٧٥ - ٱلْقِيَامَة
75 - Al-Qiyama (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
16
Tafseer
الرازي
تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: زعم قوم من قدماء الروافض أن هذا القرآن قد غير وبدل وزيد فيه ونقص عنه، واحتجوا عليه بأنه لا مناسبة بين هذه الآية وبين ما قبلها ولو كان هذا الترتيب من الله تعالى لما كان الأمر كذلك. واعلم أن في بيان المناسبة وجوهاً أولها: يحتمل أن يكون الاستعجال المنهي عنه، إنما اتفق للرسول عليه السلام عند إنزال هذه الآيات عليه، فلا جرم. نهى عن ذلك الاستعجال في هذا الوقت، وقيل له: لا تحرك به لسانك لتعجل به وهذا كما أن المدرس إذا كان يلقي على تلميذه شيئاً، فأخذ التلميذ يلتفت يميناً وشمالاً، فيقول المدرس في أثناء ذلك الدرس لا تلتفت يميناً وشمالاً ثم يعود إلى الدرس، فإذا نقل ذلك الدرس مع هذا الكلام في أثنائه، فمن لم يعرف السبب يقول: إن وقوع تلك الكلمة في أثناء ذلك الدرس غير مناسب، لكن من عرف الواقعة علم أنه حسن الترتيب وثانيها: أنه تعالى نقل عن الكفار أنهم يحبون السعادة العاجلة، وذلك هو قوله: {أية : بَلْ يُرِيدُ ٱلإِنسَـٰنُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ } تفسير : [القيامة: 5] ثم بين أن التعجيل مذموم مطلقاً حتى التعجيل في أمور الدين، فقال: {لاَ تُحَرّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ } وقال في آخر الآية: {أية : كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ } تفسير : [القيامة: 20]، وثالثها: أنه تعالى قال: {أية : بَلِ ٱلإِنسَـٰنُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ } تفسير : [القيامة: 14، 15] فههنا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يظهر التعجيل في القراءة مع جبريل، وكان يجعل العذر فيه خوف النسيان، فكأنه قيل له: إنك إذا أتيت بهذا العذر لكنك تعلم أن الحفظ لا يحصل إلا بتوفيق الله وإعانته فاترك هذا التعجيل واعتمد على هداية الله تعالى، وهذا هو المراد من قوله: {أية : لاَ تُحَرّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءانَهُ } تفسير : [القيامة: 16، 17] ورابعها: كأنه تعالى قال: يا محمد إن غرضك من هذا التعجيل أن تحفظه وتبلغه إليهم لكن لا حاجة إلى هذا فإن الإِنسـان على نفسه بصيرة وهم بقلوبهم يعلمون أن الذي هم عليه من الكفر وعبادة الأوثان، وإنكار البعث منكر باطل، فإذا كان غرضك من هذا التعجيل أن تعرفهم قبح ما هم عليه، ثم إن هذه المعرفة حاصلة عندهم، فحينئذ لم يبق لهذا التعجيل فائدة، فلا جرم قال: {لاَ تُحَرّكْ بِهِ لِسَانَكَ } وخامسها: أنه تعالى حكى عن الكافر أنه يقول: أين المفر، ثم قال تعالى: {أية : كَلاَّ لاَ وَزَرَ * إِلَىٰ رَبّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمُسْتَقَرُّ } تفسير : [القيامة: 11، 12] فالكافر كأنه كان يفر من الله تعالى إلى غيره فقيل: لمحمد إنك في طلب حفظ القرآن، تستعين بالتكرار وهذا استعانة منك بغير الله، فاترك هذه الطريقة، واستعن في هذا الأمر بالله فكأنه قيل: إن الكافر يفر من الله إلى غيره، وأما أنت فكن كالمضاد له فيجب أن تفر من غير الله إلى الله وأن تستعين في كل الأمور بالله، حتى يحصل لك المقصود على ما قال: {أية : إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءانَهُ } تفسير : [القيامة: 17] وقال في سورة أخرى: {أية : وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءانِ مِن قَبْلِ إَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَبّى زِدْنِى عِلْماً } تفسير : [طه: 114] أي لا تستعن في طلب الحفظ بالتكرار بل اطلبه من الله تعالى وسادسها: ما ذكره القفال وهو أن قوله: {لاَ تُحَرّكْ بِهِ لِسَانَكَ } ليس خطاباً مع الرسول عليه السلام بل هو خطاب مع الإنسان المذكور في قوله: {أية : يُنَبَّأُ ٱلإِنسَـٰنُ يَوْمَئِذِ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ } تفسير : [القيامة: 13] فكان ذلك للإنسان حال ما ينبأ بقبائح أفعاله وذلك بأن يعرض عليه كتابه فيقال له: {أية : ٱقْرَأْ كَتَـٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا } تفسير : [الإسراء: 14] فإذا أخذ في القراءة تلجلج لسانه من شدة الخوف وسرعة القراءة فيقال له لا تحرك به لسانك لتعجل به، فإنه يجب علينا بحكم الوعد أو بحكم الحكمة أن نجمع أعمالك عليك وأن نقرأها عليك فإذا قرأناه عليك فاتبع قرآنه بالإقرار بأنك فعلت تلك الأفعال، ثم إن علينا بيان أمره وشرح مراتب عقوبته، وحاصل الأمر من تفسير هذه الآية أن المراد منه أنه تعالى يقرأ على الكافر جميع أعماله على سبيل التفصيل، وفيه أشد الوعيد في الدنيا وأشد التهويل في الآخرة، ثم قال القفال: فهذا وجه حسن ليس في العقل ما يدفعه وإن كانت الآثار غير واردة به. المسألة الثانية: احتج من جوز الذنب على الأنبياء عليهم السلام بهذه الآية، فقال: إن ذلك الاستعجال إن كان بإذن الله تعالى فكيف نهاه عنه وإن كان لا بإذن الله تعالى فقد صدر الذنب عنه الجواب: لعل ذلك الاستعجال كان مأذوناً فيه إلى وقت النهي عنه، ولا يبعد أن يكون الشيء مأذوناً فيه في وقت ثم يصير منهياً عنه في وقت آخر، ولهذا السبب قلنا: يجوز النسخ. المسألة الثالثة: روى سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتد عليه حفظ التنزيل وكان إذا نزل عليه الوحي يحرك لسانه وشفتيه قبل فراغ جبريل مخافة أن لا يحفظ، فأنزل تعالى: {لاَ تُحَرّكْ بِهِ لِسَانَكَ } أي بالوحي والتنزيل والقرآن، وإنما جاز هذا الإضمار وإن لم يجر له ذكر لدلالة الحال عليه، كما أضمر في قوله: {أية : إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ } تفسير : [القدر: 1] ونظير قوله: {أية : وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ } تفسير : [طه: 114] وقوله: {لِتَعْجَلَ بِهِ } أي لتعجل بأخذه.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ } في الترمذي: عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه القرآن يحرّك به لسانه، يريد أن يحفظه، فأنزل الله تبارك وتعالى: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ } قال: فكان يحرّك به شفتيهتفسير : . وحرّك سفيان شفتيه. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. ولفظ مسلم عن ٱبن جُبير عن ٱبن عباس قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدّة، كان يحرّك شفتيه، فقال لي ٱبن عباس: أنا أحركهما كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرّكهما؛ فقال سعيد: أنا أحركهما كما كان ٱبن عباس يحرّكهما، فحرك شفتيه؛ فأنزل الله عز وجل: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ } قال جمعه في صدرك ثم تقرؤه {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ } قال فاستمع له وأنصت. ثم إن علينا أن نقرأه؛ قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إذا أتاه جبريل عليهما السلام ٱستمع، وإذا ٱنطلق جبريل عليه السلام قرأه النبيّ صلى الله عليه وسلم كما أقرأه؛ خرّجه البخاري أيضاً. ونظير هذه الآية قوله تعالى: { أية : وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْآنِ مِن قَبْلِ إَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ } تفسير : [طه: 114] وقد تقدّم. وقال عامر الشَّعْبي: إنما كان يعجل بذكره إذا نزل عليه من حُبّه له، وحلاوته في لسانه، فنُهي عن ذلك حتى يجتمع؛ لأن بعضه مرتبط ببعض. وقيل: حديث : كان عليه السلام إذا نزل عليه الوحي حرّك لسانه مع الوحي مخافة أن ينساه، فنزلت {وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْآنِ مِن قَبْلِ إَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ} [طه: 114] ونزل: {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ} [الأعلى: 6] ونزل: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ} تفسير : قاله ٱبن عباس. «وقرآنه» أي وقراءته عليك. والقراءة والقرآن في قول الفراء مصدران. وقال قتادة: «فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ» أي فٱتبع شرائعه وأحكامه. وقوله: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} أي تفسير ما فيه من الحدود والحلال والحرام؛ قاله قتادة. وقيل: ثم إن علينا بيان ما فيه من الوعد والوعيد وتحقيقهما. وقيل: أي إن علينا أن نبيّنه بلسانك. قوله تعالى: {كَلاَّ} قال ٱبن عباس: أي إن أبا جهل لا يؤمن بتفسير القرآن وبيانه. وقيل: أي «كَلاَّ» لاَ يُصَلّون ولا يزكّون يريد كفّار مكة. {بَلْ تُحِبُّونَ} أي بل تحبون يا كفار أهل مكة {ٱلْعَاجِلَةَ} أي الدار الدنيا والحياة فيها {وَتَذَرُونَ} أي تَدَعون {ٱلآخِرَةَ} والعمل لها. وفي بعض التفسير قال: الآخرة الجنة. وقرأ أهل المدينة والكوفيون «بَلْ تُحِبُّونَ» «وتَذَرُونَ» بالتاء فيهما على الخطاب وٱختاره أبو عبيد؛ قال: ولولا الكراهة لخلاف هؤلاء القراء لقرأتها بالياء؛ لذكر الإنسان قبل ذلك. الباقون بالياء على الخبر، وهو ٱختيار أبي حاتم، فمن قرأ بالياء فردا على قوله تعالى: {يُنَبَّأُ ٱلإِنسَانُ} وهو بمعنى الناس. ومن قرأ بالتاء فعلى أنه واجههم بالتقريع؛ لأن ذلك أبلغ في المقصود؛ نظيره: { أية : إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ يُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً } تفسير : [الإنسان: 27].
