٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
65
Tafseer
الرازي
تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: في سبب نزول هذه الآية قولان: أحدهما: وهو قول عطاء ومجاهد والشعبي: ان هذه الآية نازلة في قصة اليهودي والمنافق، فهذه الآية متصلة بما قبلها، وهذا القول هو المختار عندي. والثاني: انها مستأنفة نازلة في قصة أخرى، وهو ما روي عن عروة بن الزبير أن رجلا من الانصار خاصم الزبير في ماء يسقى به النخل، فقال صلى الله عليه وسلم للزبير: «حديث : اسق أرضك ثم أرسل الماء إلى أرض جارك» تفسير : فقال الانصاري: لأجل أنه ابن عمتك، فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال للزبير: «حديث : اسق ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر».تفسير : واعلم أن الحكم في هذا أن من كانت أرضه أقرب إلى فم الوادي فهو أولى بأول الماء وحقه تمام السقي، فالرسول صلى الله عليه وسلم أذن للزبير في السقي على وجه المسامحة، فلما أساء خصمه الأدب ولم يعرف حق ما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم من المسامحة لاجله أمره النبي عليه الصلاة والسلام باستيفاء حقه على سبيل التمام، وحمل خصمه على مر الحق. المسألة الثانية: «لا» في قوله: «فلا وربك» فيه قولان: الأول: معناه فوربك، كقوله: {أية : فَوَرَبّكَ لَنَسْـئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ }تفسير : [الحجر:92] و«لا» مزيدة لتأكيد معنى القسم، كما زيدت في {لّئَلاَّ يَعْلَمَ } لتأكيد وجوب العلم و{لاَ يُؤْمِنُونَ } جواب القسم. والثاني: انها مفيدة، وعلى هذا التقدير ذكر الواحدي فيه وجهين: الأول: انه يفيد نفي أمر سبق، والتقدير: ليس الأمر كما يزعمون انهم آمنوا وهم يخالفون حكمك، ثم استأنف القسم بقوله: {فَوَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكّمُوكَ } والثاني: أنها لتوكيد النفي الذي جاء فيما بعد، لأنه إذا ذكر في أول الكلام وفي آخره كان أوكد وأحسن. المسألة الثالثة: يقال شجر يشجر شجورا وشجرا إذا اختلف واختلط، وشاجره إذا نازعه وذلك لتداخل كلام بعضهم في بعض عند المنازعة، ومنه يقال لخشبات الهودج شجار، لتداخل بعضها في بعض. قال أبو مسلم الأصفهاني: وهو مأخوذ عندي من التفاف الشجر، فان الشجر يتداخل بعض أغصانه في بعض، وأما الحرج فهو الضيق. قال الواحدي: يقال للشجر الملتف الذي لا يكاد يوصل اليه: حرج، وجمعه حراج، وأما التسليم فهو تفعيل يقال: سلم فلان أي عوفي ولم ينشب به نائبة، وسلم هذا الشيء لفلان، أي خلص له من غير منازع، فاذا ثقلته بالتشديد فقلت: سلم له فمعناه أنه سلمه له وخلصه له، هذا هو الأصل في اللغة، وجميع استعمالات التسليم راجع إلى الأصل فقولهم: سلم عليه، أي دعا له بأن يسلم، وسلم اليه الوديعة، أي دفعها اليه بلا منازعة، وسلم اليه أي رضي بحكمه، وسلم إلى فلان في كذا، أي ترك منازعته فيه، وسلم إلى الله أمره أي فوض اليه حكم نفسه، على معنى أنه لم ير لنفسه في أمره أثرا ولا شركة، وعلم أن المؤثر الصانع هو الله تعالى وحده لا شريك له. المسألة الرابعة: اعلم أن قوله تعالى: {فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ } قسم من الله تعالى على أنهم لا يصيرون موصوفين بصفة الايمان إلا عند حصول شرائط: أولها: قوله تعالى: {حَتَّىٰ يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } وهذا يدل على أن من لم يرض بحكم الرسول لا يكون مؤمنا. واعلم أن من يتمسك بهذه الآية في بيان أنه لا سبيل الى معرفة الله تعالى إلا بارشاد النبي المعصوم قال: لأن قوله: {لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } تصريح بأنه لا يحصل لهم الايمان إلا بأن يستعينوا بحكم النبي عليه الصلاة والسلام في كل ما اختلفوا فيه، ونرى أهل العلم مختلفين في صفات الله سبحانه وتعالى، فمن معطل ومن مشبه، ومن قدري ومن جبري، فلزم بحكم هذه الآية أنه لا يحصل الايمان إلا بحكمه وارشاده وهدايته، وحققوا ذلك بأن عقول أكثر الخلق ناقصة وغير وافية بادراك هذه الحقائق؟ وعقل النبي المعصوم كامل مشرق، فاذا اتصل اشراق نوره بعقول الأمة قويت عقولهم وانقلبت من النقص إلى الكمال، ومن الضعف إلى القوة، فقدروا عند ذلك على معرفة هذه الأسرار الالهية. والذي يؤكذ ذلك أن الذين كانوا في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا جازمين متيقنين كاملي الايمان والمعرفة، والذين بعدوا عنه اضطربوا او اختلفوا، وهذه المذاهب ما تولدت إلا بعد زمان الصحابة والتابعين، فثبت ان الأمر كما ذكرنا، والتمسك بهذه الآية رأيته في كتب محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، فيقال له: فهذا الاستقلال الذي ذكرته إنما استخرجته من عقلك، فاذا كان عقول الأكثرين ناقصة فلعلك ذكرت هذه الاستدلال لنقصان عقلك، وإذا كان هذا الاحتمال قائما وجب أن يشك في صحة مذهبك وصحة هذا الدليل الذي تمسكت به، ولأن معرفة النبوة موقوفة على معرفة الاله، فلو توقفت معرفة الاله على معرفة النبوة لزم الدور، وهو محال. الشرط الثاني: قوله: {ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مّمَّا قَضَيْتَ } قال الزجاج: لا تضيق صدورهم من أقضيتك. واعلم أن الراضي بحكم الرسول عليه الصلاة والسلام قد يكون راضيا به في الظاهر دون القلب فبين في هذه الآية انه لا بد من حصول الرضا به في القلب، واعلم أن ميل القلب ونفرته شيء خارج عن وسع البشر، فليس المراد من الآية ذلك، بل المراد منه أن يحصل الجزم واليقين في القلب بأن الذي يحكم به الرسول هو الحق والصدق. الشرط الثالث: قوله تعالى: {وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً } واعلم أن من عرف بقلبه كون ذلك الحكم حقا وصدقا قد يتمرد عن قبوله على سبيل العناد أو يتوقف في ذلك القبول، فبين تعالى أنه كما لا بد في الايمان من حصول ذلك اليقين في القلب. فلا بد أيضا من التسليم معه في الظاهر، فقوله: {ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مّمَّا قَضَيْتَ } المراد به الانقياد في الباطن، وقوله: {وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً } المراد منه الانقياد في الظاهر والله أعلم. المسألة الخامسة: دلت الآية على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون عن الخطأ في الفتوى وفي الأحكام، لأنه تعالى أوجب الانقياد لحكمهم وبالغ في ذلك الايجاب وبين انه لا بد من حصول ذلك الانقياد في الظاهر وفي القلب، وذلك ينفي صدور الخطأ عنهم، فهذا يدل على أن قوله: {أية : عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُم} تفسير : [التوبة: 43] وأن فتواه في أسارى بدر، وأن قوله: {أية : لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ } تفسير : [التحريم: 1] وأن قوله: {أية : عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ } تفسير : [عبس: 1] كل ذلك محمول على الوجوه التي لخصناها في هذا الكتاب. المسألة السادسة: من الفقهاء من تمسك بقوله تعالى: {ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مّمَّا قَضَيْتَ } على أن ظاهر الأمر للوجوب، وهو ضعيف لأن القضاء هو الالزام، ولا نزاع في أنه للوجوب. المسألة السابعة: ظاهر الآية يدل على أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس، لأنه يدل على أنه يجب متابعة قوله وحكمه على الاطلاق، وانه لا يجوز العدول عنه إلى غيره، ومثل هذه المبالغة المذكورة في هذه الآية قلما يوجد في شيء من التكاليف، وذلك يوجب تقديم عموم القرآن والخبر على حكم القياس، وقوله: {ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مّمَّا قَضَيْتَ } مشعر بذلك لأنه متى خطر بباله قياس يفضي الى نقيض مدلول النص فهناك يحصل الحرج في النفس، فبين تعالى أنه لا يكمل إيمانه إلا بعد أن لا يلتفت الى ذلك الحرج، ويسلم النص تسليما كليا، وهذا الكلام قوي حسن لمن أنصف. المسألة الثامنة: قالت المعتزلة: لو كانت الطاعات والمعاصي بقضاء الله تعالى لزم التناقض، وذلك لأن الرسول اذا قضى على إنسان بأنه ليس له أن يفعل الفعل الفلاني وجب على جميع المكلفين الرضا بذلك لأنه قضاء الرسول. والرضا بقضاء الرسول واجب لدلالة هذه الآية، ثم لو أن ذلك الرجل فعل ذلك الفعل على خلاف فتوى الرسول، فلو كانت المعاصي بقضاء الله لكان ذلك الفعل بقضاء الله، والرضا بقضاء الله واجب، فيلزم أن يجب على المكلفين الرضا بذلك الفعل. لأنه قضاء الله، فوجب أن يلزمهم الرضا بالفعل والترك معا، وذلك محال. والجواب: أن المراد من قضاء الرسول الفتوى المشروعة، والمراد من قضاء الله التكوين والايجاد، وهما مفهومان متغايران، فالجمع بينهما لا يفضي إلى التناقض.
