Verse. 559 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

وَلَوْ اَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْہِمْ اَنِ اقْتُلُوْۗا اَنْفُسَكُمْ اَوِ اخْرُجُوْا مِنْ دِيَارِكُمْ مَّا فَعَلُوْہُ اِلَّا قَلِيْلٌ مِّنْھُمْ۝۰ۭ وَلَوْ اَنَّھُمْ فَعَلُوْا مَا يُوْعَظُوْنَ بِہٖ لَكَانَ خَيْرًا لَّھُمْ وَاَشَدَّ تَثْبِيْتًا۝۶۶ۙ
Walaw anna katabna AAalayhim ani oqtuloo anfusakum awi okhrujoo min diyarikum ma faAAaloohu illa qaleelun minhum walaw annahum faAAaloo ma yooAAathoona bihi lakana khayran lahum waashadda tathbeetan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولو أنا كتبنا عليهم أن» مفسرة «اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم» كما كتبنا على بني إسرائيل «ما فعلوه» أي المكتوب عليهم «إلا قليل» بالرفع على البدل والنصب على الاستثناء «منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعَظون به» من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم «لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا» تحقيقا لإيمانهم.

66

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذه الآية متصلة بما تقدم من أمر المنافقين وترغيبهم في الاخلاص وترك النفاق، والمعنى أنا لو شددنا التكليف على الناس، نحو أن نأمرهم بالقتل والخروج عن الأوطان لصعب ذلك عليهم ولما فعله إلا الأقلون، وحينئذ يظهر كفرهم وعنادهم، فلما لم نفعل ذلك رحمة منا على عبادنا بل اكتفينا بتكليفهم في الأمور السهلة، فليقبلوها بالاخلاص وليتركوا التمرد والعناد حتى ينالوا خير الدارين، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائي: {أَنِ ٱقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَـٰرِكُمْ } بضم النون في «أن» وضم واو «أو» والسبب فيه نقل ضمة {ٱقْتُلُواْ } وضمة {أَخْرِجُواْ } اليهما، وقرأ عاصم وحمزة بالكسر فيهما لالتقاء الساكنين، وقرأ أبو عمرو بكسر النون وضم الواو، وقال الزجاج: ولست أعرف لفصل أبي عمرو بين هذين الحرفين خاصية إلا أن يكون رواية. وقال غيره: أما كسر النون فلأن الكسر هو الأصل لالتقاء الساكنين، وأما ضم الواو فلأن الضمة في الواو أحسن لأنها تشبه واو الضمير. واتفق الجمهور على الضم في واو الضمير نحو {أية : ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ } تفسير : [البقرة: 16] {أية : وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ } تفسير : [البقرة: 237]. المسألة الثانية: الكناية في قوله: {مَّا فَعَلُوهُ } عائدة إلى القتل والخروج معا، وذلك لأن الفعل جنس واحد وان اختلفت ضروبه، واختلف القراء في قوله: {إِلاَّ قَلِيلٌ } فقرأ ابن عامر {قَلِيلاً } بالنصب، وكذا هو في مصاحف أهل الشام ومصحف أنس بن مالك، والباقون بالرفع، أما من نصب فقاس النفي على الاثبات، فإن قولك: ما جاءني أحد كلام تام، كما أن قولك: جاءني القوم كلام تام فلما كان المستثنى منصوباً في الإثبات فكذا مع النفي، والجامع كون المستثنى فضلة جاءت بعد تمام الكلام، وأما من رفع فالسبب أنه جعله بدلا من الواو في {فَعَلُوهُ } وكذلك كل مستثنى من منفي، كقولك: ما أتاني أحد إلا زيد، برفع زيد على البدل من أحد، فيحمل إعراب ما بعد «إلا» على ما قبلها. وكذلك في النصب والجر، كقولك: ما رأيت أحداً الا زيداً، وما مررت بأحد إلا زيد. قال أبو علي الفارسي: الرفع أقيس، فإن معنى ما أتى أحد إلا زيد، وما أتاني الا زيد واحد، فكما اتفقوا في قولهم ما أتاني الا زيد على الرفع وجب أن يكون قولهم: ما أتاني أحد الا زيد بمنزلته. المسألة الثالثة: الضمير في قوله: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ } فيه قولان: الأول: وهو قول ابن عباس ومجاهد أنه عائد إلى المنافقين، وذلك لأنه تعالى كتب على بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم، وكتب على المهاجرين أن يخرجوا من ديارهم، فقال تعالى: ولو أنا كتبنا القتل والخروج عن الوطن على هؤلاء المنافقين ما فعله الا قليل رياء وسمعة، وحينئذ يصعب الأمر عليهم وينكشف كفرهم، فاذا لم نفعل ذلك بل كلفناهم بالأشياء السهلة فليتركوا النفاق وليقبلوا الايمان على سبيل الاخلاص، وهذا القول اختيار أبي بكر الأصم وأبي بكر القفال. الثاني: أن المراد لو كتب الله على الناس ما ذكر لم يفعله إلا قليل منهم، وعلى هذا التقدير دخل تحت هذا الكلام المؤمن والمنافق، وأما الضمير في قوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ } فهو مختص بالمنافقين، ولا يبعد أن يكون أول الآية عاما وآخرها خاصا، وعلى هذا التقدير يجب أن يكون المراد بالقليل المؤمنين، روي أن ثابت بن قيس بن شماس ناظر يهوديا، فقال اليهودي: إن موسى أمرنا بقتل أنفسنا فقبلنا ذلك، وإن محمدا يأمركم بالقتال فتكرهونه، فقال: يا أنت لو أن محمدا أمرني بقتل نفسي لفعلت ذلك، فنزلت هذه الآية. وروي أن ابن مسعود قال مثل ذلك، فنزلت هذه الآية. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : والذي نفسي بيده إن من أمتي رجالا الايمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي»تفسير : وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: والله لو أمرنا ربنا بقتل أنفسنا لفعلنا والحمد لله الذي لم يأمرنا بذلك. المسألة الرابعة: قال أبو علي الجبائي: لما دلت هذه الآية على أنه تعالى لم يكلفهم ما يغلظ ويثقل عليهم، فبأن لا يكلفهم ما لا يطيقون كان أولى، فيقال له: هذا لازم عليك لأن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى إنما لم يكلفهم بهذه الأشياء الشاقة، لأنه لو كلفهم بها لما فعلوها، ولو لم يفعلوها لوقعوا في العذاب، ثم أنه تعالى علم من أبي جهل وأبي لهب أنهم لا يؤمنون، وأنهم لا يستفيدون من التكليف إلا العقاب الدائم، ومع ذلك فانه تعالى كلفهم، فكل ما تجعله جوابا عن هذا فهو جوابنا عما ذكرت. ثم قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً وَإِذاً لأَتَيْنَـٰهُمْ مّن لَّدُنَّـا أَجْراً عَظِيماً وَلَهَدَيْنَـٰهُمْ صِرٰطاً مُّسْتَقِيماً }. اعلم أن المراد من قوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ } أنهم لو فعلوا ما كلفوا به وأمروا به، وإنما سمي هذا التكليف والأمر وعظا لأن تكاليف الله تعالى مقرونة بالوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، والثواب والعقاب، وما كان كذلك فانه يسمى وعظا، ثم إنه تعالى بين أنهم لو التزموا هذه التكاليف لحصلت لهم أنواع من المنافع. فالنوع الأول: قوله: {لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ } فيحتمل أن يكون المعنى أنه يحصل لهم خير الدنيا والآخرة، ويحتمل أن يكون المعنى المبالغة والترجيح، وهو أن ذلك أنفع لهم وأفضل من غيره، لأن قولنا: «خير» يستعمل على الوجهين جميعا. النوع الثاني: قوله: {وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً } وفيه وجوه: الأول: أن المراد أن هذا أقرب الى ثباتهم عليه واستمرارهم، لأن الطاعة تدعو إلى أمثالها، والواقع منها في وقت يدعو إلى المواظبة عليه. الثاني: أن يكون أثبت وأبقى لأنه حق والحق ثابت باق، والباطل زائل. الثالث: أن الانسان يطلب أولا تحصيل الخير، فاذا حصله فانه يطلب أن يصير ذلك الحاصل باقيا ثابتا، فقوله: {لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ } إشارة إلى الحالة الأولى، وقوله: {وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً } إشارة إلى الحالة الثانية. النوع الثالث: قوله تعالى: {وَإِذاً لاَتَيْنَـٰهُمْ مّن لَّدُنَّـا أَجْراً عَظِيماً }. واعلم أنه تعالى لما بين أن هذا الاخلاص في الايمان خير مما يريدونه من النفاق وأكثر ثباتا وبقاء، بين أنه كما أنه في نفسه خير فهو أيضا مستعقب الخيرات العظيمة وهو الأجر العظيم والثواب العظيم. قال صاحب «الكشاف»: و«إذاً» جواب لسؤال مقدر، كأنه قيل: ماذا يكون من هذا الخير والتثبيت. فقيل: هو أن نؤتيهم من لدنا أجراً عظيما، كقوله: {أية : وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً } تفسير : [النساء: 40]. وأقول: إنه تعالى جمع في هذه الآية قرائن كثيرة، كل واحدة منها تدل على عظم هذا الأجر. أحدها: أنه ذكر نفسه بصيغة العظمة وهي قوله: {ءاتَيْنَـٰهُ } وقوله: {مّن لَّدُنَّـا } والمعطي الحكيم إذا ذكر نفسه باللفظ الدال على عظمة عند الوعد بالعطية دل ذلك على عظمة تلك العطية، وثانيها: قوله: {مّن لَّدُنَّـا } وهذا التخصيص يدل على المبالغة، كما في قوله: {أية : وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا }تفسير : [الكهف: 65] وثالثها: أن الله تعالى وصف هذا الأجر بالعظيم، والشيء الذي وصفه أعظم العظماء بالعظمة لا بد وأن يكون في نهاية الجلالة، وكيف لا يكون عظيما، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر».تفسير : النوع الرابع: قوله: {وَلَهَدَيْنَـٰهُمْ صِرٰطاً مُّسْتَقِيماً } وفيه قولان: أحدهما: أن الصراط المستقيم هو الدين الحق، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرٰطِ ٱللَّهِ } تفسير : [الشورى: 52، 53] والثاني: أنه الصراط الذي هو الطريق من عرصة القيامة، وذلك لأنه تعالى ذكره بعد ذكر الثواب والأجر، والدين الحق مقدم على الثواب والأجر، والصراط الذي هو الطريق من عرصة القيامة إلى الجنة إنما يحتاج اليه بعد استحقاق الأجر، فكان حمل لفظ الصراط في هذا الموضع على هذا المعنى أولى.

