٧٥ - ٱلْقِيَامَة
75 - Al-Qiyama (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
1
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: المفسرون ذكروا في لفظة {لا } في قوله: {لاَ أُقْسِمُ } ثلاثة أوجه: الأول: أنها صلة زائدة والمعنى أقسم بيوم القيامة ونظيره {أية : لّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ } تفسير : [الحديد:29] وقوله: {أية : مَا مَنَعَكَ أَن لاَ تَسْجُد} تفسير : [الأعراف:12] {أية : فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ } تفسير : [آل عمران: 159] وهذا القول عندي ضعيف من وجوه: أولها: أن تجويز هذا يفضي إلى الطعن في القرآن، لأن على هذا التقدير يجوز جعل النفي إثباتاً والإثبات نفياً وتجويزه يفضي إلى أن لا يبقى الاعتماد على إثباته ولا على نفيه وثانيها: أن هذا الحرف إنما يزاد في وسط الكلام لا في أوله، فإن قيل: (فالـ)ـكلام عليه من وجهين: الأول: لا نسلم أنها إنما تزاد في وسط الكلام، ألا ترى إلى أمرىء القيس كيف زادها في مستهل قصيدته وهي قوله:شعر : لا وأبيك ابنة العامري لا يدعى القوم أني أفر تفسير : الثاني: هب أن هذا الحرف لا يزاد في أول الكلام إلا أن القرآن كله كالسورة الواحدة لاتصال بعضه ببعض، والدليل عليه أنه قد يذكر الشيء في سورة ثم يجيء جوابه في سورة أخرى كقوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ يـَٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزّلَ عَلَيْهِ ٱلذّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ } تفسير : [الحجر: 6] ثم جاء جوابه في سورة أخرى وهو قوله: {أية : مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبّكَ بِمَجْنُونٍ } تفسير : [القلم: 2] وإذا كان كذلك، كان أول هذه السورة جارياً مجرى وسط الكلام والجواب عن الأول: أن قوله لا وأبيك قسم عن النفي، وقوله: {لاَ أُقْسِمُ } نفي للقسم، فتشبيه أحدهما بالآخر غير جائز، وإنما قلنا: إن قوله لا أقسم نفي للقسم، لأنه على وزان قولنا لا أقتل لا أضرب، لا أنصر، ومعلوم أن ذلك يفيد النفي. والدليل عليه أنه لو حلف لا يقسم كان البر بترك القسم، والحنث بفعل القسم، فظهر أن البيت المذكور، ليس من هذا الباب وعن الثاني: أن القرآن كالسورة الواحدة في عدم التناقض، فإما في أن يقرن بكل آية ما قرن بالآية الأخرى فذلك غير جائز، لأنه يلزم جواز أن يقرن بكل إثبات حرف النفي في سائر الآيات، وذلك يقتضي انقلاب كل إثبات نفياً وانقلاب كل نفي إثباتاً، وإنه لا يجوز وثالثها: أن المراد من قولنا: لا صلة أنه لغو باطل، يجب طرحه وإسقاطه حتى ينتظم الكلام، ومعلوم أن وصف كلام الله تعالى بذلك لا يجوز القول الثاني: للمفسرين في هذه الآية، ما نقل عن الحسن أنه قرأ، لأقسم على أن اللام للابتداء، وأقسم خبر مبتدأ محذوف، معناه لأنا أقسم ويعضده أنه في مصحف عثمان بغير ألف واتفقوا في قوله، ولا أقسم بالنفس اللوامة على لا أقسم، قال الحسن معنى الآية أني أقسم بيوم القيامة لشرفها، ولا أقسم بالنفس اللوامة لخساستها، وطعن أبو عبيدة في هذه القراءة وقال لو كان المراد هذا لقال: لأقسمن لأن العرب لا تقول: لأفعل كذا، وإنما يقولون: لأفعلن كذا، إلاأن الواحدي حكى جواز ذلك عن سيبويه والفراء، واعلم أن هذا الوجه أيضاً ضعيف، لأن هذه القراءة شاذة، فهب أن هذا الشاذ استمر، فما الوجه في القراءة المشهورة المتواترة؟ ولا يمكن دفعها وإلا لكان ذلك قدحاً فيما ثبت بالتواتر، وأيضاً فلا بد من إضمار قسم آخر لتكون هذه اللام جواباً عنه، فيصير التقدير: والله لأقسم بيوم القيامة، فيكون ذلك قسماً على قسم، وإنه ركيك ولأنه يفضي إلى التسلسل القول الثالث: أن لفظة لا وردت للنفي، ثم ههنا احتمالان الأول: أنها وردت نفياً لكلام ذكر قبل القسم، كأنهم أنكروا البعث فقيل: لا ليس الأمر على ما ذكرتم، ثم قيل أقسم بيوم القيامة، وهذا أيضاً فيه إشكال، لأن إعادة حرف النفي مرة أخرى في قوه: {وَلاَ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ } مع أن المراد ما ذكروه تقدح في فصاحة الكلام. الاحتمال الثاني: أن لا ههنا لنفي القسم كأنه قال: لا أقسم عليكم بذلك اليوم وتلك النفس ولكني أسألك غير مقسم أتحسب أنا لا نجمع عظامك إذا تفرقت بالموت فإن كنت تحسب ذلك فاعلم أنا قادرون على أن نفعل ذلك، وهذا القول اختيار أبي مسلم وهو الأصح، ويمكن تقدير هذا القول على وجوه أخر أحدها: كأنه تعالى يقول: {لاَ أُقْسِمُ } بهذه الأشياء على إثبات هذا المطلوب فإن هذا المطلوب أعظم وأجل من أن يقسم عليه بهذه الأشياء ويكون الغرض من هذا الكلام تعظيم المقسم عليه وتفخيم شأنه وثانيها: كأنه تعالى يقول: {لاَ أُقْسِمُ } بهذه الأشياء على إثبات هذا المطلوب، فإن إثباته أظهر وأجلى وأقوى وأحرى، من أن يحاول إثباته بمثل هذا القسم، ثم قال بعده: {أية : أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَـٰنُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ } تفسير : [القيامة: 3] أي كيف خطر بباله هذا الخاطر الفاسد مع ظهور فساده وثالثها: أن يكون الغرض منه الاستفهام على سبيل الإنكار والتقدير ألا أقسم بيوم القيامة. ألا أقسم بالنفس اللوامة على أن الحشر والنشر حق. المسألة الثانية: ذكروا في النفس اللوامة وجوهاً أحدها: قال ابن عباس: إن كل نفس فإنها تلوم نفسها يوم القيامة سواء كانت برة أو فاجرة، أما البرة فلأجل أنها لم لم تزد على طاعتها، وأما الفاجرة فلأجل أنها لم لم تشتغل بالتقوى، وطعن بعضهم في هذا الوجه من وجوه الأول: أن من يستحق الثواب لا يجوز أن يلوم نفسه على ترك الزيادة، لأنه لو جاز منه لوم نفسه على ذلك لجاز من غيره أن يلومها عليه الثاني: أن الإنسان إنما يلوم نفسه عند الضجارة وضيق القلب، وذلك لا يليق بأهل الجنة حال كونهم في الجنة، ولأن المكلف يعلم أنه لا مقدار من الطاعة إلا ويمكن الإتيان بما هو أزيد منه، فلو كان ذلك موجباً للوم لامتنع الانفكاك عنه وما كان كذلك لا يكون مطلوب الحصول، ولا يلام على ترك تحصيله والجواب: عن الكل أن يحمل اللوم على تمني الزيادة، وحينئذ تسقط هذه الأسئلة وثانيها: أن النفس اللوامة هي النفوس المتقية التي تلوم النفس العاصية يوم القيامة بسبب أنها تركت التقوى. ثالثها: أنها هي النفوس الشريفة التي لا تزال تلوم نفسها وإن اجتهدت في الطاعة، وعن الحسن أن المؤمن لا تراه إلا لائماً نفسه، وأما الجاهل فإنه يكون راضياً بما هو فيه من الأحوال الخسيسة ورابعها: أنها نفس آدم لم تزل تلوم على فعلها الذي خرجت به من الجنة وخامسها: المراد نفوس الأشقياء حين شاهدت أحوال القيامة وأهوالها، فإنها تلوم نفسها على ما صدر عنها من المعاصي، ونظيره قوله تعالى: {أية : أَن تَقُولَ نَفْسٌ يٰحَسْرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ } تفسير : [الزمر: 56] وسادسها: أن الإنسان خلق ملولا، فأي شيء طلبه إذا وجده مله، فحينئذ يلوم نفسه على أني لم طلبته، فلكثرة هذا العمل سمي بالنفس اللوامة، ونظيره قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلإنسَـٰنَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً } تفسير : [المعارج: 19 ـ 21] واعلم أن قوله لوامة، ينبىء عن التكرار والإعادة، وكذا القول في لوام وعذاب وضرار. المسألة الثالثة: اعلم أن في الآية إشكالات أحدها: ما المناسبة بين القيامة وبين النفس اللوامة، حتى جمع الله بينهما في القسم؟ وثانيها: المقسم عليه، هو وقوع القيامة فيصير حاصلة أنه تعالى أقسم بوقوع القيامة وثالثها: لم قال: {لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } ولم يقل: والقيامة، كما قال في سائر السور، والطور والذاريات والضحى؟ والجواب: عن الأول من وجوه أحدها: أن أحوال القيامة عجيبة جداً، ثم المقصود من إقامة القيامة إظهار أحوال النفوس اللوامة. أعني سعادتها وشقاوتها، فقد حصل بين القيامة والنفوس اللوامة هذه المناسبة الشدية وثانيها: أن القسم بالنفس اللوامة تنبيه على عجائب أحوال النفس على ما قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : من عرف نفسه فقد عرف ربه» تفسير : ومن أحوالها العجيبة، قوله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } تفسير : [الذاريات: 56] وقوله: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلاْمَانَةَ } تفسير : إلى قوله {أية : وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَـٰنُ } تفسير : [الأحزاب: 72] وقال قائلون: القسم وقع بالنفس اللوامة على معنى التعظيم لها من حيث إنها أبداً تستحقر فعلها وجدها واجتهادها في طاعة الله، وقال آخرون: إنه تعالى أقسم بالقيامة، ولم يقسم بالنفس اللوامة، وهذا على القراءة الشاذة التي رويناها عن الحسن، فكأنه تعالى قال: أقسم بيوم القيـامة تعظيماً لها، ولا أقسم بالنفس تحقيراً لها، لأن النفس اللوامة إما أن تكون كافرة بالقيامة مع عظم أمرها، وإما أن تكون فاسقة مقصرة في العمل، وعلى التقديرين فإنها تكون مستحقرة. وأما السؤال الثاني: فالجواب عنه ما ذكرنا أن المحققين قالوا: القسم بهذه الأشياء قسم بربها وخالقها في الحقيقة، فكأنه قيل: أقسم برب القيامة على وقوع يوم القيامة. وأما السؤال الثالث: فجوابه أنه حيث أقسم قال: {أية : وَٱلطُّورِ } تفسير : [الطور:1] {أية : وَٱلذرِيَـٰتِ } تفسير : [الذاريات: 1] وأما ههنا فإنه نفى كونه تعالى مقسماً بهذه الأشياء، فزال السؤال، والله تعالى أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} قيل: إن «لا» صلة، وجاز وقوعها في أوّل السورة؛ لأن القرآن متصل بعضه ببعض، فهو في حكم كلام واحد؛ ولهذا قد يذكر الشيء في سورة ويجيء جوابه في سورة أخرى؛ كقوله تعالى: { أية : وَقَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ } تفسير : [الحجر: 15] وجوابه في سورة أخرى: { أية : مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ } تفسير : [القلم: 2] ومعنى الكلام: أقسم بيوم القيامة؛ قاله ٱبن عباس وٱبن جبير وأبو عبيدة؛ ومثله قول الشاعر: شعر : تذكَّرتُ لَيْلَى فاعترتنِي صَبَابَةٌ فكاد صِمِيمُ القلبِ لا يَتَقَطَّعُ تفسير : وحكى أبو الليث السَّمرقنديّ: أجمع المفسرون أن معنى «لاَ أقْسِمُ»: أقسم. وٱختلفوا في تفسير «لا» قال بعضهم: «لا» زيادة في الكلام للزينة، ويجري في كلام العرب زيادة «لا» كما قال في آية أخرى: { أية : قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ } تفسير : [الأعراف: 12] يعني أن تسجد، وقال بعضهم: «لا»: ردٌّ لكلامهم حيث أنكروا البعث، فقال: ليس الأمر كما زعمتم. قلت: وهذا قول الفرّاء؛ قال الفرّاء: وكثير من النحويين يقولون «لا» صلة، ولا يجوز أن يُبدأ بجحد ثم يُجعل صلة؛ لأن هذا لو كان كذلك لم يعرف خبر فيه جحد من خبر لا جحد فيه، ولكن القرآن جاء بالرد على الذين أنكروا البعث والجنة والنار، فجاء الإقسام بالردّ عليهم في كثير من الكلام المبتدأ منه وغير المبتدأ وذلك كقولهم لا والله لا أفعل فـ «ـلا» ردٌّ لكلام قد مضى، وذلك كقولك: لا والله إن القيامة لحقّ، كأنك أكذبت قوماً أنكروه. وأنشد غير الفرّاء لامرىء القيس: شعر : فلا وأبِيكِ ٱبنةَ العامِرِيِّ لا يَدَّعِي القومُ أَنِّي أَفِرّ تفسير : وقال غُوَيَّة بن سلمى: شعر : ألا نادتْ أمامةُ بٱحتمال لتِحزُننِي فلا بِكِ ما أبالِي تفسير : وفائدتها توكيد القسم في الردّ. قال الفرّاء: وكان من لا يعرف هذه الجهة يقرأ «لأَقِسمُ» بغير ألف؛ كأنه لام تأكيد دخلت على أقسم، وهو صواب؛ لأن العرب تقول: لأقسم بالله وهي قراءة الحسن وٱبن كثير والزهريّ وٱبن هُرْمز {بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} أي بيوم يقوم الناس فيه لربّهم، ولله عز وجل أن يقسم بما شاء. {وَلاَ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ} لا خلاف في هذا بين القراء، وهو أنه أقسم سبحانه بيوم القيامة تعظيماً لشأنه ولم يقسم بالنفس. وعلى قراءة ٱبن كثير أقسم بالأولى ولم يقسم بالثانية. وقيل: {وَلاَ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ} ردّ آخر وٱبتداء قسم بالنفس اللوامة. قال الثعلبيّ: والصحيح أنه أقسم بهما جميعاً. ومعنى: «بالنَّفْسِ الَّلَّوامَةِ» أي بنفس المؤمن الذي لا تراه إلا يلوم نفسه، يقول: ما أردتُ بكذا؟ فلا تراه إلا وهو يعاتب نفسه؛ قاله ٱبن عباس ومجاهد والحسن وغيرهم. قال الحسن: هي والله نفس المؤمن، ما يُرَى المؤمن إلا يلوم نفسه: ما أردتُ بكلامي؟ ما أردتُ بأكلي؟ ما أردتُ بحديث نفسي؟ والفاجر لا يحاسب نفسه. وقال مجاهد: هي التي تلوم على ما فات وتندم، فتلوم نفسها على الشر لِم فعلته، وعلى الخير لم لا تستكثر منه. وقيل: إنها ذات اللوم. وقيل: إنها تلوم نفسها بما تلوم عليه غيرها؛ فعلى هذه الوجوه تكون اللوّامة بمعنى اللائمة، وهو صفة مدح؛ وعلى هذا يجيء القسم بها سائغاً حسناً. وفي بعض التفسير: إِنه آدم عليه السلام لم يزل لائماً لنفسه على معصيته التي أُخرج بها من الجنة. وقيل: اللوّامة بمعنى الملُومة المذمومة ـ عن ٱبن عباس أيضاً ـ فهي صفة ذمّ وهو قول من نفى أن يكون قسماً؛ إذ ليس للعاصي خَطَر يُقْسَم به، فهي كثيرة اللوم. وقال مقاتل: هي نفس الكافر يلوم نفسه، ويتحسّر في الآخرة على ما فرّط في جنب الله. وقال الفراء: ليس من نفس محسنة أو مسيئة إلا وهي تلوم نفسها؛ فالمحسن يلوم نفسه أن لو كان ٱزداد إحساناً والمسيء يلوم نفسه ألا يكون ٱرعوى عن إساءته. قوله تعالى: {أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ } فنعيدها خلقاً جديداً بعد أن صارت رُفاتاً. قال الزجاج: أقسم بيوم القيامة وبالنفس اللوّامة: ليجمعن العظام للبعث، فهذا جواب القسم. وقال النحاس: جواب القسم محذوف أي لتبعثنّ؛ ودلّ عليه قوله تعالى: {أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ } لِلإحياء والبعث. والإنسان هنا الكافر المكذّب للبعث. الآية نزلت في عديّ بن ربيعة قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم: حدّثني عن يوم القيامة متى تكون، وكيف أمرها وحالها؟ فأخبره النبيّ صلى الله عليه وسلم بذلك؛ فقال: لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقك يا محمد ولم أومن به، أو يَجمع الله العظام؟! ولهذا كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: « حديث : اللهمّ ٱكفني جارَيِ السُّوءِ عديَّ بن ربيعة، والأخنَس بن شَرِيق » تفسير : . وقيل: نزلت في عدوّ الله أبي جهل حين أنكر البعث بعد الموت. وذكر العظام والمراد نفسه كلها؛ لأن العظام قالَب الخَلْق. {بَلَىٰ} وقف حسن ثم تبتديء {قَادِرِينَ}. قال سيبويه: على معنى نجمعها قادرين، فـ «ـقادِرِين» حال من الفاعل المضمر في الفعل المحذوف على ما ذكرناه من التقدير. وقيل: المعنى بلى نقدر قادرين. قال الفراء: «قَادِرِينَ» نصب على الخروج من «نَجْمَع» أي نقدر ونقوى «قَادِرِينَ» على أكثر من ذلك. وقال أيضاً: يصلح نصبه على التكرير أي «بَلَى» فليحسبنا قادرين. وقيل: المضمر (كنا) أي كنا قادرين في الابتداء، وقد ٱعترف به المشركون. وقرأ ٱبن أبي عَبْلة وٱبن السَّمَيْقَع «بَلَى قَادِرُونَ» بتأويل نحن قادرون. {عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ} البنان عند العرب: الأصابع، واحدها بنانة؛ قال النابغة: شعر : بِمُخَضَّبٍ رَخْصٍ كأنَّ بَنَانَهُ عَنَمٌ يَكادُ مِن اللَّطَافةِ يُعْقَدُ تفسير : وقال عنترة: شعر : وأَنَّ الموتَ طَوْعَ يدِي إِذا ما وَصَلْت بَنَانَهَا بِالهِنْدُوَانِيْ تفسير : فنبّه بالبنان على بقية الأعضاء. وأيضاً فإنها أصغر العظام، فخصّها بالذكر لذلك. قال القتبيّ والزجاج: وزعموا أن الله لا يبعث الموتى ولا يقدر على جمع العظام؛ فقال الله تعالى: بلى قادرين على أن نعيد السُّلاَميّات على صغرها، ونؤلف بينها حتى تستوي، ومن قدر على هذا فهو على جمع الكبار أقدر. وقال ٱبن عباس وعامة المفسرين: المعنى: «عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ» أي نجعل أصابع يديه ورجليه شيئاً واحداً كخفّ البعير، أو كحافر الحمار، أو كظلف الخنزير، ولا يمكنه أن يعمل به شيئاً، ولكنا فرّقنا أصابعه حتى يأخذ بها ما شاء. وكان الحسن يقول: جعل لك أصابع فأنت تبسطهنّ، وتقبضهن بهنّ، ولو شاء الله لجمعهنّ فلم تتق الأرض إلا بكفيك. وقيل: أي نقدر أن نعيد الإنسان في هيئة البهائم، فكيف في صورته التي كان عليها؛ وهو كقوله تعالى: { أية : وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ. عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ } تفسير : [الواقعة: 60-61]. قلت: والتأويل الأوّل أشبه بمساق الآية. والله أعلم. قوله تعالى: {بَلْ يُرِيدُ ٱلإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ} قال ٱبن عباس: يعني الكافر يكذّب بما أمامه من البعث والحساب. وقاله عبد الرحمن بن زيد؛ ودليله: {يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلْقِيَامَةِ} أي يسأل متى يكون! على وجه الإنكار والتكذيب. فهو لا يقنع بما هو فيه من التكذيب، ولكن يأثم لما بين يديه. ومما يدل على أن الفجور التكذيب ما ذكره القُتَبِيّ وغيره: أن أعرابيًّا قصد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وشكا إليه نَقْب إبله ودَبَرها، وسَأله أن يحمله على غيرها فلم يحمله؛ فقال الأعرابيّ: شعر : أَقْسمَ بِاللَّهِ أبو حفصٍ عُمَرْ ما مَسَّها مِن نَقَبٍ ولا دَبَرْ فٱغفِـر له اللّهـمّ إنْ كان فَجَـرْ تفسير : يعني إن كان كذّبني فيما ذكرت. وعن ٱبن عباس أيضاً: يعجِّل المعصية ويسوِّف التوبة. وفي بعض الحديث قال: يقول سوف أتوب ولا يتوب؛ فهو قد أخلف فكذب. وهذا قول مجاهد والحسن وعِكرمة والسّديّ وسعيد بن جبير، يقول: سوف أتوب، سوف أتوب، حتى يأتيه الموت على أشرّ أحواله. وقال الضحاك: هو الأمل يقول سوف أعيش وأصيب من الدنيا ولا يذكر الموت. وقيل: أي يعزم على المعصية أبداً وإن كان لا يعيش إلا مدّة قليلة. فالهاء على هذه الأقوال للإنسان. وقيل: الهاء ليوم القيامة. والمعنى بل يريد الإنسان ليكفر بالحق بين يدي يوم القيامة. والفجور أصله الميل عن الحقّ. {يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلْقِيَامَةِ} أي متى يوم القيامة.
البيضاوي
تفسير : مكية وآيها أربعون آية بسم الله الرحمن الرحيم {لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } إدخال {لا } النافية على فعل القسم للتأكيد شائع في كلامهم قال امرؤ القيس:شعر : لاَ وَأَبِيكِ ابْنَةَ العَامِري لاَ يَدَّعِي القَوْمُ أَنِّي أَفِرْ تفسير : وقد مر الكلام فيه في قوله: {أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوٰقِعِ ٱلنُّجُوم}تفسير : [الواقعه: 75] وقرأ قنبل «لأقسم» بغير ألف بعد اللام وكذا روي عن البزي. {ٱ وَلاَ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ } بالنفس المتقية التي تلوم النفوس المقصرة في التقوى يوم القيامة على تقصيرها، أو التي تلوم نفسها أبداً وإن اجتهدت في الطاعة أو النفس المطمئنة اللائمة للنفس الأمارة أو بالجنس. لما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : ليس من نفس برة ولا فاجرة إلا وتلوم نفسها يوم القيامة، إن عملت خيراً قالت كيف لم أزدد وإن عملت شراً قالت يا ليتني كنت قصرت»تفسير : أو نفس آدم فإنها لم تزل تتلوم على ما خرجت به من الجنة، وضمها إلى يوم القيامة لأن المقصود من إقامتها مجازاتها. {أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَـٰنُ } يعني الجنس وإسناد الفعل إليه لأن فيهم من يحسب، أو الذي نزل فيه وهو عدي بن أبي ربيعة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر القيامة، فأخبره به فقال: «حديث : لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقكك» تفسير : أو يجمع الله هذه العُظام. {أَن لَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ } بعد تفرقها، وقرىء «أن لن يجمع» على البناء للمفعول.
ابن كثير
تفسير : قد تقدم غير مرة أن المقسم عليه إذا كان منتفياً، جاز الإتيان بلا قبل القسم لتأكيد النفي. والمقسم عليه ههنا هو إثبات المعاد، والرد على ما يزعمه الجهلة من العباد من عدم بعث الأجساد، ولهذا قال تعالى: { لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَلاَ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ } قال الحسن: أقسم بيوم القيامة، ولم يقسم بالنفس اللوامة، وقال قتادة: بل أقسم بهما جميعاً، هكذا حكاه ابن أبي حاتم وقد حكى ابن جرير عن الحسن والأعرج أنهما قرءا {لأُقْسمُ بيومِ القيامةِ} وهذا يوجه قول الحسن؛ لأنه أثبت القسم بيوم القيامة، ونفى القسم بالنفس اللوامة، والصحيح أنه أقسم بهما جميعاً؛ كما قاله قتادة رحمه الله، وهو المروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير، واختاره ابن جرير، فأما يوم القيامة فمعروف، وأما النفس اللوامة فقال قرة بن خالد عن الحسن البصري في هذه الآية: إن المؤمن والله ما نراه إلا يلوم نفسه؛ ما أردت بكلمتي، ما أردت بأكلتي، ما أردت بحديث نفسي؟ وإن الفاجر يمضي قدماً ما يعاتب نفسه. وقال جويبر: بلغنا عن الحسن أنه قال في قوله: { وَلاَ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ} قال: ليس أحد من أهل السموات والأرضين إلا يلوم نفسه يوم القيامة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن صالح بن مسلم عن إسرائيل عن سماك: أنه سأل عكرمة عن قوله: { وَلاَ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ} قال: يلوم على الخير والشر؛ لو فعلت كذا وكذا، ورواه ابن جرير عن أبي كريب عن وكيع عن إسرائيل به، وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان عن ابن جريج عن الحسن بن مسلم عن سعيد بن جبير في قوله: { وَلاَ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ} قال: تلوم على الخير والشر، ثم رواه من وجه آخر عن سعيد: أنه سأل ابن عباس عن ذلك، فقال: هي النفس اللؤوم، وقال علي بن أبي نجيح عن مجاهد: تندم على ما فات، وتلوم عليه، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: اللوامة: المذمومة، وقال قتادة: {ٱللَّوَّامَةِ}: الفاجرة. وقال ابن جرير: وكل هذه الأقوال متقاربة بالمعنى، والأشبه بظاهر التنزيل أنها التي تلوم صاحبها على الخير والشر، وتندم على ما فات. وقوله تعالى: {أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَـٰنُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ}؟ أي: يوم القيامة، أيظن أنا لا نقدر على إعادة عظامه وجمعها من أماكنها المتفرقة؟ { بَلَىٰ قَـٰدِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّىَ بَنَانَهُ} وقال سعيد بن جبير والعوفي عن ابن عباس: أن نجعله خفاً أو حافراً، وكذا قال مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والضحاك وابن جرير، ووجهه ابن جرير بأنه تعالى لو شاء لجعل ذلك في الدنيا، والظاهر من الآية أن قوله تعالى: {قَـٰدِرِينَ} حال من قوله تعالى: {نَّجْمَعَ} أي: أيظن الإنسان أنا لا نجمع عظامه؟ بل سنجمعها قادرين على أن نسوي بنانه، أي: قدرتنا صالحة لجمعها، ولو شئنا بعثناه أزيد مما كان، فنجعل بنانه، وهي أطراف أصابعه، مستوية، وهذا معنى قول ابن قتيبة والزجاج. وقوله: { بَلْ يُرِيدُ ٱلإِنسَـٰنُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ} قال سعيد عن ابن عباس: يعني: يمضي قدماً، وقال العوفي عن ابن عباس: {لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ} يعني: الأمل، يقول الإنسان: أعمل ثم أتوب قبل يوم القيامة، ويقال: هو الكفر بالحق بين يدي القيامة. وقال مجاهد: {لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ}: ليمضي أمامه راكباً رأسه، وقال الحسن: لا يلفي ابن آدم إلا تنزع نفسه إلى معصية الله قدماً قدماً، إلا من عصمه الله تعالى، وروي عن عكرمة وسعيد بن جبير والضحاك والسدي وغير واحد من السلف: هو الذي يعجل الذنوب، ويسوف التوبة، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هو الكافر يكذب بيوم الحساب، وكذا قال ابن زيد، وهذا هو الأظهر من المراد، ولهذا قال بعده: {يَسْـئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلْقِيَـٰمَةِ}؟ أي: يقول: متى يكون يوم القيامة؟ وإنما سؤاله سؤال استبعاد لوقوعه، وتكذيب لوجوده؛ كما قال تعالى: {أية : وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوْمٍ لاَّ تَسْتَـئَخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ } تفسير : [سبأ: 29 ــــ 30]. وقال تعالى ههنا: { فَإِذَا بَرِقَ ٱلْبَصَرُ} قرأ أبو عمرو بن العلاء: (برق) بكسر الراء، أي: حار، وهذا الذي قاله شبيه بقوله تعالى: {أية : لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ} تفسير : [إبراهيم: 43] أي: بل ينظرون من الفزع هكذا وهكذا، لا يستقر لهم بصر على شيء من شدة الرعب، وقرأ آخرون (برق) بالفتح، وهو قريب في المعنى من الأول، والمقصود أن الأبصار تنبهر يوم القيامة، وتخشع وتحار وتذل من شدة الأهوال، ومن عظم ما تشاهده يوم القيامة من الأمور. وقوله تعالى: { وَخَسَفَ ٱلْقَمَرُ} أي: ذهب ضوءُه { وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ} قال مجاهد: كورا، وقرأ ابن زيد عند تفسير هذه الآية: {أية : إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ } تفسير : [التكوير: 1 ــــ 2] وروي عن ابن مسعود أنه قرأ: {وَجُمِعَ بين الشَّمْسُ والقَمَرُ}. وقوله تعالى: { يَقُولُ ٱلإِنسَـٰنُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ} أي: إذا عاين ابن آدم هذه الأهوال يوم القيامة، حينئذ يريد أن يفر، ويقول: أين المفر؟ أي: هل من ملجأ أو موئل؟ قال الله تعالى: { كَلاَّ لاَ وَزَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمُسْتَقَرُّ } قال ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف: أي: لا نجاة، وهذه الآية كقوله تعالى: {أية : مَا لَكُمْ مِّن مَّلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّكِيرٍ} تفسير : [الشورى: 47] أي: ليس لكم مكان تتنكرون فيه، وكذا قال ههنا: {لاَ وَزَرَ} أي: ليس لكم مكان تعتصمون فيه، ولهذا قال: { إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمُسْتَقَرُّ} أي: المرجع والمصير. ثم قال تعالى: { يُنَبَّأُ ٱلإِنسَـٰنُ يَوْمَئِذِ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ} أي: يخبر بجميع أعماله؛ قديمها وحديثها، أولها وآخرها، صغيرها وكبيرها؛ كما قال تعالى: {أية : وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} تفسير : [الكهف: 49] وهكذا قال ههنا: { بَلِ ٱلإِنسَـٰنُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ } أي: هو شهيد على نفسه، عالم بما فعله، ولو اعتذر وأنكر، وكما قال تعالى: {أية : ٱقْرَأْ كَتَـٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} تفسير : [الإسراء: 14] وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: { بَلِ ٱلإِنسَـٰنُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ} يقول: سمعه وبصره ويداه ورجلاه وجوارحه. وقال قتادة: شاهد على نفسه، وفي رواية قال: إذا شئت والله رأيته بصيراً بعيوب الناس وذنوبهم، غافلاً عن ذنوبه. وكان يقال: إن في الإنجيل مكتوباً: يابن آدم تبصر القذاة في عين أخيك، وتترك الجِذْل في عينك لا تبصره!. وقال مجاهد: { وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ} ولو جادل عنها، فهو بصير عليها. وقال قتادة: { وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ}: ولو اعتذر يومئذ بباطل لا يقبل منه. وقال السدي: { وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ}: حجته. وكذا قال ابن زيد والحسن البصري وغيرهم، واختاره ابن جرير. وقال قتادة عن زرارة عن ابن عباس: { وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ} يقول: لو ألقى ثيابه. وقال الضحاك: ولو ألقى ستوره، وأهل اليمن يسمون الستر: العذار. والصحيح قول مجاهد وأصحابه؛ كقوله تعالى: {أية : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام:23] {أية : يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهِ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ} تفسير : [المجادلة: 18] وقال العوفي عن ابن عباس { وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ} هي الاعتذار، ألم تسمع أنه قال: {أية : لاَ يَنفَعُ ٱلظَّـٰلِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ} تفسير : [الروم: 57] وقال: {أية : وَأَلْقَوْاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ ٱلسَّلَمَ} تفسير : [النحل: 87] {أية : فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ} تفسير : [النحل: 28] وقولهم: {أية : وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 23].
المحلي و السيوطي
تفسير : {لا } زائدة في الموضعين {أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ }.