القرطبي
تفسير : فيه خمس مسائل: الأُولىٰ ـ قال مجاهد وغيره: المراد بهذه الآية من تقدّم ذكره ممن أراد التّحاكم إلى الطاغوت وفيهم نزلت. وقال الطّبرِيّ: قوله:{فَلاَ} ردٌّ على ما تقدّم ذكره، تقديره فليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك، ثم استأنف القسم بقوله: {وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ}. وقال غيره: إنما قدّم «لا» على القسم اهتماماً بالنفي وإظهاراً لقوّته، ثم كرره بعد القسم تأكيداً للتهمّم بالنفي، وكان يصح إسقاط «لا» الثانية ويبقى أكثر الاهتمام بتقديم الأُولى. وكان يصح إسقاط الأُولى ويبقى معنى النفي ويذهب معنى الاهتمام. و{شَجَرَ} معناه اختلف واختلط؛ ومنه الشجر لاختلاف أغصانه. ويُقال لعِصيّ الهَوْدَج: شِجار؛ لتداخل بعضها في بعض. قال الشاعر: شعر : نفسي فداؤك والرّماح شَوَاجِر والقوم ضُنك لِلقاءِ قيام تفسير : وقـال طرفــة: شعر : وهُمُ الحكام أربابُ الهدى وسعاة الناس في الأمر الشّجِر تفسير : وقالت طائفة: نزلت في الزُّبير مع الأنصاريّ، وكانت الخصومة في سَقْي بستان؛حديث : فقال عليه السَّلام للزبير: «ٱسقِ أرضك ثم أرسل الماء إلى أرض جارك». فقال الخصم: أراك تحابِي ٱبن عمتك؛ فتلوّن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال للزّبير: «ٱسق ثم ٱحبس الماء حتى يبلغ الجَدْر » تفسير : ونزل: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ}. الحديث ثابت صحيح رواه البخاريّ عن عليّ بن عبد الله عن محمد بن جعفر عن مَعْمَر، ورواه مسلم عن قُتَيبة كلاهما عن الزهريّ. واختلف أهل هذا القول في الرجل الأنصاري؛ فقال بعضهم: هو رجل من الأنصار من أهل بدر. وقال مكي والنحاس: هو حاطب بن أبي بَلْتَعة. وقال الثعلبيّ والواحديّ والمهدوِيّ: هو حاطِب. وقيل: ثعلبة بن حاطب. وقيل غيره: والصحيح القول الأوّل؛ لأنه غير معيّن ولا مُسمّىٰ؛ وكذا في البخاريّ ومسلم أنه رجل من الأنصار. واختار الطّبريّ أن يكون نزول الآية في المنافق واليهودي. كما قال مجاهد؛ ثم تتناول بعمومها قصّة الزّبير. قال ٱبن العربي: وهو الصحيح؛ فكل من ٱتّهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحكم فهو كافر، لكن الأنصاريّ زلّ زلّة فأعرض عنه النبيّ صلى الله عليه وسلم وأقال عثرته لعلمه بصحة يقينه، وأنها كانت فَلْتَة وليست لأحد بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم. وكل من لم يرض بحكم الحاكم وطعن فيه وردّه فهي رِدّة يُستتاب. وأما إن طعن في الحاكم نفسه لا في الحكم فله تعزيره وله أن يصفح عنه. وسيأتي بيان هذا في آخر سورة «الأعراف» إن شاء الله تعالىٰ. الثانية ـ وإذا كان سبب نزول هذه الآية ما ذكرناه من الحديث ففِقْهُها أنه عليه السَّلام سلك مع الزّبير وخصمه مَسلك الصَّلح فقال: « حديث : ٱسقْ يا زُبير » تفسير : لقربه من الماء «حديث : ثم أرسل الماء إلى جارك»تفسير : . أي تساهل في حقك ولا تستوفه وعجّل في إرسال الماء إلى جارك. فحضّه على المسامحة والتيّسير، فلما سمع الأنصاريّ هذا لم يرض بذلك وغضب؛ لأنه كان يريد ألاّ يُمَسك الماء أصلاً، وعند ذلك نَطَقَ بالكلمة الجائرة المُهلِكة الفاقرة فقال: آن كان ٱبن عمتك؟ بمد همزة «أن» المفتوحة على جهة الإنكار؛ أي أتحكم له عليّ لأجل أنه قرابتك؟. فعند ذلك تلوّن وجه النبيّ صلى الله عليه وسلم غضباً عليه، وحكم للزّبير باستيفاء حقه من غير مسامحة له. وعليه لا يُقال: كيف حَكَم في حال غضبه وقد قال: « حديث : لا يقَضِي القاضي وهو غضبان » تفسير : ؟ فإنا نقول: لأنه معصوم من الخطأ في التبليغ والأحكام، بدليل العقل الدالّ على صدقه فيما يبلّغه عن الله تعالىٰ فليس مثل غيره من الحكام. وفي هذا الحديث إرشاد الحاكم إلى الإصلاح بين الخصوم وإن ظَهَر الحقّ. ومنعه مالك، وٱختلف فيه قول الشافعي. وهذا الحديث حجة واضحة على الجواز؛ فإن ٱصطلحوا وإلاِّ استَوْفَىٰ لذي الحق حقّه وَثَبتَ الحكم. الثالثة ـ وٱختلف أصحاب مالك في صفة إرسال الماء الأعلى إلى الأسفل؛ فقال ابن حبيب: يُدخل صاحب الأعلى جَميع الماء في حائطه ويسقىٰ به، حتى إذا بلغ الماء من قاعة الحائط إلى الكعبين من القائم فيه أغلق مدخل الماء، وصرف ما زاد من الماء على مقدار الكعبين إلى من يليه، فيصنع به مثل ذلك حتى يبلغ السيل إلى أقصىٰ الحوائط. وهكذا فسّره لي مُطَرِّف وابن الماجِشُون. وقاله ابن وهب. وقال ابن القاسم: إذا ٱنتهى الماء في الحائط إلى مقدار الكعبين أرسله كله إلى من تحته ولا يحبس منه شيئاً في حائطه. قال ابن حبيب: وقول مُطرِّف وابن الماجِشون أحبُّ إليّ وهم أعلم بذلك؛ لأن المدينة دارهما وبها كانت القضية وفيها جرى العمل. الرابعة ـ روى مالك عن عبد الله بن أبي بكر أنه بلغه: حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في سَيْل مَهْزور ومُذَيْنِب: «يُمْسَك حتى الكعبين ثم يُرسْل الأعلى على الأسفل» تفسير : . قال أبو عمر: «لا أعلم هذا الحديث يتصل عن النبيّ صلى الله عليه وسلم من وجه من الوجوه، وأرفعُ أسانيده ما ذكره محمد بن إسحاق عن أبي مالك بن ثعلبة عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه أهل مهزور فقضى أن الماء إذا بلغ الكعبين لم يحبس الأعلى. وذكر عبد الرازق عن أبي حازم القرطبي عن أبيه عن جدّه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في سَيْل مَهَزور أن يُحبس على كل حائط حتى يبلغ الكعبين ثم يُرْسَل. وغيره من السيول كذلك. وسئل أبو بكر البزّار عن حديث هذا الباب فقال: لست أحفظ فيه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم حديثاً يثبت. قال أبو عمر: في هذا المعنى ـ وإن لم يكن بهذا اللفظ ـ حديث ثابت مجتمع على صحته. رواه ٱبن وهب عن اللّيث بن سعد ويونس بن يزيد جميعاً عن ابن شهاب أن عُرْوَة بن الزّبير حدّثه أن عبد الله بن الزّبير حدّثه عن الزّبير أنه خاصم رجلاً من الأنصار قد شهِد بَدْرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شراج الحرَّة كانا يسقيان بها كلاهما النخل؛ فقال الأنصاري: سَرّح الماء؛ فأبى عليه، فاختصما إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم وذكر الحديث. قال أبو عمر؛ وقوله في الحديث: «يرسل» وفي الحديث الآخر « حديث : إذا بلغ الماء الكعبين لم يحبس الأعلىٰ » تفسير : يشهد لقول ابن القاسم. ومن جهة النظر أن الأعلى لو لم يرسل إلاَّ ما زاد على الكعبين لا يقطع ذلك الماء في أقل مدة، ولم ينته حيث ينتهي إذا أرسل الجميع، وفي إرسال الجميع بعد أخذ الأعلى منه ما بلغ الكعبين أعمّ فائدة وأكثر نفعاً فيما قد جُعِل الناس فيه شركاء؛ فقول ابن القاسم أولى على كل حال. هذا إذا لم يكن أصله ملكاً للأسفل مختصاً به، فإن ما استحق بعمل أو بملك صحيح أو استحقاق قديم وثبوت ملك، فكلٌّ على حقه على حسب ما كان من ذلك بيده وعلى أصل مسألته. وبالله التوفيق. الخامسة ـ قوله تعالىٰ: {ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ} أي ضِيقاً وشَكّاً؛ ومنه قيل للشجر الملتفّ: حَرَج وحَرَجَة، وجمعها حِرَاج. وقال الضحاك: أي إثما بإنكارهم ما قضيت. {وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} أي ينقادوا لأمرك في القضاء. وقال الزجاج: {تَسْلِيماً} مصدر مؤكّد؛ فإذا قلت: ضربت ضرباً فكأنك قلت لا أشكّ فيه؛ وكذلك {وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} أي ويُسلّموا لحكمك تسليماً لا يُدخلون على أنفسهم شكاً.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَلاَ وَرَبّكَ } «لا» زائدة {لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ } اختلط {بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجاً } ضيقاً أو شكاً {مّمَّا قَضَيْتَ } به {وَيُسَلّمُواْ } ينقادوا لحكمك {تَسْلِيماً } من غير معارضة.
ابن عطية
تفسير : قال الطبري: قوله: {فلا} رد على ما تقدم، تقديره: فليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك، ثم استأنف القسم بقوله، {وربك لا يؤمنون}. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وقال غيره: إنما قدم "لا" على القسم اهتماماً بالنفي، وإظهاراً لقوته، ثم كررها بعده تأكيداً للتهمم بالنفي، كان يصح إسقاط {لا} الثانية، ويبقى أكثر الاهتمام بتقديم الأولى، وكان يصح إسقاط الأولى ويبقى معنى النفي، ويذهب معنى الاهتمام، و {شجر} معناه: اختلط والتف من أمورهم، وهو من الشجر، شبيه بالتفاف الأغصان، وكذلك الشجير الذي امتزجت مودته بمودة صاحبه، وقرأ أبو السمال " شجْر" بإسكان الجيم. قال القاضي أبو محمد: وأظنه فر من توالي الحركات، وليس بالقوي، لخفة الفتحة، و {يحكموك} نصب بحتى، لأنها هاهنا غاية مجردة. و {يجدوا} عطف عليه، والحرج: الشيق والتكلف والمشقة، قال مجاهد: {حرجاً} ، شكاً، وقوله: {تسليماً} مصدر مؤكد، منبىء على التحقيق في التسليم، لأن العرب إنما تردف الفعل بالمصدر إذا أرادت أن الفعل وقع حقيقة، كما قال تعالى: {أية : وكلم الله موسى تكليماً} تفسير : [النساء:164] وقد تجيء به مبالغة وإن لم يقع، ومنه: "وعجت عجيجاً من جدام المطارف". وقال مجاهد وغيره: المراد بهذه الآية من تقدم ذكره، ممن أراد التحاكم إلى الطاغوت، وفيهم نزلت، ورجح الطبري هذا، لأنه أشبه بنسق الآية وقالت طائفة: نزلت في رجل خاصم الزبير بن العوام في السقي بماء الحرة، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك فغضب ذلك الرجل وقال إن كان ابن عمتك؟ فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستوعب للزبير حقه، فقال: احبس يا زبير الماء حتى يبلغ الجدر، ثم أرسل الماء، تفسير : فنزلت الآية، واختلفت أهل هذا القول في الرجل، فقال قوم: هو رجل من الأنصار من أهل بدر، وقال مكي وغيره: هو حاطب بن أبي بلتعة. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: والصحيح الذي وقع في البخاري أنه رجل من الأنصار، وأن الزبير قال: فما أحسب أن هذه الآية نزلت إلا في ذلك، وقالت طائفة: لما قتل عمر الرجل المنافق الذي لم يرض بحكم النبي صلى الله عليه وسلم، بلغ ذلك النبي وعظم عليه، وقال: ما كنت أظن أن عمر يجترىء على قتل رجل مؤمن، فنزلت الآية نافية لإيمان ذلك الرجل الراد لحكم النبي، مقيمة عذر عمر بن الخطاب في قتله. و {كتبنا} معناه فرضنا، و {اقتلوا أنفسكم} معناه ليقتل بعضكم بعضاً، وقد تقدم نظيره في البقرة، وضم النون من {أن} وكسرها جائز، وكذلك الواو من {أو أخرجوا} وبضمها قرأ ابن عامر ونافع وابن كثير والكسائي، وبكسرها قرأ حمزة وعاصم، وكسر أبو عمرو النون وضم الواو، و {قليل} رفع على البدل من الضمير في {فعلوه} ، وقرأ ابن عامر وحده بالنصب "إلا قليلاً"، وذلك جائز أجرى النفي مجرى الإيجاب. وسبب الآية على ما حكي: أن اليهود قالوا لما لم يرض المنافق بحكم النبي عليه السلام: ما رأينا أسخف من هؤلاء، يؤمنون بمحمد ويتبعونه، ويطؤون عقبة، ثم لا يرضون بحكمه، ونحن قد أمرنا بقتل أنفسنا ففعلنا، وبلغ القتل فينا سبعين ألفاً فقال ثابت بن قيس: لو كتب ذلك علينا لفعلناه، فنزلت الآية معلمة حال أولئك المنافقين، وأنه لو كتب ذلك على الأمة لم يفعلوه، وما كان يفعله إلا قليل مؤمنون محققون، كثابت وغيره، وكذلك روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ثابت بن قيس وعمار وابن مسعود من القليل. وشركهم في ضمير {منهم} لما كان المنافقون والمؤمنون مشتركين في دعوة الإسلام وظواهر الشريعة، وقال أبو إسحاق السبيعي: لما نزلت {ولو أنا كتبنا عليهم} الآية، قال رجل: لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: حديث : إن من أمتي رجالاً الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي، تفسير : وذكر مكي أن الرجل هو أبو بكر الصديق، وذكر النقاش: أنه عمر بن الخطاب، وذكر عن أبي بكر أنه قال: لو كتب علينا لبدأت بنفسي وبأهل بيتي. وقوله تعالى: {ولو أنهم فعلوا} أي لو أن هؤلاء المنافقين اتعظوا وأنابوا لكان خيراً لهم، و {تثبيتاً} معناه: يقيناً وتصديقاً ونحوهذا، أي يثبتهم الله، ثم ذكر تعالى ما كان يمن به عليهم من تفضله بالأجر ووصفه إياه بالعظم مقتض ما لا يحصله بشر من النعيم المقيم، و "الصراط المستقيم": الإيمان المؤدي إلى الجنة، وجاء ترتيب هذه الآية كذا، ومعلوم أن الهداية قبل إعطاء الأجر، لأن المقصد إنما هو تعديد ما كان الله ينعم به عليهم دون ترتيب، فالمعنى: ولهديناهم قبل حتى يكونوا ممن يؤتى الأجر.
