٧٥ - ٱلْقِيَامَة
75 - Al-Qiyama (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
22
Tafseer
الرازي
تفسير : قال الليث: نضر اللون والشجر والورق ينضر نضرة، والنضرة النعمة، والناضر الناعم، والنضر الحسن من كل شيء، ومنه يقال للون إذا كان مشرقاً: ناضر، فيقال: أخضر ناضر، وكذلك في جميع الألوان، ومعناه الذي يكون له برق، وكذلك يقال: شجر ناضر، وروض ناضر. ومنه قوله عليه السلام: «حديث : نضر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها» تفسير : الحديث. أكثر الرواة رواه بالتخفيف، وروى عكرمة عن الأصمعي فيه التشديد، وألفاظ المفسرين مختلفة في تفسير الناضر، ومعناها واحد قالوا: مسرورة، ناعمة، مضيئة، مسفرة، مشرقة بهجة. وقال الزجاج: نضرت بنعيم الجنة، كما قال: {أية : تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ } تفسير : [المطففين: 24].
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } الأوّل من النّضْرة التي هي الحسن والنَّعمة. والثاني من النظر أي وجوه المؤمنين مشرقة حسنة ناعمة؛ يقال: نَضَرهم اللَّهُ يَنضرُهم نَضْرة ونَضَارة وهو الإشراق والعيش والغنى؛ ومنه الحديث: « حديث : نَضّر الله ٱمرأً سمع مقالتي فوعاها » تفسير : . «إِلَى رَبِّهَا» إلى خالقها ومالكها «نَاظِرَةٌ» أي تنظر إلى ربها؛ على هذا جمهور العلماء. وفي الباب حديث صُهَيب خرجه مسلم وقد مضى في «يونس» عند قوله تعالى: { أية : لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ } تفسير : [يونس: 26]. وكان ٱبن عمر يقول: أكرم أهل الجنة على الله من ينظر إلى وجهه غُدْوة وَعشية؛ ثم تلا هذه الآية: { أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } تفسير : [القيامة: 22، 23]. وروى يزيد النحوي عن عِكْرمة قال: تنظر إلى ربها نظراً. وكان الحسن يقول: نضرت وجوههم ونظروا إلى ربّهم. وقيل: إن النظر هنا ٱنتظار ما لهم عند الله من الثواب. وروي عن ٱبن عمر ومجاهد. وقال عِكرمة: تنتظر أمر ربها. حكاه الماوردِيّ عن ٱبن عمر وعِكرمة أيضاً. وليس معروفاً إلا عن مجاهد وحده. وٱحتجوا بقوله تعالى: { أية : لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَارَ } تفسير : [الأنعام: 103] وهذا القول ضعيف جدًّا، خارج عن مقتضى ظاهر الآية والأخبار. وفي الترمذيّ عن ٱبن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : «إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جِنانه وأزواجه وخَدمه وسُرره مسيرة ألف سنة وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غُدْوة وعَشيّة» ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَة} تفسير : قال هذا حديث غريب. وقد روي عن ٱبن عمر ولم يرفعه. وفي صحيح مسلم عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم جلّ وعزّ إلا رِداء الكبرياء على وجهه في جَنّة عدن » تفسير : . وروى جرير بن عبد الله قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوساً، فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: « حديث : إنكم سترون ربكم عِياناً كما ترون هذا القمر، لا تُضَامون في رؤيته؛ فإن ٱستطعتم ألاّ تُغلَبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فٱفعلوا » تفسير : . ثم قرأ { أية : وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ } تفسير : [قۤ: 39] متّفق عليه. وخرجه أيضاً أبو داود والترمذيّ وقال حديث حسن صحيح. وخرج أبو داود عن أبي رَزِين العُقَيليّ قال: قلت « حديث : يا رسول الله أكلّنا يرى ربه؟ قال ٱبن معاذ: مُخْلِياً به يوم القيامة؟ قال: «نعم يا أبا رَزِين» قال: وما آية ذلك في خَلْقه؟ قال: «يا أبا رَزِين أليس كلّكم يَرَى القمر» قال ٱبن معاذ: ليلة البدر مُخْلِياً به. قلنا: بلى. قال: «فالله أعظم» قال ٱبن معاذ قال: «فإنما هو خلق من خلق الله ـ يعني القمر ـ فالله أجل وأعظم» »تفسير : . وفي كتاب النسائيّ عن صُهَيب قال: « حديث : فيكشف الحجاب فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئاً أحبّ إليهم من النظر، ولا أقرّ لأعينهم » تفسير : وفي التفسير لأبي إسحاق الثَّعلبيّ عن (أبي) الزبير عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : يتجلّى ربّنا عزّ وجلّ حتى ينظروا إلى وجهه، فيخرّون له سُجَّداً، فيقول ٱرفعوا رؤوسكم فليس هذا بيوم عِبادة »تفسير : قال الثّعلبيّ: قول مجاهد إنها بمعنى تنتظر الثواب من ربّها ولا يراه شيء من خلقه، فتأويل مدخول؛ لأن العرب إذا أرادت بالنظر الإنتظار قالوا نظرته؛ كما قال تعالى: { أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ } تفسير : [الزخرف: 66]، { أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ } تفسير : [الأعراف: 53]، و { أية : مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً } تفسير : [يسۤ: 49] وإذا أرادت به التفكر والتدبر قالوا: نظرت فيه، فأما إذا كان النظر مقروناً بذكر إلى، وذكر الوجه فلا يكون إلا بمعنى الرؤية والعِيان. وقال الأزهريّ: إن قول مجاهد تنتظر ثواب ربّها خطأ؛ لأنه لا يقال نظر إلى كذا بمعنى الانتظار، وإن قول القائل: نظرت إلى فلان ليس إلا رؤية عين، كذلك تقوله العرب؛ لأنهم يقولون نظرت إليه: إذا أرادوا نظر العين، فإذا أرادوا الانتظار قالوا نظرته؛ قال: شعر : فإَّنكُمَا إِنْ تَنْظُرانِيَ ساعةً مِن الدَّهْرِ تَنَفْعَنِي لَدَى أُمَّ جُنْدُبِ تفسير : لما أراد الإنتظار قال تنظراني، ولم يقل تنظران إليّ؛ وإذا أرادوا نظر العين قالوا: نظرت إليه؛ قال: شعر : نظرتُ إليها والنُّجُومُ كأنَّها مَصابِيحُ رُهْبانٍ تُشَبُّ لِقُفَّالِ تفسير : وقال آخر: شعر : نظرتُ إليها بالْمُحْصَّبِ مِنْ مِنًى ولِي نَظَرٌ لولا التَّحَرُّجُ عارِمُ تفسير : وقال آخر: شعر : إِنِّي إليكَ لِمَا وَعَدتَ لنَاظَرٌ نَظَرُ الفقيرِ إلى الغنيِّ المُوسِرِ تفسير : أي إني أنظر إليك بذلّ؛ لأن نظر الذلّ والخضوع أرقّ لقلب المسؤول؛ فأما ما ٱستدلوا به من قوله تعالى: { أية : لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَارَ } تفسير : [الأنعام: 103] فإنما ذلك في الدنيا. وقد مضى القول فيه في موضعه مستوفًى. وقال عطية العوفي: ينظرون إلى الله لا تحيط أبصارهم به من عظمته، ونظره يحيط بها؛ يدل عليه: { أية : لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَارَ } تفسير : [الأنعام: 103] قال القشيريّ أبو نصر: وقيل: «إلًى» واحد الآلاء: أي نعمه منتظرة وهذا أيضاً باطل؛ لأن واحد الآلاء يكتب بالألف لا بالياء، ثم الآلاء: نعمه الدُّفَّع، وهم في الجنة لا ينتظرون دفع نقمة عنهم، والمنتظر للشيء مُتَنغِّص العيش، فلا يوصف أهل الجنة بذلك. وقيل: أضاف النظر إلى الوجه؛ وهو كقوله تعالى: { أية : تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ } تفسير : [البقرة: 25] والماء يجري في النهر لا النهر. ثم قد يذكر الوجه بمعنى العين؛ قال الله تعالى: { أية : فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً } تفسير : [يوسف: 93] أي على عينيه. ثم لا يبعد قلب العادة غداً، حتى يخلق الرؤية والنظر في الوجه؛ وهو كقوله تعالى: { أية : أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ } تفسير : [الملك: 22]، « حديث : فقيل: يا رسول الله! كيف يمشون في النار على وجوههم؟ قال: «الذي أمشاهم على أقدامهم قادر أن يمشيهم على وجوههم» » تفسير : . {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ} أي وجوه الكفار يوم القيامة كالحة كاسفة عابسة. وفي الصحاح: وبَسَر الفحلُ الناقةَ وٱبتسرها: إذا ضربها من غير ضَبَعَة. وبَسَر الرجلُ وجهَه بسُوراً أي كَلَح؛ يقال: عَبَس وبَسَر. وقال السّديّ: «بَاسِرَةٌ» أي متغيرة والمعنى واحد. {تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ} أي توقن وتعلم، والفاقرة: الداهية والأمر العظيم؛ يقال: فقرتْه الفاقرة: أي كسرت فَقَار ظهره. قال معناه مجاهد وغيره. وقال قتادة: الفاقرة الشرّ. السُّديّ: الهلاك. ٱبن عباس وٱبن زيد: دخول النار. والمعنى متقارب. وأصلها الوسم على أنف البعير بحديدة أو نار حتى يخلص إلى العظم، قاله الأصمعي. يقال: فَقَرتُ أنف البعيرِ: إذا حززتَه بحديدة. ثم جعلتَ على موضع الحزِّ الجَرِيرَ وعليه وَتَرٌ مَلْويّ، لِتذلِّلَه بذلك وتَرُوضَه؛ ومنه قولهم: قد عُمِل به الفاقرة. وقال النابغة: شعر : أَبَى لِيَ قَبْرٌ لا يَزالُ مُقَابِلِي وضَرْبَةُ فَأْسٍ فوقَ رَأْسِيَ فَاقِرَهْ
المحلي و السيوطي
تفسير : {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ } أي في يوم القيامة {نَّاضِرَةٌ } حسنة مضيئة.
ابن عبد السلام
تفسير : {نَّاضِرَةٌ} حسنة أو مستبشرة أو ناعمة أو مسرورة.