ابن كثير
تفسير : هذا تعليم من الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم في كيفية تلقيه الوحي من الملك، فإنه كان يبادر إلى أخذه، ويسابق الملك في قراءته، فأمره الله عز وجل إذا جاءه الملك بالوحي أن يستمع له، وتكفل الله له أن يجمعه في صدره، وأن ييسره لأدائه على الوجه الذي ألقاه إليه، وأن يبينه له، ويفسره ويوضحه. فالحالة الأولى جمعه في صدره، والثانية تلاوته، والثالثة تفسيره وإيضاح معناه. ولهذا قال تعالى: { لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} أي: بالقرآن؛ كما قال تعالى: {أية : وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءانِ مِن قَبْلِ إَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْماً} تفسير : [طه: 114] ثم قال تعالى: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ} أي: في صدرك {وَقُرْءَانَهُ} أي: أن تقرأه {فَإِذَا قَرَأْنَـٰهُ} أي: إذا تلاه عليك الملك عن الله تعالى {فَٱتَّبِعْ قُرْءَانَهُ} أي: فاستمع له، ثم اقرأه كما أقرأك، { ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} أي: بعد حفظه وتلاوته نبينه لك، ونوضحه، ونلهمك معناه على ما أردنا وشرعنا. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن عن أبي عوانة عن موسى بن أبي عائشة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة، فكان يحرك شفتيه قال: فقال لي ابن عباس: أنا أحرك شفتي كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرك شفتيه، وقال لي سعيد: وأنا أحرك شفتي كما رأيت ابن عباس يحرك شفتيه، فأنزل الله عز وجل: { لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ } قال: جمعه في صدرك، ثم تقرؤه { فَإِذَا قَرَأْنَـٰهُ فَٱتَّبِعْ قُرْءَانَهُ} أي: فاستمع له وأنصت، { ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} فكان بعد ذلك إذا انطلق جبريل، قرأه كما أقرأه. وقد رواه البخاري ومسلم من غير وجه عن موسى بن أبي عائشة به. ولفظ البخاري: فكان إذا أتاه جبريل، أطرق، فإذا ذهب، قرأه كما وعده الله عز وجل. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو يحيى التيمي، حدثنا موسى بن أبي عائشة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي، يلقى منه شدة، وكان إذا نزل عليه، عرف في تحريكه شفتيه، يتلقى أوله، ويحرك به شفتيه، خشية أن ينسى أوله قبل أن يفرغ من آخره، فأنزل الله تعالى: { لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} وهكذا قال الشعبي والحسن البصري وقتادة ومجاهد والضحاك وغير واحد: إن هذه الآية نزلت في ذلك. وقد روى ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس: { لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} قال: كان لا يفتر من القراءة مخافة أن ينساه، فقال الله تعالى: { لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ}: أن نجمعه لك، {وَقُرْءَانَهُ}: أن نقرئك فلا تنسى، وقال ابن عباس وعطية العوفي: { ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} تبيين حلاله وحرامه، وكذا قال قتادة. وقوله تعالى: { كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ ٱلأَخِرَةَ } أي: إنما يحملهم على التكذيب بيوم القيامة، ومخالفة ما أنزله الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم من الوحي الحق والقرآن العظيم، أنهم إنما همتهم إلى الدار الدنيا العاجلة، وهم لاهون متشاغلون عن الآخرة. ثم قال تعالى: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ} من النضارة، أي: حسنة بهية مشرقة مسرورة { إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} أي: تراه عياناً؛ كما رواه البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه: «حديث : إنكم سترون ربكم عياناً»تفسير : . وقد ثبتت رؤية المؤمنين لله عز وجل في الدار الآخرة في الأحاديث الصحاح من طرق متواترة عند أئمة الحديث، لا يمكن دفعها ولا منعها؛ لحديث أبي سعيد وأبي هريرة، وهما في الصحيحين: أنَّ ناساً قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: «حديث : هل تضارون في رؤية الشمس والقمر ليس دونهما سحاب؟» تفسير : قالوا: لا، قال: «حديث : فإنكم ترون ربكم كذلك.»تفسير : وفي الصحيحين عن جرير قال: نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القمر ليلة البدر فقال: «حديث : إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر! فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس ولا قبل غروبها فافعلوا» تفسير : وفي الصحيحين عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى الله عز وجل إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن»تفسير : . وفي أفراد مسلم عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا دخل أهل الجنة الجنة ــــ قال ــــ يقول الله تعالى: تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا! ألم تدخلنا الجنة، وتنجنا من النار! قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم، وهي الزيادة» تفسير : ثم تلا هذه الآية: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ} وفي أفراد مسلم عن جابر في حديثه: «حديث : إن الله يتجلى للمؤمنين يضحك» تفسير : يعني: في عرصات القيامة. ففي هذه الأحاديث أن المؤمنين ينظرون إلى ربهم عز وجل في العرصات، وفي روضات الجنات، وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا عبد الملك بن أبجر، حدثنا ثوير بن أبي فاخته عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن أدنى أهل الجنة منزلة لينظر في ملكه ألفي سنة يرى أقصاه كما يرى أدناه، ينظر إلى أزواجه وخدمه، وإن أفضلهم منزلة لينظر في وجه الله كل يوم مرتين» تفسير : ورواه الترمذي عن عبد بن حميد عن شبابة عن إسرائيل عن ثوير قال: سمعت ابن عمر، فذكره، قال: ورواه عبد الملك بن أبجر عن ثوير عن مجاهد عن ابن عمر، وكذلك رواه الثوري عن ثوير عن مجاهد عن ابن عمر، ولم يرفعه، ولولا خشية الإطالة، لأوردنا الأحاديث بطرقها وألفاظها من الصحاح والحسان والمسانيد والسنن، ولكن ذكرنا ذلك مفرقاً في مواضع من هذا التفسير، وبالله التوفيق. وهذا بحمد الله مجمع عليه بين الصحابة والتابعين، وسلف هذه الأمة، كما هو متفق عليه بين أئمة الإسلام، وهداة الأنام، ومن تأول ذلك بأن المراد بــ (إلى) مفرد الآلاء، وهي النعم؛ كما قال الثوري عن منصور عن مجاهد: { إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} قال: تنتظر الثواب من ربها، رواه ابن جرير من غير وجه عن مجاهد، وكذا قال أبو صالح أيضاً، فقد أبعد هذا القائل النجعة، وأبطل فيما ذهب إليه، وأين هو من قوله تعالى: {أية : كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} تفسير : [المطففين: 15] قال الشافعي رحمه الله تعالى: ما حجب الكفار، إلا وقد علم أن الأبرار يرونه عز وجل. ثم قد تواترت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما دل عليه سياق الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: { إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} قال ابن جرير: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري، حدثنا آدم، حدثنا المبارك عن الحسن: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ} قال: حسنة { إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} قال: تنظر إلى الخالق، وحق لها أن تنضر وهي تنظر إلى الخالق. وقوله تعالى: { وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ } هذه وجوه الفجار، تكون يوم القيامة باسرة، قال قتادة: كالحة، وقال السدي: تغير ألوانها، وقال ابن زيد: {بَاسِرَةٌ} أي: عابسة {تَظُنُّ} أي: تستيقن {أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ} قال مجاهد: داهية، وقال قتادة: شر، وقال السدي. تستيقن أنها هالكة، وقال ابن زيد: تظن أن ستدخل النار، وهذا المقام كقوله تعالى: {أية : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} تفسير : [آل عمران: 106] وكقوله تعالى: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَـٰحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَفَرَةُ ٱلْفَجَرَةُ } تفسير : [عبس: 38 ــــ 42] وكقوله تعالى: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَـٰشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً } تفسير : ــــ إلى قوله ــــ {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ} تفسير : [الغاشية:2-10] في أشباه ذلك من الآيات والسياقات. يخبر تعالى عن حالة الاحتضار، وما عنده من الأهوال، ثبتنا الله هنالك بالقول الثابت، فقال تعالى: { كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِىَ} إن جعلنا (كلا) رادعة، فمعناها: لست يابن آدم هناك تكذب بما أخبرت به، بل صار ذلك عندك عياناً، وإن جعلناها بمعنى حقاً، فظاهر، أي: حقاً إذا بلغت التراقي، أي: انتزعت روحك من جسدك، وبلغت تراقيك، والتراقي جمع ترقوة، وهي العظام التي بين ثغرة النحر والعاتق؛ كقوله تعالى: {أية : فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَـٰكِن لاَّ تُبْصِرُونَ فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } تفسير : [الواقعة: 83 ــــ 87] وهكذا قال ههنا: { كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِىَ} ويذكر ههنا حديث بسر بن جحاش الذي تقدم في سورة يس. والتراقي جمع ترقوة، وهي قريبة من الحلقوم {وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ}؟ قال عكرمة عن ابن عباس: أي: من راق يرقي؟ وكذا قال أبو قلابة: { وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ} أي: من طبيب شاف؟ وكذا قال قتادة والضحاك وابن زيد، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا نصر بن علي، حدثنا روح بن المسيب أبو رجاء الكلبي، حدثنا عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عباس { وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ} قيل: من يرقى بروحه، ملائكة الرحمة، أم ملائكة العذاب؟ فعلى هذا يكون من كلام الملائكة. وبهذا الإسناد عن ابن عباس في قوله: { وَٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ} قال: التفت عليه الدنيا والآخرة، وكذا قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: { وَٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ} يقول: آخر يوم من أيام الدنيا أول يوم من أيام الآخرة، فتلتقي الشدة بالشدة، إلا من رحمه الله. وقال عكرمة: { وَٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ} الأمر العظيم بالأمر العظيم، وقال مجاهد: بلاء ببلاء، وقال الحسن البصري في قوله تعالى: { وَٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ} هما ساقاك إذا التفتا، وفي رواية عنه: ماتت رجلاه فلم تحملاه، وقد كان عليهما جوالاً، وكذا قال السدي عن أبي مالك، وفي رواية عن الحسن: هو لفهما في الكفن، وقال الضحاك: { وَٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ} اجتمع عليه أمران: الناس يجهزون جسده، والملائكة يجهزون روحه. وقوله تعالى: { إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمَسَاقُ} أي: المرجع والمآب، وذلك أن الروح ترفع إلى السموات، فيقول الله عز وجل: ردوا عبدي إلى الأرض؛ فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى؛ كما ورد في حديث البراء الطويل. وقد قال الله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ ثُمَّ رُدُّوۤاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ مَوْلَـٰهُمُ ٱلْحَقِّ أَلاَ لَهُ ٱلْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ ٱلْحَـٰسِبِينَ } تفسير : [الأنعام: 61 ــــ 62]. وقوله جل وعلا: { فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّىٰ وَلَـٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ } هذا إخبار عن الكافر الذي كان في الدار الدنيا مكذباً للحق بقلبه، متولياً عن العمل بقالبه، فلا خير فيه باطناً ولا ظاهراً، ولهذا قال تعالى: {فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّىٰ وَلَـٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰ أَهْلِهِ يَتَمَطَّىٰ } أي: جذلاً أشراً بطراً، كسلاناً لا همة له ولا عمل؛ كما قال تعالى: {أية : وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ} تفسير : [المطففين: 31] وقال تعالى: {أية : إِنَّهُ كَانَ فِىۤ أَهْلِهِ مَسْرُوراً إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ } تفسير : [الانشقاق: 13 ــــ 14] أي: يرجع { بَلَىٰ إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً} وقال الضحاك عن ابن عباس: { ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰ أَهْلِهِ يَتَمَطَّىٰ} أي: يختال. وقال قتادة وزيد بن أسلم: يتبختر. قال الله تعالى: { أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ } وهذا تهديد ووعيد أكيد من الله تعالى للكافر به، المتبختر في مشيه، أي: يحق لك أن تمشي هكذا، وقد كفرت بخالقك وبارئك؛ كما يقال في مثل هذا على سبيل التهكم والتهديد؛ كقوله تعالى: {أية : ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ} تفسير : [الدخان: 49] وكقوله تعالى: {أية : كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ} تفسير : [المرسلات: 46] وكقوله تعالى: {فَٱعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ مِّن دُونِهِ} وكقوله جل جلاله: {أية : ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ} تفسير : [فصلت: 40] إلى غير ذلك. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا عبد الرحمن، يعني: ابن مهدي، عن إسرائيل عن موسى بن أبي عائشة قال: سألت سعيد بن جبير قلت: { أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ }؟ قال: قاله النبي صلى الله عليه وسلم لأبي جهل، ثم نزل به القرآن. وقال أبو عبد الرحمن النسائي: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبو النعمان، حدثنا أبو عوانة "ح" وحدثنا أبو داود، حدثنا محمد بن سليمان، حدثنا أبو عوانة عن موسى بن أبي عائشة عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: { أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ }؟ قال: قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي جهل، ثم أنزله الله عز وجل، قال ابن أبي حاتم: وحدثنا أبي، حدثنا هشام بن خالد، حدثنا شعيب عن إسحاق، حدثنا سعيد عن قتادة قوله: { أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ } وعيد على أثر وعيد، كما تسمعون، وزعموا أن عدو الله أبا جهل أخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم بمجامع ثيابه، ثم قال: «حديث : أولى لك فأولى، ثم أولى لك فأولى» تفسير : فقال عدو الله أبو جهل: أتوعدني يا محمد؟ والله لا تستطيع أنت ولا ربك شيئاً، وإني لأعز من مشى بين جبليها. وقوله تعالى: { أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَـٰنُ أَن يُتْرَكَ سُدًى} قال السدي: يعني: لا يبعث. وقال مجاهد والشافعي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني: لا يؤمر ولا ينهى، والظاهر أن الآية تعم الحالين، أي: ليس يترك في هذه الدنيا مهملاً، لا يؤمر ولا ينهى، ولا يترك في قبره سدى، لا يبعث، بل هو مأمور منهي في الدنيا، محشور إلى الله في الدار الآخرة، والمقصود هنا إثبات المعاد، والرد على من أنكره من أهل الزيغ والجهل والعناد، ولهذا قال تعالى مستدلاً على الإعادة بالبداءة فقال تعالى: { أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِىٍّ يُمْنَىٰ}؟ أي: أما كان الإنسان نطفة ضعيفة من ماء مهين يمنى: يراق من الأصلاب في الأرحام؟ { ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ} أي: فصار علقة، ثم مضغة، ثم شكل ونفخ فيه الروح، فصار خلقاً سوياً سليم الأعضاء، ذكراً أو أنثى بإذن الله وتقديره. ولهذا قال تعالى: { فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ} ثم قال تعالى: { أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِىَ ٱلْمَوْتَىٰ}؟ أي: أما هذا الذي أنشأ هذا الخلق السوي من هذه النطفة الضعيفة بقادر على أن يعيده كما بدأه؟ وتناول القدرة للإعادة إما بطريق الأولى بالنسبة إلى البداءة، وإما مساوية على القولين في قوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} تفسير : [الروم: 27] والأول أشهر؛ كما تقدم في سورة الروم بيانه وتقريره، والله أعلم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا شبابة عن شعبة، عن موسى بن أبي عائشة عن آخر: أنه كان فوق سطح يقرأ، ويرفع صوته بالقرآن، فإذا قرأ: { أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِىَ ٱلْمَوْتَىٰ}؟ قال: سبحانك اللهم، فبلى، فسئل عن ذلك فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك. وقال أبو داود رحمه الله: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن موسى بن أبي عائشة قال: كان رجل يصلي فوق بيته، فكان إذا قرأ: { أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِىَ ٱلْمَوْتَىٰ}؟ قال: سبحانك فبلى، فسألوه عن ذلك فقال: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، تفرد به أبو داود، ولم يسم هذا الصحابي، ولا يضر ذلك. وقال أبو داود أيضاً: حدثنا عبد الله بن محمد الزهري، حدثنا سفيان، حدثني إسماعيل بن أمية، سمعت أعرابياً يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من قرأ منكم بالتين والزيتون، فانتهى إلى آخرها: { أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَحْكَمِ ٱلْحَـٰكِمِينَ}؟ فليقل: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين، ومن قرأ: { لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ} فانتهى إلى قوله: { أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِىَ ٱلْمَوْتَىٰ}؟ فليقل: بلى، ومن قرأ: {وَٱلْمُرْسَلَـٰتِ} فبلغ: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} فليقل: آمنا بالله» تفسير : ورواه أحمد عن سفيان بن عيينة ورواه الترمذي عن ابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة به، وقد رواه شعبة عن إسماعيل بن أمية قال: قلت له من حدثك؟ قال: رجل صدق عن أبي هريرة. وقال ابن جرير: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد عن قتادة: قوله تعالى: { أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِىَ ٱلْمَوْتَىٰ}؟ ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأها قال: «حديث : سبحانك، وبلى» تفسير : ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا سفيان عن أبي إسحاق، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، أنه مر بهذه الآية: {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِىَ ٱلْمَوْتَىٰ}؟ قال: سبحانك فبلى. آخر تفسير سورة القيامة، ولله الحمد والمنة.
المحلي و السيوطي
تفسير : قال تعالى لنبيه: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ } بالقرآن قبل فراغ جبريل منه {لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ } خوف أن ينفلت منك.
الماوردي
تفسير : {لا تُحرِّكْ به لسانَكَ لِتعْجَلَ به} فيه وجهان: أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه القرآن حرك به لسان يستذكره. مخافة أن ينساه، وكان ناله منه شدة، فنهاه الله تعالى عن ذلك وقال: {إنّ علينا جَمْعَه وقرآنه}، قاله ابن عباس. الثاني: أنه كان يعجل بذكره إذا نزل عليه من حبه له وحلاوته في لسانه، فنهي عن ذلك حتى يجتمع، لأن بعضه مرتبط ببعض، قاله عامر الشعبي. {إنّ علينا جَمْعَهُ وقُرْآنَه} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: إن علينا جمعه في قلبك لتقرأه بلسانك، قاله ابن عباس. الثاني: عيلنا حفظه وتأليفه، قاله قتادة. الثالث: عيلنا أن نجمعه لك حتى تثبته في قلبك، قاله الضحاك. {فإذا قرأناه فاتّبعْ قُرْآنَه} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: فإذا بيّناه فاعمل بما فيه، قاله ابن عباس. الثاني: فإذا أنزلناه فاستمع قرآنه، وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً. الثالث: فإذا تلي عليك فاتبع شرائعه وأحكامه، قاله قتادة. {ثم إنْ علينا بَيانَه} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: بيان ما فيه من أحكام وحلال وحرام، قاله قتادة. الثاني: علينا بيانه بلسانك إذا نزل به جبريل حتى تقرأه كما أقرأك، قاله ابن عباس. الثالث: علينا أن نجزي يوم القيامة بما فيه من وعد أو وعيد، قاله الحسن. {كلاّ بل تُحِبُّونَ العاجلةَ * وتذَرُونَ الآخِرَة} فيه وجهان: أحدهما: تحبون ثواب الدنيا وتذرون ثواب الآخرة، قاله مقاتل. الثاني: تحبون عمل الدنيا وتذرون عمل الآخرة. {وُجوهٌ يومئذٍ ناضِرةٌ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: يعني حسنة، قاله الحسن. الثاني: مستبشرة، قاله مجاهد. الثالث: ناعمة، قاله ابن عباس. الرابع: مسرورة، قاله عكرمة. {إلى رَبِّها ناظرةٌ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: تنظر إلى ربها في القيامة، قاله الحسن وعطية العوفي. الثاني: إلى ثواب ربها، قاله ابن عمر ومجاهد. الثالث: تنتظر أمر ربها، قاله عكرمة. {ووجوهُ يومئذٍ باسرةٌ} فيه وجهان: أحدهما: كالحة، قاله قتادة. الثاني: متغيرة، قاله السدي. {تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بها فاقِرةٌ} فيه أربعة أوجه: أحدها: أن الفاقرة الداهية، قاله مجاهد. الثاني: الشر، قاله قتادة. الثالث: الهلاك، قاله السدي. الرابع: دخول النار، قاله ابن زيد.
