٧٦ - ٱلْإِنْسَان
76 - Al-Insan (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
1
Tafseer
الرازي
تفسير : اتفقوا على أن {هَلُ } ههنا وفي قوله تعالى: {أية : هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَـٰشِيَةِ } تفسير : [الغاشية: 1] بمعنى قد، كما تقول: هل رأيت صنيع فلان، وقد علمت أنه قد رآه، وتقول: هل وعظتك هل أعطيتك، ومقصودك أن تقرره بأنك قد أعطيته ووعظته، وقد تجيء بمعنى الجحد، تقول: وهل يقدر أحد على مثل هذا، وأما أنها تجيء بمعنى الاستفهام فظاهر، والدليل على أنها ههنا ليست بمعنى الاستفهام وجهان الأول: ما روي أن الصديق رضي الله عنه لما سمع هذه الآية قال: يا ليتها كانت تمت فلا نبتلي، ولو كان ذلك استفهاماً لما قال: ليتها تمت، لأن الاستفهام، إنما يجاب بلا أو بنعم، فإذا كان المراد هو الخبر، فحينئذ يحسن ذلك الجواب الثاني: أن الاستفهام على الله تعالى محال فلا بد من حمله على الخبر. المسألة الأولى: اختلفوا في الإنسان المذكور ههنا فقال: جماعة من المفسرين يريد آدم عليه السلام، ومن ذهب إلى هذا قال: إن الله تعالى ذكر خلق آدم في هذه الآية ثم عقب بذكر ولده في قوله: {أية : إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ } تفسير : [الإنسان: 2]، والقول الثاني: أن المراد بالإنسان بنو آدم بدليل قوله: {إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ } فالإنسان في الموضعين واحد، وعلى هذا التقدير يكون نظم الآية أحسن. المسألة الثانية: {حِينٍ } فيه قولان: الأول: أنه طائفة من الزمن الطويل الممتد وغير مقدر في نفسه والثاني: أنه مقدر بالأربعين، فمن قال: المراد بالإنسان هو آدم قال المعنى: أنه مكث آدم عليه السلام أربعين سنة طيناً إلى أن نفخ فيه الروح، وروى عن ابن عباس أنه بقي طيناً أربعين سنة وأربعين من صلصال وأربعين من حمأ مسنون فتم خلقه بعد مائة وعشرين سنة، فهو في هذه المدة ما كان شيئاً مذكوراً، وقال الحسن: خلق الله تعالى كل الأشياء ما يرى وما لا يرى من دواب البر والبحر في الأيام الستة التي خلق فيها السموات والأرض وآخر ما خلق آدم عليه السلام وهو قوله: {لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً } فإن قبل: إن الطين والصلصال والحمأ المسنون قبل نفخ الروح فيه ما كان إنساناً، والآية تقتضي أنه قد مضى على الإنسان حال كونه إنساناً حين من الدهر مع أنه في ذلك الحين ما كان شيئاً مذكوراً، قلنا: إن الطين والصلصال إذا كان مصوراً بصورة الإنسان ويكون محكوماً عليه بأنه سينفخ فيه الروح وسيصير إنساناً صح تسميته بأنه إنسان، والذين يقولون الإنسان هو النفس الناطقة، وإنها موجودة قبل وجود الأبدان، فالإشكال عنهم زائل واعلم أن الغرض من هذا التنبيه على أن الإنسان محدث، ومتى كان كذلك فلا بد من محدث قادر. المسألة الثالثة: لم يكن شيئاً مذكوراً محله النصب على الحال من الإنسان كأنه قيل: هل أتى عليه حين من الدهر غير مذكور أو الرفع على الوصف لحين، تقديره: هل أتى على الإنسان حين لم يكن فيه شيئاً.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً } «هَلْ»: بمعنى قد؛ قاله الكسائي والفراء وأبو عبيدة. وقد حكي عن سيبويه «هَلْ» بمعنى قد. قال الفراء: هل تكون جَحْداً، وتكون خبراً، فهذا من الخبر؛ لأنك تقول: هل أعطيتك؟ تُقَرِّره بأنك أعطيته. والجحد أن تقول: هل يقدر أحد على مثل هذا؟ وقيل: هي بمنزلة الاستفهام، والمعنى: أتى. والإنسان هنا آدم عليه السلام؛ قاله قتادة والثَّوريّ وعِكرمة والسّديّ. وروي عن ٱبن عباس. {حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ} قال ٱبن عباس في رواية أبي صالح: أربعون سنة مرّت به، قبل أن ينفخ فيه الروح، وهو ملقى بين مكة والطائف. وعن ٱبن عباس أيضاً في رواية الضحاك أنه خلق من طين، فأقام أربعين سنة، ثم من حَمَإٍ مسنون أربعين سنة، ثم من صَلْصال أربعين سنة، فتم خلقه بعد مائة وعشرين سنة. وزاد ٱبن مسعود فقال: أقام وهو من تراب أربعين سنة، فتم خلقه بعد مائة وستين سنة، ثم نفخ فيه الروح. وقيل: الحين المذكور ها هنا: لا يُعْرف مقدارُه؛ عن ٱبن عباس أيضاً، حكاه الماورديّ. {لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً} قال الضحاك عن ٱبن عباس: لا في السماء ولا في الأرض. وقيل: أي كان جسداً مصوّراً تراباً وطيناً، لا يُذكَر ولا يُعرَف، ولا يُدرَى ما ٱسمه ولا ما يراد به، ثم نُفِخ فيه الرُّوح، فصار مذكوراً؛ قاله الفراء وقطرب وثعلب. وقال يحيـى بن سلاّم: لم يكن شيئاً مذكوراً في الخَلْق وإن كان عند الله شيئاً مذكوراً. وقيل: ليس هذا الذِّكر بمعنى الإخبار، فإن إخبار الربّ عن الكائنات قديم، بل هذا الذِّكر بمعنى الخطر والشرف والقدر؛ تقول: فلان مذكور أي له شرف وقدر. وقد قال تعالى: { أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ } تفسير : [الزخرف: 44] أي قد أتى على الإنسان حين لم يكن له قَدْر عند الخليقة. ثم لما عَرَّف الله الملائكة أنه جعل آدم خليفة، وحمَّله الأمانة التي عجز عنها السموات والأرض والجبال، ظهر فضله على الكل، فصار مذكوراً. قال القُشيريّ: وعلى الجملة ما كان مذكوراً للخلق، وإن كان مذكوراً لله. وحكى محمد ابن الجهم عن الفراء: «لَمْ يَكُنْ شَيْئاً» قال: كان شيئاً ولم يكن مذكوراً. وقال قوم: النفي يرجع إلى الشيء؛ أي قد مضى مُدَد من الدهر وآدم لم يكن شيئاً يذكر في الخليقة؛ لأنه آخر ما خلقه من أصناف الخليقة، والمعدوم ليس بشيء حتى يأتي عليه حين. والمعنى: قد مضت عليه أزمنة وما كان آدم شيئاً ولا مخلوقاً ولا مذكوراً لأحد من الخليقة. وهذا معنى قول قتادة ومقاتل: قال قتادة: إنما خلق الإنسان حديثاً ما نعلم من خليقة الله جل ثناؤه خليقة كانت بعد الإنسان. وقال مقاتل: في الكلام تقديم وتأخير، وتقديره: هل أتى حين من الدهر لم يكن الإنسان شيئاً مذكوراً؛ لأنه خلقه بعد خلق الحيوان كله، ولم يخلق بعده حيواناً. وقد قيل: «الإنسان» في قوله تعالى: {هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ} عُنِيَ به الجنس من ذرّية آدم، وأن الحين تسعة أشهر، مدّة حمل الإنسان في بطن أمه {لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً}: إذ كان علقة ومضغة؛ لأنه في هذه الحالة جماد لا خطر له. وقال أبو بكر رضي الله عنه لما قرأ هذه الآية: ليتها تَمَّت فلا نُبْتَلى. أي ليت التي أتت على آدم لم تكن شيئاً مَذْكُوراً تَمَّت على ذلك، فلا يلد ولا يُبْتَلى أولادُه. وسمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلاً يقرأ {هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً } فقال ليتها تَمَّت. قوله تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ} أي ٱبن آدم من غير خلاف {مِن نُّطْفَةٍ} أي من ماء يقطُر وهو المنيّ، وكل ماء قليل في وعاء فهو نطفة؛ كقول عبد الله بن رواحة يعاتب نفسه: شعر : مالي أَرَاكِ تَكْرَهِينَ الْجَنَّهْ هل أنتِ إِلاَّ نُطْفةٌ في شَنَّهْ تفسير : وجمعها: نَطف ونِطَاف. {أَمْشَاجٍ}: أخلاط. واحدها: مِشْج ومَشِيج، مثل خِدْن وخَدِين؛ قال: رؤبة: شعر : يَطْرحْن كُلَّ مُعْجَلٍ نَشَّاجِ لَمْ يُكْسَ جِلْداً في دَمٍ أَمْشَاجِ تفسير : ويقال: مَشَجتُ هذا بهذا أي خلطته، فهو مَمْشوج ومَشِيج؛ مثل مَخْلوط وخَلِيط. وقال المبرّد: واحد الأمشاج: مشيج؛ يقال: مشج يمشِج: إذا خلط، وهو هنا ٱختلاط النطفة بالدم؛ قال الشَّمَّاخ: شعر : طَوَتْ أَحْشَاء مُرْتِجَةٍ لِوَقْتٍ على مَشَج سُلاَلَتُهُ مَهِينُ تفسير : وقال الفراء: أمشاج: أخلاط ماء الرجل وماء المرأة، والدم والعَلَقة. ويقال للشيء من هذا إذا خُلط: مَشِيج كقولك خَلِيط، ومَمْشوج كقولك مَخْلوط. وروي عن ٱبن عباس رضي الله عنه قال: الأمشاج: الحمرة في البياض، والبياض في الحمرة. وهذا قول يختاره كثير من أهل اللغة؛ قال الهُذليّ: شعر : كَأَنَّ الرِّيشَ والْفُوقَيْنِ مِنْهُ خِلاَفَ النَّصْلِ سِيطَ به مَشِيجُ تفسير : وعن ٱبن عباس أيضاً قال: يختلط ماء الرجل وهو أبيض غليظ بماء المرأة وهو أصفر رقيق فيخلق منهما الولد، فما كان من عصب وعظم وقوّة فهو من ماء الرجل، وما كان من لحم ودم وشعر فهو من ماء المرأة. وقد روي هذا مرفوعاً؛ ذكره البزار. وروي عن ٱبن مسعود: أمشاجها عروق المضغة. وعنه: ماء الرجل وماء المرأة وهما لونان. وقال مجاهد: نطفة الرجل بيضاء ونطفة المرأة خضراء وصفراء. وقال ٱبن عباس: خلق من ألوان؛ خلق من تراب، ثم من ماء الفرج والرحم، وهي نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظم ثم لحم. ونحوه قال قتادة: هي أطوار الخلق: طور وطور علقة وطور مضغة عظام ثم يكسو العظام لحماً؛ كما قال في سورة «المؤمنون» { أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ } تفسير : [المؤمنون: 12] الآية. وقال ٱبن السِّكِّيت: الأمشاج الأخلاط؛ لأنها ممتزجة من أنواع فخلق الإنسان منها ذا طبائع مختلفة. وقال أهل المعاني: والأمشاج ما جمع وهو في معنى الواحد؛ لأنه نعت للنطفة؛ كما يقال: بُرْمَةٌ أَعشَار وثوبٌ أخلاقٌ. وروي عن أبي أيوب الأنصاريّ: قال « حديث : جاء حبر من اليهود إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: أخبرني عن ماء الرجل وماء المرأة؟ فقال: «ماء الرجل أبيض غليظ وماء المرأة أصفر رقيق فإذا عَلاَ ماء المرأة آنثَتْ وإذا عَلاَ ماءُ الرجل أَذْكَرَتْ» فقال الحبر: أشهد أن لا إلٰه إلا الله وأنك رسول الله » تفسير : . وقد مضى هذا القول مستوفًى في سورة «البقرة». {نَبْتَلِيهِ} أي نختبره. وقيل: نقدر فيه الابتلاء وهو الاختبار. وفيما يختبر به وجهان: أحدهما ـ نختبره بالخير والشر؛ قاله الكلبي: الثاني ـ نختبر شكره في السَّراء وصبره في الضَّرَّاء؛ قاله الحسن. وقيل: «نَبْتَلِيهِ» نُكلِّفه. وفيه أيضاً وجهان: أحدهما ـ بالعمل بعد الخلق؛ قاله مقاتل. الثاني ـ بالدِّين ليكون مأموراً بالطاعة ومنهيًّا عن المعاصي. وروي عن ٱبن عباس: «نَبْتَلِيهِ»: نصرفه خلقاً بعد خلق؛ لنبتليه بالخير والشر. وحكى محمد بن الجهم عن الفراء قال: المعنى والله أعلم {فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً} لنبتليه، وهي مُقدَّمة معناها التأخير. قلت: لأن الابتلاء لا يقع إلا بعد تمام الخِلْقة. وقيل: {فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً}: يعني جعلنا له سمعاً يسمع به الهدى، وبصراً يبصر به الهدى. قوله تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ} أي بيّنا له وعَرَّفناه طريق الهدى والضلال، والخير والشرّ ببعث الرسل، فآمن أو كفر؛ كقوله تعالى: { أية : وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ } تفسير : [البلد: 10]. وقال مجاهد: أي بيّنا له السبيل إلى الشَّقاء والسَّعادة. وقال الضحاك وأبو صالح والسّديّ: السبيل هنا خروجه من الرحم. وقيل: منافعه ومضارّه التي يهتدي إليها بطبعه وكمال عقله. {إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً} أي أيهما فعل فقد بيّنا له. قال الكوفيون: «إِن» ها هنا تكون جزاء و «ما» زائدة أي بيّنا له الطريق إن شَكَر أو كَفَر. وٱختاره الفراء ولم يجزْه البصريون؛ إذ لا تدخل «إِنْ» للجزاء على الأسماء إلا أن يضمر بعدها فعل. وقيل: أي هديناه الرشد، أي بيّنا له سبيل التوحيد بنصب الأدلة عليه؛ ثم إن خلقنا له الهداية ٱهتدى وآمن، وإن خذلناه كَفَر. وهو كما تقول: قد نصحت لك، إن شئت فاقبل، وإن شئت فٱترك؛ أي فإن شئت، فتحذف الفاء. وكذا {إِمَّا شَاكِراً} والله أعلم. ويقال: هديته السبيل وللسبيل وإلى السبيل. وقد تقدّم في «الفاتحة» وغيرها. وجمع بين الشاكر والكفور، ولم يجمع بين الشكور والكفور مع ٱجتماعهما في معنى المبالغة؛ نفياً للمبالغة في الشكر وإثباتاً لها في الكفر؛ لأن شكر الله تعالى لا يُؤدَّى، فٱنتفت عنه المبالغة، ولم تنتف عن الكفر المبالغة، فقَلَّ شكره، لكثرة النِّعم عليه وكَثرة كفره وإن قَلّ مع الإحسان إليه. حكاه الماورديّ.
