Verse. 5571 (AR)

٧٥ - ٱلْقِيَامَة

75 - Al-Qiyama (AR)

كَلَّا بَلْ تُحِبُّوْنَ الْعَاجِلَۃَ۝۲۰ۙ
Kalla bal tuhibboona alAAajilata

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«كلا» استفتاح بمعنى ألا «بل يحبون العاجلة» الدنيا بالياء والتاء في الفعلين.

20

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف»: {كَلاَّ } ردع لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن عادة العجلة وحث على الأناة والتؤدة، وقد بالغ في ذلك باتباعه قوله: {بَلْ تُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ } كأنه قال: بل أنتم يا بني آدم لأنكم خلقتم من عجل وطبعتم عليه تعجلون في كل شيء، ومن ثم تحبون العاجلة وتذرون الأخرة، وقال سائر المفسرين: {كَلاَّ } معناه حقاً أي حقاً تحبون العاجلة وتذرون الآخرة، والمعنى أنهم يحبون الدنيا ويعملون لها ويتركون الآخرة ويعرضون عنها. المسألة الثانية: قرىء تحبون وتذرون بالتاء والياء وفيه وجهان الأول: قال الفراء: القرآن إذا نزل تعريفاً لحال قوم، فتارة ينزل على سبيل المخاطبة لهم. وتارة ينزل على سبيل المغايبة، كقوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم } تفسير : [يونس: 22] الثاني: قال أبو علي الفارسي: الياء على ما تقدم من ذكر الإنسان في قوله: {أية : أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَـٰنُ } تفسير : [القيامة: 3] والمراد منه الكثرة، كقوله: {أية : إِنَّ ٱلإنسَـٰنَ خُلِقَ هَلُوعاً } تفسير : [المعارج: 19] والمعنى أنهم يحبون ويذرون، والتاء على قل لهم، بل تحبون وتذرون.

المحلي و السيوطي

تفسير : {كَلاَّ } استفتاح بمعنى ألا {بَلْ تُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ } الدنيا بالتاء والياء في الفعلين.

ابن عبد السلام

تفسير : {الْعَاجِلَةَ} ثواب الدنيا أو العمل لها.

النسفي

تفسير : {كَلاَّ } ردع عن إنكار البعث أو ردع لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن العجلة وإنكار لها عليه، وأكده بقوله {بَلْ تُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ } كأنه قيل: بل أنتم يا بني آدم لأنكم خلقتم من عجل وطبعتم عليه تعجلون في كل شيء ومن ثم تحبون العاجلة الدنيا وشهواتها {وَتَذَرُونَ ٱلآخِرَةَ } الدار الآخرة ونعيمها فلا تعملون لها والقراءة فيهما بالتاء: مدني وكوفي {وُجُوهٌ} هي وجوه المؤمنين {يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ } حسنة ناعمة {إِلَىٰ رَبّهَا نَاظِرَةٌ } بلا كيفية ولا جهة ولا ثبوت مسافة. وحمل النظر على الانتظار لأمر ربها أو لثوابه لا يصح لأنه يقال: نظرت فيه أي تفكرت، ونظرته انتظرته، ولا يعدى بـ «إلى» إلا بمعنى الرؤية مع أنه لا يليق الانتظار في دار القرار {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ } كالحة شديدة العبوسة وهي وجوه الكفار {تَظُنُّ } تتوقع {أَن يُفْعَلَ بِهَا } فعل هو في شدته {فَاقِرَةٌ } داهية تقصم فقار الظهر {كَلاَّ } ردع عن إيثار الدنيا على الآخرة كأنه قيل: ارتدعوا عن ذلك وتنبهوا على ما بين أيديكم من الموت الذي عنده تنقطع العاجلة عنكم وتنتقلون إلى الآجلة التي تبقون فيها مخلدين {إِذَا بَلَغَتِ } أي الروح وجاز وإن لم يجر لها ذكر لأن الآية تدل عليها {ٱلتَّرَاقِىَ } العظام المكتنفة لثغرة النحر عن يمين وشمال جمع ترقوة {وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ } يقف حفص على {مَنْ} وقيفة أي قال حاضر والمحتضر بعضهم لبعض أيكم يرقيه مما به من الرقية من حد ضرب، أو هو من كلام الملائكة: أيكم يرقى بروحه أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب من الرقي من حد علم. {وَظَنَّ } أيقن المحتضر {أَنَّهُ ٱلْفِرَاقُ } أن هذا الذي نزل به هو فراق الدنيا المحبوبة {وَٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ } التوت ساقاه عند موته. وعن سعيد بن المسيب: هما ساقاه حين تلفان في أكفانه. وقيل: شدة فراق الدنيا بشدة إقبال الآخرة على أن الساق مثل في الشدة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: هما همّان: همّ الأهل والولد وهمّ القدوم على الواحد الصمد {إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمَسَاقُ } هو مصدر ساقه أي مساق العباد إلى حيث أمر الله إما إلى الجنة أو إلى النار {فَلاَ صَدَّقَ } بالرسول والقرآن {وَلاَ صَلَّىٰ } الإنسان في قوله: {أية : أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَـٰنُ أَلَنْ نَّجْمَعَ عِظَامَهُ }تفسير : [القيامة: 3] {وَلَـٰكِن كَذَّبَ } بالقرآن {وَتَوَلَّىٰ } عن الإيمان أو فلا صدق ماله يعني فلا زكاه {ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰ أَهْلِهِ يَتَمَطَّىٰ } يتبختر وأصله يتمطط أي يتمدد لأن المتبختر يمد خطاه فأبدلت الطاء ياء لاجتماع ثلاثة أحرف متماثلة. {أَوْلَىٰ لَكَ } بمعنى ويل لك وهو دعاء عليه بأن يليه ما يكره {فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ } كرر للتأكيد كأنه قال: ويل لك فويل لك ثم ويل لك فويل لك. وقيل: ويل لك يوم الموت، وويل لك في القبر، وويل لك حين البعث، وويل لك في النار. {أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَـٰنُ أَن يُتْرَكَ سُدًى } أيحسب الكافر أن يترك مهملاً لا يؤمر ولا ينهى ولا يبعث ولا يجازى؟ {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مّن مَّنِىٍّ يُمْنَىٰ } بالياء: ابن عامر وحفص أي يراق المني في الرحم، وبالتاء يعود إلى النطفة {ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً } أي صار المني قطعة دم جامد بعد أربعين يوماً {فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ } فخلق الله منه بشراً سوياً {فَجَعَلَ مِنْهُ } من الإنسان {ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ } أي من المني الصنفين {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِىَ ٱلْمَوْتَىٰ } أليس الفعّال لهذه الأشياء بقادر على الإعادة؟ وكان صلى الله عليه وسلم إذا قرأها يقول: «حديث : سبحانك بلى»تفسير : والله أعلم.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ} أي: الدنيا وشهواتِها؛ قال الغزاليُّ في «الإحياء»: اعلم أَنَّ رأس الخطايا المهلكة هو حُبُّ الدنيا، ورأسَ أسبابِ النجاة هو التجافي بالقلب عن دار الغرور، وقال رحمه اللَّه: اعلم أَنَّهُ لا وصولَ إلى سعادة لقاء اللَّه سبحانه في الآخرة إلاَّ بتحصيل محبته والأُنْسِ به في الدنيا، ولا تحصلُ المحبة إلاَّ بالمعرفة، ولا تحصل المعرفةُ إلاَّ بدوام الفكر، ولا يحصل الأُنْسُ إلاَّ بالمحبة ودوام الذكر، ولا تتيسر المواظبة على الذكر والفكر إلاَّ بانقلاع حُبِّ الدنيا من القلب، ولا ينقلع ذلك إلاَّ بترك لَذَّاتِ الدنيا وشهواتها، ولا يمكن تركُ المشتهيات إلاَّ بقمع الشهوات، ولا تَنْقَمِعُ الشهواتُ بشيء كما تنقمعُ بنار الخوف المُحْرِقَة لِلشهوات، انتهى. وقرأ ابن كثير وغيره: «يُحِبُّونَ» و«يَذَرُونَ» بالياء على ذكر الغائب، ولما ذكر سبحانه الآخرة، أخبر بشيء من حال أهلها فقال: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ} أي: ناعمة، والنُّضْرَةُ: النعمة وجمال البشرة؛ قال الحسن: وحُقَّ لها أن تُنَضَّر وهي تنظر إلى خالقها. وقوله تعالى: {إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} حمل جميع أهل السُّنَّةِ هذه الآية على أَنَّها متضمنة رؤية المؤمنين للَّه عز وجل بلا تكييف ولا تحديد كما هو معلوم موجود، لا يشبه الموجودات، كذلك هو سبحانه مَرْئِيٌّ لا يشبه المَرْئِيَّاتِ في شيء؛ فإِنَّه ليس كمثله شيء لا إلٰه إلاَّ هو، وقد تقدم استيعاب الكلام على هذه المسألة، وما في ذلك من صحيح الأحاديث، والباسرة: العابسة المغمومة النفوس، والبسور: أشد العُبُوسِ، وإنَّما ذكر تعالى الوجوه؛ لأَنَّهُ فيها يظهر ما في النفس من سرور أو غَمٍّ، والمراد أصحاب الوجوه، والفاقرة: المصيبة التي تكسر فَقَارِ الظهر؛ وقال أبو عبيدة: هي من فَقَرْتُ [البعير] إذا وسمت أنفه بالنار.