القرطبي

تفسير : سبب نزولها ما رُوي أن ثابت بن قيس بن شَمّاس تفاخر هو ويهوديّ فقال اليهوديّ: والله لقد كُتب علينا أن نقتل أنفسنا فقتلنا، وبلغت القَتْلى سبعين ألفاً؛ فقال ثابت: والله لو كتب الله علينا أن ٱقتلوا أنفسكم لفعلنا. وقال أبو إسحاق السَّبِيعي: لما نزلت {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ} الآية، قال رجل: لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: « حديث : إنّ من أُمّتي رجالاً الإيمانُ أثْبَت في قلوبهم من الجبال الرواسِيّ » تفسير : . قال ٱبن وَهْب قال مالك: القائل ذلك هو أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه؛ وهكذا ذكر مَكِّيّ أنه أبو بكر. وذكر النّقّاش أنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وذُكر عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: لو كُتِب علينا ذلك لبدأت بنفسي وأهلِ بيتي. وذكر أبو اللّيث السَّمَرْقَنديّ: أن القائل منهم عمّار بن ياسر وٱبن مسعود وثابت بن قيس، قالوا: لو أن الله أمَرَنا أن نقتل أنفسنا أو نَخرج من ديارنا لفعلنا؛ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : الإيمان أثبت في قلوب الرجال من الجبال الرواسي » تفسير : . و«لو» حرف يَدلّ على امتناع الشيء لامتناع غيره، فأخبر الله سبحانه أنه لم يكتب ذلك علينا رِفْقاً بنا لئلا تظهر معصيتُنا. فكم من أمر قصّرنا عنه مع خِفته فكيف بهذا الأمر مع ثِقله! لكن أَمَا والله لقد ترك المهاجرون مساكنهم خاوية وخرجوا يطلبون بها عيشة راضية. {مَّا فَعَلُوهُ} أي القتل والخروج {إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ} «قليل» بدل من الواو، والتقدير ما فعله أحد إلاَّ قليل. وأهل الكوفة يقولون: هو على التكرير ما فعلوه ما فعله إلاَّ قليل منهم. وقرأ عبد الله بن عامر وعيسىٰ بن عمر {إِلاَّ قَلِيلٌ} على الاستثناء. وكذلك هو في مصاحف أهل الشام. الباقون بالرفع، والرفع أجود عند جميع النحويين. وقيل: انتصب على إضمار فعل، تقديره إلاَّ أن يكون قليلاً منهم. وإنما صار الرفع أجود لأن اللفظ أولى من المعنى، وهو أيضاً يشتمل على المعنى. وكان من القليل أبو بكر وعمر وثابت بن قيس كما ذكرنا. وزاد الحسنُ ومُقاتل عمَّاراً وابنَ مسعود وقد ذكرناهما. {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ} أي في الدنيا والآخرة. {وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً} أي على الحق. {وَإِذاً لآتَيْنَاهُمْ مِّن لَّدُنَّـآ أَجْراً عَظِيماً}أي ثواباً في الآخرة. وقيل: اللام لام الجواب، و«إذا» دالة على الجزاء، والمعنى لو فعلوا ما يوعظون به لآتيناهم.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن أكثر الناس أنهم لو أمروا بما هم مرتكبونه من المناهي، لما فعلوه؛ لأن طباعهم الرديئة مجبولة على مخالفة الأمر، وهذا من علمه تبارك وتعالى بما لم يكن، أو كان فكيف كان يكون، ولهذا قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} الآية، قال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثني إسحاق، حدثنا أبو زهير عن إسماعيل، عن أبي إسحاق السبيعي، قال: لما نزلت: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} الآية، قال رجل: لو أمرنا، لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : إن من أمتي لرجالاً الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي»تفسير : ، ورواه ابن أبي حاتم: حدثنا جعفر بن منير، حدثنا روح، حدثنا هشام عن الحسن بإسناده عن الأعمش، قال: لما نزلت: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} الآية، قال أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لو فعل ربنا، لفعلنا، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : للإيمان أثبت في قلوب أهله من الجبال الرواسي»تفسير : . وقال السدي: افتخر ثابت بن قيس بن شماس ورجل من اليهود، فقال اليهودي: والله لقد كتب الله علينا القتل، فقتلنا أنفسنا، فقال ثابت: والله لو كتب علينا: {أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ}، لفعلنا، فأنزل الله هذه الآية. ورواه ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا بشر بن السري، حدثنا مصعب ابن ثابت عن عمه عامر بن عبد الله بن الزبير قال: لما نزلت: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَـٰرِكُمْ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لو نزلت، لكان ابن أم عبد منهم» تفسير : وحدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان، حدثنا إسماعيل بن عياش عن صفوان بن عمرو، عن شريح بن عبيد، قال: لما تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} الآية، أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده هذه إلى عبد الله بن رواحة، فقال: «حديث : لو أن الله كتب ذلك لكان هذا من أولئك القليل» تفسير : يعني: ابن رواحة، ولهذا قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ} أي: ولو أنهم فعلوا ما يؤمرون به، وتركوا ما ينهون عنه، {لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ} أي: من مخالفة الأمر، وارتكاب النهي {وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً}، قال السدي: أي: وأشد تصديقاً {وَإِذاً لآتَيْنَـٰهُمْ مِّن لَّدُنَّـآ} أي: من عندنا {أَجْراً عَظِيماً} يعني: الجنة { وَلَهَدَيْنَـٰهُمْ صِرَٰطاً مُّسْتَقِيماً} أي: في الدنيا والآخرة، ثم قال تعالى: { وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّـٰلِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً} أي: من عمل بما أمره الله به، وترك ما نهاه الله عنه ورسوله، فإن الله عز وجل يسكنه دار كرامته، ويجعله مرافقاً للأنبياء، ثم لمن بعدهم في الرتبة، وهم الصديقون، ثم الشهداء والصالحون الذين صلحت سرائرهم وعلانيتهم. ثم أثنى عليهم تعالى فقال: {وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً} وقال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الله بن حوشب، حدثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه، عن عروة، عن عائشة، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ما من نبي يمرض إِلا خير بين الدنيا والآخرة» تفسير : وكان في شكواه التي قبض فيها أخذته بحة شديدة، فسمعته يقول: «حديث : مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين» تفسير : فعلمت أنه خُير، وكذا رواه مسلم من حديث شعبة عن سعد بن إِبراهيم به. وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر: «حديث : اللهم في الرفيق الأعلى» تفسير : ثلاثاً، ثم قضى، عليه أفضل الصلاة والتسليم. (ذكر سبب نزول هذه الآية الكريمة) قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب القمي عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، قال: جاء رجل من الأنصار إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محزون، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : يا فلان ما لي أراك محزوناً؟» تفسير : فقال: يا نبي الله شيء فكرت فيه، فقال: «حديث : ما هو؟» تفسير : قال: نحن نغدو عليك ونروح ننظر إِلى وجهك ونجالسك، وغداً ترفع مع النبيين فلا نصل إِليك، فلم يرد النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً، فأتاه جبريل بهذه الآية: {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ} الآية، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم فبشره. وقد روي هذا الأثر مرسلاً عن مسروق، وعن عكرمة، وعامر الشعبي وقتادة، وعن الربيع بن أنس، وهو من أحسنها سنداً، قال ابن جرير: حدثنا المثنى، حدثنا ابن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع قوله: {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ} الآية، وقال: إِن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: قد علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم له فضل على من آمن به في درجات الجنة ممن اتبعه وصدقه، وكيف لهم إِذا اجتمعوا في الجنة أن يرى بعضهم بعضاً؟ فأنزل الله في ذلك، يعني: هذه الآية، فقال: يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إِن الأعلين ينحدرون إِلى من هو أسفل منهم، فيجتمعون في رياض، فيذكرون ما أنعم الله عليهم، ويثنون عليه، وينزل لهم أهل الدرجات، فيسعون عليهم بما يشتهون، وما يدعون به، فهم في روضة يحبرون، ويتنعمون فيه»تفسير : ، وقد روي مرفوعاً من وجه آخر، فقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الرحيم بن محمد بن مسلم، حدثنا إِسماعيل بن أحمد بن أسيد، حدثنا عبد الله بن عمران، حدثنا فضيل بن عياض عن منصور، عن إِبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إِنك لأحب إِليّ من نفسي، وأحب إليّ من أهلي، وأحب إِلي من ولدي، وإِني لأكون في البيت فأذكرك، فما أصبر حتى آتيك فأنظر إِليك، وإِذا ذكرت موتي وموتك، عرفت أنك إِذا دخلت الجنة، رفعت مع النبيين، وإِن دخلت الجنة خشيت أن لا أراك، فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزلت عليه: { وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّـٰلِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً}. وهكذا رواه الحافظ أبو عبد الله المقدسي في كتابه "صفة الجنة" من طريق الطبراني عن أحمد بن عمرو بن مسلم الخلال، عن عبد الله بن عمران العابدي، به، ثم قال: لا أرى بإسناده بأساً، والله أعلم. وقال ابن مردويه أيضاً: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا العباس بن الفضل الأسفاطي، حدثنا أبو بكر بن ثابت بن عباس المصري، حدثنا خالد بن عبد الله عن عطاء بن السائب، عن عامر الشعبي، عن ابن عباس: أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني لأحبك، حتى إني لأذكرك في المنزل، فيشق ذلك علي، وأحب أن أكون معك في الدرجة، فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً، فأنزل الله عز وجل هذه الآية. وقد رواه ابن جرير عن ابن حميد عن جرير عن عطاء، عن الشعبي مرسلاً، وثبت في "صحيح مسلم" من حديث هقل بن زياد عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن ربيعة بن كعب الأسلمي: أنه قال: كنت أبيت عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي؛ «حديث : سل»تفسير : ، فقلت: يا رسول الله، أسألك مرافقتك في الجنة، فقال: «حديث : أو غير ذلك؟» تفسير : قلت: هو ذاك، قال: «حديث : فأعني على نفسك بكثرة السجود».تفسير : وقال الإِمام أحمد: حدثنا يحيى بن إِسحاق، أخبرنا ابن لهيعة عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن عيسى ابن طلحة، عن عمرو بن مرة الجهني، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله شهدت أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وصليت الخمس، وأديت زكاة مالي، وصمت شهر رمضان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من مات على ذلك كان مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة وهكذا ـ ونصب أصبعيه ـ ما لم يعق والديه» تفسير : تفرد به أحمد. قال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا أبو سعيد مولى أبي هاشم، حدثنا ابن لهيعة عن زبان بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من قرأ ألف آية في سبيل الله كتب يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء الصالحين، وحسن أولئك رفيقاً إِن شاء الله» تفسير : وروى الترمذي من طريق سفيان الثوري، عن أبي حمزة، عن الحسن البصري، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء» تفسير : ثم قال: هذا حديث حسن، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وأبو حمزة اسمه عبد الله بن جابر، شيخ بصري. وأعظم من هذا كله بشارة ما ثبت في الصحيح والمسانيد وغيرهما من طرق متواترة عن جماعة من الصحابة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يحب القوم، ولما يلحق بهم، فقال: «حديث : المرء مع من أحب»تفسير : ، قال أنس: فما فرح المسلمون فرحهم بهذا الحديث. وفي رواية عن أنس أنه قال: إني لأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحب أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، وأرجو أن الله يبعثني معهم، وإن لم أعمل كعملهم. قال الإِمام مالك بن أنس: عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما تراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق المشرق أو المغرب؛ لتفاضل ما بينهم» تفسير : قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء، لا يبلغها غيرهم، قال: «حديث : بلى، والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين»تفسير : ، أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك، واللفظ لمسلم، ورواه الإِمام أحمد: حدثنا فزارة، أخبرني فليح عن هلال، يعني: ابن علي، عن عطاء، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن أهل الجنة ليتراءون في الجنة كما تراءون ـ أو ترون - الكوكب الدري الغابر في الأفق الطالع؛ في تفاضل الدرجات»تفسير : . قالوا: يا رسول الله، أولئك النبيون؟ قال: «حديث : بلى، والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين» تفسير : قال الحافظ الضياء المقدسي: هذا الحديث على شرط البخاري، والله أعلم. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا محمد بن عمار الموصلي، حدثنا عفيف ابن سالم عن أيوب، عن عتبة، عن عطاء، عن ابن عمر، قال: أتى رجل من الحبشة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : سل واستفهم» تفسير : فقال: يا رسول الله، فضلتم علينا بالصور والألوان والنبوة، ثم قال: أفرأيت إن آمنت بما آمنت به، وعملت بما عملت به، إني لكائن معك في الجنة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : نعم، والذي نفسي بيده إنه ليضيء بياض الأسود في الجنة من مسيرة ألف عام» تفسير : ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من قال: لا إله إلا الله، كان له بها عهد عند الله، ومن قال: سبحان الله وبحمده، كتب له بها مائة ألف حسنة وأربعة وعشرون ألف حسنة» تفسير : فقال رجل: كيف نهلك بعد هذا يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الرجل ليأتي يوم القيامة بالعمل، لو وضع على جبل، لأثقله، فتقوم النعمة من نعم الله، فتكاد أن تستنفد ذلك كله، إلا أن يتغمده الله برحمته» تفسير : ونزلت هذه الآيات: {أية : هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً}تفسير : ـ إلى قوله ـ {أية : نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً}تفسير : [الإنسان: 1 ـ 20] فقال الحبشي: وإن عينيّ لتريان ما ترى عيناك في الجنة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : نعم» تفسير : فاستبكى حتى فاضت نفسه، قال ابن عمر: فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدليه في حفرته بيديه. فيه غرابة ونكارة، وسنده ضعيف، ولهذا قال تعالى: {ذٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ} أي: من عند الله {برحمته}. وهو الذي أهلهم لذلك، لا بأعمالهم {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيماً} أي: هو عليم بمن يستحق الهداية والتوفيق.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ } مفسِّرة {ٱقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَٰرِكُمْ } كما كتبنا على بني إسرائيل {مَّا فَعَلُوهُ } أي المكتوب عليهم {إِلاَّ قَلِيلٌ } بالرفع على البدل والنصب على الاستثناء {مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ } من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم {لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً } تحقيقاً لإيمانهم.

الشوكاني

تفسير : "لَوْ" حرف امتناع، و"أن" مصدرية، أو تفسيرية؛ لأن {كَتَبْنَا } في معنى أمرنا. والمعنى: أن الله سبحانه لو كتب القتل والخروج من الديار على هؤلاء الموجودين من اليهود ما فعله إلا القليل منهم، أو لو كتب ذلك على المسلمين ما فعله إلا القليل منهم، والضمير في قوله: {فَعَلُوهُ } راجع إلى المكتوب الذي دلّ عليه كتبنا، أو إلى القتل والخروج المدلول عليهما بالفعلين، وتوحيد الضمير في مثل هذا قد قدّمنا وجهه. قوله: {إِلاَّ قَلِيلٌ } قرأه الجمهور بالرفع على البدل. وقرأ عبد الله بن عامر، وعيسى بن عمر "إِلاَّ قَلِيلاً" بالنصب على الاستثناء، وكذا هو في مصاحف أهل الشام، والرفع أجود عند النحاة. قوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ } من اتباع الشرع والانقياد لرسول الله صلى الله عليه وسلم {لَكَانَ } ذلك {خَيْراً لَّهُمْ } في الدنيا والآخرة، {وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً } لأقدامهم على الحق، فلا يضطربون في أمر دينهم {وَإِذّن} أي: وقت فعلهم لما يوعظون به {لآتَيْنَـٰهُمْ مّن لَّدُنَّـا أَجْراً عَظِيماً وَلَهَدَيْنَـٰهُمْ صِرٰطاً مُّسْتَقِيماً } لا عوج فيه ليصلوا إلى الخير الذي يناله من امتثل ما أمر به، وانقاد لمن يدعوه إلى الحق. قوله: {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ } كلام مستأنف لبيان فضل طاعة الله والرسول، والاشارة بقوله: {فَأُوْلَـئِكَ } إلى المطيعين، كما تفيده من {مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم } بدخول الجنة، والوصول إلى ما أعدّ الله لهم. والصدّيق المبالغ في الصدق، كما تفيده الصيغة. وقيل: هم فضلاء أتباع الأنبياء. والشهداء: من ثبتت لهم الشهادة، والصالحين: أهل الأعمال الصالحة. والرفيق مأخوذ من الرفق، وهو: لين الجانب، والمراد به: المصاحب لارتفاقك بصحبته، ومنه الرفقة لارتفاق بعضهم ببعض، وهو منتصب على التمييز، أو الحال، كما قال الأخفش. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } هم: يهود، كما أمر أصحاب موسى أن يقتل بعضهم بعضاً. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن سفيان أنها نزلت في ثابت بن قيس بن شماس. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السديّ نحوه. وقد روي من طرق أن جماعة من الصحابة قالوا: لما نزلت الآية لو فعل ربنا لفعلنا. أخرجه ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الحسن. وأخرجه ابن أبي حاتم، عن عامر بن عبد الله بن الزبير. وأخرجه أيضاً عن شريح بن عبيد. وأخرج الطبراني، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، والضياء المقدسي في صفة الجنة، وحسنه عن عائشة قالت: جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله: إنك لأحب إليّ من نفسي، وإنك لأحب إليّ من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك، فما أصبر حتى آتي، فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي، وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وإني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك، فلم يردّ عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى نزل جبريل بهذه الآية: {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم } الآية. وأخرج الطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس نحوه.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنعَمَ اللهُ عَلَيهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ والشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ اولَئِكَ رَفِيقاً} أما الصديقون فهو جمع صديق، وهم أتباع الأنبياء. وفي تسمية الصديق قولان: أحدهما: أنه فِعِّيل من الصِّدْقِ. والثاني: أنه فِعّيل من الصَدَقَة. وأما الشهداء فجمع شهيد، وهو المقتول في سبيل اللَّه تعالى. وفي تسمية الشهيد قولان: أحدهما: لقيامه بشهادة الحق، حتى قتل في سبيل الله. والثاني: لأنه يشهد كرامة الله تعالى. في الآخرة. ويشهد على العباد بأعمالهم يوم القيامة إذا ختم له بالقتل في سبيل الله. وأما الصالحون فجمع صالح وفيه قولان: أحدهما: أنه كل من صلح عمله. والثاني: هو كل من صلحت سريرته وعلانيته. وأما الرفيق ففيه قولان: أحدهما: أنه مأخوذ من الرفق في العمل. والثاني: أنه مأخوذ من الرفق في السير. وسبب نزول هذه الآية على ما حكاه الحسن وسعيد بن جبير وقتادة والربيع والسدي أنَّ ناساً توهموا أنهم لا يرون الأنبياء في الجنة لأنهم في أعلى عليين، وحزنوا وسألوا النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {ولو أنا كتبنا عليهم} أي فرضنا وأوجبنا عليهم الضمير في عليهم يعود على المنافقين وقيل يعود الضمير على الكافة فيدخل فيه المنافق وغيره {أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم} يعني كما كتبنا على بني إسرائيل القتل والخروج من مصر {ما فعلوه إلاّ قليل منهم} معناه لم يفعله إلا القليل منهم نزلت في ثابت بن قيس بن شماس وذلك أن رجلاً من اليهود قال: والله لقد كتب الله علينا القتل والخروج ففعلنا فقال ثابت: والله لو كتب الله علينا ذلك لفعلنا وهو من القليل الذي استثنى الله وقيل لما نزلت هذه الآية قال عمر وعمار بن ياسر وابن مسعود وناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم القليل الذين ذكرهم الله والله لو أمرنا لفعلنا والحمد لله الذي عافانا فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : إن من أمتي لرجالاً الإيمان في قلوبهم أثبت من الجبال الرواسي" تفسير : ومن قال إن الضمير في عليهم يعود إلى المنافقين قال معنى ما فعلوه إلا قليل منهم يعني رياء وسمعة والمعنى إن ما كتبنا عليهم إلا طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم والرضا بحكمه ولو أنا كتبنا عليهم القتل والخروج من الدور والوطن ما كان فعله إلا نفر يسير منهم وقرئ {إلا قليلاً منهم} بالنصب وتقديره إلا أن يكون قليلاً منهم {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به} يعني ولو أنهم فعلوا ما كلفوا به من طاعة الرسول الله صلى الله عليه وسلم والرضا بحكمه {لكان خيراً لهم} يعني في الدنيا والآخرة وإنما سمي ذلك التكليف وعظاً لأن أوامر الله تعالى وتكاليفه مقرونة بالوعد والوعيد والثواب والعقاب وما كان كذلك يسمى وعظاً {وأشد تثبيتاً} يعني تحقيقاً وتصديقاً لإيمانهم، والمعنى أن ذلك أقرب إلى إثبات إيمانهم وتصديقهم {وإذاً لآتيناهم من لدنّا أجراً عظيماً} يعني ثواباً وافراً جزيلاً وإذاً جواب لسؤال مقدر كأنه قيل ماذا يكون من هذا الخير والتثبيت قال هو أن نؤتيهم من لدنا أجراً عظيماً {ولهديناهم صراطاً مستقيماً} قال ابن عباس معناه ولأرشدناهم إلى دين مستقيم يعني دين الإسلام وقيل معناه ولهديناهم إلى الأعمال الصالحة التي تؤدي إلى المستقيم وهو الصراط الذي يمر عليه المؤمنون إلى الجنة لأن الله تعالى ذكر الأجر العظيم أولاً ثم ذكر الصراط المستقيم بعده لأنه هو المؤدي إلى الجنة.