الشوكاني
تفسير : قوله: {لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } قال أبو عبيدة، وجماعة المفسرين: إن «لا» زائدة، والتقدير: أقسم. قال السمرقندي: أجمع المفسرون أن معنى {لا أقسم}: أقسم، واختلفوا في تفسير "لا"، فقال بعضهم: هي زائدة، وزيادتها جارية في كلام العرب، كما في قوله: {أية : مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ } تفسير : [الأعراف: 12] يعني: أن تسجد، و: {لّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ } [الحديد: 29] ومن هذا قول الشاعر:شعر : تذكرت ليلى فاعترتني صبابة وكاد صميم القلب لا يتقطع تفسير : وقال بعضهم: هي ردّ لكلامهم حيث أنكروا البعث كأنه قال: ليس الأمر كما ذكرتم، أقسم بيوم القيامة، وهذا قول الفرّاء، وكثير من النحويين، كقول القائل: لا والله، فلا ردّ لكلام قد تقدّمها، ومنه قول الشاعر:شعر : فلا وأبيك ابنة العامري لا يدّعى القوم أني أفر تفسير : وقيل: هي للنفي، لكن لا لنفي الإقسام، بل لنفي ما ينبيء عنه من إعظام المقسم به وتفخيمه، كأن معنى لا أقسم بكذا: لا أعظمه بإقسامي به حقّ إعظامه، فإنه حقيق بأكثر من ذلك. وقيل: إنها لنفي الإقسام لوضوح الأمر، وقد تقدّم الكلام على هذا في تفسير قوله: {أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوٰقِعِ ٱلنُّجُومِ } تفسير : [الواقعة: 75]. وقرأ الحسن، وابن كثير في رواية عنه، والزهري، وابن هرمز: "لأقسم" بدون ألف على أن اللام لام الابتداء، والقول الأوّل هو أرجح هذه الأقوال، وقد اعترض عليه الرازي بما لا يقدح في قوّته، ولا يفتّ في عضد رجحانه، وإقسامه سبحانه بيوم القيامة لتعظيمه وتفخيمه، ولله أن يقسم بما شاء من مخلوقاته. {وَلاَ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ } ذهب قوم إلى أنه سبحانه أقسم بالنفس اللوّامة، كما أقسم بيوم القيامة، فيكون الكلام في "لا" هذه كالكلام في الأولى، وهذا قول الجمهور. وقال الحسن: أقسم بيوم القيامة، ولم يقسم بالنفس اللوّامة. قال الثعلبي: والصحيح أنه أقسم بهما جميعاً، ومعنى ٱلنَّفْسَ ٱللَّوَّامَةِ: النفس التي تلوم صاحبها على تقصيره، أو تلوم جميع النفوس على تقصيرها. قال الحسن: هي والله نفس المؤمن، لا يرى المؤمن إلاّ يلوم نفسه ما أردت بكذا ما أردت بكذا، والفاجر لا يعاتب نفسه. قال مجاهد: هي التي تلوم على ما فات وتندم، فتلوم نفسها على الشرّ لم تعمله؟ وعلى الخير لم لم تستكثر منه؟ قال الفرّاء: ليس من نفس برّة ولا فاجرة إلاّ وهي تلوم نفسها، إن كانت عملت خيراً قالت: هلا ازددت، وإن كانت عملت سوءاً قالت: ليتني لم أفعل. وعلى هذا فالكلام خارج مخرج المدح للنفس، فيكون الإقسام بها حسناً سائغاً. وقيل: اللوّامة هي الملومة المذمومة، فهي صفة ذمّ، وبهذا احتج من نفى أن يكون قسماً، إذ ليس لنفس العاصي خطر يقسم به. قال مقاتل: هي نفس الكافر يلوم نفسه ويتحسر في الآخرة على ما فرط في جنب الله. والأوّل أولى. {أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَـٰنُ أَن لَنْ نَّجْمَعَ عِظَامَهُ } المراد بالإنسان الجنس. وقيل: الإنسان الكافر، والهمزة للإنكار، وأن هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن محذوف، والمعنى: أيحسب الإنسان أن الشأن أن لن نجمع عظامه بعد أن صارت رفاتاً، فنعيدها خلقاً جديداً، وذلك حسبان باطل، فإنا نجمعها، وما يدلّ عليه هذا الكلام هو جواب القسم. قال الزجاج: أقسم بيوم القيامة وبالنفس اللوّامة ليجمعنّ العظام للبعث، فهذا جواب القسم. وقال النحاس: جواب القسم محذوف، أي: ليبعثنّ، والمعنى: أن الله سبحانه يبعث جميع أجزاء الإنسان، وإنما خصّ العظام لأنها قالب الخلق. {بَلَىٰ قَـٰدِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوّىَ بَنَانَهُ } بلى إيجاب لما بعد النفي المنسحب إليه الاستفهام، والوقف على هذا اللفظ وقف حسن، ثم يبتدىء الكلام بقوله: {قَـٰدِرِينَ } وانتصاب {قادرين} على الحال، أي: بلى نجمعها قادرين، فالحال من ضمير الفعل المقدّر. وقيل المعنى: بل نجمعها نقدر قادرين. قال الفراء: أي نقدر ونقوى قادرين على أكثر من ذلك. وقال أيضاً: إنه يصلح نصبه على التكرير، أي: بلى فليحسبنا قادرين. وقيل التقدير: بلى كنا قادرين. وقرأ ابن أبي عبلة، وابن السميفع (بلى قادرون) على تقدير مبتدأ، أي: بلى نحن قادرون، ومعنى: {عَلَىٰ أَن نُّسَوّىَ بَنَانَهُ }: على أن نجمع بعضها إلى بعض، فنردّها كما كانت مع لطافتها وصغرها، فكيف بكبار الأعضاء، فنبه سبحانه بالبنان، وهي الأصابع على بقية الأعضاء، وأن الاقتدار على بعثها وإرجاعها كما كانت أولى في القدرة من إرجاع الأصابع الصغيرة اللطيفة المشتملة على المفاصل والأظافر والعروق اللطاف والعظام الدقاق، فهذا وجه تخصيصها بالذكر، وبهذا قال الزجاج، وابن قتيبة. وقال جمهور المفسرين: إن معنى الآية: أن نجعل أصابع يديه ورجليه شيئًا واحداً، كخف البعير وحافر الحمار صفيحة واحدة لا شقوق فيها، فلا يقدر على أن ينتفع بها في الأعمال اللطيفة كالكتابة والخياطة ونحوهما، ولكنا فرقنا أصابعه لينتفع بها. وقيل المعنى: بل نقدر على أن نعيد الإنسان في هيئة البهائم، فكيف في صورته التي كان عليها، والأوّل أولى، ومنه قول عنترة:شعر : وإن الموت طوع يدي إذا ما وصلت بنانها بالهندوان تفسير : فنبه بالبنان على بقية الأعضاء. {بَلْ يُرِيدُ ٱلإِنسَـٰنُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ } هو عطف على {أيحسب}، إما على أنه استفهام مثله، وأضرب عن التوبيخ بذلك إلى التوبيخ بهذا، أو على أنه إيجاب انتقل إليه من الاستفهام. والمعنى: بل يريد الإنسان أن يقدم فجوره فيما بين يديه من الأوقات، وما يستقبله من الزمان، فيقدم الذنب ويؤخر التوبة. قال ابن الأنباري: يريد أن يفجر ما امتدّ عمره، وليس في نيته أن يرجع عن ذنب يرتكبه. قال مجاهد، والحسن، وعكرمة، والسديّ، وسعيد بن جبير: يقول سوف أتوب، ولا يتوب حتى يأتيه الموت. وهو على أشرّ أحواله. قال الضحاك: هو الأمل، يقول سوف أعيش وأصيب من الدنيا، ولا يذكر الموت، والفجور أصله: الميل عن الحقّ، فيصدق على كل من مال عن الحق بقول أو فعل، ومنه قول الشاعر:شعر : أقسم بالله أبو حفص عمر ما مسها من نقب ولا دبر اغفر له اللَّهم إن كان فجر تفسير : وجملة {يَسْـئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلْقِيَـٰمَةِ } مستأنفة لبيان معنى يفجر، والمعنى: يسأل متى يوم القيامة سؤال استبعاد واستهزاء: {فَإِذَا بَرِقَ ٱلْبَصَرُ } أي: فزع وتحير، من برق الرجل: إذا نظر إلى البرق فدهش بصره. قرأ الجمهور: {برق} بكسر الراء. قال أبو عمرو بن العلاء، والزجاج وغيرهما: المعنى تحير فلم يطرف، ومنه قول ذي الرّمة:شعر : ولو أن لقمان الحكيم تعرّضت لعينيه ميّ سافرا كاد يبرق تفسير : وقال الخليل، والفراء: {برق} بالكسر: فزع وبهت وتحير، والعرب تقول للإنسان المبهوت: قد برق، فهو بارق، وأنشد الفرّاء:شعر : ونفسك فانع ولا تنعني وداو الكلوم ولا تبرق تفسير : أي: لا تفزع من كثرة الكلوم التي بك. وقرأ نافع، وأبان عن عاصم: "برق" بفتح الراء، أي: لمع بصره من شدة شخوصه للموت. قال مجاهد وغيره: هذا عند الموت، وقيل: برق يبرق شق عينيه وفتحهما. وقال أبو عبيدة: فتح الراء وكسرها لغتان بمعنى {وَخَسَفَ ٱلْقَمَرُ } قرأ الجمهور: {خسف} بفتح الخاء والسين مبنياً للفاعل. وقرأ ابن أبي إسحاق، وعيسى، والأعرج، وابن أبي عبلة، وأبو حيوة بضم الخاء وكسر السين مبنياً للمفعول، ومعنى {وخسف ٱلْقَمَرُ }: ذهب ضوؤه، ولا يعود كما يعود إذا خسف في الدنيا، ويقال: خسف: إذا ذهب جميع ضوئه، وكسف: إذا ذهب بعض ضوئه. {وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ } أي: ذهب ضوؤهما جميعاً، ولم يقل "جمعت" لأن التأنيث مجازيّ. قاله المبرد. وقال أبو عبيدة: هو لتغليب المذكر على المؤنث. وقال الكسائي: حمل على معنى جمع النيران. وقال الزجاج، والفراء: ولم يقل "جمعت" لأن المعنى جمع بينهما في ذهاب نورهما. وقيل: جمع بينهما في طلوعهما من الغرب أسودين مكوّرين مظلمين. قال عطاء: يجمع بينهما يوم القيامة، ثم يقذفان في البحر فيكونان نار الله الكبرى. وقيل: تجمع الشمس والقمر فلا يكون هناك تعاقب ليل ونهار. وقرأ ابن مسعود: "وجمع بين الشمس والقمر". {يَقُولُ ٱلإِنسَـٰنُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ } أي: يقول عند وقوع هذه الأمور: أين المفرّ؟ أي: الفرار، والمفرّ مصدر بمعنى الفرار. قال الفراء: يجوز أن يكون موضع الفرار، ومنه قول الشاعر:شعر : أين المفرّ والكباش تنتطح وكل كبش فرّ منها يفتضح تفسير : قال الماوردي: يحتمل وجهين: أحدهما ابن المفرّ من الله سبحانه استحياء منه. والثاني أين المفرّ من جهنم حذراً منها. وقرأ الجمهور: {أين المفرّ} بفتح الميم والفاء مصدراً، كما تقدّم. وقرأ ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة بفتح الميم وكسر الفاء على أنه اسم مكان، أي: أين مكان الفرار. وقال الكسائي: هما لغتان مثل مدب ومدب، ومصح ومصح، وقرأ الزهري بكسر الميم وفتح الفاء على أن المراد به الإنسان الجيد الفرار، ومنه قول امرىء القيس:شعر : مكرّ مفرّ مقبل مدبر معا كجلمود صخر حطه السيل من عل تفسير : أي: جيد الفرّ والكرّ. {كَلاَّ لاَ وَزَرَ } أي: لا جبل ولا حصن ولا ملجأ من الله. وقال ابن جبير: لا محيص ولا منعة. والوزر في اللغة: ما يلجأ إليه الإنسان من حصن أو جبل أو غيرهما، ومنه قول طرفة:شعر : ولقد تعلم بكر أننا فاضلوا الرأي وفي الروع وزر تفسير : وقال آخر:شعر : لعمري ما للفتى من وزر من الموت يدركه والكبر تفسير : قال السديّ: كانوا إذا فزعوا في الدنيا تحصنوا بالجبال، فقال لهم الله: لا وزر يعصمكم مني يومئذٍ، وكلاّ للردع أو لنفي ما قبلها، أو بمعنى حقاً {إِلَىٰ رَبّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمُسْتَقَرُّ } أي: المرجع والمنتهى والمصير لا إلى غيره. وقيل: إليه الحكم بين العباد لا إلى غيره. وقيل المستقر: الاستقرار حيث يقرّه الله {يُنَبَّأُ ٱلإِنسَـٰنُ يَوْمَئِذِ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ } أي: يخبر يوم القيامة بما عمل من خير وشرّ. وقال قتادة: بما عمل من طاعة وما أخر من طاعة فلم يعمل بها. وقال زيد بن أسلم: بما قدّم من أمواله وما خلف للورثة. وقال مجاهد: بأوّل عمله وآخره. وقال الضحاك: بما قدّم من فرض وأخر من فرض. قال القشيري: هذا الإنباء يكون يوم القيامة عند وزن الأعمال، ويجوز أن يكون عند الموت. قال القرطبي: والأوّل أظهر {بَلِ ٱلإِنسَـٰنُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ } ارتفاع بصيرة على أنها خبر الإنسان، على نفسه متعلق ببصيرة. قال الأخفش: جعله هو البصيرة، كما تقول للرجل: أنت حجة على نفسك. وقيل المعنى: إن جوارحه تشهد عليه بما عمل، كما في قوله: {أية : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } تفسير : [النور: 24] وأنشد الفرّاء:شعر : كأن على ذي العقل عينا بصيرة بمقعده أو منظر هو ناظر تفسير : فيكون المعنى: بل جوارح الإنسان عليه شاهدة. قال أبو عبيدة، والقتيبي: إن هذه الهاء في بصيرة هي التي يسميها أهل الإعراب هاء المبالغة، كما في قولهم: علامة. وقيل: المراد بالبصيرة الكاتبان اللذان يكتبان ما يكون منه من خير وشرّ، والتاء على هذا للتأنيث. وقال الحسن: أي: بصير بعيوب نفسه {وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ } أي: ولو اعتذر وجادل عن نفسه لم ينفعه ذلك. يقال: معذرة ومعاذير. قال الفرّاء: أي وإن اعتذر فعليه من يكذب عذره. وقال الزجاج: المعاذير الستور، والواحد معذار، أي: وإن أرخى الستور يريد أن يخفي نفسه فنفسه شاهدة عليه، كذا قال الضحاك، والسديّ. والستر بلغة اليمن يقال له: معذار، كذا قال المبرد، ومنه قول الشاعر:شعر : ولكنها ضنت بمنزل ساعة علينا وأطت يومها بالمعاذر تفسير : والأوّل أولى، وبه قال مجاهد، وقتادة، وسعيد بن جبير، وابن زيد، وأبو العالية، ومقاتل، ومثله قوله: {أية : يَوْمَ لاَ يَنفَعُ ٱلظَّـٰلِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ } تفسير : [غافر: 52]. وقوله: {أية : وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ } تفسير : [المرسلات: 36]. وقول الشاعر:شعر : فما حسن أن يعذر المرء نفسه وليس له من سائر الناس عاذر تفسير : {لاَ تُحَرّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ } كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرّك شفتيه ولسانه بالقرآن إذا أنزل عليه قبل فراغ جبريل من قراءة الوحي حرصاً على أن يحفظه صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية، أي: لا تحرّك بالقرآن لسانك عند إلقاء الوحي لتأخذه على عجل مخافة أن يتفلت منك، ومثل هذا قوله: {أية : وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءانِ مِن قَبْلِ إَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ }تفسير : [طه: 114] الآية، {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ } في صدرك حتى لا يذهب عليك منه شيء {وَقُرْءانَهُ } أي: إثبات قراءته في لسانك. قال الفرّاء: القراءة والقرآن مصدران. وقال قتادة: {فَٱتَّبِعْ قُرْءانَهُ } أي: شرائعه وأحكامه. {فَإِذَا قَرَأْنَـٰهُ } أي: أتممنا قراءته عليك بلسان جبريل {فَٱتَّبِعْ قُرْءانَهُ } أي: قراءته. {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ } أي: تفسير ما فيه من الحلال والحرام، وبيان ما أشكل منه. قال الزجاج: المعنى علينا أن ننزله عليك قرآناً عربياً فيه بيان للناس. وقيل المعنى: إن علينا أن نبينه بلسانك. {كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ } كلا للردع عن العجلة، والترغيب في الأناة. وقيل: هي ردع لمن لا يؤمن بالقرآن وبكونه بيناً من الكفار. قال عطاء: أي: لا يؤمن أبو جهل بالقرآن وبيانه. قرأ أهل المدينة، والكوفيون: {بل تحبون} {وتذرون} بالفوقية في الفعلين جميعاً. وقرأ الباقون بالتحتية فيهما، فعلى القراءة الأولى يكون الخطاب لهم تقريعاً وتوبيخاً، وعلى القراءة الثانية يكون الكلام عائداً إلى الإنسان لأنه بمعنى الناس، والمعنى: تحبون الدنيا، وتتركون {ٱلأَخِرَةَ } فلا تعملون لها. {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ } أي: ناعمة غضة حسنة، يقال: شجر ناضر، وروض ناضر، أي: حسن ناعم، ونضارة العيش حسنه وبهجته. قال الواحدي، والمفسرون: يقولون مضيئة مسفرة مشرقة {إِلَىٰ رَبّهَا نَاظِرَةٌ } هذا من النظر، أي: إلى خالقها ومالك أمرها ناظرة، أي: تنظر إليه، هكذا قال جمهور أهل العلم، والمراد به ما تواترت به الأحاديث الصحيحة من أن العباد ينظرون ربهم يوم القيامة، كما ينظرون إلى القمر ليلة البدر. قال ابن كثير: وهذا بحمد الله مجمع عليه بين الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة، كما هو متفق عليه بين أئمة الإسلام وهداة الأنام. وقال مجاهد: إن النظر هنا انتظار ما لهم عند الله من الثواب، وروي نحوه عن عكرمة. وقيل: لا يصح هذا إلاّ عن مجاهد وحده. قال الأزهري: وقول مجاهد خطأ؛ لأنه لا يقال: نظر إلى كذا بمعنى الانتظار، وإن قول القائل: نظرت إلى فلان ليس إلاّ رؤية عين، إذا أرادوا الانتظار قالوا: نظرته، كما في قول الشاعر:شعر : فإنكما إن تنظراني ساعة من الدهر تنفعني لدى أمّ جندب تفسير : فإذا أرادوا نظر العين قالوا: نظرت إليه، كما قال الشاعر:شعر : نظرت إليها والنجوم كأنها مصابيح رهبان تشب لفعال تفسير : وقال الآخر:شعر : إني إليك لما وعدت لناظر نظر الفقير إلى الغنيّ الموسر تفسير : أي: انظر إليك نظر ذلّ كما ينظر الفقير إلى الغنيّ، وأشعار العرب وكلماتهم في هذا كثيرة جدّاً. و{وجوه} مبتدأ، وجاز الابتداء به مع كونه نكرة؛ لأن المقام مقام تفصيل، وناضرة صفة لوجوه، ويومئذٍ ظرف لناضرة، ولو لم يكن المقام مقام تفصيل لكان وصف النكرة بقوله: {نَّاضِرَةٌ } مسوّغاً للابتداء بها، ولكن مقام التفصيل بمجرّده مسوّغ للابتداء بالنكرة. {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ } أي: كالحة عابسة كئيبة. قال في الصحاح: بسر الرجل وجهه بسوراً، أي: كلح. قال السديّ: باسرة أي: متغيرة. وقيل: مصفرّة، والمراد بالوجوه هنا وجوه الكفار {تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ } الفاقرة: الداهية العظيمة، يقال: فقرته الفاقرة، أي: كسرت فقار ظهره. قال قتادة: الفاقرة الشرّ، وقال السديّ: الهلاك، وقال ابن زيد: دخول النار. وأصل الفاقرة: الوسم على أنف البعير بحديدة، أو نار حتى تخلص إلى العظم، كذا قال الأصمعي، ومن هذا قولهم: قد عمل به الفاقرة. قال النابغة:شعر : أبا لي قبر لا يزال مقابلي وضربة فأس فوق رأسي فاقره تفسير : وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه عن سعيد بن جبير قال: سألت ابن عباس عن قوله: {لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } قال: يقسم ربك بما شاء من خلقه، قلت: {وَلاَ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ } قال: النفس اللؤوم. قلت: {أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَـٰنُ أَن لَنْ نَّجْمَعَ عِظَامَهُ بَلَىٰ قَـٰدِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوّىَ بَنَانَهُ } قال: لو شاء لجعله خفاً أو حافراً. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه. {ٱللَّوَّامَةِ } قال: المذمومة. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عنه أيضاً قال: التي تلوم على الخير والشرّ تقول: لو فعلت كذا وكذا. وأخرج ابن المنذر عنه أيضاً قال: تندم على ما فات وتلوم عليه. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً: {بَلْ يُرِيدُ ٱلإِنسَـٰنُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ } قال: يمضي قدماً. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه في الآية قال: هو الكافر الذي يكذب بالحساب. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً في الآية قال: يعني الأمل، يقول: أعمل ثم أتوب. وأخرج ابن أبي الدنيا في ذمّ الأمل، والبيهقي في الشعب عنه أيضاً في الآية قال: يقدّم الذنب ويؤخر التوبة. وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب عنه أيضاً: {بَلْ يُرِيدُ ٱلإِنسَـٰنُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ } يقول: سوف أتوب {يَسْـئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلْقِيَـٰمَةِ } قال: يقول متى يوم القيامة؟ قال: فبين له {إِذَا بَرِقَ ٱلْبَصَرُ }. وأخرج ابن جرير عنه قال: {إِذَا بَرِقَ ٱلْبَصَرُ } يعني: الموت. وأخرج عبد ابن حميد، وابن أبي الدنيا، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله: {لاَ وَزَرَ } قال: لا حصن. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله: {لاَ وَزَرَ } قال: لا حصن ولا ملجأ، وفي لفظ: لا حرز، وفي لفظ: لا جبل. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن ابن مسعود في قوله: {يُنَبَّأُ ٱلإِنسَـٰنُ يَوْمَئِذِ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ } قال: بما قدّم من عمل، وأخر من سنة عمل بها من بعده من خير أو شرّ. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس نحوه. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: بما قدّم من المعصية وأخر من الطاعة فينبؤ بذلك. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر من طرق عنه في قوله: {بَلِ ٱلإِنسَـٰنُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ } قال: شهد على نفسه وحده {وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ } قال: ولو اعتذر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه: {بَلِ ٱلإِنسَـٰنُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ } قال: سمعه وبصره ويديه ورجليه وجوارحه {وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ } قال: ولو تجرّد من ثيابه. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة، فكان يحرّك به لسانه وشفتيه مخافة أن يتفلت منه يريد أن يحفظه، فأنزل الله: {لاَ تُحَرّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءانَهُ } قال: يقول إنّ علينا أن نجمعه في صدرك ثم تقرأه {فَإِذَا قَرَأْنَـٰهُ } يقول: إذا أنزلناه عليك {فَٱتَّبِعْ قُرْءانَهُ } فاستمع له وأنصت {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ } أن نبينه بلسانك، وفي لفظ: علينا أن نقرأه، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إذا أتاه جبريل أطرق. وفي لفظ: استمع، فإذا ذهب قرأه كما وعده الله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه {فَإِذَا قَرَأْنَـٰهُ } قال: بيناه {فَٱتَّبِعْ قُرْءانَهُ } يقول: اعمل به. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن ابن مسعود في قوله: {كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ } قال: عجلت لهم الدنيا شرّها وخيرها، وغيبت الآخرة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ } قال: ناعمة. وأخرج ابن المنذر، والآجري في الشريعة، واللالكائي في السنة، والبيهقي في الرؤية عنه: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ } قال: يعني: حسنها {إِلَىٰ رَبّهَا نَاظِرَةٌ } قال: نظرت إلى الخالق. وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً: {إِلَىٰ رَبّهَا نَاظِرَةٌ } قال: تنظر إلى وجه ربها. وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبّهَا نَاظِرَةٌ } قال:«حديث : ينظرون إلى ربهم بلا كيفية، ولا حدّ محدود، ولا صفة معلومة»تفسير : وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال الناس: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: «حديث : هل تضارون في الشمس ليس دونها سحابتفسير : قالوا: لا يا رسول الله، قال:حديث : فهل تضارّون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحابتفسير : قالوا: لا يا رسول الله، قال: حديث : فإنكم ترونه يوم القيامة كذلك»تفسير : وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما من حديث أبي هريرة نحوه. وقد قدّمنا أن أحاديث الرؤية متواترة فلا نطيل بذكرها، وهي تأتي في مصنف مستقلّ، ولم يتمسك من نفاها واستبعدها بشيء يصلح للتمسك به لا من كتاب الله ولا من سنة رسوله. وقد أخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والدارقطني، والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه، وسرره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة، وعشية»تفسير : ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبّهَا نَاظِرَةٌ }. وأخرجه أحمد في المسند من حديثه بلفظ: «حديث : إن أفضلهم منزلة لينظر في وجه الله كل يوم مرّتين»تفسير : وأخرج النسائي، والدارقطني وصححه، وأبو نعيم عن أبي هريرة قال: قلنا: يا رسول الله هل نرى ربنا؟ قال: «حديث : هل ترون الشمس في يوم لا غيم فيه، وترون القمر في ليلة لا غيم فيها؟تفسير : قلنا: نعم، قال: حديث : فإنكم سترون ربكم عزّ وجلّ، حتى إن أحدكم ليحاضر ربه محاضرة، فيقول: عبدي هل تعرف ذنب كذا وكذا؟ فيقول: ألم تغفر لي؟ فيقول: بمغفرتي صرت إلى هذا».
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {لا أُقسِم بيومِ القيامةِ} اختلفوا في " لا" المبتدأ بها في أول الكلام على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها صلة دخلت مجازاً ومعنى الكلام أقسم بيوم القيامة، قاله ابن عباس وابن جبير وأبو عبيدة، ومثله قول الشاعر: شعر : تَذكّرْت ليلى فاعْتَرْتني صَبابةٌ وكاد ضمير القلْبِ لا يتَقطّع. تفسير : الثاني: أنها دخلت توكيداً للكلام كقوله: لا والله، وكقول امرىء القيس: شعر : فلا وأبيكِ ابنةَ العامريّ لا يدّعي القوم أني أَفِرْ. تفسير : قاله أبو بكر بن عياش. الثالث: أنها رد لكلام مضى من كلام المشركين في إنكار البعث، ثم ابتدأ القسم فقال: أقسم بيوم القيامة، فرقاً بين اليمين المستأنفة وبين اليمين تكون مجدداً، قاله الفراء. وقرأ الحسن: لأقْسِمُ بيوم القيامة، فجعلها لاماً دخلت على ما أُقسم إثباتاً للقسم، وهي قراءة ابن كثير. {ولا أُقْسِم بالنّفْسِ اللوّامةِ} فيه وجهان: أحدهما: أنه تعالى أقسم بالنفس اللوامة كما أقسم بيوم القيامة فيكونان قَسَمَيْن، قاله قتادة. الثاني: أنه أقسم بيوم القيامة ولم يقسم بالنفس اللوامة، قاله الحسن، ويكون تقدير الكلام: أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة. وفي وصفها باللوامة قولان: أحدهما: أنها صفة مدح، وهو قول من جعلها قسماً: الثاني: أنها صفة ذم، وهو قول من نفى أن يكون قسماً. فمن جعلها صفة مدح فلهم في تأويلها ثلاثة أوجه: أحدها: أنها التي تلوم على ما فات وتندم، قاله مجاهد، فتلوم نفسها على الشر لم فعلته، وعلى الخير أن لم تستكثر منه. الثاني: أنها ذات اللوم، حكاه ابن عيسى. الثالث: أنها التي تلوم نفسها بما تلوم عليه غيرها. فعلى هذه الوجوه الثلاثة تكون اللوامة بمعنى اللائمة. ومن جعلها صفة ذم فلهم في تأويلها ثلاثة أوجه: أحدها: أنها المذمومة، قاله ابن عباس. الثاني: أنها التي تلام على سوء ما فعلت. الثالث: أنها التي لا صبر لها على محن الدنيا وشدائدها، فهي كثيرة اللوم فيها، فعلى هذه الوجوه الثلاثة تكون اللوامة بمعنى الملومة. {أيَحْسَب الإنسان} يعني الكافر. {أنْ لن نَجْمَعَ عِظامَه} فنعيدها خلقاً جديداً بعد أن صارت رفاتاً. {بلى قادِرينَ على أنْ نُسوّيَ بَنانه} في قوله " بلى" وجهان: أحدهما: أنه تمام قوله " أن لن نجمع عظامه" أي بلى نجمعها، قاله الأخفش. الثاني: أنها استئناف بعد تمام الأول بالتعجب بلى قادرين، الآية وفيه وجهان: أحدهما: بلى قادرين على أن نسوي مفاصله ونعيدها للبعث خلقاً جديداً، قاله جرير بن عبد العزيز. الثاني: بلى قادرين على أن نجعل كفه التي يأكل بها ويعمل حافر حمار أو خف بعير، فلا يأكل إلا بفيه، ولا يعمل بيده شيئاً، قاله ابن عباس وقتادة. {بل يريد الإنسان ليَفْجُرَ أمامَه} فيه أربعة تأويلات: أحدها: معناه أن يقدم الذنب ويؤخر التوبة، قاله القاسم بن الوليد. الثاني: يمضي أمامه قدُماً لا ينزع عن فجور، قاله الحسن. الثالث: بل يريد أن يرتكب الآثام في الدنيا لقوة أمله، ولا يذكر الموت، قاله الضحاك. الرابع: بل يريد أن يكذب بالقيامة ولا يعاقب بالنار، وهو معنى قول ابن زيد. ويحتمل وجهاً خامساً: بل يريد أن يكذب بما في الآخرة كما كذب بما في الدنيا، ثم وجدت ابن قتيبة قد ذكره وقال إن الفجور التكذيب واستشهد بأن أعرابياً قصد عمر بن الخطاب وشكا إليه نقب إبله ودبرها، وسأله أن يحمله على غيرها، فلم يحمله، فقال الأعرابي: شعر : أقسم بالله أبو حفصٍ عُمَرْ ما مسّها مِن نَقَبٍ ولا دَبَرْ فاغفر له اللهم إنْ كان فجَرْ تفسير : يعني إن كان كذبني بما ذكرت. {فإذا بَرِقَ البصرُ} فيه قراءتان: إحداهما: بفتح الراء، وقرأ بها أبان عن عاصم، وفي تأويلها وجهان: أحدهما: يعني خفت وانكسر عند الموت، قاله عبد الله بن أبي إسحاق. الثاني: شخص وفتح عينه عند معاينة ملك الموت فزعاً، وأنشد الفراء: شعر : فنْفسَكَ فَانْعَ ولا تْنعَني وداوِ الكُلومَ ولا تَبْرَقِ. تفسير : أي ولا تفزع من هول الجراح. الثانية: بكسر الراء وقرأ بها الباقون، وفي تأويلها وجهان: أحدهما: عشى عينيه البرق يوم القيامة، قاله أشهب العقيلي، قال الأعشى: شعر : وكنتُ أرى في وجه مَيّةَ لمحةً فأبرِق مَغْشيّاً عليّ مكانيا. تفسير : الثاني: شق البصر، قاله أبو عبيدة وأنشد قول الكلابي: شعر : لما أتاني ابن عمير راغباً أعطيتُه عيساً صِهاباً فبرق. تفسير : {وخَسَفَ القمرُ} أي ذهب ضوؤه، حتى كأنّ نوره ذهب في خسفٍ من الأرض. {وجُمِعَ الشمسُ والقمرُ} فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه جمع بينهما في طلوعهما من المغرب [أسودين مكورين] مظلمين مقرنين. الثاني: جمع بينهما في ذهاب ضوئهما بالخسوف لتكامل إظلام الأرض على أهلها، حكاه ابن شجرة. الثالث: جمع بينهما في البحر حتى صارا نار الله الكبرى. {يقولُ الإنسانُ يومئذٍ أين المفرُّ} أي أين المهرب، قال الشاعر: شعر : أين أفِرّ والكباشُ تنتطحْ وأيّ كبشٍ حاد عنها يفتضحْ. تفسير : ويحتمل وجهين: أحدهما: " أين المفر" من الله استحياء منه. الثاني: " أين المفر" من جهنم حذراً منها. ويحتمل هذا القول من الإنسان وجهين: أحدهما: أن يكون من الكافر خاصة من عرصة القيامة دون المؤمن، ثقة المؤمن ببشرى ربه. الثاني: أن يكون من قول المؤمن والكافر عند قيام الساعة لهول ما شاهدوه منها. ويحتمل هذا القول وجهين: أحدهما: من قول الله للإنسان إذا قاله " أين المفر" قال الله له " كلاّ لا وَزَرَ" الثاني: من قول الإنسان إذا علم أنه ليس له مفر قال لنفسه " كلا لا وَزَرَ" {كلاّ لا وَزَرَ} فيه أربعة أوجه: أحدها: أي لا ملجأ من النار، قاله ابن عباس. الثاني: لا حصن، قاله ابن مسعود. الثالث: لا جبل، [قاله الحسن]. الرابع: لا محيص، قاله ابن جبير. {إلى ربِّك يومئذٍ المُسْتَقَرُّ} فيه وجهان: أحدهما: أن المستقر المنتهى، قاله قتادة. الثاني: أنه استقرار أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، قاله ابن زيد. {يُنَبّأ الإنسان يوميئذٍ بما قدَّمَ وأَخّرَ} يعني يوم القيامة وفي " بما قدم وأخر" خمسة تأويلات: أحدها: ما قدم قبل موته من خير أو شر يعلم به بعد موته، قاله ابن عباس وابن مسعود. الثاني: ما قدم من معصية، وأخر من طاعة، قاله قتادة. الثالث: بأول عمله وآخره، قاله مجاهد. الرابع: بما قدم من الشر وأخر من الخير، قال عكرمة. الخامس: بما قدم من فرض وأخر من فرض، قاله الضحاك. ويحتمل سادساً: ما قدم لدنياه، وما أخر لعقباه. {بل الإنسانُ على نَفْسِه بَصيرةٌ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنه شاهد على نفسه بما تقدم به الحجة عليه، كما قال تعالى: {اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً}. الثاني: أن جوارحه شاهدة عليه بعمله، قاله ابن عباس، كما قال تعالى: {اليوم نَخْتِمُ على أفواههم وتُكَلِّمنا أيْديهم وتشْهدُ أرجُلُهم بما كانوا يكْسِبون}. الثالث: معناه بصير بعيوب الناس غافل عن عيب نفسه فيما يستحقه لها وعليها من ثواب وعقاب. والهاء في " بصيرة" للمبالغة. {ولو أَلْقَى معاذيرَه} فيه أربعة تأويلات: أحدها: معناه لو اعتذر يومئذ لم يقبل منه، قاله قتادة. الثاني: يعني لو ألقى معاذيره أي لو تجرد من ثيابه، قاله ابن عباس. الثالث: لو أظهر حجته، قاله السدي وقال النابغة: شعر : لدىّ إذا ألقى البخيلُ معاذِرَه. تفسير : الرابع: معناه ولو أرخى ستوره، والستر بلغة اليمن معذار، قاله الضحاك، قال الشاعر: شعر : ولكنّها ضَنّتْ بمنزلِ ساعةٍ علينا وأطّت فوقها بالمعاذرِ تفسير : ويحتمل خامساً: أنه لو ترك الاعتذار واستسلم لم يُترك.
ابن عطية
تفسير : قرأ جمهور السبعة: "لا أقسم بيوم القيامة. ولا أقسم بالنفس اللوامة" وقرأ ابن كثير والحسن بخلاف عنه والأعرج "لأقسم بيوم القيامة ولأقسم بالنفس"، فأما القراءة الأولى فاختلف في تأويلها فقال ابن جبير: "لا" استفتاح كلام بمنزلة ألا وأنشدوا على ذلك [المتقارب] شعر : فلا وأبيك ابنة العامري لا يعلم القوم أني أفر تفسير : وقال أبو علي الفارسي: "لا" صلة زائدة كما زيدت في قوله {أية : لئلا يعلم أهل الكتاب} تفسير : [الحديد: 29] ويعترض هذا بأن هذه في ابتداء كلام. ولا تزاد "لا" وما نحوها من الحروف إلا في تضاعيف كلام. فينفصل عن هذا بأن القرآن كله كالسورة الواحدة وهو في معنى الاتصال فجاز فيه هذا، وقال الفراء: "لا" نفي لكلام الكفار وزجر لهم ورد عليهم، ثم استأنف على هذه الأقوال الثلاثة قوله: {أقسم}، ويوم القيامة أقسم الله به تنبيهاً منه لعظمه وهوله. وقوله تعالى: "ولا أقسم بالنفس اللوامة" القول في "لا" على نحو ما تقدم، وأما القراءة الثانية فتحتمل أمرين، إما أن تكون اللام دخلت على فعل الحال، التقدير لأنا أقسم فلا تلحق لأن النون نون التوكيد إنما تدخل في الأكثر لتفرق بين فعل الحال والفعل المستقبل فهي تلزم المستقبل في الأكثر، وإما أن يكون الفعل خالصاً للاستقبال فكأن الوجه والأكثر أن تلحق النون إما الخفيفة وإما الثقيلة، لكن قد ذكر سيبويه أن النون قد تسقط مع إرادة الاستقبال وتغني اللام عنها. كما تسقط اللام وتغني النون عنها وذلك في قول الشاعر: [الكامل] شعر : وقتيل مرة أثأرن فإنه فرغ وإن قتيلهم لم يثأر تفسير : المراد لأثارن، وأما قوله " ولا أقسم بالنفس اللوامة" فقيل " لا " نافية، وإن الله تعالى أقسم بيوم القيامة، ونفى أن يقسم بالنفس اللوامة نص عليه الحسن، وقد ذهب هذا المذهب قوم ممن قرأ " لا أقسم ولأقسم "، وذلك قلق وهو في القراءة الثانية أمكن وجمهور المتأولين على أن الله تعالى أقسم بالأمرين، واختلف الناس في {النفس اللوامة} ما معناه، فقال الحسن هي {اللوامة} لصاحبها في ترك الطاعة ونحوه، فهي على هذا ممدوحة، ولذلك أقسم الله تعالى بها، وقال ابن عباس: هي الفاجرة الجشعة {اللوامة} لصاحبها على ما فاته من سعي الدنيا وأعراضها فهي على هذا ذميمة وعلى هذا التأويل يحسن نفي القسم بها والنفس في الآية اسم جنس لنفوس البشر، وقال ابن جبير ما معناه: إن القسم بها هي اسم الجنس لأنها تلوم على الخير وعلى الشر، وقيل المراد نفس آدم لأنها لم تزل اللائمة له على فعله الذي أخرجه من الجنة. قال القاضي أبو محمد: وكل نفس متوسطة ليست بالمطمئنة ولا بالأمارة بالسوء، فإنها لوامة في الطرفين مرة تلوم على ترك الطاعة، ومرة تلوم على فوت ما تشتهي، فإذا اطمأنت خلصت وصفت، وقوله تعالى: {أيحسب الإنسان} تقرير وتوبيخ، و {الإنسان} اسم جنس وهذه أقوال كانت لكفار قريش فعليها هو الرد، وقرأ جمهور الناس: " نجمع عظامَه " بالنون ونصب الميم من العظام، وقرأ قتادة " أن لن يجمع عظامُه " بالياء ورفع الميم من العظام، ومعنى ذلك في القيامة وبعد البعث من القبور، وقرأ أبو عمرو بإدغام العين ثم قال تعالى: {بلى} وهي إيجاب ما نفي، وبابها أن تأتي بعد النفي والمعنى بل يجمعها {قادرين} بنصب {قادرين} على الحال. وقرأ ابن أبي عبلة " قادرون " بالرفع، وقال القتبي: {نسوي بنانه} معناه نتقنها سوية، والبنان: الأصابع، فكأن الكفار لما استبعدوا جمع العظام بعد الفناء والإرمام، قيل لهم إنما تجمع ويسوى أكثرها تفرقاً وأدقها أجزاء وهي عظام الأنامل ومفاصلها، وهذا كله عند البعث، وقال ابن عباس وجمهور المفسرين: {نسوي بنانه} معناه نجعلها في حياته هذه بضعة أو عظماً واحداً كخف البعير لا تفاريق فيه، فكأن المعنى قادرين لأن في الدنيا على أن نجعلها دون تفرق، فتقل منفعته بيده، فكأن التقدير {بلى} نحن أهل أن نجمعها {قادرين} على إزالة منفعة بيده، ففي هذا توعد ما، والقول الأول أحرى مع رصف الكلام، ولكن على هذا القول جمهور العلماء، وقوله تعالى: {بل يريد الإنسان ليفجر أمامه} قال بعض المتأولين: الضمير في {أمامه} عائد على {الإنسان} ، ومعنى الآية أن الأنسان إنما يريد شهواته ومعاصيه ليمضي فيها أبداً قدماً راكب رأسه ومطيع أمله ومسوفاً بتوبته، قاله مجاهد والحسن وعكرمة وابن جبير والضحاك والسدي. وقال السدي: المعنى ليظلم على قدر طاقته، وقال الضحاك المعنى يركب رأسه في طلب الدنيا دائماً، وقوله تعالى: {ليفجر أمامه} تقديره لكن يفجر، وقال ابن عباس ما يقتضي أن الضمير في {أمامه} عائد على {يوم القيامة} ، والمعنى أن الإنسان هو في زمن وجوده أمام يوم القيامة وبين يديه، ويوم القيامة خلفه فهو يريد شهواته ليفجر في تكذيبه بالبعث وغير ذلك بين يدي يوم القيامة، وهو لا يعرف قدر الضرر الذي هو فيه، ونظيره قوله تعالى: {ليفجر} قول قيس بن سعد (أردت لكيما يعرف الناس أنها سراويل قيس والوفود شهود). و {بل} في أول الآية هي إضراب على معنى الترك لا على معنى إبطال الكلام الأول، وقد تجيء بل لإبطال القول الذي قبلها، وسؤال الكافر {أيان يوم القيامة} هو على معنى التكذيب والهزء كما تقول لمحدث بأمر تكذبه متى يكون هذا؟ و {أيان} لفظة بمعنى متى، وهي مبينة لتضمنها معنى الاستفهام فأشبهت الحروف المتضمنة للمعاني. وكان حقها أن تبنى على السكون، لكن فتحت النون لالتقاء الساكنين الألف وهي وقرأ أبو عمرو والحسن ومجاهد وقتادة والجحدري وعاصم والأعمش وأبو جعفر وشيبة " بِرق البصر " بكسر الراء بمعنى شخص وشق وحار. وقرأ نافع وعاصم بخلاف، وعبد الله بن أبي إسحاق وزيد بن ثابت ونصر بن عاصم " بَرق " بفتح الراء، بمعنى لمع وصار له بريق وحار عند الموت، والمعنى متقارب في القراءتين، وقال أبو عبيدة " برَق " بالفتح شق، وقال مجاهد هذا عند الموت، وقال الحسن هذا في يوم القيامة، وقرأ جمهور الناس: " وخسف القمرُ " على أنه فاعل، وقرأ أبو حيوة " خُسِف " بضم الخاء وكسر السين و"القمرُ" مفعول لما يسم فاعله. يقال خسف القمر وخسفه الله، وكذلك الشمس، وقال أبو عبيدة وجماعة من اللغويين الخسوف والكسوف بمعنى واحد، قال ابن أبي أويس: الكسوف ذهاب بعض الضوء، والخسوف ذهاب جميعه، وروي عن عروة وسفيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا تقولوا كسفت الشمس ولكن قولوا خسفت ". تفسير : وقوله تعالى: {وجمع الشمس والقمر} غلب عليه التذكير على التأنيث وقيل ذلك لأن تأنيث الشمس غير حقيقي، وقيل المراد بين الشمس والقمر، وكذلك قرأ ابن أبي عبلة. واختلف المتأولون في معنى الجمع بينهما فقال عطاء بن يسار: يجمعان فيقذفان في النار، وقيل في البحر، فتصير نار الله العظمى، وقيل يجمع الضواءن فيذهب بهما، وقرأ جمهور الناس " أين المَفر " بفتح الميم والفاء على المصدر أي أين الفرار، وقرأ ابن عباس والحسن وعكرمة وأيوب السخيتاني وكلثوم بن عياض ومجاهد ويحيى بن يعمر وحماد بن سلمة وأبو رجاء وعيسى وابن أبي إسحاق، " أين المَفِر" بفتح الميم وكسر الفاء على معنى أين موضع الفرار، وقرأ الزهري: " أين المِفَر " بكسر الميم وفتح الفاء بمعنى أين الجيد الفرار، و {كلا} زجر يقال للإنسان يومئذ ثم يعلن أنه {لا وزر} له أي ملجأ، وعبر المفسرون عن الوزر بالحبل، قال مطرف بن الشخير وغيره، وهو كان وزر فرار العرب في بلادهم، فلذلك استعمل، والحقيقة أنه الملجأ كان جبلاً أو حصناً أو سلاحاً أو رجلاً أو غيره، وقوله تعالى: {إلى ربك يومئذ المستقر} معناه إلى حكم ربك أو نحوه من التقدير و {المستقر} رفع بالابتداء وخبره في المقدر الذي يتعلق به المجرور المتقدم، تقدير الكلام المستقر ثابت أو كائن إلى ربك يومئذ، و {المستقر} : موضع الاستقرار، وقوله تعالى: {بما قدم وآخر} قسمة تستوي في كل عمل، أي يعلم بكل ما فعل ويجده محصلاً، قال ابن عباس وابن مسعود المعنى {بما قدم} في حياته {وأخر} من سنة يعمل بها بعده، وقال ابن عباس أيضاً: {بما قدم} من المعاصي {وأخر} من الطاعات، وقال زيد بن أسلم: {بما قدم} لنفسه من ماله وبما أخر منه للوارث، وقوله تعالى: {بل الإنسان} إضراب بمعنى الترك لا على معنى إبطال القول الأول، و {بصيرة} يحتمل أن يكون خبراً عن الإنسان ولحقته هاء التأنيث كما لحقت علامة ونسابة، والمعنى فيه وفي عقله وفطرته حجة وطليعة وشاهد مبصر على نفسه، والهاء للتأنيث، ويراد بـ " البصيرة " جوارحه أو الملائكة الحفظة وهذا تأويل ابن عباس، و " المعاذير " هنا قال الجمهور: هي الأعذار جمع معذرة، وقال السدي والضحاك: هي الستور بلغة اليمن يقولون للستر المعذار، وقال الحسن: المعنى {بل الإنسان على نفسه} بلية ومحنة، كأنه ذهب إلى البصيرة التي هي طريقة الدم وداعية طلب الثأر وفي هذا نظر.
ابن عبد السلام
تفسير : {لآ} إذا بدىء بها في أول الكلام فهي صلة تقديره أقسم "ع" أو تأكيد للكلام كقولك لا والله أو رَدٌّ لما مضى من إنكارهم البعث ثم ابتدأ بأقسم و {لآ أُقْسِمُ} أقسم بيوم القيامة ولم يقسم بالنفس "ع" أو أقسم بهما جميعا {اللَّوَّامَةِ} مدح عند من رآها قسماً وهي النادمة اللائمة على ما فات لِمَ فعلت الشرّ وهلاَّ استكثرت من الخير أو تلوم نفسها بما تلوم عليه غيرها أو ذات اللوم أو اللوم صفة ذم عند من رآها غير مقسم بها وهي المذمومة "ع" أو الملومة على سوء صنعها أو التي لا تصبر على محن الدنيا وشدائدها فهي كثيرة اللوم فيها فعلى هذه الأوجه الثلاثة تكون اللوامة يعني الملومة.