ابن عادل

تفسير : قوله: {كَلاَّ}. قال الزمخشري: "كلاَّ" ردع للنبي صلى الله عليه وسلم عن عادة العجلة وحثّ على الأناة. وقال جماعة من المفسرين: "كلاَّ" معناه "حقّاً" أي: حقّاً تحبّون العاجلة، وهو اختيار أبي حاتم؛ لأن الإنسان بمعنى الناس. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "كلاَّ" أي: أنَّ أبا جهل لا يؤمن بتفسير القرآن وبيانه. وقيل: "كلاَّ" لا يصلُّون ولا يزكُّون، يريد كفار "مكّة". "بَلْ تُحِبُّونَ". قرأ ابن كثير وأبو عمرو: "يُحِبُّون، ويَذَرُونَ" بيان الغيبة حملاً على لفظة الإنسان المذكور أولاً لأن المراد به الجنس، وهو اختيار أبي حاتم؛ لأن "الإنسان" بمعنى الناس والباقون: بالخطاب فيهما، إما خطاباً لكفار قريش أي: بل تحبون يا كفار قريش العاجلة، أي: الدار الدنيا والحياة فيها {وَتَذَرُونَ ٱلآخِرَةَ} أي تدعون الآخرة والعمل لها، وإما التفاتاً عن الإخبار عن الجنس المتقدم والإقبال عليه بالخطاب. واختار الخطاب أبو عبيد، قال: ولولا الكراهة لخلاف هؤلاء القراء لقرأتها بالياء، لذكر الإنسان قبل ذلك. قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ} فيه أوجه: أحدها: أن يكون "وجوهٌ" مبتدأ، و "نَاضِرةٌ" نعتٌ له، و "يَومئذٍ" منصوب بـ"نَاضِرَةٌ" و "ناظِرَةٌ" خبره، و "إلى ربِّها" متعلق بالخبر. والمعنى: أن الوجوه الحسنة يوم القيامة ناظرة إلى الله تعالى، وهذا معنى صحيح، والنَّاضرة: من النُّضرة وهي التنعم، ومنه غصن ناضر. الثاني: أن تكون "وُجوهٌ" مبتدأ أيضاً، و "نَاضِرةٌ" خبره، و "يَوْمئذٍ" منصوب الخبر - كما تقدم - وسوَّغ الابتداء هنا بالنكرة كون الموضع موضع تفصيل، كقوله: [المتقارب] شعر : 4996 -.................. فَثَوْبٌ لَبِسْتُ وثَوْبٌ أجُرْ تفسير : وتكون "نَاضِرةٌ" نعتاً لـ"وُجوهٌ" أو خبراً ثانياً او خبراً لمبتدأ محذوف، و "إلى ربِّها" متعلق بـ"ناظرة" كما تقدم. وقال ابن عطية: وابتدأ بالنكرة؛ لأنها تخصصت بقوله: "يوْمَئذٍ". وقال أبو البقاء: وجاز الابتداء هنا بالنَّكرة لحصول الفائدة. وفي كلا قوليهما نظر أما قول ابن عطية: فلأن قوله "تخصصت" بقوله: "يَوْمئذٍ" هو التخصيص إما لكونها عاملة فيه، وهو محال؛ لأنها جامدة، وإما لأنها موصوفة به، وهو محال أيضاً؛ لأن الجثة لا توصف بالزمان كما لا يخبر به عنها. وأما قول أبي البقاء: فإن أراد بحصول الفائدة ما تقدم من التفصيل فصحيح، وإن عنى ما عناه ابن عطية فليس بصحيح لما تقدم. الثالث: أن يكون "وُجوهٌ" مبتدأ، و "يُوْمئذٍ" خبره. قاله أبو البقاءِ. وهذا غلطٌ من حيث المعنى ومن حيث الصناعة. أما المعنى: فلا فائدة في الإخبار عنها بذلك، وأما الصناعة: فلأنه لا يخبر بالزمان عن الجثة، فإن ورد ما ظاهره ذلك يؤول نحو "الليلة الهلالُ". الرابع: أن يكون "وُجوهٌ" مبتدأ و "نَاضِرةٌ" خبره، و {إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} جملة مستأنفة في موضع خبر ثانٍ، قاله ابن عطية. وفيه نظر؛ لأنه لا ينعقد منهما كلام؛ إذ الظاهر تعلُّق "إلى" بـ"نَاظِرةٌ" اللهمّ إلا أن يعني أن "ناظرة" خبر لمبتدأ مضمر، أي: هي ناظرة إلى ربها، وهذه الجملة خبر ثان وفيه تعسف. الخامس: أن يكون الخبر لـ"وُجوهٌ" مقدَّراً، أي: وجوه يومئذ ثمَّ، و "نَاضِرةٌ" صفة وكذلك "ناظرة". قاله أبو البقاء: وهو بعيد لعدم الحاجة إلى ذلك. والوجه: الأولى لخلوصه من هذه التعسّفات. وكون "إلى" حرف جر، و "ربها" مجروراً بها هو المتبادر إلى الذهن، وقد خرجه بعض المعتزلة على أن يكون "إلى" اسماً مفرداً بمعنى النعمة مضافاً إلى "الرب" ويجمع على "آلاء" نحو {أية : فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا} تفسير : [الرحمن: 13] - وقد تقدم أن فيها لغات أربعاً - و "ربِّهَا" خفض بالإضافة والمفعول مقدم ناصبه "ناظرة" بمعنى منتظرة والتقدير: وجوه منتظرة نعمة ربها. وهذا فرار من إثبات النظر لله - تعالى - على معتقدهم. وتَمحَّل الزمخشري لمذهب المعتزلة بطريق أخرى من جهة الصناعة، فقال - بعد أن جعل التقديم في "إلى ربها" مؤذناً بالاختصاص -: والذي يصح معه أن يكون من قول الناس: إنا إلى فلان ناظر ما يصنع بي، يريد معنى التوقّع والرجاء؛ ومنه قول القائل: [الكامل] شعر : 4997 - وإذَا نَظرْتُ إليْكَ مِنْ ملِكٍ والبَحْرُ دُونكَ زِدْتَنِي نِعَمَا تفسير : وسمعت سُرِّيَّة مستجدية بـ"مكة" وقت الظهر حين يغلق الناس أبوابهم، ويأوون إلى مقايلهم تقول: "عُيَيْنتي نويظرة" إلى الله وإليكم، والمعنى: أنهم لا يتوقعون النعمة والكرامة إلا من ربهم. قال شهاب الدين: وهذا كالحوم على من يقول إن "نَاظِرةٌ" بمعنى منتظرة، إلا أن مكيّاً قد رد هذا القول، فقال: ودخول "إلى" مع النظر يدل على أنه نظر العين، وليس من الانتظار ولو كان من الانتظار لم تدخل معه "إلى"؛ ألا ترى أنك لا تقول: انتظرت إلى زيد، وتقول: نظرت إلى زيد تعني نظر العين، فـ"إلى" تصحب نظر العين، ولا تصحب نظر الانتظار، فمن قال: إن "ناظرة" بمعنى "منتظرة" فقد أخطأ في المعنى وفي الإعراب ووضع الكلام في غير موضعه. وقال القرطبي: "إن العرب إذا أرادت بالنظر الانتظار قالوا: نظرته، كما قال تعالى {أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ}تفسير : [الزخرف: 66]، {أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ}تفسير : [الأعراف: 53]، {أية : مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً}تفسير : [يس: 49]، وإذا أرادت به التفكر والتدبر قالوا: نظرت فيه، فأما إذا كان النظر مقروناً بذكر "إلى" وذكر الوجه فلا يكون إلا بمعنى الرؤية والعيان". وقال الأزهري: "إن قول مجاهد: تنتظر ثواب ربها خطأ؛ لأنه لا يقال: نظر إلى كذا بمعنى الانتظار، وإن قول القائل: نظرت إلى فلان ليس إلا رؤية عين، كذا تقوله العرب؛ لأنهم يقولون: نظرت إليه إذا أرادوا نظر العين، فإذا أرادوا الانتظار قالوا: نظرته"؛ قال: [الطويل] شعر : 4998 - فإنَّكُمَا إنْ تنْظُرَا لي سَاعةً مِنَ الدَّهرِ تَنْفعْنِي لدى أمِّ جُندُبِ تفسير : لما أرادوا الانتظار قال: تنظراني، وإذا أرادوا نظر العين قالوا: نظرت إليه. قال الشاعر: [الطويل] شعر : 4999 - نَظرْتُ إليْهَا والنُّجُومُ كأنَّها مَصابِيحُ رُهبَانٍ تُشَبُّ لِقفَّالِ تفسير : وقال آخر: [الطويل] شعر : 5000 - نَظَرْتُ إليْهَا بالمُحَصَّبِ من مِنى ..................... تفسير : والنّضْرة: طرواة البشرة وجمالها، وذلك من أثر النعمة، يقال: نضر وجهه فهو ناضر. وقال بعضهم: نسلم أنه من نظر العين إلا أن ذلك على حذف مضاف، أي ثواب ربها ونحوه. قال مكي: "لو جاء هذا لجاز: نظرت إلى زيد، بمعنى: نظرت إلى عطاء زيد، وفي هذا نقض لكلام العرب وتخليط في المعاني". ونضَره الله ونضَّره، مخففاً ومثقلاً، أي: حسنه ونعمه. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : نَضَّر اللَّهُ أمْرأً سَمِعَ مَقالَتِي فوَعَاهَا، فأدَّاهَا كما سَمِعهَا"تفسير : يروى بالوجهين. ويقال للذهب: نُضَار من ذلك، ويقال له: النضر أيضاً. ويقال: أخضر ناضر كأسود حالك، وقدح نضار: يروى بالإتباع والإضافة. والعامة: "ناضرة" بألف، وقرأ زيد بن علي: "نضرة" بدونها، كـ"فرح" فهو فرح. فصل في الرؤية. روى مسلم في قوله تعالى {أية : لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ}تفسير : [يونس: 26] كان ابن عمر يقول: أكرم أهل الجنة على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية، ثم تلى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}. وقال عكرمة: تنظر إلى ربها نظراً، وحكى الماوردي عن ابن عمر وعكرمة ومجاهد: تنظر أمر ربها، وليس معروفاً إلا عن مجاهد وحده. وجمهور أهل السُّنَّة تمسك بهذه الآية لإثبات أن المؤمنين يرون الله - سبحانه وتعالى - يوم القيامة وأما المعتزلة فاحتجوا بقوله تعالى: {أية : لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ}تفسير : [الأنعام: 103]، ويقولون: النظر المقرون بـ"إلى" ليس اسماً للرؤية، بل لمقدمة الرؤية، وهي تقليب الحدقة نحو المرئي التماساً لرؤيته، ونظر العين بالنسبة إلى الرؤية كنظر القلب بالنسبة إلى المعرفة، وكالإصغاء بالنسبة إلى السمع ويدل على ذلك قوله تعالى: {أية : وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ}تفسير : [الأعراف: 198] فأثبت النظر حال عدم الرؤية، ويقال: نظر إليه شزراً، ونظر إليه غضبان ونظر راضياً، ولا يقال ذلك في الرؤية، ويقال: وجوه متناظرة، أي: متقابلة ويقال: انظر إليه حتى تراه، فتكون الرؤية غاية للنظر، وأن النظر يحصل والرؤية غير حاصلة وقال: [الوافر] شعر : 5001 - وجُوهٌ نَاظرَاتٌ يَوْمَ بَدْرٍ إلى الرَّحْمنٍ تَنتظِرُ الخَلاصَا تفسير : ولا رؤية مع النظر المقرون بـ"إلى"، وقال تعالى: {أية : وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ}تفسير : [آل عمران: 77] ومن قال: لا يراهم، كفر، قالوا: ويمكن أن يكون معنى قوله تعالى: {نَاظِرةٌ} أي: منتظرة كقولك: أنا أنظر إليك في حاجتي، أو يكون "إلى" مفرد "آلاء" وهي النعم - كما تقدم - والمراد: إلى ثواب ربها؛ لأن الأدلة العقلية والسمعية لما منعت الرؤية وجب التأويل، أو يكون المعنى أنها لا تسأل، ولا ترغب إلا إلى الله عز وجل، كقوله: "حديث : اعْبُد الله كأنَّك تَرَاهُ ". تفسير : قال ابن الخطيب: والجواب: لنا مقامان: أحدهما: أن نقول: النظر هو الرؤية كقول موسى عليه الصلاة والسلام: {أية : رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ}تفسير : [الأعراف: 143]، فلو كان المراد تقليب الحدقة نحو المرئي لاقتضت الآية إثبات الجهة والمكان، ولأنه أخر النظر عن الإرادة فلا يكون تقليب. المقام الثاني: سلمنا ما ذكرتموه من أن النظر تقليب الحدقة للرؤية، لكن يقدر حمله على الحقيقة، فيجب الحمل على الرؤية إطلاقاً لاسم السبب على المسبب، وهو أولى من حمله على الانتظار لعدم الملازمة؛ لأن تقليب الحدقة كالسبب للرؤية، ولا تعلق بينه وبين الانتظار. وأم قولهم: نحمله على الانتظار قلنا: الذي هو بمعنى الانتظار، وفي القرآن غير مقرون، كقوله تعالى: {أية : ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ}تفسير : [الحديد: 13]، {أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ}تفسير : [الأعراف: 53]، والذي ندّعيه أن النظر المقرون بـ"إلى" ليس بمعنى الرؤية؛ لأن وروده بمعنى الرؤية، أو بالمعنى الذي يستعقب الرؤية ظاهر، فلا يكون بمعنى الانتظار دفعاً للاشتراك وقوله: "وجوه ناظرات يوم بدر". شعر موضوع، والرواية الصحيحة: [الوافر] شعر : 5002 - وجُوهٌ نَاظِراتٌ يَوْمَ بَكْرٍ إلى الرَّحمنِ تَنتظِرُ الخَلاصَا تفسير : والمراد من هذا الرحمن: مسيلمة الكذاب؛ لأنهم كانوا يسمُّونه رحمن اليمامة، وأصحابه كانوا ينظرون إليه ويتوقعون منه الخلاص من الأعداء. وقولهم: هو مفرد "آلاء" أي: نعمة ربها. قلنا: فيصدق على أيِّ نعمة كانت. وإن قلنا: لأنه إنما كان للماهية التي يصدق عليها أنها نعمة، فعلى هذا يكفي في تحقيق مسمّى هذه اللفظة أي جزء فرض من أجزاء النعمة، وإن كانت غاية في القلة والحقارة، وكيف يمكن أن تكون من حاله الثواب يومئذ في النعم العظيمة، فكيف ينتظرون نعمة قليلة، وكيف يمكن أن يكون من حاله كذلك أن يبشر بأنه يتوقع الشيء الذي يطلق عليه اسم النعمة، ومثال هذا: أن يبشر سلطان الأرض بأنه سيصير حاله في العظمة والقوة بعد سنة بحيث يكون متوقعاً لحصول نعمة واحدة فكما أن ذلك فاسد، فكذا هاهنا سلمنا أن النظر المتعدي بـ"إلى" المقرون بالوجوه جاء في اللغة بمعنى الانتظار، ولكن لا يمكن حمل هذه الآية عليه؛ لأن لذة الانتظار مع تعين الوقوع كانت حاصلة في الدنيا، فلا بد وأن تحصل في الآخرة زيادة حتى يحصل الترغيب في الآخرة، ولا يجوز أن يكون ذلك هو قرب الحصول. قال القشيري: وهذا باطل؛ لأن واحد "الآلاء" يكتب بالألف لا بالياء. وقرب الحصول معلوم بالعقل فبطل التأويل. وأما قولهم: المراد ثواب ربها، فهو خلاف الظاهر، هذا ما ذكره ابن الخطيب. وروى القرطبي في "تفسيره" قال: خرج "مسلم" عن جرير بن عبد الله قال: حديث : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر، فقال صلى الله عليه وسلم: "إنَّكُمْ سَتَروْنَ ربَّكمْ عياناً كمَا تَرونَ القَمَرَ لا تُضَامُونَ فِي رُؤيتِهِ، فإن اسْتَطَعْتُم ألاَّ تُغْلبُوا عَلى صلاةٍ قَبْلَ طُلوعِ الشَّمْسِ وصلاةٍ قَبْلَ غُروبِهَا فافْعَلُوا" ثُمَّ قَرَأ: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ} [ق: 39]تفسير : متفق عليه. وفي كتاب "النسائي" عن صهيب - رضي الله عنه - قال: "فيُكشَفُ الحِجابُ فيَنظُرونَ إليْهِ، فواللَّهِ ما أعْطَاهُمْ شَيْئاً أحبَّ إليْهِمْ من النَّظرِ، ولا أقَرَّ لأعْيُنِهِمْ". وروى أبو إسحاق الثعلبيُّ عن الزبير عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يتَجَلَّى ربُّنَا - سُبْحانَهُ وتَعَالَى - حتَّى يُنْظَرَ إلى وَجْههِ فيَخِرُّونَ لَهُ سُجَّداً، فيقُولُ اللَّه تعالى: ارفَعُوا رُءُوسكمْ فَليْسَ هذا بِيومِ عِبَادةٍ ". تفسير : وقال القرطبي: وقيل: أضاف النظر إلى العين؛ لأن العين في الوجه فهو كقوله تعالى: {أية : تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ}تفسير : [البقرة: 25] والماء يجري في النهر لا النهر ثم قد يكون الوجه بمعنى العين، قال تعالى: {أية : فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً}تفسير : [يوسف: 93]، أي على عينيه، ثم لا يبعد قلب العادة غداً حتى يخلق النظر في الوجه وهو كقوله تعالى {أية : أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ}تفسير : [الملك: 22]. حديث : فقيل: يا رسُول اللَّهِ، كيف يَمشُونَ في النَّار علَى وُجوهِهم؟ قال: "الَّذي أمْشاهُمْ عَلى أقدامهِم قَادِرٌ على أنْ يُمشِيهمْ على وُجوُهِهِم ". تفسير : قوله: {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ}، أي: وجوه الكفار يوم القيامة شديدة كالحة. والبَاسِر: الشديد العبوس، والباسل: أشد منه ولكنه غلب في الشجاع إذا اشتد كلوحة. وفي "الصِّحاح": وبسر الفحل الناقة وابتسرها: إذا ضربها، وبسر الرجل وجهه بسوراً أي: كلح، يقال: "عَبسَ وبَسَرَ". وقال السديُّ: "بَاسِرةٌ" متغيّرة، والمعنى: أنها عابسة كالحة قد أظلمت ألوانها. قوله تعالى: {تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ}. أي: توقن وتعلم. قال ابن الخطيب: هكذا قاله المفسرون، وعندي أن الظن هنا إنما ذكر على سبيل التهكم، كأنه قيل لما شاهدوا تلك الأحوال حصل فيهم ظن أن القيامة حق. والفاقرة هي الداهية العظيمة، قاله أبو عبيدة. سميت بذلك لأنها تكسر فقار الظهر. قال النابغة: [الطويل] شعر : 5003 - أبَى لِيَ قَبْرٌ لا يَزالُ مُقَابلِي وضَرْبَةُ فَأسٍ فَوقَ رَأسِي فَاقِرَهْ تفسير : أي: داهية مؤثِّرة، يقال: فقرته الفاقرة، أي: كسرت فقار ظهره. قال معناه مجاهد وغيره، ومنه سمي الفقير لانكسار فقاره من القلّ وقد تقدم في البقرة. وقال قتادة: "الفاقرة": الشر، وقال السديُّ: الهلاك. وقال ابن عباس وزيد: دخول النار، وأصلها الوسم على أنفس البعير بحديدة أو نار حتى يخلص إلى العظم. قاله الأصمعي. يقال: فقرت أنف البعير: إذا حززته بحديدة، ثم جعلت على موضع الحزّ الجرير وعليه وتر مَلْويّ لتذلله وتروضه.