ابن عادل

تفسير : هذه الآيةِ مُتَّصِلَة بما تقدَّم من المُنَافِقِين، وترغيب لَهُم في تَرْكِ النِّفَاقِ، والمَعْنَى: أنَّا لو شَدَّدْنا التكلِيف على النَّاسِ؛ نحو أن نأمُرَهُم بالقَتْلِ، والخُرُوج عن الأوْطَانِ، لَصَعُبَ ذلك عليهم ولما فَعَلَهُ إلا قَلِيلٌ، وحينئذٍ يظهر كُفْرُهُم، فلم نَفْعَلْ ذلك رَحْمَةً مِنَّا على عِبَادِنا، بل اكْتَفَيْنَا بتكْلِيفِهِم في الأمُور السَّهْلَة، فَلْيَقْبَلُوهَا ولْيَترُكُوا التَّمرُّد. نزلت في ثَابت بن قَيْس بن شِمَاس، نَاظَر يهُودِيَّا. فقال اليَهُودِيّ: إن مُوسَى أمَرَنا بقَتْلِ أنْفُسِنَا فَفَعَلْنَا ذَلِك، ومحمد يأمُرُكم بالقِتَال فتكْرَهُونَهُ. فقال ثابت بن قَيْس: لو أنَّ مُحَمَّداً أمَرَنِي بقَتْل نفسي، لفَعَلْت ذلك فنزلت الآيةُ، وهو من القَلِيلِ الَّذِي اسْتَثْنَى اللَّهُ. وقال الحسن ومُقاتِل: لماّ نَزَلَت هذه الآيةُ، حديث : قال عُمَر، وعمَّار بن يَاسِر، وعبد الله بن مَسْعُود، وناسٌ من أصْحَاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم القليلُ: واللَّه لَوْ أمَرَنَا لفعلنا، فالحَمْدُ للَّه الذي عَافَانا اللَّه فبلغ ذَلِك النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، فقال "إنَّ مِنْ أمَّتِي لَرِجَالاً، الإيمانُ أثْبَتُ في قُلُوبِهِم مِنَ الجِبَالِ الرَّواسِي" . تفسير : والضَّمِيرُ في قوله: {كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ} فيه قولان: الأوّل: قال ابن عبَّاسٍ ومُجَاهِد: إنه عَائِد إلى المُنَافِقين لأنه - تعالى - كَتَبَ على بَنِي إسرائيلَ أن يَقْتُلوا أنْفُسَهم، وَكَتَب على المُهَاجِرِين أن يَخْرُجُوا من ديارِهم، فقال: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا} على هؤلاءِ المُنَافِقِين القَتْل والخُرُوجَ، ما فَعلهُ إلا قَلِيلٌ ريَاءً وسُمْعَة، وهذا اخْتِيَار الأصَمِّ والقَفَّال. [القول] الثاني: المراد: لو كَتَب اللَّه على النَّاسِ ما ذَكَر، لم يَفْعَلْه إلا قَلِيلٌ منهم، فَيَدْخُل فيه المُؤمِنُ والمُنَافِق. قوله: {أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ} "أن" فيها وجهان: أحدهما: أنها المُفَسِّرة؛ لأنَّها أتت بعد ما هُو بمعنى القَوْلِ لا حَرُوفهِ، وهو أظْهَر. الثاني: أنها مَصْدَريَّة، وما بَعْدَها من فِعْل الأمْرِ صِلَتُها، وفيه إشْكَالٌ؛ من حيث إنَّه إذا سُبك منها ومِمَّا بَعْدَها مَصْدرٌ، فأتت للدَّلالةَ [على الأمر، ألا تَرَى أنَّك إذا قُلْتَ: كتَبْتُ إلَيْه أنْ قُمْ فيه من الدَّلالَةِ] على طَلَبِ القِيَام بطريق الأمْرِ، ما لا في قَوْلِك: كَتَبْتُ إليه القِيَام، ولكنَّهمُ جَوَّزوُا ذلك واسْتَدَلُّوا بقولِهِم: كَتَبْتُ إليه بأن قُمْ. ووجه الدلالة: أن حَرْفَ الجَرِّ لا يُعَلَّق. وقرأ أبو عمرو: بكسر نُونِ "أن" وضَمّ واو "أو"، قال الزَّجَّاج: ولست أعرف لِفَصْل أبي عَمْروٍ بين هَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ خَاصيَّة إلاّ أن يَكُون رِوَايَةً. وقال غيره: أمّا كَسْر النُّونِ؛ فلأن الكَسْرَ هُو الأصْلُ في التِقَاء السَّاكِنَيْن، وأما ضَمُّ الواو فللإتبَاعِ؛ لأن الضَّمَّة في الواوِ أحسن؛ لأنَّها تُشْبِه وَاوَ الضَّمِير، نحو: {أية : ٱشْتَرُواْ ٱلضَّلاَلَةَ} تفسير : [البقرة: 16] {أية : وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ} تفسير : [البقرة: 237] وكَسَرَهُمَا حَمْزَة وعَاصِم؛ لالْتِقَاء السَّاكِنَيْن، وضَمَّهُمَا ابن كَثِير، ونَافِع [وابن عامر] والكسائي؛ للاتبَاعِ فيهما. قوله {مَّا فَعَلُوهُ}. الهاء يُحْتَمَلُ أن تكُون ضمير مَصْدر {ٱقْتُلُوۤاْ}، أو {ٱخْرُجُواْ} أي: ما فَعَلُوا القَتْل؛ أو ما فَعَلُوا الخُرُوج. وقال فَخْر الدِّين الرَّازي: تعود إلى القَتْلِ والخُرُوج معاً؛ لأنه الفِعْل جَنْسٌ وَاحِدٌ وإن اخْتَلَفَت ضُرُوبُه. قال شهاب الدِّين: وهذا بَعيدٌ لنُبُوّ الصِّنَاعة عَنْهُ، وأجَازَ أبو البقاء أن يَعُود على المكْتُوب ويَدُلُّ عليه: {كَتَبْنَا}. قوله: "إلاَّ قليلٌ" رفْعُه من وَجْهَيْن: أحدهما: أنه بَدَلٌ من فَاعِل {فَعَلُوهُ} وهو المخْتَار على النَّصْبِ؛ لأن الكلام غير مُوجِبٍ. الثاني: أنه مَعْطُوف على ذَلِكَ الضَّمِير المَرْفُوع، و"إلاَّ" حَرْف عَطْفٍ، وهذا رأي الكوفِيِّين. وقرأ ابن عامر وجَماعة: {إلاَّ قَلِيلاً} بالنَّصْب، وكذا هُو في مَصَاحِفِ أهْل الشَّامِ، ومصْحَف أنس بن مَالِكٍ، وفيه وَجْهَان: أشهرهما: أنه نَصْبٌ على الاسْتِثْنَاء وإن كان الاخْتِيَار الرَّفع؛ لأن المعنى موجُود [معه كما هُو مَوْجُود] مع النَّصْب، ويزيد عليه بمُوَافَقَة اللَّفْظِ. والثَّاني: أنه صِفَةٌ لمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، تقديره: إلا فِعْلاً قليلاً، قاله الزَّمَخْشَرِي وفيه نَظَرٌ؛ إذ الظَّاهر أن "منهم" صِفَةٌ لـ {قَلِيلاً}، ومَتَى حمل القَلِيل على غَيْر الأشْخَاصِ، يقلق هذا الترْكِيب؛ إذ لا فَائِدَة حينئذٍ في ذكر "منهم". قال أبو علي الفَارِسي: الرَّفْع أقْيَس، فإن مَعْنَى ما أتَى أحَدٌ إلا زَيْد، [وما أتَانِي إلا زَيْد] واحِدٌ؛ فكما اتَّفَقُوا في قَوْلِهِم: ما أتَاني إلا زَيْدٌ، على الرَّفع، وجب أن يكُون قَوْلهُم: ما أتَانِي أحَدٌ إلا زَيْدُ بِمَنْزِلَتِهِ. قوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ} تقدم الكَلاَم على نَظِيره، و"ما" في {مَا يُوعَظُونَ} [موصولة] اسميَّة. والباء في: "بِهِ" يُحْتَمل أن تكُون المُعَدِّية دَخَلَتْ على الموعُوظ به [والموعوظ به] على هَذَا هو التَّكَالِيفُ من الأوَامِرِ والنَّوَاهِي، وتُسَمَّى أوَامِر اللَّه [تعالى] ونَوَاهِيه مَوَاعِظ؛ لأنها مقْتِرَنَةٌ بالوَعْد والوَعيد، وأن تكون السَّبَبِيَّة، والتقدير: ما يُوعَظُون بسببه أي: بسبب تَرْكِهِ، ودلَّ على التَّرْكِ المحذوف قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ} [واسم "كان" ضمير عَائِدٌ على الفِعْل المفْهُومَ من قوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ}] أي: لكَان فِعْل ما يُوعظون به، و"خَيْراً" خبرها، و"شَيئاً" تَمْييز لـ "أشَدَّ"، والمعْنَى: أشَدّ تَحْقِيقاً وتَصْديقاً لإيمانهم. قوله: "وإذن": حرف جَوَابٍ وجَزَاء، وهل هَذَان المعْنَيَانِ لازمَان لها، أو تكُون جَوَابَاً فَقَطْ؟ قولان: الأوّل: قَوْل الشلوبين تَبَعاً لظَاهِر قول سيبَويْه. والثاني: قول الفَارِسيِّ؛ فإذا قال القَائِلُ: أزُورُك غَدَا، فقلت: إذْن أكرِمُكَ، فهي عِنْدَهُ جَوَابٌ وجَزَاء، وإذا قُلْتَ: إذن أظُنُّكَ صَادِقاً، كانت حَرْف جَوَاب فَقَط، وكأنه أخذ هَذَا من قرينَةِ الحَالِ، وقد تقدَّم أنها من النَّواصِبِ للمُضَارع بِشُرُوطِ ذُكِرَت. وقال أبو البقاء: و"إذَنْ" جواب مُلْغَاة، فظاهر هذه العِبَارَةِ موافِقٌ لقَوْل الفَارسِيِّ [وفيه نَظَر؛ لأن الفارسِيّ] لا يقُول في مِثْل هذه الآية إنَّها جَوابٌ فَقَطْ، وكَونهَا جَوَاباً يَحْتَاجُ إلى شيء مُقَدَّرٍ. قال الزَّمَخْشَرِيّ: "وإذن" - جواب لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ؛ كأنه قيل: وماذَا يكُون لَهُمْ بعد التَّثْبِيتِ أيضاً؟ فقيل: لو تَثَبَّتُوا لآتَيْنَاهُم؛ لأن "إذَنْ" جوابٌ وجَزَاءٌ. و{مِّن لَّدُنَّـآ}: فيه وَجْهَان: أظهرهما: أنه مُتعلِّق [بـ {وَءَاتَيْنَاهُمْ}. والثاني: أنه مُتَعَلِّق] بمحْذُوفٍ؛ لأنه حالٌ من "أجْراً" لأنَّه في الأصْلِ صِفَة نكرة قُدِّمَت عليها. و"أجْراً" مَفْعُول ثانٍ لـ "ءَاتَيْنَاهُم"، و{صِرَاطاً} مَفْعول ثانٍ لـ {لَهَدَيْنَاهُمْ}. فصل قال الجُبَّائِي: دَلَّت هذه الآيَةُ على أنَّه - تعالى - لمَّا لم يُكَلِّفْهُم ما يَثْقُلُ عَلَيْهم، فبأن لا يَكَلِّفَهُم ما لا يُطِيقُونَ أوْلَى. والجواب: إنَّما لم يُكَلَّفُهم بهذه الأشْيَاء الشَّاقَّة؛ لأنَّه لو كَلَّفَهُم بها لما فَعَلُوهَا، ولو لم يَفْعلُوهَا، لوقَعُوا في العَذَاب، ثم إنَّه - تعالى - عَلِم من أبِي جَهْلٍ وأبِي لَهَبٍ عدم الإيمانِ، وأنهم لا يسْتَفِيدُون من التَّكْلِيفِ إلاَّ العِقَاب الدَّائِم، ومع ذلِك فإنَّهُ كَلَّفَهُم الإيمَان فلمَّ كان جَوَاباً عن هَذَا، فهو جوابٌ عما ذكَرْت. فصل: دلالة الآية على عظم الآجر دلَّت هذه الآيةُ على عِظَمِ هذا الأجْرِ من وُجُوه: أحدُها: أنه ذَكَر نَفْسه بصيغة العَظَمَةِ، وهو قوله: {لآتَيْنَاهُمْ مِّن لَّدُنَّـآ} والمُعْطِي الحكيم إذا ذكَر نَفْسَه (باللَّفْظِ الدَّالِّ على) العظمة، وهو قوله: {وَءَاتَيْنَاهُم} عند الوَعْد بالعَطِيَّة - دلَّ على عِظَم تَِلْك العَطِيَّة. وثانيها: قوله: {مِّن لَّدُنَّـآ} هذا التَّخصيص يَدُلُّ على المُبَالَغَةِ، كما في قوله: {أية : وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً} تفسير : [الكهف: 65]. وثالثها: أنه وَصَفَ الأجْرَ بكَوْنِهِ عَظِيماً، والذي وَصَفَهُ أعْظَم العُظَمَاء بالعَظَمَةِ، لا بد وأن يكُون في نِهَاية العِظَم، قال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : [فيها] ما لاَ عَيْنٌ رَأتْ، ولا أذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَر على قَلْبِ بَشَر ". تفسير : والمراد بـ "الصراط المستقيم": هو الدِّين الحَقّ؛ لقوله: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم}. وقيل: الصِّرَاط هو الطَّريق من عرصة القيامة إلى الجَنَّة؛ لأنه - تعالى - ذكَرَهُ بعد الثَّوابِ والأجْرِ، وأمَّا الدِّين الحَقّ فهو مُتَقَدِّم على الثَّوَابِ والأجْرِ، وصِرَاط القِيَامَةِ يكُون بعد اسْتِحْقَاق الأجْرِ، فكان حَمْلُه عليه في هَذَا الموضِع أولى.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏ {‏ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم‏} ‏ هم يهود، يعني والعرب كما أمر أصحاب موسى عليه السلام أن يقتل بعضهم بعضاً بالخناجر‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سفيان في قوله ‏ {‏ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم‏} ‏ قال‏:‏ نزلت في ثابت بن قيس بن شماس، وفيه أيضاً ‏ {‏وآتوا حقه يوم حصاده‏}‏‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال‏:‏ افتخر ثابت بن قيس بن شماس ورجل من اليهود فقال اليهودي‏:‏ والله لقد كتب الله علينا، أن اقتلوا أنفسكم، فقتلنا أنفسنا فقال ثابت‏:‏ والله لو كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم، لقتلنا أنفسنا‏.‏ فأنزل الله في هذا ‏{‏ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً‏}.