النسفي
تفسير : {لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } أي أقسم. عن ابن عباس: و «لا» كقوله {أية : لّئَلاَّ يَعْلَمَ }تفسير : [الحديد: 29] وقوله: شعر : في بئر لا حور سرى وما شعر تفسير : وكقوله: شعر : تذكرت ليلى فاعترتني صبابة وكاد ضمير القلب لا يتقطع تفسير : وعليه الجمهور وعن الفراء: «لا» رد لإنكار المشركين البعث كأنه قيل: ليس الأمر كما تزعمون ثم قيل: أقسم بيوم القيامة. وقيل: أصله لأقسم كقراءة ابن كثير على أن اللام للابتداء و {أُقْسِمُ } خبر مبتدأ محذوف أي لأنا أقسم ويقويه أنه في «الإمام» بغير الألف ثم أشبع فظهر من الإشباع ألف، وهذا اللام يصحبه نون التأكيد في الأغلب وقد يفارقه {وَلاَ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ } الجمهور على أنه قسم آخر. وعن الحسن: أقسم بيوم القيامة ولم يقسم بالنفس اللوامة فهي صفة ذم وعلى القسم صفة مدح أي النفس المتقية التي تلوم على التقصير في التقوى وقيل: هي نفس آدم لم تزل تلوم على فعلها التي خرجت به من الجنة، وجواب القسم محذوف أي لتبعثن دليله {أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَـٰنُ } أي الكافر المنكر للبعث {أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ } بعد تفرقها ورجوعها رفاتاً مختلطاً بالتراب. {بَلَىٰ } أوجبت ما بعد النفي أي بلى نجمعها {قَـٰدِرِينَ } حال من الضمير في {نَّجْمَعَ } أي نجمعها قادرين على جمعها وإعادتها كما كانت {عَلَىٰ أَن نُّسَوِّىَ بَنَانَهُ } أصابعه كما كانت في الدنيا بلا نقصان وتفاوت مع صغرها فكيف بكبار العظام. {بَلْ يُرِيدُ ٱلإِنسَـٰنُ } عطف على {أَيَحْسَبُ } فيجوز أن يكون مثله استفهاماً {لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ } ليدوم على فجوره فيما يستقبله من الزمان {يَسْـئَلُ أَيَّانَ } متى {يَوْمُ ٱلْقِيَـٰمَةِ } سؤال متعنت مستبعد لقيام الساعة {فَإِذَا بَرِقَ ٱلْبَصَرُ } تحير فزعاً وبفتح الراء: مدني شَخَصَ {وَخَسَفَ ٱلْقَمَرُ } وذهب ضوؤه أو غاب من قوله {أية : فَخَسَفْنَا بِهِ }تفسير : [القصص: 81] وقرأ أبو حيوة بضم الخاء {وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ } أي جمع بينهما في الطلوع من المغرب أو جمعاً في ذهاب الضوء ويجمعان فيقذفان في البحر فيكون نار الله الكبرى {يَقُولُ ٱلإِنسَـٰنُ } الكافر {يَوْمَئِذٍ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ } هو مصدر أي الفرار من النار أو المؤمن أيضاً من الهول. وقرأ الحسن بكسر الفاء وهو يحتمل المكان والمصدر {كَلاَّ } ردع عن طلب المفر {لاَ وَزَرَ } لا ملجأ {إِلَىٰ رَبِّكَ } خاصة {يَوْمَئِذٍ ٱلْمُسْتَقَرُّ } مستقر العباد أو موضع قرارهم من جنة أو نار مفوّض ذلك لمشيئته، من شاء أدخله الجنة ومن شاء أدخله النار. {يُنَبَّؤُاْ ٱلإِنسَـٰنُ يَوْمَئِذٍ } يخبر {بِمَا قَدَّمَ } من عمل عمله {وَأَخَّرَ } ما لم يعمله. {بَلِ ٱلإِنسَـٰنُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ } شاهد. والهاء للمبالغة كعلامة أو أنثه لأنه أراد به جوارحه إذ جوارحه تشهد عليه، أو هو حجة على نفسه والبصيرة الحجة قال الله تعالى: {أية : قَدْ جَاءكُمْ بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ }تفسير : [الأنعام: 104] وتقول لغيرك أنت حجة على نفسك. و {بَصِيرَةٌ } رفع بالابتداء وخبره {عَلَىٰ نَفْسِهِ } تقدم عليه والجملة خبر الإنسان كقولك: زيد على رأسه عمامة. والبصيرة على هذا يجوز أن يكون الملك الموكل عليه {وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ } أرخى ستوره والمعذار الستر. وقيل: ولو جاء بكل معذرة ما قبلت منه فعليه من يكذب عذره. والمعاذير ليس بجمع معذرة لأن جمعها معاذر بل هي اسم جمع لها ونحوه المناكير في المنكر {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ } بالقرآن {لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ } بالقرآن. وكان صلى الله عليه وسلم يأخذ في القرآن قبل فراغ جبريل كراهة أن يتفلت منه فقيل له: لا تحرك لسانك بقراءة الوحي ما دام جبريل يقرأ لتأخذه على عجلة، ولئلا يتفلت منك. ثم علل النهي عن العجلة بقوله {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ } في صدرك {وَقُرْءَانَهُ } وإثبات قراءته في لسانك، والقرآن القراءة ونحوه {أية : وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءانِ مِن قَبْلِ إَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ } تفسير : [طه: 114] {فَإِذَا قَرَأْنَـٰهُ } أي قرأه عليك جبريل فجعل قراءة جبريل قراءته {فَٱتَّبِعْ قُرْءَانَهُ} أي قراءته عليك {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ } إذا أشكل عليك شيء من معانيه.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {لا أقسم بيوم القيامة} اتفقوا على أن المعنى أقسم، واختلفوا في لفظ لا فقيل إدخال لفظة لا على القسم مستفيض في كلام العرب وأشعارهم، قال امرؤ القيس: شعر : لا وأبيك ابنة العامري لا يدعي القوم أني أفر تفسير : قالوا: وفائدتها تأكيد القسم كقولك لا والله ما ذاك كما تقول تريد والله فيجوز حذفها. لكنه أبلغ في الرّد مع إثباتها، وقيل إنها صلة كقول الله تعالى: {لئلا يعلم أهل الكتاب} وفيه ضعف لأنها لا تزاد إلا في وسط الكلام لا في أوله. وأجيب عنه بأن القرآن في حكم السّورة الواحدة بعضه متصل ببعض يدل عليه أنه قد يجيء ذكر الشيء في سورة، ويذكر جوابه في سورة أخرى كقوله: {أية : يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون}تفسير : [الحجر: 6] وجوابه في سورة {أية : ما أنت بنعمة ربك بمجنون} تفسير : [القلم: 2] وإذا كان كذلك كان أول هذه السورة جارياً مجرى الوسط وفيه ضعف أيضاً لأن القرآن في حكم السّورة الواحدة في عدم التناقض لا أن تقرن سورة بما بعدها فذلك غير جائز، وقيل لا رد لكلام المشركين المنكرين للبعث أي ليس الأمر كما زعموا، ثم ابتدأ فقال أقسم بيوم القيامة وأقسم بالنفس اللّوامة، وقيل الوجه فيه أن يقال إن لا هي للنفي، والمعنى في ذلك كأنه قال لا أقسم بذلك اليوم ولا بتلك النّفس إلا إعظاماً لهما فيكون الغرض تعظيم المقسم به وتفخيم شأنه، وقيل معناه لا أقسم بهذه الأشياء على إثبات هذا المطلوب فإنه إثباته أظهر من أن يقسم عليه. وروى البغوي في تفسير القيامة عن المغيرة بن شعبة قال: يقولون القيامة وقيامة أحدهم موته وشهد علقمة جنازة فلما دفنت قال أما هذا فقد قامت قيامته وفيه ضعف لاتفاق المفسرين على أن المراد به القيامة الكبرى لسياق الآيات في ذلك. وقوله {ولا أقسم بالنفس اللوامة} قيل هي التي تلوم على الخير والشر ولا تصبر على السراء والضراء، وقيل اللوامة هي التي تندم على ما فات فتقول لو فعلت ولو لم تفعل وقيل ليس من نفس برة ولا فاجرة إلا وهي تلوم نفسها إن كانت عملت خيراً تقول هلا ازددت وإن عملت شراً تقول يا ليتني لم أفعل وقال الحسن: هي نفس المؤمن إن المؤمن ما تراه إلا يلوم نفسه ما أردت بكلامي ما أردت بأكلي، وإن الكافر يمضي ولا يحاسب نفسه، ولا يعاتبها، وقيل هي النّفس الشّريفة التي تلوم النّفوس العاصية يوم القيامة بسبب ترك التّقوى، وقيل هي النّفس الشريفة التي لا تزال تلوم نفسها وإن اجتهدت في الطاعة وقيل هي النّفس الشّقية العاصية يوم القيامة بسبب ترك التقوى، وقيل هي النفس الشقية تلوم نفسها حين تعاين أهوال يوم القيامة فتقول {أية : يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله} تفسير : [الزمر: 56] فإن قلت أيّ مناسبة بين يوم القيامة، وبين النّفس اللّوامة حتى جمع بينهما في القسم. قلت وجه المناسبة أن في يوم القيامة تظهر أحوال النفوس اللّوامة من الشقاوة أو السعادة فلهذا حسن الجمع بينهما في القسم وقيل إنما وقع القسم بالنفس اللوامة على معنى التعظيم لها من حيث إنها أبداً تستحقر فعلها واجتهادها في طاعة الله تعالى؛ وقيل إنه تعالى أقسم بيوم القيامة ولم يقسم بالنّفس اللّوامة فكأنه قال أقسم بيوم القيامة تعظيماً لها ولا أقسم بالنفس اللوامة تحقيراً لها لأن النّفس الكافرة أو الفاجرة لا يقسم بها، فإن قلت المقسم به هو يوم القيامة، والمقسم عليه هو يوم القيامة، فيصير حاصله أنه أقسم بيوم القيامة على وقوع القيامة وفيه إشكال. قلت إن المحققين قالوا: القسم بهذه الأشياء قسم بربها في الحقيقة، فكأنه قال أقسم برب القيامة، وقيل لله تعالى أن يقسم بما يشاء من خلقه وجواب القسم محذوف تقديره لتبعثن ثم لتحاسبن يدل عليه قوله تعالى: {أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه}
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: روى الهاشمي وابن ربيعة عن قنبل {لأقسم} على أن اللام حرف الابتداء أي لأنا أقسم ولا خلاف في قوله {ولا أقسم بالنفس اللوامة} {برق} بفتح الراء: أبو جعفر ونافع. الآخرون: بكسرها {تحبون} و {تذرون} على الخطاب أبو جعفر ونافع وعاصم وحمزة وعلي وخلف {ولا صلى} إلى اخر السورة بالإمالة اللطيفة: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو. وقرأ حمزة وعلي وخلف بالأمالة الشديدة. {يمنى} علىالتذكير: حفص والمفضل وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان ورويس. الباقون: بتاء التأنيث. الوقوف: {القيامة} ه لا {اللوامة} ه {عظامه} ه ط لاستئناف الجواب أي بلى نجمعها {بنانه} ه {أمامه} ه ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف {القيامة} ه ج {البصر} ه لا{القمر} ه ك {المفر} ه ك لأن كلاً يصلح للردع عن الفرار والأجوز {لا وزر} ه ط {المستقر} ه ط {وأخر} ه ط {بصيرة} ه لا {معاذيره} ه لا {لتعجل به} ه ط {وقرآنه} ه ج لاحتمال أن " ثم " لترتيب الأخبار {بيانه} ه ط {العاجلة} ه {الآخرة} ه {ناضرة} ه ج {ناظرة} ه ج للفصل بين أهل السعادة والشقاوة {باسرة} ه {فاقرة} ه ط {التراقي} ه لا {راق} ه ك {الفراق} ه ك {بالساق} ه ك {المساق} ه ك {ولا صلى} ه لا {وتولى} ه ك {يتمطى} ه ط للعدول إلى الخطاب {فأولى} ه لا {سدى} ه ط {يمنى} ه {فسوى} ه ك {والأنثى} ه ط {الموتى} ه. التفسير: المشهور أن " لا " في {لا أقسم} صلة زائدة كما مر في قوله {أية : فلا أقسم بمواقع النجوم}تفسير : [الواقعة: 75] واعترض عليه بوجوه أحدها: أنه يوجب الطعن في القرآن بحيث أنه لا يبقى الوثوق بنفيه وإثباته قلت: إذا عرف من استعمالات العرب زيادة لا في هذا الفعل المخصوص لم يبق للطاعن مجال على أن الحكم بزيادتها إنما هو بالنظر إلى أصل المعنى وإلا فلها في التركيب معان: الأول كأنها نفي لكلام قبل القسم وذلك أنهم أنكروا البعث كما أخبر الله في آخر السورة المتقدمة فقيل: ليس الأمر على ما ذكرتم ثم أقسم بكذا وكذا إنه لواقع. والثاني أنه لا يقسم بالشيء إلا إعظاماً له فكأنه بإدخال حرف القسم يقول: إن إعظامي له بإقسامي به كلا اعظام إنه يستأهل فوق ذلك. الإعتراض الثاني أن هذا الحرف إنما يزاد في وسط الكلام لا في أوّله وأجيب بالمنع، ألا ترى أن أمرأ القيس كيف زادها في مستهل قصيدته: شعر : فلا وأبيك ابنة العامري لا يدّعي القوم أني أفرّ تفسير : وفائدة الزيادة كما تقرر. وقد يجاب بأن القرآن كله في حكم كلام واحد متصل بعضه ببعض ولا سيما هذه السورة وآخر السورة المتقدمة عليها ولكني أسألك غير مقسم أتحسب أنا لا تجمع عظامك إذا تفرقت بالموت، فإن كنت تحسب ذلك فاعلم أنّا قادرون عليه. وقيل: المعنى على الاستفهام الإنكاري والتقدير: ألا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة على أن الحشر حق. وهذا التأويل يعضده قراءة من قرأ {لأقسم} على أن اللام للابتداء. وقال بعضهم: على هذه القراءة إنه أقسم بالقيامة تعظيماً لها ولم يقسم بالنفس اللوامة تحقيراً لها لأنها إما كافرة بالقيامة مع عظم أمرها، وإما فاسقة مقصرة في العمل. أما تفسير النفس اللوامة فقد سبق لنا في سورة يوسف في قوله {أية : إن النفس لأمارة بالسوء}تفسير : [الآية: 53] بيان سبب تسمية النفس تارة بالأمارة وأخرى باللوامة ثم بالملهمة ثم بالمطمئنة. والذي ذكره المفسرون ههنا وجوه منها ما قال ابن عباس: كل نفس فإنها تلوم نفسها يوم القيامة على ترك الازدياد من الطاعة إن كانت محسنة، أو على التفريط إن كانت مسيئة. وضعف بعضهم هذا النقل بناء على أن أهل الجنة لا يكون لهم مثل هذه الخواطر وإلا لدام حزنهم. وعن الحسن أن هذا اللوم في الدنيا والمؤمن لا تراه إلا لائماً نفسه وإن الكافر يمضي على سيرته لا يعاتب نفسه. ومنها أنها النفوس المتقية التي تلوم النفس العاصية يوم القيامة بسبب أنها تركت التقوى. ولا يخفى وجه المناسبة بين القسمين أعني بين القيامة وبين النفس اللوامة على هذه الوجوه. وخص النفس اللوامة بعضهم بآدم عليه السلام وذلك أنه لم يزل يتلوم على فعله الذي خرج به من الجنة. وقيل: أن الإنسان خلق هلوعاً فأي شيء طلبه إذا وجده مله فيلوم نفسه على أني لم طلبت فلكثرة هذا العمل سميت باللوامة. والجمهور على أن جواب القسم محذوف وهو لتبعثن دل عليه قوله {أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه} وفي الأقسام بيوم القيامة على وقوع يوم القيامة مزيد تقرير وتأكيد لوقوعه فإن الإقسام بالمعدوم لا يعقل معناه، وفي ضم النفس الوامة إليه تنبيه على أن الغرض من القيامة وهو إظهار أحوال النفس ومراتبها في السعادة وضدها. قال جمع من الأصوليين: الإنسان في الآية هو المكذب بالبعث على الإطلاق وقال ابن عباس: هو أبو جهل. وقال آخرون: إن عدي بن ربيعة ختن الأخنس بن شريق وهما اللذان كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيهما: اللهم اكفني جاري السوء. قال: يا محمد حدثنا عن يوم القيامة كيف أمره فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لو عانيت ذلك اليوم لم أصدقك يا محمد ولم أؤمن به، أو يجمع الله العظام؟ فأنزل الله سبحانه {أيحسب الإنسان} الآية. قوله {قادرين} حال مؤكدة لأنه يستحيل جمع العظام بدون القدرة الكاملة التي نبه عليها بقوله {أن نسوي بناته} لأن من قدر على ضم سلاميات الأصبع مع صغرها ولطافتها كما كانت، كان على ضم العظام الكبار أقدر، وإنما خص البنان وهو الأنملة بالذكر لأنه آخر ما يتم به خلقه فذكره يدل على تمام الأصبع يدل على تمام سائر الأعضاء التي هي أطرافها. وقيل: معنى التسوية جعلها شيئاً واحداً كخف البعير وحافر الحمار بحيث لا يقدر على البطش، والمراد أنه قادر على رد العظام والمفاصل إلى هيأتها الأولى وعلى ضد ذلك قوله {بل يريد} إضراب عن قوله والظاهر أنه إيجاب ويجوز أن يكون استفهاماً مقدراً. ومعنى {ليفجر أمامه} ليدوم على فجوره في الأوقات التي بين يديه وهي المستقبلة. وهذا فحوى قول سعيد بن جبير يقدم الذنب ويؤخر التوبة حتى يأتيه الموت على شر أحواله. قال أهل النظم: وإن إنكاراً البعث يتولد تارة من الشبهة بأن يستبعد اجتماع الأجزاء بعد تفرقها وتلاشيها، وأخرى من التهور بأن ينكر المعاد باسترسال الطبع والميل إلى الفجور، فأشار إلى الجواب عن الشبهة بقوله {أيحسب الإنسان} إلى قوله {بناته} وأنكر على الثني بقوله {بل يريد} أن يكذب بما أمامه من البعث والحساب لئلا تنتقص عنه اللذات العاجلة {يسئل} سؤال تنعت {أيان يوم القيامة} ثم ذكر من أمارات الساعة أموراً أولها {فإذا برق البصر} أي تحير فزعاً وأصله من برق الرجل بالكسر إذا تأثر ناظره من تأمل البرق، ثم استعمل في كل حيرة. ومن قرأ بفتح الراء فهو من البريق أي لمع من شدة شخوصه كقوله {أية : إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار}تفسير : [إبراهيم: 42] وثانيها {وخسف القمر} أي ذهب ضوءه كما يشاهد في الدنيا وقت خسوفه, أو ذهب بنفسه من قوله {أية : فخسفنا به وبداره الأرض}تفسير : [القصص: 81] وهذا التفسير عندي لا يلائم ما بعده أن الجمع بينه وبين الشمس بعد انعدامه غير معقول ظاهراً. وثالثها {وجمع الشمس والقمر} قيل: أي في اطلاعهما من المغرب. وقيل: في ذهاب الضوء. وقيل: يجتمعان أسودين مكورين كأنهما ثوران عقيران كما جاء في الحديث، ولعل ذلك لأنهما عبدا من دون الله، و الثور مثل في الذل والبلادة فإذا كان عقيراً أي جريحاً كان أبلغ في ذلك. وقيل: يجمعان ثم يقذفان في البحر فيكون نار الله الكبرى. طعن الملاحدة في الآية بأن خسوف القمر لا يحصل باجتماع الشمس والقمر. وأجيب بأنه تعالى قادر على خسف القمر في غير حالة المقابلة وحيلولة الأرض. والأولى عندي أن يجاب بأن اجتماعهما بمعنى آخر غير ما هو المعهود بين أهل التنجيم كما مر من الأقوال. ولئن سلمنا أن المراد هو الإجتماع المعهود فالقمر حينئذ في المحق وهو خسفه، أو لعل القمر خسف في وسط الشهر والاجتماع يكون في آخره فإن اتحاد الزمان في هذه الأمور غير مذكور. ومنهم من جعل هذه الأمور من علامات الموت، أما شخوص البصر تحيره حين الموت فظاهر، وأما خسوف القمر فمعناه ذهاب ضوء البصر بعد الحيرة: يقال: عين خاسفة إذا فقئت فغارت حدقتها في الرأس. وأما جمع الشمس والقمر فكناية عن اتصال الروح بعالم الآخرة، فالروح كالقمر وعالم الآخرة وهو عالم الأنوار والكشوف كالشمس وكما أن القمر يقبل النور من الشمس فالروح تقبل نور المعارف من ذلك العالم وهذا التفسير بالتأويل أشبه. قال الفراء: إنما قال {جمع} ولم يقل " جمعت " مع أن التأنيث أحسن لأن المراد أنه جمع بينهما في زوال النور. وقال الكسائي: المعنى جمع النوران والضياآن. وقال أبو عبيدة: القمر شارك الشمس في الجمع فغلب جانب التذكير {يقول الإنسان} المنكر للقيامة {أين المفر} والاستفهام على أصله وهو إقرار منه بأنه لا مفر كما إذا أيس من وجدان زيد فيقول: أين زيد {كلا} ردع عن طلب مكان الفرار وهذا أصح عند أهل اللغة. قال الأخفش والزجاج: المصدر من يفعل بكسر العين مفتوح العين، وبالكسر المكان. وجوز بعضهم أن يكون المفتوح موضعاً. وأصل الوزر المحل المنيع ثم استعمل لكل ما التجأت إليه وتحصنت به، والمعنى أنه لا شيء يعتصم به وقتئذ من أمر الله إلا الله فلذلك قال {إلى ربك} خاصة دون غيره {يومئذ المستقر} أي إستقرار العباد ولا بد من تقدير مضاف أي إلى حكم ربك أو إلى جنته أو ناره. {ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم} من عمل {وأخر} فلم يعلمه، أو بما قدم من ماله وتصدق به وما أخر فخلف أو بما قدم من عمل الخير والشر وما أخر من سنة حسنة أو سيئة. وعن مجاهد بأول عمله وآخره أي بجميع أعماله. والأظهر أن هذا الإنباء إنما هو في يوم القيامة. وجوز أن يكون عند الموت حين رأى مقعده من الجنة والنار. ثم بين أن الإنسان لأعماله بصير وإن لم ينبأ فقال {بل الإنسان على نفسه بصيرة} أي حجة بينة. وقال أبو عبيدة: التاء للمبالغة كعلامة. قال الأخفش: جعله في نفسه بصيرة كما يقال " فلان جود وكرم " وذلك أنه يعلم بالضرورة متى رجع إلى عقله أن طاعة خالقه واجبة وعصيانه منكر فهو حجة على نفسه بعقله السليم. قال ابن عباس وسعيد بن جبير ومقاتل: إن المراد شهادة جوارحه عليه. قوله {ولو ألقى معاذيره} تأكيد أي ولو جاء بكل معذرة يحاج بها عن نفسه فإنها لا تنفعه لأنه لا يخفى شيئاً من أفعاله فإن نفسه وأعضاءه تشهد عليه. وقال الواحدي والزمخشري: المعاذير اسم جمع للمعذرة كالمناكير للمنكر، ولو كان جمعاً لقيل معاذر بغير ياء. وعن الضحاك والسدي أن المعاذير جمع معذار وهو الستر، والمعنى إنه إن أسبل الستور لن يخفى شيء من عمله قال جار الله: إن صح هذا النقل فالسبب في التسمية أن الستر يمنع رؤية المحتجب كما تمنع المعذرة عقوبة المذنب. فمدار التركيب على الحجب والمنع ومنه العذران قال الإمام فخر الدين الرازي: زعم قوم من قدماء الشيعة أن هذا القرآن مغير بالزيادة والنقصان، ومن جملة إستدلالاتهم أنه لا مناسبة بين هذه الآية وبين قوله عقيبها {لا تحرك به} أي بالقرآن الذي نتلوه عليك {لسانك لتعجل به} أي بأخذه. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشتد عليه حفظ التنزيل فكان إذا نزل عليه الوحي حرك لسانه وشفتيه قبل فراغ جبرائيل مخافة النسيان فنهاه الله تعالى عن ذلك، نظيره ما مر في " طه " {أية : ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه} تفسير : [الآية: 114] وهذا من قبيل ترك الأولى، أو لعل هذا كان مأذوناً فيه أولاً ثم ورد النهي ناسخاً له {أن علينا} بحكم الوعد أو بالنظر إلى الحكمة {جمعه} في صدرك {وقرآنه} سيعيده عليك جبرائيل أو توقيفك لدراسته وحفظ لقوله {أية : سنقرئك فلا تنسى}تفسير : [الأعلى: 6] فالقارىء على الأول جبرائيل، وعلى الثاني محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: أراد بالجمع ترتيبه على ما هو عليه في الخارج وبالقرآن جمعه في ذهنه، والتركيب يدل على الضم ومنه القرء {فإذا قرأناه} بقراء جبرائيل {فاتبع قرآنه} قال قتادة: أي حلاله وحرامه وضعف بأن هذا ليس موضع الأمر باتباع الحلال والحرام بل المراد أنه لا ينبغي أن تكون قراءتك مقارنة لقراءة جبرائيل عليه السلام لكن يجب أن تسكت حتى يتم جبرائيل القراءة ثم تأخذ أنت في القراءة. قال ابن عباس: فكان النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إذا نزل عليه جبرائيل أطرق واستمع فإذا ذهب قرأ. ثم إنه صلى الله عليه وسلم كما كان حريصاً على القراءة حتى لا ينسى لفظه كان حريصاً على فهم المعنى، وكان يسأل جبرائيل في أثناء الوحي عن المعاني المشكلة فنهي عن هذا أيضاً بوعد البيان وهو قوله {إن علينا بيانه} قال بعضهم: وفيه دليل على أن تأخير البيان عن وقت الخطاب جائز. إذا عرفت تفسير الآية فاعلم أن العلماء استنبطوا للنظم وجوهاً منها: أن هذا الإستعجال لعله اتفق النبي صلى الله عليه وسلم عند نزول هذه الآيات فلا جرم نهي عن ذلك في الوقت كما أن المدرس إذا كان يلقي على تلميذه شيئاً من العلم وأخذ التلميذ يلتفت يميناً وشمالاً فيقول المدرس في أثناء درسه: لا تلتفت يميناً وشمالاً، ثم يعود إلى الدرس مع هذا الكلام في أثنائه اشتبه وجه المناسب على من لم يعرف الواقعة. ومنها أنه علت كلمته أخبر عن الإنسان أنه يحب السعادة العاجلة فيفجر لذلك أمامه، فبين بين ذلك أن التعجل مذموم مطلقاً ولو في أمور الدين فقال {لا تحرك به لسانك} ورتب على ذم الإستعجال قوله {كلا بل تحبون العاجلة} ومنها أنه لما قال {ولو ألقى معاذيره} وكان النبي صلى الله عليه وسلم يظهر التعجيل في القراءة خوف النسيان قيل له: إنك وإن أتيت بهذه المعذرة لكنك يجب أن تعلم أن الحفظ لا يحصل إلا بتوفيق الله وإعانته فاترك هذا التعجيل واعتمد على هدايتنا، ولا تستعن في طلب الحفظ بالتكرار، وفيه أن الكافر كان يفر من الله إلى غيره حين قال {أين المفر} فعلى المؤمن أن يضاده ويفر من غير الله إلى الله ولا يستعين في كل أموره إلا به. ومنها أنه تعالى كأنه قال: يا محمد إن غرضك من هذا هو التبليغ لكنه لا حاجة إليه فإن الإنسان على نفسه بصيرة يعرف قبح الكفر مهما رجع إلى نفسه. وقال القفال: يجوز أن يكون المخاطب بهذا هو الإنسان المذكور في قوله {ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر} كأنه حين عرض كتابه يقال له {أية : إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً} تفسير : [الإسراء: 14] فإذا أخذ في القراءة ينبأ بقبح أعماله فيتلجلج لسانه من الفزع ويسرع له القراءة فيقال له {لا تحرك به لسانك لتعجل به} فإنه يجب علينا بحكم الوعد والحكمة أن نجمع أعمالك عليك وأن نقرأها عليك، فإذا قرأناه عليك فاتبع قرآنه بالاعتراف والإقرار، ثم أن علينا بيان أمره وشرح مراتب عقوبته. قوله سبحانه. {كلا بل تحبون} قال بعضهم: هو بمعنى حقاً. وقال جار الله: هو ردع لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن عادة العجلة وحيث له على الأناة والتؤدة وقد بالغ في ذلك باتباعه قوله {بل تحبون العاجلة} كأنه قيل: بل أنتم يا بني آدم خلقتم من عجل تعجلون في كل شيء، ومن ثم تحبون الدنيا وتتركون الأخرى. ثم وصف اليوم الآخر بقوله {وجوه يومئذ ناضرة} ذات نضارة وبهاء. والوجه عبارة عن الجملة قاله في الكشاف: والأولى عندي تقليلاً للمجاز أن راد بالوجوه العيون فيكون من إطلاق الكل على الجزء لا عكسه {إلى ربها ناظرة ووجوه يومئذ باسرة} شديدة العبوس {تظن أن يفعل بها فاقرة} فعل هو في شدته وفظاعته فاقرة أي داهية تقصم فقار الظهر كما توقعت الوجوه الناضرة أن يفعل بها كل خير. قال الأصمعي: الفقر أن يحز أنف البعير حتى يخلص إلى العظم أو يقرب منه ثم يجعل فيه خشبة يجر بها البعير، ومنه قيل: عملت به الفاقرة. وقال الكلبي: هي أن تحجب عن رؤية ربها فلا تنظر إليه. وأعلم أن أهل السنة استدلوا بالآية على إمكان رؤية الله تعالى في الآخرة بل على وجوبها بحكم الوعد وحاصل كلامهم أن النظر إن كان بمعنى الرؤية فهو المطلوب، وإن كان بمعنى تقليب الحدقة نحو المرئي فهذا في حقه تعالى محال لأنه منزه عن الجهة والمكان فوجب حمله على مسببه وهو الرؤية وهذا مجاز مشهور وأما المعتزلة فزعموا أن النظر المقرون بـ "إلى " إنما يراد به تقليب الحدقة نحو المرئي التماساً للرؤية فقد تحصل الرؤية وقد لا تحصل كما قال سبحانه {وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون} ويقال: دور فلان متناظرة أي متقابلة ولا ريب أن تقليب الحدقة نحو الشيء يستدعي جهة لذلك الشيء وهذا في حق الله تعالى محال فوجب حمل النظر على الانتظار أي منتظرة ثواب ربها كقولك: أنا ناظر إلى فلان ما يصنع فيّ. والانتظار إذا كان في شيء متيقن الوقوع لا يوجب الغم والحزن بل يزيد اللذة والفرح. واعترض بأن النظر إذا كان بمعنى الانتظار لا يعدّى بـ" إلى " كقوله {أية : أنظرونا نقتبس من نوركم}تفسير : [الحديد: 13] {أية : هل ينظرون إلى تأويله}تفسير : [الأعراف: 53] وأجيب بأن ذلك إنما يكون إذا كان منتظراً للشخص، أما إذا كان منتظراً لرفده ومعونته فإنه يستعمل مقروناً بإلى كقول الرجل: إنما نظري إلى الله ثم إليك. وقد يقول الأعمى: عيني ناظرة إليك. سلمنا لكن لم لا يجوز أن يكون " إلى " واحد الآلاء أي نعمة ربها منتظرة، وتقديم المفعول لأجل الفاصلة أو للاختصاص أي لا ينتظرون إلا إلى نعمة الله ورحمته، قال في الكشاف: وهذا المعنى أعني إفادة الاختصاص أحد الدلائل الدالة، على أن النظر ههنا ليس بمعنى تقليب الحدقة ولا بمعنى الرؤية لأنهم ينظرون إلى أشياء ويرون أشياء لا تدخل تحت الحصر فلا بد من حمل النظر على معنى يصح معه الإختصاص وهو التوقع والرجاء. وحين وصف القيامة الكبرى أتبعه نعت القيامة الصغرى فروّعهم عن إيثار العاجلة على الآجلة. وذكرهم حالة الموت التي هي أول منزلة من منازل الآخرة. والضمير في {بلغت} للنفس لدلالة قرينة الحال والمقال كما في قوله {أية : فلولا إذا بلغت الحلقوم}تفسير : [الواقعة: 83] والتراقي العظام المكتنفة ثغرة النحر من الجانبين واحدها ترقوة، والمراد زهوق الروح لأن متعلق النفس هو الروح الحيواني الذي منبعه القلب فإذا فارق المنبع لم يبق من آثاره في حواليه إلا قليل كما لو غارت العين لم يبق في نواحيها إلا أثر قليل من النداوة فيزول عن قرب. قوله {وقيل من راق} إن كان من الرقية يقال رقاه يرقيه إذا عوذه بما يشفيه ومنه " بسم الله أرقيك من كل يؤذيك " فالقائل هم بعض أصحاب الميت وأقاربه، والاستفهام إما على أصله لأن العادة جارية على طلب الطبيب والراقي في وقت ما يشتد المرض، وإما بمعنى الإنكار أي من الذي يقدر أن يرقي هذا الإنسان المشرف على الموت، وإن كان اشتقاقه من الرقي الصعود ومنه المرقاة قال الله تعالى {أية : ولن نؤمن لرقيك}تفسير : [الإسراء: 93] فالقائل بعض الملائكة يعني أيكم يرقي بروح هذا المحتضر ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب. وعن ابن عباس: إن الملائكة يكرهون القرب من الكافرين فيقول ملك الموت: من يرقى بروح هذا الكافر؟ وقال الكلبي: يحضر العبد عند الموت سبعة أملاك من ملائكة العذاب مع ملك الموت فإذا بلغت نفس العبد التراقي نظر بعضهم إلى بعض أيهم يعرج بروحه إلى السماء {وظن} المحتضر أي تيقن {أنه} وقت {الفراق} عن الدنيا وأوان الفطام عن مألفواتها. وفي التعبير عن اليقين ههنا بالظن تهكم بالميت وإشارة إلى أن الإنسان لتهالكه على الدنيا وحرصه على الحياة العاجلة لا يكاد يقطع بحلول الأجل وإن لم يبق منه إلا حشاشة يسيرة، غايته أنه يغلب على ظنه الموت مع رجاء الحياة العاجلة لا يكاد يقطع بالموت. واستدل بهذه الآية على أن النفس باقٍ بعد خراب البدن لأن الله سمى الموت فراقاً والفراق والوصال صفة والصفة تستدعي وجود الموصوف. {والتفت الساق بالساق} فيه وجهان أحدهما: أنه كناية عن الشدّة كما مر في قوله {أية : يوم يكشف عن ساق}تفسير : [القلم: 42] أي اتصلت شدة فراق الدنيا وترك الأهل والولد والجاه وشماتة الأعداء وحزن الأولياء وغير ذلك بشدّة الإقبال على أحوال الآخرة وأهوالها. الثاني أن الساق هي العضو المخصوص. قال الشعبي: أما رأيته في النزع كيف يضرب بإحدى رجليه على الأخرى؟ قال الحسن وسعيد بن المسيب: هما ساقاه التفتا في أكفانه. وقيل: التفاف ساقيه وهو أنه إذا مات يبست ساقاه ولصقت إحدهما بالأخرى. وقريب منه قول قتادة ماتت رجلاه فلا يحملانه وقد كان عليهما جوالاً {إلى ربك} أي حكمة خاصة {يومئذ المساق} أي السوق. وقيل: أراد أن سوقه وقتئذ يفوض إلى الله دون غيره، والفرق أن الرب أي حكمه في الأول هو المسوق إليه وهو في الثاني سائق يسوقه إلى الجنة أو إلى النار. قوله {فلا صدّق ولا صلى} الضمير فيه عائد إلى الإنسان المذكور في قوله {أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه} وقد سبق أن تعينه صنفيّ أو شخصي أخبر الله سبحانه عن اختلال حال أعماله فيما يتعلق بأصول الدين وفروعه قائلاً {فلا صدق} أي فلا صدّق بالرسول أو بالقرآن أو بالبعث {ولا صلى} {ولكن كذب} بالحق { وتولى} عن الطاعة {ثم ذهب إلى أهله يتمطى} متبختراً مفتخراً بذلك وأصله يتمطط أي يتمدد لأن المتبختر يمد خطاه، قلبت الطاء الأخيرة ياء كما في " تقضى البازي". ويحتمل أن يكون من مطا الظهر لأن المتبختر يلوي ظهره. قال أهل العربية " لا " ههنا بمعنى " لم " وقلما تقع لا الداخلة على الماضي إلا مكررة ومنه الحديث "حديث : لا أكل ولا شرب ولا استهل "تفسير : أما قوله عز من قائل {أية : فلا أقتحم العقبة}تفسير : [البلد: 11] فسيجيء قال قتادة والكلبي ومقاتل: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد أبي جهل ثم قال له {أولى لك فأولى} يوعده ويدعو عليه بالهلاك والبعد عن الخير والقرب من المكاره، وقد مر في قوله {أية : فأولى لهم}تفسير : [محمد: 20] وذلك في سورة القتال. فقال أبو جهل: بأي شيء تهددني؟ لا تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا فيّ شيئاً وأني لأعز أهل هذا الوادي ثم سل يده ذاهباً فأنزل الله كما قال الرسول. قال القفال: هذا محتمل، ويحتمل أن يكون أيضاً وعيداً مبتدأ من الله للكافر على طريقة الإلتفات. ويحتمل أن يكون أمراً من الله لنبيه بأن يقوله لعدو الله فيكون القول مقدراً أي فقلنا لك يا محمد قل له هذا. ثم قال دليلين على صحة الخبر الأول {أيحسب الإنسان أن يترك سدى} أي هملاً لا يكلف ولا يحاسب بعمله وهذا خلاف الحكمة نظيره {أية : أفحسبتم أنما خلقنا كم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون}تفسير : [المؤمنون: 115] الثاني الاستدلال بالخلق الأول على الإعادة و{منيّ يمنى} يراق في الرحم. من ذكّر فللمني، ومن أنّث فللنطفة. والنطفة اسم لما ينطف كالقبضة لما يقبض والغرفة لما يغرف إلا أنها غلبت على الماء المخصوص الذي هو للحيوان بمنزلة البذر للنبات. والمني " فعيل " بمعنى " مفعول " من المني بالسكون وهو الدفق غلب أيضاً على الماء المخصوص فقوله {من مني} أي من هذا الجنس كالتأكيد لها. وقوله {يمنى} تأكيد على تأكيد وفيه إشارة إلى حقارة الإنسان في ذاته وأنه لا يليق به التمطي والفخر والإستكبار عن طاعة خالقه فإنه مخلوق من المني الذي جرى على مجرى النجاسة نظيره في عيسى وأمه {أية : كانا يأكلان الطعام}تفسير : [المائدة: 75] والمراد به قضاء الحاجة. قوله {فخلق فسوى} أي قدّر فعدّل أركانه. وقيل: خلق فيه الروح فصير أعضاءه متناسبة {فجعل منه} أي من الإنسان {الزوجين} الصنفين {الذكر والأنثى} عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه اكن إذا قرأ خاتمة السورة قال عقيبها: سبحانك بلى. والله الموفق وإليه المصير والمآب.