البيضاوي
تفسير : مكية وآيها إِحدى وثلاثون آية بسم الله الرحمن الرحيم {هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَـٰنِ } استفهام تقرير وتقريب ولذلك فسر بقد وأصله أهل كقوله:شعر : أهل رَأَوْنَا بِسَفْحِ القَاعِ ذِي الأَكم تفسير : {حِينٌ مّنَ ٱلدَّهْرِ } طائفة محدودة من الزمان الممتد الغير المحدود. {لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً } بل كان شيئاً منسياً غير مذكور بالإِنسانية كالعنصر والنطفة، والجملة حال من {ٱلإِنسَـٰنَ } أو وصف لـ {حِينٍ } بحذف الراجع والمراد بالإِنسان الجنس لقوله: {إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ } أو آدم بين أولاً خلقه ثم ذكر خلقه بنيه. {أَمْشَاجٍ } أخلاط جمع مشج أو مشج أو مشيج من مشجت الشيء إذا خلطته، وجمع النطفة به لأن المراد بها مجموع مني الرجل والمرأة وكل منهما مختلف الأجزاء في الرقة والقوام والخواص، ولذلك يصير كل جزء منهما مادة عضو. وقيل مفرد كأعشار وأكباش. وقيل ألوان فإن ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اختلطا اخضرا، أو أطوار فإن النطفة تصير علقة ثم مضغة إلى تمام الخلقة. {نَّبْتَلِيهِ } في موضع الحال أي مبتلين له بمعنى مريدين اختباره أو ناقلين له من حال إلى حال فاستعير له الابتلاء. {فَجَعَلْنَـٰهُ سَمِيعاً بَصِيراً } ليتمكن من مشاهدة الدلائل واستماع الآيات، فهو كالمسبب عن الابتلاء ولذلك عطف بالفاء على الفعل المقيد به ورتب عليه قوله: {إِنَّا هَدَيْنَـٰهُ ٱلسَّبِيلَ } أي بنصب الدلائل وإنزال الآيات. {إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً } حالان من الهاء، و {أَمَّا } للتفصيل أو التقسيم أي {هَدَيْنَـٰهُ } في حاليه جميعاً أو مقسوماً إليهما بعضهم {شَـٰكِراً } بالاهتداء والأخذ فيه، وبعضهم كفور بالإِعراض عنه، أو من {ٱلسَّبِيلِ } ووصفه بالشكر والكفر مجاز. وقرىء {أَمَّا } بالفتح على حذف الجواب ولعله لم يقل كافراً ليطابق قسيمه محافظة على الفواصل، وإشعاراً بأن الإِنسان لا يخلو عن كفران غالباً وإنما المؤاخذ به التوغل فيه. {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ سَلَـٰسِلَ } بها يقادون. {وَأَغْلَـٰلاً } بها يقيدون. {وَسَعِيراً } بها يحرقون، وتقديم وعيدهم وقد تأخر ذكرهم لأن الإِنذار أهم وأنفع، وتصدير الكلام وختمه بذكر المؤمنين أحسن، وقرأ نافع والكسائي وأبو بكر «سلاسلا» للمناسبة. {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ } جمع بر كأرباب أو بار كأشهاد. {يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ } من خمر وهي في الأصل القدح تكون فيه. {كَانَ مِزَاجُهَا } ما يمزج بها. {كَـٰفُوراً } لبرده وعذوبته وطيب عرفه وقيل اسم ماء في الجنة يشبه الكافور في رائحته وبياضه. وقيل يخلق فيها كيفيات الكافور فتكون كالممزوجة به. {عَيْناً } بدل من {كَـٰفُوراً } إن جعل اسم ماء أو من محل {مِن كَأْسٍ } على تقدير مضاف، أي ماء عين أو خمرها أو نصب على الاختصاص أو بفعل يفسره ما بعدها. {يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ } أي ملتذاً بها أو ممزوجاً بها، وقيل الباء مزيدة أو بمعنى من لأن الشرب مبتدأ منها كما هو. {يُفَجّرُونَهَا تَفْجِيراً } يجرونها حيث شاءوا إجراء سهلاً. {يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ } استئناف ببيان ما رزقوه لأجله كأنه سئل عنه فأجيب بذلك، وهو أبلغ في وصفهم بالتوفر على أداء الواجبات لأن من وفى بما أوَجَبه على نفسه لله تعالى كان أوفى بما أوجبه الله تعالى عليه. {وَيَخَـٰفُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ } شدائده. {مُسْتَطِيراً } فاشياً غاية الانتشار من استطار الحريق والفجر، وهو أبلغ من طار، وفيه إشعار بحسن عقيدتهم واجتنابهم عن المعاصي. {وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبّهِ } حب الله تعالى أو الطعام أو الإِطعام. {مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً } يعني أسراء الكفار فإنه صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بالأسير فيدفعه إلى بعض المسلمين فيقول «حديث : أحسن إليه»تفسير : أو الأسير المؤمن ويدخل فيه المملوك والمسجون، وفي الحديث «حديث : غريمك أسير فأحسن إلى أسيرك».
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن الإنسان: أنه أوجده بعد أن لم يكن شيئاً يذكر؛ لحقارته وضعفه، فقال تعالى: {هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَـٰنِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً}؟ ثم بين ذلك فقال جل جلاله: {إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ} أي: أخلاط، والمشج والمشيج: الشيء المختلط بعضه في بعض، قال ابن عباس في قوله تعالى: {مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ} يعني: ماء الرجل وماء المرأة إذا اجتمعا واختلطا، ثم ينتقل بعد من طور إلى طور، وحال إلى حال، ولون إلى لون، وهكذا قال عكرمة ومجاهد والحسن والربيع ابن أنس: الأمشاج: هو اختلاط ماء الرجل بماء المرأة. وقوله تعالى: {نَّبْتَلِيهِ} أي: نختبره؛ كقوله جل جلاله: {أية : لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} تفسير : [الملك: 2] {فَجَعَلْنَـٰهُ سَمِيعاً بَصِيراً} أي: جعلنا له سمعاً وبصراً يتمكن بهما من الطاعة والمعصية. وقوله جل وعلا: {إِنَّا هَدَيْنَـٰهُ ٱلسَّبِيلَ} أي: بيناه له، ووضحناه وبصرناه به؛ كقوله جل وعلا: {أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَـٰهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ} تفسير : [فصلت: 18] وكقوله جل وعلا: { أية : وَهَدَيْنَـٰهُ ٱلنَّجْدَينِ} تفسير : [البلد: 10] أي: بينا له طريق الخير وطريق الشر، وهذا قول عكرمة وعطية وابن زيد ومجاهد في المشهور عنه، والجمهور. وروي عن مجاهد وأبي صالح والضحاك والسدي: أنهم قالوا في قوله تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَـٰهُ ٱلسَّبِيلَ} يعني: خروجه من الرحم، وهذا قول غريب، والصحيح المشهور الأول. وقوله تعالى: {إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً} منصوب على الحال من الهاء في قوله: {إِنَّا هَدَيْنَـٰهُ ٱلسَّبِيلَ} تقديره: فهو في ذلك إما شقي وإما سعيد؛ كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كل الناس يغدو، فبائع نفسه فموبقها، أو معتقها»تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن ابن خثيم عن عبد الرحمن بن سابط عن جابر ابن عبد الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن عجرة: «حديث : أعاذك الله من إمارة السفهاء» تفسير : قال: وما إمارة السفهاء؟ قال: «حديث : أمراء يكونون من بعدي، لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي، فمن صدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فأولئك ليسوا مني ولست منهم، ولا يردون على حوضي، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم، فأولئك مني وأنا منهم، وسيردون على حوضي. يا كعب بن عجرة الصوم جنة، والصدقة تطفىء الخطيئة، والصلاة قربات ــــ أو قال: برهان ــــ يا كعب بن عجرة إنه لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت، النار أولى به، يا كعب الناس غاديان، فمبتاع نفسه فمعتقها، وبائع نفسه فموبقها» تفسير : ورواه عن عفان عن وُهَيب عن عبد الله بن عثمان بن خثيم به. وقد تقدم في سورة الروم عند قوله جل جلاله: {أية : فِطْرَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا} تفسير : [الروم: 30] من رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه، فإذا أعرب عنه لسانه، فإما شاكراً وإما كفوراً»تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر، حدثنا عبد الله بن جعفر عن عثمان بن محمد عن المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما من خارج يخرج إلا ببابه رايتان: راية بيد ملك، وراية بيد شيطان، فإن خرج لما يحب الله، اتبعه الملك برايته، فلم يزل تحت راية الملك حتى يرجع إلى بيته، وإن خرج لما يسخط الله، اتبعه الشيطان برايته، فلم يزل تحت راية الشيطان حتى يرجع إلى بيته».
المحلي و السيوطي
تفسير : {هَلُ } قد {أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَٰنِ } آدم {حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ } أربعون سنة {لَمْ يَكُنِ } فيه {شَيْئاً مَّذْكُوراً } كان فيه مصوّرا من طين لا يذكر أوالمراد بالإِنسان الجنس وبالحين مدّة الحمل.