الخازن
تفسير : {وجوه يومئذ} أي يوم القيامة {ناضرة} من النضارة، وهي الحسن قال ابن عباس: حسنة وقيل مسرورة بالنعيم، وقيل ناعمة، وقيل مسفرة مضيئة، وقيل بيض يعلوها نور وبهاء وقيل مشرقة بالنعيم. {إلى ربها ناظرة} قال ابن عباس وأكثر المفسرين: تنظر إلى ربها عياناً بلا حجاب قال الحسن حق لها أن تنظر وهي تنظر إلى الخالق سبحانه وتعالى، وروي عن مجاهد وأبي صالح أنهما فسرا النّظر في هذه الآية بالانتظار قال مجاهد تنتظر من ربها ما أمر لها به وقال أبو صالح: تنتظر الثّواب من ربها، قال الأزهري: ومن قال إن معنى قوله {إلى ربها ناظرة} بمعنى منتظرة فقد أخطأ لأن العرب لا تقول نظرت إلى الشيء بمعنى انتظرته إنما تقول نظرت فلاناً أي انتظرته ومنه قول الحطيئة: شعر : وقد نظرتكم أعشاء صادرة للورد طال بها حوري وتنساسي تفسير : فإذا قلت نظرت إليه لم يكن إلا بالعين، وإذا قلت نظرت في الأمر احتمل أن يكون تفكر فيه وتدبر بالقلب، وهذا آخر كلامه ويشهد لصحة هذا أن النظر الوارد في التّنزيل بمعنى الانتظار كثير ولم يوصل في موضع بإلى كقوله{أية : انظرونا نقتبس من نوركم}تفسير : [الحديد: 13] وقوله {أية : هل ينظرون إلا تأويله} تفسير : [الأَعراف: 53] {أية : هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله}تفسير : [البقرة: 210] والوجه إذا وصف بالنظر وعدي بإلى لم يحتمل غير الرؤية، وأما قوله أنظر إلى الله ثم إليك على معنى أتوقع فضل الله ثم فضلك، فيكون النّظر إلى الوجه لم يحتمل نظر القلب إنما يجوز هذا إذا لم يسند إلى الوجه، فإذا أسند النظر إلى الوجه لم يحتمل نظر القلب، ولا انتظار وإذا بطل المعنيان لم يبق لبقاء الرّؤية كلام وإن شق ذلك عليهم، والأحاديث الصحيحة تعضد قول من فسر النظر في هذه الآية بالرؤية وسنذكرها إن شاء الله تعالى. (فصل: في إثبات رؤية المؤمنين ربهم سبحانه وتعالى في الآخرة) قال علماء أهل السنة رؤية الله سبحانه وتعالى ممكنة غير مستحيلة عقلاً، وأجمعوا على وقوعها في الآخرة، وأن المؤمنين يرون الله سبحانه، وتعالى دون الكافرين بدليل قوله تعالى: {أية : كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون}تفسير : [المطففين: 15] وزعمت طوائف من أهل البدع كالمعتزلة والخوارج، وبعض المرجئة أن الله تعالى لا يراه أحد من خلقه، وأن رؤيته مستحيلة عقلاً، وهذا الذي قالوه خطأ صريح وجهل قبيح، وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، فمن بعدهم من سلف الأمة على إثبات رؤية الله تعالى، وقد رواها نحو من عشرين صحابياً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآيات القرآن فيها مشهورة، واعتراضات المبتدعة عليها لها أجوبتها مشهورة في كتب المتكلمين من أهل السنة، وكذلك باقي شبههم وأجوبتها مشهورة مستفاضة في كتب الكلام، وليس هذا موضع ذكرها، ثم مذهب أهل الحق أن الرؤية قوة يجعلها الله في خلقه، ولا يشترط فيها اتصال الأشعة، ولا مقابلة المرئي ولا غير ذلك. وأما الأحاديث الواردة في إثبات الرّؤية فمنها ما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه، وأزواجه، ونعيمه وخدمه، وسروره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة}" تفسير : أخرجه التّرمذي وقال: هذا حديث غريب، وقال: وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما ولم يرفعه (ق) "حديث : عن جرير بن عبد الله قال "كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر، وقال إنكم سترون ربكم عياناً كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها فافعلوا ثم قرأ وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشّمس، وقبل الغروب" تفسير : قوله "لا تضامون" روي بفتح التاء وتشديد الميم وقد تضم التاء مع التّشديد أيضاً ومعناه لا ينضم بعضكم إلى بعض ولا تزدحمون وقت النظر إليه، وروي بتخفيف الميم ومعناه لا ينالكم ضيم في رؤيته فيراه بعضكم دون بعض وقوله: "إنكم ترون ربكم عياناً كما ترون القمر" معناه تشبيه الرّؤية بالرّؤية في الوضوح وزوال الشّك والمشقة لا تشبيه المرئي بالمرئي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه "حديث : أن أناساً قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تضارون في القمر ليلة البدر، قالوا: لا يا رسول الله قال: هل تضارون في الشّمس ليس دونها سحاب، قالوا: لا يا رسول الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنكم سترونه كذلك" تفسير : أخرجه أبو داود وأخرجه التّرمذي. وليس عنده في أوله أن أناساً سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا قوله ليس دونها سحاب.قال الترمذي وقد روي مثل هذا الحديث عن أبي سعيد وهو صحيح، وهذا الحديث طرف من حديث طويل قد أخرجه البخاري ومسلم، ومعنى تضارون وتضامون واحد. عن أبي رزين العقيلي قال: "حديث : قلت يا رسول الله أكلنا يرى ربه مخلياً به يوم القيامة؟ قال نعم قلت وما آية ذلك في خلقه؟ قال يا أبا رزين أليس كلكم يرى القمر ليلة البدر مخلياً به قلت بلى قال: فالله أعظم إنما هو خلق من خلق الله يعني القمر فالله أجل وأعظم" تفسير : أخرجه أبو داود (م) عن صهيب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئاً أزيدكم فيقولون ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم تبارك وتعالى" تفسير : والأحاديث في الباب كثيرة وهذا القدر كاف والله أعلم. قوله عز وجل: {ووجوه يومئذ باسرة} أي عابسة كالحة متغيرة مسودة قد أظلمت ألوانها، وعدمت آثار النعمة، والسرور منها لما أدركها من اليأس من رحمة الله تعالى: وذلك حين يميز بين أهل الجنة والنار {تظن} أي تستيقن والظّن هنا بمعنى اليقين {أن يفعل بها فاقرة} أن يفعل بهم أمر عظيم من العذاب والفاقرة الدّاهية العظيمة والأمر الشّديد الذي يكسر فقار الظهر ويقصمه وقيل الفاقرة دخول النار، وقيل هي أن تحجب تلك الوجوه عن رؤية الله تعالى: {كلا} أي حقاً {إذا بلغت} يعني النفس كناية عن غير مذكور {التراقي} جمع ترقوة وهي العظام التي بين ثغرة النحر والعاتق ويكنى ببلوغ النفس التراقي عن الإشراف على الموت ومنه قول دريد بن الصمة: شعر : ورب عظيمة دافعت عنها وقد بلغت نفوسهم التراقي تفسير : {وقيل} يعني وقال من حضره {من راق} أي هل من طبيب يرقيه ويداويه مما نزل به ويشفيه ويخلصه من ذلك برقيته ودوائه، وقيل لما نزل به من قضاء الله ما نزل التمسوا له الأطباء، فلم يغنوا عنه من قضاء الله شيئاً، وقيل هذا من قول الملائكة الذين يحضرونه عند الموت يقول بعضهم لبعض من يرقى بروحه إذا خرجت فيصعد بها ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب، {وظن} أي أيقن الذين بلغت روحه التراقي {أنه الفراق} يعني الخروج من الدنيا وفراق المال ولأهل والولد {والتفت} أي اجتمعت {الساق بالساق} أي الشدة بالشدة يعني شدة مفارقة الدنيا مع شدة الموت وكربه، وقيل شدة الموت بشدة الآخرة، وقيل تتابعت عليه الشدائد لا يخرج من كرب إلا جاءه ما هو أشد منه، وقال ابن عباس: أمر الدنيا بأمر الآخرة فكان في آخر يوم من أيام الدّنيا وأول يوم من أيام الآخرة، وقيل الناس يجهزون جسده والملائكة يجهزون روحه، وقيل هما ساقا الميت إذا لفتا في الكفن، وقيل هما ساقاه عند الموت ألا تراه كيف يضرب بإحدى رجليه على الأخرى عند النزع، وقيل إذا مات يبست ساقاه فالتفت إحداهما بالأخرى.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}[22-23] قال: من قتله حبه فديته رؤيته. ثم قال: جزاء الأعمال الجنة، وجزاء التوحيد النظر إلى الحق عزَّ وجلَّ. وحكي عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال: سيروا للبلاء وتجهزوا للفناء واستعدوا للقاء. وكانت رابعة رضي الله عنها تقول: إلهي، إني أحب الدنيا لأذكرك فيها، وأحب الآخرة لأراك فيها. إلهي، كل ساعة تمر علي لا يكون لساني فيها رطباً بذكرك فهي مشؤومة. إلهي، لا تجمع عليّ أمرين، فإني لا أطيقهما، الإحراق بالنار والفراق منك.
السلمي
تفسير : قال النصرآباذى: من الناس ناس طلبوا الرؤية واشتاقوا إليها ومنهم العارفون الذين اكتفوا برؤية الله لهم فقالوا: رؤيتنا ونظرنا فيه علل ورؤيته ونظره بلا علة فهو أتم بركة وأشمل نفعاً. قال عبد العزيز: الخلق فى لقاء الله عز وجل على ضروب: منهم من يطمع فيه غفلة ومن يطمع فيه جرأة ومنهم من لا يطمع هيبة وهو أفضلهم وأشرفهم وأرجاهم أن يؤهل لذلك. قال الواسطى: نظرت بالتوحيد وابتهجت بالتفريد وزهت بالتجريد. قال أبو سليمان الدارانى: لو لم يكن لأهل المعرفة سرور إلاَّ قوله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} لاكتفوا به وأى سرور أتم من وصول المحب إلى حبيبه والعارف إلى معروفه.
القشيري
تفسير : {نَّاضِرَةٌ}: أي مشرقة حسنة، وهي مشرقة لأنها إلى ربها "ناظرة" أي رائية لله. والنظر المقرون بـ "إلى" مضافاً إلى الوجه لا يكون إلاَّ الرؤية، فالله تعالى يخلق الرؤية في وجوههم في الجنة على قَلْبِ العادة، فالوجوه ناظرة إلى الله تعالى. ويقال: العين من جملة الوجه فاسم الوجه يتناوله. ويقال: الوجهُ لا ينظر ولكنَّ العينَ في الوجهِ هي التي تنظر؛ كما أنَّ النهرَ لا يجري ولكنَّ الماءَ في النهر هو الذي يجري، قال تعالى: {أية : جَنَّٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ}تفسير : [البقرة: 25]. ويقال: في قوله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ} دليل على أنهم بصفة الصحو، ولا تتداخلهم حيرة ولا دَهَش؛ فالنضرة من أمارات البسط لأن البقاء في حال اللقاء أتمُّ من اللقاء. والرؤية عند أهل التحقيق تقتضي بقاء الرائي، وعندهم استهلاكُ العبدِ في وجود الحقِّ أتمُّ؛ فالذين أشاروا إلى الوجود رأوا الوجود أعلى من الرؤية.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} وصف الله وجوه مشاهديه بالنضارة والبشارة والبهجة والسرور وذلك انهم يرونه راضيا عنهم فاذا وجدوه بوصف الرضا زال عن قلوبهم الهيبة وعن وجوههم الصولة نظروا الى جماله فصار وجوههم ناظرة بهيئة مبتهجة مسرورة مستبشرة وذلك من حسن تجلى جماله والأية تدل على ان القوم ينظرون الى الله وهم فى حال الصحو والبسط ولو عاينوه بوصف الجلال والعظمة والكبرياء وصرفا لهالكوا فى اول سطوة من سطواته وصارت وجوههم دهشة يرونه بنوره بل به يرونه وهناك وجود العارف كله عين يرى حبيبه بجميع وجوده وذلك العيون مستفادة من تجلى الحق سبحانه فاذا فهمت هذا فانه تعالى يقوم لهم النظر من نفسه الى نفسه فهناك نظر الحبيب ونظر المحبوب واحد فى معنى الاتحاد قال النصر أبادى من الناس ناس طلبوا الرؤية واشتقاوا اليه ومنهم العارفون الذين اكتفوا برؤية الله لهم فقالوا رؤيتنا ونظرنا فيه علل ورؤيته ونظره لا علة فهو اتم به بركة واشمل نفعا قال الواسطى ناضرة نضرت بالتوحيد وابتهجت بالتفريد وذهبت بالتجريد لان الله فعال لما يريد قال الاستاذ دليل على انهم بصفة الصحو ولا يداخلهم حياء ولا دهش لان النصرة من امارات البسط والبقاء فى حال اللقاء اتم من اللقاء والروية عند اهل التحقيق يقتضى بقاء الرائى وعندهم استهلاك العبد فى وجود الحق اتم.