السيوطي

تفسير : أخرج سعيد بن منصور عن مجاهد أنه كان يقرأ ‏{‏كلا بل يحبون العاجلة ويذرون الآخرة‏}‏‏ .‏ وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ‏"‏كلا بل تحبون العاجلة‏"‏ بالتاء ‏"‏وتذرون الآخرة‏"‏ بالتاء‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏كلا بل يحبون العاجلة ويذرون الآخرة‏} ‏ قال‏:‏ اختار أكثر الناس العاجلة إلا من رحم الله وعصم‏.‏ وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن ابن مسعود في قوله‏:‏ ‏ {‏كلا بل يحبون العاجلة‏} ‏ قال‏:‏ عجلت لهم الدنيا سناها وخيرها وغيبت عنهم الآخرة‏.‏ أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏وجوه يومئذ ناضرة‏}‏ قال‏:‏ ناعمة‏.‏ وأخرج ابن المنذر والآجري في الشريعة واللالكائي في السنة والبيهقي في الرؤية عن ابن عباس في قوله‏:‏ {‏وجوه يومئذ ناضرة‏} ‏ قال‏:‏ يعني حسنها ‏ {‏إلى ربها ناظرة‏} ‏ قال‏:‏ نظرت إلى الخالق‏.‏ وأخرج ابن المنذر والآجري عن محمد بن كعب القرظي في قوله‏:‏ ‏ {‏وجوه يومئذ ناضرة‏} ‏ قال‏:‏ نضر الله تلك الوجوه وحسنها للنظر إليه‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم واللالكائي عن مجاهد ‏{‏وجوه يومئذ ناضرة‏}‏ قال‏:‏ مسرورة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي صالح ‏{‏وجوه يومئذ ناضرة‏} ‏ قال‏:‏ بهجة لما هي فيه من النعمة‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن الضحاك ‏ {‏وجوه يومئذ ناضرة‏}‏ قال‏:‏ النضارة البياض والصفاء ‏ {‏إلى ربها ناظرة‏}‏ قال‏:‏ ناظرة إلى وجه الله‏.‏ وأخرج ابن المنذر والآجري واللالكائي والبيهقي عن عكرمة ‏ {‏وجوه يومئذ ناضرة‏}‏ قال‏:‏ ناضرة من النعيم ‏ {‏إلى ربها ناظرة‏}‏ قال‏:‏ تنظر إلى الله نظرا‏ً.‏ وأخرج الدارقطنى والآجري واللالكائي والبيهقي عن الحسن في الآية قال‏:‏ النضرة الحسن نظرت إلى ربها فنضرت بنوره‏.‏ وأخرج ابن جرير عن الحسن ‏ {‏وجوه يومئذ ناضرة‏} ‏ يقول‏:‏ حسنة ‏ {‏إلى ربها ناظرة‏}‏ قال‏:‏ تنظر إلى الخالق‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله‏:‏ ‏{‏وجوه يومئذ ناضرة‏} ‏ قال‏:‏ مسرورة ‏ {‏إلى ربها ناظرة‏} ‏ قال‏:‏ انظر ما أعطى الله عبده من النور في عينيه أن لو جعل نور أعين جميع خلق الله من الإِنس والجن والدواب وكل شيء خلق الله فجعل نور أعينهم في عيني عبد من عباده ثم كشف عن الشمس ستراً واحداً ودونها سبعون ستراً ما قدر على أن ينظر إلى الشمس، والشمس جزء من سبعين جزءاً من نور الكرسي، والكرسي جزء من سبعين جزءاً من نور العرش، والعرش جزء من سبعين جزءاً من نور الستر‏.‏ قال عكرمة‏:‏ انظروا ماذا أعطى الله عبده من النور في عينه أن نظر إلى وجه الرب الكريم عيانا‏ً.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة‏} ‏ قال‏:‏ تنظر إلى وجه ربها‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله‏:‏ ‏ {‏وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة‏} ‏ قال‏:‏ ‏"حديث : ‏ينظرون إلى ربهم بلا كيفية ولا حد محدود ولا صفة معلومة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن المنذر والآجري في الشريعة والدارقطني في الرؤية والحاكم وابن مردويه واللالكائي في السنة والبيهقي عن ابن عمر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إن أدنى أهل الجنة منزلاً لمن ينظر إلى جناته وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏وجوه يومئذ ناضرة‏}‏ قال‏:‏ البياض والصفاء ‏{‏إلى ربها ناظرة‏}‏ قال‏:‏ تنظر كل يوم في وجه الله‏ ‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والنسائي والدارقطني في الرؤية والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة قال‏:‏ ‏‏"حديث : قال الناس يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة‏؟‏ قال‏:‏ هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب‏؟‏ قالوا‏:‏ لا يا رسول الله‏.‏ قال‏:‏ فإنكم ترونه يوم القيامة كذلك، يجمع الله الناس فيقول من كان يعبد شيئاً فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون، فيقول‏:‏ أنا ربكم فيقولون‏:‏ نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا أتانا ربنا عرفناه فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيقول‏:‏ أنا ربكم، فيقولون‏:‏ أنت ربنا فيتبعونه‏. ويضرب جسر جهنم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: فأكون أول من يجيز ودعاء الرسل يومئذ اللهم سلم سلم، وفيه كلاليب مثل شوك السعدان، غير أنه لا يعلم قدر عظمتها إلا الله فتخطف الناس بأعمالهم منهم الموبق بعمله، ومنهم المخردل، ثم ينجو حتى إذا فرغ الله من القضاء بين عباده وأراد أن يخرج من النار من أراد أن يخرجه ممن كان يشهد أن لا إله إلا الله أمر الملائكة أن يخرجوهم، فيعرفونهم بآثار السجود، فيخرجونهم قد امتحشوا، فيصب عليهم ماء يقال له ماء الحياة فينبتون نبات الحبة في جميل السيل‏.‏ ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار، فيقول‏:‏ يا رب قد قشبني ريحها وأحرقني ذكاؤها فأصرف وجهي عن النار، فلا يزال يدعوا الله فيقول لعلي‏:‏ إن أعطيتك ذلك تسألني غيره، فيقول‏:‏ لا وعزتك لا أسألك غيره‏.‏ فيصرف وجهه عن النار، ثم يقول بعد ذلك‏:‏ يا رب قربني إلى باب الجنة فيقول‏:‏ أليس قد زعمت لا تسألني غيره‏؟‏ ويلك يا ابن آدم ما أغدرك فلا يزال يدعو فيقول لعلي‏:‏ إن أعطيتك ذلك تسألني غيره، فيقول‏:‏ لا وعزتك لا أسألك غيره‏.‏ فيعطي الله من عهود ومواثيق أن لا يسأله غيره، فيقربه إلى باب الجنة، فإذا رأى ما فيها سكت ما شاء الله أن يسكت فيقول‏:‏ رب أدخلني الجنة‏.‏ فيقول‏:‏ أليس قد زعمت أن لا تسألني غيره، ويلك يا ابن آدم ما أغدرك‏.‏ فيقول‏:‏ رب لا تجعلني أشقى خلقك، فلا يزال يدعو حتى يضحك الله عز وجل، فإذا ضحك منه أذن له في الدخول فيها، فإذا دخل فيها قيل له‏:‏ تمنّ من كذا فيتمنى، ثم يقال له‏:‏ تمنَّ من كذا فيتمنى حتى تنقطع به الأماني، فيقول‏:‏ هذا لك ومثله معه‏.‏ قال أبو هريرة‏:‏ وذلك الرجل آخر أهل الجنة دخولاً الجنة‏.‏ قال‏:‏ وأبو سعيد الخدري جالس مع أبي هريرة لا يغير عليه شيئاً من حديثه حتى انتهى إلى قوله‏:‏ هذا لك ومثله معه‏.‏ قال أبو سعيد‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏: "هذا لك وعشرة أمثاله" قال أبو هريرة‏:‏ حفظت ومثله معه‏‏ . تفسير : وأخرج الدارقطني في الرؤية عن أبي هريرة قال‏:‏ ‏"‏حديث : سأل الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله‏:‏ هل نرى ربنا يوم القيامة‏؟‏ قال‏:‏ هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس في سحاب‏؟ قالوا‏:‏ لا يا رسول الله قال‏:‏ فهل تضارون في رؤية الشمس عند الظهيرة ليست في سحاب‏؟‏ قالوا‏:‏ لا يا رسول الله‏.‏ قال‏: فوالذي نفسي بيده لا تضارون في رؤية ربكم عز وجل كما لا تضارون في رؤيتهما، فيلقى العبد فيقول‏:‏ يا عبدي ألم أكرمك‏؟‏ ألم أسودك‏؟‏ ألم أزوجك‏؟‏ ألم أسخر لك الخيل والإِبل، وأتركك ترأس وتربع‏؟‏ فيقول‏:‏ بلى يا رب‏.‏ قال‏:‏ فاليوم أنساك كما نسيتني ثم يلقى الثاني فيقول‏:‏ ألم أسودك‏؟‏ ألم أزوجك‏؟‏ ألم أسخر لك الخيل والإِبل‏؟‏ وأتركك ترأس وتربع‏؟‏ فيقول‏:‏ بلى يا رب‏.‏ قال‏:‏ أفظننت أنك ملاقي‏ّ؟‏ قال‏:‏ لا يا رب‏.‏ قال‏:‏ فاليوم أنساك كما نسيتني‏. قال‏:‏ ثم يلقى الثالث فيقول‏:‏ ما أنت‏؟‏ فيقول‏:‏ أنا عبدك آمنت بك وبنبيك وبكتابك وصمت وصليت وتصدقت، ويثني بخير ما استطاع، فيقال له‏:‏ ألا نبعث عليك شاهداً فيفكر في نفسه من الذي يشهد علي‏؟‏ قال‏:‏ فيختم على فيه ويقال لفخذه انطقي فينطق فخذه ولحمه وعظمه بما كان يعمل ذلك المنافق وذلك بعذر من نفسه، وذلك الذي يسخط الله عليه، ثم ينادي مناد‏ٍ:‏ ألا اتبعت كل أمة ما كانت تعبد، فيتبع أولياء الشيطان الشيطان، واتبعت اليهود والنصارى أولياءهم إلى جهنم، ثم نبقى أيها المؤمنون فيأتينا ربنا عز وجل، وهو ربنا، فيقول‏:‏ علام هؤلاء قيام فيقولون‏:‏ نحن عباد الله المؤمنون عبدناه وهو ربنا وهو آتينا ومثيبنا وهذا مقامنا، فيقول الله عز وجل‏:‏ أنا ربكم فامضوا فيوضع الجسر وعليه كلاليب من نار تخطف الناس، فعند ذلك حلت الشفاعة أي اللهم سلم، فإذا جاوز الجسر فمن أنفق زوجاً من المال مما يملك في سبيل الله وكل خزنة الجنة يدعوه يا عبد الله يا مسلم هذا خير فتعال‏. قال أبو بكر‏:‏ يا رسول الله إن ذلك العبد لا ترى عليه يدع باباً ويلج من آخر فضرب النبي صلى الله عليه وسلم منكبيه وقال‏: والذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكون منهم ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الدارقطني في الرؤية عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إذا جمع الله الأوّلين والآخرين يوم القيامة جاء الرب عز وجل إلى المؤمنين، فوقف عليهم والمؤمنون على كوم فيقول‏:‏ هل تعرفون ربكم عز وجل‏؟‏ فيقولون‏:‏ إن عرفنا نفسه عرفناه‏.‏ فيقول لهم الثانية‏:‏ هل تعرفون ربكم‏؟‏ فيقولون‏:‏ إن عرفنا نفسه عرفناه‏.‏ فتجلى لهم عز وجل فيضحك في وجوههم فيخرون له سجداً‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج النسائي والدارقطني وصححه عن أبي هريرة قال‏:‏ ‏"حديث : ‏قلنا يا رسول الله هل نرى ربنا‏؟‏ قال‏:‏ هل ترون الشمس في يوم لا غيم فيه، وترون القمر في ليلة لا غيم فيها‏،؟ قلنا‏:‏ نعم قال‏:‏ فإنكم سترون ربكم عز وجل حتى إن أحدكم ليحاضر ربه محاضرة، فيقول عبدي‏:‏ هل تعرف ذنب كذا وكذا‏؟‏ فيقول‏:‏ ألم تغفر لي‏؟