‏ وأخرج ابن جرير وابن إسحاق السبيعي قال‏:‏ لما نزلت ‏{‏ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ قال رجل‏:‏ لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏"حديث : ‏إن من أمتي لرجالاً الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن المنذر من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن زيد بن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية ‏ {‏ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم‏}‏ قال ناس من الأنصار‏:‏ والله لو كتبه الله علينا لقبلنا، الحمد لله الذي عافانا، ثم الحمد لله الذي عافانا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : الإيمان أثبت في قلوب رجال من الأنصار من الجبال الرواسي‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم من طريق هشام عن الحسن قال‏:‏ ‏ ‏حديث : لما نزلت هذه الآية ‏ {‏ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم‏} ‏ قال أناس من الصحابة‏:‏ لو فعل ربنا‏.‏‏.‏‏.‏ فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏: ‏"للإيمان أثبت في قلوب أهله من الجبال الرواسي" ‏‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن عامر بن عبدالله بن الزبير قال‏:‏ ‏‏ "حديث : ‏نزلت ‏ {‏ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ قال أبو بكر‏:‏ يا رسول الله - والله - لو أمرتني أن أقتل نفسي لفعلت‏.‏ قال‏: صدقت يا أبا بكر‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن شريح بن عبيد قال‏ ‏"حديث : ‏لما تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ‏ {‏ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم‏} ‏ أشار بيده إلى عبدالله بن رواحة فقال‏: لو أن الله كتب ذلك لكان هذا من أولئك القليل‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان في الآية قال‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏لو نزلت كان ابن أم عبد منهم ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن المنذر عن مقاتل بن حيان في الآية قال‏:‏ كان عبد الله بن مسعود من القليل الذي يقتل نفسه‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال‏:‏ عبد الله بن مسعود، وعمار بن ياسر‏:‏ يعني من أولئك القليل‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله ‏ {‏وأشد تثبيتاً‏} قال‏:‏ تصديقاً‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَـٰرِكُمْ} أي لو أوجبْنا عليهم مثلَ ما أوجبنا على بني إسرائيلَ من قتلهم أنفسَهم أو خروجهم من ديارهم حين استتابتِهم من عبادة العجلِ، و{أن} مصدريةٌ أو مفسرةٌ لأنّا كتبنا في معنى أمَرْنا {مَّا فَعَلُوهُ} أي المكتوبَ المدلولَ عليه بكتبْنا أو أحدِ مصدرَي الفعلين {إِلاَّ قَلِيلٌ مّنْهُمْ} أي إلا أناسٌ قليلٌ منهم وهم المخلِصون من المؤمنين، وروي عن عمرَ رضي الله عنه أنه قال: والله لو أمَرَنا ربُّنا لفعلْنا والحمدُ لله الذي لم يفعلْ بنا ذلك، وقيل: معنى اقتُلوا أنفسَكم تعرَّضوا بها للقتل بالجهاد، وهو بعيدٌ وقرىء إلا قليلاً بالنصب على الاستثناء أو إلا فِعلاً قليلاً {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ} من متابعة الرسولِ عليه الصلاة والسلام وطاعتِه والانقيادِ لما يراه ويحكمُ به ظاهراً وباطناً، وسُمِّيت أوامرُ الله تعالى ونواهيه مواعِظَ لاقترانها بالوعد والوعيد {لَكَانَ} أي فعلُهم ذلك {خَيْراً لَّهُمْ} عاجلاً وآجلاً {وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً} لهم على الإيمان وأبعدَ من الاضطراب فيه وأشدَّ تثبـيتاً لثواب أعمالِهم. {وَإِذاً لآتَيْنَـٰهُمْ مّن لَّدُنَّـا أَجْراً عَظِيماً} جوابٌ لسؤال مقدرٍ كأنه قيل: وماذا يكون لهم بعد التثبـيتِ؟ فقيل: وإذن لو ثبتوا لآتيناهم فإن إذن جوابٌ وجزاءٌ. {وَلَهَدَيْنَـٰهُمْ صِرٰطاً مُّسْتَقِيماً} يصِلون بسلوكه إلى عالم القدسِ [والطهارة] ويفتح لهم أبوابَ الغيبِ، قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : من عمِل بما علِم ورَّثه الله تعالى علمَ ما لم يعلَمْ» تفسير : {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ} كلامٌ مستأنفٌ فيه فضلُ ترغيبٍ في الطاعة ومزيدُ تشويقٍ إليها ببـيان أن نتيجتَها أقصى ما يَنتهي إليه هممُ الأممِ وأرفعُ ما يمتدُّ إليه أعناقُ عزائمِهم من مجاورة أعظمِ الخلائقِ مقداراً وأرفعِهم مناراً، متضمِّنٌ لتفسير ما أُبهم في جواب الشرطيةِ السابقةِ وتفصيل ما أُجمل فيه، والمرادُ بالطاعة هو الانقيادُ التامُّ والامتثالُ الكاملُ لجميع الأوامرِ والنواهي {فَأُوْلَـئِكَ} إشارةٌ إلى المطيعين، والجمعُ باعتبار معنى مَنْ كما أن الإفرادَ في فعل الشرطِ باعتبار لفظِها، وما فيه من معنى البُعد مع القُرب في الذكر للإيذان بعلوّ درجتِهم وبُعد منزلتِهم في الشرف، وهو مبتدأٌ خبرُه {مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم} والجملةُ جوابُ الشرطِ وتركُ ذكرِ المنعَمِ به للإشعار بقصور العبارةِ عن تفصيله وبـيانِه {مّنَ ٱلنَّبِيّيْنَ} بـيانٌ للمنعَم عليهم، والتعرّضُ لمعيّة سائرِ الأنبـياءِ عليهم الصلاةُ والسلام مع أن الكلامَ في بـيان حكمِ طاعةِ نبـيِّنا عليه الصلاة والسلام لجرَيانِ ذكرِهم في سبب النزولِ مع ما فيه من الإشارة إلى أن طاعتَه عليه الصلاةُ والسلام متضمِّنةٌ لطاعتهم لاشتمالِ شريعتِه على شرائعهم التي لا تتغيرُ بتغيّر الأعصار. رُوي أن نفراً من أصحاب رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا نبـيَّ الله إن صِرْنا إلى الجنة تفضُلُنا بدرجات النبوةِ فلا نراك. وقال الشعبـي: «حديث : جاء رجلٌ من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي فقال: "ما يُبكيك يا فلان؟" فقال: يا رسولَ الله بالله الذي لا إلٰه إلا هو لأنت أحبُّ إليّ من نفسي وأهلي ومالي وولدي وإني لأذكرُك وأنا في أهلي فيأخذُني مثلُ الجنونِ حتى أراك وذكرتُ موتي وأنك تُرفع مع النبـيـين وإني إن أُدخِلْتُ الجنةَ كنتُ في منزلة أدنى من منزلتك، فلم يرُدَّ النبـيُّ عليه الصلاة والسلام فنزلتْ» تفسير : . وروي أن ثوبانَ مولى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم كان شديدَ الحبِّ له عليه الصلاة والسلام قليلَ الصبرِ عنه فأتاه يوماً وقد تغيّر وجهُه ونحُل جِسمُه وعُرف الحزُنُ في وجهه فسأله رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن حاله فقال: يا رسولَ الله ما بـي من وجع غير إني إذا لم أرَك اشتقتُ إليك واستوحشتُ وحشةً شديدةً حتى ألقاك فذكرت الآخرةَ فخِفتُ أن لا أراك هناك لأني عرفتُ أنك ترفع مع النبـيـين وإن أُدخِلْتُ الجنةَ كنتُ في منزل دون منزلِك وإن لم أُدْخَلْ فذاك حين لا أراك أبداً، فنزلت. فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : والذي نفسي بـيده لا يؤمنُ عبدٌ حتى أكونَ أحبَّ إليه من نفسه وأبويه وأهلِه وولدِه والناسِ أجمعين»تفسير : . وحُكي ذلك عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم وروي أن أنساً قال: يا رسولَ الله الرجلْ يحب قوماً ولمّا يلحَقْ بهم، قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : المرءُ مع من أحبّ« تفسير : {وَٱلصّدّيقِينَ} أي المتقدمين في تصديقهم المبالغين في الصدق والإخلاصِ في الأقوال والأفعالِ وهم أفاضلُ أصحابِ الأنبـياءِ عليهم الصلاة والسلام وأماثلُ خواصِّهم المقربـين كأبـي بكر الصديقِ رضي الله عنه {وَٱلشُّهَدَاء} الذين بذلوا أرواحَهم في طاعة الله تعالى وإعلاءِ كلمتِه {وَٱلصَّـٰلِحِينَ} الصارفين أعمارَهم في طاعته وأموالَهم في مرضاته، وليس المرادُ بالمعية الاتحادَ في الدرجة ولا مطلقَ الاشتراكِ في دخول الجنةِ بل كونَهم فيها بحيث يتمكن كلُّ واحدٍ منهم من رؤية الآخرَ وزيارتِه متى أراد وإن بعُد ما بـينهما من المسافة {وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً} الرفيقُ الصاحبُ مأخوذ من الرِّفق وهو لِينُ الجانبِ واللَّطافةُ في المعاشرة قولاً وفعلاً، فإن جُعل {أُوْلَـٰئِكَ} إشارةً إلى النبـيـين ومَنْ بعدَهم على أن ما فيه من معنى البُعد لما مر مراراً فرفيقاً إما تميـيزٌ أو حالٌ على معنى أنهم وُصفوا بالحُسن من جهة كونِهم رُفقاءَ للمطيعين أو حالَ كونِهم رفقاءَ، وإفرادُه لما أنه كالصِّديق والخليط، والرسولُ يستوي فيه الواحدُ والمتعدد، أو لأنه أريد حُسنُ كلِّ واحدٍ منهم رفيقاً وإن جعل إشارةً إلى المطيعين فهو تميـيزٌ على معنى أنهم وُصفوا بحُسن الرفيقِ من النبـيـين ومَنْ بعدهم لا بنفس الحُسن فلا يجوز دخولُ مَنْ [بعدهم] عليه كما يجوز في الوجه الأولِ، والجملةُ تذيـيلٌ مقرِّرٌ لما قبله مؤكدٌ للترغيب والتشويقِ، قيل: فيه معنى التعجُّبِ كأنه قيل: وما أحسنَ أولئك رفيقاً، ولاستقلاله بمعنى التعجبِ قرىء وحسن بسكون السين.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ} [الآية: 66]. قال محمد بن الفضل رحمه الله: اقتلوا أنفسكم بمخالفة هواها أو اخرجوا من دياركم، يعنى أخرجوا حُبَّ الدنيا من قلوبكم، ما فعلوه إلا قليل فى العدد كثير فى المعانى، وهم أهل التوفيق والولايات الصادقة. قوله عز وجل: {مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ}. قال جعفر بن محمد الصادق رحمة الله عليه: من عرفك يا محمد بالرسالة والنبوة فقد عرفنى بالربوبية والإلهية. قال سهل رحمه الله: من يطع الرسول فى سنته فقد أطاع الله فى فرائضه. وقال أيضًا: لأهل المعرفة همة الاقتداء بالنبى صلى الله عليه وسلم. قال: من صحح الاقتداء بالنبى صلى الله عليه وسلم وألزم نفسه طاعته، أوصله الله تعالى إلى مقامات الأنبياء صلوات الله تعالى عليهم وسلامه، والصديقين والشهداء. قال الله تعالى: {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّالِحِينَ} [الآية: 69]. وقال بعضهم: لم يصل الأنبياء والصديقون إلى الرتب الأعلى بأفعالهم، ولكن أنعم الله عليهم فأوصلهم، وليس يصل أحد إلى تلك الرتب إلا بملازمة الرسول صلى الله عليه وسلم ظاهراً وباطنًا. وقال بعضهم: المتحققون فى طاعة الرسول مع الأنبياء والمقتصدون مع الشهداء والظالمون مع الصالحين. وقيل: طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم طاعة للحق عز وجل لفنائه عن أوصافه وقيامه بأوصاف الحق، وفنائه عن رسومه وبقائه بالحق ظاهراً وباطنًا، وطاعته طاعته وذكره ذكره، فيه يصل العبد إلى الحق وبمخالفته يقطع عنه.