اسماعيل حقي
تفسير : {وجوه يومئذ ناضرة} النضرة طراوة البشرة وجمالها وذلك من اثر التنعم والناضر الغض الناعم من كل شئ اى وجوه كثيرة وهى وجوه المؤمنين المخلصين يوم اذ تقوم القيامة بهية متهللة يشاهد عليها نضرة النعيم ورونقه كما قال تعالى فى آية اخرى تعرف فى وجوههم نضره النعيم على ان وجوه مبتدأ وناضرة خبره ويومئذ منصوب بناضرة وصحة وقوع النكرة مبتدأ لان المقام مقام تفصيل.
الهواري
تفسير : قال عز وجل: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ} أي: ناعمة {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} أي: تنتظر الثواب، وهي وجوه المؤمنين. وحدثني مسلم الواسطي قال: سمعت أبا صالح يقول في قوله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} قال: تنتظر الثواب من ربها. قال أبو صالح: ما رآه أحد ولا يراه أحد. {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ} أي: كالحة، وهذه وجوه أهل النار {تَظُنُّ} أي: تعلم {أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ}. قال: تظن أن يفعل بها شر. وقال مجاهد تظن أن يفعل بها داهية. وتفسير الكلبي: {أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ} أي: منكرة. قال تعالى: {كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِي} أي: حتى إذا بلغت النفس التراقي، أي: سُلَّت من الرجلين حتى بلغت الترقوتين. {وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ} أي: من يرقَى بعمله. وقال بعضهم: {مَنْ رَاقٍ} أي: من يَرْقيه. قال عز وجل: {وَظَنَّ} أي: وعلم {أَنَّهُ الْفِرَاقُ} أي: فراق الدنيا. قال تعالى: {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ} قال الحسن: مالت الرجلان وانكسرت العينان. قال تعالى: {إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ} أي: يوم القيامة. {الْمَسَاقُ} قال الحسن: يساقون إلى الحساب.
اطفيش
تفسير : {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ} اي ناعمات بضاد معجمة غير مرتفعة، وقال ابن عباس النضارة الحسن وقيل فرحة بالنعيم وقيل مفسره مضيئة وقيل بيض والمراد بالوجوه الاجساد بجملتها لا الوجوه فقط، عبر باسم البعض عن الكل وخصص الوجه لانه معظم الزينة، ويوم متعلق بناضرة وناضرة خبر ومسوغ الابتداء بالنكرة التفصيل.
اطفيش
تفسير : {وُجُوهٌ} مركبة على الأَعناق أو المراد أجساد وعليه عبر بالبعض الأَفضل على الكل وهو مبتدأ ولو نكرة للتفضيل وللتعظيم. {يَوْمَئِذٍ} أى يوم إِذ برق البصر وخسف القمر.. الخ، وكذا فى يومئذ السابق واللاحق متعلق بما بعده لا نعت لوجوه لأَن الذوات لا تقيد بالزمان إِخباراً ولا وصفاً ولا حالاً لعدم الفائدة وأن يفد جاز والتقدير يوم إِذ جاءت الآخرة. {نَّاضِرَةٌ} حسنة مسفرة بيض مشرقة متهللة غضة طرية لما فى القلب من السرور خبر وجوه وقدم يومئذ للحمل على الاهتمام بذلك اليوم لأَن فيه فوز المؤمن وتدمير عدوه الكافر وللفاصلة وليس نعتاً لوجوه والخبر ناظرة لأَن الأَصل فى النعت أن يتقرر عند المخاطب أو يكون بمنزلة المتقرر قبل الخطاب به.
الالوسي
تفسير : أي وجوه كثيرة وهي وجوه المؤمنين المخلصين يوم إذ تقوم القيامة بهية متهللة من عظيم المسرة يشاهد عليها نضرة النعيم على أن {وُجُوهٌ} مبتدأ و{نَّاضِرَةٌ} خبره و{يَوْمَئِذٍ} منصوب بناضرة. و{نَاظِرَةٌ} في قوله تعالى: {إِلَىٰ رَبّهَا نَاظِرَةٌ}.
