٧٥ - ٱلْقِيَامَة
75 - Al-Qiyama (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
36
Tafseer
الرازي
تفسير : أي مهملاً لا يؤمر، ولا ينهى، ولا يكلف في الدنيا ولا يحاسب بعمله في الآخرة، والسدى في اللغة المهمل يقال: أسديت إبلي إسداء أهملتها. واعلم أنه تعالى لما ذكر في أول السورة، قوله: {أية : أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَـٰنُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ } تفسير : [القيامة: 3] أعاد في آخر السورة ذلك، وذكر في صحة البعث والقيامة دليلين الأول: قوله: {أية : أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَـٰنُ أَن يُتْرَكَ سُدًى } تفسير : [القيامة: 36] ونظيره قوله: {أية : إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ } تفسير : [طه: 15] وقوله: {أية : أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِى ٱلأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ } تفسير : [صۤ: 28] وتقريره أن إعطاء القدرة والآلة والعقل بدون التكليف والأمر بالطاعة والنهي عن المفاسد يقتضي كونه تعالى راضياً بقبائح الأفعال، وذلك لا يليق بحكمته، فإذاً لا بد من التكليف والتكليف لا يحسن ولا يليق بالكريم الرحيم إلا إذا كان هناك دار الثواب والبعث والقيامة. الدليل الثاني: على صحة القول بالحشر الاستدلال بالخلقة الأولى على الإعادة، وهو المراد من قوله تعالى.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ} أي يظن ٱبن آدم {أَن يُتْرَكَ سُدًى} أي أن يُخَلَّى مُهمَلاً، فلا يُؤمَر ولا يُنهَى؛ قاله ٱبن زيد ومجاهد، ومنه إبل سُدًى: ترعى بلا راعٍ. وقيل: أيحسب أن يترك في قبره كذلك أبداً لا يُبعَث. وقال الشاعر: شعر : فأُقسِمُ بالله جهدَ الَيَمِيــنِ ما تَرَك الله شيئاً سُدَى تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ} أي من قطرة ماء تُمنَى في الرَّحِم، أي تُراق فيه؛ ولذلك سمّيت (مِنًى) لإراقة الدماء. وقد تقدّم. والنطفة: الماء القليل؛ يقال: نَطَف الماء: إذا قطر. أي ألم يك ماءً قليلاً في صُلْب الرجل وترائب المرأة. وقرأ حفص «مِن مَنِيًّ يُمْنَى» بالياء، وهي قراءة ٱبن محيصن ومجاهد ويعقوب وعَيَّاش عن أبي عمرو، وٱختاره أبو عبيد لأجل المنيّ. الباقون بالتاء لأجل النطفة. وٱختاره أبو حاتم. {ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً} أي دماً بعد النطفة، أي قد رَتبه تعالى بهذا كله على خِسَّة قدره. ثم قال: {فَخَلَقَ} أي فقدّر {فَسَوَّىٰ} أي فسوّاه تسويةً، وعدَّله تعديلاً، يجعل الروح فيه {فَجَعَلَ مِنْهُ} أي من الإنسان. وقيل: من المنيّ. {ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ} أي الرجل والمرأة. وقد ٱحتج بهذا من رأى إسقاط الخُنثى. وقد مضى في سورة «الشورى» أن هذه الآية وقرينتها إنما خرجتا مخرج الغالب. وقد مضى في أوّل سورة «النساء» أيضاً القول فيه، وذكرنا في آية المواريث حكمه، فلا معنى لإعادته {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ} أي أليس الذي قدَر على خلق هذه النَّسَمة من قطرة من ماء {بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ } أي على أن يعيد هذه الأجسام كهيئتها للبعث بعد البِلَى. وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه كان إذا قرأها قال: « حديث : سبحانك اللّهم، بَلَى » تفسير : وقال ٱبن عباس: من قرأ { أية : سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ } تفسير : [الأعلى: 1] إماماً كان أو غيره فليقل: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى». ومن قرأ {لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} إلى آخرها إماماً كان أو غيره فليقل: «سبحانك اللَّهُمَّ، بَلَى» ذكره الثعلبيّ من حديث أبي إسحاق السَّبِيعيّ عن سعيد بن جبير عن ٱبن عباس. ختمت السورة والحمد لله.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَيَحْسَبُ } يظنّ {ٱلإِنسَٰنُ أَن يُتْرَكَ سُدًى } هملاً لا يكلف بالشرائع؟ أي لا يحسب ذلك.