القشيري

تفسير : أخبر عن سُقْم إخلاصهم وقوة إفلاسهم، ثم أخبر الله بعلمه بتقصيرهم. خلاهم عن كثير من الامتحانات ثم قال ولو أنهم جنحوا إلى الخدمة، وشدُّوا نطاق الطاعة لكان ذلك خيراً لهم من إصرارهم على كفرهم واستكبارهم. ولو أنهم فعلوا ذلك لآتيناهم من عندنا ثواباً عظيماً، ولأرشدناهم صراطاً مستقيماً ولأوليناهم عطاء مقيماً. والأمر - على بيان الإشارة - يرجع إلى مخالفة الهوى وذبح النفوس بمنعها عن المألوفات، والخروج من ديار (تَقَبُّل النَّفْس)، ومفارقة أوطان (إرادة) الدنيا.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ} شكى الله سبحانه عن احبائه بهذه الاية وتصيرهم من بذل نفوسهم لرضائه اعلاما منه للمحبين انهم لن تصلوا اليه الا باشر مراده على مرادهم وهذه الشكاية لا تكون من محل ايمانهم لانهم بحمد الله على الصدق والاخلاص والايمان واليقين وصلوا اليه لكن اخبر عن معارضة نفوسهم عند نزول البسا الا الاقوياء والمستقيمين فى المحبة بقوله الا قليل منهم لم اخبران قتلهم النفوس بالرياضات والمجاهدات والهجر من الخطايا والذنوب وخير ان السؤ من امارات محبة الله وقال محمد بن الفضل اقتلوا انفسكم بمخالفة اهل التوفيق والولايات الصادقة وقرن سبحانه هام المجاهدة بمقام المشاهدة وبين ان مر قصر فى واجب حقوقه لم يبلغ الى معالى الدرجات وذلك قوله تعالى {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ} اى بقاؤهم فى مشاهدة الله خير من بقائهم فى الدنيا مع نفوسهم ورهن الوصل بقتل النفوس بقوله ولو انهم فعلوا وزاد الوضوح بالاية الثانية فى شرح ما ذكرنا.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولو انا كتبنا عليهم} اى اوجبنا او فرضنا على هؤلاء المنافقين {ان اقتلوا انفسكم او اخرجوا من دياركم} كما اوجبناه على بنى اسرائيل حين طلبوا التوبة من ذنوبهم {ما فعلوه} اى المكتوب المدلول عليه بكتبنا {الا قليل منهم} الا ناس قليل منهم وهم المخلصون {ولو انهم فعلوا ما يوعظون به} من متابعة الرسول وطاعته والمشى تحت رايته والانقياد لما يراه ويحكم به ظاهرا وباطنا وسميت اوامر الله ونواهيه مواعظ لاقترانها بالوعد والوعيد والترغيب والترهيب {لكان} اى فعلهم ذلك {خيرا لهم} اى احمد عاقبة فى الدارين {واشد تثبيتا} لهم على الايمان وابعد من الاضطراب فيه.

الطوسي

تفسير : القراءة، والحجة: قرأ ابن عامر وحده {إلا قليلاً} بالنصب، وكذلك هو في مصاحف أهل الشام. الباقون بالرفع. وقيل: إن النصب قراءة أبي، فمن رفع فعلى البدل من المضمر كأنه قال: ما فعله إلا قليل منهم. وهذا يجوز في النفي دون الاثبات، لأنه لا يجوز أن يقول فعله إلا قليل منهم، لأن الفعل ليس للقليل في الاثبات كما هو لهم في النفي. وقال الكسائي: ارتفع بالتكرار. والمعنى ما فعلوه ما فعله إلا قليل. ومن نصب فانه قال: الاستثناء بعد تمام الكلام، لأن قوله: {ما فعلوه} كلام تام كما أن قولك فعل القوم كلام تام. فاستثنى بعده، ولم يجعل ما بعد إلا عليه الاعتماد. والوجه الرفع، لأن الفعل لهم. فهو أدل على المعنى. وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائي {إن اقتلوا} بضم النون وبضم الواوفي قوله: {أو اخرجوا} وقرأ عاصم وحمزة بكسرهما وكسر النون. وضم الواو أبو عمرو. فمن ضمهما فلان الثالث مضموم أنبع الضمة. ومن كسرهما فعلى أصل الحركة لالتقاء الساكنين. وأبو عمرو ضم الواو تشبيهاً بواو {أية : اشتروا الضلالة } {أية : ولا تنسوا الفضل بينكم }. تفسير : المعنى: ومعنى قوله: {ولو أنا كتبنا عليهم} أي لو أنا ألزمناهم وأوجبنا عليهم {أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم} أي لو كتبنا عليهم ذلك - كما أوجبنا على قوم موسى وقتلوا أنفسهم وأخرجهم إلى التيه - ما فعله هؤلاء للمشقة التي فيه مع أنه كان ينبغي أن يفعلوه، لما لهم فيه من الحظ، لأنا لم نكن لنأمرهم به إلا لما تقتضيه الحكمة، وما فيه من المصلحة مع تسهيلنا تكليفهم وتيسيرنا عليهم، فما يقعدهم عنه مع تكامل أسباب الخير فيه وسهولة طريقه؟ ولو فعلوا ما يوعظون به أي ما يؤمرون به، لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً. وقيل في معناه قولان: أحدهما - ان البصيرة أثبت من اعتقاد الجهالة لما يعتري فيها من الحيرة واضطراب النفس الذي يتميز من حال المعرفة بسكون النفس إليه. الثاني - ان اتباع الحق أثبت منفعة لأن الانتفاع بالباطل يضمحل بما يعقب من المضرة وعظيم الحسرة. فالاول لأجل البصيرة. والثاني لأجل دوام المنفعة. وقال البلخي معنى الآية أنه لو فرض الله عليهم قتل أنفسهم كما فرض على قوم موسى عندما التمسوا أن يتوب عليهم أو الخروج من ديارهم ما فعلوه. فاذا لم يفرض عليهم ذلك، فليفعلوا ما أمروا به مما هو أسهل عليهم منه، فان ذلك خير لهم وأشد تثبيتاً لهم على الايمان. وفي الدعاء اللهم ثبتنا على ملة رسولك. ومعناه اللهم الطف لنا ما نثبت معه على التمسك بطاعة رسولك والمقام على ملته.

الجنابذي

تفسير : {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا} فرضنا {عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ} كفّارة لذنوبكم كما كتبنا على بنى اسرائيل بعد عبادتهم للعجل {أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ} بالجلاء {مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ} تفضيح بليغ لهم ببيان انّ حالهم فى اتّخاذهم العجل باغواء سامريّهم اقبح واقوى فى الشّقاء من قوم موسى (ع) فانّهم ندموا وتابوا وبعد ندمهم كتبنا عليهم القتل ففعلوا وهؤلاء لا يندمون ولو ندموا لا يفعلون ما كتب عليهم {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ} من الرّجوع الى الكتاب والى قولك فى علىّ (ع) ومن الرّجوع اليه والرّضا بحكومته والتّسليم له بعد التّندّم وطلب الاستغفار منه {لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً} لاقدامهم على الاسلام.

اطفيش

تفسير : {وَلَو أَنَّا كَتَبنَا عَلَيهِم أَنِ اقتُلُوا أَنفُسَكُم أَوِ اخرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلٌ مِنهُم}: فالقليل ثابت وعمر وابن مسعود وعمار وأبو بكر ونحوهم، وقد روى مالك أن أبا بكر قال مثلما قال ثابت. قال ابن رشيد: لا شك أن أبا بكر من القليل المستثنى، ولا أحق بهذه الصفة منه، وتفسير القليل منهم بهؤلاء ونحوهم يدل أن الهاء فى {كَتَبنَا عَلَيهِم} عائدة الى الأمة بخلاف واو ويؤمنون، فانه للأمة وللذين يزعمون أنهم آمنوا. وعن الزبير: لا أحسب أن قوله تعالى: {أية : فلا وربك لا يؤمنون }تفسير : الى {أية : تسليما } تفسير : نزل إلا فى وفى حاطب لشأن الشراج الحرة، وكانت أرض الزبير أولا تلى الوادى، وبعده أرض حاطب، فالزبير أولى بالماء حتى يتم السقى، والشراج: مسيل الماء والمفرد شرجة باسكان الراء، والحرة الأرض ذات الحجارة والجدر حائط الأرض، وكتبنا: فرضنا، وأن مفسرة لتقدم الجملة التى فيها معنى القول دون حروفه، وهى كتبنا، ومن أجل دخول أن المصدرية إلا من أجاز كونها مصدرية، والمصدر مفعول كتبنا، أى كتبنا عليهم القتل، ومعنى اقتلوا أنفسكم: جاهدوا فى سبيل الله، فان الجهاد سبب القتل، أو ليقتل كل واحد نفسه، وهذا أولى، لأن الذى يقل فاعله كما قال إلا قليل، وانما تخلص من التقاء الساكنين بضم نون وواو، أو اتباعا للتاء والراء، وإجراء لهما مجرى همزة الوصل من الأمر المضموم العين ضما لازما، وفى الواو شبه بواو الجمع فى نحو قوله تعالى: {أية : ولا تنسوا الفضل بينكم }تفسير : وقرأ أبو عمرو، ويعقوب بكسر نون ان وضم الواو، وقرأ حمزة وعاصم بكسر النون والواو، والكسر على الأصل فى التخلص من التقاء الساكنين، والهاء فى فعلوه عائدة الى القتل المأول به اقتلوا، على أن أن المصدرية، والمعلوم من اقتلوا على أن مفسرة، والى الخروج من اخرجوا كذلك، لأن اخرجوا معطوف على اقتلوا، وأفردت لتأويلهما بالعود، أى ما فعلوا القتل، لو كتب عليهم، ولا الخروج لو أمروا به، فهذا وجه اعتبارهما معا فى الضمير، مع أن العطف بأو، ويجوز أن يكون الافراد لمعنى أحدهما، أى ما فعلوا أحدهما لو أمروا به. وقرأ ابن عامر: إلا قليلا بالنصب على الاستثناء، كما يدل عليه قراءة الجمهور بالرفع على الابدال، من واو فعلوه، فان المراد فى الرفع إلا ناس قليل وهم الراسخون فى ايمانهم، بخلاف ما لو جعلنا النصب على المفعولية مطلقة، فان المراد بالقليل حينئذ غير الناس، بل الفعل أى إلا فعلا قليلا، وكذا لو جعلناه على الظرفية، فان المراد به الزمان، أى إلا زمانا قليلا، ولكن هذا لا يصح إلا على أن المراد بالقتل الجهاد. {وَلَو أَنَّهُم فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ}: من متابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطوع والرغبة، لا بالقهر أو المداراة، وسمى التكليف وعظا لاقترانه بالوعد والوعيد. {لَكَانَ}: بجعلهم له. {خَيرًا}: أفضل مما هو حسن أيضا فى زعمهم، أو كان حسنا أو كان منفعة. {لَهُم}: فى الدنيا والآخرة، ويدل للتفضيل فضل مناسبة قوله: {وَأَشَدَّ تَثبِتًا}: فان فعلهم ذلك يثبتهم، لأنه يحصل لهم به علم، وينتفى به عنهم الشك، أو تثبيتهم عصمتهم من الشيطان، أو يثبت ثواب أعمالهم، واذا لم يفعلوا صح لهم تثبيت ثواب عملهم غير تثبيت أشد، لأنهم يثابون فى الدنيا حنيئذ.

اطفيش

تفسير : {وَلَوْ أنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ} فى التوبة {أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} كما أمرنا بنى إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم، أو ادخلوا فى الجهاد الذى هو من أسباب القتل {أوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم} كما أمرنا بنى إسرائيل حين عبدوا العجل أن يخرجوا من مصر توبة {مَّا فَعَلُوهُ} ما فعلوا أحدهما المأمور به فى التوبة، أو ما فعلوا المكتوب {إلاّ قَلِيلٌ مِّّنْهُمْ} وهم المخلصون، قال أبو بكر، وعمر وعبد الله بن رواحة، وابن مسعود، وعمار، وثابت بن قيس، وغيرهم: لو أمرنا لقتلنا أنفسنا، وفى الحديث: حديث : إن الإيمان أثبت فى قلوب رجال من أمتى من الجبال فى مراسيهاتفسير : ، وقد سهلنا لهم التوبة بدون الخروج من الديار وقتل الأنفس، ولم نشدد عليهم كما شددنا على بنى إسرائيل، ولم يتوبوا وقد تابت بنو إسرائيل بذلك التشديد، وقتل سبعون ألفاً منهم أنفسهم {وَلَوْ أنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ} من أتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم {لَكَانَ} فعلهم ذلك {خَيْراً لَهُمْ} نفعاً أو حسناً بفتحتين وغيره قبيح، أو أحسن من عدم الفعل على أن فى عدمه حسنا بضم فإسكان {وَأشدَّ تَثْبِيتاً} لهم فى الدين، ولثواب أعمالهم، لأنه، أعنى فعل ما يوعظون به، شد لتحصيل العلم، ونفى الشك والطاعة تدعو إلى أمثالها، والواقع منها فى وقت يدعو على المواظبة عليه، روى أبو نعيم عن أنس عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من عمل بما علم أورثه الله تعالى بعلم ما لم يعلم"تفسير : ، والآية فى شأن المنافق بشر واليهودى، وتقدمت قصتهما، وقيل الآية والتي قبلها فى حاطب ابن ابى بلتعة، أو ثعلبة بن حاطب، أو حاطب بن رشد، أو ثابت بن قيس، خاصم لزبير بن العوام فى شراج من الحرة كانا يسقيان بها النخل، ونخل الزبير أسبق، لها، فقال صلى الله عليه وسلم، "حديث : اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك" تفسير : ، فقال حاطب، لأن كان ابن عمتك، يتلوّن صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم "حديث : اسق يا زبير، ثم احبس الماء إلى الجدر، واستوف حقك ثم أرسله إلى جارك" تفسير : ، أمر الزبير بترك بعض حقه، ولم يعرف حاطب ذلك، فبين له أن الحل أن يسقى الزبير حتى يصل الماء، الجدر ليعلم الحق، وأنه تفضل عليه لا انتقام، والشراج مسيل الماء من الحرة إلى السهل، والحرة أرض ذات حجارة سود، وفى الحديث الإصلاح بالنقص من حق صاحب الحق بدون إعلامه وإرضائه للإدلال على الذى له الحق، إذا علم أنه يرضى، أو ذلك لأنه صلى الله عليه وسلم أحق بمال أمته، وقال قتادة لمن قضى صلى الله عليه وسلم، فقال حاطب: لابن عمته ولوى شدقه، فقال يهودى: إنه آمن به وأنكر حكمه، قاتله الله.