ابن عطية
تفسير : الضمير في {به} عائد على كتاب الله تعالى ولم يجر له ذكر، ولكن القرائن تبينه، فهذا كقوله تعالى: {أية : توارت بالحجاب} تفسير : [ص:32]، وكقوله تعالى: {كلا إذا بلغت التراقي} يعني النفس، واختلف المتأولون في السبب الموجب أن يؤمر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الأمر، فقال الشعبي: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لحرصه على أداء الرسالة والاجتهاد في ذات الله تعالى ربما أراد النطق ببعض ما أوحي إليه قبل كمال إيراد الوحي، فأمر أن لا يعجل بالقرآن من قبل أن يفضى إليه وحيه. وجاءت هذه الآية في هذا المعنى. وقال الضحاك. كان سببها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخاف أن ينسى القرآن فكان يدرسه حتى غلب ذلك عليه وشق، فنزلت الآية في ذلك، وقال كثير من المفسرين وهو في صحيح البخاري عن ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة، وكان مما يحرك شفتيه مخافة أن يذهب عنه ما يوحى إليه، فنزلت الآية بسبب ذلك وأعمله الله تعالى أنه يجمعه له في صدره، {وقرآنه} يحتمل أن يريد به وقراءته أي تقرأه أنت يا محمد، والقرآن مصدر كالقراءة ومنه قول الشاعر [حسان بن ثابت] في عثمان رضي الله عنه وأرضاه: [البسيط] شعر : ضحوا بأشمط عنوان السجود به يقطّع الليل تسبيحاً وقرآنا تفسير : ويحتمل أن يريد {إن علينا جمعه} وتأليفه في صدر صدرك فهو مصدر من قولك قرأت أي جمعت، ومنه قولهم في المرأة التي لم تلد ما قرأت سلا قط، ومنه قول الشاعر [عمرو بن كلثوم]: [الوافر] شعر : ذراعي عيطل أدماء بكر هجان اللون لم تقرأ جنينا تفسير : وقوله تعالى: {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} أي قراءة الملك الرسول عنا. وقوله تعالى: {فاتبع} يحتمل أن يريد بذهنك وفكرك، أي فاستمع قراءته وقاله ابن عباس، ويحتمل أن يريد {فاتبع} في الأوامر والنواهي، قاله ابن عباس أيضاً وقتادة والضحاك, وقرأ أبو العالية: "قرته"، " فإذا قَرَته فاتبع قَرتَه" بفتح القاف والراء والتاء من غير همز ولا ألف في الثالثة، وقوله تعالى: {ثم إن علينا بيانه} ، قال قتادة وجماعة معه: معناه أن نبينه لك ونحفظكه، وقال كثير من المتأولين معناه أن تبينه أنت، وقال قتادة أيضاً وغيره معناه أن نبين حلاله وحرامه ومجمله ومفسره، وقوله تعالى: {كلا بل تحبون العاجلة} رجوع إلى مخاطبة قريش، فرد عليهم وعلى أقوالهم في رد الشريعة بقوله: {كلا} ليس ذلك كما تقولون. وإنما أنتم قوم قد غلبتكم الدنيا بشهواتها، فأنتم تحبونها حباً تتركون معه الآخرة والنظر في امرها. وقرأ الجمهور " تحبون " بالتاء على المخاطبة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والحسن ومجاهد والجحدري وقتادة " يحبون " بالياء على ذكر الغائب وكذلك " يذرون " ولما ذكر الآخرة أخبر بشيء من حال أهلها بقوله: {وجوه} رفع بالابتداء وابتداء بالنكرة لأنها تخصصت بقوله {يومئذ} و {ناضرة} خبر {وجوه} وقوله تعالى: {إلى ربها ناظرة} جملة هي في موضع خبر بعد خبر، وقال بعض النحويين: {ناضرة} نعت لـ {وجوه} ، و {إلى ربها ناظرة} خبر عن {وجوه}، فعلى هذا كثر تخصص الوجوه فحسن الابتداء بها. و {ناضرة} معناه ناعمة، والنضرة النعمة وجمال البشرة، قال الحسن: وحق لها أن تنضر وهي تنظر إلى الخالق، وقوله تعالى: {إلى ربها ناظرة} حمل هذه الآية أهل السنة على أنها متضمنة رؤية المؤمنين لله تعالى، وهي رؤية دون محاذاة ولا تكييف ولا تحديد كما هو معلوم، موجود لا يشبه الموجودات كذلك هو لا يشبه المرئيات في شيء، فإنه ليس كمثله شيء لا إله إلا هو، وروى عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : حدثتكم عن الدجال أنه أعور وأن ربكم ليس بأعور وأنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا " تفسير : ،وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنكم ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته " تفسير : ،وقال الحسن: تنظرون إلى الله تعالى بلا إحاطة، وأما المعتزلة الذين ينفون رؤية الله تعالى، فذهبوا في هذه الآية إلى أن المعنى إلى رحمة ربها ناظرة أو إلى ثوابه أو ملكه، فقدروا مضافاً محذوفاً، وهذا وجه سائغ في العربية كما تقول، فلا ناظر إليك في كذا، أي إلى صنعك في كذا، والرواية إنما تثبتها بأدلة قاطعة غير هذه الآية، فإذا ثبتت حسن تأويل أهل السنة في هذه الآية وقوي، وذهب بعض المعتزلة في هذه الآية إلى أن قوله {إلى} ليست بحرف الجر وإنما هي إلى واحد الآلاء فكأنه قال نعمة ربها منتظرة، أو {ناظرة} من النظر بالعين، ويقال نظرتك بمعنى انتظرتك، ومنه قول الحطيئة: [البسيط] شعر : وقد نظرتكم أبناء عائشة للخمس طال بها حبسي وتبساسي تفسير : والتبساس أن يقال للناقة بس بس لتدر على الحالب، وفسر أبو عبيدة في غريبه هذا البيت على رواية أخرى وهي: طال بها حوزي وتنساسي بالنون وهو السير الشديد فتأمله، و " الباسرة " العابسة المغمومة النفوس. والبسور أشد العبوس، وإنما ذكر تعالى الوجوه لأنه فيها يظهر ما في النفس من سرور أو غم، والمراد أصحاب الوجوه، وقوله تعالى: {تظن أن يفعل} إن جعلناه بمعنى توقن فهو لم يقع بعد على ما بيناه وأن جعلنا الظن هنا على غلبته، فذلك محتمل، و " الفاقرة ": المصيبة التي تكسر فقار الإنسان، قال ابن المسيب: هي قاصمة الظهر، وقال أبو عبيدة: هي من فقرت البعير إذا وسمت أنفه بالنار، وقوله تعالى: {كلا إذا بلغت} زجر آخر لقريش وتذكير لهم بموطن من مواطن الهول وأمر الله تعالى الذي لا محيد لبشر عنه وهي حالة الموت والمنازعة التي كتبها الله على كل حيوان، و {بلغت} يريد النفس، و {التراقي} ترقوة وهي عظام أعلى الصدر، ولكل أحد ترقوتان، لكن من حيث هذا الأمر في كثير من جمع، إذ النفس المرادة اسم جنس، و {التراقي} هي موازية للحلاقيم، فالأمر كله كناية عن حال الحشرجة ونزاع الموت، يسره الله علينا بمة، واختلف الناس في معنى قوله تعالى: {من راق} فقال ابن عباس والضحاك وقتادة وأبو قلابة: معناه من يرقى ويطب ويشفى ونحو هذا مما يتمناه أهل المريض، وقال ابن عباس أيضاً وسليمان التيمي ومقاتل وابن سليمان: هذا القول للملائكة: والمعنى من يرقى بروحه، أي يصعد إلى السماء أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ وقرأ حفص عن عاصم بالوقف على {من} ويبتدىء {راق} وأدغم الجمهور، قال أبو علي: لا أعرف وجه قراءة عاصم، وكذلك قرأ " بل ران " وقوله تعالى: {وظن أنه الفراق} يريد وتيقن المريض أنه فراق الأحبة والأهل والمال والحياة، وهذا يقين فيما لم يقع بعد ولذلك استعملت فيه لفظة الظن، وقرأ ابن عباس " أيقن أنه الفراق"، وقال في تفسيره ذهب الظن واختلف في معنى قوله {والتفت الساق بالساق} ، فقال ابن عباس والحسن والربيع بن أنس وإسماعيل بن أبي خالد هذه استعارة لشدة كرب الدنيا في آخر يوم منها وشدة كرب الآخرة في أول يوم منها لأنه بين الحالين قد أختلطا له، وهذا كما تقول شمرت الحرب عن ساق، وعلى بعض التأويلات في قوله تعالى: {أية : يوم يكشف عن ساق} تفسير : [القلم:42] وقال ابن المسيب والحسن: هي حقيقة، والمراد ساق الميت عند تكفينه أي لفهما الكفن، وقال الشعبي وأبو مالك وقتادة: هو التفافهما بشدة المرض لأنه يقبض ويبسط ويركب هذا على هذا، وقال الضحاك: المراد أسوق حاضريه من الإنس والملائكة لأن هؤلاء يجهزون روحه إلى السماء وهؤلاء بدنه إلى قبره، وقوله تعالى: {إلى ربك} معناه إلى حكم ربك وعدله، فإما إلى جنة وإما إلى نار، و {المساق} مصدر من السوق.