ابن عبد السلام
تفسير : {سُدىً} مهملاً لا يعترض عليه أو باطِلاً لا يبعث أو ملغى لا يؤمر ولا ينهى أو عبثاً لا يحاسب ولا يعاقب.
ابن عادل
تفسير : قوله: {أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ}، أي: أيظن ابن آدم "أن يترك سُدى" أي: أن يخلى مهملاً، فلا يؤمر ولا ينهى. قاله ابن زيد ومجاهد. وقيل: أن يترك في قبره أبداً كذلك لا يبعث، و "سدى" حال من فاعل "يترك" ومعناه: مهملاً، يقال: إبل سدى، أي: مهملة. وقال الشاعر: [المتقارب] شعر : 5016 - وأقْسِمُ باللَّهِ جَهْدَ اليَمِيــ ــنِ ما خلقَ اللَّهُ شَيْئاً سُدَى تفسير : أي: مهملاً، وأسديت حاجتي، أو ضيعتها، ومعنى أسدى إليه معروفاً، أي: جعله بمنزلة الضائع عند المسدى إليه لا يذكره ولا يمن به عليه. قوله: {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةٌ}. العامة: على الياء من تحت في "يك" رجوعاً إلى الإنسان. والحسن: بتاء الخطاب، على الالتفات إليه توبيخاً له. وقوله: {مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ}. قرأ حفص: "يُمْنَى" بالياء من تحت. وفيه وجهان: أحدهما: أن الضمير عائد على المني - أي يصب - فتكون الجملة في محل جر. والثاني: أنه يعود للنطفة، لأن تأنيثها مجازيّ؛ ولأنها في معنى الماء. قاله أبو البقاء. وهذا إنما يتمشى على قول ابن كيسان. وأما النحاة فيجعلونه ضرورة؛ كقوله: [المتقارب] شعر : 5017 -................. ولا أرْضَ أبْقلَ إبْقَالهَا تفسير : وقرأ الباقون: "تُمْنَى" بالتاء من فوق على أن الضمير للنطفة، فعلى هذه القراءة وعلى الوجه المذكور قبلها تكون الجملة في محل نصب؛ لأنها صفة المنصوب. فصل في معنى الآية والمعنى من قطرة ما تمنى في الرحم، أي تراق فيه، ولذلك سميت "منى" لإراقة الدماء، والنُّطفة: الماء القليل، ويقال: نطف الماء، أي: قطر، أي ألم يك ماء قليلاً في صلب الرجل وترائب المرأة، فنبه تعالى بهذا على خسة قدره. ثم قال تعالى: {فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ} أي: فسواه تسوية، وعدله تعديلاً بجعل الروح فيه. وقيل: فخلق فقد فسوى فعدل. وقيل: "فخلق" أي: نفخ فيه "فسوى" فكمل أعضاءه. قاله ابن عباس ومقاتل. {فَجَعَلَ مِنْهُ} أي: من الإنسان. وقيل: من المني "الزوجين، الذكر والأنثى" أي: الرجل والمرأة. فقوله تعالى {ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ} يجوز أن يكونا بدلين من الزوجين على لغة من يرى إجراء المثنى إجراء المقصور، وقد تقدم تحقيقه في "طه" ومن ينسب إليه هذه اللغة والاستشهاد على ذلك [طه: 63]. فصل فيمن احتج بالآية على إسقاط الخنثى قال القرطبي: وقد احتج بهذه الآية من رأى إسقاط الخنثى وقد مضى في سورة "الشورى" أن هذه الآية وقرينتها إنما خرجت مخرج الغالب. فإن قيل: ما فائدة قوله: "يمنى" في قوله تعالى {من منيّ يمنى}؟ فالجواب فيه إشارة إلى حقارة حاله، كأنه قيل: إنه مخلوق من المني الذي يجري مجرى النَّجاسة، فلا يليق بمثل هذا أن يتمرد عن طاعة الله - تعالى - إلا أنه عبر عن هذا المعنى على سبيل الرمز، كما في قوله تعالى في "عيسى ومريم" - عليهما الصلاة والسلام - {أية : كَانَا يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ}تفسير : [المائدة: 75] والمراد منه قضاء الحاجةِ. قوله تعالى: {أَلَيْسَ ذَلِكَ بَقَادِرٍ} أي: أليس الذي قدر على خلق هذه النسمة من قطرة ماء. وقوله: "بقَادرٍ" اسم فاعل مجرور بـ"باء" زائدة في خبر "ليس" وهذه قراءة العامة. وقرأ زيد بن علي: "يقدر" فعلاً مضارعاً. والعامة: على نصب "يحيى" بـ"أن" لأن الفتحة خفيفة على حرف العلة. وقرأ طلحة بن سليمان والفياض بن غزوان: بسكونها، فإما أن يكون خفف حرف العلة بحذف حرف الإعراب. وإما أن يكون أجرى الوصل مجرى الوقف، وجمهور النَّاس على وجوب فك الإدغام. قال أبو البقاء: لئلا يجمع بين ساكنين لفظاً وتقديراً. يعني أن الحاء ساكنة، فلو أدغمنا لسكنا الياء الأولى أيضاً للإدغام، فيلتقي ساكنان لفظاً، وهو متعذر النطق، فهذان ساكنان لفظاً. وأما قوله: تقديراً؛ فإن بعض الناس جوز الإدغام في ذلك، وقراءته أن يُحْيِّ، وذلك أنه لما أراد الإدغام نقل حركة الياء الأولى إلى الحاء فأدغمها فالتقى ساكنان، الحاء لأنها ساكنة في الأصل قبل النقل إليها والياء؛ لأن حركتها نقلت من عليها إلى الحاء؛ واستشهد الفراء لهذه القراءة بقول الشاعر: [الكامل] شعر : 5018 - تَمْشِي بِسُدَّة بَيْتهَا فَتُعيّ تفسير : وأما أهل "البصرة" فلا يدغمونه ألبتة قالوا: لأن حركة الياء عارضة إذ هي للإعراب. وقال مكي: وقد أجمعوا على عدم الإدغام في حال الرفع، وأما في حال النصب فقد أجازه الفرَّاء لأجل تحرك الياء الثانية، وهو لا يجوز عند البصريين، لأن الحركة عارضة. قال شهاب الدين: ادعاؤه الإجماع مردود بالبيت الذي تقدم إنشاده عن الفراء، وهو قوله: "فتعيّ" فهذا مرفوع وقد أدغم، ولا يبعد ذلك لأنه لما أدغم ظهرت تلك الحركة لسكون ما قبل الياء بالإدغام". فصل في معنى الآية المعنى الذي قدر على خلق هذه النسمة من قطرة ماء قادر على أن يحيي الموتى أي: أن يعيد هذه الأجسام كهيئتها للبعث بعد البِلَى. روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : أنَّه كَانَ إذَا قَرأهَا، قال: "سُبحَانَكَ اللَّهُمَّ وبَلَى" . تفسير : وقال ابن عباس: من قرأ {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} إماماً كان أو غيره فليقل:"سُبْحَانَ ربِّيّ الأعْلَى" ومن قرأ: {أية : لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} تفسير : [القيامة:1] إلى آخرها فليقل: سبحانك اللهم بلى، إماماً كان أو غير. روى الثعلبي عن أبيّ بن كعب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنَ قَرَأ سُورةَ القِيامةِ شَهِدتُ أنَا وجِبْريلُ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أنه كَانَ مُؤمِناً بِيوم القِيامَةِ وجَاءَ وَوجْههُ يُسْفِرُ عَن وُجُوهِ الخَلائقِ يَوْمَ القِيامَةِ"تفسير : . والله أعلم وأحكم.