‏ فيقول‏:‏ بمغفرتي صرت إلى هذا‏ ". تفسير : وأخرج الدارقطني عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏ترون الله عز وجل يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر أو كما ترون الشمس ليس دونها سحاب ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد وعبد بن حميد والدارقطني عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏أن الله ليتجلى للناس عامة ويتجلى لأبي بكر خاصة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والدارقطني والحاكم والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ ‏"‏حديث : قلنا يا رسول الله‏:‏ هل نرى ربنا يوم القيامة‏؟‏ قال‏: هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحواً ليس فيه سحاب‏؟‏ قلنا‏:‏ لا يا رسول الله‏.‏ قال‏:‏ هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحواً ليس فيه سحاب‏؟ قالوا‏:‏ لا يا رسول الله قال‏:‏ ما تضارون في رؤيته يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد والدارقطني وابن مردويه عن أبي موسى الأشعري قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏يجمع الله الأمم يوم القيامة بصعيد واحد، فإذا أراد الله عز وجل أن يصدع بين خلقه مثل لكل قوم ما كانوا يعبدون فيتبعونهم حتى يقحموهم النار، ثم يأنينا ربنا عز وجل ونحن على مكان رفيع، فيقول‏:‏ من أنتم‏؟‏ فيقولون‏:‏ نحن المسلمون، فيقول‏:‏ ما تنتظرون‏؟‏ فيقولون‏:‏ ننتظر ربنا عز وجل‏.‏ فيقول‏:‏ وهل تعرفونه إن رأيتموه‏؟‏ فيقولون‏:‏ نعم، فيقول‏:‏ كيف تعرفونه ولم تروه‏؟‏ فيقولون‏:‏ نعرفه إنه لا عدل له‏.‏ فيتجلى لنا ضاحكاً ثم يقول‏:‏ أبشروا يا معشر المسلمين فإنه ليس منكم أحد إلا جعلت له مكانه في النار يهودياً أو نصرانيا‏ً "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن عساكر عن أبي موسى‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏إذا كان يوم القيامة مثل لكل قوم ما كانوا يعبدون في الدنيا، ويبقى أهل التوحيد، فيقال لهم‏:‏ ما تنتظرون وقد ذهب الناس‏؟‏ فيقولون‏:‏ إن لنا لرباً كنا نعبده في الدنيا لم نره‏.‏ قال‏:‏ وتعرفونه إذا رأيتموه‏؟‏ فيقولون‏:‏ نعم، فيقال لهم‏:‏ وكيف تعرفونه ولم تروه‏؟‏ قالوا‏:‏ إنه لا شبيه له‏.‏ قال‏:‏ فيكشف لهم الحجاب فينظرون إلى الله تبارك وتعالى فيخرون له سجداً، ويبقى أقوام في ظهورهم مثل صياصي البقر يريدون السجود فلا يستطيعون، فذلك قول الله عز وجل‏:‏ ‏{‏يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون‏}‏ ‏[القلم: 42‏]‏ ويقول الله عز وجل‏:‏ عبادي ارفعوا رؤوسكم فقد جعلت بدل وفي لفظ فداء كل رجل منكم رجلاً من اليهود أو النصارى في النار‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الدارقطني عن بريدة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏ما من أحد إلا ويخلو الله به كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الدارقطني عن عبد الله بن عمرو قال‏:‏ ليخلون الله عز وجل بكم يوم القيامة واحداً واحداً في المسألة حتى تكونوا في القرب منه أقرب من هذا، وأشار إلى شيء قريب‏.‏ وأخرج الدارقطني عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:حديث : ‏ يوم القيامة أول يوم نظرت فيه عين إلى الله عز وجل‏ ". تفسير : وأخرج أحمد ومسلم والدارقطني من طريق أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل عن الورود فقال‏:‏ نحن يوم القيامة على كوم فوق الناس فتدعى الأمم بأوثانها وما كانت تعبد، الأول فالأول، ثم يأتينا ربنا بعد ذلك فيقول‏:‏ ما تنتظرون‏؟‏ فيقولون‏:‏ ننتظر ربنا‏.‏ فيقول‏:‏ أنا ربكم‏.‏ فيقولون‏:‏ حتى ننظر إليك، فتجلى لهم يضحك فينطلق بهم ويتبعونه ويعطى كل إنسان منهم نوراً‏.‏ وأخرج الدارقطني عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏يتجلى لنا ربنا عز وجل ينظرون إلى وجهه فيخرون له سجداً فيقول‏:‏ ارفعوا رؤوسكم فليس هذا بيوم عبادة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الدارقطني عن جابر قال‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : إن الله ليتجلى للناس عامة ويتجلى لأبي بكر الصديق خاصة ". تفسير : وأخرج الدارقطني والخطيب عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم اقرأه هذه الآية ‏ {‏وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة‏} ‏ قال‏:‏ والله ما نسختها منذ أنزلها يزورون ربهم تبارك وتعالى فيطعمون ويسقون ويتطيبون ويحلون ويرفع الحجاب بينه وبينهم فينظرون إليه وينظر إليهم عز وجل، وذلك قوله‏:‏ عز وجل ‏{أية : ‏لهم رزقهم فيها بكرة وعشياً}تفسير : [مريم: 62‏].‏ وأخرج الدارقطني عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إذا كان يوم القيامة رأى المؤمنون ربهم عز وجل فاحدثم عهداً بالنظر إليه في كل جمعة ويراه المؤمنات يوم الفطر ويوم النحر‏ "‏‏.‏ ‏تفسير : وأخرج الدارقطني عن أنس قال‏:‏ بينما نحن حول رسول صلى الله عليه وسلم ‏إذ قال‏:‏ ‏"حديث : ‏أتاني جبريل وفي يده كالمرآة البيضاء في وسطها كالنكتة السوداء، قلت يا جبريل‏:‏ ما هذا‏؟‏ قال‏:‏ هذا يوم الجمعة يعرض عليك ربك ليكون لك عيداً ولأمتك من بعدك‏.‏ قلت يا جبريل‏:‏ فما هذه النكتة السوداء‏؟‏ قال‏:‏ هذه الساعة وهي تقوم في يوم الجمعة، وهو سيد أيام الدنيا، ونحن ندعوه في الجنة يوم المزيد‏.‏ قلت يا جبريل‏:‏ ولم تدعونه يوم المزيد‏؟‏ قال‏:‏ لأن الله عز وجل اتخذ في الجنة وادياً أفيح من مسك أبيض، فإذا كان يوم الجمعة ينزل ربنا على كرسي إلى ذلك الوادي وقد حف العرش بمنابر من ذهب مكللة بالجوهر، وقد حفت تلك المنابر بكراسي من نور، ثم يأذن لأهل الغرفات فيقبلون يخوضون كثائب المسك إلى الركب، عليهم أسورة الذهب والفضة، وثياب السندس والحرير، حتى ينتهوا إلى ذلك الوادي، فإذا اطمأنوا فيه جلوساً بعث الله عز وجل عليهم ريحاً يقال لها المثيرة، فثارت ينابيع المسك الأبيض في وجوههم وثيابهم، وهم يومئذ جرد مرد مكعلون أبناء ثلاث وثلاثين يضرب جمامهم إلى سررهم على صورة آدم يوم خلقه الله عز وجل، فينادي رب العزة تبارك وتعالى رضوان، وهو خازن الجنة، فيقول‏:‏ يا رضوان ارفع الحجب بيني وبين عبادي وزواري، فإذا رفع الحجب بينه وبينهم فرأوا بهاءه ونوره هبوا له سجوداً فيناديهم عز وجل بصوت‏:‏ ارفعوا رؤوسكم فإنما كانت العبادة في الدنيا، وأنتم اليوم في دار الجزاء، سلوني ما شئتم فأنا ربكم الذي صدقتكم وعدي وأتممت عليكم نعمتي، فهذا محل كرامتي فسلوني ما شئتم‏.‏ فيقولون‏:‏ ربنا وأيّ خير لم تفعله بنا ألست الذي أعنتنا على سكرات الموت، وآنست منا الوحشة في ظلمات القبور، وآمنت روعتنا عند النفخة في الصور‏؟‏ ألست أقلتنا عثراتنا، وسترت علينا القبيح من فعلنا، وثبت على جسر جهنم أقدامنا‏؟‏ ألست الذي ادنيتنا في جوارك، وأسمعتنا من لذاذة منطقك، وتجليت لنا بنورك‏؟‏ فأي خير لم تفعله بنا‏؟‏ فيعود عز وجل فيناديهم بصوته، فيقول‏:‏ أنا ربكم الذي صدقتكم وعدي، وأتممت عليكم نعمتي، فسلوني، فيقولون‏:‏ نسألك رضاك‏.‏ فيقول‏:‏ رضاي عنكم أقلتكم عثراتكم وسترت عليكم القبيح من أموركم، وأدنيت مني جواركم، وأسمعتكم لذاذة منطقي، وتجليت لكم بنوري، فهذا محل كرامتي فسلوني‏.‏ فيسألونه حتى تنتهي مسألتهم، ثم يقول عز وجل‏:‏ سلوني، فيسألونه حتى تنتهي رغبتهم‏.‏ ثم يقول عز وجل‏:‏ سلوني فيقولون‏:‏ رضينا ربنا وسلمنا، فيزيدهم من مزيد فضلة وكرامته، ويزيد زهرة الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطرت على قلب بشر، ويكون كذلك حتى مقدار متفرقهم من الجمعة‏. قال أنس‏: ‏فقلت‏:‏ بأبي وأمي يا رسول الله وما مقدار تفرقهم‏؟‏ قال‏: كقدر الجمعة إلى الجمعة‏.‏ قال‏: يحمل عرش ربنا العليون معهم الملائكة والنبيون، ثم يؤذن لأهل الغرفات، فيعودون إلى غرفهم، وهم غرفتان زمردتان خضروان، وليسوا إلى شيء أشوق منهم إلى ويوم الجمعة لينظروا إلى ربهم، وليزيدهم من مزيد فضله وكرامته‏"‏تفسير : ‏.‏ قال أنس‏:‏ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بيني وبينه أحد‏.‏ وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند والحاكم عن لقيط بن عامر أنه خرج وافداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه صاحب له يقال له نهيك بن عاصم، قال‏:‏ فخرجت أنا وصاحبي حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف من صلاة الغداة فقام في الناس خطيبا فقال‏:‏حديث : يا أيها الناس ألا إني قد خبأت لكم صوتي منذ أربعة أيام لأسمعكم، ألا فهل من امرىء بعثه قومه‏؟ فقالوا اعلم لنا ما يقول رسول الله الاتم لعله أن يلهيه حديث نفسه أو حديث صاحبه، أو يلهيه الضلال، ألا إني مسؤول هل بلغت ألا اسمعوا تعيشوا، ألا اجلسوا، ألا اجلسوا‏. قال‏:‏ فجلس الناس وقمت أنا وصاحبي حتى إذا فرغ لنا فؤاده وبصره قلنا يا رسول الله ما عندك من علم الغيب‏؟‏ فضحك لعمر الله وهز رأسه وعلم أني الفتى، فقال‏: ضن ربك عز وجل بمفاتيح خمس من الغيب لا يعلمها إلا الله، وأشار بيده‏.‏ قلت وما هن‏؟‏ قال‏: علم المنية قد علم متى منية أحدكم ولا تعلمونه‏.‏ وعلم ما في الغد ما أنت طاعم غداً ولا تعلمه، وعلم يوم الغيم يشرف عليكم إذا قنطتم مشفقين فيظل يضحك قد علم أن‏ غيركم إلى قريب‏.‏ قال لقيط‏:‏ قلت لن نعدم من رب يضحك خيراً وعلم يوم الساعة‏.‏ قلت يا رسول الله‏:‏ علمنا ما يعلم الناس وما يعلم صاحبي، فإنا في قبيل لا يصدقون تصديقنا من أحد من مذحج التي قربوا علينا، وخثعم التي توالينا، وعشيرتنا التي نحن منها‏.