ابن عبد السلام
تفسير : {لا تُحَرِّكْ} كان إذا نزل عليه القرآن حرّك به لسانه يستذكره فيناله من ذلك شدّة فنهي عن ذلك "ع" أو كان يعجل بذكره حُبّاً له لحلاوته عنده فنهي عن ذلك حتى يجتمع لأنّ بعضه مرتبط ببعض.
ابن عادل
تفسير : قوله: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ}. قال بعض الرافضة: عدم مناسبتها لما قبلها يدل على تغيير القرآن. قال ابن الخطيب: وفي مناسبتها وجوه: الأول: لعل استعجال الرسول إنما كان عند نزول هذه الآيات. الثاني: أنه تقدم أن الإنسان يستعجل بقوله: {لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ} ثم بين أن العجلة مذمومة في أمر الدين، فقال تعالى: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ}، وقال تعالى بعدها: {أية : بَلْ تُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ} تفسير : [القيامة: 20]. الثالث: أنه قدم {بَلِ ٱلإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ} وكان صلى الله عليه وسلم إنما يستعجل خشية النسيان، فقيل له صلى الله عليه وسلم إن الأمور لا تحصل إلا بتوفيق الله - تعالى - وإعانته، فاعتمد على الله - تعالى - واترك التعجيل. الرابع: كأنه قيل: غرضك من هذا التعجيل أن تحفظه، وتبلغه إليهم ليظهر صدقك، وقبح عنادهم، لكنهم يعلمون ذلك بقلوبهم، فلا فائدة في هذا التعجيل. الخامس: أن الكافر لما قال: "أين المَفر"؟ كأنه يطلب الفرار من الله تعالى، فكن أنت يا محمد على مضادة الكافر، وفر من غير الله إلى الله. السادس: قال القفالُ: الخطاب مع الإنسان المذكور في قوله {يُنَبَّأُ ٱلإِنسَانُ} فإذا قيل له: اقرأ كتابك تلجلج لسانه، فيقال له: لا تعجل، فإنه يجب علينا بحكم الوعد، أو بحكم الحكمة أن نجمع أعمالك ونقرأها عليك، فإذا قرآناه فاتَّبعْ قرآنه بالإقرار {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}، وهذا فيه وعيد شديد وتهويل. روى الترمذي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه القرآن يحرك لسانه يريد أن يحفظه، فأنزل الله تعالى: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ}. قال: وكان يحرك شفتيه، فقال لي ابن عباس: أنا أحركهما كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحركهما، فحرك شفتيه، فأنزل الله تعالى: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} قال: جمعه في صدرك ثم نقرؤه {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ} فاستمع وأنصت، ثم علينا أن نقرأه، فيقال: حديث : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه جبريل - عليه السلام - استمع، وإذا نطق جبريل - عليه السلام - قرأه النبي صلى الله عليه وسلم كما أقرأهتفسير : . خرجه البخاري أيضاً. ونظير هذه الآية: {أية : وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْؤَانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ}تفسير : [طه: 114]. وقد تقدم. وقال عامر الشعبي: إنما كان يُعجِّل بذكره صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي من حبّه له وحلاوته في لسانه مع الوحي مخافة أن ينساه صلى الله عليه وسلم فنزلت: {وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْآنِ} الآية. ونزل: {أية : سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ}تفسير : [الأعلى: 6]، ونزل: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ}. قاله ابن عباس: و "قرآنه" أي وقراءته عليك، والقراءة والقرآن في قول الفراء: مصدران. وقال قتادة: "فاتَّبع قرآنه" فاتَّبع شرائعه وأحكامه. قوله: {وَقُرْآنَهُ}، أي: قراءته، فهو مصدر مضاف للمفعول، وأما الفاعل فمحذوف، والأصل: وقراءتك إياه، والقرآن: مصدر بمعنى القراءة. وقال حسان رضي الله عنه: [البسيط] شعر : 4994 - ضَحَّوْا بأشْمَطَ عُنوانُ السُّجُودِ بِهِ يُقَطِّعُ اللَّيْلَ تَسْبِيحاً وقُرْآنا تفسير : وقال ابن عطية: قرأ أبو العالية: "إنَّ عَليْنَا جَمعهُ وقَرَتَهُ، فإذَا قَرَأنَاهُ فاتَّبع قَرَتهُ". بفتح القاف والراء والتاء من غير همز ولا ألف. ولم يذكر توجيهها. فأما توجيه قوله: "جَمعَهُ وقُرآنهُ" وقوله: "فاتَّبعْ قُرآنهُ" فواضح - كما تقدم - في قراءة ابن كثير في "البقرة"، وأنه هل هو نقل أو من مادة "قرن"، وتحقيق القولين مذكور ثمَّة فليلتفت إليه. وأما قوله: بفتح القاف والراء والتاء، فيعني في قوله: "فإذا قَرَتَه" يشير إلى أنه قُرىء شاذّاً هكذا. وتوجيهها: أن الأصل: "قَرَأتَهُ" فعلاً ماضياً مسنداً لضمير المخاطب، أي: فإذا أردت قراءته، ثم أبدل الهمزة ألفاً لسكونها بعد فتحة، ثم حذف الألف تخفيفاً، كقولهم: ولو ترى ما لصبيان، و "ما" مزيدة، فصار اللفظ "قَرَتَهُ". فصل في لفظ الآية قوله: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ} أي بمقتضى الوعد عند أهل السنة، وبمقتضى الحكمة عند المعتزلة. "جمعه" في صدرك "وقرآنه" أي: يعيده جبريل عليك حتى تحفظه وتقرأه بحيث لا تنساه، فعلى الأول: القارىء جبريل عليك، وعلى الثاني محمد صلى الله عليه وسلم والمراد بقراءته: جمعه كقوله: [الوافر] شعر : 4995 -.................. ...........لَمْ تَقْرَأ جَنِينَا تفسير : فيحمل الجمع على جمعه في الخارج، والقرآن على جمعه في ذهنه وحفظه لئلا يلزم التكرار، وأسند القراءة لله لأنها بأمره. وقوله: "فاتبع قرآنه" قيل: حلاله وحرامه أو لا تقارئه بل اسكت حتَّى يسكت جبريل فاقرأ أنت، وهو أظهر؛ لأن الآية تدلّ على أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ مع جبريل، وكان يسأله في أثناء قراءته عن المشكلات فنهي عن الأول بقوله "فاتبع قرآنه"، وعن الثاني بقوله: {ثم إن علينا بيانه}. قوله: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} أي: تفسير ما فيه من الحدود والحلال، والحرام. قاله قتادة. وقيل: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} ما فيه من الوعد والوعيد. وقيل: إنَّ علينا أن نبينه بلسانك. والضمائر تعود على القرآن، وإن لم يجر له ذكر. وقوله: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} يدل على أنَّ بيان المجمل واجب على الله - تعالى - أما عند أهل السُّنة فبالوعد والتفضل، وإما عند المعتزلة فبالحكمة. والله أعلم. فصل في الرد على من جوّز تأخير البيان عن وقت الخطاب احتج من جوز تأخير البيان عن وقت الخطاب بهذه الآية. وأجاب أبو الحسين عند بوجهين: الأول: أن ظاهر الآية يقتضي وجوب تأخير البيان عن وقت الخطاب، وأنتم لا تقولون به. الثاني: أن عندنا الواجب أن يقرن باللفظ إشعاراً بأنه ليس المراد في اللفظ ما يقتضيه ظاهره. فأما البيان التفصيلي فيجوز تأخيره فتحمل الآية على تأخير البيان التفصيلي. وذكر القفال وجها ثالثاً، وهو قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} ثم إنا نخبرك بأن علينا بيانه فيحمل على الترتيب، ونظيره قوله تعالى: {أية : فَكُّ رَقَبَةٍ}تفسير : [البلد: 13] إلى قوله {أية : ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}تفسير : [البلد: 17]. قال ابن الخطيب: والجواب عن الأول: أن اللفظ لا يقتضي وجوب تأخير البيان، بل يقتضي تأخير وجوب البيان، فيكون الجواب بالمنع لأن وجوب البيان لا يتحقق إلا عند الحاجة، وعن الثاني: أنَّ كلمة "ثُمَّ" دخلت على مطلق البيان المجمل والمفصل، فالتخصيص بأحدهما تحكم بغير دليل. وجواب القفال: بأنه ترك للظاهر بغير دليل. فصل فيمن جوز الذنوب على الأنبياء أورد من جوّز الذنوب على الأنبياء، بأن هذا الاستعجال إن كان بإذن، فكيف نهي عنه وإن كان بغير إذن فهو ذنب. قال ابن الخطيب: والجواب: لعله كان مأذوناً فيه إلى وقت النهي.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ}. لا تستعجِلْ في تَلَقُّفِ القرآنِ على جبريل، فإنَّ علينا جَمْعَه في قلبك وحِفْظَه، وكذلك علينا تيسيرُ قرءاته على لسانك، فإذا قرأناه أي: جمعناه في قلبك وحفظك فاتبع بإقرائك جَمْعَه. {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}. نُبيِّنُ لك ما فيه من أحكام الحلال والحرام وغيرها. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعجل في التلقفِ مخافةَ النسيان، فنُهِيَ عن ذلك، وضمن اللَّهُ له التيسير والتسهيل.