ابن عبد السلام
تفسير : {شَجَرَ بَيْنَهُمْ} المشاجرة: المنازعة، والاختلاف لتداخل الكلام بعضه في بعض كتداخل الشجر بالتفافها. {حَرَجًا} شكاً، أو إثماً. نزلت في المنافق واليهودي اللذين إحتكما إلى الطاغوت، أو في الزبير والأنصاري لما اختصما في شراج الحرة.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ...} الآية: قال الطبريُّ: قوله: «فَلاَ»: رَدٌّ علَىٰ ما تقدَّم، تقديره: فلَيْسَ الأَمْرُ كما يَزْعُمُونَ أنهم آمنوا بما أُنْزِلَ إلَيْكِ، ثم ٱستأْنَفَ القَسَمَ، وقال غيره: إنما قَدَّم «لا» على القَسَم؛ ٱهتماماً بالنهْي، وإظهاراً لقوته، قال ابنُ عطاءِ اللَّه في «التنوير»: وفي قوله سبحانه: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ}: دلالةٌ علَىٰ أنَّ الإيمان الحقيقيَّ لا يحصُلُ إلا لمن حَكَّمَ اللَّهَ ورسولَهُ علَىٰ نَفْسه، قولاً وفعلاً، وأَخْذاً وتَرْكاً، وحُبًّا وبُغْضاً؛ فتبيَّن لك من هذا أنه لا تَحْصُلُ لك حقيقةُ الإيمانِ باللَّهِ إلاَّ بأمْرَيْنِ: الامتثالِ لأمْرِهِ، والاستسلامِ لِقَهْرِهِ سبحانه. انتهى. و {شَجَرَ}: معناه ٱختلَطَ وَٱلْتَفَّ مِنْ أمورهم، وهو مِنَ الشَّجَرِ، شبه بٱلتفافِ الأغصان، والحَرَجُ: الضِّيقُ والتكلُّف والمشقَّة، قال مجاهد: حَرَجاً: شَكًّا. وقوله: {تَسْلِيماً}. مصدرٌ مؤكِّدٌ مُنْبِىءٌ عن التحقيقِ في التَّسْليمِ؛ لأنَّ العرب إنَّما تردفُ الفعْلَ بالمصَدرِ، إذا أرادَتْ أنَّ الفعْلَ وقَعَ حقيقةً؛ كما قال تعالى: {أية : وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً}تفسير : [النساء:164] قال مجاهد وغيره: المرادُ بهذه الآية مَنْ تقدَّم ذكره ممَّن أراد التحاكُمَ إلى الطاغُوتِ، وفيهِمْ نَزَلَتْ، ورجَّح الطبريُّ هذا؛ لأنه أشبه بنَسَقِ الآية، وقالَتْ طائفة: نزَلَتْ في رَجُلٍ خَاصَمَ الزُّبَيْر ابْنَ العَوَّام في السَّقْيِ بماءِ الحَرَّةِ؛ كما هو مذكورٌ في البخاريِّ وغيره، وأنَّ الزُّبَيْر قالَ: فَمَا أَحْسِبُ أنَّ هذه الآيةَ نَزَلَتْ إلاَّ في ذلك. و {كَتَبْنَا}: معناه: فَرَضْنَا، {أَنِ ٱقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ}: معناه: يَقْتُلُ بعضُكم بعضاً، وقد تقدَّم نظيره في «البقرة»، وسببُ الآية، علَىٰ ما حُكيَ: أنَّ اليهود قالوا؛ لَمَّا لم يَرْضَ المنافِقُ بحُكْم النبيِّ صلى الله عليه وسلم: مَا رأَيْنَا أَسْخَفَ مِنْ هؤلاءِ يُؤْمنونَ بمحمَّد، ثم لا يرضَوْنَ بحُكْمه، ونحنُ قَدْ أمرنا بقَتْلٍ أَنْفُسِنا، ففَعَلْنا، وبَلَغَ القَتْلُ فينا سَبْعِينَ أَلْفاً، فقَالَ ثابتُ بْنُ قَيْسٍ: لَوْ كُتِبَ ذلك علَيْنا، لَفَعَلْنَاه، فنزلَتِ الآية مُعْلِمَةً بحالِ أولئكَ المُنَافِقِينَ، وأنه لو كُتِبَ ذلك علَى الأمَّة، لم يَفْعَلُوهُ، وما كان يَفْعَلُه إلا قليلٌ مؤمنُونَ محقِّقون؛ كَثَابِتٍ، قُلْتُ: وفي «العتبية»، عن مالكٍ، عن أبي بَكْر (رضي اللَّه عنه) نحْوُ مقالَةِ ثابِتِ بْنِ قيسٍ، قال ابْنُ رُشْدٍ: ولا شَكَّ أنَّ أبا بَكْرٍ مِنَ القليلِ الذي ٱسْتَثْنَى اللَّهُ تعالَىٰ في الآية، فلا أحد أحقُّ بهذه الصِّفَة منه. انتهى. قال * ص *: {إِلاَّ قَلِيلٌ}: الجمهورُ بالرفْعِ، على البَدَلِ من واو «فَعَلُوهُ»؛ عند البصريِّين. انتهى. {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ}: لو أنَّ هؤلاءِ المنافِقِينَ ٱتَّعَظُوا وأَنَابُوا، لكان خَيْراً لَهم و {تَثْبِيتاً}، معناه: يقيناً وتصديقاً، ونحو هذا، أيْ: يثبِّتهم اللَّه. ثُمَّ ذكر تعالَىٰ ما كانَ يَمُنِّ به علَيْهم من تفضُّله بالأجر، ووَصْفُهُ إياه بالعَظِيمِ مقتضٍ مَّا لا يُحْصِيه بَشَرٌ من النعيمِ المقيمِ، والصِّرَاطُ المستقيمُ: الإيمانُ المؤدِّي إلى الجنَّة، والمقصودُ تعديدُ ما كان يُنْعِمُ به عليهم سبحانه.
ابن عادل
تفسير : في سَبَب النُّزُولِ قَوْلان: الأوّل: قال عَطَاء ومُجَاهِد والشَّعْبِي: نزلت في قِصَّة المُنَافِقِ واليَهُودِيّ اللَّذين اخْتَصَما إلى عُمر. الثاني: روي عن عُرْوَة بن الزُّبَيْر؛ حديث : أنه خَاصَم رجُلاً من الأنْصَار قد شهد بَدْراً مع رسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم في شِرَاجٍ مِنَ الحرَّة، وكانَا يَسْقِيَانِ به كلاهما، فقال رسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم للزُّبَيْر: اسْقِ يا زُبَيْر، ثم أرْسِلْ إلى جَارِكَ، فغَضِب الأنْصَارِيُّ، وقال: أن كان ابنُ عَمَّتِكَ؟ فتلوّن وَجْهُ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال للزُّبَيْر: اسْقِ ثُمَّ احْبِسِ المَاءَ حَتَّى يَرْجع إلى الجِدْرِتفسير : . واعلم [أن الحكم] أن مَنْ كَان أرْضُهُ أقْربَ إلى فَمِ الوَادِي، فهو أوْلَى [بأَوَّل] المَاءِ، وحَقُّهُ تَمَام السَّقْي، فالرَّسُول عليه الصلاة والسلامِ أَذِن للزُّبَيْر في السَّقْي على وَجْهِ المُسَامَحَةِ [ابْتدَاء]، فلما أسَاءَ خَصْمُهُ الأدَب، ولم يعرف حَقَّ ما أمَرَهُ به الرَّسُولُ - عليه الصلاة والسلام - من المُسَامَحَةِ لأجْلهِ، أمَرَهُ النَّبِي - عليه السلام - باسْتِيفَاءِ حَقِّه على التَّمَامِ، وحَمْل خَصْمِهِ على مُرِّ الحَقِّ. قال عروة بن الزُّبَيْر: [أحسبُ هذه الآية نزلَتْ في ذلِك، وروي أن الأنْصَارِي الذي خاصَمَ الزُّبَيْر] كان اسْمُهُ حَاطِب بن [أبِي] بَلْتعة، فلما خَرَجَا مَرَّ على المِقْدَاد. فقال: لمن كان القَضَاءُ فقال الأنْصَارِيّ: قَضَى لابْن عَمَّتِهِ، ولَوَى شِدْقَيْه، فَفَطِنَ له يَهُودِيٌّ كان مع المِقْدَادِ، فقال: قَاتَل اللَّه هَؤلاء، يَشْهَدُون أنَّهُ رسول اللَّهِ ثم يتهمُونَهُ في قَضَاء يَقْضِي بَيْنَهُم، وأيْمُ اللَّه لقد أذْنَبْنَا ذَنْباً مَرَّة في حَيَاةِ مُوسَى - عليه الصلاة والسلام - فدعانا مُوسَى إلى التَّوْبَةِ مِنْهُ، فقال: فاقْتُلُوا أنفُسَكُم ففعلنا، فبلغ قَتْلاَنا سَبْعِين ألْفاً في طَاعَةِ رَبِّنا، حتىَّ رَضِيَ عَنَّا. فقال ثَابِت بن قَيْس بن شماس: أما واللَّه إنَّ الله لَيَعْلَمُ منّي الصِّدْق، ولو أمَرَنِي مُحَمَّد أن أقْتُل نَفْسِي، لَفَعَلْتُ، فأنزل اللَّه في شَأنِ حَاطِب بن أبِي بَلْتَعَة هَذِه الآية. قوله: {فلا وربك لا يؤمنون} فيه أربعة أقْوالٍ: أحدها: وهو قَوْلَ ابن جَرِير: أن "لا" الأولَى ردّ لِكَلاَم تَقَدَّمَها، تقديرُه: فلا تَعْقِلُون، أو لَيْس الأمْر كما يَزْعُمُون من أنَّهمُ آمَنُوا بما أنْزِل إلَيْك، وهُم يُخَالِفُون حُكْمَكَ، ثم اسْتأنَفَ قَسَماً بعد ذَلِك، فعلى هذا يَكُون الوَقْفُ على "لاَ" تَامّاً. الثاني: أن "لا" الأولَى قُدِّمت على القَسَمِ اهْتِمَاماً بالنَّفْي، ثم [كُرِّرت] توكيداً للنَّفْي، وكان يَصِحُّ إسقاط الأولى، ويَبْقَى مَعْنَى النَّفْي، ولكن تَفُوت الدَّلالة على الاهْتِمَامِ المذكور، [وَكَان يَصِحُّ إسْقَاطُ الثَّانِية ويبقى مَعْنَى الاهْتِمَامِ، ولكن] تفُوت الدَّلالةَ على النَّفْي، فَجَمَعَ بينهما لذلك. الثالث: أن الثَّانِية زَائِدةٌ، والقَسَم معْتَرِضٌ بين حَرْفَي النَّفْي والمَنْفِيّ، وكان التقدير: فلا يُؤمِنُون وَرَبِّك. الرابع: أن الأولى زائدةٌ، والثَّانِيَة غير زائدة، وهو اخْتِيَار الزَّمَخْشَرِي؛ فإنه قال: "لا" مزيدةٌ لتأكِيد مَعْنَى القَسَمِ؛ كما زِيدَتْ في {أية : لِّئَلاَّ يَعْلَمَ} تفسير : [الحديد: 29] لتأكِيد وُجُوب العِلْم، و"لا يؤمنون" جواب القَسَم. فإن قلت: هلاّ زَعَمْتَ أنَّها زَائِدة لتظاهر لا في لا يؤمنون؟. قلت: يَأبَى ذلك اسْتِوَاء النَّفْيِ والإثْبَات فيه؛ [وذلك لقوله: {أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} تفسير : [الحاقة: 38-40] يعني: أنه قد جاءَت "لاَ" قبل القَسَمِ؛ حَيْثُ لم تكُن "لا" موجودة في الجَوَابِ]، فالزَّمَخْشَرِي يرى: أن "لاَ" في قَوْله - تعالى -: {أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ} تفسير : [الحاقة: 38] أنها زائدَة أيضاً لتأكيدِ مَعْنَى القَسَم، وهو أحَدُ القَوْلَيْن. والقول الآخر: كَقَوْلِ الطَّّبَرِي المتقَدِّم؛ ومثل الآيَةِ في التَّخَارِيج المَذْكُورة قول الآخر: [الوافر] شعر : 1820- فَلاَ وَاللَّه لا يُلْفى لما بِي ولا لِلِمَا بِهِمْ أبَداً دَوَاءُ تفسير : قوله: "حتى يحكموك" غاية مُتَعلِّقَةٌ بقوله: "لا يؤمنون" أي: ينْتَفِي عنهم الإيمَانُ إلى هَذِه الغَايَةِ، وهي تَحْكِيمُك وَعَدم وُجْدَانِهِم الحَرَج، وتسليمهم لأمْرِك، والتَفَتَ في قوله: "وربك" من الغَيْبَةِ في قوله: واستغفر لهم [الرسول] رجُوعاً إلى قوله: {أية : ثُمَّ جَآءُوكَ} تفسير : [النساء: 62]. قوله: {شَجَرَ} قرأ أبو السَّمَّال: "شَجْرَ" بسكون الجيمِ هَرَباً من تَوَالِي الحَرَكَاتِ، وهي ضَعيفَةٌ؛ لأن الفَتْح أخو السُّكُون، و"بينهم" ظَرْفٌ مَنْصُوبٌ بـ {شَجَرَ}، هذا هو الصَّحيحُ. وأجاز أبو البَقَاءِ فيه: أن يكُون حالاً، وجعلَ في صَاحِب هذه الحَالِ احْتَمَالَيْنِ: أحدهما: أن يكون حالاً من "مَا" الموْصُولَة. والثاني: أنه حَالٌ من فَاعِل {شَجَرَ} وهو نَفْس الموصُول أيضاً في المَعْنَى، فعلى هَذَا يتعلَّق بمَحْذُوفٍ. فصل في معنى التشاجر يقال: شَجَر يَشْجُرُ شُجُوراً وشَجْراً: إذا اخْتَلَف واخْتَلَطَ، وشَاجَرَهُ: إذا نَازَعَهُ، وذلك لتداخل [الكلام بعضه في بعض عند المُنازعةِ، ومنه يقال لخشبات الهَوْدج: شِجَار]، لتَداخُل بعضها في بعض. قال أبو مُسلم: وهو مأخُوذٌ عندي من التِفَافِ الشَّجَرِ؛ فإن الشَّجَرَ يتداخلُ بَعضُ أغْصَانه في بَعْضٍ. قوله {ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ} عطفُ على ما بَعْدَ "حتى"، و"يجدوا" يحتمل أن تكُون المُتعدِّية لاثْنَين [فيكون الأوَّل: "حَرَجاً"، والثاني: الجار قَبْلَه، فيتعلَّق بمحذُوفٍ، وأن تكُون المتعدِّية لوَاحِدٍ] فيجوز في {فِيۤ أَنْفُسِهِمْ} وجْهَان: أحدهما: أنه مُتعلِّق بـ {يَجِدُواْ} تعلُّق الفَضَلاتِ. والثاني: أن يتعلَّق بمَحْذُوفٍ على أنه حَالٌ من {حَرَجاً}؛ لأن صِفَة النَّكِرَة لما قُدِّمَت عليها انْتَصَبت حَالاً. قوله {مِّمَّا قَضَيْتَ} فيه وجهان: أحدهما: أنه مُتَعَلِّق بنفس {حَرَجاً}؛ لأنَّك تقُول: خرجْتُ من كَذَا. والثاني: أنه متعلِّق بمحْذُوفٍ فهو في مَحَلِّ نَصْبٍ؛ لأنه صِفَةٌ لـ {حَرَجاً}، و"مَا" يجُوزُ أن تكون مصدريَّة [وأن تكُون بمَعْنى الَّذِي، أي: حَرَجاً من قَضَائِك، أو مِن الَّذي قضََيْتَهُ]، وأن تكون [نكرة] موصُوفة، فالعَائِدُ على هَذَيْن القَوْلَيْن مَحْذُوفٌ. فصل أقْسَم اللَّه - تعالى - على أنَّهُم لا يَصِيرُون مُؤمنين إلا عِنْد شَرَائِط: أولُها: {حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ}، وهذا يَدُلُّ على أنَّ من لَمْ يَرْض بحُكْم الرَّسُول، - [عليه الصلاة والسلام] - لا يَكُون مؤمناً. وثانيها: قوله: {ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ [فِيۤ أَنْفُسِهِمْ] حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ}. قال الزجاج: لا تضيقُ صُدورُهُم من أقْضِيَتِك، وقال مُجاهِد: شكّاً، وقال الضَّحَّاك: إثْماً، أي: يأثمُون بإنْكَارِهِم. وثالثها: قوله: {وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} أي: ينقادوا للأمْرِ كحَالَ الانْقِيَادِ، واعلم أن قوله: {ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ} المراد منه: الانْقِيَاد