الالوسي

تفسير : {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ} أي فرضنا وأوجبنا {أَنِ ٱقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ} أي كما أمرنا بني إسرائيل وتفسير ذلك بالتعرض له بالجهاد بعيد {أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَـٰرِكُمْ} كما أمرنا بني إسرائيل أيضاً بالخروج من مصر. والمراد إنما كتبنا عليهم إطاعة الرسول والانقياد لحكمه والرضا به ولو كتبنا عليهم القتل والخروج من الديار كما كتبنا ذلك على غيرهم {مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مّنْهُمْ} وهم المخلصون من المؤمنين كأبـي بكر رضي الله تعالى عنه. فقد أخرج ابن أبـي حاتم عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: «حديث : لما نزلت هذه الآية قال أبو بكر يا رسول الله لو أمرتني أن أقتل نفسي لفعلت فقال: صدقت يا أبا بكر» تفسير : وكعبد الله بن رواحة، فقد أخرج عن شريح بن عبيد «حديث : أنها لما نزلت أشار صلى الله عليه وسلم إليه بيده فقال: لو أن الله تعالى كتب ذلك لكان هذا من أولئك القليل»، تفسير : وكابن أم عبد، فقد أخرج عن سفيان «حديث : أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال فيه لو نزلت كان منهم»، تفسير : وأخرج عن الحسن قال: «لما نزلت هذه الآية قال أناس من الصحابة: لو فعل ربنا لفعلنا فبلغ ذلك النبـي صلى الله عليه وسلم فقال: حديث : للإيمان أثبت في قلوب أهله من الجبال الرواسي»تفسير : وروي أن عمر رضي الله تعالى عنه قال: «والله لو أمرنا لفعلنا فالحمد لله الذي عافانا فبلغ ذلك النبـي صلى الله عليه وسلم فقال: حديث : إن من أمتي لرجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي»تفسير : . وفي بعض الآثار أن الزبير وصاحبه لما خرجا بعد الحكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم مرا على المقداد فقال: لمن القضاء؟ فقال الأنصاري: لابن عمته ولوى شدقه ففطن يهودي كان مع المقداد فقال: قاتل الله تعالى هؤلاء يشهدون أنه رسول الله ويتهمونه في قضاء يقضى بينهم وأيم الله تعالى لقد أذنبنا ذنباً مرة في حياة موسى عليه السلام فدعانا إلى التوبة منه، وقال: اقتلوا أنفسكم ففعلنا فبلغ قتلانا سبعين ألفاً في طاعة ربنا حتى رضي عنا؛ فقال ثابت بن قيس: أما والله إن الله تعالى ليعلم مني الصدق لو أمرني محمد صلى الله عليه وسلم أن أقتل نفسي لقتلتها، وروي أن قائل ذلك هو وابن مسعود وعمار بن ياسر، وأنه بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم فقال: «حديث : والذي نفسي بيده إن من أمتي رجالاً الإيمان في قلوبهم أثبت من الجبال الرواسي وإن الآية نزلت فيهم»تفسير : ، وفي رواية البغوي / الاقتصار على ثابت بن قيس، وعلى هذا الأثر وجه مناسبة ذكر هذه الآية مما لا يخفى، وكأنه لذلك قال صاحب «الكشاف» في معناها: «لو أوجبنا عليهم مثل ما أوجبنا على بني إسرائيل من قتلهم أنفسهم، أو خروجهم من ديارهم حين استتيبوا من عبادة العجل ما فعلوه إلا قليل»، وقال بعضهم: إن المراد أننا قد حففنا عليهم حيث اكتفينا منهم في توبتهم بتحكيمك والتسليم له ولو جعلنا توبتهم كتوبة بني إسرائيل لم يتوبوا، والذي يفهم من فحوى الأخبار المعول عليها أن هذه الكتابة لا تعلق لها بالاستتابة، ولعل المراد من ذكر ذلك مجرد التنبيه على قصور كثير من الناس ووهن إسلامهم إثر بيان أنه لا يتم إيمانهم إلا بأن يسلموا حق التسليم، وظاهر ما ذكره الزمخشري من أن بني إسرائيل أمروا بالخروج حين استتيبوا مما لا يكاد يصح إذا أريد بالديار الديار المصرية لأن الاستتابة من عبادة العجل إنما كانت بعد الخروج منها وبعد انفلاق البحر ـ وهذا مما لا امتراء فيه ـ على أنا لا نسلم أنهم أمروا بالخروج استتابة في وقت من الأوقات، وحمل الذلة على الخروج من الديار لأن ذل الغربة مثل مضروب في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مّن رَّبّهِمْ وَذِلَّةٌ} تفسير : [الأعراف: 152] لا يفيد إذ الآية لا تدل على الأمر به والنزاع فيه على أن في كون هذه الآية في التائبين من عبادة العجل نزاعاً، وقد حقق بعض المحققين أنها في المصرين المستمرين على عبادته كما ستعلمه إن شاء الله تعالى؛ والعجب من صاحب «الكشف» كيف لم يتعقب كلام صاحب «الكشاف» بأكثر من أنه ليس منصوصاً في القرآن، ثم نقل كلامه في الآية. هذا والكلام في {لَوْ} هنا أشهر من نار على علم، وحقها كما قالوا: أن يليها فعل، ومن هنا قال الطبرسي: «التقدير لو وقع كتبنا عليهم»، وقال الزجاج: إنها وإن كان حقها ذلك إلا أن إن الشديدة تقع بعدها لأنها تنوب عن الاسم والخبر فنقول ظننت أنك عالم كما تقول: ظننتك عالماً أي ظننت علمك ثابتاً فهي هنا نائبة عن الفعل والاسم كما أنها هناك نائبة عن الاسم والخبر، وضمير الجمع في {عَلَيْهِمْ} وما بعده قيل: للمنافقين ونسب إلى ابن عباس ومجاهد، واعترض بأن فعل القليل منهم غير متصور إذ هم المنافقون الذين لا تطيب أنفسهم بما دون القتل بمراتب، وكل شيء دون المنية سهل، فكيف تطيب بالقتل ويمتثلون الأمر به؟ وأجيب بأن المراد لو كتبنا على المنافقين ذلك ما فعله إلا قليل منهم رياءاً وسمعة وحينئذٍ يصعب الأمر عليهم وينكشف كفرهم، فإذ لم نفعل بهم ذلك بل كلفناهم الأشياء السهلة فليتركوا النفاق وليلزموا الإخلاص، ونسب ذلك للبلخي. ولا يخفى أن قوله صلى الله عليه وسلم في عبد الله بن رواحة: «حديث : لو أن الله تعالى كتب ذلك لكان منهم»تفسير : وكذا غيره من الأخبار السالفة تأبـى هذا التوجيه غاية الإباء لأنها مسوقة للمدح، ولا مدح في كون أولئك المذكورين من القليل الذين يمتثلون الأمر رياءاً وسمعة بل ذلك غاية في الذم لهم وحاشاهم، وقيل: للناس مطلقاً، والقلة إضافية لأن المراد بالقليل المؤمنون وهم وإن كثروا قليلون بالنسبة إلى من عداهم من المنافقين، والكفرة المتمردين {أية : وَمَا أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} تفسير : [يوسف: 103] وحينئذٍ لا يرد أنه يلزم من الآية كون بني إسرائيل أقوى إيماناً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث امتثلوا أمر الله تعالى لهم بقتل أنفسهم حتى بلغ قتلاهم سبعين ألفاً، ولا يمتثله لو كان من الصدر الأول إلا قليل ومن الناس من جعل الآية بياناً لكمال اللطف بهذه الأمة حيث إنه لا يقبل القتل منهم إلا القليل لأن الله تعالى يعفو عنهم بقتل قليل ولا يدعهم أن يقتل الكثير كبني إسرائيل لا أنهم لا يفعلون كما فعل بنو إسرائيل لقلة المخلصين فيهم وكثرة المخلصين في بني إسرائيل ليلزم التفضيل. وقيل: يحتمل أن يكون قتل كثير من بني إسرائيل لأنهم لو لم ينقادوا لأهلكهم عذاب الله تعالى، وهذه / الأمة مأمونون إلى يوم القيامة فلا يقدمون كما أقدموا لعدم خوف الاستئصال لا لأنهم دون، وأن بني إسرائيل أقوى منهم إيماناً، وأنت تعلم أن الآية بمراحل عن إفادتها كمال اللطف، والسباق والسياق لا يشعران به أصلاً، وأن خوف الاستئصال وعدمه مما لا يكاد يخطر ببال كما لا يخفى على من عرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال، والضمير المنصوب في {فَعَلُوهُ} للمكتوب الشامل للقتل والخروج لدلالة الفعل عليه، أو هو عائد على القتل والخروج وللعطف ـ بأو ـ لزم توحيد الضمير لأنه عائد لأحد الأمرين، وقول الإمام الرازي: إن الضمير عائد إليهما معاً بالتأويل تنبو عنه الصناعة، و {قَلِيلٌ} لكون الكلام غير موجب بدل من الضمير المرفوع في {فَعَلُوهُ}، وقرأ ابن عامر {إِلاَّ قَلِيلاً} بالنصب وجعله غير واحد على أنه صفة لمصدر محذوف، والاستثناء مفرغ أي ما فعلوه إلا فعلاً قليلاً، و ـ من ـ في {مِنْهُمْ } حينئذٍ للابتداء على نحو ما ضربته إلا ضرباً منك مبرحاً، وقال الطيبـي: إنها بيان للضمير في ـ فعلوا ـ كقوله تعالى: {أية : لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ} تفسير : [المائدة: 73] على التجريد وليس بشيء، وكأن الذي دعاهم إلى هذا والعدول عن القول بنصبه على الاستثناء أن النصب عليه في غير الموجب غير مختار، فلا يحمل القرآن عليه ـ كما يشير إليه كلام الزجاج ـ حيث قال: النصب جائز في غير القرآن لكن قال ابن الحاجب: لا بعد في أن يكون أقل القراء على الوجه الأقوى، وأكثرهم على الوجه الذي هو دونه بل التزم بعض الناس أنه يجوز أن يجمع القراء غير الأقوى وحققه الحمصي، وقيل: بل يكون إجماعهم دليلاً على أن ذلك هو القوي لأنهم هم المتفننون الآخذون عن مشكاة النبوة، وأن تعليل النحاة غير ملتفت إليه. ورجح بعضهم أيضاً النصب على الاستثناء هنا بأن فيه توافق القراءتين معنى وهو مما يهتم به، وبأن توجيه الكلام على غيره لا يخلو عن تكلف ودغدغة، وقرأ أبو عمرو ويعقوب ـ أن اقتلوا ـ بكسر النون على الأصل في التخلص من الساكنين، و {أَوِ ٱخْرُجُواْ} بضم الواو للاتباع، والتشبيه بواو الجمع في نحو {أية : وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} تفسير : [البقرة: 237]، وقرأ حمزة وعاصم بكسرهما على الأصل، والباقون بضمهما وهو ظاهر، و {أن} كيفما كانت نونها إما مفسرة ـ لأنا كتبنا ـ في معنى أمرنا ولا يضر تعديه بعلى لأنه لم يخرج عن معناه، ولو خرج فتعديه باعتبار معناه الأصلي جائز كما في ـ نطقت الحال بكذا ـ حيث تعدى الفعل بالباء مع أنهم قد يريدون به دل وهو يتعدى بعلى. وإن أبيت هذا ولا أظن قلنا: إنه بمعنى أو حيناً وإما مصدرية وهو الظاهر ولا يضر زوال الأمر بالسبك لأنه أمر تقديري. {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ} أي ما يؤمرون به مقروناً بالوعد والوعيد من متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم والانقياد إلى حكمه ظاهراً وباطناً {لَكَانَ} فعلهم ذلك {خَيْراً لَّهُمْ} عاجلاً وآجلاً {وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً} لهم على الحق والصواب وأمنع لهم من الضلال وأبعد من الشبهات كما قال سبحانه: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى} تفسير : [محمد: 17]، وقيل: معناه أكثر انتفاعاً لأن الانتفاع بالحق يدوم ولا يبطل لاتصاله بثواب الآخرة، والانتفاع بالباطل يبطل ويضمحل ويتصل بعقاب الآخرة.