الثعالبي
تفسير : قوله عز وجل: {لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ * وَلاَ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ} هذه قراءة الجمهور، وقرأ ابن كثير: «لأُقْسِمُ بِيَومِ الْقِيَامَةِ وَلأُقْسِمُ» فقيل: على قراءة الجمهور «لا» زائدة، وقال الفَرَّاءُ: «لا» نفيٌ لكلام الكفار، وزجر لهم، ورَدٌّ عليهم، وجمهور المتأوِّلين على أَنَّ اللَّه تعالى أقسم بيوم القيامة وبالنفس اللوامة، أقسم سبحانه بيوم القيامة؛ تنبيهاً منه على عِظَمِهِ وهوله؛ قال الحسن: النفس اللَّوَّامَةُ: هي اللوامة لصاحبها في ترك الطاعة ونحو ذلك، فهي على هذا ممدوحة؛ ولذلك أقسم اللَّه بها، وقال ابن عباس وقتادة: اللوامة: هي الفاجرة، اللوامة لصاحبها على ما فاته من سعي الدنيا وأعراضها، وعلى هذا التأويل يحسن نفي القسم بها، والنفس في الآية اسم جنس. قال * ع *: وكل نفس متوسطة ليست بالمُطْمَئِنَّةِ ولا بالأَمَّارَةِ بالسوء فإنَّها لوَّامة في الطرفين، مرةً تلوم على ترك الطاعة، ومرةً تلوم على فوت ما تشتهي، فإذا اطمأنَّتْ خلصت وصفت، قال الثعلبيُّ: وجواب القسم محذوف تقديره: لَتُبْعَثُنَّ، دَلَّ عليه قوله: {أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَـٰنُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ} أي: للإحياء والبعث، والإنسان هنا الكافر المُكَذِّبُ بالبعث، انتهى، والبنان: الأصابع، و{نُّسَوِّىَ بَنَانَهُ} معناه: نتقنها سَوِيَّةً؛ قاله القتبي، وهذا كله عند البعث، وقال ابن عباس وجمهور المفسرين: المعنى: بل نحن قادرون أنْ نسوي بنانه، أي: نجعل أصابع يديه ورجليه شيئاً واحداً كَخُفِّ البعير أو كحافر الحمار، لا يمكنه أنْ يعمل بها شيئاً، ففي هذا تَوَعُّدٌ ما، والقول الأول أجرى مع رصف الكلام. {بَلْ يُرِيدُ ٱلإِنسَـٰنُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ} معناه: أنَّ الإنسان إنَّما يريد شهواتِهِ ومعاصِيَه؛ ليمضيَ فيها أبداً راكباً رأسه، ومطيعاً أمله، ومُسَوِّفاً توبته؛ قال البخاريُّ: {لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ} يقول: سوف أتوب، سوف أعمل، انتهى. قال الفخر: قوله: {لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ} فيه قولان: الأَوَّل: ليدوم على فجوره فيما يستقبله من الزمان، لا ينزع عنه؛ فَعَنِ ابن جُبَيْرٍ: يقدم الذنب، ويُؤَخِّرُ التوبة، يقول: سوف أتوب، سوف أتوب حتى يأتيه الموت على شر أحواله وأسوإ أعماله. القول الثاني: {لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ} أي: يُكَذِّبُ بما أمامه من البعث والحساب؛ لأَنَّ من كذب حَقًّا كان مفاجراً، والدليل على هذا القول قوله تعالى: {يَسْـئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلْقِيَـٰمَةِ} أي: متى يكون ذلك؛ تكذيباً له، انتهى. وسؤال الكفار {أَيَّانَ} هو على معنى التكذيب والهزء، و{أَيَّانَ} بمعنى: متى، وقرأ نافع وعاصم بخلافٍ: «بَرَقَ الْبَصَرُ» ـــ بفتح الراء ـــ بمعنى: لَمَعَ وصار له بريق، وحار عند الموت، وقرأ أبو عمرو وغيره بكسرها بمعنى: شَخَصَ، والمعنى متقارب، قال مجاهد: هذا عند الموت، وقال الحسن: هذا في يوم القيامة، قال أبو عبيدة وجماعة من اللغويين: الخسوف والكسوف بمعنى واحد، وقال ابن أبي أُوَيْسٍ: الكسوف: ذهابُ بعض الضوء، والخسوف: ذهاب جميعه، وروى عروة وسفيان أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حديث : لاَ تَقُولُوا كَسَفَتِ الشَّمْسُ، وَلَكِنْ قُولُوا: خَسَفَتْ»تفسير : وقرأ ابن مسعود: «وَجُمِعَ بَيْنَ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ» واختلف في معنى الجمع بينهما فقال عطاء: يجمعان فيقذفان في النار، وقيل: في البحر فيصيرا نارَ اللَّه العُظْمَى، وقيل: يُجْمَعُ الضَّوْءانِ فيذهب بهما؛ قال الثعلبيُّ: وقال علي وابن عباس: يجعلان في نور الحجب، انتهى.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ}. العامَّة: على "لاَ" نافية، واختلفوا حينئذ فيها على أوجه: أحدها: أنَّها نافية لكلامٍ تقدم، كأنَّ الكفَّار ذكروا شيئاً، فقيل لهم: "لا" ثم ابتدأ الله قسماً. قال القرطبي رحمه الله: "إنَّ القرآن جاء بالرد على الذين أنكروا البعث والجنة والنار، فجاء الإقسام بالردِّ عليهم كقوله: "والله لا أفعل" فـ"لا" ردٌّ لكلام قد مضى، وذلك كقولك: لا والله إن القيامة. لحق، كأنك أكذبت قوماً أنكروه". والثاني: أنها مزيدة. قال الزمشخري: قالوا: إنها مزيدة، مثلها في {أية : لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ}تفسير : [الحديد: 29]، وفي قوله - عز وجل -: {أية : قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ}تفسير : [الأعراف: 12]؛ وقوله: [الرجز] شعر : 4978 - فِي بِئْرِ لا حُورٍ سَرَى وما شَعَرْ تفسير : قال ابن الخطيب: وهذا القولُ عندي ضعيفٌ من وجوه: أحدها: أنَّ تجويز هذا يفضي إلى الطعن في القرآن، لأن على هذا التقدير يجوز جعل النفي إثباتاً، والإثبات نفياً، وذلك ينفي الاعتماد على الكلام نفياً وإثباتاً. وثانيها: أن الحرف إنما يزاد في وسط الكلام، فإن امرأ القيس زادها في مستهل قصيدته؛ وهي قوله: [المتقارب] شعر : 4979 - فَلاَ - وأبِيكِ - ابنَةَ العَامِرِيْــ ـيِ لا يَدَّعِي القَوْمُ أنِّي أفِرْ تفسير : وأيضاً: هَبْ أنَّ هذا الحرف في أول الكلام إلا أنَّ القرآن كله كالسُّورة الواحدة لاتصال بعضه ببعض بدليل أنه قد يذكر الشيء في سورة ثم يجيء جوابه في سورة أخرى كقوله تعالى {أية : وَقَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ}تفسير : [الحجر: 6] ثم جاء جوابه في سورة أخرى وهو قوله {أية : مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ}تفسير : [القلم: 2]، وإذا كان كذلك، كان أوّل هذه السورة جارياً مجرى وسط الكلام. والجواب عن الأول: أنَّ قوله: لا وأبيك، قسمٌ عن النفي، وقوله: "لا أقْسِمُ" نفي للقسم، لأنه على وزان قولنا: "لا أقبل، لا أضرب، لا أنصر" وذلك يفيد النفي، بدليل أنه لو حلف لا يقسم كان البرُّ بترك القسم، والحنث بفعل القسم، فظهر أن البيت المذكور ليس من هذا الباب. وعن الثاني: أن القرآن الكريم كالسُّورة الواحدة في عدم التناقض، فإما أن يقرن في كل آية ما أقرن في الأخرى، فذلك غير جائز؛ لأنه يلزم جوازه أن يقرن بكل إثبات حرف النفي الوارد في سائر الآيات، وذلك يقتضي انقلاب كل إثبات نفياً وانقلاب كل نفي إثباتاً، وأنه لا يجوز. وثالثها: أن المراد من قولنا: "لا" صلة أنَّه لغو باطل يجب طرحه وإسقاطه حتى ينتظم الكلام ووصف كلام الله - تعالى - بذلك لا يجوز. الوجه الثالث: قال الزمشخري: "إدخال لا النافية على فعل القسم مستفيض في كلامهم وأشعارهم؛ قال امرؤ القيس: [المتقارب] شعر : 4980 - فَلاَ - وأبِيكِ - ابْنَةَ العَامِري تفسير : البيت المتقدِّم. وقال غويةُ بنُ سلمَى: [الوافر] شعر : 4981 - ألاَ نَادتْ أمَامةُ باحْتِمَالِ لتَحْزُننِي فلا بِكِ ما أبَالِي تفسير : وفائدتها: توكيد القسم في الردِّ". ثمَّ قال بعد أن حكى وجه الزيادة والاعتراض والجواب كما تقدم: والوجه أن يقال: هي للنَّفي، والمعنى في ذلك: أنَّه لا يقسم بالشيء إلاَّ إعظاماً له، يدلُّك عليه قوله تعالى: {أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ}تفسير : [الواقعة: 75 - 76] فكأنه بإدخال حرف النَّفي يقول: إن إعظامي له بإقسامي به كلا إعظام، يعني أنه يستأهل فوق ذلك. وقيل: إنَّ "لا" نفيٌ لكلامٍ ورد قبل ذلك انتهى. قال ابن الخطيب: كأنَّهُم أنكروا البعث فقيل: "لا" ليس الأمر على ما ذكرتم، ثم قيل: أقسم بيوم القيامة. قال: وهذا فيه إشكال؛ لأن إعادة حرف النفي أحرى في قوله تعالى: {وَلاَ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ} مع أن المراد ما ذكروه يقدح في فصاحة الكلام. قال شهاب الدين رحمه الله: "فقول الزمخشري": والوجه أن يقال إلى قوله: يعني أنه يستأهل فوق ذلك، تقرير لقوله: إدخال "لا" النافية على فعل القسم مستفيض إلى آخره وحاصل الكلام يرجع إلى أنها نافية، وأنَّ النَّفي متسلّط على فعل القسم بالمعنى الذي شرحه، وليس فيه منع لفظاً ولا معنى". ثم قال: فإن قلت: قوله تعالى: {أية : فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [النساء: 65] والأبيات التي أنشدتها المقسم عليه فيها منفي، فهلا زعمت أنَّ "لا" التي قبل القسم زيدت موطِّئة للنَّفي بعده، ومؤكدة له، وقدَّرت المقسم عليه المحذوف - هاهنا - منفياً كقولك: لا أقسم بيوم القيامة لا تتركُونَ سُدًى؟. قلت: لو قصَرُوا الأمر على النَّفي دون الإثبات لكان لهذا القول مساغ، ولكنه لم يقصر، ألا ترى كيف نفى {أية : لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ}تفسير : [البلد: 1] بقوله: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ}تفسير : [البلد: 4] وكذلك قوله: {أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ}تفسير : [الواقعة: 75] بقوله: {أية : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ}تفسير : [الواقعة: 77]، وهذا من محاسن كلامه تعالى. وقرأ قنبل والبزِّي - بخلاف عنه -: "لأقسم" بلام بعدها همزة دون ألف، وفيها أوجه: أحدها: أنها جوابٌ لقسم مقدر، تقديره: "والله لأقسم" والفعل للحالِ، فلذلك لم تأت نونُ التوكيد، وهذا مذهبُ الكوفيين. وأمَّا البصريون: فلا يجيزون أن يقع فعل الحال جواباً للقسم فإن ورد ما ظاهره ذلك جعل الفعل خبراً لمبتدإ مضمر، فيعود الجواب جملة اسمية قدر أحد جزأيها وهذا عند بعضهم، من ذلك التقدير: والله لأنا أقسم. الثاني: أنه فعل مستقبل، وإنَّما لم يأتِ بنون التوكيدِ؛ لأنَّ أفعال الله - تعالى - حقٌّ وصدقٌ فهي غنيةٌ عن التأكيد بخلاف أفعال غيره، على أن سيبويه حكى حذف النون، إلا أنه قليل، والكوفيون: يجيزون ذلك من غير قلَّة، إذ من مذهبهم جواز تعاقب اللام والنون فمن حذف اللام قوله: [الكامل] شعر : 4982 - وقَتيلُ مُرَّة أثْأرنَّ فإنَّهُ فَرْغٌ وإنَّ أخَاكمُ لَمْ يَثْأرِ تفسير : أي لأثأرن، ومن حذف النون وهو نظير الآية الكريمة قول الآخر: [الطويل] شعر : 4983 - لَئِن تَكُ قَدْ ضَاقتْ عليكَم بُيوتكُمْ ليَعلمُ ربِّي أنَّ بَيْتِيَ واسِعُ تفسير : الثالث: أنَّها لامُ الابتداء، وليست بلام القسم. قال أبو البقاء: كقوله: {أية : وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ}تفسير : [النحل: 164]. والمعروف أنَّ لام الابتداء لا تدخل على المضارع إلاَّ في خبر "إنَّ" نحو: {أية : وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ}تفسير : [النحل: 164] وهذه الآية نظير الآية التي في سورة يونس: {أية : وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ}تفسير : [يونس: 16] فإنهما قرآها بغير الألف. والكلام فيها قد تقدم. ولم يختلف في قوله: "ولاَ أقسم" أنه بالألف بعد "لا"؛ لأنه لم يرسم إلاَّ كذا بخلاف الأول، فإنه رسم بدون ألفٍ بعد "لا"، وكذلك في قوله تعالى{أية : لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ}تفسير : [البلد: 1] لم يختلف فيه أنه بألف بعد "لا"، وجواب القسم محذوف، تقديره: لتبعثنّ، دل عليه قوله {أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ}[القيامة: 3]. وقيل: الجواب: "أيَحْسَبُ". وقيل: هو {بَلَىٰ قَادِرِينَ} [القيامة: 4]، ويروى عن الحسن البصري. وقيل: المعنى على نفي القسم، والمعنى: إنِّي لا أقسم على شيء، ولكن أسألك أيحسب الإنسان. وهذه الأقوال شاذَّة منكرة، ولا تصح عن قائلها لخروجها عن لسان العرب، وإنما ذكرناها تنبيهاً على ضعفها. فصل في معنى الآية قال ابن عباس وابن جبير: معنى الكلام: أقسمُ بيوم القيامة، وهو قول أبي عبيدة، ومثله قوله: [الطويل] شعر : 4984 - تَذكَّرْتُ لَيْلَى فاعْترتْنِي صَبَابَةٌ فَكادَ صَمِيمُ القَلْبِ لا يَتقطَّعُ تفسير : قوله: {بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ}، أي: بيوم يقوم الناس فيه لربِّهم، والله - عز وجل - أن يقسم بما شاء، {وَلاَ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ}، لا خلاف في هذا بين القراء، وأنه سبحانه - جل ذكره - إنما أقسم بيوم القيامة تعظيماً لشأنه، وعلى قراءة ابن كثير أقسَم بالأولى ولم يقسم بالثانية. وقيل: {وَلاَ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ} ردٌّ آخر وابتداء قسم بالنفس اللوامة. قال الثعلبيُّ: والصحيح أنه أقسم بهما جميعاً، ومعنى "بالنَّفْسِ اللَّوامَةِ": أي: نفس المؤمن الذي لا تراه يلوم إلا نفسه، يقول: [ما أردت بكذا؟ ولا تراه إلا وهو يعاتب نفسه قاله ابن عبَّاس ومجاهد والحسن وغيرهم. قال الحسن: هي والله نفس المؤمن ما يُرى المؤمن إلاّ يلوم نفسه]، ما أردت بكلامي هذا؟ ما أردت بأكلي ما أردت بحديثي؟ والفاجر لا يحاسب نفسه. وقال مجاهد: هي التي تلوم على ما فات وتندم، فتلوم نفسها على الشَّرِّ لم فعلته، وعلى الخير لِمَ لَمْ تستكثر منه. وقيل: تلوم نفسها بما تلوم عليه غيرها. وقيل: المراد آدم - صلوات الله وسلامه عليه - لم يزل لائماً لنفسه على معصيته التي أخرج بها من الجنة. وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أنها الملومة، فتكون صفة ذمٍّ، وهو قول من نفى أن يكون قسماً وعلى الأول: صفةُ مدحٍ فيكون القسم بها سائغاً. وقال مقاتل: هي نفس الكافر يلوم نفسه ويتحسَّر في الآخرة على ما فرط في جنبِ الله تعالى. قوله: {أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَلَّن}. هذه "أن" المخففة وتقدم حكمها في "المائدة" و "أن" وما في حيِّزها في موضع الجرِّ، والفاصل هنا حرف النَّفي، وهي وما في حيِّزها سادَّةٌ مسدّ مفعولي "حَسِب" أو مفعوله على الخلاف. والعامَّة: على "نَجْمَعَ" بنون العظمة، و "عِظامهُ" نصب مفعولاً به. وقتادة: "تُجْمع" بتاءٍ من فوقُ مضومةٍ على ما لم يسم فاعله؛ "عظامه" رفع لقيامه مقام الفاعل. فصل في جواب هذا القسم قال الزجاج: أقسم بيوم القيامة وبالنفس اللوامة ليجمعنَّ العظام للبعث، فهذا جواب [القسم. وقال النحاس: جواب] القسم محذوف، أي: لنبعثن. والمراد بالإنسان: الكافر المكذب بالبعث. قيل: حديث : نزلت في عدي بن ربيعة قال للبني صلى الله عليه وسلم حَدِّثنِي عن يَومِ القِيامةِ مَتَى تكُونُ، وكَيْفَ أمْرهَا وحَالُهَا؟ فأخْبرَهُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، فقال: لَوْ عَايَنْتُ ذلكَ اليَوْمَ لَمْ أصَدِّقكَ يا مُحمَّدُ ولَمْ أومِنْ بِه، أو يَجْمَعُ اللَّهُ العِظامَ؟ ولهذا كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يقول: "اللَّهُمَّ اكفِنِي جَارَي السُّوءِ عدَيَّ بن ربيعَة، والأخنس بنَ شَريقٍ ". تفسير : وقيل: نزلت في عدو الله أبي جهل حين أنكر البعث بعد الموت، وذكر العظام، والمراد نفسه كلها؛ لأن العظام قالب الخلق. وقيل: المراد بالإنسان: كل من أنكر البعث مطلقاً. قوله: {بَلَىٰ} إيجاب لما بعد النفي المنسحب عليه الاستفهام، وهو وقف حسن، ثم يبتدىء "قَادِرين"، فـ"قَادِرين" حال من الفاعل المضمر في الفعل المحذوف على ما ذكرنا من التقدير. وقيل: المعنى بل نجمعها نقدر قادرين. قال الفراء: "قادرين" نصب على الخروج من "نَجْمعَ" أي نقدر ونقوى "قادرين" على أكثر من ذلك. وقال أيضاً: يَصْلُح نصبُه على التكرير، أي: بلى فليحسبنا قادرين. وقيل: المضمر "كنا" أي: كنا قادرين في الابتداء، وقد اعترف به المشركون. وقرأ ابن أبي عبلة وابن السميفع: "قادرون" رفعاً على خبر ابتداء مضمر، أي "بلى" نحن "قادرون" {عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ} والبنانُ عند العرب: الأصابع، واحدُها بنانةٌ؛ قال عنترة: [الوافر] شعر : 4985 - وأنَّ المَوْتَ طَوْعُ يَدِي إذَا مَا وصَلْتُ بَنانَهَا بالهِنْدُوَانِي تفسير : فنبه بالبنان على بقية الأعضاء. وأيضاً: فإنها أضعف العظام فخصها الله - عز وجل - بالذكر لذلك. قال القتبي والزجاج: وزعموا أن الله تعالى لا يبعث الموتى، ولا يقدرعلى جمع العظام، فقال الله تعالى: بلى قادرين على أن نعيد السُّلاميات على صغرها، ونُؤلِّف بينها حتى تستوي، ومن قدر على هذا فهو على جميع الكبار أقدرُ. وقال ابن عباس وعامة المفسرين: {عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ} أن نجعل أصابع يديه ورجليه شيئاً واحداً كخُفِّ البعير، أو كحافر الحمار، أو كظلفِ الخنزيرِ، ولا يمكنه أن يعمل به شيئاً ولكنا فرقنا أصابعه حتى يفعل بها ما يشاء. وقيل: نقدر أن نُعيد الإنسان في هيئة البهائم، فكيف في صورته التي كان عليها، وهو كقوله تعالى: {أية : وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ}تفسير : [الواقعة: 60، 61]. والقول الأول أشبه بمساق الآية. فصل في الكلام على الآية قال ابن الخطيب رحمه الله: وفي الآية إشكالات: أحدها: ما المناسبة بين القيامة والنَّفس اللوامة حتى جمع الله بينهما في القسم؟. وثانيها: على وقوع القيامة وثالثها: قال جل ذكره: أقسم بيوم القيامة ولم يقل: والقيامة، كما قال - عز وجل - في سائر السور: {أية : وَٱلطُّورِ}تفسير : [الطور: 1] {أية : وَٱلذَّارِيَاتِ}تفسير : [الذاريات: 1]، {أية : وَٱلضُّحَىٰ}تفسير : [الضحى: 1]. والجواب عن الأول من وجوه: أحدها: أنَّ أحوال القيامة عجيبة جدّاً، ثُمَّ المقصود من إقامة القيامة إظهار أحوال النُّفوس على ما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ عَرفَ نَفْسَهُ عرَفَ رَبَّهُ"تفسير : ومن أحوالها العجيبة قوله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}تفسير : [الذاريات: 56]، وقوله تعالى: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ}تفسير : [الأحزاب: 72]. وقيل: القسم وقع بالنَّفس اللوامة على معنى التعظيم من حيث إنها أبداً يستحقرُ فعلها وجدُّها واجتهادها في طاعة الله تعالى. وقيل: إنه - تعالى - أقسم بيوم القيامة، ولم يقسم بالنفس اللوامة تحقيراً لها؛ لأن النفس اللوامة إمَّا أن تكون كافرة بالقيامة مع عظم أمرها، وإمَّا أن تكون فاسقة مقصرة في العمل، وعلى التقديرين فإنها تكون مستحقرة. والجواب عن الثاني: أن المحقِّقين قالوا: القسم بهذه الأشياء قسم بربِّها وخالقها في الحقيقة، فكأنه قيل: أقسم برب القيامة على وقوع القيامة. والجواب عن الثالث: أنه حيث أقسم، قال جل ذكره: "والذَّارياتِ"، وأما هنا فإنه سبحانه نفى كونه مقسماً بهذه الأشياء، فزال السؤال. قوله تعالى: {بَلْ يُرِيدُ ٱلإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ}. فيه وجهان: أحدهما: أن تكون "بل" لمجرد الإضراب والانتقال من غير عطف، أضرب عن الكلام الأول وأخذ في آخر. الثاني: أنها عاطفة. قال الزمخشري: "بل يريد" عطف على "أيحسب"، فيجوز أن يكون مثله استفهاماً، وأن يكون إيجاباً على أن يضرب عن مستفهم عنه إلى آخر، أو يضرب عن مستفهم عنه إلى موجب. قال أبو حيان بعد ما حكى عن الزمخشري ما تقدَّم: "وهذه التقادير الثلاثة متكلَّفة لا تظهر". وقال شهاب الدين: "وليس هنا إلا تقديران، ومفعول "يُرِيد" محذوف يدل عليه التعليل في قوله تعالى: {لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ} والتقدير: يريد شهواته ومعاصيه فيمضي فيها دائماً أبداً و "أمامه" منصوب على الظَّرفِ، وأصله مكانٌ فاستعير هنا للزمان". والضمير في "أمَامَه" الظاهرُ عوده على الإنسان. وقال ابن عباس: يعود على يوم القيامة بمعنى أنه يريد شهواته ليفجر في تكذيبه بالبعث بين يدي يوم القيامة. فصل في تفسير الآية قال مجاهد والحسن وعكرمة والسدي وسعيد بن جبير رضي الله عنهم: يقول: سوف أتوب حتى يأتيه الموت على أسوأ أحواله. وعن ابن عباس: {بَلْ يُرِيدُ ٱلإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ}، قال: يعجل المعصية ويسوفُ بالتوبة وجاء في الحديث: "حديث : قال يقولُ: سوف أتُوبُ، ولا يتوبُ، فهُو قَدْ أخْلفَ فكذبَ ". تفسير : وقال عبد الرحمن بن زيد: {بَلْ يُرِيدُ ٱلإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ} من البعث والحساب ودليله: يسأل أيان يوم القيامة أي يسأل متى يكون؟ على وجه الإنكار والتكذيب. وقال الضحاك: هو الأمل، يقول: سوف أعيش وأصيب من الدنيا، ولا يذكر الموت. وقيل: يعزم على المعصية أبداً وإن كان لا يعيش إلا مدة قليلة، فالهاء على هذه الأقوال الثلاثة للإنسان. وإذا قلنا: بأن الهاء ليوم القيامة، فالمعنى: بل يريد الإنسان ليكفر بالحق بين يدي القيامة. والفجورُ: أصله الميل عن الحق. قوله: {يَسْأَلُ أَيَّانَ} هذه جملة مستأنفة. وقال أبو البقاء رحمه الله: تفسير لـ"يفجر" فيحتمل أن يكون مستأنفاً مفسّراً، وأن يكون بدلاً من الجملة قبلها؛ لأن التفسير يكون بالاستئناف وبالبدل إلا أنَّ الثاني منه رفع الفعل، ولو كان بدلاً لنصب، وقد يقال: إنه أبدلَ الجملة من الجملة لا خصوصيَّة الفعلِ من الفعل وحده، وفيه بحث قد تقدم نظيره في "الذاريات" وغيره. والمعنى: يسأل متى يوم القيامة. فصل فيمن أنكروا البعث قال ابن الخطيب: اعلم أنَّ إنكار البعث يتولد تارة من الشُّبهة، وأخرى من الشَّهوة، فأما تولده من الشبهة فهو ما حكاه الله - عز وجل - بقوله: {أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ}، وتقديره: أنَّ الإنسان هو هذا البدن، فإذا مات وتفرقت أجزاؤه، واختلطت بأجزاء التراب، وتفرَّقت بالرِّياح في مشارق الأرض ومغاربها، فيكون تمييزها بعد ذلك محالاً. وهذه الشبهة ساقطة من وجهين: الأول: لا نُسلِّمُ أن الإنسان هو هذا البدن، بل هو شيء مدبرٌ لهذا البدن، فإذا فسد هذا البدن بقي هو حيّاً كما كان، وحينئذ يعيد الله - تبارك وتعالى - أي بدن أراد، فيسقط السؤال وفي الآية إشارة إلى هذا، لأنه سبحانه أقسم بالنفس اللوامة، ثم قال تعالى جل ذكره: {أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ}، وهو تصريح بالفرق بين النفس والبدن. الثاني: سلَّمنا أنَّ الإنسان هو هذا البدن، لكنه سبحانه عالم بالجزئيات، فيكونُ عالماً بالجزء الذي هو بدن زيدٍ، وبالجزء الذي هو بدن عمرو، وهو - تعالى - قادر على كلِّ الممكنات، فيلزم أن يكون قادراً على تركيبها ثانياً، فزال الإشكال وأما إنكار البعث بناءً على الشَّهوةِ فهو قوله تعالى: {بَلْ يُرِيدُ ٱلإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ}. ومعناه أن الإنسان الذي يميل طبعه للشَّهوات واللَّذات والفكرةُ في البعث تنغصها عليه فلا جرم ينكره.
البقاعي
تفسير : لما ذكر سبحانه الآخرة أول سورة المدثر وخوف منها بالتعبير بالناقور وما تبعه، ثم أعاد أمرها آخرها، وذكر التقوى التي هي أعظم أسباب النجاح فيها والمغفرة التي هي الدواء الأعظم لها، وكان الكفار يكذبون بها، وكان سبحانه قد أقام عليها من الأدلة من أول القرآن إلى هنا تارة مع الإقسام وأخرى مع الخلو عنه ما صيرها في حد البديهيات، وكانت العادة قاضية بأن المخبر إذا كذبه السامع حلف على ما أخبره به، وكان الإقسام مع تحقق العناد لا يفيد، أشار سبحانه وتعالى إلى أن الأمر قد صار غنياً عن الإقسام لما له من الظهور الذي لا ينكره إلا معاند، فقال مشيراً إلى تعظيمها والتهويل في أمرها بذكرها وإثبات أمرها بعدم الإقسام أو تأكيده: {لا أقسم} أي لا أوقع الإقسام أو أوقعه مؤكداً {بيوم القيامة *} على وجود يوم القيامة أو بسبب وجوده لأن الأمر غني فيه عن ذلك وعلى القول بأنه قسم هو مؤكد بالنافي، ودخوله في التأكيد سائغ بل شائع في كلامهم جداً، وجاز القسم بالشيء على وجوده إشارة إلى أنه في العظمة في الدرجة العليا كما يقول الإنسان: والله إن الله موجود، أي لا شيء أحلف به على وجوده - يا أيها المنكر - أعظم منه حتى أحلف به ولا بد لي من الحلف لأجل إنكارك فأنا أحلف به عليه، فالمعنى حينئذ أنه لا شيء أدل على عظمة الله من هذين الشيئين فلذا أوقع القسم بهما، وسر التأكيد بـ"لا" - كما قال الرازي في اللوامع، إن الإثبات من طريق النفي آكد كأنه رد على المنكر أولاً ثم أثبت القسم ثانياً، فإن الجمع بين النفي والإثبات دليل الحصر. ولما كان من المقرر المعلوم الذي هو في أقصى غايات الظهور أن من طلبه الملك طلب عرض وحساب وثواب وعقاب يلوم نفسه في كونه لم يبالغ في العمل بما يرضي الملك والإخلاص في موالاته، والتحيز إليه ومصافاته. وكان أكثر لوم النفس واقعاً في ذلك اليوم، وكان إدراكها للوم المرتب على إدراك الأمور الكلية والجزئية ومعرفة الخير والشر، والتمييز بينهما من أعظم الدلائل على تمام قدرة الخالق وكمال عظمته الموجب لإيجاد ذلك اليوم لإظهار عظمته وحكمه وحكمته قال {ولا أقسم بالنفس} على حد ما مضى في أن الباء صلة أو سبب {اللوامة *} أي التي تلوم صاحبها وهي خيرة وشريرة، فالخيرة تكون سبباً للنجاة فيه والأخرى تكون سبباً للهلاك فيه، فإن لامت على الشر أو على التهاون بالخير أنجت، وإن لامت على ضد ذلك أهلكت، وكيفما كانت لا بد أن تلوم، وهي بين الأمارة والمطمئنة، فما غلب عليها منهما كانت في حيزه، قال الرازي في اللوامع: فالمطمئنة التي انقادت لأوامر الله، والأمارة المخالفة لها المتبعة للهوى، واللوامة هي المجاهدة، فتارة لها اليد وتارة عليها، وهي نفس الإنسان خاصة لأنها بين طوري الخير والشر والكمال والنقصان والصعود والهبوط والطاعة والعصيان، قال الإمام السهروردي في الباب السادس والخمسين من معارفه: وهي نفس واحدة لها صفات متغايرة، فالملائكة في درجة الكمال، والحيوانات الأخر في دركة النقصان. ولهذا جمع بين القيامة وبين اللوامة، لأن الثواب والعقاب للآدمي دون الملائكة والحيوانات العجم، واللوامة يشتد لومها في ذلك اليوم على عدم الخير أو عدم الزيادة منه، لا أقسم على ذلك بهذا الذي هو من أدل الأمور على عظمته سبحانه فإن الأمر في ذلك غني عن القسم. ولما كان التقدير قطعاً بما يرشد إليه جميع ما مضى جواباً للقسم: إنك والله صادق في إنذارك فلا بد أن ينقر في الناقور بالنفخ في الصور. قال بانياً عليه بعد الإشارة إلى تعظيم أمر القيامة بما دل عليه حذف الجواب من أنها في وضوح الأمر وتحتم الكون على حالة لا تخفى على أحد منكراً على من يشك فيها بعد ذلك: {أيحسب الإنسان} أي هذا النوع الذي يقبل على الأنس بنفسه والنظر في عطفه والسرور بحسبه، وأسند الفعل إلى النوع كله لأن أكثرهم كذلك لغلبة الحظوظ على العقل إلا من عصم الله {أن} أي أنا. ولما كان فيهم من يبالغ في الإنكار، عبر أيضاً بأداة التأكيد فقال: {لن نجمع} أي على ما لنا من العظمة {عظامه *} أي التي هي قالب بدنه وعماده من الأرض فيعيدها كما كانت بعد تمزقها وتفتتها وافتراقها وبلاها وانمحاقها، وقد سدت المخففة مسد مفعولي "يحسب" المقدرين بـ"يحسبنا" غير جامعين. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تقدم قوله مخبراً عن أهل الكفر{أية : وكنا نكذب بيوم الدين}تفسير : [المدثر: 46] ثم تقدم في صدر السورة قوله تعالى:{أية : فإذا نقر في الناقور}تفسير : [المدثر: 8] إلى قوله:{أية : غير يسير}تفسير : [المدثر: 10] والمراد به يوم القيامة، والوعيد به لمن ذكر بعد في قوله{أية : ذرني ومن خلقت وحيداً}تفسير : [المدثر: 11] الآيات ومن كان على حاله في تكذيب وقوع ذلك اليوم، ثم تكرر ذكره عند جواب من سئل بقوله {أية : ما سلككم في سقر}تفسير : [المدثر: 42] فبسط القول في هذه السورة في بيان ذكر ذلك اليوم وأهواله، وأشير إلى حال من كذب به في قوله تعالى {يسأل أيان يوم القيامة} [القيامة: 6] وفي قوله تعالى: {أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه} [القيامة: 3] ثم أتبع ذلك بذكر أحوال الخلائق في ذلك اليوم {أية : ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر}تفسير : [القيامة: 13] انتهى. ولما أسند الحسبان إلى النوع لأن منهم من يقول: لا نبعث لأننا نتفتت وننمحق، قال مجيباً له: {بلى} أي لنجمعن عظامه وجمع أجزائه لأنا قدرنا على تفصيل عظامه وتفتيتها من بعد ارتتاقها حال كونها نطفة واحدة لأن كل من قدر على التفصيل قدر على الجمع والتوصيل حال كوننا {قادرين} أي لما لنا من العظمة {على أن}. ولما كانت تسوية الصغير أصعب، قال: {نسوي بنانه *} أي أصابعه أو سلامياته وهي عظامه الصغار التي في يديه ورجليه كل منها طول إصبع وأقل، خصها لأنها أطرافه وآخر ما يتم به خلقه بأن نجمع بعضها إلى بعض على ما كانت عليه قبل الموت سواء، فالكبار بطريق الأولى لأنها أبين، ولا فرق بيبن تسويتنا ذلك من النطفة وتسويتنا له من التراب، وهي لا تكون مسواة وهي قالب البدن إلا بتسوية ما عليه من لباس اللحم والعصب والجلد كما يعهدها العاهد، فتسوية البنان كناية عن تسوية جميع البنيان كما لو قيل لك: هل تقدر على تأليف هذا الحنظل، فقلت: نعم، وعلى تأليف الخردل، مع ما يفهم من تخصيصها من التنبيه على ما فيها من بديع الصنع المتأثر عنه ما لها من لطائف المنافع، أو أن نسويها الآن فنجمعها على ما كانت عليه حال كونها نطفة من الاجتماع قبل فتقها وتفريقها حتى تكون كخف البعير، فإن القادر على تفصيل الأنامل حتى تتهيأ للأعمال اللطيفة قادر على جمعها، فتزول عنها تلك المنفعة. ومن قدر على تفصيل الماء بعد اختلاطه وجمعه بعد انفصاله قادر على جمع التراب بعد افتراقه، وكيفما كان فهو تنبيه على التأمل في لطف تفصيل الأنامل وبديع صنعها الموجب للقطع بأن صانعها قادر على كل ما يريد، قال في القاموس: البنان: الأصابع أو أطرافها. والسلامى - وزن حبارى: عظام صغار طول إصبع أو أقل في اليد والرجل. ولما تقدم ما أشار إلى أن القيامة في غاية الظهور، أضرب عن هذا الإنكار فقال بانياً على ما تقديره: إنه لا يحسب عدم ذلك لأنه من الظهور في حد لا يحتاج إلى كبير تأمل فلو مشى مع عقله عرف الحق: {بل يريد} أي يوقع الإرادة {الإنسان} أظهر في موضع الإضمار للتصريح بالتعميم لمقتضى الطبع الموجب له عدم الفكر في الآخر مع شدة ظهورها لأنه معني بشهواته فلا نجاة إلا بعصمة الله تعالى، وحذف مفعول "يريد" إشارة إلى أن كل ما يريده بمقضتى طبعه وشهواته خارج عن طوره فهو معاقب عليه لأنه عبد، والعبد يجب عليه أن يكون مراقباً للسيد، لا يريد إلا مايأمره به، فإذا أراد ما أمره به لم تنسب إليه إرادة بل الإرادة للسيد لا له. ولما كان ذلك، وكانت إرادته الخارجة الخارجة عن الأمر معصية، قال معللاً: {ليفجر أمامه *} أي يقع منه الإرادة ليقع منه الفجور في المستقبل من زمانه بأن يقضي شهواته ويمضي راكباً رأسه في هواه، ونفسه الكاذبة تورد عليه الأماني وتوسع له في الأمل وتطمعه في العفو من دون عمل، قال الحسن: المؤمن ما تراه إلا يلوم نفسه ويقول: ما أردت بكلامي؟ وما أردت بأكلي؟ والفاجر يمضي قدماً لا يحاسب نفسه ولا يعاتبها. ويجوز أن يعود الضمير على الله تعالى ليكون المعنى: ليعمل الفجور بين يدي الله تعالى وبمرأىً منه ومسمع ويطمع في أن لا يؤاخذه بذلك أو يجازيه بفجوره، قال في القاموس: والفجر: الانبعاث في المعاصي والزنا كالفجور. ولما كان عريقاً في التلبس بهذا الوصف، أنتج له الاستهزاء بهذا الخطب الأعظم فترجم ذلك بقوله: {يسئل} أي سؤال استهزاء واستبعاد، ويوضع موضع مفعول يسأل جملة اسمية من خبر مقدم ومبتدأ مؤخر فقال: {أيان} أي أيّ وقت يكون {يوم القيامة *} ولما كان الجواب: يوم يكون كذا وكذا، عدل عنه إلى ما سبب عن استبعاده لأنه أهول، فقال دالاً على خراب العالم لتجرد الإنسان عن مسكنه وما ألفه من أحواله فيكون أهول معبراً بأداة التحقق لأنها موضعها: {فإذا برق البصر *} أي شخص وقف فلا يطرف من هول ما يرى - هذا على قراءة نافع بالفتح، وهي إشارة إلى مبدأ حاله، وقراءة الجماعة بالكسر مشيرة إلى مآله فإن معناها: تحير ودهش وغلب، من برق الرجل - إذا نظر إلى البرق فحسر بصره وتفرق تفرق الشيء في المايع إذا انفتح عنه وعاؤه بدليل قراءة بلق من بلق الباب - إذا انفتح، وبلق الباب كنصر: فتحه كله، أو شديداً كأبلقه فانبلق، وبلق كفرح: تحير - قاله في القاموس.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي في الدلائل من طرق عن ابن عباس قال: نزلت سورة القيامة وفي لفظ: نزلت {لا أقسم بيوم القيامة} بمكة. وأخرج ابن مردويه عن عبدالله بن الزبير قال: نزلت سورة {لا أقسم} بمكة. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة قال: حدثنا أن عمر بن الخطاب قال: من سأل عن يوم القيامة فليقرأ هذه السورة والله أعلم. أخرج ابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله: {لا أقسم بيوم القيامة} يقول: أقسم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن سعيد بن جبير قال: سألت ابن عباس عن قوله: {لا أقسم بيوم القيامة} قال: يقسم ربك بما شاء من خلقه قلت: {ولا أقسم بالنفس اللوّامة} قال: من النفس الملومة. قلت: {أيحسب الإِنسان أن لن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوّي بنانه} قال: لو شاء لجعله خفاً أو حافراً. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة {لا أقسم بيوم القيامة} قال: يقسم الله بما شاء من خلقه {ولا أقسم بالنفس اللوّامة} الفاجرة قال: يقسم بها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {بالنفس اللوّامة} قال: المذمومة. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس {بالنفس اللوامة} قال: التي تلوم على الخير والشر تقول لو فعلت كذا وكذا. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس {بالنفس اللوامة} قال: تندم على ما فات وتلوم عليه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد {بالنفس اللوامة} قال: تندم على ما فات وتلوم عليه. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في محاسبة النفس عن الحسن {ولا أقسم بالنفس اللوامة} قال: إن المؤمن لا تراه إلا يلوم نفسه ما أردت بكلمتي ما أردت بأكلتي، ما أردت بحديثي نفسي، ولا أراه إلا يعاتبها، وإن الفاجر يمضي قدماً لا يعاتب نفسه. وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس {بلى قادرين على أن نسوي بنانه} قال: نجعلها كفاً ليس فيه أصابع. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس {بلى قادرين على أن نسوي بنانه} قال: لو شاء لجعله كخف البعير أو كحافر الحمار، ولكن جعله الله خلقاً سوياً حسناً جميلاً تقبض به وتبسط به يا ابن آدم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد {على أن نسوي بنانه} قال: يجعل رجليه كخف البعير فلا يعمل بها شيئاً. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة {على أن نسوي بنانه} قال: إن شاء رده مثل خف البعير حتى لا ينتفع. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الضحاك {على أن نسوي بنانه} قال: يجعل رجليه كخف البعير فلا يعمل بهما شيئاً. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة {على أن نسوي بنانه} قال: إن شاء رده مثل خف الجمل حتى لا ينتفع به. وأخرج ابن المنذر عن الضحاك {على أن نسوي بنانه} قال: على أن نجعل يديه ورجليه مثل خف البعير. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية {بلى قادرين على أن نسوي بنانه} فقال: إن الله أعف مطعم ابن آدم ولم يجعله خفاً ولا حافراً فهو يأكل بيديه فيتقي بها وسائر الدواب إنما يتقي الأرض بفمه. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {بل يريد الإِنسان ليفجر أمامه} قال: يمضي قدماً. وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {بل يريد الإِنسان ليفجر أمامه} قال: هو الكافر يكذب بالحساب. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {بل يريد الإِنسان ليفجر أمامه} يعني الأمل يقول: أعمل ثم أتوب. وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الأمل والبيهقي في شعب الإِيمان عن عباس رضي الله عنهما {بل يريد الإِنسان ليفجر أمامه} قال: يقدم الذنب ويؤخر التوبة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه {بل يريد الإِنسان ليفجر أمامه} قال: يمضي أمامه راكباً. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن {بل يريد الإِنسان ليفجر أمامه} قال: يمشي قدماً في معاصي الله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة {بل يريد الإِنسان ليفجر أمامه} قال: لا تلقى ابن آدم إلا تنزع نفسه إلى معصية الله قدماً قدماً إلا من عصم الله وفي قوله: {يسأل أيان يوم القيامة} يقول: متى يوم القيامة. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس في قوله: {بل يريد الإِنسان ليفجر أمامه} قال: يقول سوف أتوب {يسأل أيان يوم القيامة} قال: يقول متى يوم القيامة. قال: فبين له {فإذا برق البصر} . وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {فإذا برق البصر} يعني الموت. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه {فإذا برق البصر} يعني الموت. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة {فإذا برق البصر} قال: شخص البصر {وخسف القمر} يقول: ذهب ضوءه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: {فإذا برق البصر} قال: عند الموت {وخسف القمر وجمع الشمس والقمر} قال: كورا يوم القيامة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: {وجمع الشمس والقمر} قال: كورا يوم القيامة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عطاء بن يسار في قوله: {وجمع الشمس والقمر} قال: يجمعان يوم القيامة ثم يقذفان في البحر فيكون نار الله الكبرى. وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن المنذر عن عبدالله بن خالد قال: قرأها ابن عباس {أين المفر} بنصب الميم وكسر الفاء. قال: وقرأها يحيى بن وثاب {أين المفر} بنصب الميم والفاء. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في كتاب الأهوال وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله: {لا وزر} قال: لا حصن ولا ملجأ، وفي لفظ لا حرز، وفي لفظ لا جبل. وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: {لا وزر} قال: الوزر الملجأ. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت عمرو بن كلثوم وهو يقول: شعر : لعمرك ما إن له صخرة لعمرك ما إن له من وزر تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في الأهوال وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله: {لا وزر} قال: لا حصن. وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير وعطية وأبي قلابة مثله. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في قوله: {كلا لا وزر} قال: كانت العرب إذا نزل بهم الأمر الشديد قالوا: الوزر الوزير، فلما أن جاء الله بالإِسلام قال: {كلا لا وزر} قال: لا جبل. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الحسن قال: كان الرجل يكون في ماشيته فتأتيه الخيل بغتة فيقول له صاحبه: الوزر الوزير أي أقصد الجبل فتحصن به. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: {لا وزر} قال: لا جبل. وأخرج عبد بن حميد عن أبي قلابة {لا وزر} قال: لا غار لا ملجأ. وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك {لا وزر} قال: لا جبل محرزة. وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: {لا وزر} قال: لا وزر يعني الجبل بلغة حمير. وأخرج عبد بن حميد وابن جريرعن مطرف {لا وزر} قال: لا جبل. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال {لا وزر} قال: لا جبل ولا حرز ولا ملجأ ولا منجى {إلى ربك يومئذ المستقر} قال: المنتهى {ينبأ الإِنسان يومئذ بما قدم} قال: من طاعة الله {وأخر} قال: وما ضيع من حق الله. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد وإبراهيم {ينبأ الإِنسان يومئذ بما قدم وأخر} قال: بأول عمله وآخره. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في الآية قال: بما قدم من الذنوب والشر والخطايا وما أخر من الخير. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن مسعود في قوله: {ينبأ الإِنسان يومئذ بما قدم وأخر} بما قدم من عمله وما أخر من سنة عمل بها من بعده من خير أو شر. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس {ينبأ الإِنسان يومئذ بما قدم وأخر} قال: بما عمل قبل موته وما يسن فعمل به بعد موته. وأخرج ابن المنذر عن أبي صالح في قوله: {ينبأ الإِنسان يومئذ بما قدم وأخر} قال: قدم من حسنة أو أخر من سنة حسنة عمل بها بعده علماً علمه صدقة أمر بها. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {ينبأ الإِنسان يومئذ بما قدم وأخر} يقول: بما قدم من المعصية وأخر من الطاعة فينبأ بذلك. وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب المحتضرين عن الحسن في قوله: {ينبأ الإِنسان يومئذ بما قدم وأخر} قال: ينزل ملك الموت عليه مع حفظة فيعرض عليه الخير والشر فإذا رأى حسنة هش وأشرق، وإذا رأى سيئة غض وقطب. وأخرج ابن أبي الدنيا عن مجاهد قال: بلغنا أن نفس المؤمن لا تخرج حتى يعرض عليه عمله خيره وشره.