في البَاطِنِ، وقوله {وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} المُرَاد منه: الانْقِيَادُ في الظَّاهِرِ، والحَرَجُ على ثلاثة أوجه: الأول: بمعنى الشَّكّ؛ كهذه الآية، [و] مثله: {أية : فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ} تفسير : [الأعراف: 2] أي: شك. والثاني: بمعنى الضِّيق؛ قال - تعالى -: {أية : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} تفسير : [الحج: 78] أي ضيقٍ. الثالث: بمعنى الإثْمِ؛ قال: - تعالى -: {أية : وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ} تفسير : [التوبة: 91] أي: إثْمٌ. فصل في عصمة الأنبياء دلَّت هذه الآيةُ على عِصْمَة الأنْبِيَاء - عليهم السلام - عن الخَطَإ في الفَتَاوى والأحْكَام؛ لأنه - تعالى - أوْجَبَ الانْقِيَاد لحُكْمِهِم، وبالغ في ذَلِك الإيَجابِ، وبيَّن أنه لا بُدَّ من حُصُولِ الانْقِيَاد في الظَّاهِرِ والقَلْبِ، وذلك يَنْفِي صُدُورَ الخَطَإ عَنْهُم، فَدَلَّ ذلك على أنَّ قَولَه: {أية : عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} تفسير : [التوبة: 43]، وفتواه في أسْرَى بَدْرٍ، وقوله: {أية : لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ} تفسير : [التحريم: 1]، وقوله: {أية : عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ} تفسير : [عبس: 1] كل ذلِكَ مَحْمُول على التَّأوِيل. فصل قالت المعتزلة: لو كانت الطَّاعَاتُ والمَعَاصِي بَقَضَاء الله - تعالى - لَزِم التَّنَاقُضُ؛ لأن الرَّسُول إذا حَكَم على إنْسَانٍ بأنه لا يَفْعلُ كَذَا، وجب على جَمِيع المكَلَّفين الرِّضَا بذلك؛ لأنه قضاءُ الرَّسُول، والرِّضى بقَضَاءِ الرَّسُولِ وَاجِبٌ [لهذه الآية، ثم إن ذلك المكلَّف فعل ذَلِكَ بقَضَاءِ اللَّهِ، والرِّضَا بقضَاء اللَّه وَاجِبٌ] فيَلْزَمُ أن يَجِب على جَمِيع المكلَّفِين الرِّضَا بِذلِكَ الفِعْل، لأنه قضاء اللَّه، فوجب أن يَلْزَمَهُم الرِّضَا بالفِعْلِ والتَّرْكِ مَعاً، وذلك مُحَالٌ. والجوابُ: أن المُرَاد من قَضَاءِ الرَّسُول: الفَتْوى بالإيجَابِ والمُرَاد من قَضَاء الله: التكوِين والإيجَادِ، وهما مفهومان مُتغايَران، فالجَمْعُ بينهما لا يفضي إلى التَّنَاقُض.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والبيهقي من طريق الزهري. حديث : أن عروة بن الزبير حدث عن الزبير بن العوّام: أنه خاصم رجلاً من الأنصار قد شهد بدراً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شراج من الحرة كانا يسقيان به كلاهما النخل. فقال الأنصاري: سرح الماء يمر. فأبى عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك. فغضب الأنصاري وقال: يا رسول الله، إن كان ابن عمتك؟! فتلوّن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، ثم أرسل الماء إلى جارك "تفسير : . واسترعى رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير حقه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه السعة له وللأنصاري، فلما أحفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصاري استرعى للزبير حقه في صريح الحكم فقال الزبير: ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكِّموك فيما شجر بينهم...} الآية. وأخرج الحميدي في مسنده وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني في الكبير عن أم سلمة قالت "خاصم الزبير رجلاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقضى للزبير، فقال الرجل: إنما قضى له لأنه ابن عمته" فأنزل الله {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك...} الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب في قوله {فلا وربك لا يؤمنون...} الآية. قال "أنزلت في الزبير بن العوام وحاطب بن أبي بلتعة اختصما في ماء، فقضى النبي صلى الله عليه وسلم أن يسقي الأعلى ثم الأسفل". وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله {فلا وربك لا يؤمنون} قال: نزلت في اليهود. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله {فلا وربك...} الآية. قال: هذا في الرجل اليهودي والرجل المسلم اللذين تحاكما إلى كعب بن الأشرف. وأخرج ابن جرير عن الشعبي. مثله إلا أنه قال: إلى الكاهن. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود قال: "حديث : اختصم رجلان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقضى بينهما فقال الذي قضي عليه: ردنا إلى عمر بن الخطاب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، انطلقا إلى عمر. فلما أتيا عمر قال الرجل: يا ابن الخطاب قضى لي رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا، فقال: ردنا إلى عمر، فردنا إليك. فقال: أكذلك؟! قال: نعم. فقال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما فأقضي بينكما، فخرج إليهما مشتملاً على سيفه، فضرب الذي قال: ردنا إلى عمر فقتله، وأدبر الآخر فاراً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله قتل عمر - والله - صاحبي، ولولا أني أعجزته لقتلني. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما كنت أظن أن يجترئ عمر على قتل مؤمنين؟! فأنزل الله {فلا وربك لا يؤمنون...} الآية. فهدر دم ذلك الرجل، وبرأ عمر من قتله، فكره الله أن يسن ذلك بعد فقال {ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم} [النساء: 66] إلى قوله {وأشد تثبيتاً} ". تفسير : وأخرج الحافظ دحيم في تفسيره عن عتبة بن ضمرة عن أبيه "أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقضى للمحق على المبطل. فقال المقضي عليه: لا أرضى. فقال صاحبه: فما تريد؟ قال: أن تذهب إلى أبي بكر الصديق. فذهبا إليه فقال: أنتما على ما قضى به النبي صلى الله عليه وسلم، فأبى أن يرضى قال: نأتي عمر. فأتياه فدخل عمر منزله وخرج والسيف في يده، فضرب به رأس الذي أبى أن يرضى فقتله، وأنزل الله {فلا وربك...} الآية". وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن مكحول قال: "كان بين رجل من المنافقين ورجل من المسلمين منازعة في شيء، فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقضى على المنافق، فانطلقا إلى أبي بكر فقال: ما كنت لأقضي بين من يرغب عن قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم! فانطلقا إلى عمر، فقصَّا عليه فقال عمر: لا تعجلا حتى أخرج إليكما، فدخل فاشتمل على السيف وخرج، فقتل المنافق ثم قال: هكذا أقضي بين من لم يرض بقضاء رسول الله. فأتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن عمر قد قتل الرجل وفرق الله بين الحق والباطل على لسان عمر. فسمي الفاروق". وأخرج الطستي عن ابن عباس. أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل {فيما شجر بينهم} قال: فيما أشكل عليهم. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت زهيراً وهو يقول: شعر : متى تشتجر قوم تقل سراتهم هم بيننا فهم رضا وهو عدل تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {حرجاً} قال: شكاً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر في قوله {حرجاً} قال: إثماً. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: لما نزلت هذه الآية قال الرجل الذي خاصم الزبير وكان من الأنصار: سلمت. وأخرج ابن المنذر عن أبي سعيد الخدري: أنه نازع الأنصار في الماء من الماء فقال لهم: أرأيت لو أني علمت أن ما تقولون كما تقولون واغتسل أنا؟ فقالوا له: لا والله حتى لا يكون في صدرك حرج مما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم. والله أعلم.
ابو السعود
تفسير : {فَلاَ وَرَبّكَ} أي فوربِّك ولا مزيدةٌ لتأكيد معنى القَسَمِ لا لتأكيد النفيِ في جوابه أعني قولَه {لاَ يُؤْمِنُونَ} لأنها تزادُ في الإثبات أيضاً كما في قوله تعالى: {أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوٰقِعِ ٱلنُّجُومِ } تفسير : [الواقعة، الآية: 75] ونظائرِه {حَتَّىٰ يُحَكّمُوكَ} أي يتحاكموا إليك ويترافعوا إليك، وإنما جيء بصيغة التحكيمِ مع أنه عليه الصلاةُ والسلام حاكمٌ بأمر الله سبحانه إيذاناً بأن حقَّهم أن يجعلوه حَكَماً فيما بـينهم ويرْضَوا بحكمه وإن قُطع النظرُ عن كونه حاكماً على الإطلاق {فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} أي فيما اختَلف بـينهم من الأمور واختَلط ومنه الشجرُ لتداخُل أغصانه {ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ} عطفٌ على مقدر ينساق إليه الكلامُ أي فتقضي بـينهم ثم لا يجدوا {فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجاً} ضِيقاً {مّمَّا قَضَيْتَ} أي مما قضيت به أو من قضائك وقيل: شكاً من أجله إذ الشاكُّ في ضيق من أمره {وَيُسَلّمُواْ} أي ينقادوا لأمرك ويُذعِنوا له {تَسْلِيماً} تأكيدٌ للفعل بمنزلة تكريرِه أي تسليماً تاماً بظاهرهم وباطنِهم، يقال: سلّم لأمر الله وأسلم له بمعنىً، وحقيقتُه سلّم نفسَه له وأسلمها إذا جعلها سالمةً له خالصةً، أي ينقادوا لحكمك انقياداً لا شُبهةَ فيه بظاهرهم وباطنِهم، قيل: نزلت في شأن المنافقِ واليهوديِّ [السابقَين]، وقيل: في شأن «حديث : الزبـيرِ ورجلٍ من الأنصار حين اختصما إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في شِراجٍ من الحرة كانا يسقيان بها النخلَ فقال عليه الصلاة والسلام: "اسقِ يا زبـيرُ ثم أرسلِ الماءَ إلى جارك" فغضِب الأنصاريُّ وقال: لأن كان ابنَ عمتِك! فتغير وجهُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: "اسقِ يا زبـيرُ ثم احبِس الماءَ حتى يرجِعَ إلى الجُدُر واستوفِ حقّك ثم أرسلْه إلى جارك»تفسير : ، كان قد أشار على الزبـير برأي فيه سعةٌ له ولخصمه فلما أحفظَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم استوعبَ للزبـير حقَّه في صريح الحُكم. ثم خرجا فمرّا على المقدادِ بن الأسود فقال: لمن القضاءُ؟ فقال الأنصاريُّ: قضى لابن عمتِه ولوى شِدْقَه ففطِن يهوديٌّ كان مع المقداد فقال: قاتل الله هؤلاءِ يشهدون أنه رسولُ الله ثم يتّهمونه في قضاء يقضي بـينهم وايمُ الله لقد أذنبنا ذنباً مرة في حياة موسى فدعانا إلى التوبة منه وقال: اقتُلوا أنفسَكم ففعلنا فبلغ قتلانا سبعين ألفاً في طاعة ربِّنا حتى رضيَ عنا فقال ثابتُ بنُ قيس بنِ شماس: أما والله إن الله ليعلم مني الصدقَ لو أمرني محمدٌ أن أقتُلَ نفسي لقتلتُها. وروي أنه قال ذلك ثابتٌ وابنُ مسعودٍ وعمارُ بن ياسرٍ رضي الله عنهم فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : والذي نفسي بـيده إن من أمتي رجالاً الإيمانُ أثبتُ في قلوبهم من الجبال الرواسي»تفسير : فنزلت في شأن هؤلاء.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [الآية: 65]. قال بعضهم رحمه الله فى هذه الآية: أظهر الحق عز وجل على حبيبه صلى الله عليه وسلم خلعة من خلع الربوبية. فجعل الرضا بقضائه سَاء أم سر سببًا لإيمان المؤمنين، كما جعل الرضا بقضائه سببًا لإيقان الموقنين، فأسقط عنهم اسم الواسطة، لأنه متصف بأوصاف الحق عز وجل متخلق بأخلاقه ألا ترى كيف قال حسان بن ثابت: شعر : * فذُوا العرش محمودٌ وهذا محمدٌ * تفسير : وقال بعضهم: هذا فى مخالفات الرسول فكيف فى مخالفة أوامر الله تعالى وأحكامه، هل هو إلا الدخول فى خبر المخالفين.