‏ قال‏:‏ تلبثون ما لبثتم ثم يتوفى نبيكم، ثم تلبثون ما لبثتم، ثم تبعث الصائحة لعمر إلهك ما تدع على ظهرها من شيء إلا مات والملائكة الذين مع ربك عز وجل، فأصبح ربك عز وجل يطوف في البلاد، وقد خلت عليه البلاد، فأرسل ربك السماء بمهضب من عند العرش، ولعمر إلهك ما تدع على ظهرها من مصدع قتيل ولا مدفن ميت إلا شقت الأرض عنه حتى تجعله من عند رأسه فيستوي جالساً يقول ربك مهيم لما كان فيه‏.‏ يقول يا رب أمس اليوم ولعهده بالحياة يحسبه حديثاً بأهله فقلت يا رسول الله‏:‏ كيف يجمعنا بعد ما تمزقنا الرياح والبلى والسباع‏؟‏ قال‏: أنبئك بمثل ذلك من آلاء الأرض أشرفت عليها وهي مذرة بالية فقلت‏:‏ لا تحيا أبداً ثم أرسل ربك عليها السماء، فلم تلبث عنك إلا أياماً حتى أشرفت عليها وهي سرية واحدة، ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يجمعهم من الماء وعلى أن يجمعهم من نبات الأرض، فيخرجون من الأصواء أو من مصارعهم، فينظرون إليه، وينظر إليهم. قلت: يا رسول الله‏:‏ وكيف ونحن ملء الأرض وهو شخص واحد ينظر إلينا وننظر إليه‏؟‏ قال‏: أنبئك بمثل ذلك من آلاء الله الشمس والقمر آية منه صغيرة ترونهما ويريانكم ساعة واحدة، وتريانهما لا تضارون في رؤيتهما، ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يراكم، وترونه أو ترونهما ويريانكم لا تضارون في رؤيتهما‏. قلت يا رسول الله‏‏ فما يفعل بنا ربنا إذا لقيناه‏؟‏ قال‏:‏ تعرضون عليه بادية له صفحاتكم، لا تخفى عليه منكم خافية، فيأخذ ربك بيده غرفة من ماء، فينضح قبلكم بها، فلعمر إلهك ما يخطىء وجه أحد منه قطرة، فأما المسلم فتدع وجهه مثل الربطة البيضاء، وأما الكافر فتخطمه بمثل الحميم الأسود‏.‏ ألا ثم ينصرف نبيكم صلى الله عليه وسلم ويصرف على أثره الصالحون فيسلكون جسراً من النار فيظل أحدكم يقول‏:‏ حس، يقول ربك‏:‏ أو أنه فتطلعون على حوض الرسول على أظمأ والله ناهلة قط رأيتها، ولعمر إلهك ما يبسط واحد منكم يده إلا وقع عليها قرح بطهره من الطرف والبول والأذى ويحبس الشمس والقمر ولا ترون منهما واحدا‏ً.‏ قلت يا رسول الله‏:‏ فيم نبصر‏؟‏ قال‏: بمثل بصرك ساعتك هذه، وذلك قبل طلوع الشمس في يوم أشرقت الأرض‏.‏ قلت يا رسول الله‏:‏ فما يجزي من حسناتنا وسيئاتنا‏؟‏ قال: الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها إلا أن يعفو ربك، قلت يا رسول الله‏:‏ ما الجنة وما النار‏؟‏ قال‏:‏ لعمر إلهك أما للنار فسبعة أبواب ما منهن باب إلا يسير الراكب فيها سبعين عاما‏ً.‏ قلت يا رسول الله‏:‏ فعلام نطلع من الجنة‏؟‏ قال‏: على أنهار من عسل مصفى وأنهار من كأس ما بها من صداع ولا ندامة وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وماء غير آسن، وفاكهة لعمر إلهك ما تعلمون وخير من مثله معه، وأزواج مطهرة‏.‏ قلت يا رسول الله‏:‏ ولنا فيها أزواج‏؟‏ قال‏: الصالحات للصالحين تلذونهم بمثل لذاتكم في الدنيا ويتلذذن بكم غير أن لا توالد‏. قال لقيط‏:‏ فقلت: أقصى ما نحن بالغون ومنتهون إليه‏؟‏ قلت يا رسول الله‏:‏ علام أبايعك‏؟‏ فبسط النبي صلى الله عليه وسلم يده، وقال‏: على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وزيال الشرك، وأن لا تشرك بالله شيئاً غيره‏. قلت‏:‏ وإن لنا ما بين المشرق والمغرب‏.‏ فقبض النبيّ صلى الله عليه وسلم يده، وبسط أصابعه وظن أني مشترط شيئاً لا يعطينيه‏.‏ قلت‏:‏ نحل منها حيث شئنا ولا يجني على أمرىء إلا نفسه‏.‏ فبسط يده وقال‏: ذلك لك تحلة حيث شئت، ولا يجني عليك إلا نفسك‏:‏ قال‏:‏ فانصرفنا وقال لنا‏: إن هذين لعمر إلهك من أتقى الناس في الدنيا والآخرة‏.‏ فقال له كعب‏:‏ من هم يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ بنو المنتقف أهل ذلك‏. فانصرفنا وأقبلت عليه فقلت يا رسول الله‏:‏ هل لأحد فيما مضى من خير في جاهليتهم‏؟‏ قال‏:‏ قال رجل من عرض قريش‏:‏ والله إن أباك المنتقف لفي النار‏.‏ قال‏:‏ فلكأنه وقع من بين جلدي ووجهي مما قال لأبي على رؤوس الناس، فهممت أن أقول وأبوك يا رسول الله‏.‏ ثم قلت يا رسول الله‏:‏ وأهلك‏؟‏ قال‏: وأهلي لعمر الله، ما أتيت عليه من قبر عامري أو قرشي مشرك فقل أرسلني إليك محمد فأبشرك بما يسوءك تجر على وجهك وبطنك في النار‏.‏ قلت يا رسول الله‏:‏ ما فعل بهم ذلك وقد كانوا على عمل لا يحسنون إلا إياه وقد كانوا يحسبون أنهم مصلحون‏؟‏ قال‏: ذلك بما قال‏:‏ بأن الله بعث في آخر كل سبع أمم نبياً فمن عصى نبيه كان من الضالين، ومن أطاع نبيه كان من المهتدين‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد وأبو داود وابن ماجة عن أبي رزين قال‏:‏ ‏"حديث : ‏قلت يا رسول الله‏:‏ أكلنا يرى ربه يوم القيامة مخلياً به‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قلت‏:‏ وما آية ذلك قال‏:‏ أليس كلكم يرى القمر ليلة البدر مخلياً به‏؟ قالت‏:‏ بلى‏.‏ قال‏: فالله أعظم‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه قال‏:‏ أول من ينظر إلى الله تبارك وتعالى الأعمى‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن موسى بن صالح بن الصباح رضي الله عنه قال‏:‏ إذا كان يوم القيامة يؤتى بأهل ولاية الله فيقومون بين يديه ثلاثة أصناف، فيؤتى برجل من الصنف الأول فيقول‏‏ عبدي لماذا عملت‏؟‏ فيقول‏:‏ يا رب خلقت الجنة وأشجارها وثمارها وأنهارها وحورها ونعيمها وما أعددت لأهل طاعتك فيها، فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري شوقاً إليها‏.‏ فيقول‏:‏ عبدي إنما عملت للجنة فادخلها، ومن فضلي عليك أن أعتقك من النار، فيدخلها هو ومن معه‏.‏ ثم يؤتى بالصنف الثاني فيقول‏:‏ عبدي لما عملت‏؟‏ فيقول‏:‏ يا رب خلقت ناراً وخلقت أغلالها وسعيرها وسمومها ويحمومها وما أعددت لأعدائك ولأهل معصيتك فيها، فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري خوفاً منها‏.‏ فيقول‏:‏ عبدي إنما عملت خوفاً من النار، فإني أعتقتك من النار ومن فضلي عليك أدخلتك جنتي فيدخل هو ومن معه الجنة، ثم يؤتى برجل من الصنف الثالث فيقول‏:‏ عبدي لماذا عملت‏؟‏ فيقول‏:‏ ربي حباً لك وشوقاً إليك، وعزتك لقد أسهرت ليلي وأظمأت نهاري شوقاً إليك وحباً لك، فيقول الله‏:‏ عبدي إنما عملت شوقاً إليّ وحباً لي فيتجلى له الرب، فيقول‏:‏ ها أنا ذا أنظر إليّ‏.‏ ثم يقول‏:‏ فضلي عليك أن أعتقك من النار، وأبيحك جنتي، وأزيرك ملائكتي، وأسلم عليك بنفسي فيدخل هو ومن معه الجنة‏. وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي والبيهقي في الأعمال والصفات عن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بهؤلاء الدعوات‏:‏ ‏"حديث : ‏اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي، اللهم أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحكم في الغضب والرضا، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيماً لا يبيد وقرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضا بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة‏.‏ اللهم زينا بزينة الإِيمان، واجعلنا هداة مهتدين‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقيحديث : ‏ عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمه دعاء، وأمره أن يتعاهده ويتعاهد به أهله كل يوم، قال‏: حين تصبح لبيك الله لبيك لبيك وسعديك والخير في يديك ومنك وبك وإليك، اللهم ما قلت من قول أو حلفت من حلف أو نذرت من نذر فمشيئتك بين يدي ذلك ما شئت كان وما لم تشأ لم يكن، لا حول ولا قوة إلا بك إنك على كل شيء قدير، اللهم ما صليت من صلاة فعلى من صليت، وما لعنت من لعن فعلى من لعنت‏.‏ أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلماً وألحقني بالصالحين‏.‏ أسألك اللهم الرضا بعد القضاء، وبرد العيش بعد الموت، ولذة النظر إلى وجهك، وشوقاً إلى لقائك من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة‏.‏ أعوذ بك أن أظلم، أو أظلم أو أعتدي أو يعتدى عليّ، أو أكسب خطيئة أو ذنباً لا تغفره‏.‏ اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، ذا الجلال والإِكرام فإني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا، وأشهدك، وكفى بك شهيداً أني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك لك الملك، ولك الحمد، وأنت على كل شيء قدير‏.‏ وأشهد أن محمداً عبدك ورسولك، وأشهد أن وعدك حق، ولقاءك حق، والساعة آتية لا ريب فيها، وأنت تبعث من في القبور، وأشهد أنك أن تكلني إلى نفسي تكلني إلى وهن وعورة وذنب وخطيئة، وإني لا أثق إلا برحمتك فاغفر لي ذنبي كله، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، وتب عليّ إنك أنت التواب الرحيم‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن أبي صالح رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏{‏وجوه يومئذ ناضرة‏} ‏ قال‏:‏ حسنة ‏{‏إلى ربها ناظرة‏}‏ قال‏:‏ تنتظر الثواب من ربها‏.‏ وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏{‏إلى ربها ناظرة‏} ‏ قال‏:‏ تنتظر منه الثواب‏.‏ أخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله‏:‏ ‏ {‏ووجوه يومئذ باسرة‏}‏ قال‏:‏ كالحة قاطبة‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ أما سمعت عبيد بن الأزرق وهو يقول‏:‏ شعر : صبحنا تميماً غداة النسا ر شهباء ملمومة باسرة تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه‏:‏ ‏ {‏ووجوه يومئذ باسرة‏}‏ قال‏:‏ كالحة ‏ {‏تظن أن يفعل بها فاقرة‏}‏ قال‏:‏ أن يفعل بها شر‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه ‏{‏ووجوه يومئذ باسرة‏} ‏ قال‏:‏ كاشرة ‏{‏تظن أن يفعل بها فاقرة‏} ‏ قال‏:‏ داهية‏.‏