ابو السعود
تفسير : مكية وآياتها أربعون {لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ} إدخالُ لاَ النافيةِ عَلى فعلِ القسمِ شائعٌ وفائدتُها توكيدٌ القسمِ قالُوا إنَّها صلةٌ مثلُها في قولِه تعالَى لئَّلا يعلمَ أهلُ الكتابِ وقيلَ: هيَ للنفِي لكنْ لا لنفي نفسِ الإقسامِ بلْ لنفي ما ينبىءُ هُو عنْهُ منْ إعظامِ المقسمِ بهِ وتفخيمِه كأنَّ مَعْنى لا أقسمُ بكَذَا لاَ أعظمُه بإقسامِي بهِ حَقَّ إعظامِه فإنَّه حقيقٌ بأكثرَ منْ ذلكَ وأكثرَ وأما مَا قيلَ: من أنَّ المَعْنى نفيُ اللإقسامِ لوضوحِ الأمرِ فقدْ عرفتَ مَا فيهِ فِي قَوْلِه تَعَالَى: { أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوٰقِعِ ٱلنُّجُومِ} تفسير : [سورة الواقعة، الآية 75] وقيلَ: إنَّ لاَ نفيٌ وردَ لكلامٍ معهودٍ قبلَ القسمِ كأنَّهم أنكرُوا البعثَ فقيلَ لاَ أيْ ليسَ الأمرُ كذلكَ ثمَّ قيلَ: أقسمُ بـيومِ القيامةِ كقولِك لا والله إنَّ البعثَ حقٌّ وأيا ما كانَ ففِي الإقسامِ على تحققِ البعثِ بـيوم القيامةِ منَ الجزالةِ ما لاَ مزيدَ عليهِ وقَدْ مرَّ تفصيلُه في سورةِ يس وسورةِ الزخرفِ {وَلاَ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ} أَيْ بالنَّفسِ المتقيةِ التي تلومُ النفوسَ يومئذٍ عَلى تقصيرهنَّ فِي التَّقوى ففيهِ طَرفٌ منَ البَراعةِ التي في القسمِ السَّابقِ أوْ بالنفسِ التي لا تزالُ تلومُ نفسَها وإنِ اجتهدتْ في الطاعاتِ أو بالنفسِ المطمئنةِ اللائمةِ للنفسِ الأمارةِ وقيلَ: بالجنسِ لَما رُوي أنَّه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «حديث : ليسَ منْ نفسٍ برةٍ ولا فاجرةٍ إلا وتلومُ نفسَها يومَ القيامةِ إنْ عملتْ خيراً قالتْ كيفَ لَمْ أزددْ وإنْ عملتْ شَراً قالتْ ليتني كنتُ قصرتُ» تفسير : ولا يَخفْى ضعفُه فإنَّ هذَا القدرِ منَ اللومِ لا يكونُ مداراً للإعظامِ بالإقسامِ وإنْ صدرَ عنْ النفسِ المؤمنةِ المسيئةِ فكيفَ منَ الكافرةِ المندرجةِ تحتَ الجنسِ وقيلَ: بنفس آدمَ عليهِ السَّلامُ فإنَّها لا تزالُ تتلومُ عَلى فعلِها الذَّي خرجتْ بهِ منَ الجنةِ وَجَوابُ القسمِ ما دلَّ عليهِ قولُه تعالَى: {أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَـٰنُ أَن لَنْ نَّجْمَعَ عِظَامَهُ} وهُو ليبعثن، والمرادُ بالإنسان الجنسُ والهمزةُ لإنكارِ الواقعِ واستقباحِه وأنْ مخففةٌ منَ الثقيلةِ وضميرُ الشأنِ الذي هُو اسُمها محذوفٌ أيْ أيحسبُ أنَّ الشأنَ لنْ نجمعَ عظامَهُ فإنَّ ذلكَ حسبانٌ بَاطِلٌ فإنَّا تجمعُها بعدَ تشتتها ورجُوعِها رَميماً ورُفاتاً مختلطاً بالترابِ وبعدَ مَا سفتَها الرِّياحُ وطيرتها في أقطارِ الأرضِ وألقتها في البحارِ وقيلَ: إنَّ عديَّ بنَ أبِـي ربـيعةَ ختَنَ الأخنسِ بن شُريق وهُمَا اللذانِ كانَ النبـيُّ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يقولُ فيهَما: « حديث : اللَّهم اكفِني جاريْ السوءِ » تفسير : قالَ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم: يا محمدُ حدثنى عنْ يومِ القيامةِ مَتَى يكونُ وكيفَ أمرُهُ فأخبرَهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقالَ: لو عاينتُ ذلكَ اليومَ لَمْ أصدقكَ، أوَ ويجمعُ الله هذهِ العظامَ.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ وَلاَ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ}[1-2] النفس الأمارة بالسوء هي النفس اللوامة، وهي قرينة الحرص وطول الأمل. ثم قال: إنما نهاكم الله عن القبول وعن الاغترار بالدنيا وعن مخادعة النفس، فقال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ} تفسير : [يوسف:53] وقال: {أية : فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} تفسير : [لقمان:33] وقال: {أية : إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ} تفسير : [فاطر:6].
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ}. أي: أقسم بيوم القيامة. {وَلاَ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ}. أي: أقسم بالنفس اللَّوَّامة، وهي النََّفْسُ التي تلوم صاحبَها، وتعرِف نقصانَ حالِها. ويقال: غداً... كلُّ نَفْسِ تلوم نَفْسَها: إمَّا على كُفْرِها، وإمَّا على تقصيرها - وعلى هذا فالقَسَمُ يكون بإضمار "الرَّب" أي: أقسم بربِّ النفس اللوامة. وليس للوم النَّفْسِ في القيامةِ خطرٌ - وإنْ حُمِلَ على الكُلِّ ولكنَّ الفائدة فيه بيان أنَّ كلَّ النفوس غداً - ستكون على هذه الجُملة. وجوابُ القسَم قولُه: {بَلَىٰ}. قوله جلّ ذكره: {أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ}. أيظن أنَّا لن نبعثَه بعد موته؟ {بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ}. {قَادِرِينَ} نصب على الحال؛ أي بلى، نسوي بنانه في الوقت قادرين، ونقدر أي نجعل أصابع يديه ورجليه شيئاً واحداً كخُفِّ البعير وظلف الشاة.. فكيف لا نقدر على إعادته؟! {بَلْ يُرِيدُ ٱلإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ}. يُقدِّم الزّلّةَ ويؤخر التوبة. ويقول: سوف أتوب، ثم يموت ولا يتوب. ويقال: يعزم على ألا يستكثر من معاصيه في مستأنف وقته، وبهذا لا تَنْحَلُّ - في الوقت - عقدةُ الإصرار من قلبه، وبذلك لا تصحُّ توبتُه؛ لأن التوبة من شرطها العزم على ألا يعودَ إلى مثل ما عَمِلَ. فإذا كان استحلاءُ الزلّةِ في قلبه، ويفكر في الرجوع إلى مثلها - فلا تصح ندامتُه.
البقلي
تفسير : انظر كيف قرن الله قسمة بالنفس اللوامة بقسمة بيوم القيامة لان ما يكون فى القيامة من جميع احوالها تمكنها الله فى النفس اللوامة القيامة عالم والنفس اللوامة عالم يظهر من النفس اللوامة لعارفيها ما يظهر يوم القيامة لان الملكوت والجبروت تظهر بنورها وسناها وعجايبها وغرائبها بتجلى من النفس اللوامة وغرض الكل من العرش الى الثرى هى النفس اللوامة والنفس اللوامة الروح الناقطة العالمة بربها العارفة بصانعها المحبة لدبرها المشتاقة الى الله العاشقة بالله تلوم نفسها عند كل خطرة تطأها بنعت الوقفة على ما يجد من الله من سنى الدرجات ورفيع المقامات وتلوم على قصور معرفتها بالله على الحقيقة ولا ياتى حضرة الله الا بنعت الخجل والحياء وهى لا تنظر الا الاعمال واعواضها فان جميع الاعمال لا تزن عندها جناح بعوضة تل تلوم النفس الانسانية الحيوانية والجسمانية بما يقترف من الذنوب والسيئات حين لم توافق العقل القدسى الذى هو وزيره وذلك الملامة منها اذا كانت فى السير افذا وصلت مشاهدة الحق وعناية فى شهود الغيب سقطت عنه الملامة لان هناك تفنى لا رسوم ولا يبقى للحدثان اثر فيخرج من بحر الربوبية على نعت الطمانية فاذا كادت ان تشتغل برسوم العبودية ناداها الحق ودعاها الى نفسه بقوله {أية : يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ}تفسير : قال سهل النفس اللوامة هل النفس الامارة بالسوء وهى قرينة الحرص والامل.
اسماعيل حقي
تفسير : {لا اقسم بيوم القيامة} لا صلة لتوكيد القسم وما كان لتوكيد مدخوله لا يدل على النفى وان كان فى الاصل للنفى قال الشاعر شعر : تذكرت ليلى فاعترتنى صبابة وكاد ضمير القلب لا يتقطع تفسير : والمعنى بالفارسية هرآبنه سوكند ميخورم بروز رستاخيز أو للنفى لكن لا لنفى نفس الاقسام بل لنفى ما ينبئ هو عنه من اعظام المقسم به وتفخيمه كأن معنى لا اقسم بكذا لا أعظمه باقسامى به حق اعظامه فانه حقيق باكثر من ذلك واكثر او لنفى كلام معهود قبل القسم ورده كأنهم انكروا البعث فقيل لا اى ليس الامر كذلك ثم قيل اقسم بيوم القيامة كقولك لا والله ان البعث حق واياما كان ففى الاقسام على تحقق البعث بيوم القيامة من الجزالة مالا مزيد عليه واما ما قيل من ان المعنى نفى الاقسام لوضوح الامر فيأباه تعيين المقسم به وتفخيم شأن القسم به قال المغيرة بن شعبة رحمه الله يقولون القيامة القيامة وانما قيامة احدهم موته وشهد علقمة جنازة فلما دفن قال اما هذا فقد قامت قيامته ونظمه بعضهم شعر : خرجت من الدنيا وقامت قيامتى غداة اقل الحاملون جنازتى
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {لا أُقسم} أي: أُقسم. وإدخال "لا" النافية على فعل القسم شائع، كإدخاله على المقسم به في "لا وربك" و"لا والله"، وفائدتها: توكيد القسم، وقيل: صلة، كقوله: { أية : لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ } تفسير : [الحديد:25] وقيل: هي نفي وَرَدَ لكلام معهود قبل القسم، كأنهم أنكروا البعث، فقيل: لا، أي: ليس الأمر كذلك، ثم قال: أُقسم {بيوم القيامة} إنَّ البعث لواقع. وأيًّا ما كان ففي الإقسام على تحقيق البعث بيوم القيامة من الجزالة ما لا يخفى. وقيل: أصله: لأُقسم، كقراءة ابن كثير, على أنَّ اللام للابتداء، و"أٌقسم": خبر مبتدأ مضمر، أي: لأنا أُقسم، ويُقويه أنه في الإمام بغير ألف ثم أشبع فجاء الألف. {ولا أٌقسم بالنفس اللوّامة}، الجمهور على أنه قسم آخر، وقال الحسن: الثانية نفي، أي: أُقسم بيوم القيامة لا بالنفس اللوّامة، فيكون ذمًّا لها، وعلى أنه قسم يكون مدحاً لها، أي: أقسم بالنفس المتقية، التي تلوم صاحبها على التقصير، وإن اجتهدت في الطاعة. أو: بالنفس المطمئنة اللائمة للنفس الأمّارة، وقيل: المراد الجنس، لِما رُوي أنه عليه السلام قال: "حديث : مَا مِنْ نَفْسٍ بَرَّةٍ ولا فَاجِرَةٍ إِلاَّ وتلُومُ نفسها يوم القِيامَة، إنْ عَملت خَيْراً، قالت: كيف لم أزدْ؟! وإِنْ عملت شرًّا, قالت: ليتني كُنتُ قصرتُ" تفسير : . وذكره الثعلبي من كلام البراء: قال أبو السعود: ولا يخفى ضعفه؛ لأنِّ هذا القدر من اللوم لا يكون مدراراً للإعظام بالإقسام، وإن صدَر عن النفس المؤمنة المحسنة، فكيف من الكافرة المندرجة تحت الجنس، وقيل: بنفس آدم عليه السلام, فإنها لا تزال تتلوَّم على فعلها الذي خرجت به من الجنة. وجواب القسم: لتُبعثنّ، دليله: {أيَحْسَبُ الإِنسانُ} أي: الكافر المنكرِ للبعث {ألَّن نجمعَ عِظامه} بعد تفرّقها ورجوعها عظاماً رفاتاً مختلطاً بالتراب، أو: نسفَتْها الرياح وطيَّرتها في أقطار الأرض، أو: ألقتها في البحار. وقيل: إنَّ عَدِيّ بن ربيعة، خَتنَ الأخنس بن شريق، وهما اللذان قال فيهما النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم اكفني جارَيْ السوء، عَدياً والأخنس" تفسير : قال ـ عَدِيّ ـ: يا محمد، حدِّثنا عن يوم القيامة متى يكون، وكيف أمرها وحالها؟ فأخبره عليه السلام، فقال: يا محمد؛ لو عاينتُ ذلك لم أصدقك، ولم أُومِنْ بك، أَوَيجمعُ الله هذه العظام؟ فنزلت. {بلى} أي: نجمعها حال كوننا {قادرين على أن نُسَوّي بنانه} أي: أصابعه كما كانت في الدنيا بلا انفصال ولا تفاوت مع صغرها، فكيف بكبار العِظام؟! {بل يريد الإِنسانُ لِيَفجُر أمامه}: عطف على {أيحسب} إمّا على أنه استفهام توبيخي، أضرب عن التوبيخ بذلك إلى التوبيخ بهذا، أو: على أنه إيجاب انتقل إليه عن الاستفهام، أي: بل يريد ليدوم على فجوره فيما بين يديه من الأوقات،وما يستقبله من الزمان، لا يرعوي عنه. قال القشيري: {لِيفجُر أمامه} أي: يعزم على أنه يستكثر من معاصيه في مستأنف وقته، ولا يحلّ عقدةَ الإصرار من قلبه، فلا تصحّ توبتُه؛ لأنّ التوبة من شرطها: العزم على أن لا يعودَ إلى مثل ما عَمِل، فإذا كان استحلى الزلّة في قلبه، وتفكّر في الرجوع إلى مثله فلا تصح ندامتُه. هـ. وقيل: {ليفجُرَ أَمامَه} أي: يكفر بما قُدامه، ويدل على هذا قوله: {يسأل أيَّانَ يومُ القيامةِ} أي: متى يكون؟ استبعاداً واستهزاءً. {فإِذا بَرِقَ البصرُ} أي: تحيَّر، من: برق الرجل: إذا نظر إلى البرق فدهش بصره، وقرأ نافع بفتح الراء، وهي لغة، أو من البريق، بمعنى لمع من شدة شخوصه، {وخَسَفَ القمرُ}؛ ذهب ضوؤه أو غاب، من قوله: {أية : فَخَسَفْنَا بِهِ } تفسير : [القصص:81] وقرىء: خُسف، بضم الخاء. {وجُمعَ الشمسُ والقمرُ} أي: جُمع بينهما، ثم يُكوّران ويُقذفان في النار، أو يُجمعان أسودين مكورين، كأنهما ثوران عقِيران. وفي قراءة عبد الله: " وجمع بين الشمس والقمر ". وقال عطاء بن يسار: يجمع بينهما يوم القيامة، ثم يقذفان في البحر, فيكونان نار الله الكبرى، أو: جمع بينهما في الطلوع من المغرب. {يقول الإِنسانُ يومَئذٍ} أي: حين تقع هذه الأمور العظام: {أين المفَرُّ} أي: الفرار من النار، يائساً منه، والمراد بالإنسان: الكافر، أو: الجنس، لشدة الهول. قال القشيري: وذلك حين تُقاد جهنم بسبعين ألف سلسلة، كل سلسلة بيد سبعين ألف مَلَك، فيقول الإنسان: أين المفر؟ فيقال: لا مهرب من قضاء الله، "إلى ربك يومئذ المستقر"، أي: لا محيد عن حكمه. هـ. والمفر: مصدر، وقرأ الحسن بكسر الفاء، فيحتمل المكان أو المصدر. {كلاَّ}؛ ردعٌ عن طلب المفرّ وتمنِّيه، {لا وَزرَ}؛ لا ملجأ ولا حصن، وأصل الوَزر: الجبل الذي يمتنع فيه. قال السدي: كانوا إذا فزعوا تحصَّنوا في الجبال، فقال تعالى: لا جبل يعصمكم يومئذ مني، {إِلى ربك يومئذ المستقَرُّ} أي: إليه خاصة استقرار العباد, ومنتهى سيرهم، أو: إلى حُكمه استقرار أمرهم، أو: إلى مشيئته موضع قرارهم، يُدخل مَن يشاء الجَنة ومَن يشاء النار، {يُنبّأُ الإِنسانُ يومئذٍ} أي: يُخبر كل امرىء، برًّا كان أو فاجراً، عند وزن الأعمال {بما قَدَّم} من عمله خيراً كان أو شرًّا، فيُثاب على الأول، ويُعَاقب على الثاني، {وما أخَّرَ} أي: لم يعمله خيراً كان أو شرًّا، فيُعاقب بالأول ويثاب على الثاني، أو: بما قدّم من حسنة أو سيئة قبل موته، وبما أَخَّرَ من حسنة أو سيئة سَنَّها فعُمل بها بعد موته، أو: بما قدّم في أول عمره، وأخَّرَ عمله في آخر عمره، أو: بما قَدَّم من أمواله أمامه، وأخَّرَ آخره لورثته، نظيره. { أية : عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} تفسير : [الانفطار:5]. {بل الإِنسانُ على نفسِهِ بصيرةٌ} أي: شاهِدٌ بما صدر عنه من الأعمال السيئة، كما يُعرب عنه التعبير بـ"على" وما سيأتي من الجملة الحالية، والتاء للمبالغة، كعلاّمة، أو: أنّثه لأنه أراد به جوارحه؛ إذ هي التي تشهد عليه، أو: هو حُجّة على نفسه، والبصيرة: الحُجة، قال الله تعالى: {أية : قَدْ جَآءَكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِكُمْ }تفسير : [الأنعام:104] وتقول لغيرك: أنت حُجّة على نفسك. ومعنى "بل": الترقي، أي: يُنبأ الإنسان بأعماله، بل هو يومئذ عالم بتفاصيل أحواله، شاهد على نفسه، لأنّ جوارحه تنطق بذلك. و"بصيرة": مبتدأ، و"على نفسه": خبر مقدّم، والجملة: خبر "الإنسان"، {ولو أَلْقَى معاذِيرَه}: حال من الضمير في "بصيرة"، أو: من مرفوع (ينبأ) أي: ولو جاء بكل معذرة يعتذر بها عن نفسه أي: هو بصيرة على نفسه، تشهد عليه جوارحُه، ويُعمل بشهادتها، ولو اعتذر بكل معذرة، أو يُنبأ بأعماله ولو اعتذر..الخ. والمعاذير: اسم جمع للمعذرة، كالمناكير اسم جمع للمنكَر، لا جمع؛ لأنّ جمعها معاذِر بالقصر، وقيل: جمع "مِعْذار" وهو: الستر، أي: ولو أرخى ستوره. وقيل: الجملة استئنافية، أي: لو ألقى معاذيره ما قُبلت منه، لأنَّ عليه مَن يُكذِّب عُذره، وهي جوارحه. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد قرن الله تعالى قسَمَه بالنفس اللوّامة بِقسَمِه بيوم القيامة، لمشاركتها له في التعظيم، بل النفس اللوَّامة أعظم رتبة عند الله، لأنها تكون لوّامة تلوم صاحبها على القبائح، ثم تكون لهَّامة تُلهمه الخيرات والعلوم اللدنية، ثم تكون مطمئنة، حين تطمئن بشهود الحق بلا واسطة، بل تستدل بالله على غيره، فلا ترى سواه، فحينئذ ترجع إلى أصلها، وتُرجع الأشياء كلها إلى أصولها، وهو القِدَم والأبد، فيتلاشى الحادث ويبقى القديم وحده، كما كان وحده. فالنفوس أربعة: أمّارة، ولوّامة، ولهّامة، ومطمئنة، وهي في الحقيقة نفس واحدة، تتطور وتتقلب من حال إلى حال، باعتبار التخلية والتحلية، والترقية والتردية, فأصلها الروح، فلما تظلّمت سميت نفساً أمّارة, ثم لوّامة، ثم لهّامة، ثم مطمئنة. قال القشيري: أيحسب الإنسان، أي: الإنسان المحجوب بنفسه وهواه، ألَّن نجمع عِظامه؛ أعماله الحسنة والسيئة، بلى قادرين على أن نُسَوِّي بنانه، أي: صغار أفعاله الحسنة والسيئة، بل يُريد الإنسان المحجوب لِيَفْجُرَ أمامه، بحسب الاعتقاد والنية، قبل الإتيان بالفعل، أي: يعزم على المعاصي في المستقبل قبل أن يفعل، يسأل أيَّان يوم القيامة؟ لطول أمله، ونسيان آخرته، ولو فُتحت بصيرتُه لَشَاهد القيامة في كل ساعة ولحظة، بتعاقب تجلي الإفناء والإبقاء. فإذا بَرِقَ البصرُ: تحيّر من سطوات أشعة سبحات التجلِّي الأحدي الجمعي، وخسَف القمر, أي: ستر نور قمر القلب بنور شمس الروح، وجُمع الشمس والقمر، أي: جُمع شمس الروح وقمر القلب، بالتجلِّي الأحدي الجمعي، يعني: فيغيب نور قمر الإيمان في شعاع شمس العرفان، يقول الإنسان يومئذ: أين المفر؟ من خوف الاضمحلال والاستهلاك، وليس عنده حينئذ قوة التمكين فيخاف من الاصطلام، إلى ربك يومئذ المستقر بالرسوخ والتمكين، بعد الفرار إلى الله، قال تعالى: {أية : فَفِرُّوا إِلَى اللهِ }تفسير : [الذاريات:50]. هـ. بالمعنى. يُنبأ الإنسانُ يومئذٍ بما قَدَّم من المجاهدة، حيث يرى ثمرتها، وما أَخَّرَ، حيث يرى شؤم تفريطه فيها، فالمشاهدة على قدر المجاهدة، فبقدر ما يُقَدِّم منها تعظم مشاهدته، وبقدر ما يُؤخِّر منها تَقِلّ. بل الإنسان على نفسه بصيرة، يرى ما ينقص من قلبه وما يزيد فيه، ويشعر بضعفه وقوته، إن صحّت بصيرته، وطهرت سريرته، فإذا فرط في حال سيره لا يقبل عذره، ولو ألقى معاذيره. وبالله التوفيق. ولَمَّا كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل الوحي يتلقاه من جبريل قبل أن يقضي نزوله، فإذا قرأ عليه جبريلُ لم يفرغ من الآية حتى يقرأها النبيُّ صلى الله عليه وسلم مخافة أن يتفلّت من صدره، فنزل قوله تعالى: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ}.
الطوسي
تفسير : قرأ {برق} بفتح الراء اهل المدينة وأبان عن عاصم، الباقون بكسر الراء وقرأ القواس عن ابن كثير {لأقسم} باثبات القسم جعل اللام لام تأكيد، واقسم، والاختيار لمن قصد هذا {لأقسمن} وقد روي ذلك عن الحسن، قال: لان الله تعالى اقسم بيوم القيامة، ولم يقسم بالنفس اللوامة. وقال مقاتل: لم يقسم الله تعالى بالقيامة إلا فى هذه السورة فقط. الباقون {لا أقسم} التقدير بنفي اليمين فى اللفظ واختلف في ذلك النحويون فقال ابو عبيدة والكسائي (لا) صلة والتقدير اقسم. وقال قوم (لا) تزيدها العرب لا إبتداء، لكن (لا) ها هنا رد لقوم انكروا البعث وكفروا بالتنزيل. فقال الله {لا} أي ليس كما تقولون. ثم قال {أقسم بيوم القيامة} قال ابن خالويه: (لا) تنقسم اربعين قسما ذكرته في كل مفرد. قوله {لا أقسم} معناه اقسم و (لا) صلة في قول سعيد بن جبير. وقال ابن عباس (لا) تأكيد كقولك: لا والله. بلى والله ما كان كذا، فكأنه قال لا، اقسم بيوم القيامة ما الأمر على ما توهموه. والقسم تأكيد الخبر بما جعله في حيز المتحقق. والمعنى اقسم بيوم القيامة ويوم القيامة هو النشأة الاخيرة التي تقوم فيها الناس من قبورهم للمجازاة، وبذلك سميت القيامة، ويومها يوم عظيم، على خطر عظيم جسيم. وقوله {ولا أقسم بالنفس اللوامة} قسم ثان، ومعناه معنى الاول. وقال الحسن: أقسم تعالى بيوم القيامة ولم يقسم بالنفس اللوامة، بل نفى ان يقسم بها. قال الرماني: وهذا يضعف، لانه يخرج عن تشاكل الكلام. وقيل: ان جواب القسم محذوف، وتقديره ما الامر على ما تتوهمون. وقال قوم: جواب القسم قوله {بلى قادرين}. واللوامة الكثيرة اللوم لقلة رضاها بالأمر وتمييز ما يرضى مما لا يرضى، وما يلام عليه مما لا يلام عليه. وقال ابن عباس: اللوامة من اللوم. وقال مجاهد: تلوم على ما مضى وفات. وقال قتادة: اللوامة الفاجرة، كأنه قال ذات اللوام الكثير. وقال سعيد بن جبير: هي التي تلوم على الخير والشر وقيل: معناه لا صبر لها على محن الدنيا وشدائدها، فهي كثيرة اللوم فيها. وقال الحسن: اللوامة هي التي تلوم نفسها على ما ضيعت من حق الله يوم القيامة، وهي نفس الكافر. وقيل: معناها أنها تلوم نفسها في الآخرة على الشر لم عملته وعلى الخير هلا استكثرت منه. وقوله {أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه} صورته صورة الاستفهام ومعناه الانكار على من أنكر البعث والنشور، فقال الله له ايظن الانسان الكافر أن لن نجمع عظامه ونعيده إلى ما كان أولا عليه. ثم قال: ليس الأمر على ما ظنه {بلى قادرين على أن نسوي بنانه} قال ابن عباس: يجعل بنانه كالخف والحافر فيتناول المأكول بفيه، ولكننا مننا عليه. وقال قتادة كخف البعير او حافر الدابة. ونصب {قادرين} على أحد وجهين: احدهما - على تقدير بلى نجمعها قادرين. والآخر - بلى نقدر قادرين إلا أنه لم يظهر {نقدر} لدلالة {قادرين} عليه، فاستغني به. وقيل: معناه بلى قادرين على ان نسوي بنانه حتى نعيده على ما كان عليه خلقاً سوياً. وقوله {بل يريد الإنسان ليفجر أمامه} اخبار منه ان الانسان يفجر أمامه ومعناه يمضي أمامه راكباً رأسه في هواه - في قول مجاهد - أي فهذا الذي يحمله على الاعراض عن مقدورات ربه، فلذلك لا يقر بالبعث والنشور. وقال الزجاج: إنه يسوف بالتوبة ويقدم الاعمال السيئة. قال: ويجوز أن يكون المراد ليكفر بما قدامه من البعث بدلالة قوله {يسأل أيان يوم القيامة} فهو يفجر أمامه بأن يكذب بما قدامه من البعث. وقوله {يسأل أيان يوم القيامة} معناه ان الذي يفجر أمامه يسأل متى يكون يوم القيامة؟ فمعنى {أيان} (متى) إلا ان السؤال بـ (متى) اكثر من السؤال بـ {أيان}، فلذلك حسن ان يفسر بها لما دخلها من الابهام الذي يحتاج فيه الى بيان ما يتصل بها من الكلام. والسؤال على ضربين: سؤال تعجيز، وسؤال طلب للتبيين. وقوله {فإذا برق البصر} فالبرق اللمعان بالشعاع الذي لا يلبث، لانه مأخوذ من البرق، يقال: برق يبرق برقاً، وإنما قيل {برق البصر} لان ذلك يلحقه عند شدة الأمر، والبارقة الذين تلمع سيوفهم إذا جردوها كالبرق، وانشد ابو عبيدة للكلابي: شعر : لما اتاني ابن عمير راغباً اعطيته عيساً صهاباً فبرق تفسير : بكسر الراء وانشد الفراء: شعر : نعاني حنانة طوباً له يسف يبساً من العشرق فنفسك فانع ولا تنعني وداو الكلوم ولا تبرق تفسير : بالفتح، أي لا تفزع من هول الجراح، و (حنانة) اسم رجل و (طوبا) له نعجة، وقال ابن خالويه: من كسر قال: لان {برق} بالفتح لا يكون إلا في الضوء يقال برق البرق إذا لمع، وبرق الحنظل، فاما برق بالكسر، فمعناه تحير، والذي قاله اهل اللغة إنهما لغتان، وتقول العرب، لكل داخل: برقة أي دهشة. وقال الزجاج: برق إذا فزع وبرق اذا حار. وقوله {وخسف القمر} أي ذهب نوره بغيبة النور عن البصر، وخسف وكسف بمعنى كأنه يذهب نوره فى خسف من الارض فلا يرى. وقوله {وجمع الشمس والقمر} أي جمعا فى ذهاب نورهما بما يراه الانسان والجمع جعل احد الشيئين مع الآخر. والجمع على ثلاثة اقسام: جمع فى المكان، وجمع فى الزمان، وجمع الاعراض فى المحل. وجمع الشيئين في حكم او صفة مجاز، وقوله {يقول الإنسان يومئذ أين المفر} اخبار من الله تعالى بأن الانسان يقول فى ذلك الوقت: اين المهرب؟ والفرار بفتح الفاء. وروي عن ابن عباس {أين المفر} بكسر الفاء، قال الزجاج: المفر بفتح الفاء مصدر، وبالكسر مكان الفرار. وهذا سؤال تعجيز عن وجود مفر يهرب اليه من عذاب الله فى ذلك اليوم. وقيل فيه معنى جواب هذا السائل، كأنه قيل يوم القيامة إذا برق البصر وخسف القمر وجمع الشمس والقمر. والمفر مصدر. ويجوز فيه الكسر، ومثله مدب ومدب وقال البصريون: الكسر لمكان الفرار. وقال الفراء الفتح والكسر لغتان.
الجنابذي
تفسير : {لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ وَلاَ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ} لفظة لا مزيدة للتّأكيد او جواب ونفى لاعتقادهم لعدم البعث، او نفى للقسم والمعنى لا اقسم بيوم القيامة لانّكم لا تعتقدونه، ولا اقسم بالنّفس اللّوّامة لعدم اعتقادكم لها. اعلم، انّ النّفس ذات انواعٍ واصنافٍ كثيرةٍ وكلّ فردٍ منها ذات مراتب ودرجات عديدةٍ، والنّفس الانسانيّة ذات مراتب، فمرتبة منها تسمّى بالامّارة وهى الّتى تكون محكومةً وخادمةً للشّيطنة والغضب والشّهوة ولا تكون الاّ امّارةً بالسّوء، ومرتبة منها تسمّى باللّوّامة وهى الّتى تلوم نفسها فى جميع فعالها فى سيّئاتها لسؤئتها وفى خيراتها لقصورها وتقصيرها ونسبتها الى نفسها، ومرتبة منها تسمّى بالمطمئنّة لاطمينانها عن كدّ الطّلب لخروجها من قوّتها الى الفعليّات.
الأعقم
***تفسير : قوله: {لا أقسم} قسم جوابه محذوف وتقديره أقسم بيوم القيامة أنه كائن، وقيل: جوابه ليجمعنها، وقيل: لا صلة والمراد أقسم، وقيل: لا تأكيد كقوله: {لا} والله ما كان كذا، كأنه قيل: {أقسم بيوم القيامة} ما الأمر على ما يظنون، وقيل: لا رد لكلام المشركين، ثم ابتدأ القسم فقال: أقسم {ولا أقسم بالنفس اللوّامة} قيل: هي النفس المؤمنة يلومُ نفسه بالدنيا ويحاسبها ويقول: ماذا فعلت؟ ولم قصرت؟ وقيل: البرة والفاجرة، فالبرَّة على التقصير، والفاجرة على الفجور {أيحسب الإِنسان} أيظن الإِنسان يعني المنكر للبعث {أن لن نجمع عظامه} بعد تفرقها {بلى قادرين} قيل: تقديره بلى ونحن قادرون على جمعها وبعثها، وقيل: تقديره بلى نقدر على تسوية {بنانه} وهو أطراف الأصابع، وقيل: بلى من قدر على تأليف البنان مع صغرها وكثرة المفاصل قدر على إعادتها {بل يريد الإِنسان ليفجر أمامه} قيل: معناه يمضي أمامه قداماً في معاصي الله راكباً رأسه وهواه ولا يتوب، وقيل: يقدم الذنب ويؤخر التوبة حتى يأتيه الموت على أشر أحواله {يسأل أيَّان يوم القيامة} متى يكون تقدير يوم القيامة {فإذا برق البصر} قيل: شخص ناظره فلا يطرف من هول ما يرى، وقيل: حار ودهش {وخسف القمر} ظلم وذهب ضوؤه، وقيل: غاب {وجمع الشمس والقمر} قيل: جمع بينهما أسودين مكورين، وقيل: جمع بينهما في ذهاب الضياء، وقيل: في طلوعهما من المغرب.
الهواري
تفسير : تفسير سورة القيامة، وهي مكية كلها {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: {لآ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} هذا قسم، وهي كلمة عربية: أقسم، ولا أقسم واحد. أراد القسم. قال: {وَلآ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ}. ذكروا عن الحسن أنها نفس المؤمن لا تلقاه إلا وهو يلوم نفسه، ويقول: ماذا أردت بكلامي، وما أردت بحديث نفسي، فلا نلقاه إلا وهو يعاتبها [يندم على ما فات ويلوم نفسه]. قوله عز وجل: {أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ} وهو المشرك {أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ} أي: أن لن نبعثه. {بَلَى قَادِرينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ}. قال عمر بن عبد العزيز: {بَلَى قَادِرينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ} مفاصله. يعني البعث. وهو مثل قوله: (أية : وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ) تفسير : [الأنفال:12] أي: كل مفصل. وقال بعضهم: {بَلَى قَادِرينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ} أي أصابعه فيجعلها مثل خف البعير أو كحافر الدابة، يعني في الدنيا. وتفسير مجاهد: كخف البعير فلا يعمل بها شيئاً. قال تعالى: {بَلْ يُرِيدُ الإِنسَانُ} وهو المشرك {لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ} قال الحسن: فلا تلقاه إلا يمضي قدماً، لا يعاتب نفسه كما يعاتبها المؤمن. ذكروا عن عمرو عن الحسن قال: يمضي على فجوره حتى يلقى ربه.