القشيري
تفسير : سدَّ الطريق - إلى نفسه - على الكافة إلا بعد الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، فمَنْ لم يمشِ تحت رايتِه فليس له من الله نفس. ثم جعل من شرط الإيمان زوال المعارضات بالكلية بقلبك. قوله: {ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ}: فلا بُدَّ لك من (...) تلك المهالك بوجه ضاحك، كما قال بعضهم: شعر : وحبيبٍ إنْ لم يكن منصفاً كنتُ منصفا أتحسّى له الأمَرَّ وأسقيه ما صفا إن يقل لي انشقَّ اخترتُ رضاً لا تَكَلَّفَا
اسماعيل حقي
تفسير : {فلا} اى ليس الامر كما يزعموا انهم آمنوا وهم يخالفون حكمك ثم استأنف القسم فقال {وربك لا يؤمنون حتى يحكموك} اى يجعلونك حكما يا محمد ويترافعوا اليك {فيما شجر بينهم} اى فيما اختلف بينهم من الامور واختلط ومنه الشجر لتداخل اغصانه {ثم لا يجدوا} عطف على مقدر ينساق اليه الكلام اى فتقضى بينهم ثم لا يجدوا {فى انفسهم حرجا} ضيقا {مما قضيت} اى مما قضيت به يعنى يرضون بقضائك ولا تضيق صدورهم من حكمك {ويسلموا تسليما} وينقادوا لك انقيادا بظاهرهم وباطنهم. وفى هذه الآيات دلائل على ان من رد شيئاً من اوامر الله واوامر الرسول صلى الله عليه وسلم فهو خارج عن الاسلام سواء رده من جهة الشك او من جهة التمرد وذلك يوجب صحة ما ذهبت الصحابة اليه من الحكم بارتداد مانعى الزكاة وقتلهم وسبى ذراريهم فاتباع الرسول عليه السلام فرض عين فى الفرائض العينية وفرض كفاية فى الفروض على سبيل الكفاية وواجب فى الواجبات وسنة فى السنن وهكذا ومخالفته تزيل نعمة الاسلام شعر : خلاف بيمبر كسى ره كزيد كه هر كز بمنزل نخواهد رسيد تفسير : فالنبى صلى الله عليه وسلم هو الدليل فى طريق الحق ومخالفة الدليل ضلالة: قال الحافظ شعر : بكوى عشق منه بى راه قدم كه من بخويش نمودم صداهتمام ونشد تفسير : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يؤمن احدكم حتى يكون هواه تابعا لما جئت به " .تفسير : وقال عليه السلام "حديث : من ضيع سنتى" تفسير : اى جعلها ضائعة بعدم اتباعها "حديث : حرمت عليه شفاعتى " .تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : من حفظ سنتى اكرمه الله تعالى باربع خصال. المحبة فى قلوب البررة. والهيبة فى قلوب الفجرة. والسعة فى الرزق. والثقة فى الدين " .تفسير : فانما امته من اتبعه ولا يتبعه الا من اعرض عن الدنيا فانه عليه السلام ما دعا الا الى الله تعالى واليوم الآخر وما صرف الا عن الدنيا والحظوظ العاجلة فبقدر ما اعرضت عنها واقبلت على الله وصرفت الاوقات لاعمال الآخرة فقد سلكت سبيله الذى سلكه وبقدر ذلك اتبعته وبقدر ما اتبعته صرت من امته ولو انصفنا لعلمنا اننا من حين نمسى الى حين نصبح لا نسعى الا فى الحظوظ العاجلة ولا نتحرك الا لاجل الدنيا الفانية ثم نطمع فى ان نكون غدا من امته واتباعه ـ روى ـ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال "حديث : "ليأتى على الناس زمان تخلق سنتى فيه وتتجدد فيه البدعة فمن اتبع سنتى يومئذ صار غريبا وبقى وحيدا ومن اتبع بدع الناس وجد خمسين صاحبا او اكثر" فقال الصحابة يا رسول الله عليك السلام هل بعدنا احد افضل منا قال "بلى" قالوا أفيرونك يا رسول الله قال "لا" قالوا فكيف يكونون فيها قال "كالملح فى الماء تذوب قلوبهم كما يذوب الملح فى الماء" قالوا فكيف يعيشون فى ذلك الزمان قال "كالدود فى الخل" قالوا فكيف يحفظون دينهم يا رسول الله قال "كالفحم فى اليد ان وضعته طفىء وان امسكته او عصرته احرق اليد" " .تفسير : وعن ابى بحيج العرباض بن سارية رضى الله عنه قال وعظنا رسول الله موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مودّع فاوصنا قال "حديث : اوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وان تأمّر عليكم عبد وانه من يعيش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهتدين عضوا عليها بالنواجذ واياكم ومحدثات الامور فان كل بدعة ضلالة " .تفسير : فعلى المؤمن ان يتبع سنة الرسول ويجتنب عن كل ما هو بدعة وضلالة ويصلح ظاهره بالشريعة وباطنه بالطريقة حتى ينال شفاعته صلى الله عليه وسلم يوم القيامة ويتخلص من عذاب النار ويدخل الجنة مع الابرار. فالمؤمن فى الآخرة فى الجنات كشجرة مثمرة لا تنفك عن البستان. والمنافق فى الدركات كشجرة غير مثمرة تقلع من البستان وتوقد بها النار: قال الفردوسى شعر : درختى كه شيرين بود باراو نكردد كسى كرد ازار او وكر زانك شيرين نباشدبرش زباى اندر آرند ناكه سرش بماند بباغ آن ودر آتش اين توخواهى جنان باش وخواهى جنين
الطوسي
تفسير : قيل في معنى دخول (لا) في أول الكلام قولان: أحدهما - أنها رد لكلام. كأنه قيل لا الامر كما يزعمون من الايمان وهم على تلك الحال من الخلاف، ثم استؤنف قوله: {وربك لا يؤمنون حتى..}. الثاني - انها توطئة للنفي الذي يأتي فيما بعد، لأنه إذا ذكر في أول الكلام وآخره كان أوكد وأحسن، لأن النفي له صدر الكلام. وقد اقتضى القسم أن يذكر في الجواب. النزول: وقيل في سبب نزول هذه الآية قولان: أحدهما - أنها نزلت في الزبير ورجل من الانصار تخاصما إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) في سراح من الحرة كانا يسقيان منه نخلا لهما، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم)حديث : اسق يا زبير ثم ارسل إلى جارك تفسير : ، فغضب الانصاري، وقال: يا رسول الله ان كان ابن عمتك؟! فتلون وجه رسول الله حتى عرف ان قد ساءه، ثم قال حديث : يا زبير احبس الماء إلى الجدد أو إلى الكعبين، ثم خل سبيل الماءتفسير : ، فنزلت الآية. وقال أبو جعفر (ع) كانت الخصوصة بين الزبير، وحاطب بن أبي بلتعة روي ذلك عن الزبير وأم سلمة. وذهب إليه عمر بن شبه، والواقدي. وقال قوم وهو اختيار الطبري: إنها نزلت في المنافق واليهودي اللذين احتكما إلى الطاغوت. قال: لأن سياق الكلام بهذا أشبه. اللغة والمعنى: وقوله: {فيما شجر بينهم} معناه فيما وقع بينهم من الاختلاف. تقول شجر يشجر شجراً وشجوراً وشاجره في الأمر: إذا نازعه فيه مشاجرة، وشجاراً وتشاجروا فيه: تشاحوا. وكل ذلك لتداخل كلام بعضهم في بعض كتداخل الشجر بالتفافه. وفي الآية دلالة على فساد مذهب المجبرة، لأنه إذا وجب الرضى بفعل النبي (صلى الله عليه وسلم) فالرضا بفعل الله تعالى أولى، ولو كان خلق الكفر والمعاصي لوجب على الخلق الرضا به. وذلك خلاف الاجماع. وقيل في معنى الحرج قولان: أحدهما - قال مجاهد هو الشك. وقال الضحاك: الاثم. وأصل الحرج الضيق فكأنه قال ضيق شك أو اثم وكلاهما يضيق الصدر. ومعنى الآية أن هؤلاء المنافقين لا يؤمنون حتى يحكموا النبي (صلى الله عليه وسلم) فيما وقع بينهم من الاختلاف، ثم لا يجدوا حرجاً مما قضى به أي لا تضيق صدورهم به، ويسلموا لما يحكم به لا يعارضونه بشيء فحينئذ يكونون مؤمنين. و {تسليماً} مصدر مؤكد والمصادر المؤكدة بمنزلة ذكرك للفعل ثانياً كأنك قلت: سلمت تسليماً ومن حق التوكيد أن يكون محققاً لما تذكره في صدر كلامك، فاذا قلت: ضربت ضرباً، فمعناه أحدثت ضرباً احقه حقاً ولا أشك فيه. ومثله في الآية انهم يسلمون من غير شك يدخلهم فيه. وقال أبو جعفر (ع): لما حكم النبي (صلى الله عليه وسلم) للزبير على خصمه، لوى شدقه وقال لمن سأله عمن حكم له، فقال: لمن يقضي؟ لابن عمته. فتعجب اليهودي وقال: إنا آمنا بموسى فأذنبنا ذنباً فأمرنا الله تعالى بأن نقتل أنفسنا، فقتلناها فأجلت عن سبعين ألف قتيل. وهؤلاء يقرون بمحمد (صلى الله عليه وسلم) ويطؤون عقبه ولا يرضون بقضيته، فقال ثابت بن الشماس لو أمرني الله أن أقتل نفسي لقتلتها فأنزل الله {ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم..} إلى قوله: {إلا قليل منهم} يعني ابن الشماس ذكره السدي.
الجنابذي
تفسير : {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} لا يصيرون متّصفين بالاسلام والايمان العامّ {حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ} او يحكّموا عليّاً (ع) {فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} اى فيما تنازعوا فيه من، شجر الامر بينهم، بمعنى تنازعوا فيه {ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ} انت او علىّ {وَيُسَلِّمُواْ} انفسهم لك او لعلىّ (ع) {تَسْلِيماً} فى الكافى عن الباقر لقد خاطب الله امير المؤمنين (ع) فى كتابه فى قوله: ولو انّهم اذ ظلموا وتلا الى قوله فيما شجر بينهم قال فيما تعاقدوا عليه لئن امات الله محمّداً (ص) لا يردّوا هذا الامر فى بنى هاشم ثمّ لا يجدوا فى انفسهم حرجا ممّا قضيت عليهم من القتل او العفو ويسلّموا تسليماً، وامثال هذا من اسرار الكتاب الّتى لا يعلمها الا من خوطب به والرّاسخون فى العلم يقول كلّ من عند ربّنا ولقد بيّنا وجه صحّته مع كون الخطاب ظاهراً لمحمّد (ص).
الهواري
تفسير : قوله: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً}. قد فسّرناه قبل هذا الموضع. قوله: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ}. تفسير مجاهد: هم اليهود ومشركو العرب من آمن منهم بموسى. قال الكلبي: كان رجل من المسلمين ورجال من اليهود جلوساً فقالت اليهود: لقد استتابنا الله من أمر فتبنا إليه منه، وما كان ليفعله بأحد غيرنا؛ قتلنا أنفسنا في طاعته حتى رضي عنا؛ يعنون بذلك قوله: (أية : فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) تفسير : [البقرة:54] فقال ثابت بن قيس بن شمّاس: إن الله يعلم لو أمرنا محمد أن نقتل أنفسنا لقتلت نفسي. فأنزل الله: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ}؛ قال الحسن: أخبر الله بعلمه. قوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ} أي في العاقبة {وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً} أي في العصمة والمنعة من الشيطان.