السلمي

تفسير : سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت جعفر الخلدى يقول: سمعت الجنيد رحمة الله عليه يقول: من أحب الدنيا وأقبل عليها وطلبها فليتيقن بفوت حظه من الآخرة لأن الله يقول: {كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ ٱلآخِرَةَ} إن من يحب الدنيا يذر الآخرة ويعرض عنها.

القشيري

تفسير : أي: إنما يحملهم على التكذيب للقيامة والنشر أنهم يحبون العاجلة في الدنيا، أي: يحبون البقاء في الدنيا. {وَتَذَرُونَ ٱلآخِرَةَ}: أي: تتركون العملَ للآخرة. ويقال: تكفرون بها.

اسماعيل حقي

تفسير : {كلا} عود الى تكملة ما ابتدئ به الكلام يعنى نه جنانست اى آدميان كه كمان برده آيد در امر عقبى {بل تحبون العاجلة} اى الدنيا يعنى دنياى شتاب كننده را.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {كلاَّ} أي: انزجروا عما أنتم عليه من إنكار البعث والفجور، {بل تُّحبون العاجلةَ وتَذَرون الآخرة} أي: بل أنتم يا بني آدم لما خلقتم من عجل، وجُبلتم عليه، تَعْجلون في كل شيء، ولذلك تُحبون العاجلة مع فنائها وسرعة ذهابها، {وتذرون الآخرة} مع بقائها ودوام نعيمها. قال بعضهم: لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والآخرة من طين يبقى، لكان العاقل يختار ما يبقى على ما يفنى، لا سيما والعكس، الآخرة من ذهب يبقى، والدنيا من طين يفنى. ومَن قرأ بالغيب فالكلام مع الكفرة. {وجوه يومئذٍ ناضرةٌ} أي: وجوه كثيرة، وهي وجوه المؤمنين المخلصين، يوم إذ تقوم القيامة، بهية متهللة، يشاهَدُ عليها نَضْرة النعيم، {إِلى ربها ناظرةٌ} أي: مستغرِقة في مشاهدة جماله، فتغيب عما سواه. ورؤيته تعالى يوم القيامة متفاوتة، يتجلّى لكل واحد على قدر ما يطيق من نور ذاته على حسب استعداده في دار الدنيا، فيتنعّم كل واحد في النظرة على قدر حضوره هنا، ومعرفته. ورؤيته تعالى جائزة في الدنيا والآخرة، واقعة في الدارين عند العارفين، وهذه الآية شاهدة لذلك، وهي مخصَّصة لقوله: {أية : لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} تفسير : [الأنعام:103] أي: لا تراه، على قولٍ. قال بعضُهم: هي واقعة للمؤمنين قبل دخول الجنة وبعده، حسبما ورد في الصحيح. وقوله في الحديث: " حديث : فيأتيهم الله في الصورة التي لا يعرفونها "تفسير : ، المراد بالصورة: الصفة، والمعنى: أنهم يرونه ثانياً على ما يعرفونه من صفاته العلية، وأهل المعرفة لا ينكرونه في حال من الأحوال. والمقصود من الآية: تقبيح رأي حب العاجلة بذكر حسن عاقبة حب الآجلة، أي: كيف يذر العاقل مثل تلك المسرّة، التي ليس فوقها شيء، بدلاً من هذه اللذة الخسيسة الدنية، أم كيف يغتر بعروض هذا السرور وعاقبته الهلاك والثبور؟ انظر الطيبي. وحَمْل النظرعلى الانتظار لأمر ربها، أو لثوابها، لا يصح خلافاً للمعتزلة؛ لأنَّ الانتظار لا يُسْند إلى الوجه، وأيضاً: المستعمل بمعنى الانتظار لا يتعدّى بـ"إلى"، مع أنه لا يليق الانتظار في دار القرار. {ووجوه يومئذٍ باسرٍةٌ} أيك كالحة، شديدة العبوسة, وهي وجوه الكفار. {تظن} أي: يتوقع أربابُها {أن يُفعل بها فاقِرة} أي: داهية عظيمة، تقصم فقار الظهر. {كلاَّ}، ردع عن إيثار العاجلة على الآخرة، أي: ارتدعوا عن ذلك وتنبّهوا لِما بين أيديكم من الموت، الذي عنده تنقطع العاجلة عنكم، وتنتقلون إلى الآجلة التي تبقون فيها مخلّدين، وذلك {إِذا بلغتِ} الروح {التراقيَ}، ولم يتقدّم للروح ذكر؛ إلاَّ أنَّ السياق يدل عليها، والتراقي: العظام المكتنفة لحفرة النحر عن يمين وشمال، جمع: ترقوة، أي: إذا بلغت أعالي الصدور، {وقيلَ مَن راقٍ} أي: قال مَن حضر المحتضر: مَن يرقيه وينجيه مما هو فيه من الموت؟ وهو من الرُقية، وقيل: هو من كلام ملائكة الموت، أي: أيكم يَرْقَى بروحه، ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب؟ من الترقِّي. {وظنَّ أنه الفِراقُ} أي: تيقّن المحتضرُ أنَّ ما نزل به هو الفِراق من دار الدنيا ونعيمها التي كان يحبها {والتفَّتِ الساقُ بالساقِ} أي: التوت ساقاه بعضها على بعض عند موته. وعن سعيد بن المسيِّب: هما ساقاه حين تُلفّان في أكفانه، وقيل: شدّة فراق الدنيا بشدّة إقبال الآخرة, على أنَّ الساق مَثَلٌ في الشدة. وعن ابن عباس رضي الله عنه: هَمَّان: هَمٌّ الولد، وهَمُّ القدوم على الواحد الصمد. {إِلى ربك يومئذٍ المساقُ} أي: إلى الله وإلى حكمه يُساق، لا إلى غيره، إمّا إلى الجنة وإمّا إلى النار، وهو مصدر: ساقه مساقاً. {فلا صدَّق} ما يجب به التصديق، من الرسول والقرآن الذي نزل عليه، أو: فلا صدّق ماله زكاه، {ولا صَلَّى} مافُرض عليه، والضمير فيها للإنسان المذكور في قوله: {أية : أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ } تفسير : [القيامة:3]، أو: إلى المحتضر المفهوم من قوله: {إذا بلغت التراقي}، وهو أقرب. {ولكن كذَّب} بما ذكر من الرسول والقرآن {وَتَولَّى} عن الإيمان والطاعة، {ثم ذهب إلى أهله يَتَمطَّى}؛ يبختر بذلك، وأصله: يتمطط، أي: يتمدّد؛ لأنّ المتبختر يَمُدُّ خطاه، فأبدلت الطاءُ ياءً؛ لاجتماع ثلاثة أحرف متماثلة، قال في النهاية: مِشْيةٌ مُطيْطاء، بالقصر والمد، أي: فيها تَبخْتُرن ويقال: مَطَوْتُ ومَطَطْتُ بمعنى مدَدْتُ، وهي من المُصَغَّراتٍ التي لم يُستعمل لها مُكَبَّرٌ. هـ. أو: من المطا، وهو الظَّهْر فإنه يلويه. {أَوْلَى لك فأَوْلَى} أي: ويل لك، وأصله: أولاك الله ما تكره، واللام مزيدة، كما في قوله: {أية : رَدِفَ لَكُم } تفسير : [النمل:72] أو: أولى الهلاك لك فأولى، وقيل: هو مقلوب من الويل، وقيل: أولى بالعذاب وأحق به، وقيل: من الوَلى، وهو القرب, أي: قاربه ما يهلكه. {ثم أَوْلَى لك فأَوْلَى}، كرر للتأكيد، كأنه قيل: ويل لك فويل لك ثم ويل لك فويل لك، وقيل: التكرير فيه، لأنه أراد بالأول: الهلاك الدنيوي وفي القبر والبرزخ, ثم في القيامة، ثم في النار. {أيَحْسَبُ الإِنسانُ أن يُترك سُدىً}؛ أيظن الكافرُ أن يُترك مُهْمَلاً، لا يُؤمر ولا يُنهى ولا يُبعث ولا يُجازَى، {ألم يكُ نطفة مِن مَنِيٍّ تُمنى}؟ أي: تُراق في الأرحام، {ثم كان علقةً} أي: صار المَنِي قطعة دم جامد، بعد أربعين يوماً {فخَلَقَ فسَوّى} أي: فخلق الله منها بشراً سويًّا؟ {فجعل منه}؛ من الإنسان، أو: من المَنِي {الزوجين}؛ الصنفين {الذكرَ والأُنثى} لحكمه بقاء النسل، {أليس ذلك بقادرٍ على أن يُحيي الموتى} وهو أهون من البدء في قياس العقول؟ كان عليه السلام إذا قرأها يقول: "حديث : سبحانك! بلى ". تفسير : الإشارة: قال في الإحياء: اعلم أنَّ رأس الخطايا والمهِلكة هو حب الدنيا، ورأس أسباب النجاة هو: التجافي بالقلب عن دار الغرور. ثم قال: واعلم أنه لا وصول إلى سعادة لقاء الله في الآخرة إلاَّ بتحصيل محبته والأنس به في الدنيا، ولا تحصل المحبة إلاَّ بالمعرفة، ولا تحصل المعرفة إلاَّ بدوام الفكر، ولا يحصل الأنس إلاَّ بالمحبة ودوام الذكر، ولا تتيسَّر المواظبة على الذكر إلاَّ بإقلاع حب الدنيا من القلب، ولا يقع ذلك إلاّ بترك لذات الدنيا وشهواتها، ولا يمكن ترك المشتهيات إلا بقمع الشهوات، ولا تنقمع الشهوات بشيءٍ كما تنقمع بنار الخوف المحرقة للشهوات. هـ. على نقل صاحب الجواهر. ومَن أسعده الله بلقاء شيخ التربية هان عليه معالجة النفس من غير تعب، في أقرب وقت، بحيث يُغيّبه عنها، ويزُجه في الحضرة، في أقرب زمان، فيدخل في قوله تعالى: {وجوده يومئذ ناضرةٌ إِلى ربها ناظرةٌ} فتحصل له النضرة والنظرة في الدنيا والآخرة, فيفنى عن نظره حسُّ الكائنات, وتظهر أسرار الذات الأزلية للعيان بادية، فيستدل بالله على غيره، فلا يرى سواه، وينشد ما قال الشاعر: شعر : فَلم يَبْق إلاّ الله لم يبقَ كائن فما ثَمَّ موصولٌ ولا ثَمَّ بائِنُ بِذَا جاء بُرهانُ العَيانِ فما أرى بِعَيني إلاَّ عينَه إذْ أُعايِنُ تفسير : قال القشيري: قوله تعالى: {وجوه يومئذٍ ناضرةٌ...} الخ، يُقال: هذه الآية دليل على أنهم بصفة الصحو، ولا يداخلهم حيرة ولا دهش، لأنَّ النضرة من أمارات البسط، والبقاء في حال اللقاء أتم من اللقاء، والرؤية عند أهل التحقيق تقتضي بقاء الرائي.. الخ كلامه. {ووجوه يومئذ باسِرة} وهي وجوه أهل الغفلة، المحجوبين في الدنيا عن شهود الحق، تظن أن يُفعل بها داهية فاقرة، لِما فرّطت في جنبه ـ تعالى ـ من عدم التوجه إليه، كلاَّ، فلترتدع اليوم، ولتنهض قبل فوات الإبان، وهو إذا بلغت الروحُ التراقي، وقيل: مَن راقٍ؟ والتفت الساق بالساق، إلى ربك يومئذ المساق، فيحصل الندم، وقد زلّت القدم، فلا صدّق بوجود الخصوصية عند أربابها، فيصحبهم ليزول عنه الغين والمرض، أي: غين الحجاب ومرض الخواطر والشكوك، ولا صلَّى صلاةَ القلوب، ولكن كذَّب بوجود الطبيب، وتولِّى عنه مع ظهوره، ثم ذهب إلى هواه ودنياه يتمطى، أَوْلَى لك فأَوْلى، أي: أبعدك الله وطردك، ثم أَوْلَى لك فأوْلى، أيحسب الإنسانُ أن يتركه الحقُ سدىً، من غير أن يُرسل له داعياً يدعوه إلى الحق؟ ألم يك نطفة مهينة، ثم صوَّره ونفخ فيه من روحه، أليس ذلك بقادرٍ على أن يُحيي الموتى؟ أي: القلوب والأرواح الميتة، بالعلم والمعرفة، بلى وعزة ربنا إنه لَقادر، "مَن استغرب أن يُنقذه الله من شهوته، وأن يُخرجه من وجود غفلته، فقد استعجز القدرة الإلهية، وكان الله على كل شيء مقتدراً" وبالله التوفيق، وصلّى الله على سيدنا محمد، وآله.