اسماعيل حقي
تفسير : {ايحسب الانسان ان يترك سدى} اى يحيى حال كونه مهملا فلا يكلف ولا يجزى وقيل ان يترك فى قبره فلا يبعث والسدى المهمل يقال اسديت ابلى اسداء اى اهملتها وتقول اسديت حاجتى وسديتها اذا اهملتها ولم تقضها وتكرير الانكار لحسبانها يتضمن تكرير انكاره للحشر ويتضمن الاستدلال على صحة البعث ايضا وتقريره ان اعطاء القدرة والآلة والفعل بدون التكليف والامر بالمحاسن والنهى عن المفاسد يقتضى كونه تعالى راضيا بقبائح الاعمال وذلك لا يليق بحكمته اذا لا بد من التكليف فى الدنيا والتكليف لا يليق بالكريم الرحيم الا لان يميز الذين آمنوا وعملوا الصلاحات من المفسدين فى الارض ولا يجعل المتقين كالفجار ويجازى كل نفس بما تسعى والمجازاة قد لا تكون فى الدنيا فلا بد من البعث والقيامة وانما لم تكن الدنيا دار المجازاة لضيقها وقد قال بعض الكبار من طلب تعجيل نتائج اعماله واحواله فى هذه الدار فقد اساء الادب وعامل الموطن بما لا تقتضيه حقيقته.
الجنابذي
تفسير : {أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى} مهملاً.
اطفيش
تفسير : {أَيَحْسَبُ} يظن أو يعلم *{الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً} مهملا لا يكلف ولا يجازى ولا يبعث فهذه دلالة عل الحشر وإنكار على منكره، لأن الحكمة تقتضي الأمر بالمحاسن والنهي عن القبائح والتكليف لا يتحقق إلا للمجازاة وهي قد لا تكون في الدنيا فتكون في الآخرة قاله القاضي.
اطفيش
تفسير : ذكر هذا بعد قوله ايحسب الإِنسان أن لن نجمع عظامه للتأْكيد وزاده حسناً ذكر إِنكار الحشر قبلة تكريراً لإِنكاره قبل، أى أنه أى الانسان أو الشأن وسدى مفعول ثان ليترك أى مهملاً أو حال ومعنى إِهماله أن لا يكلف ولا يجازى أو يترك فى قبره بلا بعث والاستفهام إِنكاراً قيل الآية دليل عقلى على البعث من حيث إِن الحكمة تقتضى الأَمر بالمحاسن والنهى عن القبائح وذلك تكليف وهو لا يتحقق إِلا بالمجازاة وقد لا تكون فى الدنيا فتكون فى الآخرة فلا بد من البعث لتكون الآخرة ويرده أنه لا يلزم الجزاء على التكليف عقلا ولا يلزم السيد أجرة لعبده عقلاً لأَنه ملك له ولا سيما المالك الخالق عز وجل، وأنه لا يلزم عقلا أن يكون الجزاء جزاء الآخرة وأنه يجوز عقلاً أن يكون لبعض فى الدنيا ولبعض فى الآخرة.