اطفيش
تفسير : {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُم ثُمَّ لا يَجِدُوا فِى أَنفُسِهِم حَرَجًا مِّمَّا قَضَيتَ وَيُسَلِمُوا تَسلِيمًا}: لا مؤكدة للقسم، لا نافية لما نفت لا بعدها خلافا لبعض، فقد اعتيد زيادتها قبل القسم لتأكيد القسم، كما يقال: لا والله قام زيد، والمراد تأكيد القسم، وأن زيدا قام لا محالة. واختار الطبرى أنها نافية لما قبل، أى ليس الأمر كما زعموا أنهم آمنوا بما أنزل اليك وهم يخالفون حكمك، ومعنى يحكموك، يجعلوك حاكما أى يأتوك لتحكيم بينهم راضين بحكمك، وشجر: اختلف واختلط، وسمى الشجر شجرا لأن أغصانه تداخلت واختلفت، ولم يرض الله بتحكيمهم أياه صلى الله عليه وسلم، بل شرط أن ترضى قلوبهم بحكمه، ولا يضيق به بحيث ينسبونه للجور، ولا مؤاخذة على ما يصعب طبعا من الحق اذا عمل به المحكوم عليه، وعلم أنه الحق والحرج الضيق، أو هو الشك، أى لا يشكوا فى أن ما قضيت حق، ولكن الشك أيضا ضيق، فان الشاك فى ضيق، وما اسم موصول، أى مما قضيته، أو حرف مصدر أى من قضائك، ومن للتعليل أو سببية أو للآلة، أو ابتدائية، أى حرجا متولداً، ففى هذا تتعلق بصفة محذوفة كما رأيت، أو يجدوا، وفى سائر الأوجه يجوز ذلك، وتعليقه بحرجا، ومعنى التسليم انفاذ ما قضى عليهم به بعد اذعان قلوبهم له، والآية نزلت فى شأن المنافق واليهودى المذكورين عند الشعبى ومجاهد، ورجحه الطبرى لأنه أنسب بما قبله. وقالت طائفة: نزلت فى حاطب والزبير، حديث : إذ تخاصما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فى شراج من الحرة التى يسقون بها النخل، فقال: "اسق يا زبير ثم أرسل المال الى جارك" فغضب حاطب، فقال: لأن كان ابن عمتك، أى حكمت بذلك، لأن كان ابن عمتك، أى لكونه ابن عمتك، فتغير وجه الرسول صلى الله عليه وسلم ثم قال: "اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع الى الجدر واستوف حقك ثم أرسله الى جارك ". تفسير : قلت: الحكم اما غرم واما صلح، فقدم الصلح لأجل أن يتألفا أمر الزبير به أمرا فرضيه، فلما لم يقبله حاطب مع أنه مصلحة له، لم يبق الا الحكم بالعزم، إذ لا يتركهما بلا حكم، فحكم بذلك الذى ذكره آخر الأجل، ذلك الذى قررت لا لغضبه، كذا ظهر لى. والذى ذكره آخر هو أنه استوعب للزبير حقه، ثم مرا على رجل من اليهود ومعهم رجال من المسلمين، فقال: قاتل الله هؤلاء يشهدون أنه رسول الله، ثم يتهمونه فى قضاء يقضى بينهم، وأيم الله لقد أذنبنا مرة فى حياة موسى، فدعانا الى التوبة منه وقال: اقتلوا أنفسكم، ففعلنا، فبلغ قتلانا سبيعن ألفا فى طاعة ربنا، حتى رضى عنا، فقال ثابت بن قيس بن شماس: أما والله ان الله ليعلم منى الصدق، ولو أمرنى محمد أن أقتل نفسى لقتلتها، وروى أنه قال ذلك: ثابت وابن مسعود وعمار ابن ياسر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : والذى نفسى بيده ان أمتى رجالا الايمان فى قلوبهم أثبت من الجبال الدواسى ". تفسير : وروى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال: والله لو أمرنا ربنا لفعلنا، والحمد لله الذى لم يفعل بنا ذلك، فنزلت الآية فى شأن حاطب والزبير، ونزل فى اذعان عمر وثابت وابن مسعود وعمار قتل أنفسهم لو أمروا به قوله تعالى: {وَلَو أَنَّا كَتَبنَا}
اطفيش
تفسير : {فَلاَ} زيدت لا تأكيداً للقسم كقوله: شعر : خَليِلَىَّ لا وَاللهِ مَا مِنْ مُلِمَّةٍ تَدُومُ عَلَى حَىٍّ وَإنْ هِىَ جَلْتِ تفسير : أو لتأكيد النفى فى الجواب، ولم تسمع زيادتها مع القسم بالله إلا إن كان الجواب بنفى، أو لا نافية، أى فلا صحة لإيمانهم الذى ادعوه، أو يقدر فلا يؤمنون، فيؤكد بقوله {وَرَبَّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} إيماناً كاملا، وإلا فإن الإنسان قد يسلم من قلبه ولا يجد من نفسه قبولا، وبين الله بالآية ضعف إيمانهم {حَتَّى يُحكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ} فيما تخالف من أمورهم وأقوالهم وقلوبهم، كتخالف أغصان الشجر ولتخالفها سمى شجرا {بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فَى أَنفُسِهِمْ حَرَّجاً} ضيقا أو شكا، فإن الشاك فى ضيق حتى يطمئن، أو إثما {مِمَّا قَضَيْتَ} أثبته بالحكم أو من قضائك أى إثباتك {وَيُسْلِّمُوا} ينقادوا ظاهراً وباطناً لأمرك {تَسْلِيماً} بلا معارضة.
الالوسي
تفسير : {فَلاَ وَرَبّكَ} أي ـ فوربك ـ و (لا) مزيدة لتأكيد معنى القسم لا لتأكيد النفي في جوابه أعني قوله تعالى: {لاَ يُؤْمِنُونَ} لأنها تزاد في الإثبات أيضاً كقوله تعالى: {أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوٰقِعِ ٱلنُّجُومِ} تفسير : [الواقعة: 75] وهذا ما اختاره الزمخشري ومتابعوه في (لا) التي تذكر قبل القسم، وقيل: إنها رد لمقدر أي لا يكون الأمر كما زعمتم واختاره الطبرسي، وقيل: مزيدة لتأكيد النفي في الجواب ولتأكيد القسم إن لم يكن نفي، وقال ابن المنير: ((الظاهر عندي أنها هٰهنا لتوطئة النفي المقسم عليه، والزمخشري لم يذكر مانعاً من ذلك سوى مجيئها لغير هذا المعنى في الإثبات وهو لا يأبـى مجيئها في النفي على الوجه الآخر من التوطئة على أنها لم ترد في القرآن إلا مع صريح فعل القسم ومع القسم بغير الله تعالى مثل {أية : لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ} تفسير : [البلد: 1] {أية : لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ} تفسير : [القيامة: 1] {أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ} تفسير : [الانشقاق: 16] قصداً إلى تأكيد القسم / وتعظيم المقسم به إذ لا يقسم بالشيء إلا إعظاماً له فكأنه بدخولها يقول إن إعظامي لهذه الأشياء بالقسم بها ـ كلا إعظام ـ يعني أنها تستوجب من التعظيم فوق ذلك، وهو لا يحسن في القسم بالله تعالى إذ لا توهم ليزاح، ولم تسمع زيادتها مع القسم بالله إلا إذا كان الجواب منفياً فدل ذلك على أنها معه زائدة موطئة للنفي الواقع في الجواب، ولا تكاد تجدها في غير الكتاب العزيز داخلة على قسم مثبت وإنما كثر دخولها على القسم وجوابه نفي كقوله:شعر : (فلا وأبيك) ابنة العامري (لا يدعي) القوم أني أفر تفسير : وقوله:شعر : ألا نادت أمامة بارتحال لتحزنني (فلا بك) ما أبالي تفسير : وقوله:شعر : رأى برقا فأوضع فوق بكر (فلا بك ما أسال ولا أغاما) تفسير : إلى ما لا يحصى كثرة، ومن هذا يعلم الفرق بين المقامين؛ والجواب عن قولهم: إنه لا فرق بينهما فتأمل ذلك فهو حقيق بالتأمل)). {حَتَّىٰ يُحَكّمُوكَ} أي يجعلوك حكماً أو حاكماً، وقال شيخ الإسلام: «يتحاكموا إليك ويترافعوا، وإنما جيء بصيغة التحكيم مع أنه صلى الله عليه وسلم حاكم بأمر الله إيذاناً بأن اللائق بهم أن يجعلوه عليه الصلاة والسلام حكماً فيما بينهم ويرضوا بحكمه وإن قطع النظر عن كونه حاكماً على الإطلاق» {فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} أي فيما اختلف بينهم من الأمور واختلط، ومنه الشجر لتداخل أغصانه، وقيل: للمنازعة تشاجر لأن المتنازعين تختلف أقوالهم وتتعارض دعاويهم ويختلط بعضهم ببعض {ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ} عطف على مقدر ينساق إليه الكلام أي فتحكم بينهم ثم لا يجدوا {فِى أَنفُسِهِمْ} وقلوبهم {حَرَجاً} أي شكاً ـ كما قاله مجاهد ـ أو ضيقاً ـ كما قاله الجبائي ـ أو إثماً ـ كما روي عن الضحاك ـ واختار بعض المحققين تفسيره بضيق الصدر لشائبة الكراهة والإباء لما أن بعض الكفرة كانوا يستيقنون الآيات بلا شك ولكن يجحدون ظلماً وعتواً فلا يكونوا مؤمنين، وما روي عن الضحاك يمكن إرجاعه إلى أيّ الأمرين شئت ونفي وجْدَان الحرج أبلغ من نفي الحرج كما لا يخفى، وهو مفعول به ـ ليجدوا ـ والظرف قيل: حال منه أو متعلق بما عنده، وقوله تعالى: {مّمَّا قَضَيْتَ} متعلق بمحذوف وقع صفة لحرجاً، وجوز أبو البقاء تعلقه به، و (ما) يحتمل أن تكون موصولة ونكرة موصوفة ومصدرية أي من الذي قضيته أي قضيت به أو من شيء قضيت أو من قضائك. {وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً} أي ينقادوا لأمرك ويذعنوا له بظاهرهم وباطنهم كما يشعر به التأكيد، ولعل حكم هذه الآية باق إلى يوم القيامة وليس مخصوصاً بالذين كانوا في عصر النبـي صلى الله عليه وسلم فإن قضاء شريعته عليه الصلاة والسلام قضاؤه، فقد روي عن الصادق رضي الله تعالى عنه أنه قال: لو أن قوماً عبدوا الله تعالى وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وصاموا رمضان وحجوا البيت ثم قالوا لشيء صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا صنع خلاف ما صنع، أو وجدوا في أنفسهم حرجاً لكانوا مشركين ثم تلا هذه الآية، وسبب نزولها ـ كما قال الشعبـي ومجاهد: ما مر من قصة بشر ـ / واليهودي اللذين قضى بينهما عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بما قضى. وأخرج الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي من طريق الزهري «حديث : أن عروة بن الزبير حدثه عن الزبير بن العوام أنه خاصم رجلاً من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شراج من الحرة كانا يسقيان به كلاهما النخل فقال الأنصاري: سرح الماء يمر فأبـى عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك فغضب الأنصاري وقال: يا رسول الله إن كان ابن عمتك فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر ثم أرسل الماء إلى جارك، واستوعى رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير حقه وكان رسول الله عليه الصلاة والسلام قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه السعة له وللأنصاري فلما أحفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصاري استوعى للزبير حقه في صريح الحكم فقال الزبير: ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك {فَلاَ وَرَبّكَ}» تفسير : الخ..