اسماعيل حقي
تفسير : {لا تحرك به} اى بالقرءآن {لسانك} ما دام جبريل يقرأ ويلقى عليك {لتعجل به} اى بأخذه اى لتأخذه على عجلة مخافة ان ينفلت.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: اختلف المفسرون في وجه المناسبة في هذه الآية، فقال بعضهم: ما تضمنه من الاقتدار على حفظه وإبقائه في قلبه، بإخراجه عن كسبه وإمساكه وحفظه، فالقادر على ذلك قادر على إحياء الموتى وجمع عظامها، وتسوية بنانها. ونَقَل الطيبي عن الإمام الفخر: أنه تعالى لمّا أخبر عن الكفار أنهم يُحبون العاجلة، وذلك قوله: {بل يُريد الإنسان لِيفجُر أَمامه} بيَّن أنَّ العَجَلة مذمومة، ولو فيما هو أهم الأمور وأصل الدين، بقوله: {لا تُحرِّكْ به لسانَك} فاعترض به، ليؤكد التوبيخ على حب العاجلة بالطريق الأولى. هـ. وقيل: اعترض نزولُها في وسطِ السورة قبل أن تكمل، فوُضعت في ذلك المحل، كمَن كان يسرد كتاباً ثم جاء سائل يسأل عن نازلةٍ، فيطوي الكتابَ حتى يُجيبه، ثم يرجع إلى تمام سرده. انظر الإتقان. يقول الحق جلّ جلاله: {لا تُحرِّكْ به}؛ بالقرآن {لسانَكَ لِتعجَلَ به}، وقد كان عليه الصلاة والسلام يأخذ في القراءة قبل فراغ جبريل، كراهة أن يتفلّت منه، فقيل له: لا تُحرك لسانك بقراءة الوحي، ما دام جبريل يقرأ، {لِتعجَلَ به}؛ لتأخذه على عجلة، لئلا يتفلّت منك، ثم ضَمِنَه له بقوله: {إِنَّ علينا جَمْعَه} في صدرك، {وقرآنه}؛ وإثبات قراءته في لسانك، فالمراد بالقرآن هنا: القراءة، وهذا كقوله: {أية : وَلآ تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ }تفسير : [طه:114]، {فإِذا قرأناه} على لسان جبريل {فاتَّبعْ قرآنه} أي: قراءته، {ثم إِنَّ علينا بيانَهُ} إذا أشكل عليك شيء مِن معانيه وأحكامه. الإشارة: لا تُحرِّكْ بالواردات الإلهية لسانك لِتَعْجَل به حين الإلقاء، بل تمهّل في إلقائه ليُفهم عنك، إنَّ علينا جمعه وقرآنه، أي: حفظه وقراءته، فإذا قرأناه على لسانك في حال الفيض فاتبع قرآنه، ثم إنَّ علينا بيانه. وفي الحِكم: "الحقائق ترد في حال التجلي جملة، وبعد الوعي يكون البيان، {فإذا قرأناه فاتبعْ قرآنه إنَّ علينا بيانه}". ولا شك أنَّ الواردات في حال الفيض تبرز مجملةً، لا يقدر على حصرها ولا تَفَهُّمِها، فإذا فَرَغَ منها قولاً وكتابة فتَدَبرها وجدها صحيحةَ المعنى، واضحةَ المبنى، لا نقص فيها ولا خلل، لأنها من وحي الإلهام، وكان بعض المشايخ يقول لأصحابه: إني لأستفيد مني كما تستفيدون أنتم، وكان الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه إذا فاض بالمواهب يقول: هلاَّ مَن يكتب عنا هذه الأسرار. إلى غير ذلك مما هو مُدوَّن عند أهل الفن. والله تعالى أعلم. ثم رجع الحق تعالى إلى الزجر عن إنكار البعث وحب العاجلة، فقال: {كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ}.
الجنابذي
تفسير : {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} الخطاب لمحمّدٍ (ص) والمعنى لا تحرّك بالقرآن لسانك قبل ان يتمّ وحيه لتأخذه على عجلة مخافة ان ينفلت منك، روى انّه "حديث : كان النّبىّ (ص) اذا نزل عليه القرآن عجّل بتحريك لسانه لحبّه ايّاه وحرصه على اخذه مخافة ان ينساه"تفسير : ، او المعنى لا تحرّك بما اردت اظهاره من البراءة من معاوية كما سيأتى، وقيل: الخطاب عامّ والمقصود تقريع المسيئين يوم القيامة بهذا الخطاب فانّه اذا اوبى العباد يوم القيامة كُتب اعمالهم وينظر الانسان الّذى هو على نفسه بصيرة وبرى سيّئاته ضجر فيقال له توبيخاً: لا تعجل بقراءة كتابك.
فرات الكوفي
تفسير : {لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتعْجَلَ بِهِ 16} [وقوله تعالى]: {فَلا صَدَّقَ وَلا صَلّى* وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى* ثُمَّ ذَهَبَ إلى أَهْلِهِ يَتَمطّى* أوْلَى لك فأوْلى 31-34} قال: حدثنا أبو القاسم العلوي [قال: حدثنا فرات بن إبراهيم الكوفي قال: حدثنا جعفر بن محمد بن عتبة! الجعفي قال: حدثنا العلاء (خ ل: العلى) بن الحسن قال: حدثنا حفص بن حفص الثغري! قال: حدثنا عبد الرزاق عن سورة الأحول. ش:] عن عمار بن ياسر قال: كنت عند أبي ذر الغفاري رضي الله عنه في مجلس ابن [ش: لابن] عباس رضي الله عنه وعليه فسطاط وهو يحدث الناس إذ قام أبو ذر حتى ضرب بيده إلى عمود الفسطاط ثم قال: أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فقد أنبأته باسمي أنا جندب بن جنادة أبو ذر الغفاري سألتكم بحق الله وحق رسوله أسمعتم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول: حديث : ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء ذا لهجة أصدق من أبي ذرتفسير : ؟ قالوا: اللهم نعم. قال: أفتعلمون أيها الناس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جمعنا يوم غدير خم ألف وثلاثماءة رجل وجمعنا يوم سمرات خمسمائة رجل كل ذلك يقول: حديث : اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه [وقال. ر]:اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذلهتفسير : . فقام رجل [ش: عمر] فقال [ر: وقال]: بخ بخٍ يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة. فلما سمع ذلك معاوية بن أبي سفيان إتكأ على المغيرة بن شعبة وقام وهو يقول: لا نقر لعلي بولاية ولا نصدق محمداً في مقالة. فأنزل الله تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم: {فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى ثم ذهب إلى أهله يتمطى أولى لك فأولى} تهدداً من الله تعالى وانتهاراً. فقالوا: اللهم نعم. فرات قال: حدثني إسحاق بن محمد بن القاسم بن صالح بن خالد الهاشمي [قال: حدثنا أبو بكر الرازي محمد بن يوسف بن يعقوب بن [إسحاق بن] إبراهيم بن نبهان بن عاصم بن زيد بن ظريف مولى علي بن أبي طالب قال: حدثنا محمد بن عيسى الدامغاني قال: حدثنا سلمة بن الفضل عن أبي مريم عن يونس بن حسان عن عطية. ش]: عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: كنت والله جالساً بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد نزل بنا غدير خم وقد غص المجلس بالمهاجرين والأنصار فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على قدميه فقال [ر: وقال] حديث : أيها الناس إن الله أمرني بأمر فقال: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} فقلت لصاحبي جبرئيل عليه السلام: يا خليلي إن قريشاً قالوا لي كذا وكذا، فأتى الخبر من ربي فقال: {والله يعصمك من الناس} ثم نادى علي بن أبي طالب عليه السلام فأقامه عن يمينه ثم قال: أيها الناس ألستم تعلمون أني أولى [بكم. ن] منكم بأنفسكم [أ، ر: وأنفسكم]؟ قالوا: اللهم بلى. قال: من كنت مولاه فعلي [ر: فهذا علي] مولاه. فقال رجل من عرض المسجد: يا رسول الله ما تأويل هذا؟ [ب: قال] من كنت نبيه فعلي [ر: فهذا علي] أميره اللهم وال من ولاه وعاد من عاداه وانصر من نصره و اخذل من خذله . تفسير : فقال حذيفة: فوالله لقد رأيت معاوية حتى! قام يتمطى وخرج مغضباً واضعاً يمينه على عبد الله بن قيس الأشعري ويساره على المغيرة بن شعبة ثم قام يمشي متمطياً وهو يقول: لا نصدق محمداً على [ب: في] مقالته ولا نقر لعلي بولايته. فأنزل الله [تعالى. أ، ر] على أثر كلامه: {فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى ثم ذهب إلى أهله يتمطى أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى} فهمّ به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يرده فيقتله فقال جبرئيل {لا تحرك به لسانك لتعجل به}. فسكت النبي [عنه. ش].
الهواري
تفسير : قوله عز وجل: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ}. ذكروا عن الحسن قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه القرآن يقرأه ويذيب فيه نفسه مخافة أن ينساه، فأنزل الله: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} [أي نحن نحفظه عليك فلا تنساه] {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ} نحن {فَاتَّبِعْ} أنت {قُرْآنَهُ} يعني فرائضه وحدوده والعمل به. وتفسير الكلبي أن النبي عليه السلام إذا نزل عليه جبريل وعلمه شيئاً من القرآن لم يكد يفرغ جبريل من آخر الآية حتى يتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأولها مخافة أن ينساها فأنزل الله عليه (أية : سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى إِلاَّ مَا شَآءَ اللهُ) تفسير : [الأعلى:6-7]، وهو قوله: (أية : مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا) تفسير : [البقرة:106] أي: ننسها النبي عليه السلام فيما ذكر بعضهم. قال: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} قال الحسن: نجزي به يوم القيامة، أي: على ما قلنا في القرآن من الوعد والوعيد. وقال بعضهم: نحن نبيّنه لك. قال عز وجل: {كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ} أي: الدنيا {وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ} يعني المشركين، أي: لا يؤمنون أنها كائنة.