الالوسي
تفسير : أي مهملاً فلا يكلف ولا يجزى وقيل أن يترك في قبره فلا يبعث ويقال إبل سدى أي مهملة ترعى حيث شاءت بلا راع وأسديت الشيء أي أهملته وأسديت حاجتي ضيعتها ولم أعتن بها قال الشاعر: شعر : فأقسم بالله جهد اليمـ ـين ما خلق الله شيئاً سدى تفسير : ونصب (سدى) على الحال من ضمير {يُتْرَكَ} و{أَن يُتْرَكَ} في موضع المفعولين ليحسب والاستفهام إنكاري وكأن تكريره بعد قوله تعالى {أية : أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ}تفسير : [القيامة: 3] لتكرير إنكار الحشر قيل مع تضمن الكلام الدلالة على وقوعه حيث إن الحكمة تقتضي الأمر بالمحاسن والنهي عن القبائح والرذائل والتكليف لا يتحقق إلا بمجازاة وهي قد لا تكون في الدنيا فتكون في الآخرة وجعل بعضهم هذا استدلالاً عقلياً على وقوع الحشر وفيه بحث لا يخفى.
ابن عاشور
تفسير : استئناف ابتدائي عاد به الكلام إلى الاستدلال على إمكان البعث وهو ما ابتُدىء به فارتبط بقوله: {أية : أيحسب الإِنسان أن لن نجمع عظامه}تفسير : [القيامة: 3] فكأنه قيل: أيحسب أن لن نجمع عظامه ويحسبُ أن نتركه في حالة العدم. وزيد هنا أن مقتضى الحكمة الإِلٰهية إيقاعُه بقوله: {أن يُترك سُدى} كما ستعلمه. والاستفهام إنكاري مثل الذي سبقه في قوله تعالى: {أية : أيحسب الإِنسان أن لن نجمع عظامه}تفسير : [القيامة: 3]. وأصل معنى الترك: مفارقة شيء شيئاً اختياراً من التَّارك، ويطلق مجازاً على إهمال أحد شيئاً وعدم عنايته بأحواله وبتعهده، وهو هنا مستعمل في المعنى المجازي. والمراد بما يترك عليه الإِنسان هنا ما يدل عليه السياق، أي حالَ العدم دون إحياء مما دل عليه قوله تعالى: {أية : أيحسب الإِنسان أن لن نجمع عظامه}تفسير : [القيامة: 3] وقوله: {أية : يُنَبَّأُ الإِنسان يومئذٍ بما قدَّم وأخر}تفسير : [القيامة: 13]. وعُدل عن بناء فعل يَترك للفاعل فبني للنائب إيجازاً لأجل العلم بالفاعل من قوله السابق: {أن لن نجمع عظامه} فكأنه قال: أيحسب الإِنسان أن نتركه دون بعث وأن نهمل أعماله سدى. فجاء ذِكر {سُدى} هنا على طريقة الإِدماج فيما سيق له الكلام، إيماء إلى أن مقتضى حكمة خلق الإِنسان أن لا يتركه خالقه بعد الموت فلا يحييه ليجازِيه على ما عَمِله في حياته الأولى. وفي إعادة {أيحسب الإنسان} تهيئة لما سيعقب من دليل إمكان البعث من جانب المادة بقوله: {أية : ألم يك نطفة}تفسير : [القيامة: 37] إلى آخر السورة. فقوله: {أيحسب الإِنسان أن يترك سدى} تكرير وتعداد للإِنكار على الكافرين تكذيبهم بالعبث، ألا ترى أنه وقع بعد وصف يوم القيامة وما فيه من الحساب على ما قدّم الإِنسان وأخّر. ومعنى هذا مثل قوله تعالى: {أية : أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون}تفسير : [المؤمنون: 115]. و {سُدى} بضم السين وبالقصر: اسم بمعنى المهمل ويقال: سَدى بفتح السِّين والضمُّ أكثر وهو اسم يستوي فيه المفرد والجمع يقال: إبل سُدًى، وجمل سُدًى ويشتق منه فعل فيقال: أسْدى إبله وأسديت إِبلي، وألفه منقلبة عن الواو. ولم يفسر صاحب «الكشاف» هذه الكلمة وكذلك الراغب في المفردات ووقع {سُدى} في موضع الحال من ضمير {يُترك}. فإن