ابن عاشور
تفسير : تفريع عن قوله: {أية : ألم تر إلى الذين يزعمون}تفسير : [النساء: 60] وما بعده إذْ تضمّن ذلك أنّهم فعلوا ما فعلوا وهم يزعمون أنّهم مؤمنون، فكان الزعم إشارة إلى انتفاء إيمانهم، ثمّ أردف بما هو أصرح وهو أن أفعالهم تنافي كونهم مؤمنين بقوله: {لا يؤمنون}، وأكدّه بالقسم وبالتوكيد اللفظي. وأصل الكلام: فوربّك لا يؤمنون، والعرب تأتي بحرف النفي قبل القسم إذا كان جواب القسم منفياً للتعجيل بإفادة أنّ ما بعد حرف العطف قسم على النفي لما تضمّنته الجملة المعطوف عليها، فتقديم النفي للاهتمام بالنفي، كقول قيس بن عاصم:شعر : فَلا والله أشْرَبُها صَحيحاً ولاَ أشْفَى بها أبداً سقيماً تفسير : ويكثر أن يأتوا مع حرف النفي بعد العاطف بحرف نفي مثله في الجواب ليحصل مع الاهتمام التأكيدُ، كما في هذه الآية، وهو الاستعمال الأكثر، ولم أر في كلام العرب تقديم (لاَ) على حرف العطف إبطالاً للكلام السابق، ووقع في قول أبي تمّام:شعر : لا والذي هو عالم أنَّ النوى صِبْر وأنَّ أبا الحُسين كريم تفسير : وليست (لا) هذه هي التي تَرِد مع فعل القسم مزيدة والكلام معها على الإثبات، نحو {أية : لاَ أقسم}تفسير : [القيامة: 1] وفي غير القسم نحو {أية : لئلاّ يعلم أهل الكتاب}تفسير : [الحديد: 29]، لأنّ تلك ليس الكلام معها على النفي، وهذه الكلام معها نفي، فهي تأكيد له على ما اختاره أكثر المحقّقين خِلافاً لصاحب «الكشّاف»، ولا يلزم أن تكون مواقع الحرف الواحد متّحدة في المواقع المتقاربة. وقد نُفي عن هؤلاء المنافقين أن يكونوا مؤمنين كما يزعمون في حال يظنّهم الناس مؤمنين، ولا يشعر الناس بكفرهم، فلذلك احتاج الخبر للتأكيد بالقسم وبالتوكيد اللفظي، لأنّه كشْف لباطن حالهم. والمقسم عليه هو: الغاية، وما عطف عليها بثمّ، معاً، فإنْ هم حكّموا غير الرسول فيما شجر بينهم فهم غير مؤمنين، أي إذا كان انصرافهم عن تحكيم الرسول للخشية من جوره كما هو معلوم من السياق فافتضح كفرهم، وأعْلَم الله الأمّة أنّ هؤلاء لا يكونون مؤمنين حتّى يحكّموا الرسول ولا يجدوا في أنفسهم حرجاً مِن حكمه، أي حرجاً يصرِفهم عن تحكيمه، أو يسخطهم من حكمه بعد تحكيمه، وقد علم من هذا أنّ المؤمنين لا ينصرفون عن تحكيم الرسول ولا يجدون في أنفسهم حرجاً من قضائه بحكم قياس الأحرى. وليس المراد الحرجَ الذي يجده المحكوم عليه من كراهية ما يُلزم به إذَا لم يخامره شكّ في عدل الرسول وفي إصابته وجه الحقّ. وقد بيّن الله تعالى في سورة النور كيف يكون الإعراض عن حكم الرسول كفراً، سواء كان من منافق أم من مؤمن، إذ قال في شأن المنافقين «وإذا دُعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحقّ يأتوا الله مذعنين أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله ــــ ثمّ قال ــــ إنّما كان قولَ المؤمنين إذَا دُعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا»، لأنّ حكم الرسول بما شرع الله من الأحكام لا يحتمل الحيف إذ لا يشرع الله إلاّ الحقّ، ولا يخالف الرسولُ في حكمه شَرْعَ الله تعالى. ولهذا كانت هذه الآية خاصّة بحكم الرسول صلى الله عليه وسلم فأمّا الإعراض عن حكم غير الرسول فليس بكفر إذا جَوَّز المعرض على الحاكم عدمَ إصابته حكم الله تعالى، أو عدم العدل في الحكم. وقدْ كَره العباس وعليُّ حكم أبي بكر وحُكم عمر في قضية ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم من أرض فدَكَ، لأنّهما كانا يريان أنّ اجتهاد أبي بكر وعمر في ذلك ليس من الصواب. وقد قال عينية ابن حصْن لعمر: «إنّك لا تقسم بالسوية ولا تعدِل في القضية» فلم يُعد طعنه في حكم عمرَ كفراً منه. ثم إنّ الإعراض عن التقاضي لدى قاضي يحكم بشريعة الإسلام قد يكون للطعن في الأحكام الإسلامية الثابت كونها حكم الله تعالى، وذلك كفر لدخوله تحت قوله تعالى: {أية : أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا}تفسير : [النور: 50]؛ وقد يكون لمجرّد متابعة الهوى إذا كان الحكم المخالف للشرع ملائماً لهوى المحكوم له، وهذا فسوق وضلال، كشأن كلّ مخالفة يخالف بها المكلّف أحكام الشريعة لاتّباع الأعْراض الدنيوية، وقد يكون للطعن في الحاكم وظنّ الجور به إذا كان غير معصوم، وهذا فيه مراتب بحسب التمكّن من الانتصاف من الحاكم وتقوميه، وسيجيء بيان هذا عند قوله تعالى: {أية : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}تفسير : في سورة العقود (44). ومعنى {شَجَر} تداخل واختلف ولم يتبيّن فيه الإنصاف، وأصلُه من الشَجَر لأنّه يلتفّ بعضه ببعض وتلتفّ أغصانه. وقالوا: شجر أمرهم، أي كان بينهم الشرّ. والحرج: الضيق الشديد {أية : يَجْعَلْ صدره ضَيِّقاً حَرِجاً}تفسير : [الأنعام: 125]. وتفريع قوله: {فلا وربّك لا يؤمنون} الآية على ما قبله يقتضي أنّ سبب نزول هذه الآية هو قضية الخصُومَة بين اليهودي والمنافق، وتحاكم المنافق فيها للكاهن، وهذا هو الذي يقتضيه نظم الكلام، وعليه جمهور المفسّرين، وقاله مجاهد، وعطاء، والشعبي. وفي «البخاري» حديث : عن الزبير: أحسب هذه الآية نزلت في خصومة بيني وبين أحد الأنصار في شِرَاج من الحَرَّة (أي مسيل مياه جمع شَرْج ــــ بفتح فسكون ــــ وهو مسيل الماء يأتي من حرّة المدينة إلى الحوائط التي بها) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله: «اسق يا زبيرُ ثم أرسل الماء إلى جارك» فقال الأنصاري: لأنْ كانَ ابنَ عمّتك. فتغيّر وجه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: اسق يا زبير حتّى يبلغ الماء الجَدْرَ ثم أرسل إلى جارك واستَوْف حقَّك تفسير : (والجدَر هو ما يدار بالنخل من التراب كالجِدار) فكان قضاؤه الأوّل صلحاً، وكان قضاؤه الثاني أخذاً بالحقّ، وكأنَّ هذا الأنصاري ظنّ أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أراد الصلح بينهم على وجه فيه توفير لحقّ الزبير جبراً لخاطره، ولم ير في ذلك ما ينافي العصمة، فقد كان الصحابة متفاوتين في العلم بحقائق صفات الرسول مدفوعين في سبر النفوس بما اعتادوه من الأميال والمصانعات، فنّبههم الله تعالى على أنّ ذلك يجرّ إلى الطعن في العصمة. وليس هذا الأنصاري بمنافق ولا شاكّ في الرسول، فإنّهم وصفوه بالأنصاري وهو وصف لخيرة من المؤمنين، وما وصفوه بالمنافق، ولكنّه جهل وغفل فعفا عنه رسول الله ولم يستتبه. وهذه القضية ترجع إلى النظر في التكفير بلازم القول والفعل، وفيها تفصيل حسن لابن رشد في البيان والتحصيل في كتاب «الجنائز» وكتاب «المرتدّين». خلاصته: أنّهُ لا بدّ من تنبيه من يصدر منه مثل هذا على ما يلزم قولَه من لازم الكُفر فإن التزمه ولم يرجع عُدَّ كافراً، لأنّ المرء قد يغفل عن دلالة الالتزام، ويؤخذ هذا على هذا الوجه في سبب النزول من أسلوب الآية لقوله: {لا يؤمنون}ــــ إلى قوله ــــ {تسليماً} فنبّه الأنصاري بأنّه قد التبس بحالة تنافي الإيمان في خفاء إن استمرّ عليها بعد التنبيه على عاقبتها لم يكن مؤمناً. والأنصاري، قيل: هو غير معروف، وحبّذا إخفاؤه، وقيل: هو ثعلبة بن حاطب، ووقع في «الكشاف» أنه حَاطب بن أبي بلتعة، وهو سهو من مؤلِفه، وقيل: ثابت بن قيس بن شمَّاس، وعلى هذه الرواية في سبب النزول يكون معنى قوله: {لا يؤمنون} أنّه لا يستمرّ إيمانهم. والظاهر عندي أنّ الحادثتين وقعتا في زمن متقارب ونزلت الآية في شأن حادثة بشر المُنَافق فظنّها الزبير نزلت في حادثته مع الأنصاري.
الشنقيطي
تفسير : أقسم تعالى في هذه الآية الكريمة بنفسه الكريمة المقدسة، أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم رسوله صلى الله عليه وسلم في جميع الأمور، ثم ينقاد لما حكم به ظاهراً وباطناً ويسلمه تسليماً كلياً من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة، وبين في آية أخرى أن قول المؤمنين محصور في هذا التسليم الكلي، والانقياد التام ظاهراً وباطناً لما حكم به صلى الله عليه وسلم، وهي قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} تفسير : [النور: 51] الآية.
الواحدي
تفسير : {فلا} أَيْ: ليس الأمر كما يزعمون أنَّهم آمنوا وهم يخالفون حكمك {وربك لا يؤمنون} حقيقة الإِيمان {حتَّى يحكموك فيما شجر} اختلف واختلط {بينهم ثمَّ لا يجدوا في أنفسهم حرجاً} ضيقاً وشكَّاً {ممَّا قضيت} أَيْ: أوجبتَ {ويسلموا} الأمر إلى الله وإلى رسوله من غير معارضةٍ بشيءٍ. {ولو أنَّا كتبنا عليهم} أَيْ: على هؤلاء المنافقين [من اليهود] {أن اقتلوا أنفسكم} كما كتبنا ذلك على بني إسرائيل {أو اخرجوا من دياركم} كما كتبنا على المهاجرين {ما فعلوه إلاَّ قليلٌ منهم} للمشقَّة فيه مع أنَّه كان ينبغي أن يفعلوه {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به} ما يُؤمرون به من أحكام القرآن {لكان خيراً لهم} في معاشهم وفي ثوابهم {وأشدَّ تثبيتاً} منهم لأنفسهم في الدِّين، وتصديقاً بأمر الله. {وإذاً لآتيناهم من لدنَّا} أَيْ: ممَّا لا يقدر عليه غيرنا {أجراً عظيماً} أَيْ: الجنَّة. {ولهديناهم} أرشدناهم {صراطاً مستقيماً} [إلى دينٍ مستقيمٍ] وهو دين الحنيفيَّة لا دين اليهوديَّة. {ومَن يطع الله...} الآية. قال المسلمون للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: ما لنا منك إلاَّ الدُّنيا، فإذا كانت الآخرة رُفِعَت في الأعلى، فحزن وحزنوا، فنزلت {ومَنْ يطع الله} في الفرائض {والرسول} في السُّنن {فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النَّبيين} أَيْ: إنَّه يستمتع برؤيتهم وزيارتهم، فلا يتوهمنَّ أنَّه لا يراهم {والصديقين} أفاضل أصحاب الأنبياء {والشهداء} القتلى في سبيل الله {والصالحين} أَيْ: أهل الجنَّة من سائر المسلمين {وحسن أولئك} الأنبياء وهؤلاء {رفيقاً} أَيْ: أصحاباً ورفقاء.