ابن عاشور
تفسير : المراد بـ {يومئذٍ} يوم القيامة الذي تكرر ذكره بمثل هذا ابتداءً من قوله: {أية : يقول الإِنسان يومئذٍ أين المفر}تفسير : [القيامة: 10]، وأعيد مرتين. والجملة المقدرة المضاف إليها (إذْ)، والمعوَّضُ عنها التنوين تقديرها: يوم إذ بَرَق البصر. وقد حصل من هذا تخلص إلى إجمال حال الناس يوم القيامة بين أهل سعادة وأهل شقاوة. فالوجوه الناضرة وجوه أهل السعادة والوجوه الباسرة وجوه أهل الشقاء، وذلك بين من كلتا الجملتين. وقد علم الناس المعنيَّ بالفريقين مما سبق نزوله من القرآن كقوله في سورة عبس (40 ـ 42): {أية : وَوُجوه يومئذٍ عليها غبرة ترهقها قترة أولئك هم الكفرة الفجرة}تفسير : فعُلم أن أصل أسباب السعادة الإِيمان بالله وحده وتصديق رسُوله صلى الله عليه وسلم والإِيمان بما جاء به الرسول، وأن أصل أسباب الشقاء الإشراك بالله وتكذيب الرسول ونبذ ما جاء به. وقد تضمن صدر هذه السورة ما ينبى بذلك كقوله: {أية : أيحسب الإِنسان أن لن نجمع عظامه}تفسير : [القيامة: 3] وقوله: { أية : بل يريد الإِنسان ليفجر أمامه}تفسير : [القيامة: 5]. وتنكير {وجوه} للتنويع والتقسيم كقوله تعالى: {أية : فريقٌ في الجنة وفريق في السعير}تفسير : [الشورى: 7] وقول الشاعر وهو من أبيات «كتاب الآداب» ولم يعزُه ولا عَزَاهُ صاحبُ «العُباب» في شرحه:شعر : فيومٌ علينا ويومٌ لنا ويومٌ نُساء ويوم نُسَر تفسير : وقول أبي الطيب:شعر : فيوماً بخيل تَطْرُد الروم عنهم وَيْومٌ بِجُود تَطرد الفَقر والجَدْبا تفسير : فالوجوه الناضرة الموصوفةُ بالنضْرة (بفتح النون وسكون الضاد) وهي حسن الوجه من أثر النعمة والفرح، وفعله كنصَر وكرُم وفرِح، ولذلك يقال: ناضر ونَضير ونَضِر، وكُني بنضرة الوجوه عن فرح أصحابها ونعيمهم، قال تعالى في أهل السعادة {أية : تعرف في وجوههم نضرة النعيم} تفسير : [المطففين: 24] لأن ما يحصل في النفس من الانفعالات يظهر أثره. وأخبر عنها خبراً ثانياً بقوله: {إلى ربها ناظرة} وظاهر لفظ {ناظرة} أنه من نظَر بمعنى: عايَن ببصره إعلاناً بتشريف تلك الوجوه أنها تنظر إلى جانب الله تعالى نظراً خاصاً لا يشاركها فيه من يكون دون رتبهم، فهذا معنى الآية بإجماله ثابت بظاهر القرآن وقد أيدتها الأخبار الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم. فقد روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة «حديث : أن أناساً قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هَل تُضَارُّون في رؤية الشمس والقمر إذا كانت صحواً؟ قلنا: لا، قال: فإنكم لا تُضَارُّون في رؤية ربكم يومئذٍ إلاّ كما تضارون في رؤيتهما»تفسير : . وفي رواية «فإنكم ترونه كذلك» وساق الحديث في الشفاعة. وروى البخاري حديث : عن جرير بن عبد الله قال: «كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ نظر إلى القمر ليلة البدر قال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامُون في رؤيته» وربما قال: «سترون ربكم عياناً»تفسير : . وروى مسلم عن صهيب بن سنان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا دخل أهل الجنةِ الجنةَ يقول الله تعالى: تُريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: ألَم تبيّض وجوهنا ألم تُدْخِلْنا الجنة وتنجِّنا من النار، قال: فيَكْشِف الحجابَ فما يُعطَوْن شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم»تفسير : . فدلالة الآية على أن المؤمنين يرون بأبصارهم رؤية متعلقة بذات الله على الإِجمال دلالة ظنية لاحتِمَالها تأويلات تأوَّلَها المعتزلةُ بأن المقصود رؤية جلاله وبهجة قدسه التي لا تخوِّل رؤيتها لغير أهل السعادة. ويلحق هذا بمتشابه الصفات وإن كان مقتضاه ليس إثبات صفة، ولكنه يؤول إلى الصفة ويستلزمها لأنه آيل إلى اقتضاء جهة للذات، ومقدارٍ يُحَاطُ بجميعه أو ببعضِه، إذا كانت الرؤية بصرية، فلا جرم أن يُعد الوعد برؤية أهل الجنة ربَّهم تعالى من قبيل المتشابه. ولعلماء الإِسلام في ذلك أفهام مختلفة، فأما صدر الأمة وسلفها فإنهم جَروا على طريقتهم التي تخلقوا بها من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم من الإِيمان بما ورد من هذا القبيل على إِجماله، وصرف أنظارهم عن التعمّق في تشخيص حقيقته وإدراجه تحت أحد أقسام الحكم العقلي، فقد سمعوا هذا ونظائره كلَّها أو بعضَها أو قليلاً منها، فيما شغلوا أنفسهم به ولا طلبوا تفصيله، ولكنهم انصرفوا إلى ما هو أحق بالعناية وهو التهمّم