الجنابذي

تفسير : {كَلاَّ} قيل: ردع عن القاء المعاذير وما بينهما اعتراض، وكونه ردعاً عن التّعجيل والتّحريك اولى {بَلْ تُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ} يعنى ليس القاء المعاذير لاصلاح النّفوس او لجهل نقائص النّفس بل لحبّ الدّنيا واصلاحها.

اطفيش

تفسير : {كَلاَّ} ردع للرسول عن عادة العجلة أو للانسان عن الاغترار بالعاجل، وقيل كلا بمعنى حقا وقيل بمعنى الا الاستفتاحية ومعناهما واحد لان كلا منهما للتحقيق والتوكيد لمضمون الجملة غير ان الا تدل على التنبيه وتقع في الاستفتاح وتكسر همزة ان بعدها ولا بد *{بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ} اي الدنيا وشهواتها.

اطفيش

تفسير : {كَلاَّ} ردع لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن العجلة ولو فى طلب العلم وأمر الدين لأَنها إِذا كانت على حد غير لائق كان الخلل كأَنه قيل له - صلى الله عليه وسلم - لا تعجل ولو طبعت كغيرك على العجلة كما عم فى قوله: {بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ} الدنيا إِلا أنه - صلى الله عليه وسلم- لا يوصف بحب الدنيا ولا بترك الآخرة.

الالوسي

تفسير : {كَلاَّ } إرشاد لرسوله صلى الله عليه وسلم وأخذ به عن عادة العجلة وترغيب له عليه الصلاة والسلام في الأناة، وبالغ سبحانه في ذلك لمزيد حبه إياه باتباعه قوله تعالى: {بَلْ تُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ ٱلأَخِرَةَ } تعميم الخطاب للكل كأنه قيل بل أنتم يا بني آدم لما خلقتم من عجل وجبلتم عليه تعجلون في كل شيء ولذا تحبون العاجلة وتذرون الآخرة، ويتضمن استعجالك لأن عادة بني آدم الاستعجال ومحبة العاجلة وفيه أيضاً أن الإنسان وإن كان مجبولاً على ذلك إلا أن مثله عليه الصلاة والسلام ممن هو في أعلى منصب النبوة لا ينبغي أن يستفزه مقتضى الطباع البشرية وأنه إذا نهي صلى الله عليه وسلم عن العجلة في طلب العلم والهدى فهؤلاء ودينهم حب العاجلة وطلب الردى كأنهم نزلوا منزلة من لا ينجع فيهم النهي فإنما يعاتب الأديم ذو البشرة ومنه يعلم أن هذا متصل بقوله سبحانه: {أية : بَلْ يُرِيدُ ٱلإِنسَـٰنُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ }تفسير : [القيامة: 5] فإنه ملوح إلى معنى {بَلْ تُحِبُّونَ} الخ وقوله عز وجل {أية : لاَ تُحَرِّكْ}تفسير : [القيامة: 16] الخ متوسط بين حبي العاجلة حبها الذي تضمنه {بَلْ يُرِيدُ} تلويحاً وحبها الذي آذن به {بَلْ تُحِبُّونَ} تصريحاً لحسن التخلص منه إلى المفاجأة والتصريح ففي ذلك تدرج ومبالغة في التقريع والتدرج وإن كان يحصل لو / لم يؤت بقوله سبحانه {لاَ تُحَرِّكْ} الخ في البين أيضاً إلا أنه يلزم حينئذٍ فوات المبالغة في التقريع وأنه إذا لم تجز العجلة في القرآن وهو شفاء ورحمة فكيف فيما هو فجور وثبور ويزول ما أشير إليه من الفوائد فهو استطراد يؤدي مؤدى الاعتراض وأبلغ وأطلق بعضهم عليه الاعتراض. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ومجاهد والحسن وقتادة والجحدري {تحبون} و{يذرون} بياء الغيبة فيهما وأمر الربط عليها كما تقدم، وهي أبلغ من حيث إن فيها التفاتاً وإخراجاً له عليه الصلاة والسلام من صريح الخطاب بحب العاجلة مضمناً طرفاً من التوبيخ على سبيل الرمز لطفاً منه تعالى شأنه في شأنه صلى الله عليه وسلم وأما القراءة بالتاء ففيها تغليب المخاطب والالتفات وهو عكس الأول. هذا خلاصة ما رمز إليه جار الله على ما أفيد وقد اندفع به قول بعض الزنادقة وشرذمة من قدماء الرافضة أنه لا وجه لوقوع {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ} الخ في أثناء أمور الآخرة ولا ربط في ذلك بوجه من الوجوه وجعلوا ذلك دليلاً لما زعموه من أن القرآن قد غير وبدل وزيد فيه ونقص منه، وللعلماء حماة المسلمين وشهب سماء الدين في دفع كلام كثير منه ما تقدم. وللإمام أوجه فيه منها الحسن ومنها ما ليس كذلك بالمرة. وقال الطيبـي إن قوله تعالى {كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ} متصل بقوله تعالى {أية : وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ}تفسير : [القيامة: 15] أي يقال للإنسان عند إلقاء معاذيره كلا إن أعذارك غير مسموعة فإنك فجرت وفسقت وظننت أنك تدوم على فجورك وأن لا حشر ولا حساب ولا عقاب وذلك من حبك العاجلة والإعراض عن الآخرة وكان من عادة الرسول صلى الله عليه وسلم أنه إذا لقن القرآن أن ينازع جبريل عليه السلام القراءة وقد اتفق عند التلقين للآيات السابقة ما جرت به عادته من العجلة فلما وصل إلى قوله تعالى{أية : وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ}تفسير : [القيامة: 15] أوحي إلى جبريل عليه السلام بأن يلقي إليه عليه الصلاة والسلام ما يرشده إلى أخذ القرآن على أكمل وجه فألقى تلك الجمل على سبيل الاستطراد ثم عاد إلى تمام ما كان فيه بقوله تعالى {كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ} الخ مثاله الشيخ إذا كان يلقن تلميذه درساً أو يلقي إليه فصلاً ورآه في أثناء ذلك يعجل ويضطرب يقول له لا تعجل ولا تضطرب فإني إذ فرغت إن كان لك إشكال أزيله أو كنت تخاف فوتاً فأنا أحفظه ثم يأخذ الشيخ في كلامه ويتممه انتهى فما في البين مناسب لما وقع في الخارج دون المعنى الموحى به. وخصه بعضهم لهذا بالاستطراد وأطلق آخر عليه الاعتراض بالمعنى اللغوي وهذا عندي بعيد لم يتفق مثله في النظم الجليل ولا دليل لمن يراه على وقوع العجلة في أثناء هذه الآيات سوى خفاء المناسبة. وقال أبو حيان يظهر أن المناسبة بين هذه الآية وما قبلها أنه سبحانه لما ذكر منكر القيامة والبعث معرضاً عن آيات الله تعالى ومعجزاته وأنه قاصر شهواته على الفجور غير مكترث بما يصدر منه ذكر حال من يثابر على تعلم آيات الله تعالى وحفظها وتلقنها والنظر فيها وعرضها على من ينكرها رجاء قبوله إياها ليظهر بذلك تباين من يرغب في تحصيل آيات الله تعالى ومن يرغب عنها وبضدها تتبين الأشياء. انتهى وفيه أن هذا إنما يحسن بعد تمام ما يتعلق بذلك المنكر والظاهر أن {أية : لاَ تُحَرِّكْ}تفسير : [القيامة: 16] الخ وقع في البين. وقال القفال قوله تعالى {لاَ تُحَرِّكْ} الخ خطاب للإنسان المذكور في قوله تعالى {أية : يُنَبَّؤُاْ ٱلإِنسَانُ}تفسير : [القيامة: 13] وذلك حال إنبائه بقبائح أفعاله يعرض عليه كتابه فيقال له {أية : ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} تفسير : [الإسراء: 14] فإذا أخذ في القراءة تلجلج لسانه من شدة الخوف وسرعة القراءة فقيل له {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} فإنه يجب علينا بحكم الوعد أو بحكم الحكمة أن نجمع أعمالك وأن نقرأها عليك {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ} عليك {فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ} بالإقرار بأنك فعلت تلك الأفعال أو التأمل فيه {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} أي بيان أمره وشرح عقوبته. والحاصل على هذا أنه تعالى يوقف الكافر على جميع أعماله على التفصيل وفيه أشد الوعيد في الدنيا والتهويل في الآخرة انتهى فضمير {بِهِ} وكذا الضمائر بعد للكتاب المشعر به قوله تعالى {يُنَبَّؤُاْ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ} وكذا قوله تعالى{أية : بَلِ ٱلإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ}تفسير : [القيامة: 14] على قول من يفسر البصيرة بالكتابين ولعل الجملة على هذا الوجه في موضع الحال من مرفوع {يُنَبَّؤُاْ} بتقدير القول كأنه قيل ينبؤ الإنسان يومئذٍ عند أخذ كتابه بما قدم وأخر مقولاً له لا تحرك به لسانك الخ فالربط عليه ظاهر جداً ومن هنا اختاره البلخي ومن تبعه لكنه مخالف للصحيح المأثور الذي عليه الجمهور من أن ذلك خطاب له صلى الله عليه وسلم. والظاهر أن التحريك قبل النهي إنما صدر منه عليه الصلاة والسلام بحكم الإباحة الأصلية فلا يتم احتجاج من جوز الذنب على الأنبياء عليهم السلام بهذه الآية. وقال الإمام لعل ذلك الاستعجال إن كان مأذوناً فيه عليه الصلاة والسلام إلى وقت النهي، وكأنه أراد بالإذن الإذن الصريح المخصوص وفيه بعدما. وعن الضحاك أن النبـي صلى الله عليه وسلم كان يخاف أن ينسى القرآن فكان يدرسه حتى غلب ذلك وشق عليه فنزل {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ} الخ وليس بالثبت ولعل ظاهر الآية لا يساعده. ثم إنه ربما يتخيل في الآية وجه غير ما ذكر عن القفال الربط عليه ظاهر أيضاً وهو أنه يكون الخطاب في {لاَ تُحَرِّكْ} الخ لسيد المخاطبين حقيقة أو من باب إياك أعني واسمعي أو لكل من يصلح له وضمير {بِهِ} ونظائره ليوم القيامة والجملة اعتراض جيء به لتأكيد تهويله وتفظيعه مع تقاضي السباق له فكأنه لما ذكر سبحانه مما يتعلق بذلك اليوم الذي فتحت السورة بإعظامه ما يتعلق قوي داعي السؤال عن توقيته وأنه متى يكون وفي أي وقت يبين لا سيما وقد استشعر أن السؤال عن ذلك إذا لم يكن استهزاء مما لا بأس به فقيل {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ} أي بطلب توقيته {لِسَانَكَ} وهو نهي عن السؤال على أتم وجه كما يقال لا تفتح فمك في أمر فلان {لِتَعْجَلَ بِهِ} لتحصل علمه على عجلة {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ} ما يكون فيه من الجمع {وَقُرْآنَهُ} ما يتضمن شرح أحواله وأهواله من القرآن {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ} قرأنا ما يتعلق به {فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ} بالعمل بما يقتضيه من الاستعداد له {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} إظهاره وقوعاً بالنفخ في الصور وهو الطامة الكبرى، وحاصله لا تسأل عن توقيت ذلك اليوم العظيم مستعجلاً معرفة ذلك فإن الواجب علينا حكمة حشر الجمع فيه وإنزال قرآن يتضمن بيان أحواله ليستعد له وإظهاره بالوقوع الذي هو الداهية العظمى وما عدا ذلك من تعيين وقته فلا يجب علينا حكمة بل هو مناف للحكمة فإذا سألت فقد سألت ما ينافيها فلا تجاب انتهى وفيه ما فيه وما كنت أذكره لولا هذا التنبيه. واللائق بجزالة التنزيل ولطيف إشاراته ما أشار إليه ذو اليد الطولى جار الله تجاوز الله تعالى عن تقصيراته فتأمل فلا حجر على فضل الله عز وجل. ولما ردع سبحانه عن حب العاجلة وترك الأخرة عقب ذلك بما يتضمن تأكيد هذا الردع مما يشير إلى حسن عاقبة حب الآخرة وسوء مغبة العاجلة فقال عز من قائل.