اطفيش
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {لاَ أُقسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} لا زائدة تأكيد للقسم وزيادة لا تاكيدا له قبل مجيئه كثيرة إذا كان جوابه منفيا وقيل زيدت لمجرد التوكيد ورد بان هذه تكون حشوا واجيب بأن القرآن كالسورة وقدموا غير ذلك وتأكيد القسم راجع إلى جوابه وإن شئت فقل لتاكيد الجواب ويزاد ايضا قبل القسم الذي جوابه مثبت قال الله ادخال لا النافية على فعل القسم مستفيض في كلامهم واشعارهم قال امرء القيس شعر : *لا وأبيك وابنه العامري* تفسير : لا يدعي القوم اني افر وفائدتها توكيد القسم وقالوا إنها صلة مثلها في {أية : لئلا يعلم أهل الكتاب} تفسير : وفي قوله بئر في بئر لا حور سرا وما شعر. واعترضوا عليه انها انما تزاد في وسط الكلام لا في اوله واجابوا بأن القرآن في حكم سورة واحدة متصل بعضها ببعض والاعتراض صحيح لانها لم تقع مزيدة الا في وسط الكلام والجواب غير سديد ألا ترى الى امرء القيس كيف زادها في مستهل قصيدته والوجه ان يقال هي للنفي والمعنى في ذلك أنه لا يقسم بالشيء إلا إعظاما له يدلك عليه قوله تعالى {أية : فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم} تفسير : فكأنه بادخال حرف النفي يقول ان اعظامي له باقسامي به كلا اعظام يعني أنه يستاهل فوق ذلك، وقيل ان لا نفي لكلام قبل ذلك كأنهم أنكروا البعث فقيل لا أي ليس الأمر على ما ذكرتم ثم قيل {أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} فإن قلت قوله تعالى {أية : فلا وربك لا يؤمنون}تفسير : والأبيات التي انشدتها للقسم عليه منها منفي فهلا زعمت ان لا التي قبل القسم زيدت موطئة للنفي بعده ومؤكدة له وقدرت للقسم عليه المحذوف ها هنا منفيا كقوله {لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} لا تتركون سدى، قلت لو قصروا الامر على النفي دون الاثبات لكان لهذا القول مساغ ولكنه لم يقصر الا ترى كيف قال {أية : لا أقسم بهذا البلد} تفسير : الخ وقال {أية : فلا أقسم بمواقع النجوم} تفسير : الخ وقرئ لا قسم بدون الف بعد لا على أن اللام للابتداء وأقسم خبر مبتدأ محذوف اي لانا أقسم قالوا ويعضده انه في الامام بغير الف انتهى قلت قرأ قنبل بغير الف بعد لا وكذا روي النقاش عن ابي ربيعة عن البزي والباقون بألف ولا خلاف في الثاني ونقول معنى كون القرآن كسورة أنه، لا يتناقض ولا نسلم أن قوله {أية : ما أنت بنعمة ربك بمجنون} تفسير : جواب لقولهم يا أيها الذي نزل عليه الذكر أنك لمجنون بل كلام رد به ما اعتقدوه أو نطقوا به مراراً مطلقا لا بقيد كونه جوابا للفظ مخصوص وعن المغيرة بن شعبة يقولون القيمة وقيامة احدهم موته وشهد علقمه جنازة فلما دفن قال اما هذا فقد قامت قيامته ومرادها ان يوم موت احدهم كيوم القيامة عليه لا تفسير الآية بذلك والا فقد اتفق المفسرون على أن المراد القيامة الكبرى لسياق الآية.
اطفيش
تفسير : {لاَ أُقْسِمُ بِيَومِ الْقِيَامَةِ} لا نافية أى لا أُقسم به عظم شأْنى وأنا صادق مصدق عند المؤْمنين ولو كنت أقسم بما شئت إِذا قلت لحكمة، أو لا اقسم به لوضوح الأَمر وفى ذلك إِعظام ليوم القيامة فى هذا المقام أى لو كنت أقسم لأَقسمت به كقولك لا أقسم بالله إِذا عظمت الحلف بالله تعالى أو لا أقسم بيوم القيامة الذى من شأْنه الإِقسام به قلباً لإِنكارهم له كقوله تعالى فى إِثبات حياة الغزاة إِذ قال المشركون ماتوا "أية : والعاديات ضبحاً.." تفسير : [العاديات: 1] الخ.. ولا نقبل تفسير القيامة بمطلق موت الإِنسان من قول المغيرة بن شعبة يقولون القيامة وقيامة كل أحد موته وقول علقمة لجنازة حضرها، أما هذا فقد قامت قيامته لتواتر يوم القيامة ليوم البعث وقيل نافية لمحذوف أى لا ينتفى البعث كما زعمتم بل هو ثابت أقسم به ويرده ذكر لا مع العطف بعد، وقيل لا صلة للتأْكيد تزاد أول الكلام كما تزاد وسطه كقوله: شعر : لا وأبيك ابنة العامر ى لا يدعى القوم أنى أفر تفسير : وقوله: شعر : خليلى لا والله ما من ملمة تدوم على حى وإِن هى جلت تفسير : وقيل إِنما تزاد وسطاً وهنا لأَن القرآن ككلام واحد ويرده أنه ككلام واحد فى تصديق بعضه بعضاً وتقييده ببعض لا فى مثل هذا كما أُجيب قوله تعالى "أية : يا أيها الذي نُزل عليه الذكر إِنَّك لمجنون" تفسير : [الحجر: 6] بقوله تعالى "أية : ما أنت بنعمة ربك بمجنون" تفسير : [القلم: 2] وقيل لام الابتداء وألف أنا، وقيل لام الابتداء أشبعت ودخلت على المضارع وعلى أن لا نفى للقسم لا جواب له ولا بأْس بهذا، وقيل الجواب مطلقاً محذوف تقديره لتبعثن وقيل جوابه أيحسب الإِنسان ويرده أن جوابه لا يكون بلى وأنه جواب لغير القسم وقيل اللام فى خبر إِن أى إِنى لا أقسم وأشبعت بأَلف زائدة ويدل لمثل هذا قراءة قنبل لاقسم بلا إِشباع وقيل لام قسم دخلت على المضارع دون أن يؤكد بالنون ومثل ذلك فى قوله: {وَلاَ أُقسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} المؤمنة والكافرة لأَن من شأنها أن تأْتى بما تلام عليه فهو للنسب ولا مفعول له أو تلوم نفسها فلها مفعول، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : ما من نفس فاجرة ولا برة إِلا تلوم نفسها يوم القيامة إِنْ عملت خيراً قالت كيف لم أزد منه وإِنْ عملت شراً، قالت ليتني لم أعمله" تفسير : وضمت إِلى يوم القيامة لأَن المقصود بعثها فيه للجزاء وفيه تظهر سعادتها أو شقوتها وليس اللوم داخلا فى التعظيم بل تعظيمها لكونها خلقة عجيبة صالحة للأُمور العظام ولا سيما نفس المؤمن وفائدة ذكر اللوم الزجر والتنبيه على ما سيقع أو خصها ليوم القيامة مراداً بها نفس المؤمن الممدوحة بتمنى زيادة الخير وأن لا تكون أساءَت تجتهد ولا تزال تلوم نفسها وتنسبها للتقصير، وقيل نفوس الأَخيار التى تلوم الأَشرار يوم القيامة أو لا الأُولى صلة والثانية نافية أى أُقسم بيوم القيامة لعظمه ولا أقسم بالنفس اللوامة لخستها أو النفس اللوامة التى لم تزل تلوم نفسها على طاعة وتجتهد أى لا أقسم بها لأَن الأَمر ظاهر، وقيل المراد نفس آدم إِذ لم تزل تندم عن الأَكل من الشجرة الموجب لإِخراجه من الجنة والنفس اللوامة دون الأَمارة بالسوء تعمل المعصية وتندم جداً والأَمارة بالسوء المبالغة فى المعصية وهى مأْوى الشرور وتوبتها قليلة والمطمئنة الراسخة فى الخير وهذا اصطلاح وإِلا فالنفس أمارة بالسوء إِلا ما رحم ربى، وقيل نفس الشقى لامته على المعصية الموجبة للشقوة تقول يا حسرتى على ما فرطت.
الالوسي
تفسير : إدخال (لا) النافية صورة على فعل القسم مستفيض في كلامهم وأشعارهم قال امرؤ القيس: شعر : لا وأبيك ابنة العامري لا يدعي القوم أني أفر تفسير : وقول غوية بن سلمى يرثي:شعر : ألا نادت أمامة باحتمال لتحزنني فلا بك ما أبالي تفسير : وملخص ما ذهب إليه جار الله في ذلك أن (لا) هذه إذا وقعت في خلال الكلام كقوله تعالى {أية : فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [النساء: 65] فهي صلة / تزاد لتأكيد القسم مثلها في قوله تعالى: {أية : لّئَلاَّ يَعْلَمَ }تفسير : [الحديد: 29] لتأكيد العلم وأنها إذا وقعت ابتداء كما في هذه السورة وسورة البلد فهي للنفي لأن الصلة إنما تكون في وسط الكلام، ووجهه أن إنشاء القسم يتضمن الإخبار عن تعظيم المقسم به فهو نفي لذلك الخبر الضمني على سبيل الكناية، والمراد أنه لا يعظم بالقسم لأنه في نفسه عظيم أقسم به أولاً ويترقى من هذا التعظيم إلى تأكيد المقسم عليه إذ المبالغة في تعظيم المقسم به تتضمن المبالغة فيه، فما يختلج في بعض الخواطر من أنه يلزم أن يكون على هذا إخباراً لا إنشاءً فلا يستحق جواباً وأن المعنى على تعظيم المقسم عليه لا المقسم به مدفوع. ووراء ذلك أقوال فقيل إنها لنفي الإقسام لوضوح الأمر، وقال الفراء لنفي كلام معهود قبل القسم ورده فكأنهم هنا أنكروا البعث فقيل لا أي الأمر كذلك ثم قيل أقسم بيوم القيامة. وقدح الإمام فيه بإعادة حرف النفي بعد. وقيل إنها ليست لا وإنما اللام أشبعت فتحتها فظهر من ذلك ألف والأصل (لأقسم) كما قرأ به قنبل وروي عن البزي والحسن وهي لام الابتداء عند بعض والأصل لأنا أقسم وحذف المبتدأ للعلم به ولام التأكيد دخلت على الفعل المضارع كما في {أية : إِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ}تفسير : [النحل: 124] والأصل إني لأقسم عند بعض ولام القسم ولم يصحبها نون التوكيد لعدم لزوم ذلك وإِنما هو أغلبـي على ما حكي عن سيبويه مع الاعتماد على المعنى عند آخرين. وقال الجمهور إنها صلة واختاره جار الله في «المفصل» وما ذكر من الاختصاص غير مسلم لأن الزيادة إذا ثبتت في القسم فلا فرق بين أول الكلام وأوسطه لا أنه مسلم لكن القرآن في حكم سورة واحدة متصل بعضه ببعض لأن كونه كذلك بالنسبة إلى التناقض ونحوه لا بالنسبة إلى مثل هذا الحكم، ثم فهم ما ذكره في توجيه النفي من اللفظ بعيد وحال سائر الأقوال غير خفي، وقد مر بعض الكلام في ذلك فتذكر. والكلام في قوله تعالى: {وَلاَ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ}.
سيد قطب
تفسير : هذه السورة الصغيرة تحشد على القلب البشري من الحقائق والمؤثرات والصور والمشاهد، والإيقاعات واللمسات، ما لا قبل له بمواجهته ولا التفلت منه.. تحشدها بقوة، في أسلوب خاص، يجعل لها طابعاً قرآنياً مميزاً، سواء في أسلوب الأداء التعبيري، أو أسلوب الأداء الموسيقي، حيث يجتمع هذا وذاك على إيقاع تأثير شعوري قوي، تصعب مواجهته ويصعب التفلت منه أيضاً! إنها تبدأ في الآيتين الأوليين منها بإيقاع عن القيامة، وإيقاع عن النفس: {لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة}.. ثم يستطرد الحديث فيها متعلقاً بالنفس ومتعلقاً بالقيامة، من المطلع إلى الختام، تزاوج بين النفس وبين القيامة حتى تنتهي. وكأن هذا المطلع إشارة إلى موضوع السورة. أو كأنه اللازمة الإيقاعية التي ترتد إليها كل إيقاعات السورة، بطريقة دقيقة جميلة.. من تلك الحقائق الكبيرة التي تحشدها هذه السورة في مواجهة القلب البشري، وتضرب بها عليه حصاراً لا مهرب منه.. حقيقة الموت القاسية الرهيبة التي تواجه كل حي، فلا يملك لها رداً، ولا يملك لها أحد ممن حوله دفعاً. وهي تتكرر في كل لحظة، ويواجهها الكبار والصغار، والأغنياء والفقراء، والأقوياء والضعاف، ويقف الجميع منها موقفاً واحداً.. لا حيلة. ولا وسيلة. ولا قوة. ولا شفاعة. ولا دفع. ولا تأجيل.. مما يوحي بأنها قادمة من جهة عليا لا يملك البشر معها شيئاً. ولا مفر من الاستسلام لها، والاستسلام لإرادة تلك الجهة العليا.. وهذا هو الإيقاع الذي تمس به السورة القلوب وهي تقول: {كلا! إذا بلغت التراقي، وقيل: من راق؟ وظن أنه الفراق. والتفَّت الساق بالساق.. إلى ربك يومئذ المساق}.. ومن تلك الحقائق الكبيرة التي تعرضها السورة، حقيقة النشأة الأولى، ودلالتها على صدق الخبر بالنشأة الأخرى، وعلى أن هناك تدبيراً في خلق هذا الإنسان وتقديراً.. وهي حقيقة يكشف الله للناس عن دقة أدوارها وتتابعها في صنعة مبدعة، لا يقدر عليها إلا الله، ولا يدعها أحد ممن يكذبون بالآخرة ويتمارون فيها. فهي قاطعة في أن هناك إلهاً واحداً يدبر هذا الأمر ويقدره؛ كما أنها بينة لا ترد على يسر النشأة الآخرة، وإيحاء قوي بضرورة النشأة الآخرة، تمشياً مع التقدير والتدبير الذي لا يترك هذا الإنسان سدى، ولا يدع حياته وعمله بلا وزن ولا حساب.. وهذا هو الإيقاع الذي تمس السورة به القلوب وهي تقول في أولها: {أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه؟} ثم تقول في آخرها: {أيحسب الإنسان أن يترك سدى؟ ألم يك نطفة من مني يمنى؟ ثم كان علقة فخلق فسوى؟ فجعل منه الزوجين: الذكر والأنثى؟ أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى؟}.. ومن المشاهد المؤثرة التي تحشدها السورة، وتواجه بها القلب البشري مواجهة قوية.. مشهد يوم القيامة وما يجري فيه من انقلابات كونية، ومن اضطرابات نفسية، ومن حيرة في مواجهة الأحداث الغالبة حيث يتجلى الهول في صميم الكون، وفي أغوار النفس وهي تروغ من هنا ومن هناك كالفأر في المصيدة! وذلك رداً على تساؤل الإنسان عن يوم القيامة في شك واستبعاد ليومها المغيب، واستهانة بها ولجاج في الفجور. فيجيء الرد في إيقاعات سريعة، ومشاهد سريعة، وومضات سريعة: {بل يريد الإنسان ليفجر أمامه. يسأل: أيان يوم القيامة. فإذا برق البصر، وخسف القمر، وجمع الشمس والقمر، يقول الإنسان يومئذ: أين المفر؟ كلا! لا وزر، إلى ربك يومئذ المستقر، ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر. بل الإنسان على نفسه بصيره، ولو ألقى معاذيره!}.. ومن هذه المشاهد مشهد المؤمنين المطمئنين إلى ربهم، المتطلعين إلى وجهه الكريم في ذلك الهول. ومشهد الآخرين المقطوعين الصلة بالله، وبالرجاء فيه، المتوقعين عاقبة ما أسلفوا من كفر ومعصية وتكذيب. وهو مشهد يعرض في قوة وحيوية كأنه حاضر لحظة قراءة القرآن. وهو يعرض رداً على حب الناس للعاجلة، وإهمالهم للآخرة. وفي الآخرة يكون هذا الذي يكون: {كلا! بل تحبون العاجلة، وتذرون الآخرة. وجوه يؤمئذ ناضرة، إلى ربها ناظرة. ووجوه يومئذ باسرة، تظن أن يفعل بها فاقرة!}.. وفي ثنايا السورة وحقائقها تلك ومشاهدها تعترض أربع آيات تحتوي توجيهاً خاصاً للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتعليماً له في شأن تلقي هذا القرآن. ويبدو أن هذا التعليم جاء بمناسبة حاضرة في السورة ذاتها. إذ كان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يخاف أن ينسى شيئاً مما يوحى إليه، فكان حرصه على التحرز من النسيان يدفعه إلى استذكار الوحي فقرة فقرة في أثناء تلقيه؛ وتحريك لسانه به ليستوثق من حفظه. فجاءه هذا التعليم: {لا تحرك به لسانك لتعجل به، إن علينا جمعه وقرآنه، فإذا قرأناه، فاتبع قرآنه، ثم إن علينا بيانه}.. جاءه هذا التعليم ليطمئنه إلى أن أمر هذا الوحي، وحفظ هذا القرآن، وجمعه، وبيان مقاصده.. كل أولئك موكول إلى صاحبه. ودوره هو، هو التلقي والبلاغ. فليطمئن بالاً، وليتلق الوحي كاملاً، فيجده في صدره منقوشاً ثابتاً.. وهكذا كان.. فأما هذا التعليم فقد ثبت في موضعه حيث نزل.. أليس من قول الله؟ وقول الله ثابت في أي غرض كان؟ ولأي أمر أراد؟ وهذه كلمة من كلماته تثبت في صلب الكتاب شأنها شأن بقية الكتاب.. ودلالة إثبات هذه الآيات في موضعها هذا من السورة دلالة عميقة موحية على حقيقة لطيفة في شأن كل كلمات الله في أي اتجاه.. وفي شأن هذا القرآن وتضمنه لكل كلمات الله التي أوحى بها إلى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يُخرم منها حرف، ولم تند منها عبارة. فهو الحق والصدق والتحرج والوقار! وهكذا يشعر القلب ـ وهو يواجه هذه السورة ـ أنه محاصر لا يهرب. مأخوذ بعمله لا يفلت. لا ملجأ له من الله ولا عاصم. مقدرة نشأته وخطواته بعلم الله وتدبيره، في النشأة الأولى وفي النشأة الآخرة سواء، بينما هو يلهو ويلعب ويغتر ويتبطر: {فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى. ثم ذهب إلى أهله يتمطى}.. وفي مواجهة تلك الحشود من الحقائق والمؤثرات واللمسات والإيحاءات يسمع التهديد الملفوف: {أولى لك فأولى. ثم أولى لك فأولى} فيكون له وقعة ومعناه! وهكذا تعالج السورة عناد هذا القلب وإعراضه وإصراره ولهوه. وتشعره بالجد الصارم الحازم في هذا الشأن، شأن القيامة، وشأن النفس، وشأن الحياة المقدرة بحساب دقيق. ثم شأن هذا القرآن الذي لا يخرم منه حرف، لأنه من كلام العظيم الجليل، الذي تتجاوب جنبات الوجود بكلماته، وتثبت في سجل الكون الثابت، وفي صلب هذا الكتاب الكريم. وقد عرضنا نحن لحقائق السورة ومشاهدها فرادى لمجرد البيان. وهي في نسق السورة شيء آخر. إذ أن تتابعها في السياق، والمزاوجة بينها هنا وهناك، ولمسة القلب بجانب من الحقيقة مرة، ثم العودة إليه بالجانب الآخر بعد فترة.. كل ذلك من خصائص الأسلوب القرآني في مخاطبة القلب البشري؛ مما لا يبلغ إليه أسلوب آخر، ولا طريقة أخرى.. فلنأخذ في مواجهة السورة كما هي في سياقها القرآني الخاص: {لا أقسم بيوم القيامة، ولا أقسم بالنفس اللوامة، أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه؟ بلى قادرين على أن نسوي بنانه، بل يريد الإنسان ليفجر أمامه، يسأل: أيان يوم القيامة؟ فإذا برق البصر، وخسف القمر، وجمع الشمس والقمر.. يقول الإنسان يومئذ: أين المفر؟ كلا لا وزر. إلى ربك يومئذ المستقر، ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر، بل الإنسان على نفسه بصيرة، ولو ألقى معاذيره}.. هذا التلويح بالقسم مع العدول عنه أوقع في الحس من القسم المباشر؛ وهذا الوقع هو المقصود من العبارة، وهو يتم أحسن تمام بهذا الأسلوب الخاص، الذي يتكرر في مواضع مختلفة من القرآن.. ثم تبرز من ورائه حقيقة القيامة وحقيقة النفس اللوامة. وحقيقة القيامة سيرد عنها الكثير في مواضعه في السورة. فأما النفس اللوامة ففي التفسيرات المأثورة أقوال متنوعة عنها.. فعن الحسن البصري: إن المؤمن والله ما تراه إلا يلوم نفسه: ما أردت بكلمتي؟ ما أردت بأكلتي؟ ما أردت بحديث نفسي؟ وإن الفاجر يمضي قدماً ما يعاتب نفسه.. وعن الحسن: ليس أحد من أهل السماوات والأرضين إلا يلوم نفسه يوم القيامة.. وعن عكرمة: تلوم على الخير والشر: لو فعلت كذا وكذا! كذلك عن سعيد بن جبير.. وعن ابن عباس: هي النفس اللؤوم. وعنه أيضاً: اللوامة المذمومة. وعن مجاهد: تندم على ما فات وتلوم عليه.. وعن قتادة: الفاجرة.. وقال جرير: وكل هذه الأقوال متقاربة المعنى، والأشبه بظاهر التنزيل أنها التي تلوم صاحبها على الخير والشر، وتندم على ما فات. ونحن نختار في معنى {النفس اللوامة} قول الحسن البصري: "إن المؤمن والله ما تراه إلا يلوم نفسه: ما أردت بكلمتي؟ ما أردت بأكلتي؟ ما أردت بحديث نفسي؟ وإن الفاجرة يمضي قدماً ما يعاتب نفسه".. فهذه النفس اللوامة المتيقظة التقية الخائفة المتوجسة التي تحاسب نفسها، وتتلفت حولها، وتتبين حقيقة هواها، وتحذر خداع ذاتها هي النفس الكريمة على الله، حتى ليذكرها مع القيامة. ثم هي الصورة المقابلة للنفس الفاجرة. نفس الإنسان الذي يريد أن يفجر ويمضي قدماً في الفجور، والذي يكذب ويتولى ويذهب إلى أهله يتمطى دون حساب لنفسه ودون تلوم ولا تحرج ولا مبالاة! {لا أقسم بيوم القيامة، ولا أقسم بالنفس اللوامة}.. على وقوع هذه القيامة، ولكنه لما عدل عن القسم، عدل عن ذكر المقسم به، وجاء به في صورة أخرى كأنها ابتداء لحديث بعد التنبيه إليه بهذا المطلع الموقظ: {أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه؟ بلى قادرين على أن نسوي بنانه}.. وقد كانت المشكلة الشعورية عند المشركين هي صعوبة تصورهم لجمع العظام البالية، الذاهبة في التراب، المتفرقة في الثرى، لإعادة بعث الإنسان حياً! ولعلها لا تزال كذلك في بعض النفوس إلى يومنا هذا! والقرآن يرد على هذا الحسبان بعدم جمع العظام مؤكداً وقوعه: {بلى! قادرين على أن نسوي بنانه}.. والبنان أطراف الأصابع؛ والنص يؤكد عملية جمع العظام، بما هو أرقى من مجرد جمعها، وهو تسوية البنان، وتركيبه في موضعه كما كان! وهي كناية عن إعادة التكوين الإنساني بأدق ما فيه، وإكماله بحيث لا تضيع منه بنان، ولا تختل عن مكانها، بل تسوى تسوية، لا ينقص معها عضو ولا شكل هذا العضو، مهما صغر ودق! ويكتفي هنا بهذا التقرير المؤكد، وسيجيء في نهاية السورة دليل آخر من واقع النشأة الأولى. إنما يخلص هنا إلى الكشف عن العلة النفسية في هذا الحسبان، وتوقع عدم جمع العظام.. إن هذا الإنسان يريد أن يفجر، ويمضي قدماً في الفجور، ولا يريد أن يصده شيء عن فجوره، ولا أن يكون هناك حساب عليه وعقاب. ومن ثم فهو يستبعد وقوع البعث، ويستبعد مجيء يوم القيامة: {بل يريد الإنسان ليفجر أمامه. يسأل أيان يوم القيامة؟}.. والسؤال بأيان ـ هذا اللفظ المديد الجرس ـ يوحي باستبعاده لهذا اليوم.. وذلك تمشياً مع رغبته في أن يفجر ويمضي في فجوره، لا يصده شبح البعث وشبح الآخرة.. والآخرة لجام للنفس الراغبة في الشر، ومصد للقلب المحب للفجور. فهو يحاول إزالة هذا المصد، وإزاحة هذا اللجام، لينطلق في الشر والفجور بلا حساب ليوم الحساب. ومن ثم كان الجواب على التهكم بيوم القيامة واستبعاد موعدها، سريعاً خاطفاً حاسماً، ليس فيه تريث ولا إبطاء حتى في إيقاع النظم، وجرس الألفاظ. وكان مشهداً من مشاهد القيامة تشترك فيه الحواس والمشاعر الإنسانية، والمشاهد الكونية: {فإذا برق البصر. وخسف القمر، وجمع الشمس والقمر. يقول الإنسان يومئذ أين المفر؟}. فالبصر يخطف ويتقلب سريعاً سريعاً تقلب البرق وخطفه. والقمر يخسف ويطمس نوره. والشمس تقترن بالقمر بعد افتراق. ويختل نظامهما الفلكي المعهود، حيث ينفرط ذلك النظام الكوني الدقيق.. وفي وسط هذا الذعر والانقلاب، يتساءل الإنسان المرعوب: {أين المفر؟} ويبدو في سؤاله الارتياع والفزع، وكأنما ينظر في كل اتجاه، فإذا هو مسدود دونه، مأخوذ عليه! ولا ملجأ ولا وقاية، ولا مفر من قهر الله وأخذه، والرجعة إليه، والمستقر عنده؛ ولا مستقر غيره: {كلا! لا وزر. إلى ربك يومئذ المستقر}.. وما كان يرغب فيه الإنسان من المضي في الفجور بلا حساب ولا جزاء، لن يكون يومئذ، بل سيكون كل ما كسبه محسوباً، وسيذكر به إن كان نسيه، ويؤخذ به بعد أن يذكره ويراه حاضراً: {ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر}.. بما قدمه من عمل قبل وفاته، وبما أخره وراءه من آثار هذا العمل خيراً كان أم شراً. فمن الأعمال ما يخلف وراءه آثاراً تضاف لصاحبها في ختام الحساب! ومهما اعتذر الإنسان بشتى المعاذير عما وقع منه، فلن يقبل منها عذر، لأن نفسه موكولة إليه، وهو موكل بها، وعليه أن يهديها إلى الخير ويقودها. فإذا انتهى بها إلى الشر فهو مكلف بها وحجة عليها: {بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره}.. ومما يلاحظ أن كل شيء سريع قصير: الفقر. والفواصل. والإيقاع الموسيقي. والمشاهد الخاطفة. وكذلك عملية الحساب: {ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر} هكذا في سرعة وإجمال.. ذلك أنه رد على استطالة الأمد والاستخفاف بيوم الحساب! ثم تجيء الآيات الأربع الخاصة بتوجيه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في شأن الوحي وتلقي هذا القرآن: {لا تحرك به لسانك لتعجل به. إن علينا جمعه وقرآنه. فإذا قرأناه فاتبع قرآنه. ثم إن علينا بيانه}.. وبالإضافة إلى ما قلناه في مقدمة السورة عن هذه الآيات، فإن الإيحاء الذي تتركه في النفس هو تكفل الله المطلق بشأن هذا القرآن: وحياً وحفظاً وجمعاً وبياناً؛ وإسناده إليه سبحانه وتعالى بكليته. ليس للرسول ـ صلى الله عليه وسلم - من أمره إلا حمله وتبليغه. ثم لهفة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وشدة حرصه على استيعاب ما يوحى إليه؛ وأخذه مأخذ الجد الخالص، وخشيته أن ينسى منه عبارة أو كلمة، مما كان يدعوه إلى متابعة جبريل عليه السلام في التلاوة آية آية وكلمة كلمة يستوثق منها أن شيئاً لم يفته، ويثبت من حفظه له فيما بعد! وتسجيل هذا الحادث في القرآن المتلو له قيمته في تعميق هذه الإيحاءات التي ذكرناها هنا وفي مقدمة السورة بهذا الخصوص. ثم يمضي سياق السورة في عرض مشاهد القيامة وما يكون فيها من شأن النفس اللوامة، فيذكرهم بحقيقة نفوسهم وما يعتلج فيها من حب للدنيا وانشغال، ومن إهمال للآخرة وقلة احتفال؛ ويواجههم بموقفهم في الآخرة بعد هذا وما ينتهي إليه حالهم فيها. ويعرض لهم هذا الموقف في مشهد حي قوي الإيحاء عميق الإيقاع: {كلا. بل تحبون العاجلة، وتذرون الآخرة. وجوه يومئذ ناضرة، إلى ربها ناظرة؛ ووجوه يومئذ باسرة، تظن أن يفعل بها فاقرة}.. وأول ما يلحظ من ناحية التناسق في السياق هو تسمية الدنيا بالعاجلة في هذا الموضع. ففضلا عن إيحاء اللفظ بقصر هذه الحياة وسرعة انقضائها ـ وهو الإيحاء المقصود ـ فإن هناك تناسقاً بين ظل اللفظ وظل الموقف السابق المعترض في السياق، وقول الله تعالى لرسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ {لا تحرك به لسانك لتعجل به}.. فهذا التحريك وهذه العجلة هي أحد ظلال السمة البشرية في الحياة الدنيا.. وهو تناسق في الحس لطيف دقيق يلحظه التعبير القرآني في الطريق! ثم نخلص إلى الموقف الذي يرسمه هذا النص القرآني الفريد: {وجوه يؤمئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة}.. إن هذا النص ليشير إشارة سريعة إلى حالة تعجز الكلمات عن تصويرها؛ كما يعجز الإدراك عن تصورها بكل حقيقتها. ذلك حين يعد الموعودين السعداء بحالة من السعادة لاتشبهها حالة. حتى لتتضاءل إلى جوارها الجنة بكل ما فيها من ألوان النعيم! هذه الوجوه الناضرة.. نضرها أنها إلى ربها ناظرة.. إلى ربها..؟! فأي مستوى من الرفعة هذا؟ أي مستوى من السعادة؟ إن روح الإنسان لتستمتع أحياناً بلمحة من جمال الإبداع الإلهي في الكون أو النفس، تراها في الليلة القمراء. أو الليل الساجي. أو الفجر الوليد. أو الظل المديد. أو البحر العباب. أو الصحراء المنسابة. أو الروض البهيج. أو الطلعة البهية. أو القلب النبيل. أو الإيمان الواثق. أو الصبر الجميل.. إلى آخر مطالع الجمال في هذا الوجود.. فتغمرها النشوة، وتفيض بالسعادة، وترف بأجنحة من نور في عوالم مجنحة طليقة. وتتوارى عنها أشواك الحياة، وما فيها من ألم وقبح، وثقلة طين وعرامة لحم ودم، وصراع شهوات وأهواء.. فكيف؟ كيف بها وهي تنظر ـ لا إلى جمال صنع الله ـ ولكن إلى جمال ذات الله؟ ألا إنه مقام يحتاج أولاً إلى مد من الله. ويحتاج ثانياً إلى تثبيت من الله. ليملك الإنسان نفسه، فيثبت، ويستمتع بالسعادة، التي لا يحيط بها وصف، ولا يتصور حقيقتها إدراك! {وجوه يومئذ ناضرة.. إلى ربها ناظرة}.. ومالها لا تتنضر وهي إلى جمال ربها تنظر؟ إن الإنسان لينظر إلى شيء من صنع الله في الأرض. من طلعة بهية، أو زهرة ندية، أو جناح رفاف، أو روح نبيل، أو فعل جميل. فإذا السعادة تفيض من قلبه على ملامحه، فيبدو فيها الوضاءة والنضارة. فكيف بها حين تنظر إلى جمال الكمال. مطلقاً من كل ما في الوجود من شواغل عن السعادة بالجمال؟ فما تبلغ الكينونة الإنسانية ذلك المقام، إلا وقد خلصت من كل شائبة تصدها عن بلوغ ذلك المرتقى الذي يعز على الخيال! كل شائبة لا فيما حولها فقط، ولكن فيها هي ذاتها من دواعي النقص والحاجة إلى شيء ما سوى النظر إلى الله.. فأما كيف تنظر؟ بأي جارحة تنظر؟ وبأي وسيلة تنظر؟.. فذلك حديث لا يخطر على قلب يمسه طائف من الفرح الذي يطلقه النص القرآني، في القلب المؤمن، والسعادة التي يفيضها على الروح، والتشوف والتطلع والانطلاق! فما بال أناس يحرمون أرواحهم أن تعانق هذا النور الفائض بالفرح والسعادة؟ ويشغلونها بالجدل حول مطلق، لا تدركه العقول المقيدة بمألوفات العقل ومقرراته؟! إن ارتقاء الكينونة الإنسانية وانطلاقها من قيود هذه الكينونة الأرضية المحدودة، هو فقط محط الرجاء في التقائها بالحقيقة الطليقة يومذاك. وقبل هذا الانطلاق سيعز عليها أن تتصور ـ مجرد تصور ـ كيف يكون ذلك اللقاء. وإذن فقد كان جدلاً ضائعاً ذلك الجدل الطويل المديد الذي شغل به المعتزلة أنفسهم ومعارضيهم من أهل السنة والمتكلمين حول حقيقة النظر والرؤية في مثل ذلك المقام. لقد كانوا يقيسون بمقاييس الأرض؛ ويتحدثون عن الإنسان المثقل بمقررات العقل في الأرض؛ ويتصورون الأمر بالمدارك المحدودة المجال. إن مدلول الكلمات ذاته مقيد بما تدركه عقولنا وتصوراتنا المحدودة. فإذا انطلقت وتحررت من هذه التصورات فقد تتغير طبيعة الكلمات. فالكلمات ليست سوى رموز يختلف ما ترمز إليه بحسب التصورات الكامنة في مدارك الإنسان. فإذا تغيرت طاقته تغير معها رصيده من التصورات، وتغيرت معها طبيعة مدلول الكلمات. ونحن نتعامل في هذه الأرض بتلك الرموز على قدر حالنا! فما لنا نخوض في أمر لا يثبت لنا منه حتى مدلول الكلمات؟! فلنتطلع إلى فيض السعادة الغامر الهادئ، وفيض الفرح المقدس الطهور، الذي ينطلق من مجرد تصورنا لحقيقة الموقف على قدر ما نملك. ولنشغل أرواحنا بالتطلع إلى هذا الفيض؛ فهذا التطلع ذاته نعمة. لا تفوقها إلا نعمة النظر إلى وجهه الكريم.. {ووجوه يومئذ باسرة، تظن أن يفعل بها فاقرة}. وهي الوجوه الكالحة المتقبضة التعيسة، المحجوبة عن النظر والتطلع، بخطاياها وارتكاسها وكثافتها وانطماسها. وهي التي يشغلها ويحزنها ويخلع عليها البسر والكلوحة توقعها أن تحل بها الكارثة القاصمة للظهر، المحطمة للفقار.. الفاقرة. وهي من التوقع والتوجس في كرب وكلوحة وتقبض وتنغيص.. فهذه هي الآخرة التي يذرونها ويهملونها؛ ويتجهون إلى العاجلة يحبونها ويحفلونها. ووراءهم هذا اليوم الذي تختلف فيه المصائر والوجوه، هذا الاختلاف الشاسع البعيد!!! من وجوه يومئذ ناضرة، إلى ربها ناظرة إلى وجوه يومئذ باسرة، تظن أن يفعل بها فاقرة!!! وإذا كانت مشاهد القيامة.. إذا برق البصر، وخسف القمر، وجمع الشمس والقمر، وقال الإنسان يومئذ أين المفر. ولا مفر. وإذا اختلفت المصائر والوجوه، ذلك الاختلاف الشاسع البعيد، فكانت وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة، ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة.. إذا كانت تلك المشاهد تستمد قوتها وإيقاعها في النفس، من قوة الحقيقة الكامنة فيها، وقوة الأداء القرآني الذي يشخصها ويحييها، فإن السورة بعد عرض تلك المشاهد تقرب وتقرب حتى تلمس حس المخاطبين بمشهد آخر حاضر واقع مكرور، لا تمر لحظة حتى يواجههم في هذه الأرض بقوته ووضوحه ووزنه الثقيل! إنه مشهد الموت. الموت الذي ينتهي إليه كل حي، والذي لا يدفعه عن نفسه ولا عن غيره حي. الموت الذي يفرق الأحبة، ويمضي في طريقه لا يتوقف، ولا يتلفت، ولا يستجيب لصرخة ملهوف، ولا لحسرة مفارق، ولا لرغبة راغب ولا لخوف خائف! الموت الذي يصرع الجبابرة بنفس السهولة التي يصرع بها الأقزام، ويقهر بها المتسلطين كما يقهر المستضعفين سواء! الموت الذي لا حيلة للبشر فيه وهم مع هذا لا يتدبرون القوة القاهرة التي تجريه: {كلا! إذا بلغت التراقي، وقيل: من راقٍ؟ وظن أنه الفراق، والتفت الساق بالساق. إلى ربك يومئذ المساق}.. إنه مشهد الاحتضار، يواجههم به النص القرآني كأنه حاضر، وكأنه يخرج من ثنايا الألفاظ ويتحرك كما تخرج ملامح الصورة من خلال لمسات الريشة! {كلا إذا بلغت التراقي}.. وحين تبلغ الروح التراقي يكون النزع الأخير، وتكون السكرات المذهلة، ويكون الكرب الذي تزوغ منه الأبصار.. ويتلفت الحاضرون حول المحتضر يتلمسون حيلة أو وسيلة لاستنقاذ الروح المكروب:{وقيل: من راقٍ؟} لعل رُقية تفيد!.. وتلوَّى المكروب من السكرات والنزع.. {والتفت الساق بالساق}.. وبطلت كل حيلة، وعجزت كل وسيلة، وتبين الطريق الواحد الذي يساق إليه كل حي في نهاية المطاف: {إلى ربك يومئذ المساق}.. إن المشهد ليكاد يتحرك وينطق. وكل آية ترسم حركة. وكل فقرة تخرج لمحة. وحالة الاحتضار ترتسم ويرتسم معها الجزع والحيرة واللهفة ومواجهة الحقيقة القاسية المريرة، التي لا دافع لها ولا راد.. ثم تظهر النهاية التي لا مفر منها.. {إلى ربك يومئذ المساق}.. ويسدل الستار على المشهد الفاجع، وفي العين منه صورة، وفي الحس منه أثر، وعلى الجو كله وجوم صامت مرهوب. وفي مواجهة المشهد المكروب الملهوف الجاد الواقع يعرض مشهد اللاهين المكذبين، الذين لا يستعدون بعمل ولا طاعة، بل يقدمون المعصية والتولي، في عبث ولهو، وفي اختيال بالمعصية والتولي: {فلا صدق ولا صلى، ولكن كذب وتولى، ثم ذهب إلى أهله يتمطى}!.. وقد ورد أن هذه الآيات تعني شخصاً معيناً بالذات، قيل هو أبو جهل "عمرو بن هشام".. وكان يجيء أحياناً إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يسمع منه القرآن. ثم يذهب عنه، فلا يؤمن ولا يطيع، ولا يتأدب ولا يخشى؛ ويؤذي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالقول، ويصد عن سبيل الله.. ثم يذهب مختالاً بما يفعل، فخوراً بما ارتكب من الشر، كأنما فعل شيئاً يذكر.. والتعبير القرآني يتهكم به، ويسخر منه، ويثير السخرية كذلك، وهو يصور حركة اختياله بأنه {يتمطى!} يمط في ظهره ويتعاجب تعاجباً ثقيلاً كريهاً! وكم من أبي جهل في تاريخ الدعوة إلى الله، يسمع ويعرض، ويتفنن في الصد عن سبيل الله، والأذى للدعاة، ويمكر مكر السيئ، ويتولى وهو فخور بما أوقع من الشر والسوء، وبما أفسد في الأرض، وبما صد عن سبيل الله، وبما مكر لدينه وعقيدته وكاد! والقرآن يواجه هذه الخيلاء الشريرة بالتهديد والوعيد: {أولى لك فأولى. ثم أولى لك فأولى}.. وهو تعبير اصطلاحي يتضمن التهديد والوعيد، وقد أمسك رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بخناق أبي جهل مرة، وهزه، وهو يقول له: {أولى لك فأولى. ثم أولى لك فأولى}.. فقال عدو الله: أتوعدني يا محمد؟ والله لا تستطيع أنت ولا ربك شيئاً. وإني لأعز من مشى بين جبليها!! فاخذه الله يوم بدر بيد المؤمنين بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبرب محمد القوي القهار المتكبر. ومن قبله قال فرعون لقومه: {أية : ما علمت لكم من إله غيري}.. تفسير : وقال: {أية : أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي؟}..تفسير : ثم أخذه الله كذلك. وكم من أبي جهل في تاريخ الدعوات يعتز بعشيرته وبقوته وبسلطانه؛ ويحسبها شيئاً، وينسى الله وأخذه. حتى يأخذه أهون من بعوضة، وأحقر من ذبابة.. إنما هو الأجل الموعود لا يستقدم لحظة ولا يستأخر. وفي النهاية يمس القلوب بحقيقة أخرى واقعية في حياتهم، لها دلالتها على تدبير الله وتقديره لحياة الإنسان. ولها دلالتها كذلك على النشأة الآخرة التي ينكرونها أشد الإنكار. ولا مفر من مواجهتها، ولا حيلة في دفع دلالتها: {أيحسب الإنسان أن يترك سدى؟ ألم يك نطفة من مني يمنى؟ ثم كان علقة فخلق فسوى؟ فجعل منه الزوجين: الذكر والأنثى؟ أليس ذلك بقادر على أن يحيـي الموتى؟}.. وهذا المقطع الأخير العميق الإيقاع، يشتمل على لفتات عميقة إلى حقائق كبيرة. ما كان المخاطبون بهذا القرآن يخطرونها على بالهم في ذلك الزمان. وأولى هذه اللفتات تلك اللفتة إلى التقدير والتدبير في حياة الإنسان: {أيحسب الإنسان أن يترك سدى}.. فلقد كانت الحياة في نظر القوم حركة لا علة لها ولا هدف ولا غاية.. أرحام تدفع وقبور تبلع.. وبين هاتين لهو ولعب، وزينة وتفاخر، ومتاع قريب من متاع الحيوان.. فأما أن يكون هناك ناموس، وراءه هدف، ووراء الهدف حكمة؛ وأن يكون قدوم الإنسان إلى هذه الحياة وفق قدر يجري إلى غاية مقدرة، وأن ينتهي إلى حساب وجزاء، وأن تكون رحلته على هذه الأرض ابتلاء ينتهي إلى الحساب والجزاء.. أما هذا التصور الدقيق المتناسق، والشعور بما وراءه من ألوهية قادرة مدبرة حكيمة، تفعل كل شيء بقدر، وتنهي كل شيء إلى نهاية.. أما هذا فكان أبعد شيء عن تصور الناس ومداركهم، في ذلك الزمان. والذي يميز الإنسان عن الحيوان، هو شعوره باتصال الزمان والأحداث والغايات. وبوجود الهدف والغاية من وجوده الإنساني، ومن الوجود كله من حوله. وارتقاؤه في سلم الإنسانية يتبع نمو شعوره هذا وسعته، ودقة تصوره لوجود الناموس، وارتباط الأحداث والأشياء بهذا الناموس. فلا يعيش عمره لحظة لحظة، ولا حادثة حادثة، بل يرتبط في تصوره الزمان والمكان والماضي والحاضر والمستقبل. ثم يرتبط هذا كله بالوجود الكبير ونواميسه. ثم يرتبط هذا كله بإرادة عليا خالقة مدبرة لا تخلق الناس عبثاً ولا تتركهم سدى. وهذا هو التصور الكبير الذي نقل القرآن الناس إليه منذ ذلك العهد البعيد، نقلة هائلة بالقياس إلى التصورات السائدة إذ ذاك وما تزال هائلة بالقياس إلى سائر التصورات الكونية التي عرفتها الفلسفة قديماً وحديثاً. وهذه اللمسة: {أيحسب الإنسان أن يترك سدى}.. هي إحدى لمسات القرآن التوجيهية للقلب البشري، كي يتلفت ويستحضر الروابط والصلات، والأهداف والغايات، والعلل والأسباب، التي تربط وجوده بالوجود كله، وبالإرادة المدبرة للوجود كله. وفي غير تعقيد ولا غموض يأتي بالدلائل الواقعة البسيطة التي تشهد بأن الإنسان لن يترك سدى.. إنها دلائل نشأته الأولى: {ألم يك نطفة من مني يمنى؟ ثم كان علقة فخلق فسوى؟ فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى؟}. فما هذا الإنسان؟ مما خلق؟ وكيف كان؟ وكيف صار؟ وكيف قطع رحلته الكبيرة حتى جاء إلى هذا الكوكب؟ ألم يك نطفة صغيرة من الماء، من مني يمنى ويراق؟ ألم تتحول هذا النطفة من خلية واحدة صغيرة إلى علقة ذات وضع خاص في الرحم، تعلق بجدرانه لتعيش وتستمد الغذاء؟ فمن ذا الذي ألهمها هذه الحركة؟ ومن ذا الذي أودعها هذه القدرة؟ ومن ذا الذي وجهها هذا الاتجاه؟ ثم من ذا الذي خلقها بعد ذلك جنيناً معتدلاً منسق الأعضاء؟ مؤلفاً جسمه من ملايين الملايين من الخلايا الحية، وهو في الأصل خلية واحدة مع بويضة؟ والرحلة المديدة التي قطعها من الخلية الواحدة إلى الجنين السوي ـ وهي أطول بمراحل من رحلته من مولده إلى مماته ـ والتغيرات التي تحدث في كيانه في الرحلة الجنينية أكثر وأوسع مدى من كل ما يصادفه من الأحداث في رحلته من مولده إلى مماته! فمن ذا الذي قاد هذه الرحلة المديدة، وهو خليقة صغيرة ضعيفة، لا عقل لها ولا مدارك ولا تجارب؟! ثم في النهاية. من ذا الذي جعل من الخلية الواحدة.. الذكر والأنثى؟.. أي إرادة كانت لهذه الخلية في أن تكون ذكراً؟ وأي إرادة لتلك في أن تكون أنثى؟ أم من ذا الذي يزعم أنه تدخل فقاد خطواتهما في ظلمات الرحم إلى هذا الاختيار؟! إنه لا مفر من الإحساس باليد اللطيفة المدبرة التي قادت النطفة المراقة في طريقها الطويل، حتى انتهت بها إلى ذلك المصير.. {فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى}.. وأمام هذه الحقيقة التي تفرض نفسها فرضاً على الحس البشري، يجيء الإيقاع الشامل لجملة من الحقائق التي تعالجها السورة: {أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى؟}.. بلى! سبحانه! فإنه لقادر على أن يحيي الموتى! بلى! سبحانه! فإنه لقادر على النشأة الأخرى! بلى! سبحانه! وما يملك الإنسان إلا أن يخشع أمام هذه الحقيقة التي تفرض نفسها فرضاً. وهكذا تنتهي السورة بهذا الإيقاع الحاسم الجازم، القوي العميق، الذي يملأ الحس ويفيض، بحقيقة الوجود الإنساني وما وراءها من تدبير وتقدير..