الشوكاني
تفسير : حكى الواحدي عن المفسرين، وأهل المعاني أن {هَلُ } هنا بمعنى قد، وليس باستفهام، وقد قال بهذا سيبويه، والكسائي، والفراء، وأبو عبيدة. قال الفراء: هل تكون جحداً، وتكون خبراً، فهذا من الخبر؛ لأنك تقول: هل أعطيتك تقرّره بأنك أعطيته، والجحد أن تقول: هل يقدر أحد على مثل هذا وقيل: هي وإن كانت بمعنى قد، ففيها معنى الاستفهام، والأصل: أهل أتى، فالمعنى: أقد أتى، والاستفهام للتقرير والتقريب، والمراد بالإنسان هنا آدم، قاله قتادة، والثوري، وعكرمة، والسديّ وغيرهم {حِينٌ مّنَ ٱلدَّهْرِ } قيل: أربعون سنة قبل أن ينفخ فيه الروح. وقيل: إنه خلق من طين أربعين سنة، ثم من حمأ مسنون أربعين سنة، ثم من صلصال أربعين سنة، فتم خلقه بعد مائة وعشرين سنة. وقيل: الحين المذكور هنا لا يعرف مقداره. وقيل المراد بالإنسان بنو آدم، والحين مدّة الحمل، وجملة: {لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً } في محل نصب على الحال من الإنسان، أو في محل رفع صفة لحين. قال الفراء، وقطرب، وثعلب: المعنى أنه كان جسداً مصوّراً تراباً وطيناً لا يذكر، ولا يعرف ولا يدرى ما اسمه، ولا ما يراد به، ثم نفخ فيه الروح فصار مذكوراً. وقال يحيـى بن سلام: لم يكن شيئًا مذكوراً في الخلق، وإن كان عند الله شيئًا مذكوراً. وقيل: ليس المراد بالذكر هنا الإخبار، فإن إخبار الربّ عن الكائنات قديم، بل هو الذكر بمعنى الخطر والشرف، كما في قوله: {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ }تفسير : [الزخرف: 44]. قال القشيري: ما كان مذكوراً للخلق وإن كان مذكوراً لله سبحانه. قال الفراء: كان شيئًا ولم يكن مذكوراً. فجعل النفي متوجهاً إلى القيد. وقيل المعنى: قد مضت أزمنة وما كان آدم شيئًا، ولا مخلوقاً ولا مذكوراً لأحد من الخليقة. وقال مقاتل: في الكلام تقديم وتأخير، وتقديره: هل أتى حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكوراً؛ لأنه خلقه بعد خلق الحيوان كله، ولم يخلق بعده حيوان. {إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ } المراد بالإنسان هنا: ابن آدم. قال القرطبي: من غير خلاف، والنطفة: الماء الذي يقطر، وهو المنيّ، وكل ماء قليل في وعاء فهو نطفة، وجمعها نطف، و{أَمْشَاجٍ } صفة لنطفة، وهي جمع مشج أو مشيج، وهي الأخلاط، والمراد: نطفة الرجل ونطفة المرأة واختلاطهما. يقال: مشج هذا بهذا، فهو ممشوج، أي: خلط هذا بهذا فهو مخلوط. قال المبرد: مشج يمشج إذا اختلط، وهو هنا اختلاط النطفة بالدم. قال رؤبة بن العجاج:شعر : يطرحن كل معجل مشاج لم يكس جلداً من دم أمشاج تفسير : قال الفراء: أمشاج: اختلاط ماء الرجل وماء المرأة، والدم والعلقة، ويقال مشج هذا: إذا خلط. وقيل الأمشاج: الحمرة في البياض والبياض في الحمرة. قال القرطبي: وهذا قول يختاره كثير من أهل اللغة. قال الهذلي:شعر : كأن الريش والفوقين منه حلاف النصل نيط به مشيج تفسير : وذلك لأن ماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فيخلق منهما الولد. قال ابن السكيت: الأمشاج: الأخلاط لأنها ممتزجة من أنواع يخلق الإنسان منها وطباع مختلفة. وقيل: الأمشاج لفظ مفرد كبرمة أعشار، ويؤيد هذا وقوعه نعتاً لنطفة، وجملة: {نَّبْتَلِيهِ } في محل نصب على الحال من فاعل خلقنا، أي: مريدين ابتلاءه، ويجوز أن يكون حالاً من الإنسان، والمعنى: نبتليه بالخير والشرّ وبالتكاليف. قال الفراء: معناه والله أعلم {جَعَلْنَـٰهُ سَمِيعاً بَصِيراً } نبتليه، وهي: مقدّمة معناها التأخير؛ لأن الابتلاء لا يقع إلاّ بعد تمام الخلقة، وعلى هذا تكون هذه الحال مقدّرة. وقيل: مقارنة. وقيل: معنى الابتلاء: نقله من حال إلى حال على طريقة الاستعارة، والأوّل أولى. ثم ذكر سبحانه أنه أعطاه ما يصحّ معه الابتلاء، فقال: {إِنَّا هَدَيْنَـٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً } أي: بينا له، وعرّفناه طريق الهدى والضلال، والخير والشرّ، كما في قوله: {أية : وَهَدَيْنَـٰهُ ٱلنَّجْدَينِ} تفسير : [البلد: 10] قال مجاهد: أي بينا السبيل إلى الشقاء والسعادة. وقال الضحاك، والسديّ، وأبو صالح: السبيل هنا خروجه من الرحم. وقيل: منافعه ومضارّه التي يهتدي إليها بطبعه وكمال عقله، وانتصاب {شاكراً} و{كفوراً} على الحال من مفعول، {هديناه} أي: مكناه من سلوك الطريق في حالتيه جميعاً. وقيل: على الحال من سبيل على المجاز، أي: عرّفناه السبيل إما سبيلاً شاكراً وإما سبيلاً كفوراً. وحكى مكيّ عن الكوفيين أن قوله: {إمّا} هي إن شرطية زيدت بعدها ما، أي: بينا له الطريق إن شكر وإن كفر. واختار هذا الفرّاء، ولا يجيزه البصريون؛ لأن إن الشرطية لا تدخل على الأسماء إلا أن يضمر بعدها فعل، ولا يصح هنا إضمار الفعل؛ لأنه كان يلزم رفع {شاكراً} و{كفوراً}. ويمكن أن يضمر فعل ينصب شاكراً وكفوراً، وتقديره: إن خلقناه شاكراً فشكور، وإن خلقناه كافراً فكفور، وهذا على قراءة الجمهور: {إما شاكراً وإما كفوراً} بكسر همزة إما. وقرأ أبو السماك، وأبو العجاج بفتحها، وهي على الفتح إما العاطفة في لغة بعض العرب، أو هي التفصيلية، وجوابها مقدّر. وقيل: انتصب شاكراً وكفوراً بإضمار كان، والتقدير: سواء كان شاكراً أو كان كفوراً. ثم بيّن سبحانه ما أعدّ للكافرين فقال: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ سَلَـٰسِلَ وَأَغْلَـٰلاً وَسَعِيراً } قرأ نافع، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، وهشام عن ابن عامر: "سلاسلاً" بالتنوين، ووقف قنبل عن ابن كثير، وحمزة بغير ألف، والباقون وقفوا بالألف. ووجه من قرأ بالتنوين في سلاسل مع كون فيه صيغة منتهى الجموع أنه قصد بذلك التناسب؛ لأن ما قبله وهو: {إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً }، وما بعده وهو: {أَغْلَـٰلاً وَسَعِيراً } منوّن، أو على لغة من يصرف جميع ما لا ينصرف، كما حكاه الكسائي، وغيره من الكوفيين عن بعض العرب. قال الأخفش: سمعنا من العرب من يصرف كل ما لا ينصرف؛ لأن الأصل في الأسماء الصرف، وترك الصرف لعارض فيها. قال الفراء: هو على لغة من يجرّ الأسماء كلها إلاّ قولهم: هو أظرف منك، فإنهم لا يجرّونه، وأنشد ابن الأنباري في ذلك قول عمرو بن كلثوم:شعر : كأن سيوفنا فينا وفيهم مخاريق بأيدي لاعبينا تفسير : ومن ذلك قول الشاعر:شعر : وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم خضع الرقاب نواكس الأبصار تفسير : بكسر السين من نواكس، وقول لبيد:شعر : وحسور أستار دعوني لحتفها بمعالق متشابه أعلاقها تفسير : وقوله أيضاً: شعر : فضلاً وذو كرم يعين على الندى سمح لشوب رغائب غنامها تفسير : وقيل: إن التنوين لموافقة رسم المصاحف المكية والمدنية والكوفية فإنها فيها بالألف. وقيل: إن هذا التنوين بدل من حرف الإطلاق، ويجري الوصل مجرى الوقف، والسلاسل قد تقدّم تفسيرها، والخلاف فيها هل هي القيود، أو ما يجعل في الأعناق، كما في قول الشاعر:شعر : ........ ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل والأغلال تفسير : جمع غلّ تغلّ به الأيدي إلى الأعناق. والسعير: الوقود الشديد، وقد تقدّم تفسير السعير، ثم ذكر سبحانه ما أعدّه للشاكرين، فقال: {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ } الأبرار: أهل الطاعة والإخلاص، والصدق، جمع برّ أو بارّ. قال في الصحاح: جمع البرّ الأبرار، وجمع البارّ البررة، وفلان يبرّ خالقه ويبرره، أي: يطيعه. وقال الحسن: البرّ الذي لا يؤذي الذر. وقال قتادة: الأبرار الذين يؤدون حق الله ويوفون بالنذر. والكأس في اللغة هو الإناء الذي فيه الشراب، وإذا لم يكن فيه الشراب لم يسمّ كأساً، ولا وجه لتخصيصه بالزجاجة، بل يكون من الزجاج ومن الذهب والفضة والصيني وغير ذلك، وقد كانت كاسات العرب من أجناس مختلفة، وقد يطلق الكأس على نفس الخمر، كما في قول الشاعر:شعر : وكأس شربت على لذة وأخرى تداويت منها بها تفسير : {كَانَ مِزَاجُهَا كَـٰفُوراً } أي: يخالطها، وتمزج به، يقال: مزجه يمزجه مزجاً، أي: خلطه يخلطه خلطاً، ومنه قول الشاعر:شعر : كأن سبية من بيت رأس كان مزاجها عسل وماء تفسير : ومنه قول عمرو بن كلثوم:شعر : صددت الكأس عنا أمّ عمرو وكان الكأس مجراها اليمينا معتقة كأن الخصّ فيها إذا ما الماء خالطها سخينا تفسير : ومنه مزاج البدن، وهو ما يمازجه من الأخلاط، والكافور قيل: هو اسم عين في الجنة يقال لها: الكافوري تمزج خمر الجنة بماء هذه العين. وقال قتادة، ومجاهد: تمزج لهم بالكافور وتختم لهم بالمسك. وقال عكرمة: مزاجها طعمها. وقيل: إنما الكافور في ريحها لا في طعمها. وقيل: إنما أراد الكافور في بياضه وطيب رائحته وبرده، لأن الكافور لا يشرب، كما في قوله: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَاراً }تفسير : [الكهف: 96] أي: كنار. وقال ابن كيسان: طيبها المسك والكافور والزنجبيل. وقال مقاتل: ليس هو كافور الدنيا، وإنما سمى الله ما عنده بما عندكم حتى تهتدي له القلوب، والجملة في محل جرّ صفة لكأس. وقيل: إن كان هنا زائدة أي: من كأس مزاجها كافوراً. {عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ } انتصاب {عيناً} على أنها بدل من {كافوراً}؛ لأن ماءها في بياض الكافور. وقال مكي: إنها بدل من محل {مِن كَأْسٍ } على حذف مضاف كأنه قيل: يشربون خمراً خمر عين. وقيل: إنها منتصبة على أنها مفعول يشربون أي: عيناً من كأس، وقيل: هي منتصبة على الاختصاص، قاله الأخفش. وقيل: منتصبة بإضمار فعل يفسره ما بعده، أي: يشربون عيناً يشرب بها عباد الله، والأوّل أولى، وتكون جملة {يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ } صفة لـ {عيناً}. وقيل: إن الباء في {يَشْرَبُ بِهَا } زائدة. وقيل: بمعنى من قاله الزجاج، ويعضده قراءة ابن أبي عبلة يشربها عباد الله. وقيل: إن يشرب مضمن معنى يلتذّ. وقيل: هي متعلقة بـ {يشرب}، والضمير يعود إلى الكأس. وقال الفراء: يشربها ويشرب بها سواء في المعنى، وكأنّ يشرب بها يروى بها، وينتفع بها وأنشد قول الهذلي:شعر : شربن بماء البحر ثم ترفعت تفسير : قال: ومثله تكلم بكلام حسن، وتكلم كلاماً حسناً {يُفَجّرُونَهَا تَفْجِيراً } أي: يجرونها إلى حيث يريدون، وينتفعون بها كما يشاءون، ويتبعهم ماؤها إلى كل مكان يريدون وصوله إليه، فهم يشقونها شقاً، كما يشقّ النهر ويفجر إلى هنا وهنا. قال مجاهد: يقودونها حيث شاءوا، وتتبعهم حيث مالوا مالت معهم، والجملة صفة أخرى لـ {عيناً}، وجملة {يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ } مستأنفة مسوقة لبيان ما لأجله رزقوا ما ذكر، وكذا ما عطف عليها، ومعنى النذر في اللغة: الإيجاب، والمعنى: يوفون بما أوجبه الله عليهم من الطاعات. قال قتادة، ومجاهد: يوفون بطاعة الله من الصلاة والحج ونحوهما. وقال عكرمة: يوفون إذا نذروا في حق الله سبحانه، والنذر في الشرع ما أوجبه المكلف على نفسه، فالمعنى: يوفون بما أوجبوه على أنفسهم. قال الفراء: في الكلام إضمار، أي: كانوا يوفون بالنذر في الدنيا. وقال الكلبي: يوفون بالعهد، أي: يتممون العهد. والأولى حمل النذر هنا على ما أوجبه العبد على نفسه من غير تخصيص {وَيَخَـٰفُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً } المراد يوم القيامة، ومعنى استطارة شرّه: فشوّه وانتشاره، يقال: استطار يستطير استطارة، فهو مستطير، وهو استفعل من الطيران، ومنه قول الأعشى:شعر : فباتت وقد أثارت في الفؤا د صدعاً على نأيها مستطيرا تفسير : والعرب تقول: استطار الصدع في القارورة والزجاجة: إذا امتدّ، ويقال استطار الحريق: إذا انتشر. قال الفراء: المستطير المستطيل. قال قتادة: استطار شرّ ذلك اليوم حتى ملأ السماوات، والأرض. قال مقاتل: كان شرّه فاشياً في السمٰوات، فانشقت وتناثرت الكواكب وفزعت الملائكة، وفي الأرض نسفت الجبال وغارت المياه. {وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً } أي: يطعمون هؤلاء الثلاثة الأصناف الطعام على حبه لديهم وقلته عندهم. قال مجاهد: على قلته، وحبهم إياه وشهوتهم له؛ فقوله: {على حبه} في محل نصب على الحال، أي: كائنين على حبه، ومثله قوله: {أية : لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } تفسير : [آل عمران: 92] وقيل: على حبّ الإطعام لرغبتهم في الخير. قال الفضيل بن عياض: على حب إطعام الطعام. وقيل: الضمير في حبه يرجع إلى الله أي: يطعمون الطعام على حبّ الله، أي: يطعمون إطعاماً كائناً على حبّ الله، ويؤيد هذا قوله: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ } والمسكين ذو المسكنة، وهو الفقير، أو من هو أفقر من الفقير، والمراد باليتيم يتامى المسلمين، والأسير الذي يؤسر فيحبس. قال قتادة، ومجاهد: الأسير المحبوس. وقال عكرمة: الأسير العبد. وقال أبو حمزة الثمالي: الأسير المرأة. قال سعيد بن جبير: نسخ هذا الإطعام آية الصدقات، وآية السيف في حق الأسير الكافر. وقال غيره: بل هي محكمة، وإطعام المسكين واليتيم على التطوّع، وإطعام الأسير لحفظ نفسه إلى أن يتخير فيه الإمام. وجملة: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ } في محل نصب على الحال بتقدير القول، أي: يقولون إنما نطعمكم، أو قائلين إنما نطعمكم يعني: أنهم لا يتوقعون المكافأة ولا يريدون ثناء الناس عليهم بذلك. قال الواحدي: قال المفسرون: لم يستكملوا بهذا، ولكن علمه الله من قلوبهم فأثنى عليهم، وعلم من ثنائه أنهم فعلوا ذلك خوفاً من الله ورجاء ثوابه {لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلاَ شُكُوراً } أي: لا نطلب منكم المجازاة على هذا الإطعام، ولا نريد منكم الشكر لنا، بل هو خالص لوجه الله، وهذه الجملة مقرّرة لما قبلها؛ لأن من أطعم لوجه الله لا يريد المكافأة، ولا يطلب الشكر له ممن أطعمه. {إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً } أي: نخاف عذاب يوم متصف بهاتين الصفتين، ومعنى {عَبُوساً }: أنه يوم تعبس فيه الوجوه من هوله وشدته، فالمعنى: أنه ذو عبوس. قال الفراء، وأبو عبيدة، والمبرد: يوم قمطرير وقماطر: إذا كان صعباً شديداً، وأنشد الفراء:شعر : بني عمنا هل تذكرون بلاءنا عليكم إذا ما كان يوم قماطر تفسير : قال الأخفش: القمطرير أشد ما يكون من الأيام وأطوله في البلاء، ومنه قول الشاعر:شعر : ففرّوا إذا ما الحرب ثار غبارها ولج بها اليوم العبوس القماطر تفسير : قال الكسائي: اقمطرّ اليوم وازمهرّ: إذا كان صعباً شديداً، ومنه قول الشاعر:شعر : بنو الحرب أوصينا لهم بقمطرة ومن يلق منا ذلك اليوم يهرب تفسير : وقال مجاهد: إن العبوس بالشفتين، والقمطير بالجبهة والحاجبين، فجعلهما من صفات المتغير في ذلك اليوم لما يراه من الشدائد، وأنشد ابن الأعرابي:شعر : يقدر على الصيد بعود منكسر ويقمطر ساعة ويكفهر تفسير : قال أبو عبيدة: يقال: قمطرير، أي: منقبض ما بين العينين والحاجبين. قال الزجاج: يقال اقمطرت الناقة: إذا رفعت ذنبها وجمعت قطريها ورمت بأنفها ما يسبقها من القطر، وجعل الميم مزيدة. {فَوَقَـٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ ٱلْيَومِ } أي: دفع عنهم شرّه بسبب خوفهم منه وإطعامهم لوجهه {وَلَقَّـٰهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً } أي: أعطاهم بدل العبوس في الكفار نضرة في الوجود وسروراً في القلوب. قال الضحاك: والنضرة البياض والنقاء في وجوههم. وقال سعيد بن جبير: والحسن والبهاء. وقيل: النضرة أثر النعمة. {وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ } أي: بسبب صبرهم على التكاليف. وقيل: على الفقر. وقيل: على الجوع. وقيل: على الصوم. والأولى حمل الآية على الصبر على كل شيء يكون الصبر عليه طاعة لله سبحانه، و"ما" مصدرية، والتقدير: بصبرهم {جَنَّةً وَحَرِيراً } أي: أدخلهم الجنة وألبسهم الحرير، وهو لباس أهل الجنة عوضاً عن تركه في الدنيا امتثالاً لما ورد في الشرع من تحريمه، وظاهر هذه الآيات العموم في كلّ من خاف من يوم القيامة وأطعم لوجه الله وخاف من عذابه، والسبب وإن كان خاصاً، كما سيأتي، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ويدخل سبب التنزيل تحت عمومها دخولاً أوّلياً. وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَـٰنِ } قال: كل إنسان. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن ابن مسعود في قوله: {أَمْشَاجٍ } قال: أمشاجها عروقها. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي حاتم {أَمْشَاجٍ } قال: العروق. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن ابن عباس {مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ } قال: ماء الرجل وماء المرأة حين يختلطان. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه قال: {أَمْشَاجٍ } ألوان: نطفة الرجل بيضاء وحمراء، ونطفة المرأة خضراء وحمراء. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً قال: الأمشاج الذي يخرج على أثر البول كقطع الأوتار، ومنه يكون الولد. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً {كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً } قال: فاشياً. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر عنه أيضاً في قوله: {وَأَسِيراً } قال: هو المشرك. وأخرج ابن مردويه، وأبو نعيم عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: {مِسْكِيناً } قال: "فقيراً" {وَيَتِيماً } قال "لا أب له" {وَأَسِيراً } قال: "المملوك والمسجون". وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ } الآية قال: نزلت هذه الآية في عليّ بن أبي طالب وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله: {يَوْماً عَبُوساً } قال: ضيقاً {قَمْطَرِيراً } قال: طويلاً. وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: {يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً } قال: «حديث : يقبض ما بين الأبصار»تفسير : وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر من طرق عن ابن عباس قال: القمطرير الرجل المنقبض ما بين عينيه ووجهه. وأخرج ابن المنذر عنه {وَلَقَّـٰهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً } قال: نضرة في وجوههم، وسروراً في صدورهم.
الماوردي
تفسير : قال ابن عباس ومقاتل والكلبي ويحيى بن سلام: هي مكية، وقال آخرون فيها مكي من قوله تعالى: {إنا نحن نزّلنا عليك القرآنَ تنزيلاً} إلى آخرها وما تقدم مدني. قوله تعالى: {هلْ أتَى على الإنسان حينٌ من الدهْرِ لم يكُنْ شيئاً مذكوراً} في قوله " هل " وجهان: أحدهما: أنها في هذا الموضع بمعنى قد، وتقدير الكلام: " قد أتى على الإنسان" الآية، على معنى الخبر، قاله الفراء وأبو عبيدة. الثاني: أنه بمعنى " أتى على الإنسان" الآية، على وجه الاستفهام، حكاه ابن عيسى. وفي هذا " الإنسان" قولان: أحدهما: أنه آدم، قاله قتادة والسدي وعكرمة، وقيل إنه خلقه بعد خلق السموات والأرض، وما بينهما في آخر اليوم السادس وهو آخر يوم الجمعة. الثاني: أنه كل إنسان، قاله ابن عباس وابن جريج. وفي قوله تعالى: {حينٌ من الدهر} ثلاثة أقاويل: أحدهأ: أنه أربعون سنة مرت قبل أن ينفخ فيه الروح، وهو ملقى بين مكة والطائف، قاله ابن عباس في رواية أبي صالح عنه. الثاني: أنه خلق من طين فأقام أربعين سنة، ثم من حمأ مسنون أربعين سنة، ثم من صلصال أربعين سنة، فتم خلقه بعد مائة وعشرين سنة، ثم نفخ فيه الروح، وهذا قول ابن عباس في رواية الضحاك. الثالث: أن الحين المذكور ها هنا وقت غير مقدر وزمان غير محدود، قاله ابن عباس أيضاً. وفي قوله {لم يكن شيئاً مذكوراً} وجهان: أحدهما: لم يكن شيئاً مذكوراً في الخلق، وإن كان عند الله شيئاً مذكوراً، قاله يحيى بن سلام. الثاني: أي كان جسداً مصوّراً تراباً وطيناً، لا يذكر ولا يعرف، ولا يدري ما اسمه، ولا ما يراد به، ثم نفخ فيه الروح فصار مذكوراً، قاله الفراء، وقطرب وثعلب. وقال مقاتل: في الكلام تقديم وتأخير، وتقديره: هل أتى حين من الدهر لم يكن الإنسان شيئاً مذكوراً، لأنه خلقه بعد خلق الحيوان كله ولم يخلق بعده حيواناً. {إنّا خلقْنا الإنسانَ من نُطْفَةٍ أمْشاجٍ} يعني بالإنسان في هذا الموضع كل إنسان من بني آدم في قول جميع المفسرين. وفي النطفة قولان: أحدهما: ماء الرجل وماء المرأة إذا اختلطا فهما نطفة، قاله السدي. الثاني: أن النطفة ماء الرجل، فإذا اختلط في الرحم وماء المرأة صارا أمشاجاً. وفي الأمشاج أربعة أقاويل: أحدها: أنه الأخلاط، وهو أن يختلط ماء الرجل بماء المرأة، قاله الحسن وعكرمة، ومنه قول رؤبة بن العجاج: شعر : يطرحن كل مُعْجَل نشاجِ لم يُكْسَ جلداً في دم أمشاج. تفسير : الثاني: أن الأمشاج الألوان، قاله ابن عباس، وقال مجاهد: نطفة الرجل بيضاء وحمراء، ونطفة المرأة خضراء وصفراء. روى سعيد عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر فأيهما سبق أو علا فمنه يكون الشبه . تفسير : الثالث: أن الأمشاج: الأطوار، وهو أن الخلق يكون طوراً نطفة، وطوراً علقة، وطوراً مضغة، ثم طوراً عظماً، ثم يكسى العظم لحماً، قاله قتادة. الرابع: أن الأمشاج العروق التي تكون في النطفة، قاله ابن مسعود. وفي قوله {نَبْتَلِيه} وجهان: أحدهما: نختبره. الثاني: نكلفه بالعمل. فإن كان معناه الاختبار ففيما يختبر به وجهان: أحدهما: نختبره بالخير والشر، قاله الكلبي. الثاني: نختبر شكره في السراء، وصبره في الضراء، قاله الحسن. ومن جعل معناه التكليف ففيما كلفه وجهان: أحدهما: العمل بعد الخلق، قاله مقاتل. الثاني: الدين، ليكون مأموراً بالطاعة، ومنهياً عن المعاصي. {فَجَعَلْناه سميعاً بصيراً} ويحتمل وجهين: أحدهما: أي يسمع بالأذنين ويبصر بالعينين أمتناناً بالنعمة عليه. الثاني: ذا عقل وتمييز ليكون أعظم في الامتنان حيث يميزه من جميع الحيوان. وقال الفراء ومقاتل: في الآية تقديم وتأخير أي فجعلناه سميعاً بصيراً أن نبتليه، فعلى هذا التقديم في الكلام اختلفوا في ابتلائه على قولين: أحدهما: ما قدمناه من جعله اختباراً أو تكليفاً. الثاني: لنبتليه بالسمع والبصر، قاله ابن قتيبة. {إنّا هَدَيْناه السّبيلَ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: سبيل الخير والشر، قاله عطية. الثاني: الهدى من الضلالة، قاله عكرمة. الثالث: سبيل الشقاء والسعادة، قاله مجاهد. الرابع: خروجه من الرحم، قاله أبو صالح والضحاك والسدي. ويحتمل خامساً: سبيل منافِعِه ومضارِّه التي يهتدي إليها بطبعه، وقيل: كمال عقله. {إمّا شاكراً وإمّا كَفوراً} فيه وجهان: أحدهما: إما مؤمناً وإما كافراً، قاله يحيى بن سلام. الثاني: إما شكوراً للنعمة وإما كفوراً بها، قاله قتادة. وجمع بين الشاكر والكفور ولم يجمع بين الشكور والكفور - مع إجتماعهما في معنى المبالغة - نفياً للمبالغة في الشكر وإثباتاً لها في الكفر، لأن شكر الله تعالى لا يُؤدَّى فانتفت عنه المبالغة، ولم تنتف عن الكفر المبالغة، فقل شكره لكثرة النعم عليه، وكثر كفره وإن قل مع الإحسان إليه.