ابن عاشور

تفسير : رجوع إلى مَهيع الكلام الذي بنيت عليه السورة كما يرجِع المتكلم إلى وَصل كلامه بعد أن قطعه عارض أو سائل، فكلمة {كلاّ} ردع وإبطال. يجوز أن يكون إبطالاً لما سبق من قوله: {أية : أيحسب الإِنسان أن لن نجمع عظامه}تفسير : [القيامة: 3] إلى قوله: {أية : ولو ألقى معاذيره}تفسير : [القيامة: 15]، فأعيد {كَلاّ} تأكيداً لنظيره ووصلاً للكلام بإعادة آخر كلمة منه. والمعنى: أن مَزَاعِمَهُم باطلة. وقوله: {بل تحبون العاجلة} إضراب إبطالي يُفصِّل ما أجمله الردع بـ {كّلا} من إبطال ما قبلها وتكذيبِه، أي لا معاذير لهم في نفس الأمر ولكنهم أحبوا العاجلة، أي شهوات الدنيا وتركوا الآخرة، والكلام مشعر بالتوبيخ ومناط التوبيخ هو حب العاجلة مع نبذ الآخرة (فأما لو أحب أحد العاجلة وراعى الآخرة، أي جرى على الأمر والنهي الشرعيين لم يكن مذموماً. قال تعالى فيما حكاه عن الذين أوتوا العلم من قوم قارون {أية : وابتغ فِيما ءاتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا}تفسير : [القصص: 77]. ويجوز أن يكون إبطالاً لما تضمنه قوله: {أية : ولو ألقى معاذيره}تفسير : [القيامة: 15] فهو استئناف ابتدائي. والمعنى: أن معاذيرهم باطلة ولكنهم يحبون العاجلة ويذرون الآخرة، أي آثروا شهواتهم العاجلة ولم يحسبوا للآخرة حساباً. وقرأ الجمهور {تحبون} و {تذرون} بتاء فوقية على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في موعظة المشركين مُواجَهةً بالتفريع لأن ذلك أبلغ فيه. وقرأه ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ويعقوب بياء تحتية على نسق ضمائر الغيبة السابقة، والضمير عائد إلى {الإنسان} في قوله: {أية : بل الإِنسان على نفسه بصيرة}تفسير : [القيامة: 14] جاء ضمير جمع لأن الإِنسان مراد به الناس المشركون، وفي قوله: {بل تحبون} ما يرشد إلى تحقيق معنى الكسب الذي وُفق إلى بيانه الشيخ أبو الحسن الأشعري وهو الميل والمحبة للفعل أو الترك.

القطان

تفسير : ناضرة: حسنة مشرقة، متهللة بما ترى من النعيم. ناظرة: تنظر الى ربها. باسرة: عابسة كالحة. فاقرة: داهية عظيمة تكسر عظام الظهر. التراقي: جمع ترقوة، عظم في اعلى الصدر. من راق: من يرقيه وينجيه مما هو فيه. الفراق: فراق الدنيا والاحباب والاصحاب. التفّت الساق بالساق: التوت احدى الساقين على الأخرى عند نزع الروح. المساق: المرجع والمآب الى الله. يتمطى: يتبختر في مشيته تكبرا وخيلاء. أَولى لك فأَولى: هذه العبارة دعاء على العاصي المتكبر بمعنى ويل لك ثم ويل لك وهلاك لك ايها المكذب. سدى: مهملا لا يسأل. نطفة: ماء قليلا، والجمع نطاف ونطف. يمنى: يراق ويصب في الارحام. علقة: قطعة دم جامد. {كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ.وَتَذَرُونَ ٱلآخِرَةَ}. الخطاب هنا يعود لكل من انكر البعث والجزاء وآثر الدنيا ومتاعها، ولم يعمل للآخرة. ليس الأمرُ كما تقولون من أنكم لا تُبعثون بعد مماتكم، بل أنتم تحبون الدنيا وملذّاتها، وتتركون الآخرةَ ونعيمها. ثم وصف ما يكون يوم القيامة بأن الناس ينقسِمون الى فريقين: أبرار وجوهُهم مشرقة حسنة مضيئة تشاهد عليها نَضْرة النعيم، تنظُر الى ربها عِياناً بلا حجاب. ووجوه يومئذ كالحة شديدة العبوس، تتوقع ان تنزل بها داهية تقصم الظهر. وبعد ذِكر اهوال القيامة، ووصفِ سعادة السعداء وشقاوة الاشقياء - بين ان للدنيا نهاية، وأن الموتَ مصيرُ كل الناس. وان الكافر أضاع الفرصةَ في الدنيا، فلا هو صدَّق بأوامر الدين ولا أدى فرائضه، وبين انه لا بدّ من الجزاء على صالح الأعمال وسيئها، وإلا تساوى المطيع والعاصي، وهذا خلافُ العدل، ولا يَليقُ بخالِق الكون العادل الحكيم. وانه كما قَدر على الخلق الأول وأوجدَ الانسانَ من منيّ يُمنَى، فأهون عليه أن يُعيده خَلقاً آخر. {كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِيَ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ وَظَنَّ أَنَّهُ ٱلْفِرَاقُ} ازدجِروا وتنبهوا الى مصيركم وارتدعوا عن حب الدنيا التي تفارقونها، اذا بلغت الروح عظام النحر، وقال أهل الميت والحاضرون: هل هناك أحد يرقيه ويشفيه مما به؟ وأيقن المحتضر أنه مفارق الدنيا والأهل والمال والأصحاب وبلغت به الشدة اقصاها {وَٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ} فالتوت احداهما على الأخرى وخرجت الروح. {إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمَسَاقُ} الى خالقك المرجع والمآب، فإما الى جنة واما الى النار {فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّىٰ وَلَـٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰ أَهْلِهِ يَتَمَطَّىٰ}. فما صدق هذا الجاحد بوحدانية الله، ولا أدى ما عليه من الصلوات، ولكن كذّب القرآن، فاعرض عن الايمان، وتولى عن طاعة الله، ثم راح يمشي مشية تكبر وخيلاء افتخارا بما صنع. {أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ} ويل لك مرة بعد أخرى، وهذا تهديد ووعيد معناه أولاك الله ما تكرهه، والنار أولى بك وأجدر. ثم اقام الله الدليل على البعث بقوله: {أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى} وهذا ليس عدلا، اذ لا بد من حياة اخرى يجازى فيها كل انسان بما فعل، ولا بد من الجزاء على صالح الاعمال وسيئها، والا تساوى المطيع والعاصي، وذلك ليس عدلا، وهذا لا يليق بالحكيم العادل، الذي خلق هذا الكون المنتظم. ثم بين انه خلق الانسان من شيء صغير لا يُرى، وجعله بهذه المنزلة وهذا التركيب وإعادته اهون عليه فقال: {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ}. الم يكن الانسان نطفة في صلب ابيه، وأودعها الرحم، وخُلق من شيء لا يرى بالعين المجردة، فصار علقة، ثم سواه الله بشرا باحسن تقويم، وجعل منه ذكرا او انثى عمروا هذا الكون فاذا كان الله قادرا على خلقه من لا شيء، ألا يمكنه ان يعيده مرة اخرى؟ بلى انه على كل شيء قدير. وليس خلق الانسان بشيء إذا قيس بخلق هذا الكون العجيب الفسيح الكبير كما قال الله تعالى: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [غافر: 57]. قراءات: قرأ ابن كثير وابو عمرو وابن عامر: كلا بل يحبون العاجلة ويذَرون الآخرة، بالياء، والباقون: بالتاء. وقرأ حفص وابن عامر ورويس: من مني يمنى بالياء كما هو في المصحف. والباقون: من مني تمنى بالتاء. والحمد لله رب العالمين.

د. أسعد حومد

تفسير : (20) - كَلاَّ لَيْسَ الأَمْرُ كَمَا تَقُولُونَ يَا أَيُّهَا المُشْرِكُونَ مِنْ أَنَّكُمْ لاَ تُبْعَثُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ لِلْحِسَابِ وَالجَزَاءِ، وَلَكِنَّ الذِي دَعَاكُمْ إِلَى ذَلِكَ مَحَبَّتُكُمْ لِلدُّنْيَا العَاجِلَةِ، وَإِيثَارُكُمْ شَهَوَاتِكُمْ وَمَلاَذَّكُمْ فِيهَا.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: هذا الذي أوجب لكم الغفلة والإعراض عن وعظ الله وتذكيره أنكم { تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ } وتسعون فيما يحصلها، وفي لذاتها وشهواتها، وتؤثرونها على الآخرة، فتذرون العمل لها، لأن الدنيا نعيمها ولذاتها عاجلة، والإنسان مولع بحب العاجل، والآخرة متأخر ما فيها من النعيم المقيم، فلذلك غفلتم عنها وتركتموها، كأنكم لم تخلقوا لها، وكأن هذه الدار هي دار القرار، التي تبذل فيها نفائس الأعمار، ويسعى لها آناء الليل والنهار، وبهذا انقلبت عليكم الحقيقة، وحصل من الخسار ما حصل. فلو آثرتم الآخرة على الدنيا، ونظرتم للعواقب نظر البصير العاقل لأنجحتم، وربحتم ربحا لا خسار معه، وفزتم فوزا لا شقاء يصحبه. ثم ذكر ما يدعو إلى إيثار الآخرة، ببيان حال أهلها وتفاوتهم فيها، فقال في جزاء المؤثرين للآخرة على الدنيا: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ } أي: حسنة بهية، لها رونق ونور، مما هم فيه من نعيم القلوب، وبهجة النفوس، ولذة الأرواح، { إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } أي: تنظر إلى ربها على حسب مراتبهم: منهم من ينظره كل يوم بكرة وعشيا، ومنهم من ينظره كل جمعة مرة واحدة، فيتمتعون بالنظر إلى وجهه الكريم، وجماله الباهر، الذي ليس كمثله شيء، فإذا رأوه نسوا ما هم فيه من النعيم وحصل لهم من اللذة والسرور ما لا يمكن التعبير عنه، ونضرت وجوههم فازدادوا جمالا إلى جمالهم، فنسأل الله الكريم أن يجعلنا معهم. وقال في المؤثرين العاجلة على الآجلة: { وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ } أي: معبسة ومكدرة، خاشعة ذليلة. { تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ } أي: عقوبة شديدة، وعذاب أليم، فلذلك تغيرت وجوههم وعبست.