ابن عاشور
تفسير : افتتاح السورة بالقسم مؤذن بأن ما سيذكر بعده أمر مهم لتستشرف به نفس السامع كما تقدم في عدة مواضع من أقسام القرآن. وكونُ القَسَم بيوم القيامة براعةُ استهلال لأن غرض السورة وصف بيوم القيامة. وفيه أيضاً كون المقسَم به هو المقسَم على أحواله تنبيهاً على زيادة مكانته عند المُقسِم كقول أبي تمام: شعر : وثَنايَاك إِنَّها اِغرِيضُ ولآَلٍ تُؤْمٌ وبَرْقٌ ومِيضُ تفسير : كما تقدم عند قوله تعالى: {أية : حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربياً}تفسير : في سورة الزخرف (1- 3). وصيغة {لا أقسم} صيغة قسم، أدخل حرف النفي على فعل {أقسم} لقصد المبالغة في تحقيق حُرْمة المقسَم به بحيث يُوهِم للسامع أن المتكلم يهم أن يقسم به ثم يترك القسم مخافة الحنث بالمقسم به فيقول: لا أقسم به، أي ولا أقسم بأعزَّ منه عندي، وذلك كناية عن تأكيد القَسم وتقدم عند قوله تعالى: {أية : فلا أقسم بمواقع النجوم}تفسير : في سورة الواقعة (75). وفيه محسن بديعي من قبيل ما يسمى تأكيد المدح بما يشبه الذم. وهذا لم نذكره فيما مضى ولم يذكره أحد. والقسم {بيوم القيامة} باعتباره ظرفاً لما يجري فيه من عدل الله وإفاضة فضله وما يحضره من الملائكة والنفوس المباركة. وتقدم الكلام على {يوم القيامة} غير مرة منها قوله تعالى: {أية : ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب}تفسير : في سورة البقرة (85). وجواب القسم يؤخذ من قوله: {أيحسب الإِنسان أن لن نجمع عظامه} لأنه دليل الجواب إذ التقدير: لنجمعن عظام الإِنسان أيحسب الإِنسان أن لن نجمع عظامه. وفي «الكشاف» «قالوا إنه (أي لا أقسم) في الإِمام بغير ألف» وتبرأ منه بلفظ (قالوا) لأنه مخالف للموجود في المصاحف. وقد نسب إلى البزي عن ابن كثير أنه قرأ {لأقسم} الأول دون ألف وهي رواية عنه ذكرها الشيخ علي النوري في «غيث النفع» ولم يذكرها الشاطبي. واقتصر ابن عطية على نسبتها إلى ابن كثير دون تقييد، فتكون اللام لامَ قسم. والمشهور عن ابن كثير خلاف ذلك، وعطف قوله: {ولا أقسم} تأكيداً للجملة المعطوف عليها، وتعريف {النفس} تعريف الجنس، أي الأنفس اللوامة. والمراد نفوس المؤمنين. ووصفُ {اللوامة} مبالغة لأنها تُكثر لوم صاحبها على التقصير في التقوى والطاعة. وهذا اللوم هو المعبر عنه في الاصطلاح بالمحاسبة، ولومُها يكون بتفكيرها وحديثها النفسي. قال الحسن «ما يُرى المؤمن إلاّ يلوم نفسه على ما فات ويندم، يلوم نفسه على الشر لِم فعله وعلى الخير لم لا يستكثر منه» فهذه نفوس خيّرة حقيقة أن تشرف بالقَسَم بها وما كان يوم القيامة إلاّ لكرامتها. والمراد اللوامة في الدنيا لوماً تنشأ عنه التوبة والتقوى وليسَ المراد لوم الآخرة إذ {أية : يقول يا ليتني قدمت لحياتي}تفسير : [الفجر: 24]. ومناسبة القسم بها مع يوم القيامة أنها النفوس ذات الفوز في ذلك اليوم. وعن بعض المفسرين أن {لا أقسم} مراد منه عدم القسم ففسر النفس اللوامة بالتي تَلوم على فعل الخير. وقوله: {أيحسب الإِنسان أن لن نجمع عظامه} الخ دليل على جواب القسم إذ تقدير الجواب لنجمعن عظامكم ونبعثكم للحساب. وتعريف {الإِنسان} تعريف الجنس، ووقوعه في سياق الإِنكار الذي هو في معنى النفي يقتضي العموم، وهو عموم عرفي منظور فيه إلى غالب الناس يومئذٍ إذ كان المؤمنون قليلاً. فالمعنى: أيحسب الإِنسان الكافر. وجملة {أن لن نجمع عظامه} مركبة من حرف {أن} المفتوحة الهمزة المخففة النون التي هي أخت (إنّ) المكسورة. واسم {أن} ضمير شأن محذوف. والجملة الواقعة بعد {أنْ} خبر عن ضمير الشأن، فسيبويه يجعل {أن} مع اسمها وخبرها سادّة مسدّ مفعولي فعل الظن. والأخفش يَجعل {أن} مع جزئيها في مقام المفعول الأول (أي لأنه مصدر) ويقدِّر مفعولاً ثانياً. وذلك أن من خواص أفعال القلوب جواز دخول (أن) المفتوحة الهمزة بعدها فيستغني الفعل بـ (أن) واسمها وخبرها عن مفعوليه. وجيء بحرف {لن} الدال على تأكيد النفي لحكاية اعتقاد المشركين استحالة جمع العظام بعد رمامها وتشتتها. قال القرطبي: نزلت في عدي بن ربيعة (الصواب ابن أبي ربيعة) قال للنبي صلى الله عليه وسلم يا محمد حدِّثْني عن يوم القيامة فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عدي: لو عاينتُ ذلك اليوم لم أصدقْك أوَ يجمع الله العظام. فنزلت هذه الآية، ألا قلت: إن سبب النزول لا يخصص الإِنسان بهذا السائل. والعظام: كناية عن الجسد كله، وإنما خصت بالذكر لحكاية أقوالهم {أية : من يُحيي العظام وهي رميم}تفسير : [يس: 78] {أية : أإذا كنا عظاماً ورفاتاً أإنا لمبعوثون}تفسير : [الإسراء: 49] {أية : أإذَا كنا عظاماً نخرة}تفسير : [النازعات: 11] فهم احتجوا باستحالة قبول العظام للإِعادة بعد البِلى، على أن استحالة إعادة اللحم والعصب والفؤاد بالأولى. فإثبات إعادة العظام اقتضى أن إعادة بقية الجسم مساوٍ لإِعادة العظم وفي ذلك كفاية من الاستدلال مع الإِيجاز. ثم إن كانت إعادة الخلق بجَمع أجزاء أجسامهم المتفرقة من ذراتٍ الله أعلم بها، وهو أحد قولين لعلمائنا، ففعل {نجمع} محمول على حقيقته. وإن كان البعث بخلق أجسام أخرى على صور الأجسام الفانية سواء كان خلقاً مستأنفاً أو مبتدأ من أعجاب الأذناب على ما ورد في بعض الأخبار وهما قولان لعلمائنا. ففعل {نجمع} مستعار للخلق الذي هو على صورة الجسم الذي بلِيَ. ومناسبة استعارته مشاكلةُ أقوال المشركين التي أريد إبطالُها لتجنب الدخول معهم في تصوير كيفية البعث، ولذلك لا ترى في آيات القرآن إلاّ إجمالها ومِن ثَم اختلف علماء الإِسلام في كيفية إعادة الأجسام عند البعث. واختار إمام الحرمين التوقف، وآيات القرآن ورد فيها ما يصلح للأمرين. و {بَلَى} حرف إبطال للنفي الذي دل عليه {لن نجمع عظامه} فمعناه بل تجمع عظامه على اختلاف المحملين في معنى الجمع. و {قادرين} حال من الضمير في الفعل المحذوف بعد {بَلَى} الذي يدل عليه قوله: {أن لن نجمع}، أي بل نجمعها في حال قدرتنا على أن نُسوي بَنانه. ويجوز أن يكون {بلى} إبطالاً للنفيين: النفي الذي أفاده الاستفهام الإِنكاري من قوله {أيحسب الإِنسان} والنفي الذي في مفعول {يحسب}، وهو إبطال بزجر، أي بَل لِيحسِبْنا قادرين، لأن مفاد {أن لَنْ نجمع عظامه} أن لا نقدر على جمع عظامه فيكون {قادرين} مفعولاً ثانياً لِيَحْسِبْنَا المقدر، وعدل في متعلق {قادرين} عن أن يقال: قادرين على جمع عظامه إلى قادرين على أن نسوي بنانه لأنه أوفر معنى وأوفق بإرادة إجمال كيفية البعث والإِعادة. ولمراعاة هذه المعاني عُدل عن رفع: قادرون، بتقدير: نحن قادرون، فلم يقرأ بالرفع. والتسوية: تقويم الشيء وإتقان الخلْق قال تعالى: {أية : ونفسٍ وما سَوّاها}تفسير : [الشمس: 7] وقال في هذه السورة: {أية : فخَلَق فسوى}تفسير : [القيامة: 38]. وأريد بالتسوية إعادة خلق البنان مقوَّمة متقنة، فالتسوية كناية عن الخلق لأنها تستلزمه فإنه ما سُوِّيَ إلاّ وقد أُعيد خلقه قال تعالى: {أية : الذي خلق فسوى}تفسير : [الأعلى: 2]. والبَنان: أصابع اليدين والرجلين أو أطرافُ تلك الأصابع. وهو اسم جمع بَنانَةٍ. وإذ كانت هي أصغر الأعضاء الواقعة في نهاية الجسد كانت تسويتها كناية عن تسوية جميع الجسد لظهور أن تسْوية أطراف الجسد تقتضي تسوية ما قبلها كما تقول: قَلعتْ الريح أوتادَ الخيمة كناية عن قلعها الخيمة كلَّها فإنه قد يكنَّى بأطراف الشيء عن جميعه. ومنه قولهم: لك هذا الشيء بأسره، أي مع الحبْل الذي يشد به، كناية عن جميع الشيء. وكذلك قولهم: هوَ لك برُمته، أي بحبله الذي يشد به.
الشنقيطي
تفسير : قال ابن جرير: اختلف القراء في قراءة قوله تعالى: {لآَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ}، فقرأت ذلك عامة قراء الأمصار، لا أقسم مفصولة من أقسم سوى الحسن والأعرج، فإنه ذكر عنهما أنهما كانا يقرآن ذلك: لأقسم بيوم القيامة. بمعنى أقسم بيوم القيامة. ثم دخلت عليها لام القسم والقراءة التي لا أستجيز غيرها في هذا الموضع لا مفصولة، أقسم مبتدأة على ما عليه قراء الأمصار بإجماع الحجة من القراء عليه. وقد اختلف الذين قرؤوا ذلك على وجه الذي اخترنا قراءته في تأويله، فقال بعضهم: لا صلة،إنما معنى الكلام: أقسم بيوم القيامة، وعزاه إلى سعيد بن جبير. وقال آخرون: بل دخلت لا توكيداً للكلام. وذكر عن أبي بكر بن عياش في قوله: لا أقسم. توكيد للقسم كقوله: لا والله. وقال بعض نحويي الكوفة: لا، رد لكلام قد مضى من كلام المشركين الذين كانوا ينكرون الجنة والنار. ثم ابتدئ القسم، فقيل: {أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} وكان يقول: كل يمين قبلها رد كلام، فلا بد من تقديم لا قبلها، ليفرق بذلك بين اليمين التي تكون جحداً واليمين التي تستأنف، ويقول: ألا ترى أنك تقول مبتدئاً: والله إن الرسول لحق، وإذا قلت: لا والله، إن الرسول لحق، فكأنك أكذبت قوماً أنكروه، واختلفوا أيضاً في ذلك هل هو قسم أم لا. وذكر الخلاف في ذلك، والواقع أن هذه المسألة من المشكلات من حيث وجود اللام، وهل هي نافية للقسم أم مثبتة؟ وعلى أنها مثبتة فما موجبها؟ هل هي رد لكلام سابق أم تأكيد للقسم؟ وهل وقع إقسام أم لا؟ كما ذكر كل ذلك ابن جرير. وقد تناولها الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في كتابه دفع إيهام الاضطراب في موضعين الاول في هذه السورة. واثاني في سورة البلد عند قوله تعالى: {أية : لآَ أُقْسِمُ بِهَذَا ٱلْبَلَدِ}تفسير : [البلد: 1]، فبين في الموضع الأول أنها أي لا: نافية لكلام قبلها فلا تتعارض مع الإقسام بيوم القيامة فعلاً الواقع في قوله تعالى: {أية : وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ}تفسير : [البروج: 2]. والثاني أنها صلة، وقال: سيأتي له زيادة إيضاح، والموضع الثاني: {أية : لآَ أٌقْسِمُ بِهَذَا ٱلْبَلَدِ}تفسير : [البلد: 1] ساق فيه بحثاً طويلاً مهماً جداً نسوق خلاصته. وسيطبع الكتاب إن شاء الله مع هذه التتمة فليرجع إليه. خلاصة ما ساقه رحمة الله تعالى علينا وعليه: قال: الجواب عليها من أوجه. الأول، وعليه الجمهور أن لا هنا صلة على عادة العرب، فإنها ربما لفظت بلفظة لا من غير قصد معناها الأصلي، بل لمجرد تقوية الكلام وتوكيده كقوله: ما منعك إذا رأيتهم ضلوا ألا تتبعني. يعني أن تتبعني. وقوله: لئلا يعلم أهل الكتاب. وقوله: فلا وربك لا يؤمنون. وقول امرئ القيس: شعر : فلا وأبيك ابنة العامري لا يدع القوم أني أفر تفسير : يعني وأبيك، وأنشد الفراء لزيادة لا في الكلام الذي فيه معنى الجحد، قول الشاعر: شعر : ما كان يرضى رسول الله دينهم والأطيبان أبو بكر ولا عمر تفسير : يعني وعمر، وأنشد الجوهري لزيادتها قول العجاج: شعر : في بئر لا حور سرى وما شعر بإفكه حتَّى رأى الصبح شجر تفسير : والحور: الهلكة: يعني في بئر هلكة، وأنشد غيره: شعر : تذكرت ليلى فاعترَتني صبابة وكاد صميم القَلب لا يتقطع تفسير : والوجه الثاني: أن لا نفي لكلام المشركين المكذبين للنبي صلى الله عليه وسلم. وقوله: أقسم: إثبات مستأنف. وقيل: إن هذا الوجه، وإن قال به كثير من العلماء، إلا أنه ليس بوجيه عندي، لقوله تعالى في سورة القيامة {وَلآَ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ}، لأن قوله {وَلآَ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ} يدل على انه لم يرد الإثبات المستأنف بعد النفي بقوله أقسم والله تعالى أعلم. الوجه الثالث: أنها حرف نفي أيضاً ووجهه أن إنشاء القسم يتضمن الإخبار عن تعظيم المقسم به. فهو نفي لذلك الخبر الضمني على سبيل الكناية. والمراد أنه لا يعظم بالقسم، بل هو في نفسه عظيم أقسم به أولاً. وهذا القول ذكره صاحب الكشاف وصاحب روح المعاني، ولا يخلو عندي من نظر. الوجه الرابع: أن اللام لام الابتداء، أشبعت فتحتها. والعرب ربما أشبعت الفتحة بألف والكسرة بياء والضمة بواو. ومثاله في الفتحة قول عبد يغوث الحارث: شعر : وتَضحك مني شيخة عبشمية كأن لم ترى قَبلي يَسيرا يمانيا تفسير : فالأصل: كأن لم تر، ولكن الفتحة أشبعت. وقول الراجز: شعر : إذا العجوز غضبت فطلق ولا ترضاها ولا تملق تفسير : وقول عنترة في معلقته: شعر : ينباع من ذفري غضوب جسرة زيافة مثل العتيق المكدم تفسير : فالأصل ينبع، يعني العرق ينبع من الذفري من ناقته، فأشبعت الفتحة فصارت ينباع، وقال: ليس هذا الإشباع من ضرورة الشعر. ثم ساق الشواهد على الإشباع بالضمة والكسرة، ثم قال: يشهد لهذا لوجه قراءة قنبل: لأقسم بهذا البلد بلام الابتداء، وهو مروي عن البزي والحسن. والعلم عند الله تعالى اهـ. ملخصاً. فأنت ترى أنه رحمة الله قدم فيها أربعة أوجه صلة، ونفي الكلام قبلها، وتأكيد للقسم، ولام ابتداء. واستدل له بقراءة قنبل أي لأقسم متصلة، أما كونها لام ابتداء لقراءة قنبل والحسن، فقد تقدم أن ابن جرير لا يستجيز هذه القراءة لإجماع الحجة من القراء على قراءتها مفصولة {لا} أقسم. ولعل أرجح هذه الأوجه كلها أنها لتوكيد القسم، كما ذكر ابن جرير عن نحويي الكوفة والله تعالى أعلم.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 1، 2، 3- أقسم وأؤكد القسم بيوم القيامة - وهو الحق الثابت - وأقسم وأؤكد القسم بالنفس التى تلوم صاحبها على الذنب والتقصير، لتبعثن بعد جمع ما تفرق من عظامكم، أيحسب الإنسان - بعد أن خلقناه من عدم - أن لن نجمع ما بلى وتفرق من عظامه؟. 4- بلى نجمعها قادرين على أن نُسوى ما دق من أطراف أصابعه، فكيف بما كبر من عظام جسمه؟. 5- بل أينكر الإنسان البعث، يريد أن يبقى على الفجور فيما يستقبل من أيام عمره كلها؟!. 6- يسأل مستبعداً قيام الساعة: متى يكون يوم القيامة؟!.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: لا: أي ليس الأمر كما يدعي المشركون من أنه لا بعث ولا جزاء. أقسم بيوم القيامة: أي الذي كذب به المكذبون. ولا أقسم بالنفس اللّوامة: أي لتُبعثن ولتحاسبن ولتعاقبن أيها المكذبون الضالون. اللوامة: أي التي إن أحسنت لامت عن عدم الزيادة وإن أساءت لامت عن عدم التقصير. أيحسب الإِنسان: أي الكافر الملحد. أن لن نجمع عظامه: أي ألاّ نجمع عظامه لنحييه للبعث والجزاء. بلى قادرين: أي بلى نجمعها حال كوننا قادرين مع جمعها على تسوية بنانه. على أن نسوي بنانه: أي نجعل أصابعه كخف البعير أو حافر الفرس فلا يقدر على العمل الذي يقدر عليه الآن مع تفرقة أصابعه. كما نحن قادرون على جمع تلك العظام الدقيقة عظام البنان وردّها كما كانت كما نحن قادرون على تسوية تلك الخطوط الدقيقة في الأصابع والتي تختلف بين إنسان وإنسان اختلاف الوجوه والأصوات واللهجات. بل يريد الإِنسان: أي بإِنكار البعث والجزاء. ليفجر أمامه: أي ليواصل فجوره زمانه كله ولذلك أنكر البعث. يسأل أيان يوم القيامة: أي يسأل سؤال استنكار واستهزاء واستخفاف. فإِذا برق البصر: أي دهش وتحير لمّا رأى ما كان به يكذب. وخسف القمر: أي أظلم بذهاب ضوئه. وجمع الشمس والقمر: أي ذهب ضوءهما وذلك في بداية الانقلاب الكوني الذي تنتهي فيه هذه الحياة. أين المفر: أي إلى أين الفرار. كلا: ردع له عن طلب الفرار. لا وزر: أي لا ملجأ يتحصن به. بل الإِنسان على نفسه بصيرة: أي هو شاهد على نفسه حيث تنطق جوارحه بعمله. ولو ألقى معاذيره: أي فلا بد من جزائه ولو ألقى معاذيره. معنى الآيات: قوله تعالى {لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} أي ما الأمر كما تقولون أيها المنكرون للبعث والجزاء أقسم بيوم القيامة الذي تنكرون وبالنفس اللوامة التي ستحاسب وتجرى لا محالة لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير. وقوله تعالى {أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ} أي بعد موته وفنائه وتفرق أجزائه في الأرض، والمراد من الإِنسان هنا الكافر الملحد قطعاً {بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ} أي بلى نجمعها حال كوننا قادرين على ذلك وعلى ما هو أعظم وهو تسوية بنانه أي أصابعه بأن نجعلها كخف البعير أو حوافر الحمير، فيصبح يتناول الطعام بفمه كالكلب والبغل والحمار. وقوله {بَلْ يُرِيدُ ٱلإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ} أي ما يجهل الإِنسان قدرة خالقه على إعادة خلقه ولكنه يريد أن يواصل فجوره مستقبله كله فلا يتوب من ذنوبه ولا يؤوب من معاصيه لأن شهواته مستحكمة فيه، وقوله تعالى {يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلْقِيَامَةِ}؟ يخبر تعالى عن المنكر للبعث من أجل مواصلة الفجور من زنا وشرب خمور بأنه يقول أيّان يوم القيامة استبعادا واستنكارا وتسويفا للتوبة فبيّن تعالى له وقت مجيئه بقوله {فَإِذَا بَرِقَ ٱلْبَصَرُ} أي عند الموت بأن تحير واندهش {وَخَسَفَ ٱلْقَمَرُ} أي أظلم وذهب ضوءه، {وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ} أي ذهب ضوءهما وذلك في بداية الانقلاب الكوني الذي تنتهي فيه هذه الحياة {يَقُولُ ٱلإِنسَانُ} الكافر {يَوْمَئِذٍ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ}؟ أي إلى أين الفرار يا ترى؟ قال تعالى {كَلاَّ} أي لا فرار اليوم من قبضة الجبار أيها الإِنسان الكافر {لاَ وَزَرَ} اي لا حصن ولا ملتجأ وإنما {إِلَىٰ رَبِّكَ} اليوم {ٱلْمُسْتَقَرُّ} أي الانتهاء والاستقرار إما إلى جنة وإما إلى نار وقوله تعالى {يُنَبَّأُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ} أي يوم تقوم الساعة يخبّر الإِنسان من قبل ربّه تعالى بما قدم من أعماله في حياته الخير والشر سواء وبما أخر بعد موته من سنة حسنة سنّها أو سيئة كذلك وقوله تعالى {بَلِ ٱلإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ} أي عندما يتقدم الإِنسان للاستنطاق فيخبر بما قدم وأخر هناك يحاول أن يتنصل من بعض ذنوبه فتنطق جوارحه ويختم على لسانه فيتخذ من جوارحه شهود عليه فتلك البصيرة ولو ألقى معاذيره واعتذر ولا يقبل منه ذلك لكونه شاهدا على نفسه بجوارحه. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة البعث والجزاء. 2- بيان إفضال الله على العبد في خلقه وتركيب أعضائه. 3- معجزة قرآنية أثبتها العلم الصناعي الحديث وهي عدم تسوية خطوط الأصابع. 4- فكما خالف تعالى بين الإِنسان والإِنسان وبين صوت وصوت فَرَّق بين خطوط الأصابع فلذا استعملت في الإمضاءات وقبلت في الشهادات. 5- تقرير مبدأ أن المؤمن يثاب على ما أخر من سنة حسنة يُعمل بها بعده كما يأثم بترك السنة السيئة يُعمل بها كذلك بعده.
القطان
تفسير : لا أُقسِم بيوم القيامة: ان الامر لا يحتاج الى قسم لأنه في غاية الوضوح. ولا أُقسِم بالنفس اللوامة: لأن البعث حق لا شك فيه. اللوامة: هي النفس التواقة الى المعالي التي تندم على الشر لِمَ فعلته، وعلى الخير لمَ لم تستكثر منه. البنان: مفردها بنانة وهي اطراف الاصابع. لِيَفجُر أمامه: ليدوم على فعل المعاصي ولا يتوب الى الله. أيان يوم القيامة: متى يوم القيامة. برق البصر: تحير من الخوف والفزع. خسف القمر: ذهب ضوؤه. لا وزر: لا ملجأ. ينبأ: يخبر. معاذيره: اعذاره. لتعجَل به: لتأخذه على عجل مخافة ان ينفلت منك. قرآنه: قراءته. اقسم الله تعالى بعظمة يوم القيامة، وبالنفس الكثيرة اللوم لصاحبها على الذنب والتقصير في الخير - لَتُبعثُنَّ أيها الناسُ ولتحاسَبنّ على ما فعلتم. أيحسب الانسان بعد ان خلقناه من عدم ان لن نجمع ما بلي من عظامه بعد ان تفرقت في الأرض! بلى نحن قادرون على ذلك وعلى أعظمَ منه، فنحن قادرون على ان نسوي بنانه على صغرها ولطافتها، وضم بعضها الى بعض، فكيف بكبار العظام! ان من يقدر على جمع العظام الصغار فهو على غيرها من الكبار أقدَر. واعلم ان عظام اليدين ثلاثون، وعظام اصابع الرجلين ثمانية وعشرون، فيكون مجموعهما ثمانية وخمسين، وهذه عظام دقيقة وضعت لمنافع لولاها ما تمت تلك المنافع كالقبض والبسط واستعمال اليدين في الجذب والدفع وغير ذلك مما لا يحصى. فلولا دقة هذه العظام وحسن تركيبها ما انتظمت الاعمال المترتبة على اليدين. وكذلك الفقرات، تعدّدت ولم تجعل عظمة واحدة، لانها لو جُعلت واحدة لعاقت حركة الانسان. وقد جُعلت فقراتٍ متتالية ليمكنه الحركة والسكون، ويكون ذلك سهلا عليه اينما كان، فلولا الفقرات وتفصيلها لم يقدر الانسان على الانحناء للاعمال والحركات المختلفة، بل يكون منتصبا كالخشبة. ومجموع العظام في جسم الانسان مئتان وثمانية واربعون قطعة، {أية : فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ}تفسير : [المؤمنون: 14]. {بَلْ يُرِيدُ ٱلإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلْقِيَامَةِ}. بل يريد الانسان ان يتمادى في عصيانه وفجوره الى آخر لحظة من عمره ولا يتوب الى الله. ويسأل مستهزئا: متى يومُ القيامة؟ ونحو الآية قولُه تعالى وقد تكرر كثيرا: {أية : وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} تفسير : [يونس: 48، الأنبياء: 38، النمل: 71، سبأ: 29، يس: 48، الملك: 25]. وقد أجاب الله تعالى على هذا السؤال بان لها علامات بيّن ثلاثاً منها بقوله الكريم: {فَإِذَا بَرِقَ ٱلْبَصَرُ وَخَسَفَ ٱلْقَمَرُ وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ يَقُولُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ}. فاذا تحير البصر وزاغ من شدة الهول ومن عظيم ما يشاهد، وذهب نور القمر، وجُمع الشمس والقمر إيذانا بخراب هذا الكون - عند ذلك تقوم القيامة، ويتحقق الانسان من صحة قيامها ويقول من دهشته وتحيره: اين المفر من هذه الكارثة التي حلت فيه؟ فيأتي الجواب: {كَلاَّ لاَ وَزَرَ}. كلا ايها الانسان، لا شيء يعصِمك من أمر الله، ولا ملجأ ولا جبل ولا شيء يقيك من العذاب. كما قال تعالى ايضا: {أية : مَا لَكُمْ مِّن مَّلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّكِيرٍ} تفسير : [الشورى: 47]. ثم بين حقيقة الحال فيقول: {إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمُسْتَقَرُّ}. المرجع الى الله في ذلك اليوم الرهيب. {يُنَبَّأُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذِ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ}. وفي ذلك اليوم تنشَر الصحف ويخبر الانسان بجميع اعماله: أولها وآخرها، صغيرها وكبيرها، {أية : وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً} تفسير : [الكهف: 49]. ثم بين الله تعالى ان اعظم شاهد على المرء هو نفسه فقال: {بَلِ ٱلإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ}. الانسان يعلم ما فعل وما ترك وهو حجة بيِّنة على نفسه، فلا يحتاج الى ان ينبئه غيره، فسمعه وبصره وجوارحه تشهد عليه، وسيحاسَب على فعله مهما أتى بالاعذار {أية : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تفسير : [النور: 24]. {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}. في هذه الآيات الأربع توجيه وطمأنينة للرسول الكريم بان امر الوحي، وحفظ القرآن وجمعه وبيان مقاصده - كل أولئك موكول الى الله، فالخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم: اذا تلا عليك جبريل القرآن فلا تعجل وتتابعه في القراءة مخافة ان يفوتك شيء منه، فنحن نجعله بكامله في قلبك، ان علينا جمعه في قلبك.. واثبات قراءته في لسانك، فاذا قرأه رسولنا عليك فاتبع يا محمد قراءته منصتاً لها، ثم علينا بعد ذلك بيانه، وعصمتك من الخطأ والنسيان وبيان احكامه. وفي سورة طه 114: {وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْآنِ مِن قَبْلِ إَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً}. وفي هذا تعليم لنا حتى نتأدب بأدب القرآن ونتدبر آياته. قراءات: قرأ الجمهور: برق البصر بكسر الراء، وقرأ نافع: برق بفتح الباء والراء.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْقِيَامَةِ} (1) - يُقْسِمُ اللهُ تَعَالَى بِيَوْمِ القِيَامَةِ وَمَا يَقَعُ فِيهِ مِنْ أَحْدَاثٍ عِظَامٍ. لاَ أُقْسِمُ - أُقْسِمُ. وَ لا لِلتَّوكْيِدِ. وَقِيلَ إِنَّهَا صِلَةٌ مِثْلُهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكِتَابِ).
الثعلبي
تفسير : {لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} قراءة العامة مقطوعة الألف مهموزة. {وَلاَ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ} مثلها، وقرأ الحسن وعبد الرحمن الأعرج لاقسم بغير ألف موصله. {وَلاَ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ} بالألف مقطوعة على معنى أنه أقسم باليوم ولم يقسم بالنفس، ومثله روى القواس عن شبل عن ابن بكير، والصحيح أنه قسم بهما جميعاً ومعنى قوله لا أقسم بيوم القيامة اختلفوا فيه فقال: بعضهم {لاَ} صلة أي أقسم بيوم القيامة وإليه ذهب سعيد بن جبير وقال أبو بكر بن عباس: هو تأكيد للقسم كقولك لا والله، وقال الفراء في قوله {لاَ}: رد لكلام المشركين ثم ابتدأ القسم فقال أقسم بيوم القيامة، وقال: وكل يمين قبلها رد فلابد من تقديم {لاَ} قبلها ليفرّق بين اليمين التي تكون جحداً واليمين التي تستأنف، ألا ترى أنك تقول مبتدئاً: والله إن الرسول لحق، فإذا قلت: لا والله إن الرسول لحق، فكأنك أكّدت قوماً أنكروه. أخبرنا عقيل أن المعافى أخبرهم عن ابن جرير قال: حدّثنا أبو كريب قال: حدّثنا وكيع عن سفيان ومسعر عن زياد بن علاقة عن المغيرة بن شعبة قال: لا يقولون القيامة القيامة وإنما قيامة أحدهم موته، وبه عن سفيان ومسعر عن أبي قيس قال: شهدت جنازة فيها علقمة فلما دفن قال: أما هذا فقد قامت قيامته. {وَلاَ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ} قال: سعيد بن جبير وعكرمة: تلوم على الخير والشر ولا تصبر على السراء والضراء. مجاهد: تندم على ما فات وتلوم عليه وتقول لو فعلت ولو لم أفعل. قتادة: اللوامة: الفاجرة. ابن عباس: هي المذمومة، وقال الفراء: ليس من نفس برَّة ولا فاجرة إلاّ وهي تلوم نفسها إن كانت عملت خيراً قالت: هلاّ زدت، وإن كانت عملت سوءاً قالت: يا ليتني لم أفعل. الحسن: هي نفس المؤمن، قال: إنّ المؤمن والله ما تراه إلاّ يلوم نفسه ما أردت بكلامي ما أردت بأكلتي ما أردت بحديث نفسي وإنّ الفاجر يمضي قُدماً لا يحاسب نفسه ولا [يعاتبها]. مقاتل: هي نفس الكافر تلوم نفسها في الآخرة على ما فرطت في أمر الله في الدنيا، وقيل: لومها قوله سبحانه: {أية : يَقُولُ يٰلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} تفسير : [الفجر: 24] و {أية : يٰحَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ} تفسير : [الزمر: 56] أي في أمر الله. سهل: هي الإمارة بالسوء وهي قرينة الحرص والأمل. أبو بكر الورّاق: النفس كافرة في وقت منافقه في وقت مرائية على الأحوال كلّها هي كافرة؛ لأنها لا تألف الحق، وهي منافقة لأنها لا تفي بالعهد، وهي مرائية لأنها لا تحبّ أن تعمل عملاً ولا تخطو خطوة إلاّ لرؤية الخلق، فمن كانت هذه صفاته فهي حقيقة بدوام الملامة لها. {أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ} نزلت في عدي بن ربيعة بن أبي سلمة حليف بني زهرة ختن الأخنس ابن شريف حليف بني زهرة وكان النبي (عليه السلام) يقول: "حديث : اللهم اكفني جارَيّ السوء" تفسير : يعني عدياً والأخنس وذلك أن عدي بن ربيعة أتى النبي (عليه السلام) فقال: يا محمد حدّثني عن يوم القيامة متى يكون، وكيف يكون أمرها وحالها فأخبره النبي (عليه السلام) بذلك، فقال: لو عاينت ذلك اليوم لم أصدّقك ولم أؤمن به، أو يجمع الله العظام؟ فأنزل الله سبحانه {أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ} يعني الكافر. {أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ} بعد تفريقها وبلائها فنجيبه ونبعثه بعد الموت، يقال: إنّه ذكر العظام، والمراد بها نفسه كلّها لأن العظام قالب الخلق ولن يستوي الخلق إلاّ باستوائها، وقيل: هو خارج على قول المنكر أو يجمع الله العظام كقول الآخر: {أية : قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} تفسير : [يس: 78]. ثم قال سبحانه: {بَلَىٰ قَادِرِينَ} أي نقدر استقبال صرف إلى الحال، قال الفراء: {قَادِرِينَ} نصب على الخروج من {نَّجْمَعَ} كأنك قلت في الكلام: أيحسب أن لن يقوى عليك، بلى قادرين على أقوى منك، يريد بلى نقوى مقتدرين على أكثر من ذا، وقرأ ابن أبي غيلة قادرون بالرفع، أي بلى نحن قادرون، ومجاز الآية: بلى نقدر على جمع عظامه وعلى ما هو أعظم من ذلك، وهو: {عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ} أنامله فيجعل أصابع يديه ورجليه شيئاً واحد كخف البعير، أو كظلف الخنزير، أو كحافر الحمار، فلا يمكنه أن يعمل بها شيئاً ولكنا فرقنا أصابعه حتى يأخذ بها ما شاء، ويقبض إذا شاء ويبسط إذا شاء فحسنّا خلقه. هذا قول عامة المفسرين. وقال القبيسي: ظن الكافر أن الله لا يبعث الموتى ولا يقدر على جمع العظام البالية، فقال الله سبحانه: بلى قادرين أن نعيد السلاميات على صغرها ونؤلف بينها حتى نسوي البنان، ومَنْ يقدر على هذا فهو على جمع كبار العظام أقدر وهذا كرجل قلت له: أتراك تقدر على أن تؤلف من هذا الحنظل في خيط ويقول نعم وبين الخردل.