د. أسعد حومد
تفسير : (65) - يُقْسِمُ اللهُ تَعَالَى بِنَفْسِهِ الكَرِيمَةِ المُقَدَّسَةِ عَلَى أنَّ أولَئِكَ الذِينَ رَغِبُوا عَنِ التَّحَاكُمِ إلى الرَّسُولِ، وَمَنْ مَاثَلَهُمْ مِنَ المُنَافِقِينَ، لاَ يُؤْمِنُونَ إيمَاناً حَقّاً (أيْ إيمَانَ إذْعَانٍ وَانْقِيَادٍ) إلاّ إذا كَمُلَتْ لَهُمْ ثَلاثُ خِصَالٍ: - أنْ يُحَكِّمُوا الرَّسُولَ في القَضَايَا التِي يَخْتَصِمُونَ فيها، وَلا يَبِينُ لَهُمْ فِيهَا وَجْهُ الحَقِّ. - ألاّ يَجِدُوا ضِيقاً وَحَرَجاً مِمَّا يَحْكُمُ بِهِ، وَأنْ تُذْعِنَ نُفُوسُهُمْ لِقَضَائِهِ، إذْعَاناً تَامّاً دُونَ امِتْعَاضٍ مِنْ قَبُولِهِ وَالعَمَلِ بِهِ، لأنَّهُ الحَقُّ وَفِيهِ الخَيْرُ. - أنْ يَنْقَادُوا وَيُسَلِّمُوا لِذَلِكَ الحُكْمِ، مُوقِنِينَ بِصِدْقِ الرَّسُولِ فِي حُكْمِهِ، وَبِعِصْمَتِهِ عَنِ الخَطَأ. مَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ - مَا أشْكَلَ عَلَيْهِمْ وَالتَبَسَ مِنَ الأمُورِ. حَرَجاً - ضِيقاً أوْ شَكّاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إذن لا بد أن نستقبل الإيمان بالإقبال على كل ما جاء به رسول الله، فساعة حكّم المنافقون غيره برغم إعلانهم للإسلام جاء الحكم بخروجهم من دائرة الإيمان، وعلى المؤمنين أن يتعظوا بذلك. ونلحظ في قول الحق: {فَلاَ وَرَبِّكَ} وجود "لا" نافية، وأنه - سبحانه - أقسم بقوله: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ}، ونعلم أن المنافقين قد ذهبوا فحكَّموا غير رسول الله، مع أنهم شاهدون بأنه رسول الله فكيف يشهدون أنه رسول الله، ثم يحكمون غيره ولا يرضون بقضائه؟ وتلك قضية يحكم الحق فيها فيقول: لا. هذه لا تكون أبداً. إذن فـ "لا" النافية جاءت هنا لتنفي إيمانهم وشهادتهم أنه رسول الله؛ لأنهم حكَّموا غيره. فإذا ثبت أنهم شهدوا أنه رسول الله ثم ذهبوا لغيره ليقضي بينهم إذا حدث هذا. فحكمنا في القضية هو: لا يكون لهم أبداً شرف شهادة أنه رسول الله. وبعد ذلك أقسم الحق فقال: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} ونحن الخلق لا نقسم إلا بالله، لكنه سبحانه له أن يقسم بما شاء على ما يشاء، يقسم بالمادة الجبلية: {أية : وَٱلطُّورِ} تفسير : [الطور: 1]. ويقسم بالذاريات: {أية : وَٱلذَّارِيَاتِ ذَرْواً} تفسير : [الذاريات: 1]. والذاريات هي الرياح، ويقسم بالنبات: {أية : وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ} تفسير : [التين: 1]. ويقسم بالملائكة: {أية : وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا} تفسير : [الصافات: 1]. ولكنك إن نظرت إلى الإنس فلن تجده أقسم بأحد من سيد هذا الكون وهو الإنسان إلا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقسم بحياته فقال: {أية : لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} تفسير : [الحجر: 72]. و "لعمرك" يعني: وحياتك يا محمد إنهم في سكرتهم يعمهون، أي هم في غوايتهم وضلالهم يتحيرون فلا يهتدون إلى الحق، وأقسم الله بعد ذلك بنفسه، فقال: {أية : فَوَرَبِّ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ} تفسير : [الذاريات: 23]. وساعة يقول: "فورب السماء والأرض". فلا بد أن يأتي بربويته لخلق عظيم نراه نحن، ولذلك قال: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ} تفسير : [غافر: 57]. يعني إذا فكرت أيها الإنسان في خلق السماوات والأرض لوجدته أكبر من خلق الناس. وفي الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الله تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} وهذا تكريم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ودليل على أن محمداً عليه الصلاة والسلام ذو منزلة عالية، إياكم أن تظنوا أنه حين قال: "حديث : لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس" تفسير : أن محمداً قد دخل في الناس، إنّه سبحانه يوضح: لا، سأقسم به كما أقسمت بالسماء والأرض، {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ}، ولماذا يقسم برب السماء والأرض؛ لأن الربّ له قدرة عظيمة هائلة، فهو يخلق ويربي، ويتعهد ويؤدب. إن خلق السماوات والأرض يكفي فيها الخلق وناموس الكون والتسخير. لكن عندما يخلق محمداً فلا يريد الخلق والإيجاد فقط، بل يريد تربية فيها ارتقاءات النبوة مكتملة فيقول له: فوربك الذي خلقك، والذي سواك، والذي رباك، والذي أهَّلَكَ لأن تكون خير خلق الله وأن تكون خاتم الرسل، ولأن تكون رحمة الله للعالمين، يقسم بهذا كله فيقول: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} أبعد ما يدخل سبحانه فينا هذه المهابة بالقسم برب رسول الله نقول: لا نحكم محمداً ومنهجَه في حياتنا؟. إذن فقوله: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} وحَكَّم كل مادتها مثل "الحُكْم" و "التحكيم" و "الحكمة" و "التحكم" وكل هذا مأخوذ من الحَكَمَة وهي حديدة اللجام الذي يوضع في فم الفرس يمنعه به صاحبه أن يشرد، ويتحكم فيه يميناً ويساراً، فكذلك "الحِكْمَة" تعوق كل واحد عن شروده في أخذ حق غيره، فالتحكيم والحكم، والحكمة، كلها توحي بأن تضع الشيء في موضعه الصحيح. وكلمة "شجر" مأخوذة من مادة (الشين والجيم والراء) وإذا رأيتها فافهم أنها مأخوذة من الشجر الذي تعرفه. وهناك نباتات تكبر فيلتصق بعضه ببعض فتتشابك، كما نرى مثلاً شجراً متشابكاً في بعضه، وتداخلت الأفرع مع بعضها بحيث لا تستطيع أيها الناظر أن تقول: إن هذه ورقة هذه الشجرة أو ورقة تلك الشجرة. وإذا ما أثمرتا وكانتا من نوع واحد لا تقدر أن تقول: إن هذه الثمرة من هذه الشجرة، ولا هذه الثمرة من تلك الشجرة، أي أن الأمر قد اختلط. "وشجر بينهم" أي قام نزاع واختلاط في أمر، فأنت تذهب لتفصل هذه الشجرة عن تلك، وهذه الثمرة عن تلك الثمرة، وساعة ترى أشجاراً من نوع واحد، وتداخلت مع بعضها واختلطت، لا يعينك إن كنت جاني الثمرة أن تكون هذه الثمرة التي قطفتها من هنا أو من هناك، فأنت تأخذ الثمرة حيث وجدت، لا يعنيك أن تكون من هذه أو من تلك، وإن كنت تستظل تحت شجر لا يعنيك أن تعرف هل جاء هذا الظل من ورق هذه الشجرة أو من تلك الشجرة، فهذه فائدة اختلاط المتساوي، لكن إذا أردت ورقة شجرة من نوع معين فأنتقيها لأنني أريدها لأمر خاص. والخلق كلهم متساوون فكان يجب إن اختلطوا أن تكون المسألة مشاعاً بينهم، لكن طبيعة النفس الشُحّ، فتنازعوا، ولذلك فالقاضي الذكي يقول للمتخاصِمَيْن: أتريدان أن أحكم بينكما بالعدل أم بما هو خير من العدل؟ فيفزعان ويقولان: أهناك خير من العدل؟. يقول: نعم إنه الفضل، فما دامت المسألة أخوة واحدة، والخير عندك كالخير عندي فلا نزاع، أمَّا إذا حدث الشجار فلا بد من الفصل. ومن الذي يفصل؟. إنه سيدنا رسول الله بحكم قول الحق: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ}.. فالإيمان ليس قوله تقال فحسب وإنما هو قولة لها وظيفة، فأن تقول لا إله إلا الله وتشهد أن محمداً رسول الله فلا بد أن لهذا القول وظيفة، وأن تُحكِم حركة حياتك على ضوء هذا القول، فلا معبود إلا الله، ولا آمر إلا الله، ولا نافع إلا الله، ولا ضار إلا الله، ولا مشرع إلا الله، فهي ليست كلمة تقولها فقط! وينتهي الأمر، ثم عندما يأتيك أمر يحتاج إلى تطبيقها تفرّ منه. {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} بمنهج الإسلام {حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ} فهذا هو التطبيق {فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} ولا يصح أن يحكموك صورياً، بل لا بدّ أن يحكموك برضا في التحكيم، {ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً} أي ضيقاً {مِّمَّا قَضَيْتَ}. فعندما يحكم رسول الله لا تتوانوا عن حكمه, ولا تضيقوا به {وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} أي يُذْعِنُوا إذعاناً. إذن فالإيمان لا يتمثل في قول يقال وإنما في توظيف ذلك القول. بأن تلجأ إليه في العمليات الحركية في الحياة، {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} حتى يترجم الإيمان إلى قضية واقعية اختار الحق لها أعنف ساعات الحرج في النفس البشرية وهي ساعة الخصومة التي تولد اللدد والميل عن الحق، {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً} لأنه قد يجد حرجاً ولا يتكلم. وانظروا إلى الثلاثة: الأولى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ}، هذه واحدة، {فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ} هذه هي الثانية، {وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ} هذه هي الثالثة، هذه ممحصات الذنوب، والذي يدخلك في حظيرة الإيمان ثلاثة أيضاً: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} هذه هي الأولى، {ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ} هذه هي الثانية، و {وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} هذه هي الثالثة. إذن فالقولان في رسول الله صلى الله عليه وسلم: دخول حظيرة إيمان، وخروج من غلّ ذنب. وهنا وقفة لا أبالغ إذا قلت: إنها شغلتني أكثر من عشر سنين، هذه الوقفة حول قول الله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً} ذلك يا رب تمحيص من عاصر رسولك صلى الله عليه وسلم، فما بال الذين لم يعاصروه؟ فأين الممحص الذي يقابل هذا لمن لم يعاصر حضرة النبي صلى الله عليه وسلم، والرسول إنما جاء للناس جميعاً، فكيف يوجد ممحص لقوم عاصروا رسول الله ثم يحرم من جاءوا بعد رسول الله من هذا التمحيص؟ هذه مسألة ظلت في ذهني ولا أجد لها جواباً، إلا أني قلت: لقد ثبت عندي وعند بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مطمئنا المؤمنين في كافة العصور: (حياتي خير لكم تُحْدِثون ويُحْدَثُ لكم فإذا أنا مت كانت وفاتي خيرا لكم تُعْرض عليَّ أعمالكم فإن رأيت خيرا حمدت الله وإن رأيت شرا استغفرتُ لكم). انظر إلى التطمين في قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : تعرض عليّ أعمالكم فإن رأيت خيراً حمدت الله، وإن رأيت غير ذلك استغفرت لكم ". تفسير : فاستغفار الرسول لنا موجود. إذن فما بقي منها إلا أن نستغفر الله، وما بقي إلا "جاءوك" أي يجيئون لسنتك ولما تركت منها فصلى الله عليه وسلم هو القائل: "حديث : تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض ". تفسير : فكما كان الأحياء يجيئونه، فنحن نجيء إلى حكمه وسنته وتشريعه، وهو يستغفر لنا جميعا، إذن فهذه منتهية، فبقي أن نستغفر الله قائلين: نستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحيّ القيوم ونتوب إليه.. نفعل ذلك إن شاء الله. وقوله سبحانه وتعالى: {ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} أي لا يجدوا حرجاً عندما يذعنون لأي حكم تكليفي أو حكم قضائي، والحكم التكليفي نعرفه في: افعل ولا تفعل، أما الحكم القضائي فهو عندما يتنازع اثنان في شيء وهذا يقتضي أن نقبل الحكم في النزاع إذا ما صدر عن رسول الله أو عن منهجه. إذن فلا بد أن نسلم تسليماً في الاثنين: في الحكم التكليفي، وفي الحكم القضائي. ويقول الحق بعد ذلك: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} ومعناهُ اخْتَلَطَ. تفسير : وقوله تعالى: {لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً} معناهُ ضيقٌ.
الجيلاني
تفسير : {فَلاَ وَرَبِّكَ} أي: فوربك وعظم شأنه وسطوع برهانه {لاَ يُؤْمِنُونَ} بالله وبكتبه ورسله {حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ} أيها لمبعوث لكل {فِيمَا شَجَرَ} وحدث {بَيْنَهُمْ} من الوقائع التي اختلفوا فيها {ثُمَّ} بعدما حكموك {لاَ يَجِدُواْ} حين راجعوا وجدانهم {فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً} ضيقاً واضطراباً وشكاً {مِّمَّا قَضَيْتَ} حكمت به {وَيُسَلِّمُواْ} حكمك وقضاءك {تَسْلِيماً} [النساء: 65] ناشئاً عن محض الإطاعة والانقياد، ظاهراً وباطناً؛ إذ طاعتك عين إطاعتنا وانقيادنا. {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا} فرضنا وأمرنا {عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ} في سبيلنا {أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ} المألوفة التي هي بقعة الإمكان {مَّا فَعَلُوهُ} أي: المأمور به {إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ} وهم المخلصون المبادرون إلى الفناء في الله؛ ليفوزوا بشرف بقائه {وَلَوْ أَنَّهُمْ} من غاية تشوقهم وتعطشهم بمرتبة الفناء فيه {فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ} في أولادهم وأخراهم {وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً} [النساء: 66] لقدمهم في طريق التوحيد والعرفان. {وَإِذاً} أي: حين ثبتوا على طريق التوحيد أشد تثبيت {لأَتَيْنَٰهُم مِّن لَّدُنَّـآ} بلا صنع منهم {أَجْراً عَظِيماً} [النساء: 67] هو الفوز بمرتبة الكشف والشهود. {وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} [النساء: 68] يوصلهم إلينا بلا اعوجاج ولا انحراف. اهدنا بلطفك صراطاً مستقيماً يوصلنا إلى ذروة توحيدك.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [65] 130- أنا قتيبة بن سعيد، نا الليث، عن ابن شهاب، عن عروة أنه حدثه أن، عبد الله بن الزبير حدثه حديث : أن رجلا خاصم الزبير عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في شِرَاج الحرَّة التي كانوا يسقون بها النخل، فقال الأنصاري: سَرِّح الماء يمُرُّ، فأبى عليهم، فاختصموا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال / رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير: "اسقِ يا زُبير، ثم أرسل إلى جارك". فغضب الأنصاري، فقال: يا رسول الله، أن كان ابن عمتك، فتلوَّن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: "يا زبير، اسق ثم احبِس الماء حتى يرجع إلى الجَدْر"تفسير : قال الزبير: والله إني أحسب هذه الآية نزلت في ذلك {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):