بإقامة الشريعة وبثّها وتقرير سلطانها، مع الجزم بتنزيه الله تعالى عن اللوازم العارضة لظواهر تلك الصفات، جاعلين إِمامهم المرجوع إليه في كل هذا قولَه تعالى: {أية : ليسَ كمثله شيء}تفسير : [الشوى: 11]، أو ما يقارب هذا من دلائل التنزيه الخاصة بالتنزيه عن بعض ما ورد الوصف به مثل قوله: {أية : لا تدركه الأبصار}تفسير : [الأنعام: 103] بالنسبة إلى مقامنا هذا، مع اتفاقهم على أنّ عدم العلم بتفصيل ذلك لا يقدح في عقيدة الإِيمان، فلما نبعَ في علماء الإِسلام تطلّب معرفة حقائق الأشياء وألْجأهُم البحثُ العلمي إلى التعمق في معاني القرآن ودقائق عباراته وخصوصيات بلاغته، لم يروا طريقة السلف مقنعة لأَفهام أهل العلم من الخَلف لأن طريقتهم في العلم طريقةُ تمحيص وهي اللائقة بعصرهم، وقارِن ذلك ما حدث في فرق الأمة الإِسلامية من النِحل الاعتقادية، وإلقاء شبه الملاحدة من المنتمين إلى الإسلام وغيرهم، وحَدَا بهم ذلك إلى الغوص والتعمق لإِقامة المعارف على أعمدة لا تقبل التزلزل، ولدفع شبه المتشككين ورد مطاعن الملحدين، فسلكوا مسالك الجمع بين المتعارضات من أقوال ومعان وإقرارِ كلِّ حقيقة في نصابها، وذلك بالتأويل الذي يقتضيه المقتضي ويعضده الدليل. فسلكت جماعات مسالك التأويل الإِجمالي بأن يعتقدوا تلك المتشابهات على إجمالها ويوقنوا التنزيه عن ظواهرها ولكنهم لا يفصِّلون صَرفها عن ظواهرها بل يُجملون التأويل، وهذه الطائفة تُدعى السلفية لقرب طريقتها من طريقة السلف في المتشابهات، وهذه الجماعات متفاوتة في مقدار تأصيل أصولها تفاوتاً جعلها فرقاً: فمنهم الحنابلة، والظاهرية، الخوارج الأقدمون غير الذين التزموا طريقة المعتزلة. ومنهم أهل السنة الذين كانوا قبل الأشعري مثل المالكية وأهل الحديث الذين تمسكوا بظواهر ما جاءت به الأخبار الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم مع التقييد بأنها مؤوَّلة عن ظواهرها بوجه الإِجمال. وقد غلا قوم من الآخذين بالظاهر مثل الكَرّامية والمشبهة فألحقوا بالصنف الأول. ومنهم فِرق النُّظَّارين في التوفيق بين قواعد العلوم العقلية وبين ما جاءت به أقوال الكتاب والسنة وهؤلاء هم المعتزلة، والأشاعرة، والماتريدية. فأقوالهم في رؤية أهل الجنة ربَّهم ناسجة على هذا المنوال: فالسلف أثبتوها دون بحث، والمعتزلة نفوها وتأولوا الأدلة بنحو المجاز والاشتراك، وتقدير محذوف لمعارضتها الأصول القطعية عندهم فرجحوا ما رأوْه قطعياً وألْغَوْها. والأشاعرة أثبتوها وراموا الاستدلال لها بأدلة تفيد القطع وتبطل قول المعتزلة ولكنهم لم يبلغوا من ذلك المبلغ المطلوب. وما جاء به كل فريق من حجاج لم يكن سالماً من اتجاه نقوض ومُنُوع ومعارضات، وكذلك ما أثاره كل فريق على مخالفيه من معارضات لم يكن خالصاً من اتجاه مُنُوع مجردة أو مع المستندات، فطال الأخذ والرد. ولم يحصل طائل ولا انتهى إلى حد. ويحسن أن نفوض كيفيتها إلى علم الله تعالى كغيرها من المتشابه الراجع إلى شؤون الخالق تعالى. وهذا معنى قول سلفنا: إنها رؤية بلا كيف وهي كلمة حق جامعة، وإن اشمأزّ منها المعتزلة. هذا ما يتعلق بدلالة الآية على رؤية أهل الجنة ربهم، وأمّا ما يتعلق بأصل جواز رؤية الله تعالى فقد مضى القول فيها عند قوله تعالى: {أية : قال لن تراني}تفسير : في سورة الأعراف (143). وتقديم المجرور من قوله: {إلى ربها} على عامله للاهتمام بهذا العطاء العجيب وليس للاختصاص لأنهم ليرون بهجات كثيرة في الجنة. وبين {ناضرة} و {ناظرة} جناس محرف قريب من التامّ. وسوغ الابتداء بالنكرة في قوله: {وجوهٌ يومئذٍ ناضرة} أنها أُرِيدَ بها التفصيل والتقسيم لمقابلتِه بقوله: {ووجوهٌ يومئذٍ باسرة}، على حد قول الشاعر: شعر : فيومُ علينا ويومٌ لنا ويومٌ نُساء ويوم نسر تفسير : وأما الوجوه الباسرة فنوع ثان من وجوه الناس يومئذٍ هي وجوه أهل الشقاء. وأعيد لفظ {يومئذٍ} تأكيداً للاهتمام بالتذكير بذلك اليوم. و {باسرة}: كالحة مِن تيقن العذاب، وتقدم عند قوله تعالى: {أية : ثم عبس وبسر}تفسير : في سورة المدثر (22). فجملة {تَظُنّ أن يُفْعَل بها فاقرة} استئناف بياني لبيان سبب بُسُورها. و {فاقرة}: داهية عظيمة، وهو نائب فاعل {يُفعل بها} ولم يقترن الفعل بعلامة التأنيث لأن مرفوعهُ ليس مؤنثاً حقيقياً، مع وقوع الفصل بين الفعل ومرفوعه، وكلا الأمرين يسوغ ترك علامة التأنيث. وإِفراد {فاقرة} إفراد الجنس، أي نوعاً عظيماً من الداهية. والمعنى: أنهم أيقنوا بأن سيلاقوا دواهي لا يُكتنه كنهها.