الصابوني
تفسير : اللغَة: {بَنَانَهُ} البَنان: أطراف الأصابع أو الأصابع نفسها جمع بنانة قال النابغة: شعر : بمخضَّبٍ رَخْصٍ كأنه بَنَانَهُ عَنمٌ يكاد من اللطافة يُعْقد تفسير : {بَرِقَ} فزع وبُهت وتحيَّر، وأصله النظر إلى البرق فيدهش البصر قال ذو الرمة: شعر : وَلو أَنَّ لُقمان الحكيم تعرضتْ لِعينيه ميٌّ سافراً كاد يبرق تفسير : {وَزَرَ} ملجأ وحصن يلتجىء إليه {نَّاضِرَةٌ} حسنة مشرقة متهلّلة، والنُضرة: النعمة وجمال البشرة والإِشراقة الجميلة {بَاسِرَةٌ} شديدة الكلوحة والعبوس يقال: بَسرَ وجهه إِذا اشتد في عبوسه وكلاحته {فَاقِرَةٌ} الفاقرة: الداهية والأمر العظيم يقال: فَقَرته المصيبة أي كسرت فَقَار ظهره {يَتَمَطَّىٰ} يتبختر في مشيته اختيالاً وكبراً. التفسِير: {لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} أي أقسم بيوم القيامة، يوم الحساب والجزاء {وَلاَ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ} أي وأقسم بالنفس المؤمنة التقية، التي تلوم صاحبها على ترك الطاعات، وفعل الموبقات قال المفسرون: {لاَ} لتأكيد القسم، وقد اشتهر في كلام العرب زيادة {لاَ} قبل القسم لتأكيد الكلام، كأنه من الوضوح والجلاء بحيث لا يحتاج إلى قسم، وجوابُ القسم محذوف تقديره "لتبعثنَّ ولتحاسبنَّ" دل عليه قوله {أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ}؟ .. أقسم تعالى بيوم القيامة لعظمه وهوله، وأقسم بالنفس التي تلوم صاحبها على التقصير في جنب الله، وتستغفر وتنيب مع طاعتها وإِحسانها قال الحسن البصري: هي نفس المؤمن، إن المؤمن ما تراه إلا يلوم نفسه: ماذا أردتُ بكلامي؟ وماذا أردتُ بعملي؟ وإن الكافر يمضي ولا يحاسب نفسه ولا يعاتبها {أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ} الاستفهام للتوبيخ والتقريع، أي أيظن هذا الإِنسان الكافر، المكذب للبعث والنشور، أن لن نقدر على جمع عظامه بعد تفرقها؟ قال المفسرون: نزلت هذه الآية في "عدي بن ربيعة" جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد: حدثني عن يوم القيامة، متى يكون؟ وكيف أمره؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لو عاينتُ ذلك اليوم لم أصدقك يا محمد ولم أومن بك، كيف يجمع الله العظام؟ فنزلت هذه الآية، قال تعالى رداً عليه {بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ} أي بلى نجمعها ونحن قادرون على أن نعيد أطراف أصابعه، التي هي أصغر أعضائه، وأدقها أجزاءً وألطفها التئاماً، فكيف بكبار العظام؟ وإنما ذكر تعالى البنان - وهي رءوس الأصابع - لما فيها من غرابة الوضع، ودقة الصنع، لأن الخطوط والتجاويف الدقيقة التي في أطراف أصابع إنسان، لا تماثلها خطوطٌ أُخرى في أصابع شخص آخر على وجه الأرض، ولذلك يعتمدون على بصمات الأصابع في تحقيق شخصية الإِنسان في هذا العصر {بَلْ يُرِيدُ ٱلإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ} أي بل يريد الإِنسان بهذا الإِنكار أن يستمر على الفجور، ويقدم على الشهوات والآثام، دون وازع من خُلُق أو دين، وينطلق كالحيوان ليس له همٌ إلا نيل شهواته البهيمية، ولذلك ينكر القيامة ويكذب بها {يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلْقِيَامَةِ} أي يسأل هذا الكافر الفاجر - على سبيل الاستهزاء والتكذيب - متى يكون هذا اليوم يوم القيامة؟ قال الرازي: والسؤال هنا سؤال متعنت ومستبعد لقيام الساعة، ونظيره {أية : وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ}تفسير : [يونس: 48] ولذلك ينكر المعاد ويكذب بالبعث والنشور، والغرض من الآية {لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ} أن الإِنسان الذي يميل طبعه إلى الاسترسال في الشهوات، والاستكثار من اللذات، لا يكاد يُقر بالحشر والنشر، وبعث الأموات، لئلا تتنغص عليه اللذات الجسمانية، فيكون أبداً منكراً لذلك، قائلاً على سبيل الهزء والسخرية: أيَّان يومُ القيامة، قال تعالى رداً على هؤلاء المنكرين {فَإِذَا بَرِقَ ٱلْبَصَرُ} أي فإِذا زاغ البصر وتحيَّر، وانبهر من شدة الأهوال والمخاطر {وَخَسَفَ ٱلْقَمَرُ} أي ذهب ضوءه وأظلم {وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ} أي جمع بينهما يوم القيامة، وأُلقيا في النار ليكونا عذاباً على الكفار قال عطاء: يجمعان يوم القيامة ثم يُقذفان في البحر، فيكون نار الله الكبرى {يَقُولُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ} أي يقول الفاجر الكافر في ذلك اليوم: أين المهرب؟ وأين الفرار والمنجى من هذه الكارثة الداهية؟ يقول قول الآيس، لعلمه بأنه لا فرار حينئذٍ {كَلاَّ لاَ وَزَرَ} ردعٌ له عن طلب الفرار، أي ليرتدع وينزجر عن ذلك القول، فلا ملجأ له، ولا مغيث من عذاب الله {إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمُسْتَقَرُّ} أي إلى الله وحده مصير ومرجع الخلائق قال الألوسي: إليه جل وعلا وحده استقرار العباد، لا ملجأ ولا منجى لهم غيره... والمقصود من الآيات بيان أهوال الآخرة، فالأبصار تنبهر يوم القيامة، وتخشع وتحار من شدة الأهوال؛ ومن عظم ما تشاهده من الأمور العظيمة، والإِنسان يطيش عقله، ويذهب رشده، ويبحث عن النجاة والمخلص، ولكن هيهات فقد جاءت القيامة وانتهت الحياة {يُنَبَّأُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ} أي يُخبر الإِنسان في ذلك اليوم بجميع أعماله، صغيرها وكبيرها، عظيمها وحقيرها، ما قدَّمه منها في حياته، وما أخره بعد مماته، من سنةٍ حسنة أو سيئة، ومن سمعة طيبةٍ أو قبيحة وفي الحديث "حديث : من سنَّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنَّ سنةً سيئة فعليه وزرها ووزرُ من عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء" تفسير : {بَلِ ٱلإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ} أي بل هو شاهد على نفسه، وسوء عمله، وقبح صنيعه، لا يحتاج إلى شاهد آخر كقوله {أية : كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً}تفسير : [الإِسراء: 14] والهاءُ في {بَصِيرَةٌ} للمبالغة كراوية وعلاَّمة قال ابن عباس: الإِنسان شاهد على نفسه وحده، يشهد عليه سمعُه، وبصره، ورجلاه، وجوارحه {وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ} أي ولو جاء بكل معذرة ليبرِّر إجرامه وفجوره، فإنه لا ينفعه ذلك، لأنه شاهدٌ على نفسه، وحجةٌ بينة عليها قال الفخر: المعنى أن الإِنسان وإن اعتذر عن نفسه، وجادل عنها، وأتى بكل عذر وحجة، فإنه لا ينفعه ذلك لأنه شاهد على نفسه بما جنت واقترفت من الموبقات.. وبعد هذا البيان انتقل الحديث إلى القرآن، وطريقة تلقي الوحي عن جبريل فقال تعالى مخاطباً رسوله {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} أي لا تحرك بالقرآن لسانك عند إلقاء الوحي عليك بواسطة جبريل، لأجل أن تتعجل بحفظه مخافة أن يتفلَّت منك {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} أي إن علينا أن نجمعه في صدرك يا محمد وأن تحفظه {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ} أي فإِذا قرأه عليك جبريل، فأنصت لاستماعه حتى يفرغ، ولا تحرك شفتيك أثناء قراءته {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} أي ثم إن علينا بيان ما أشكل عليك فهمه يا محمد من معانيه وأحكامه، قال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة، فكان يحرك به لسانه وشفتيه، مخافة أن ينفلت منه يريد أن يحفظه فأنزل الله {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ..} الآيات، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إذا أتاه جبريل عليه السلام أطرق واستمع، فإِذا ذهب قرأه كما وعد الله عز وجل قال ابن عباس {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} قال: فاستمعْ وأَنصت {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} قال: أن نبينه بلسانك وقال ابن كثير: كان صلى الله عليه وسلم يبادر إلى أخذ القرآن، ويسابق الملك في قراءته، فأمره الله عز وجل أن يستمع له، وتكفل له أن يجمعه في صدره، وأن يبينه له ويوضحه، فالحالة الأولى جمعه في صدره، والثانية تلاوتُه، والثالثة تفسيره وإيضاح معناه ثم عاد الحديث عن المكذبين بيوم الدين فقال تعالى مخاطباً كفار مكة {كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ ٱلآخِرَةَ} أي ارتدعوا يا معشر المشركين، فليس الأمر كما زعمتم أن لا بعث ولا حساب ولا جزاء، بل أنتم قومٌ تحبون الدنيا الفانية، وتتركون الآخرة الباقية، ولذلك لا تفكرون في العمل للآخرة مع أنها خيرٌ وأبقى {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ} لما ذكر تعالى أن الناس يؤثرون الدنيا ولذائذها الفانية على الآخرة ومسراتها الباقية، وصف ما يكون يوم القيامة من انقسام الخلق إلى فريقين: أبرار، وفجار والمعنى وجوه أهل السعادة يوم القيامة مشرقة حسنة مضيئة، من أثر النعيم، وبشاشة السرور عليها، كقوله تعالى {أية : تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ}تفسير : [المطففين: 24] {إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} أي تنظر إلى جلال ربها، وتهيم في جماله، أعظم نعيم لأهل الجنة رؤية المولى جلا وعلا والنظر إلى وجهه الكريم بلا حجاب قال الحسن البصري: تنظر إلى الخالق، وحُقَّ لها أن تنضر وهي تنظر إلى الخالق، وبذلك وردت النصوص الصحيحة {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ} أي ووجوهٌ يوم القيامة عابسة كالحة، شديدة العبوس والكلوح، وهي وجوه الأشقياء أهل الجحيم {تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ} أي تتوقع أن تنزل بها داهية عظمى، تقصم فقار الظهر، قال ابن كثير: هذه وجوه الفجار تكون يوم القيامة كالحة عابسة، تستيقن أنها هالكة، وتتوقع أن تحل بها داهية تكسر فقار الظهر {كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِيَ} {كَلاَّ} ردعٌ وزجر عن إِيثار العاجلة أي ارتدعوا يا معشر المشركين عن ذلك، وتنبهوا لما بين أيديكم من الأهوال والمخاطر، فإن الدنيا دار الفناء، ولا بد أن تتجرعوا كأس المنية، وإِذا بلغت الروح {ٱلتَّرَاقِيَ} أعالي الصدر، وشارف الإِنسان على الموت {وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ} أي وقال أهله وأقرباؤه: من يرقيه ويشفيه ممَّا هو فيه؟ قال في البحر: ذكَّرهم تعالى بصعوبة الموت، وهو أول مراحل الآخرة، حين تبلغ الروح التراقي - وهي عظام أعلى الصدر - فقال أهله: من يرقي ويطب ويشفي هذا المريض؟ {وَظَنَّ أَنَّهُ ٱلْفِرَاقُ} أي وأيقن المحتضر أنه سيفارق الدنيا والأهل والمال، لمعاينته ملائكة الموت {وَٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ} أي والتفت إحدى ساقي المحتضر على الأخرى، من شدة كرب الموت وسكراته قال الحسن: هما ساقاه إذا التفتا في الكفن، وروي عن ابن عباس أن المراد اجتمعت عليه شدة مفارقة الدنيا، مع شدة الموت وكربه، فيكون ذلك من باب التمثيل للأمر الهائل العظيم، حيث يلتقي عليه شدة كرب الدنيا، مع شدة كرب الآخرة، كما يقال: شمَّرت الحرب عن ساق، استعارة لشدتها {إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمَسَاقُ} أي إلى الله جل وعلا مساق العباد، يجتمع عنده الأبرار والفجار، ثم يُساقون إلى الجنة أو النار قال الخازن: أي مرجع العباد الى الله تعالى، يساقون إليه يوم القيامة ليفصل بينهم.. ثم أخبر تعالى عن حال الجاحد المكذب فقال {فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّىٰ} أي لم يصدق بالقرآن، ولم يصل للرحمن قال أبو حيان: والجمهور على أنها نزلت في "أبي جهل" وكادت أن تصرح به في قوله {يَتَمَطَّىٰ} فإنها كانت مشيته ومشية قومه بني مخزوم، وكان يكثر منها {وَلَـٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ} أي ولكن كذب بالقرآن، وأعرض عن الإِيمان {ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰ أَهْلِهِ يَتَمَطَّىٰ} أي ذهب يتبختر في مشيته، وذلك عبارة عن التكبر والخيلاء {أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ} أي ويلٌ لك يا أيها الشقي ثم ويلٌ لك قال المفسرون: هذه العبارة في لغة العرب ذهبت مذهب المثل في التخويف والتحذير والتهديد، وأصلها أنها أفعل تفضيل من وليه الشيء إِذا قاربه ودنا منه أي وليك الشر وأوشك أن يصيبك، فاحذر وانتبه لأمرك... روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بيد أبي جهل ثم قال له: {أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ} فقال أبو جهل: أتتوعدني يا محمد وتهددني؟ والله لا تستطيع أنتَ وربُك أن تفعلا بي شيئاً، والله إني لأعزُّ أهل الوادي، ثم لم يلبث أن قتل ببدر شر قتلة {ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ} كرره مبالغة في التهديد والوعيد، كأنه يقول: إني أكرر عليك التحذير والتخويف، فاحذر وانتبه لنفسك، قبل نزول العقوبة بك.. ولما ذكر في أول السورة إمكان البعث، ذكر في آخر السورة الأدلة على البعث والنشور فقال {أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى}؟ أي أفيظن الإِنسان أن يُترك هملاً، من غير بعثٍ ولا حساب ولا جزاءٍ؟ وبدون تكليف بحيث يبقى كالبهائم المرسلة؟ لا ينبغي له ولا يليق به هذا الحُسبان {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ} الاستفهام للتقرير أي أما كان هذا الإِنسان نطفة ضعيفة من ماءٍ مهين، يراق ويُصب في الأرحام؟ والغرض بيان حقارة حاله كأنه يقول إنه مخلوق من المني الذي يجري مجرى البول {ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ} أي ثم أصبح بعد ذلك قطعة من دم غليظ متجمد يشبه العلقة، فخلقه الله بقدرته في أجمل صورة، وسوَّى صورته وأتقنها في أحسن تقويم {فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ} أي فجعل من هذا الإِنسان صنفين، ذكراً وأنثى بقدرته تعالى، هذا هو أصل الإِنسان وتركيبه، فكيف يليق بمثل هذا الضعيف أن يتكبر على طاعة الله؟ {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ} أي أليس ذلك الإِله الخالق الحكيم، الذي أنشأ هذه الأشياء العجيبة، وأوجد الإِنسان من ماءٍ مهين، بقادرٍ على إعادة الخلق بعد فنائهم؟ بلى إنه على كل شيء قدير روي حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية قال: "سبحانك اللهم بلى" ". تفسير : البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الطباق بين {قَدَّمَ .. وَأَخَّرَ} وكذلك بين {صَدَّقَ .. وكَذَّبَ}. 2- الاستفهام الإِنكاري بغرض التوبيخ {أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ}؟ ومثله {أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى}؟ لأن الغاية التوبيخ والتقريع. 3- استبعاد تحقق الأمر {يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلْقِيَامَةِ} فالغرض من الاستفهام الاستبعاد والإِنكار. 4- الجناس غير التام بين {بَنَانَهُ} و{بَيَانَهُ} لاختلاف بعض الحروف. 5- المقابلة اللطيفة بين نضارة وجوه المؤمنين، وكلاحة وجوه المجرمين {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} وبين {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ..} الخ. 6- الجناس الناقص بين لفظ {ٱلسَّاقُ} و{ٱلْمَسَاقُ}. 7- المجاز المرسل {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ} عبر بالوجه عن الجملة فهو من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل. 8- الالتفات {أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ} فيه التفات من الغيبة إلى المخاطب تقبيحاً له وتشنيعاً. 9- توافق الفواصل ويسمى في علم البديع السجع المرصَّع مثل {فَإِذَا بَرِقَ ٱلْبَصَرُ * وَخَسَفَ ٱلْقَمَرُ * وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ * يَقُولُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ} وهذا من خصائص القرآن، معجزة محمد عليه الصلاة والسلام.
زيد بن علي
تفسير : أخبرنا أبو جعفر. قال: حدّثنا علي بن أحمد. قال: حَدَّثَنَا عطاء بن السّائب عن أبي خالد عن زيد بن علي عليهما السّلامُ في قولهِ تعالى: {لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} معناه أُقسِمُ. {وَلاَ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ} معناه أُقسِمُ. واللوَّامَةُ: التي تَلومُ على الخَيرِ والشَّرِ.
الأندلسي
تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} هذه السورة مكية ومناسبتها لما قبلها ان في آخر ما قبلها كلا بل لا يخافون الآخرة وفيها كثير من أحوال القيامة فذكر هنا يوم القيامة وجملاً من أحوالها هي التي تلوم صاحبها في ترك الطاعة ونحوه وجواب القسم ما يدل عليه قوله: {أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ} تقديره ليبعثن والإِنسان هنا الكافر المكذب بالبعث قيل نزلت في أبي جهل كان يقول أيزعم محمد أن يجمع الله هذه العظام بعد بلاها وتفرقها ويعيدها خلقاً جديداً. وإن هي المخففة من الثقيلة سدت مسد مفعولي أيحسب لما ذكر الأخبار بقوله: {بَلَىٰ قَادِرِينَ} أي نجمعها قادرين انتقل من هذا الأخبار إلى الأخبار عن الإِنسان من غير إبطال لمضمون الجملة السابقة وهي نجمعها قادرين ليتبين ما هو عليه الإِنسان من عدم الفكر في الآخرة وأنه معني بشهواته ومفعول يريد محذوف يدل عليه التعليل في ليخبر تقديره بلوغ شهواته. {يَسْأَلُ أَيَّانَ} أي متى. {يَوْمُ ٱلْقِيَامَةِ} سؤال استهزاء وتكذيب وتعنيت ويوم مبتدأ وأيان إسم إستفهام في موضع الخبر والجملة في موضع نصب بيسأل وقرىء: {فَإِذَا بَرِقَ} وبرق معناه شق. {وَخَسَفَ ٱلْقَمَرُ} خسف يكون لازماً ومتعدياً تقول خسف القمر ذهب نوره وخسفه الله أذهب نوره. وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ} لم تلحق التاء في جمع لأن تأنيث الشمس مجاز أو لتغليب القمر وهو مذكر وجمعها إلقاؤهما في النار وقيل غير ذلك. {أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ} مبتدأ وأين ظرف في موضع الخبر والجملة في موضع نصب محكية بيقول والظاهر أن قوله: {كَلاَّ لاَ وَزَرَ} وهو من كلام الله تعالى لا حكاية عن الإِنسان. {إِلَىٰ رَبِّكَ} أي إلى حكمه. {بِمَا قَدَّمَ} قال ابن عباس: في حياته. {وَأَخَّرَ} من سنة يعمل بها بعده. {بَصِيرَةٌ} خبر عن الإِنسان أي شاهد والهاء للمبالغة وعلى نفسه متعلق به والمعاذير عند الجمهور الإِعذار فالمعنى ولو جاء بكل معذرة يتعذر بها عن نفسه فإِنه هو الشاهد عليها والحجة البينة عليها وقال الزمخشري: قياس معذرة معاذر فالمعاذير ليس بجمع معذرة إنما هو إسم جمع لها ونحوه المنكر "انتهى". وليس هذا البناء من أبنية أسماء الجموع وإنما هو من أبنية جمع التكسير فهو كذاكير وملاقيح وملاميح والمفرد منها لمحة ولقحة وذكر ولم يذهب أحد إلى أنها من أسماء الجموع بل قيل هي جمع للقحة ولمحة وذكر على غير قياس أو هي جمع لمفرد لم ينطق به وهو مذكار وملمحة وملقحة وأجاز النحويون فيما كان على حركات مفاعل أن تلحقها الياء فقالوا في جمع صيرف صياريف وفي جمع سابغة سوابيغ. {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ} في صحيح البخاري أنه صلى الله عليه وسلم كان يعالج من التنزيل شدّة وكان مما يحرك شفته مخافة أن يذهب عنه ما يوحى إليه لحينه فنزلت والضمير في به للقرآن دل عليه مساق الآية. {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ} أي في صدرك. {وَقُرْآنَهُ} أي قراءته أي قراءتك إياه. {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ} أي الملك المبلغ عنا. {فَٱتَّبِعْ} أي بذهنك وفكرك أي فاستمع قراءته قاله ابن عباس: ويظهر أن المناسبة بين هذه الآية وما قبلها أنه تعالى لما ذكر فكر البعث وقيامة معرضاً عن آيات الله تعالى ومعجزاته وأنه ناصر شهواته على الفجور وغير مكترث بما يصدر منه ذكر حال من يثابر على تعلم آيات الله وحفظها وتلقفها والنظر فيها وعرضها على من ينكرها جاء قبوله إياها فظهر بذلك تباين من يرغب في تحصيل آيات الله تعالى ومن يرغب عنها وبضدها تمييز الأشياء ولما كان عليه السلام لمثابرته على ذلك كان يبادر للتحفظ بتحريك لسانه أخبره تعالى أنه يجمعه له ويوضحه له. {كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ} لما فرغ من خطابه عليه السلام رجع إلى حال الإِنسان السابق ذكره المفكر للبعث وأن همه إنما هو في تحصيل حطام الدنيا الفاني لا في تحصيل ثواب الآخرة إذ هو منكر لذلك وقرىء: تحبون وتذرون بتاء الخطاب لكفار قريش وكلا ردّ عليه وعلى أقوالهم أي ليس كما زعمتم وإنما أنتم قوم غلبت عليكم محبة شهوات الدنيا حباً تتركون معه الآخرة والنظر في أمرهم ولما وبخهم بحب العاجلة وترك الاهتمام بالآخرة تخلص إلى شىء من أحوال الآخرة فقال: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ} وعبر بالوجه عن الجملة وقوله: {إِلَىٰ رَبِّهَا} جملة هي في موضع خبر ومسألة النظر ورؤية الله تعالى مذكورة في علم أصول الدين. {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ} يجوز في وجوه أنه مبتدأ خبره باسرة وتظن خبر بعد خبر وأن تكون باسرة صفة وتظن الخبر. والفاقرة قال ابن المسيب: قاصمة الظهر وتظن بمعنى توقن. {كَلاَّ} ردع لهم عن إيثار الدنيا على الآخرة وتذكير بما يؤولون إليه من الموت الذي تنقطع العاجلة عنده وينتقل منها إلى الآجلة والضمير في بلغت عائد على النفس الدال عليها سياق الكلام ذكرهم تعالى بصعوبة الموت وهو أول مراحل الآخرة حين تبلغ الروح. {ٱلتَّرَاقِيَ} والتراقي جمع ترقوة وهي عظام الصدر فلكل إنسان ترقوتان وهو موضع الحشرجة وهو إستفهام إستبعاد وإنكار أي قد بلغ مبلغاً لا أحد يرتقيه كما تقول عند اليأس من الذي يقدر أن يرقى هذا المشرف على الموت واحتمل أن يكون القائل الملائكة أي من يرقي بروحه إلى السماء أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب قاله ابن عباس: {وَظَنَّ} أي المريض. {أَنَّهُ} أي ما نزل به. {ٱلْفِرَاقُ} أي فراق الدنيا التي هي محبوبته والظن هنا على بابه وقيل فراق الروح الجسد. {وَٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ} قال ابن عباس استعارة لشدّة كرب الدنيا في آخر يوم منها وشدّة كرب الآخرة في أول يوم منها لأنه في أول الحالين قد اختلطا به وجواب إذا محذوف تقديره وجد ما عمله في الدنيا من خير وشر. {إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمَسَاقُ} إلى موعد ربك المساق والمرجع والمصير والمساق مفعل من السوق فهو إسم مصدر إما إلى جنة وإما إلى نار. {فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّىٰ} الجمهور أنها نزلت في أبي جهل وكادت أن تصرح به في قوله يتمطى فإِنها كانت مشيته ومشية قومه بني مخزوم وكان يكثر منها فلا صدق بالرسول والقرآن ولا صلى نفى عنه الزكاة والصلاة وأثبت له التكذيب وحمل فلا صدق على نفي التصديق بالرسالة يقتضي أن يكون. {وَلَـٰكِن كَذَّبَ} تكراراً ولزم أن يكون لكن استدرا كأبعد ولا صلى لا بعد فلا صدق لأنه كان يتساوى الحكم في فلا وفي كذب ولا يجوز ذلك إذ لا تقع لكن بين متوافقين. {وَتَوَلَّىٰ} أعرض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذب بما جاء به. {ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰ أَهْلِهِ} أي إلى قومه. {يَتَمَطَّىٰ} يتبختر في مشيته روي حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي أبا جهل يوماً في البطحاء فقال له: إن الله يقول لك أولى لك فأولى تفسير : فنزل القرآن على نحوها وتقدّم الكلام على أولى في القتال وتكراره هنا مبالغة في التهديد والوعيد ولما ذكر حاله في الموت وما كان من حاله في الدنيا قرر له أحواله في بدايته ليتأملها فلا ينكر معها البعث من القبور. {يُمْنَىٰ} أي النطفة يمنيها الرجل. {فَخَلَقَ} أي الله تعالى منه بشراً مركباً من أشياء مختلفة. {فَسَوَّىٰ} أي فسواه شخصاً مستقلاً. {فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ} أي النوعين أو المزدوجين من البشر. {ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ * أَلَيْسَ ذَلِكَ} أي الخالق المسوي. {بِقَادِرٍ} وفي توقيف وتوبيخ لمنكر البعث بلى قادر. {عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ}.
الجيلاني
تفسير : {لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} [القيامة: 1] أي: بوقوع الطامة الكبرى وثبوتها وقيامها؛ إذ هي من غاية ظهورها وجلائها غنية عن أن يؤكَّد أمر وقوعها وقيامها بالقسم عند العارف المحقق المتحقق بقمام التوحيد واليقين. {وَلاَ أُقْسِمُ} أيضاً {بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ} [القيامة: 2] أي: وكذا لا حاجة إلى القسم بظهور النفس اللوامة في عالم الكون الفساد؛ إذ كل نفس من النفوس الكائنة تعلم أن العالم ما هو إلاَّ سراب باطل وعكس زائل عاطل، لا قرار له، ولا مدار لها فيه، وتلوم دائماً نفسها عليها، إلاَّ أنها لا تتنبه على سلطنة الوحدة، ولا تتفطن بسرايتها واستيلائها على عموم ما ظهر وبطن، وغاب وشهد، حتى تصير لوَّامة، مطمئنة راضية، وراضيته مرضية، مرضيته فقيرة، وفقيرته فانية، وفانيته باقية، وليس وراء ذلك مرمى ومنتهى. أدركنا بلطفك الخفي يا خفي الألطاف. ثمَّ التفت سبحانه نحو حقيقة الإنسان المجبول نحو فطرة العرفان حسب حصة لاهوته، ووبَّخه بما وبَّخه تشنيعاً وتقريعاً، فقال: {أَيَحْسَبُ} ويظن {ٱلإِنسَانُ} المجبول على الكفران والنسيان {أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ} [القيامة: 3] أي: إنَّا لا نقدر مع كمال قدرتنا على إبدائه وإبداعه على إعادته، وجمع عظامه مرة بعد أخرى في يوم البعث والجزاء؟! {بَلَىٰ} أي: نحن نقدر على إعادته، وجمع عظامه، وتسوية جميع أعطائه على الوجه الذي كان، بل {قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ} [القيامة: 4] أي: سلاميه على وجهها، وخص بالذكر؛ لأن جميع أجزائها أصعب من سائر الجسد؛ لاشتمالها على دقائق العظام ورقائق العروق والأعصاب، والغضاريف والرباطات المعينة على القبض والبسط، والأخذ والبطش، ولصعوبة الاطلاع على أجزائها عجز الأطباء عن تشريحها؛ يعني: إنَّا نقدر على جمعها مع صعوبتها، فكيف نجمع غيرها؟! {بَلْ يُرِيدُ ٱلإِنسَانُ} المركَّب من الجهل والنسيان بظنه وحسبانه {لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ} [القيامة: 5] أي: يدوم ويمضي دائماً على الفجور والفسوق، والخروج عن مقتضى الحدود الإلهية فيما يستقبله من الزمان، كما كان عليها فيما مضى. لذلك {يَسْأَلُ} سؤال إنكار واستعباد: {أَيَّانَ} أي: متى يقوم، وأيّ آن يقع {يَوْمُ ٱلْقِيَامَةِ} [القيامة: 6] التى تبلى السرائر، وتكشف الستائر فيها؟. بيِّن لي أيها المدعي وقت وقوعه؛ حتى أكف وأمنع نفسي عن الفجور، وأتوب عنها يقيناً وثقةً، إنما قال على سبيل الاستهزاء والتهكم. وكيف يستهزئ ويصر على الإنكار ذلك المستزئ المسرف المصر؟! {فَإِذَا بَرِقَ} وتحير {ٱلْبَصَرُ} [القيامة: 7] أي: حاسة عالم الناسوت وجاسوسه حين ظهرت طلائع عالم اللاهوت فزعاً وهولاً، ودهشاً مما يرى من العجائب والغرائب الموعودة التي كان ينكر ويكذّب بها في دار الدنيا وبقعة الإمكان. {وَ} مع ذلك {خَسَفَ ٱلْقَمَرُ} [القيامة: 8] أي: ذهب ضوء الوجود الإضافي المستعار، وانمحى نوره، وأشرف على الأفول في أفق العدم. {وَ} حينئذٍ {جُمِعَ ٱلشَّمْسُ} أي: ظهر نور الوجود المطلق المستغني عن عموم المظاهر والمجالي {وَٱلْقَمَرُ} [القيامة: 9] أي: اندرج ضوء الوجود الإضافي المنعكس منها، واندمج فيها، ولم يبق له كون ولا لون، ولا بين ولا بون. وبعد رجوع الكل إليها، وانطماسها فيها، وانقهارها دونها {يَقُولُ ٱلإِنسَانُ} المنعزل عن اليقين والعرفان {يَوْمَئِذٍ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ} [القيامة: 10] والملجأ؛ حتى أفر إليه، وألجأ نحوه؟. {كَلاَّ} وحاشا أن يكون له حينئذٍ ملجأ ومقر في الوجود حتى يطلبه؛ إذ {لاَ وَزَرَ} [القيامة: 11] أي: لا حصن ولا ملجأ، ولا حرز ولا مخلِّص له يومئذٍ، بل في عموم الأوقات والأزمان عند العارف غير الحق؛ إذ لا شيء في الوجود سواه. فثبت أنه {إِلَىٰ رَبِّكَ} يا أكمل الرسل، وإلى كنف حفظه وجواره {يَوْمَئِذٍ ٱلْمُسْتَقَرُّ} [القيامة: 12] أي: لا مقر حينئذٍ لعموم العباد إلاَّ عنده سبحانه، ولا مرجع لهم سواه. وبعد رجوع الكل إليه سبحانه، وحضوره دونه {يُنَبَّأُ} ويخبر {ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ} من الأعمال الصالحة، وأتى بها {وَ} بما {أَخَّرَ} [القيامة: 13] منها، ولم يأت بها وتركها، بل أتى بأضدادها على التفصيل بلا فوت شيء منها. {بَلِ} لا حاجة حينئذٍ إلى الإنباء والإخبار بما صدر عنه؛ إذ {ٱلإِنسَانُ} له حينئذٍ {عَلَىٰ نَفْسِهِ} وبما صدر عنه من الأعمال الصالحة والطالحة {بَصِيرَةٌ} [القيامة: 14] كاملة وبيِّنة، واضحة موضحة؛ إذ يشهد له وعليه حينئذٍ جوارحه وآلاته التي اقترف بها ما اقترف من الحسنات والسيئات. بحيث {وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ} [القيامة: 15] أي: جميع ما يعتذر به من الأعذار الكاذبة، لم يسمع مع حضور الشهود والعدول التي هي أعضاؤه وجوارحه، بل يعامل معه بمقتضى ما يحاسب عليه، إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : يا صاحب النفس اللوامة ويا أيها السائل عن يوم القيامة ما أعددت له من الكرامة؛ لأنه يوم مكرم، بحيث صار محلاً للقسم ما قال في كتابه المعظم: {لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ * وَلاَ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ} [القيامة: 1-2]؛ أي: أقسم بهما والسر الذي قرنهما أن كل من وصل إلى قيامته اليوم تصير نفسه الأمارة لوامة، بحيث تلوم صاحبها في كل حركة وسكون يصدر منه على خلاف أمر الحق، ولا تحسب أن القيامة بعيده عنك، بل لو كشف الغطاء غطاؤك لشاهدت القيامة أقرب إليك من شراك نعلك، ولوامتها دالة على ظهور نور القيامة في باطنك، وهذه الملامة تنفع لصاحبها ما دامت معها آلات الكسب لتعتذر وتتوب إلى الله؛ فأما بعد نزع الآلة عنها لا تنفع ملامتها إلا ندامة وحسرة وعذاباً، والنفس المؤمنة اللوامة تلوم صاحبها في الدنيا، والنفس الكافرة اللوامة تلوم صاحبها في العقبى. {أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ} [القيامة: 3]؛ يعني: يظن الإنسان أنا لا نقدر على جمع العظام البالية بعد تفريقها، أما ترى في المغناطيس الذي خلقناه في الدنيا وهو حجر جسماني ظلماني وأودعنا فيه خاصية جذب المتفرقات وجمعها، ومثاله بيِّن في عالم الشهادة إذا سحق الحديد سحقاً وتفرق أجزاؤه في حائط ثم أقيم المغناطيس على رأس الحديد المسحوق المتفرق، كيف يجمع المتفرقات بقدرتنا ويضم بعضها إلى بعض؟ فما ظن الكافر بالروح الإنساني وخاصيته إذا أمرنا أن ينظر إلى أجزاء قالبه المتفرقة لا يقدر أن يجمعها، وخاصية الروح الإنساني اللطيف العلوي لا يكون أقل من الحجر الجسماني الكثيف السفلي. {بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ} [القيامة: 4] معناه بلى قادرين على جمع العظام كما كنا قادرين على تسوية بنانه من نطفة لا عظم فيها ولا شكل لها، فسوينا البنان وسخرناه للإنسان أن يستعمله فيما شاء، أفلا نقدر على أن نجمع العظام البالية؟ بلى نجمع عظامه التي بها كان ذا قوة واقترف ذنوبا عظاماً كما سوينا بنانه ليعد ذنوبه، ويشهد على صاحبه بما استعمله وهو عدة، {بَلْ يُرِيدُ ٱلإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ * يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلْقِيَامَةِ} [القيامة: 5-6]؛ يعني: يكذب الكافر الجاهل ما كنا نعد أيامه من الحساب والجزاء، ويريد أن يعمل على وفق مشتهاه يسأل متى يكون القيامة استهزاء واستخفافاً يقول الله تعالى: {فَإِذَا بَرِقَ ٱلْبَصَرُ} [القيامة: 7]؛ أي: شخص بصر الرجل عند كشف الغطاء ويرى ما بعده اللطيفة المبلغة، {وَخَسَفَ ٱلْقَمَرُ} [القيامة: 8]؛ أي: أظلم ضوء قمر قلبه في ليل قالبه، {وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ} [القيامة: 9]؛ أي: جمع شمس روحه وقمر قلبه في عالم نفسه؛ ليرى بضوء شمس روحه أن هؤلاء أعد الله تعالى للقوى العلوية المستكبرة الروحانية التابعة للهوى القوى السفلية على وفق هواها، وهذا الحال مما يشاهد الأغلال والإنكار التي كسبتها القوى السفلية على وفق هواها، وهذا الحال مما يشاهد السالك في أثناء سلوكه، فينبغي أن يتيقن بأنه من علامات القيامة التي قامت بالموت الاختياري، {يَقُولُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ} [القيامة: 10] لشدة ما يشاهده في ذلك اليوم. فأما السالك في هذه الحالة يلتجئ إلى كشف ولاية شيخه، أو يعتصم بحبل ذكر الله الذي لقنه شيخه، أو يلوذ بأذيال ولاية بنيته وكل أحد على مقدار توجهه وصدقه وغلبة الذكر وولاية شيخه أو ولاية بنيته، يفر من تلك الأهوال إلى ما يغلب عليه في تلك الحالة، ويتوجه إليه في تلك الساعة من الذكر، أو الإرادة لشيخه، أو الاتصال لولاية بنيته.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : ليست { لا } [ها] هنا نافية، [ولا زائدة] وإنما أتي بها للاستفتاح والاهتمام بما بعدها، ولكثرة الإتيان بها مع اليمين، لا يستغرب الاستفتاح بها، وإن لم تكن في الأصل موضوعة للاستفتاح. فالمقسم به في هذا الموضع، هو المقسم عليه، وهو البعث بعد الموت، وقيام الناس من قبورهم، ثم وقوفهم ينتظرون ما يحكم به الرب عليهم. { وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ } وهي جميع النفوس الخيرة والفاجرة، سميت { لوامة } لكثرة ترددها وتلومها وعدم ثبوتها على حالة من أحوالها، ولأنها عند الموت تلوم صاحبها على ما عملت، بل نفس المؤمن تلوم صاحبها في الدنيا على ما حصل منه، من تفريط أو تقصير في حق من الحقوق، أو غفلة، فجمع بين الإقسام بالجزاء، وعلى الجزاء، وبين مستحق الجزاء. ثم أخبر مع هذا، أن بعض المعاندين يكذب بيوم القيامة، فقال: { أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أن لَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ } بعد الموت، كما قال في الآية الأخرى: {أية : قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ } تفسير : ؟ فاستبعد من جهله وعدوانه قدرة الله على خلق عظامه التي هي عماد البدن، فرد عليه بقوله: { بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ } أي: أطراف أصابعه وعظامه، المستلزم ذلك لخلق جميع أجزاء البدن، لأنها إذا وجدت الأنامل والبنان، فقد تمت خلقة الجسد، وليس إنكاره لقدرة الله تعالى قصورا بالدليل الدال على ذلك، وإنما [وقع] ذلك منه أن قصده وإرادته أن يكذب بما أمامه من البعث. والفجور: الكذب مع التعمد. ثم ذكر أحوال القيامة فقال: { فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):