ابن عاشور

تفسير : لم يظهر وجه اتّصاله بما قبله ليعطف عليه، لأنّ ما ذكر هنا ليس أولى بالحكم من المذكور قبله، أي ليس أولى بالامتثال حتّى يقال: لو أنّا كلّفناهم بالرضا بما هو دون قطع الحقوق لما رضوا، بل المفروض هنا أشدّ على النفوس ممّا عصوا فيه. فقال جماعة من المفسّرين: وجه اتّصالها أنّ المنافق لمّا لم يرض بحكم النبي صلى الله عليه وسلم وأراد التحاكم إلى الطاغوت، وقالت اليهود: ما أسخف هؤلاء يؤمنون بمحمّد ثم لا يرضون بحكمه، ونحن قد أمَرنَا نبيئُنا بقتل أنفسنا ففعلنْا وبلغت القتلى منّا سبعين ألفاً؛ فقال ثابت بن قيس بن شماس: لو كتب ذلك علينا لفعلنا، فنزلت هذه الآية تصديقاً لثابت بن قيس، ولا يخفى بعده عن السياق لأنّه لو كان كذلك لما قيل {ما فعلوه إلاّ قليل منهم} بل قيل: لفعله فريق منهم. وقال الفخر: هي توبيخ للمنافقين، أي لو شدّدنا عليهم التكليف لما كان من العجب ظهور عنادهم، ولكنّا رحمناهم بتكليفهم اليسر فليْتركوا العناد. وهي على هذا الوجه تصلح لأن تكون تحريضاً للمؤمنين على امتثال الرسول وانتفاء الحرج عنهم من أحكامه، فإنّه لم يكلّفهم إلاّ اليسر، كلّ هذا محمول على أنّ المراد بقتل النفوس أن يقتل أحد نفسه بنفسه. وعندي أنّ ذكر ذلك هنا من براعة المقطع تهيئة لانتقال الكلام إلى التحريض على الجهاد الآتي في قوله: {أية : يا أيّها الذين آمنوا خذوا حذركم} تفسير : [النساء: 71] وأنّ المراد بــــ {اقتلوا أنفسكم}: ليقتل بعضكم بعضاً فإنّ المؤمنين يقاتلون قومهم وأقاربهم من المشركين في الجهاد المأمور به بدليل قوله: {ولو أنّهم فعلوا ما يوعظون به} الآية. والمراد بالخروج من الديار الهجرة، أي كتبنا عليهم هجرة من المدينة، وفي هذا تنويه بالمهاجرين والمجاهدين. وقرأ الجمهور {إلاّ قليل} ــــ بالرفع ــــ على البدل من الواو في {ما فعلوه} على الاستثناء. وقرأه ابن عامر ــــ بالنصب ــــ على أحد وجهي الاستثناء من الكلام المنفي. ومعنى {ما يوعظون به} علم من قوله: {أية : فأعرض عنهم وعظهم}تفسير : [النساء: 63]، أي ما يؤمرون به أمر تحذير وترقيق، أي مضمون ما يوعظون لأنّ الوعظ هو الكلام والأمر، والمفعول هو المأمور به، أي لو فعلوا كلّ ما يبلّغهم الرسول، ومن ذلك الجهاد والهجرة. وكونُه خيراً أنّ فيه خير الدنيا لأنّ الله يعلم وهم لا يعلمون. ومعنى كونه {أشدّ تثبيتاً} يحتمل أنّه التثبيت على الإيمان وبذلك فسّروه ويحتمل عندي أنّه أشدّ تثبيتاً لهم، أي لبقائهم بين أعدائهم ولعزّتهم وحياتهم الحقيقية فإنّهم إنّما يكرهون القتال استبقاء لأنفسهم، ويكرهون المهاجرة حبّاً لأوطانهم، فعلّمهم الله أنّ الجهاد والتغرب فيه أو في غيره أشدّ تثبيتاً لهم، لأنّه يذود عنهم أعداءهم، كما قال الحصين بن الحُمَام:شعر : تأخَّرْتُ أسْتَبْقِي الحياة فلم أجد لنفسي حياةً مثلَ أن أتقدّما تفسير : وممّا دلّ على أنّ المراد بالخير خير الدنيا، وبالتثبيت التثبيت فيها، قوله عاطفاً عليه {وإذاً لآتيناهُم من لَدُنَّا أجراً عظيماً}. وجملة {وإذاً لآتيناهم من لدنّا} معطوفة على جواب (لو)، والتقدير: لكان خيراً وأشدّ تثبيتاً ولآتيناهم الخ، ووجود اللام التي تقع في جواب (لو) مؤذن بذلك. وأمّا واو العطف فلوصل الجملة المعطوفة بالجملة المعطوف عليها. وأمّا (إذَاً) فهي حرف جواب وجزاء، أي في معنى جواب لكلام سبقها ولا تختصّ بالسؤال، فأدخلت في جواب (لو) بعطفها على الجواب تأكيداً لمعنى الجزاء، فقد أجيبت (لو) في الآية بجوابين في المعنى لأنّ المعطوف على الجواب جواب، ولا يحسن اجتماع جوابين إلاّ بوجود حرف عطف. وقريب ممّا في هذه الآية قول العنبري في الحماسة:شعر : لو كنتُ من مازن لم تستبح إبلي بنو اللّقيطة من ذُهل بن شيبانا إذن لقام بنصري معشر خشن عند الحفيظة إنْ ذو لوثة لاَنَا تفسير : قال المرزوقي: يجوز أن يكون (إذن لقام) جواب: (لو كنتُ من مازن) في البيت السابق كأنّه أجيب بجوابين. وجعل الزمخشري قوله: {وإذن لآتيناهم} جواب سؤال مقدّر، كأنّه: قيل وماذا يكون لهم بعد التثبيت، فقيل: وإذن لآتيناهم. قال التفتازاني: «على أن الواو للاستئناف»، أي لأنّ العطف ينافي تقدير سؤال. والحقّ أنّ ما صار إليه في «الكشّاف» تكلّف لا داعي إليه إلاّ التزام كون (إذن) حرفاً لِجواب سائل، والوجه أنّ الجواب هو ما يتلقّى به كلام آخر سواء كان سؤالاً أو شرطاً أو غيرهما. وقوله: {ولهديناهم صراطاً مستقيماً} أي لفتحنا لهم طرق العلم والهداية، لأنّ تصدّيهم لامتثال ما أمروا به هو مبدأ تخلية النفوس عن التعلق بأوهامها وعوائدها الحاجبة لها عن دَرْك الحقائق، فإذا ابتدأوا يرفضون هذه المواقع فقد استعدّوا لتلقّي الحكمة والكمالات النفسانية ففاضت عليهم المعارف تترى بدلالة بعضها على بعض وبتيسير الله صعبها بأنوار الهداية والتوفيق، ولا شكّ أنّ الطاعة مفتاح المعارف بعد تعاطي أسبابها.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 66- ولو أننا فرضنا عليهم المشقة البالغة بأن أمرناهم بالجهاد المستمر، وأن يُعرِّضوا أنفسهم للتلف، أو ينفروا من ديارهم مجاهدين دائماً، ما أطاع إلا عدد قليل، ولكن الله - سبحانه وتعالى - لا يكلف إلا ما تحتمله الطاقة، ولو أنهم فعلوا وقاموا بحقه لكان فى ذلك خير الدنيا والآخرة لهم، وهو يؤدى إلى تثبيت الإيمان، والاستقرار والاطمئنان. 67- وإذا قاموا بحق التكليف الإلهى الذى يكون فى وسعهم، لأعطاهم الله على ذلك الثواب العظيم من فضله. 68- ولكانوا بسبب إطاعتهم فيما يطيقون، قد هداهم الله إلى الطريق المستقيم الذى لا إفراط فيه ولا تفريط. 69- ومن يطع الله والرسول بالتسليم لأمرهما والرضا بحكمهما، فهو مع الذين أنعم الله عليهم بالهداية والتوفيق فى الدنيا والآخرة من أنبيائه وأتباعهم الذين صدقوهم واتبعوا مناهجهم والشهداء فى سبيل الله، والصالحين الذين صلحت سريرتهم وعلانيتهم، وما أحسن هؤلاء من رفقاء لا يشقى جليسهم، ولا يُمَلُّ حَدِيثُهُم. 70- تلك المنزلة العظيمة لمن أطاع الله ورسوله هى الفضل الكبير من الله، وهو عليم بالأعمال ومثيب عليها، ويكفى المؤمن علم الله بحاله، وهو يقوم بطاعته ويطلب مرضاته. 71- يا أيها الذين آمنوا كونوا فى حذر دائم من أعدائكم، وخذوا الأهبة لرد كيدهم، واخرجوا لقتالهم جماعات متفرقة، جماعة بعد جماعة، أو اخرجوا لهم مجتمعين.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: كتبنا عليهم: فرضنا عليهم وأوجبنا. أن اقتلوا أنفسكم: أي قتل أنفسهم. ما فعلوه إلا قليلٌ منهم: أي ما فعل القتل إلا قليل منهم. ما يوعظون به: أي ما يؤمرون به وينهون عنه. وأشد تثبيتا: أي للإِيمان في قلوبهم. الصديقين: جمع صديق: وهو من غلب عليه الصدق في أقواله وأحواله لكثرة ما يصدق ويتحرى الصدق. والشهداء: جمع شهيد: من مات في المعركة ومثله من شهد بصحة الإِسلام بالحجة والبرهان. والصالحون: جمع صالح: من أدى حقوق الله تعالى وأدى حقوق العباد، وصلحت نفسه وصلح عمله وغلب صلاحه على فساده. معنى الآيات: ما زال السياق في الحديث عن أولئِكَ النفرِ الذين يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به فقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ} أي بقتل بعضكم بعضا كما حصل ذلك لبني إسرائيل لمَا فَعَلوا كما أنا لو كتبنا عليهم أن يخرجوا من ديارهم مهاجرين في سبيلنا {مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ} منهم. ثم قال تعالى داعيا لهم مرغبا لهم في الهداية: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ} أي ما يذكرون به ترغيبا وترهيبا من أوامر الله تعالى لهم بالطاعة والتسليم لكان ذلك خيراً في الحال والمآل، {وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً} للإِيمان في قلوبهم وللطاعة على جوارحهم، لأن الإِيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية والحسنة تنتج حسنة، والسيئة تتولد عنها سيئة، ويقول تعالى: {وَإِذاً لأَتَيْنَٰهُم مِّن لَّدُنَّـآ أَجْراً عَظِيماً} يريد لو أنهم استجابوا لنا وفعلوا ما أمرناهم به من الطاعات، وتركوا ما نهيناهم عنه من المعاصي لأعطيناهم من لدنا أجراً عظيماً يوم يلقوننا ولهديناهم في الدنيا {صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} ألا وهو الإِسلام الذي هو طريق الكمال والإِسعاد في الحياتين وهدايتهم إليه هي توفيقهم للسير فيه وعدم الخروج عنه. هذا ما دلت عليه الآيات [66 - 67 - 68]. أما الآية [69] وهي قوله تعالى: {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً} فقد روى ابن جرير في تفسيره أنها نزلت حين قال بعض الصحابة يا رسول الله ما ينبغي لنا أن نفارقك في الدنيا فإنك إذا فارقتنا رفعت فوقنا فلم نرك فأنزل الله تعالى: {مَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ} الآية. وما أنعم الله تعالى عليه هو الإِيمان بالله تعالى ومعرفته عز وجل ومعرفة محابه ومساخطه والتوفيق لفعل المحاب وترك المساخط هذا في الدنيا، وأما ما أنعم به عليهم في الآخرة فهو الجوار الكريم في دار النعيم. والصديقين هم الذين آمنوا بالله ورسوله وصدقوا بكل ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبر به والشهداء جمع شهيد وهو من قتل في سبيل الله والصالحون جمع صالح وهو من أدى حقوق الله تعالى وحقوق عباده كاملة غير منقوصة وقوله تعالى: {وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً} يريد وحسن أولئك رفقاء في الجنة يستمتعون برؤيتهم والحضور في مجالسهم، لأنهم ينزلون إليهم، ثم يعودون إلى منازلهم العالية ودرجاتهم الرفيعة. وقوله تعالى: {ذٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ} يريد أن ذلك الالتقاء مع مَنْ ذكر تم لهم بفضل الله تعالى، لا بطاعتهم. وقوله {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيماً} أي بأهل طاعته وأهل معصيته وبطاعة المطيعين ومعصية العاصين، ولذلك يتم الجزاء عادلاً رحيما. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- قد يكلف الله تعالى بالشاق للامتحان والابتلاء كقتل النفس والهجرة من البلد ولكن لا يكلف بما لا يطاق. 2- الإِيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعصيات. 3- الطاعات تثمر قوة الإِيمان وتؤهل لدخول الجنان. 4- مواكبة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في الجنة ثمرة من ثمار طاعة الله والرسول صلى الله عليه وسلم.

القطان

تفسير : كتبنا: فرضنا. التثبيت: التقوية، جعل الشيء راسخاً ثابتاً. ولو أنّا فرضنا على هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أُنزل اليك والمحتكمين الى الطاغوت ان يقتلوا أنفسهم وأمرناهم بذلك، أو أن يخرجوا من ديارهم ـ ما فعلوه، الا نفر قليل منهم هم المؤمنون حقا. والمقصودُ بذلك المنافقون، وترغيبهم في الاخلاص، وترك النفاق. وهو يعني أننا لو شدّدنا التكاليف على الناس، كأن نأمرهم بقتل أنفسهم، او الخروج عن أوطانهم لصعُب ذلك عليهم. ولما فعله الا الأقلون. وحينئذ يظهر كفرهم وعنادهم. فلما لم نفعل ذلك، رحمةً منا بعبادنا، واكتفينا بتكليفهم ما يطيقون ـ كان عليهم ان يقبلوهُ ويتركوا التمرد والعناد، حتى ينالوا خير الدارين. روى الطبري في تفسيره قال: قال رجل من الصحابة لما نزلت هذه الآية: لو أمَرَنا لفعلْنا، والحمد الله الذي عافانا,. فبلغ ذلك النبيَّ الكريم، فقال: "حديث : ان من أُمتي لرجالاً، الايمانُ أَثبتُ في قلوبهم من الجبال الرواسي ". تفسير : ولو أنهم فعلوا هذا الخير العظيم وامتثلوا ما أُمروا به وأخلصوا العمل لأعطيناهم الثواب العظيم من عندنا ولهديناهم الى طريق العمل الموصل الى الفوز بسعادة الدارين. قراءات: قرأ ابن عامر وحده "إلا قليلا" بالنصب، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائي "ان اقتلوا" بضم النون. "او اخرجوا" بضم الواو. وقرأ عاصم وحمزة "ان اقتلوا انفسكم او اخرجوا" بكسر النون والواو، على الأصل بالتقاء الساكنين. وقرأ ابو عمرو ويعقوب "ان اقتلوا" بكسر النون "او اخرجوا" بضم الواو