الشنقيطي
تفسير : تقدم بيانه للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، عند قوله تعالى: {أية : قَالَ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي }تفسير : [الأعراف: 143].
د. أسعد حومد
تفسير : {يَوْمَئِذٍ} (22) - وَفِي ذَلِكَ اليَوْمِ تَكُونَ وُجُوه المُؤْمِنِينَ الأَبْرَارِ نَضِرَةً مُشْرِقَةً بِالنَّعِيمِ. نَاضِرَةٌ - مُشْرِقَةٌ مُتَهَلِّلَةٌ.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا المبارك بن فضالة، عن الحسن في قوله، عز وجل: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ} [الآية: 22]. قال: حسنة، {إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [الآية: 23]. قال: تنظر إِلى ربها، حسّنها الله بالنظر إِليه، وحق لها أَن تنضر وهي تنظر إِلى ربها، عز وجل.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} معناه مُشرقةٌ. وناظرةٌ: مُنتظرةٌ للثوابِ. قال الإِمام زيد بن علي عليهما السلام: إنما قَولهُ نَاظرةٌ: إلى أمرِ رَبِّها نَاظرةٌ مِنَ النَّعيمِ والثَّوابِ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ} [القيامة: 22]؛ يعني: إذا برق البصر يرى وجوهاً مسرورة منظرة منعمة بمشاهدة جمال وجه الرب، {إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 23] بلا حجاب كلما ينظر إلى نضارة وجه الناظر وقرارة عينه وحق لها تنظر وتفر، وكلما تزيد نضارة الوجه وقرارة العين يتنعم بمشاهدة جمال وجه الرب أكثر من الأول؛ لأن حسن جماله بلا نهاية، والناظر بقدر قرارة عينه يقدر أن يشاهد ذلك الجمال، فكلما يزداد قربه يزداد حسن جماله في نظره ولأجل هذا لا يستريح الواصلون من العمل بعد وصولهم إلى الأصل و{أية : لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَامِلُونَ}تفسير : [الصافات: 61]، وعلى هذه المشاهدة {أية : فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَافِسُونَ}تفسير : [المطففين: 26] فعلامة الواصل إلى هذا المقام في الدنيا زيادة عشطه عند شرب ماء مشاهدته، فكلَّما يزداد عطشه إلى أبد الآباد، وسر هذا الحرف يتعلق بحد القرآن، فاجتهد في أن تصل إلى هذه الكرامة العظيمة في الدنيا؛ لأن استيفاء حظك منها مع الآلات والأدوات يزيد نفعاً فما يرى بعد نزع الآلات والأدوات. {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ} [القيامة: 24]؛ أي: عابسة كالحة مغتنمة قبيحة مكدرة من سوء أعمالهم، وقبح أفعالهم، وكدورة أخلاقهم، {تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ} [القيامة: 25] يظن أحد إن أراها أن إصابتها واهية، وهو بنفسه رأى وجهه ويتألم من مشاهدة وجهه القبيح العابس، ولا بد له من مشاهدته؛ لأنه كبسه لنفسه بنفسه، وهو غمر غائب عنه لمحة، بل صار عين وجوده القبح والألم، وهذا من العذاب الأليم نعوذ بالله منه. {كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِيَ} [القيامة: 26]؛ يعني: حقاً إذا بلغت روح كل واحد ترقونه، {وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ} [القيامة: 27] ولا راق له إلا الحق، {وَظَنَّ أَنَّهُ ٱلْفِرَاقُ} [القيامة: 28] ويتيقن صاحبه بأن لا راق له، وإن لا بد له من فراق الدنيا وهجرانها، {وَٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ} [القيامة: 29]؛ يعني: من الهيبة والشدة المتتابعة، وهذه حالة سيشاهدها السالك في أثناء سلوكه وقت ظهور قياسته، واشتغاله بما لا يعنيه في اليوم الذي وقعت له هذه الوا قعة وهذه من أصعب الحالات، فينبغي للسالك إذا رجع في واقعته يستغفر مما كان عليه قلبه. {إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمَسَاقُ} [القيامة: 30] لا ينفع لف الساق بالساق عن ساقه إلى ربه؛ لأن حضرة الرب مرجع الكل يساق الناس إليه شاءوا أم أبوا.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [22-23] 657 - أنا محمدُ بن عبد الأعلى، نا محمدٌ - يعني: ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزُّهري، عن عطاءِ بن يزيد اللَّيثي، عن أبي هريرة قال: حديث : قال الناسُ: يا رسول اللهِ هل نرى ربَّنا يوم القيامة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "هل تُضارون في الشمسِ ليس دُونها سحابٌ؟" قالوا: لا، قال: "هل تُضارون في القمر ليلة البدرِ ليس دونهُ سحابٌ؟" قالوا: لا يا رسول اللهِ، قال: "فإنكم ترونه يوم القيامةِ كذلك ". تفسير : 658 - أخبرني إبراهيم بن يعقوب، نا أبو النُّعمان، نا أبو عوانةَ. [وَ] أنا أبو داودَ، نا محمدُ بن سُليمان، نا أبو عوانةَ، عن موسى بن أبي عائشة، عن سعيد بن جُبيرٍ، قال: قلت لابن عباسٍ: {أية : أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ}تفسير : [القيامة: 34] قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزله اللهُ عزَّ وجلَّ؟ قال: قاله رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم ثم أنزلهُ اللهُ. - اللَّفْظُ لإبراهيمَ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):