اطفيش
تفسير : {لاَ تُحَرِّكْ} يا محمد *{بِهِ} بالقرآن بدليل السياق *{لِسَانَكَ} قبل ان يتم وحيه *{لِتَعْجَلَ بِهِ} لتاخذه على عجلة مخافة ان ينفلت منك زعم من زعم ان الآية نسخت معنى بقوله تعالى {أية : سنقرؤك فلا تنسى الا ما شاء الله}.
الالوسي
تفسير : فالخطاب في قوله تعالى: {لاَ تُحَرّكْ بِهِ لِسَانَكَ } للنبـي صلى الله عليه وسلم والضمير للقرآن لدلالة سياق الآية نحو{أية : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ}تفسير : [القدر: 1] أي لا تحرك بالقرآن لسانك عند إلقاء الوحي من قبل أن يقضى إليك وحيه {لِتَعْجَلَ بِهِ } أي لتأخذه على عجلة مخافة أي ينفلت منك على ما يقتضيه كلام الحبر، وقيل لمزيد حبك له وحرصك على أداء الرسالة وروي عن الشعبـي ولا ينافي ما ذكر والباء عليهما للتعدية.
ابن عاشور
تفسير : هذه الآية وقعت هنا معترضة. وسبب نزولها ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس أنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه القرآن يُحرك به لسانه يُريد أن يحفَظَه مخافةَ أن يتَفَلَّتَ منه، أو من شدة رغبته في حِفْظه فكان يلاقي من ذلك شدة فأنَزَل الله تعالى: {لا تُحَرِّكْ به لسانك لتَعْجَل بِه إِنَّ علينا جمعَه وقرآنه}. قال: جَمْعَه في صدرك ثم تَقْرَأُه فإذا قرأنَاه فاتّبعْ قُرْآنه قال فاستَمِعْ له وأنْصِتْ، ثم إن علينا أن نبيّنه بلسانك، أي أن تقرأه» اهـ. فلما نزل هذا الوحي في أثناء نزول السورة للغرض الذي نزل فيه ولم يَكن سورةً مستقلة كان ملحقاً بالسورة وواقعاً بين الآي التي نَزَل بينها. فضمير {به} عائد على القرآن كما هو المعروف في آيات كثيرة. وقوله: {فإذا قرأناه}، أي إذا قَرأه جبريل عنا، فأُسْنِدَتْ القراءةُ إلى ضمير الجلالة على طريقة المجاز العقلي، والقرينة واضحة. ومعنى {فاتَّبع قرآنه}، أي أنْصِتْ إلى قِرَاءتِنَا. فضمير {قرآنه} راجع إلى ما رجع إليه ضمير الغائب في {لا تُحرك به} وهو القرآن بالمعنى الأسمي، فيكون وقوع هذه الآية في هذه السورة مثل وقوع {أية : ومَا نتنزّل إلاّ بأمر ربك}تفسير : في سورة مريم (64)، ووقوع {أية : حافظوا على الصلوات والصلاةِ الوسطى}تفسير : في أثناء أحكام الزوجات في سورة البقرة (238). قالوا: نزلت هذه الآية في أثناء سورة القيامة: هذا ما لا خلاف فيه بين أهل الحديث وأيمة التفسير. وذكر الفخر عن القفال أنه قال: إن قوله: {لا تُحرك به لسانك} ليس خطاباً مع الرسول صلى الله عليه وسلم بل هو خطاب مع الإِنسان المذكور في قوله: {أية : ينبَّأ الإِنسان}تفسير : [القيامة: 13] فكان ذلك للإِنسان حالَما يُنَبَّأُ بقبائح أفعاله فيقال له: اقرأ كتابك، فإذا أخذ في القراءة تلجلج لسانه فيقال له: لا تحرك به لسانك لتعجل به فإنه يجب علينا بحكم الوعد أو بحكم الحكمة أن نجمع أعمالك وأن نقرأها عليك فإذا قرأناه عليك فاتبع قرآنه بالإِقرار، ثمّ إن علينا بيان مراتب عقوبته، قال القفال: فهذا وجه حسن ليس في العقل ما يدفعه وإن كانت الآثار غير واردة به اهـ. وأقول: إن كان العقل لا يدفعه فإن الأسلوب العربي ومعاني الألفاظ تنبو عنه. والذي يلوح لي في موقع هذه الآية هنا دون أن تقع فيما سبق نزوله من السور قبل هذه السورة: أن سور القرآن حين كانت قليلة كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يخشى تفلّت بعض الآيات عنه فلما كثرت السور فبلغت زهاء ثلاثين حسب ما عَده سعيد بن جبير في ترتيب نزول السور، صار النبي صلى الله عليه وسلم يخشى أن ينسى بعض آياتها، فلعله صلى الله عليه وسلم أخذ يحرك لسانه بألفاظ القرآن عند نزوله احتياطاً لحفظه وذلك من حرصه على تبليغ ما أنزل إليه بنصه، فلما تكفل الله بحفظه أمره أن لا يكلف نفسه تحريك لسانه، فالنهي عن تحريك لسانه نهيُ رحمة وشفقة لمَا كان يلاقيه في ذلك من الشدة. و (قرآن) في الموضعين مصدر بمعنى القراءة مثل الغُفران والفُرقان، قال حسان في رثاء عثمان بن عفان: شعر : يُقَطِّع الليلَ تسبيحاً وقُرآنا تفسير : ولفظ {علينا} في الموضعين للتكفل والتعهّد. و {ثم} في {ثم إن علينا بيانه} للتراخي في الرتبة، أي التفاوتِ بين رتبة الجملة المعطوف عليها وهي قولُه {إنَّ علينا جَمْعه وقرآنه}، وبين رتبة الجملة المعطوفة وهي {إِن علينا بيانه}. ومعنى الجملتين: أن علينا جمع الوحي وأن تقرأه وفوق ذلك أن تبينه للناس بلسانك، أي نتكفل لك بأن يكون جمعه وقرآنه بلسانك، أي عن ظهر قلبك لا بكتابة تقرأها بل أن يكون محفوظاً في الصدور بيّناً لكل سامع لا يتوقف على مراجعة ولا على إحضار مصحف من قُرب أو بُعد. فالبيان هنا بيان ألفاظه وليس بيان معانيه لأن بيان معانيه ملازم لورود ألفاظه. وقد احتج بهذه الآية بعض علمائنا الذين يرون جواز تأخير البيان عن المبيّن متمسكين بأن {ثم} للتراخي وهو متمسَّك ضعيف لأن التراخي الذي أفادته {ثم} إنما هو تراخ في الرتبة لا في الزمن، ولأن {ثم} قد عَطفت مجموع الجملة ولم تعطف لفظ {بيانه} خاصة، فلو أريد الاحتجاج بالآية للزم أن يكون تأخير البيان حقاً لا يخلو عنه البيان وذلك غير صحيح.
الشنقيطي
تفسير : فيه النهي عن تحريك لسانه صلى الله عليه وسلم، وبيان أن الله تعالى عليه جمعه وقرآنه، وهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان لشدة حرصه على استيعاب ما يوحى إليه، يحرك لسانه عند الوحي فنهى عن ذلك. وقد بين تعالى مدى هذا النهي ومدة هذه العجلة في قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْآنِ مِن قَبْلِ إَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ}تفسير : [طه: 114] وفيه الإيماء إلى حسن الاستماع والإصغاء عند الإيحاء به كما في آداب الاستماع {أية : فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}تفسير : [الأعراف: 204]. وقوله: {أية : إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ}تفسير : [القيامة: 17] قد بين تعالى أن جمعه وقراءته عليه في قوله تعالى: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}تفسير : [الحجر: 9]. تنبيه إن في قوله تعالى: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} فيه إشارة إلى أنه نزل مفرقاً، وإشارة إلى أن جمعه على هذا النحو الموجود برعاية وعناية من الله تعالى وتحقيقاً لقوله تعالى {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} ويشهد لذلك أن هذا الجمع الموجود من وسائل حفظه، كما تعهد تعالى بذلك: والله تعالى أعلم. وقال أبو حيان: إن علينا جمعه في صدرك. وقرآنه أي تقرأه.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: لا تحرك به لسانك: أي لا تحرك بالقرآن لسانك قبل فراغ جبريل منه. لتعجل به: أي مخافة أن يتفلت منك. إن علينا جمعه: أي في صدرك. وقرآنه: أي قراءتك له بحيث نُجريه على لسانك. فإِذا قرأناه: أي قرأه جبريل عليك. فاتبع قرآنه: أي استمع قراءته. ثم إن علينا بيانه: أي لك بتفهيمك ما يشكل عليك من معانيه. كلا: أي ليس الأمر كما تزعمون أنه لا بعث ولا جزاء. يحبون العاجلة: أي الدنيا فيعملون لها. ويذرون الآخرة: أم ويتركون الآخرة فلا يعملون لها. ناضرة: أي حسنة مضيئة. إلى ربها ناظرة: أي إلى الله تعالى ربها ناظرة بحيث لا تحجب عنه تعالى. باسرة: أي كالحة مسودة عابسة. تظن: أي توقن. أن يفعل بها فاقرة: أي داهية عظيمة تكسر فقار الظهر. معنى الآيات: لما ندد تعالى بالمعرضين عن القرآن المكذبين به وبالبعث والجزاء ذكر في هذه الآيات المقبلين على القرآن المسارعين إلى تلقيه فكانت المناسبة بين هذه الآيات وسابقاتها المقابلة بالتضادّ. فقال تعالى مؤدباً رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ} أي بالقرآن {لِسَانَكَ} قبل فراغ جبريل من قراءته عليك. إذ كان صلى الله عليه وسلم حريصا على القرآن يخاف أن يتفلّت منه شيء فأكرمه ربّه بالتخفيف عليه وطمأنه أن لا يفقد منه شيئا فقال له {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} مخافة أن يتفلت منك {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ} أي في صدرك {وَقُرْآنَهُ} على لسانك حيث نسهل ذلك ونجريه على لسانك، {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ} أي قرأه جبريل عليك {فَٱتَّبِعْ} له ثم اقرأه كما قرأه واعمل بشرائعه وأحكامه، وقوله تعالى {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} أي إنا نبيّن لك ما يشكل عليك من معانيه حتى تعمل بكل ما طلب منك أن تعمل به. وقوله تعالى {كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ ٱلآخِرَةَ} عاد السياق الكريم إلى تقرير عقيدة البعث والجزاء والتي عليها وعلى الإِيمان بالله مدار الإِصلاح والتهذيب فقال {كَلاَّ} أي ليس كما تدعون من عدم إمكان البعث والجزاء لأنكم تعلمون أن القادر على إيجادكم اليوم وإعدامكم غداً قادر على إيجادكم مرة أخرى، ولكن الذي جعلكم تكذبون بالبعث والجزاء هو حبكم للحياة للعاجلة أي للدنيا وما فيها من لذات وشهوات، وترككم للآخرة أي للحياة الآخرة لأنها تكلفكم الصلاة والصيام والجهاد، والتخلي عن كثير من اللذات والشهوات. بعد أن كشف عن نفسيات المكذبين توبيخا لهم وتقريعاً عرض على أنظارهم منظراً حيا وصورة ناطقة لما يتجاهلونه من شأن الآخرة فقال {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ} أي يوم إذ تقوم القيامة {نَّاضِرَةٌ} أي حسنة مضيئة مشرقة لأن أرواح أصحابها كانت في الدنيا مشرقة بنور الإِيمان وصالح الأعمال {إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} سعيدة بلقاء ربها مكرمة بالنظر إليه وهي في جواره {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ} أي كالحة مسودة عابسة وذلك لأن أرواح أصحابها كانت في الدنيا تعيش على ظلمة الكفر وعفن الذنوب ودخان المعاصي فانطبعت النفس على الوجه فهي باسرة حالكة عابسة {تَظُنُّ} أي توقن أي الوجوه والمراد أصحابها {أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ} أي داهية عظيمة تكسر فقار الظهر منها وهي إلقاؤه في سقر {أية : وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ}تفسير : [المدثر: 27-30]، فاذكروا هذا يا بشر!!