ابن عطية
تفسير : {هل} في كلام العرب قد يجيء بمعنى " قد " حكاه سيبويه، لكنها لا تخلو من تقرير وبابها المشهور الاستفهام المحض والتقرير أحياناً. فقال ابن عباس وقتادة هي هنا بمعنى " قد"، و {الإنسان} يراد به آدم عليه السلام، و " الحين ": هي المدة التي بقي طيناً قبل أن ينفخ فيه الروح؛ أي أنه شيء ولم يكن مذكوراً منوهاً به في العالم وفي حالة العدم المحض قبل {لم يكن شيئاً} ولا {مذكوراً} ، وقال أكثر المتأولين: {هل} تقرير، و {الإنسان} اسم الجنس، أي إذا تأمل كل إنسان نفسه علم بأنه قد مر {حين من الدهر} عظيم {لم يكن} هو فيه {شيئاً مذكوراً} ، أي لم يكن موجوداً، وقد يسمى الموجود {شيئاً} فهو مذكور بهذا الوجه، و " الحين " هنا: المدة من الزمن غير محدودة تقع للقليل والكثير، وإنما تحتاج إلى تحديد الحين في الإيمان، فمن حلف أن لا يكلم أخاه حيناً، فذهب بعض الفقهاء إلى أن الحين سنة، وقال بعضهم: ستة أشهر، والقوي في هذا أن {الإنسان} اسم جنس وأن الآية جعلت عبرة لكل أحد من الناس ليعلم أن الصانع له قادر على إعادته. وقوله تعالى: {إنا خلقنا الإنسان} هو هنا اسم الجنس بلا خلاف، لأن آدم لم يخلق {من نطفة}، و {أمشاج} معناه أخلاط وأحدها مَشَج بفتح الميم والشين قاله ابن السكيت وغيره، وقيل: مشج مثل عدل وأعدال، وقيل: مشيج مثل شريف وأشراف، واختلف في المقصود من الخلط، فقيل هو {أمشاج} ماء الرجل بماء المرأة، وأسند الطبري حديثاً وهو أيضاً في بعض المصنفات " إن عظام ابن آدم وعصبة من ماء الرجل، ولحمه وشحمه من ماء المرأة" وقيل هو اختلاط أمر الجنين بالنقلة من النطفة إلى العلقة إلى المضغة إلى غير ذلك. فهو أمر مختلط، وقيل هو اختلاط الدم والبلغم والصفراء والسوداء فيه، و {نبتليه} معناه نختبره بالإيجاد والكون في الدنيا هو حال من الضمير في {خلقنا} كأنه قال: مختبرين له بذلك، وقوله تعالى: {فجعلناه} عطف جملة تعم على جملة تعم، وقال بعض النحويين إنما المعنى فنبتليه جعلناه {سميعاً بصيراً} ، ثم ترتب اللفظ موجزاً متداخلاً كأنه قال {نبتليه} فلذلك جعلناه، والابتلاء على هذا أنما هو بالإسماع والإبصار لا بالإيجاب وليس {نبتليه} حالاً، وقوله تعالى: {إنا هديناه السبيل} يحتمل أن يريد {السبيل} العامة للمؤمن والكافر فذلك يختلق الحواس وموهبة الفطرة ونصب الصنعة الدالة على الصانع، فـ {هديناه} على هذا بمعنى أرشدناه كما يرشد الإنسان إلى الطريق ويوقف عليه، ويحتمل أن يريد {السبيل} اسم الجنس، أي هدى المؤمن إيمانه والكافر لكفره فـ {هديناه} على هذا معناه أريناه وليس الهدى في هذه الآية بمعنى خلق الهدى والإيمان، وقوله تعالى: {إما شاكراً وإما كفوراً} حالان وقسمتهما {إما} قاله أبو عمرو الداني، وقرأ أبو العاج " إما شاكراً وإما كفوراً " وأبو العاج كثير بن عبد الله السلمي شامي ولى البصرة لهشام بن عبد الملك، و {أعتدنا} معناه أعددناه، وقرأ نافع والكسائي وأبو بكر عن عاصم " سلاسلاً " بالصرف وهذا على ما حكاه الأخفش من لغة من يصرف كل ما يصرف إلا أفعل وهي لغة الشعراء. ثم كثر حتى جرى في كلامهم، وقد علل بعبة وهي أنه لما كان هذا الضرب من الجموع يجمع لشبه الآحاد فصرف، وذلك من شبه الآحاد موجود في قولهم صواحب وصاحبات وفي قول الشاعر [الفرزدق]: [الكامل] شعر : نواكسي الأبصار تفسير : بالياء جمع نواكس، وهذا الأجراء في " سلاسلاً وقواريراً " أثبت في مصحف ابن مسعود ومصحف أبيّ بن كعب ومصحف المدينة ومكة والكوفة والبصرة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة " سلاسلَ"، على ترك الصرف في الوقف والوصل، وهي قراءة طلحة وعمرو بن عبيد، وقرأ أبو عمرو وحمزة فيما روي عنهما: " سلاسل" في الوصل و " سلاسلاً " دون تنوين في الوقف، ورواه هشام عن ابن عامر لأن العرب من يقول رأيت عمراً يقف بألف، وأيضاً فالوقوف، بالأف " سلاسلا " اتباع لخط المصحف، و {الأبرار} جمع بار كشاهد وأشهاد، وقال الحسن هم الذين لا يؤذون الذر، ولا يرضون الشر، و" الكأس ": ما فيه نبيذ ونحوه مما يشرب به، قال ابن كيسان: ولا يقال الكأس إلا لما فيه نبيذ ونحوه، ولا يقال ظعينة إلا إذا كان عليها امرأة ولا مائدة إلا وعليها طعام وإلا فهي خوان. والمزاج: ما يمزج به الخمر ونحوها، وهي أيضاً مزاج له لأنهما تمازجاً مزاجاً، قال بعض الناس: " المزاج " نفس الكافور، وقال قتادة نعم قوم يمزج لهم بالكافور ويختم لهم بالمسك، وقال الفراء: يقال إنه في الجنة عين تسمى {كافوراً} وقال بعض المتأولين إنما أراد {كافوراً} في النكهة والعرف كما تقول إذا مزجت طعاماً هذا الطعام مسك. وقوله تعالى: {عيناً} هو بدل من قوله {كافوراً} ، وقيل هو مفعول بقوله {يشربون} ، أي {يشربون} ماء هذه العين من كأس عطرة كالكافور، وقيل نصب {عيناً} على المدح أو بإضمار أعني، وقوله {يشرب بها} بمنزلة يشربها فالباء زائدة، وقال الهذلي: شربن بماء البحر.أي شربن ماء البحر، وقرأ ابن أبي عبلة: " يشربها عباد الله "، و {عباد الله} هنا خصوص في المؤمنين الناعمين لأن جميع الخلق عباده، و {يفجرونها} معناه يبثقونها بعود قصب ونحوه حيث شاؤوا، فهي تجري عند كل أحد منهم، هكذا ورد الأثر، وقال الثعلبي، وقيل هي عين في دار النبي صلى الله عليه وسلم تفجر إلى دور الأنبياء والمؤمنين، وهذا قول الحسن.