د. أسعد حومد

تفسير : {دِيَارِكُمْ} (66) - بَعْدَ أنْ بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى أنَّ الإِيمَانَ لاَ يَتِمُّ إلاّ بِتَحْكِيمِ الرَّسُولِ، مَعَ التَّسْلِيمِ وَالانْقِيادِ لِحُكْمِهِ، ذَكَرَ هُنَا قُصُورَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ فِي ذَلِكَ، لِضَعْفِ إيمَانِهِمْ، فَقَالَ: لَوْ أنَّهُمْ أُمِرُوا بِقَتْلِ أَنْفُسِهِمْ، كَمَا أُمِرَ بَنُو إسْرَائِيلَ بِذَلِكَ تَطْهِيراً لأنْفُسِهِمْ مِنْ عِبَادَةِ العِجْلِ، أوْ لَوْ أُمِرُوا بِِالهِجْرَةِ مِنْ دِيَارِهِمْ إلى دِيَارٍ أخْرَى، لَمْ يَفْعَلُوا شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ لأنَّهُ لاَ يُوافِقُ أهْوَاءَهُمْ. فَالمُنَافِقُونَ يَعْبُدُونَ اللهَ عَلَى حَرْفٍ، فَإِنْ أصَابَهُمْ خَيْرٌ اطْمَأنُّوا بِهِ، وَإنْ نَالَهُمْ أَذًى انْقَلَبُوا عَلَى وُجُوهِهِمْ قَدْ خَسِرُوا الدُّنيا وَالآخِرَةَ. أمَّا صَادِقُو الإِيمَانِ فَإِنَّهُمْ يُطِيعُونَ اللهَ فِي كُلِّ مَا أمَرَهُمْ بِهِ، فِي السَّهْلِ وَالصَّعْبِ، وَالمَحْبُوبِ وَالمَكْرُوهِ. وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُؤْمِرُونَ بِهِ، وَتَرَكُوا مَا يُنْهَونَ عَنْهُ، لَكَانَ ذَلِكَ خَيْراً لَهُمْ مِنْ مُخَالَفَةِ الأوَامِرِ، وَارْتِكَابِ مَا يُنْهَونَ عَنْهُ، وَأشَدَّ تَصْدِيقاً وَتَثْبِيتاً لَهُمْ فِي إيمَانِهِمْ. أَشَدَّ تَثْبِيتاً - أقْرَبَ إلى ثَبَاتِ إيمَانِهِمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهنا يساوي الحق بين الأمر بقتل النفس والأمر بالإخراج من الديار، فالقتل خروج الروح من الجسد بقوة قسرية غير الموت الطبيعي، والإخراج من الديار هو الترحيل القسري بقوة قسرية خارج الأرض التي يعيش فيها الإنسان، إذن فعملية القتل قرينة لعملية الإخراج من الديار فساعة يُقتل الإنسان فهو يتألم، وساعة يخرج من وطنه فهو يتألم، وكلاهما شاق على الإنسان، ويأتي الحق بهذين الحكمين اللذين سبقا في قوم موسى عليه السلام، فالحق يقول: {أية : وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ فَتُوبُوۤاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} تفسير : [البقرة: 54]. ويقال: إن قوم موسى عندما سمعوا هذا الحكم قام سبعون ألفاً منهم بقتل أنفسهم، ونعلم أيضاً أن قوم موسى أخرجوا من ديارهم وذهبوا في التيه. يقول سبحانه وتعالى: {أية : قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [المائدة: 26]. أي لا يدخلونها ولا يملكونها. والحق هنا يوضح: أن الإسلام لم يأت بمثل ما جاءت به الشرائع السابقة التي كانت التوبة فيها تقتضي قتل النفس، تلك الشرائع التي رأت أن النفس تغوي صاحبها بمخالفة المنهج فلا بد أن يضيعها. ومن لطف الله سبحانه لم يصدر علينا مثل هذا الحكم، ولذلك فسيدنا عبد الله ابن مسعود، وسيدنا عمار بن ياسر، وثابت بن قيس؛ كل هؤلاء قالوا: والله لو أمرنا بهذا لفعلنا، وقال سيدنا عمر: والله لو أمرنا بهذا لفعلنا والحمد لله الذي لم يفعل بنا ذلك. إذن فهذا لطف، إنه بيّن لهم: لو كتبنا عليهم أن يقتلوا أنفسهم أو يخرجوا من ديارهم كما حدث لقوم موسى. ماذا كانوا يفعلون؟ لكن ربنا استجاب لدعائهم. {أية : رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} تفسير : [البقرة: 286]. لقد استجاب الحق لهم، لكن ماذا كان يحدث منكم لو كتب عليكم ذلك؟ وسبب هذه الحكاية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم له ابن عمة اسمه "الزبير بن العوام" وهو من العشرة المبشرين بالجنة، وهناك واحد آخر اسمه "حاطب بن أبي بلتعة" كانا في المدينة، ومن زار المدينة المنورة يجد هناك منطقة اسمها "الحرة" وأرضها من حجارة سوداء كأنها محروقة، وفيها بعض "الحيطان" أي: البساتين؛ لأنهم يسمون البستان "حائطاً"، فقد كانوا يخافون من طغيان السيل فيبنون حول الأرض المزروعة حائطاً، يرد عنها عنف السيل ويحدد الحيازة فيها، فكان لحاطب بن أبي بلتعة أرض زراعية منخفضة عن أرض الزبير بن العوام، فالسيل يأتي أولاً من عند أرض الزبير ثم ينزل إلى أرض حاطب، ونعلم أن الأمطار تنزل ومتفرقة في مكان ثم يتجمع الماء في جدول صغير يسمونه "شراج" ومنه يروون بساتينهم. فلما جاء السيل وأرادوا أن يرووا بساتينهم حدث خلاف بين الزبير بن العوام وحاطب بن أبي بلتعة، فأرض الزبير تعلو أرض حاطب وحاطب يريد أن تمر المياه لأرضه أولاً ثم يروي الزبير أرضه بعد ذلك. فلما تحاكما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم للزبير فقد كان الحق معه، ولم يكن الرسول ليلوي الحق لمجرد القرابة، فمن الناس من يحكم بالظلم ليشتهر بين الناس بالعدل، فقد يتخاصم ابنه مع واحد آخر والحق مع ابنه، فلكيلا يقول الناس: إنه جامل ابنه. يحكم على ابنه! وهذا ليس عدلاً؛ فالعدل أن تحكم بالحق ثم تطلب من ابنك أن يتنازل عن حقه ليصبح عطاؤه لغيره فضلاً. فالشجاعة هي أن تحكم بالحق، وهناك شجاعة أقوى وهي أن تحكم بالحق، وإن كان على نفسك، لأن الحق أعز من نفسك. ونص هذه الواقعة كما أوردها الإمام البخاري في صحيحه بسنده قال: "حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال أخبرني عروة بن الزبير أن الزبير كان يحدث أنه خاصم رجلا من الأنصار قد شهد بَدْراً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شراج من الحرة كان يسقيان به كلاهما فقال رسول الله عليه وسلم للزبير: اسقِ يا زبير ثم أرسل إلى جارك، فغضب الأنصاري، فقال: يا رسول الله آنْ كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: اسق ثم احبس حتى يبلغ الجدر فاستوعى رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ للزبير حقه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك أشار على الزبير برأي فيه سعة له وللأنصاري، فلما أحفظ الأنصاري رسول الله صلى الله عليه وسلم استوعى للزبير حقه في صريح الحكم، قال عروة: قال الزبير: والله ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ}. فلما حكم رسول الله للزبير بأن يسقي زرعه ثم يرسل الماء إلى جاره لم يعجب ذلك حاطب بن أبي بلتعة، فقال: لأن كان ابن عمتك، والعربي يقول الكلمة ويترك لنباهة السامع أن يستنبط الباقي، وكأنه يعني: حكمت له لأنه ابن عمتك. لوى شدقية، فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لحظة علمه أن ابن أبي بلتعة لم يقدر عدالة الحق والحكم.. وكان كثير من الناس ممن كانوا يتصيدون للإسلام يقولون: هو قد حكم أولاً أن يروي الزبير ثم يطلق الماء لحاطب، فلما غضب حاطب بن أبي بلتعة قال له: اسق يا زبير واستوف حقك، وخذ من الماء ما يكفيك ثم أرسله لجارك، فقالوا: لماذا حكم أولاً بأن يسقي ثم يرسل الماء إلى جاره ثم عدل في الحكم؟ الناس لم تفهم أن أرض الزبير عالية بينما أرض حاطب منخفضة، وأنتم إذا نظرتم إلى أي وادٍ؛ تجدون الخضرة والخصب في بطن الوادي وليس في السفح؛ لأن الماء وإن جاء من الأرض العالية سينزل إلى الأرض المنخفضة، وإذا رويت المنخفض أولا وأعطيته لا يصيب العالي شيء. إذن فالحكم الأول كان مبنياً على التيسير والفضل من الزبير، والحكم الثاني جاء مبنيّاً على العدل، ورسول الله بالحكم الثاني - وهو أن يستوفي الزبير حقه ويأخذ من الماء ما يكفيه - كأنه قال له: سنعدل معك بعدما كنا نجاملك، فقال الحق سبحانه وتعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً}. وإذا كان هذا هو الأمر فكيف لو فعلنا بهم مثلما فعل الرسول من الأمم السابقة؟ عندما أمروهم أن يقتلوا أنفسهم أو أن يخرجوا من ديارهم، هذا الحكم لم ينفذه إلا عدد قليل منهم وهم الثابتون في الإيمان. وهكذا نعلم أن الحق لم يخل الأمة من ممتثلين ملتزمين يؤدون أمر الله كما يجب. {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ} ولو فرضنا أن الله قال: اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ثم بعد ذلك فعلوه لوجدوا في ذلك الخير عما كان في بالهم؛ لأن الناس يجب أن تفطن إلى أن تسأل نفسها ما غاية المؤمن حين يؤمن بإله؟ وما غاية هذا الإيمان؟ أنت في دنياك تعيش مع أسباب الله المخلوقة لك، وحين تنتقل إلى الله تعيش مع المسبب، فما الذي يحزنك عندما قال لك: اقتل نفسك؟ إنه قال لك: اقتل نفسك لماذا؟ لأنك تنتقل للمسبب وتحيا دون تعب. إن الحكم من الله هو ارتقاء بالإنسان، ونحن في حياتنا الدنيا نجد من يدق الجرس فيأتيه الطعام، ويدق الجرس فيأتيه الشاي، ويدق الجرس فتأتيه الحلوى. لكن لا يمكن أن ترتقي الدنيا إلى أن يوجد ارتقاء بحيث إذا خطر الشيء ببال الإنسان وُجد الشيء أمامه، فلا يدق جرساً ولا يجهد نفسه، فبالله الذي يعيش في الأسباب ثم نريد أن ننقله إلى أن يعيش مع المسبب، فهل هذه تحزنه؟ لا؛ لأنهم سيجدون: خيرا أكثر. إنك: لو قارنت الأمر لوجدت الدنيا عمرها بالنسبة لك مظنون، ومحدود، ونعيمك على قدر إمكاناتك. لكنك حين تنتقل إلى لقاء الله لا تكون محدوداً، لا بعمرك ولا بامكاناتك بل تعيش زمناً ليس له حدود، وتنعم فيه على قدر سعة فضل الله. {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً}.. وهذا الخير أشد تثبيتاً لغيرهم؛ لأن من يرونهم ينفذون حكم الله. فلا بد أنهم وثقوا أنهم سيذهبون إلى خير مما عندهم. إذن فهو يثبت من بعدهم. أو المعنى: لو أنهم فعلوا ما أمروا به من اتباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وطاعته والانقياد له يراه ويحكم به لأنه الذي لا ينطق عن الهوى لكان ذلك خيرا لهم في دنياهم وأخراهم وأقوى وأشد تثبيتا واستقرار للإيمان في قلوبهم وأبعد عن الاضطراب فيه.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ} معناهُ قَضَينَا عَلَيهِمْ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 66]، بسيف الصدق والمجاهدة ومعاندتها، {أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ} [النساء: 66] بالفناء في عالم البقاء المعني، {أية : وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً}تفسير : [النساء: 65]، {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 66]، ثم الكلام هاهنا في محك نقد الإيمان وعبارة ثم قال تعالى: {مَّا فَعَلُوهُ} [النساء: 66]؛ أي: وما فعلوه إلا قليلاً من مدعي الإيمان؛ يعني: ما صح على هذا المحك إلا نقد {إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ} [النساء: 66] من قتل النفس بسيف الصدق عن شهواتها وإتباع هواها، {لَكَانَ} [النساء: 66] مقام الجهاد وشهادة النفس ونيل درجة الصديقين، {خَيْراً لَّهُمْ} [النساء: 66] من شهوات النفس واستفاء اللذات الجسمانية الحيوانية {وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً} [النساء: 66] في مقامات الروحانية وقربات الربانية، {وَإِذاً لأَتَيْنَٰهُم مِّن لَّدُنَّـآ أَجْراً عَظِيماً} [النساء: 67]؛ وهي العلوم اللدنية، {وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} [النساء: 68] للوصول إلى حضرة الربوبية بجذبات الإلهية. ثم أخبر عن فضله مع الطاعات كل على قدر الاستطاعة بقوله: {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ} [النساء: 69]، إلى قوله: {أية : وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيماً}تفسير : [النساء: 70]. والإشارة فيها: إن من يطع الله في أحكامه الأزلية وأفعال الأبدية، والرسول في مطاوعته فيما جاء به، ومتابعته في سلوك المقامات والوصول إلى القربات {فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم} [النساء: 69] في المقامات والقرب والوصول، {مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ} [النساء: 69] قم أنعم الله عليهم بالنبوة، {وَٱلصِّدِّيقِينَ} [النساء: 69]؛ وهم أرباب الوصول والوصال وقد انعم الله عليهم بالولاية {أية : أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ} تفسير : [يونس: 2]، {وَٱلشُّهَدَآءِ} [النساء: 69]؛ وهم أصحاب الجهاد والقتال وقد أنعم الله عليهم بالشهادة، {وَٱلصَّالِحِينَ} [النساء: 69]؛ وهم المستعدون للولاية وقد انعم الله عليهم بالصلاح والسداد، فأولئك هم المطيعون رزقوا معية هؤلاء، والسعادة على قدر الطاعة لله تعالى وعلى قدر المحبة لهؤلاء ومتابعتهم لسلوك المقامات والوصول إلى القربات، لقوله صلى الله عليه وسلم: "أية : من أحبَّ قوماً فهم معهم"تفسير : ، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : المرء مع من أحب"تفسير : ، وقال تعالى: {أية : قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ}تفسير : [آل عمران: 31]، {وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ} [النساء: 69]، المطيعون مثل هؤلاء الرفقاء في سلوك طريق الحق {رَفِيقاً} [النساء: 69]، فإن هذا الطريق غير مسلوك بغير رفيق من هذا الفريق.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى أنه لو كتب على عباده الأوامر الشاقة على النفوس من قتل النفوس والخروج من الديار لم يفعله إلا القليل منهم والنادر، فليحمدوا ربهم وليشكروه على تيسير ما أمرهم به من الأوامر التي تسهل على كل أحد، ولا يشق فعلها، وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي أن يلحظ العبد ضد ما هو فيه من المكروهات، لتخف عليه العبادات، ويزداد حمدًا وشكرًا لربه. ثم أخبر أنهم لو فعلوا ما يوعظون به أي: ما وُظِّف عليهم في كل وقت بحسبه، فبذلوا هممهم، ووفروا نفوسهم للقيام به وتكميله، ولم تطمح نفوسهم لما لم يصلوا إليه، ولم يكونوا بصدده، وهذا هو الذي ينبغي للعبد، أن ينظر إلى الحالة التي يلزمه القيام بها فيكملها، ثم يتدرج شيئًا فشيئًا حتى يصل إلى ما قدر له من العلم والعمل في أمر الدين والدنيا، وهذا بخلاف من طمحت نفسه إلى أمر لم يصل إليه ولم يؤمر به بعد، فإنه لا يكاد يصل إلى ذلك بسبب تفريق الهمة، وحصول الكسل وعدم النشاط. ثم رتب ما يحصل لهم على فعل ما يوعظون به، وهو أربعة أمور: (أحدها) الخيرية في قوله: { لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ } أي: لكانوا من الأخيار المتصفين بأوصافهم من أفعال الخير التي أمروا بها، أي: وانتفى عنهم بذلك صفة الأشرار، لأن ثبوت الشيء يستلزم نفي ضده. (الثاني) حصول التثبيت والثبات وزيادته، فإن الله يثبت الذين آمنوا بسبب ما قاموا به من الإيمان، الذي هو القيام بما وعظوا به، فيثبتهم في الحياة الدنيا عند ورود الفتن في الأوامر والنواهي والمصائب، فيحصل لهم ثبات يوفقون لفعل الأوامر وترك الزواجر التي تقتضي النفس فعلها، وعند حلول المصائب التي يكرهها العبد. فيوفق للتثبيت بالتوفيق للصبر أو للرضا أو للشكر. فينزل عليه معونة من الله للقيام بذلك، ويحصل له الثبات على الدين، عند الموت وفي القبر. وأيضا فإن العبد القائم بما أمر به، لا يزال يتمرن على الأوامر الشرعية حتى يألفها ويشتاق إليها وإلى أمثالها، فيكون ذلك معونة له على الثبات على الطاعات. (الثالث) قوله: { وَإِذًا لآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا } أي: في العاجل والآجل الذي يكون للروح والقلب والبدن، ومن النعيم المقيم مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. (الرابع) الهداية إلى صراط مستقيم. وهذا عموم بعد خصوص، لشرف الهداية إلى الصراط المستقيم، من كونها متضمنة للعلم بالحق، ومحبته وإيثاره والعمل به، وتوقف السعادة والفلاح على ذلك، فمن هُدِيَ إلى صراط مستقيم، فقد وُفِّقَ لكل خير واندفع عنه كل شر وضير.