د. أسعد حومد
تفسير : (16) - كَانَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم، حِينَمَا يَتَلَقَّى الوَحْيَ، حَرِيصَاً عَلَى حِفْظِهِ، فَكَانَ يُسَابِقُ الوَحْيَ فِي قِرَاءَةِ مَا يُلْقَى إِلَيْهِ لِيَحْفَظَهُ، وَلاَ يُضَيِّعَ مِنْهُ شَيئاً، فَأَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ بِأَنْ يَسْتَمِعَ إِلَى الوَحْيِ إِذَا جَاءَهُ جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وَقَدْ ضَمِنَ اللهُ لِرَسُولِهِ الكَرِيمِ صلى الله عليه وسلم بِأَنْ يُيَسِّرَ لَهُ حِفْظَهُ وَأَدَاءَهُ، وَأَنْ يُبَيِّنَهُ لَهُ وَيُفَسِّرَهُ.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} قال: كان نبيُ الله صلَى الله عليهِ وعَلَى آلِهِ وسَلّمَ يقرأُ القُرآنَ فيُكثر مَخافةَ أنْ ينسى.
الجيلاني
تفسير : ثمَّ لمَّا استعجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبادر بالتقاط الوحي من فيّ جبريل عليه السلام، إلى حيث سبق عليه بالتلفظ خوفاً من أن ينفلت منه شيء، نهى سبحانه حبيبه صلى الله عليه وسلم عن ذلك تأديباً وإرشاداً فقال: {لاَ تُحَرِّكْ} يا أكمل الرسل {بِهِ} أي: بالقرآن {لِسَانَكَ} حين التقاطك من حامل الوحي؛ يعني: جبريل عليه السلام، قبل أن يتم وحيُّه وإلقاؤه لك {لِتَعْجَلَ بِهِ} [القيامة: 16] أي: لتأخذه على عجلة خوفاً من إفلاته عنك. لا تخف {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ} في خاطرك وضميرك {وَ} أيضاً علينا بعد جمعنا {قُرْآنَهُ} [القيامة: 17] وقراءته على لسانك على وجهه بلا فوت شيء منه، لا تتعب نفسك بالعجلة، ولا تستعجل بالالتفاظ قبل الالتمام. وبعدما سمعت ما سمعت يا أكمل الرسل فأجر عليه، واذكر {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ} أي: القرآن حين الوحي بلسان جبريل عليك {فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ} [القيامة: 18] أي: تذكر وتتبع قراءته. {ثُمَّ} تتبع تلاوته وتكرر حتى ينتقش في صحيفة خاطرك، ويترسَّخ في ذهنك، ثمَّ أجر على لسانك مراراً كذلك، ثمَّ إن بقي لك شك وتردد في معناه {إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: 19] أي: تبيينه وتوضحه لك، وإزالة ترددك إشكالك عنه. ثمَّ قال سبحانه: {كَلاَّ} ردعاً لرسوله صلى الله عليه وسلم، وكفاً لعموم عباده عن العجلة في جميع الأمور مبالغةً وتأكيداً؛ لأن الإنسان مجبول على الاستعجال، مطبوع عليه؛ لذلك بالغ سبحانه في النهي عنه، وأردف بهذا النهي حسب العاجل والآجل، فقال على سبيل الإضراب: {بَلْ تُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ ٱلآخِرَةَ} [القيامة: 20-21] يعني: إن بني آدم كلهم مجبولون على العجلة؛ لذلك يحبون ويختارون اللذة العاجلة الدنيوية مع سرعة انقضائها وزوالها، على اللذة الآجلة الآخروية مع بقائها ودوامها، وعدم انقضائها أصلاً، ويتركون الأعمال المقتضية لها. لذلك {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ} أي: يوم قيام الساعة {نَّاضِرَةٌ} [القيامة: 22] طريَّة بهيَّة مشرقة، يتلألأ منها أنوار اليقين والعرفان، وآثار الأعمال الصالحة والأخلاق المرضية، وهي وجوه أرباب العناية الموفَّقين على صلاح الدارين، وفلاح النشأتين. لذلك حينئذٍ {إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 23] وبمطالعة لقائه مشرفة مسرورة. {وَوُجُوهٌ} أُخر {يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ} عبوسة كلوحة، متغيرة مسودة. بحيث {تَظُنُّ} بل يجزم كلُّ من نظر إليها {أَن يُفْعَلَ بِهَا} ويعرض عليها {فَاقِرَةٌ} [القيامة: 25] داهية شديدة، ومصيبة عظيمة تكسر فقار ظهرها من هولها وشدتها.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءه جبريل بالوحي، وشرع في تلاوته عليه، بادره النبي صلى الله عليه وسلم من الحرص قبل أن يفرغ، وتلاه مع تلاوة جبريل إياه، فنهاه الله عن هذا، وقال: {أية : وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ }. تفسير : وقال هنا: { لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ } ثم ضمن له تعالى أنه لا بد أن يحفظه ويقرأه، ويجمعه الله في صدره، فقال: { إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ } فالحرص الذي في خاطرك، إنما الداعي له حذر الفوات والنسيان، فإذا ضمنه الله لك فلا موجب لذلك. { فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ } أي: إذا كمل جبريل قراءة ما أوحى الله إليك، فحينئذ اتبع ما قرأه وأقرأه. { ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ } أي: بيان معانيه، فوعده بحفظ لفظه وحفظ معانيه، وهذا أعلى ما يكون، فامتثل صلى الله عليه وسلم لأدب ربه، فكان إذا تلا عليه جبريل القرآن بعد هذا، أنصت له، فإذا فرغ قرأه. وفي هذه الآية أدب لأخذ العلم، أن لا يبادر المتعلم المعلم قبل أن يفرغ من المسألة التي شرع فيها، فإذا فرغ منها سأله عما أشكل عليه، وكذلك إذا كان في أول الكلام ما يوجب الرد أو الاستحسان، أن لا يبادر برده أو قبوله، حتى يفرغ من ذلك الكلام، ليتبين ما فيه من حق أو باطل، وليفهمه فهما يتمكن به من الكلام عليه، وفيها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كما بين للأمة ألفاظ الوحي، فإنه قد بين لهم معانيه.
النسائي
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم القِيَامَةُ 654 - أنا قتيبةُ بن سعيدٍ، نا أبو عوانة، عن موسى بن أبي عائشةَ، عن سعيد بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولهِ {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} [16] قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يُعالج من التَّنزيل شدةً؛ كان يُحركُ شفتيه. قال لي ابنُ عباسٍ: أنا أُحرِّكُها لك كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُحركُهما، قال سعيدٌ: وأنا أُحرِّكُهما كما كان ابنُ عباسٍ يُحرِّكُهما، فحرَّك شفتيه، فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} [16-17] قال: جمعهُ في صدرك ثم نقرأهُ {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ} [18] قال: فاستمع وأنصِتْ فكان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا أتاهُ جبريلُ استمع فإذا انطلق جبريلُ/ قرأهُ كما قرأهُ. 655 - أنا أحمدُ بن سليمان، نا عبيدُ اللهِ بن موسى، أنا إسرائيل، عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قوله {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} [16] قال: كان يُحركُ لسانهُ مخافة أن يُفلت منهُ. 656 - أنا أحمدُ بن عبدةَ، عن سفيان، عن عمرو، عن سعيدٍ هو ابن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ قال: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا نزل القرآنُ عليه يعجلُ بقراءتهِ ليحفظه فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ} إلى قولهِ {وَقُرْآنَهُ}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):