعون ما هو خطأ، لما أمر بذلك مطلقا. وقوله: { بِإِذْنِ اللَّهِ } أي: الطاعة من المطيع صادرة بقضاء الله وقدره. ففيه إثبات القضاء والقدر، والحث على الاستعانة بالله، وبيان أنه لا يمكن الإنسان -إن لم يعنه الله- أن يطيع الرسول. ثم أخبر عن كرمه العظيم وجوده، ودعوته لمن اقترفوا السيئات أن يعترفوا ويتوبوا ويستغفروا الله فقال: { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ } أي: معترفين بذنوبهم باخعين بها. { فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا } أي: لتاب عليهم بمغفرته ظلْمَهم، ورحمهم بقبول التوبة والتوفيق لها والثواب عليها، وهذا المجيء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم مختص بحياته؛ لأن السياق يدل على ذلك لكون الاستغفار من الرسول لا يكون إلا في حياته، وأما بعد موته فإنه لا يطلب منه شيء بل ذلك شرك. ثم أقسم تعالى بنفسه الكريمة أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله فيما شجر بينهم، أي: في كل شيء يحصل فيه اختلاف، بخلاف مسائل الإجماع، فإنها لا تكون إلا مستندة للكتاب والسنة، ثم لا يكفي هذا التحكيم حتى ينتفي الحرج من قلوبهم والضيق، وكونهم يحكمونه على وجه الإغماض، ثم لا يكفي ذلك حتى يسلموا لحكمه تسليمًا بانشراح صدر، وطمأنينة نفس، وانقياد بالظاهر والباطن. فالتحكيم في مقام الإسلام، وانتفاء الحرج في مقام الإيمان، والتسليم في مقام الإحسان. فمَن استكمل هذه المراتب وكملها، فقد استكمل مراتب الدين كلها. فمَن ترك هذا التحكيم المذكور غير ملتزم له فهو كافر، ومَن تركه، مع التزامه فله حكم أمثاله من العاصين.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):