الذي خلق الإِنسان في أحسن تقويم وأبدَعَ تركيبه ووهبه القوى العقلية التي لم يعطها غيره من أنواع الحيوان لِيستعملها في منافعَ لا تنحصر أو في ضد ذلك مِن مفاسد جسيمة، لا يليق بحكمته أن يهمله مثل الحيوان فيجعل الصالحين كالمفسدين والطائعين لربهم كالمجرمين، وهو العليم القدير المتمكن بحكمته وقدرته أن يجعل إليهِ المصير، فلو أهمله لفاز أهل الفساد في عالم الكساد، ولم يلاق الصالحون من صلاحهم إلاّ الأَنكاد، ولا يناسب حكمة الحكيم إهمال الناس يَهِيمُون في كل وادي، وتركُهم مَضرباً لقولِ المثل «فإنّ الريح للعادِي». ولذلك قال في جانب الاستدلال على وقوع البعث {أية : أيحسب الإِنسان أن لن نجمع عظامه}تفسير : [القيامة: 3]، أي لا نعيد خلقه ونبعثَه للجزاء كما أبلغناهم، وجاء في جانب حكمته بما يشابه الأسلوب السابق فقال: {أيحسب الإِنسان أن يُترك سُدى} مع زيادة فائدة بما دلت عليه جملة {أن يترك سدى}، أي لا يحسب أنه يترك غير مَرعِيّ بالتكليف كما تُترك الإِبل، وذلك يقتضي المجازاةَ. وعن الشافعي: لم يختلف أهل العلم بالقرآن فيما علمتُ أن السُّدَى الذي لا يؤمر ولا ينهى اهـ. وقد تبين من هذا أن قوله: {أن يترك سدى} كناية عن الجزاء لأن التكليف في الحياة الدنيا مقصود منه الجزاء في الآخرة.
الشنقيطي
تفسير : رد على زعم أنه خلق سدى وهملاً، وأنه لا يحاسب ولا يسأل وبالتالي لا يبعث. وقد تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، بيان ذلك عند قوله تعالى: {أية : أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ لآَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ}تفسير : [المؤمنون: 115-116] أي تعالى الله عن العبث، وقد ساق الشيخ الأدلة الوافية هناك.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 36- أيحسب هذا الإنسان المنكر للبعث أن يُترك مهملاً يرتع فى حياته، ثم يموت ولا يبعث فيحاسب على عمله؟!!. 37، 38- ألم يك الإنسان نطفة من مَنِىٍّ يقدر تكوينه فى الرحم، ثم صار قطعة دم جامد، فخلقه الله، فسواه فى أحسن تقويم؟!. 39- فجعل منه الصنفين الذكر والأنثى. 40- أليس ذلك المبدع الفعَّال لهذه الأشياء بقادر على أن يُحْيى الموتى بعد جمع عظامهم؟.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلإِنسَانُ} (36) - أَيَظُنُّ الإِنْسَانُ المُنْكِرُ لِلْبَعْثِ أَنَّ اللهَ خَلَقَهُ بِغَيْرِ غَايَةٍ، وَأَنَّهُ يَتْرُكُهُ وَشَأْنَهُ فِي الحَيَاةِ يَفْعَلُ فِيهَا مَا يَشَاءُ، لاَ يُؤْمَرُ بِأَمْرٍ، وَلاَ يُنْهَى عَنْ نَهْيٍ، وَلاَ يُبْعَثُ وَلاَ يُحَاسَبُ؟ كَلاَّ إِنَّهُ لَنْ يُتْرَكَ سُدًى، وَسَيُبْعَثُ وَسَيُحَاسَبُ عَلَى جَمِيعِ أَعْمَالِهِ. يُتْرَكَ سُدًى - مُهْمَلاً فَلاَ يُكَلَّفُ وَلاَ يُجَازَى.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى} معناه مُهملٌ، لا يُؤمرُ، ولا يُنهى، ولا يُحاسبُ، ولا يُعذبُ.
همام الصنعاني
تفسير : 3418- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {أَن يُتْرَكَ سُدًى}: [الآية: 36]، قال: أن يُهْمَل.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):