ابن عبد السلام
تفسير : {هَلْ أَتَى} قد أتى أو أأتى {الإِنسَانِ} آدم عليه الصلاة والسلام خلق كخلق السماوات والأرض وما بينهما في آخر يوم الجمعة أو عام في كل إنسان "ع" {حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ} أربعين سنة بقي آدم عليه الصلاة والسلام فيها مصوراً من طين لازب وحمأ مسنون ثم نفخ فيه الروح بعد ذلك أو تسعة أشهر في بطن أمه أو زمان غير محدود "ع" {لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً} في الخلق وإن كان عند الله ـ تعالى ـ شيئاً مذكوراً أو كان شيئاً غير مذكور لأنه كان مصوراً ثم نفخ فيه الروح فصار مذكوراً.
النسفي
تفسير : مكية وهي إحدى وثلاثون آية {هَلْ أَتَىٰ } قد مضى {عَلَى ٱلإنْسَـٰنِ } آدم عليه السلام {حِينٌ مّنَ ٱلدَّهْرِ } أربعون سنة مصوراً قبل نفخ الروح فيه {لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً } لم يذكر اسمه ولم يدر ما يراد به لأنه كان طيناً يمر به الزمان ولو غير موجود لم يوصف بأنه قد أتى عليه حين من الدهر. ومحل {لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً } النصب على الحال من الإنسان أي أتى عليه حين من الدهر غير مذكور {إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ } أي ولد آدم، وقيل الأول ولد آدم أيضاً و {حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ } على هذا مدة لبثه في بطن أمه إلى أن صار شيئاً مذكوراً بين الناس {مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ } نعت أو بدل منها أي من نطفة قد امتزج فيها الماآن. ومشجه ومزجه بمعنى و {نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ } كبرمة أعشار فهو لفظ مفرد غير جمع ولذا وقع صفة للمفرد {نَّبْتَلِيهِ } حال أي خلقناه مبتلين أي مريدين ابتلاءه بالأمر والنهي له {فَجَعَلْنَـٰهُ سَمِيعاً بَصِيراً } ذا سمع وبصر. {إِنَّا هَدَيْنَـٰهُ ٱلسَّبِيلَ } بيّنا له طريق الهدى بأدلة العقل والسمع {إِمَّا شَاكِراً } مؤمناً {وَإِمَّا كَفُوراً } كافراً حالان من الهاء في {هَدَيْنَـٰهُ } أي إن شكر وكفر فقد هديناه السبيل في الحالين أو من السبيل أي عرّفناه السبيل إما سبيلاً شاكراً وأما سبيلاً كفوراً. ووصف السبيل بالشكر والكفر مجاز. ولما ذكر الفريقين أتبعهما ما أعد لهما فقال {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ سَلَٰسِلاَ} جمع سلسلة بغير تنوين: حفص ومكي وأبو عمرو وحمزة، وبه ليناسب {أَغْلَـٰلاً وَسَعِيراً } إذ يجوز صرف غير المنصرف للتناسب: غيرهم {وَأَغْلَـٰلاً } جمع غُلٍّ {وَسَعِيراً } ناراً موقدة. وقال {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ } جمع بر أو بار كرب وأرباب وشاهد وأشهاد وهم الصادقون في الإيمان أو الذين لا يؤذون الذرّ ولا يضمرون الشر {يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ } خمر فنفس الخمر تسمى كأساً. وقيل: الكأس الزجاجة إذا كان فيها خمر {كَانَ مِزَاجُهَا } ما تمزج به {كَـٰفُوراً } ماء كافور وهو اسم عين في الجنة ماؤها في بياض الكافور ورائحته وبرده {عَيْناً } بدل منه {يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ } أي منها أو الباء زائدة أو هو محمول على المعنى أي يلتذ بها أو يروي بها. وإنما قال أولاً بحرف «من» وثانياً بحرف الباء لأن الكأس مبتدأ شربهم وأول غايته، وأما العين فيها يمزجون شرابهم فكأنه قيل: يشرب عباد الله بها الخمر {يُفَجّرُونَهَا } يجرونها حيث شاءوا من منازلهم {تَفْجِيرًا } سهلاً لا يمتنع عليهم. {يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ } بما أوجبوا على أنفسهم، وهو جواب «من» عسى أن يقول: ما لهم يرزقون ذلك؟ والوفاء بالنذر مبالغة في وصفهم بالتوفر على أداء الواجبات لأن من وفّى بما أوجبه على نفسه لوجه الله كان بما أوجبه الله عليه أوفى {وَيَخَـٰفُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ } شدائده {مُسْتَطِيراً } منتشراً من استطار الفجر {وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ } أي حب الطعام من الاشتهاء والحاجة إليه أو على حب الله {مِسْكِيناً } فقيراً عاجزاً عن الاكتساب {وَيَتِيماً } صغيراً لا أب له {وَأَسِيراً } مأسوراً مملوكاً أو غيره. ثم عللوا إطعامهم فقالوا: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ } أي لطلب ثوابه أو هو بيان من الله عز وجل عما في ضمائرهم، لأن الله تعالى علمه منهم فأثنى عليهم وإن لم يقولوا شيئاً {لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً} هدية على ذلك {وَلاَ شُكُوراً } ثناء وهو مصدر كالشكر {إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا } أي إنا لا نريد منكم المكافأة لخوف عقاب الله على طلب المكافأة بالصدقة، أو إنا نخاف من ربنا فنتصدق لوجهه حتى نأمن من ذلك الخوف {يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً } وصف اليوم بصفة أهله من الأشقياء نحو: نهارك صائم. والقمطرير الشديد العبوس الذي يجمع ما بين عينيه. {فَوَقَـٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ ٱلْيَومِ } صانهم من شدائده {وَلَقَّـٰهُمْ } أعطاهم بدل عبوس الفجار {نَضْرَةً} حسناً في الوجوه {وَسُرُوراً } فرحاً في القلوب {وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ } بصبرهم على الإيثار. نزلت في علي وفاطمة وفضة جارية لهما، لما مرض الحسن والحسين رضي الله عنهما نذروا صوم ثلاثة أيام فاستقرض علي رضي الله عنه من يهودي ثلاثة أصوع من الشعير، فطحنت فاطمة رضي الله عنها كل يوم صاعاً وخبزت فآثروا بذلك ثلاثة عشايا على أنفسهم مسكيناً ويتيماً وأسيراً ولم يذوقوا إلا الماء في وقت الإفطار. {جَنَّةً} بستاناً فيه مأكل هنيء {وَحَرِيراً } ملبساً بهياً {مُتَّكِئِينَ } حال من «هم» في {جزاهم} { فِيهَا } في الجنة {عَلَىٰ ٱلأَرَآئِكِ} الأسرة جمع الأريكة {لاَ يَرَوْنَ } حال من الضمير المرفوع في {مُتَّكِئِينَ } غير رائين {فِيهَا } في الجنة {شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً } لأنه لا شمس فيها ولا زمهرير فظلها دائم وهواؤها معتدل، لا حر شمس يحمي ولا شدة برد تؤذي. وفي الحديث: «حديث : هواء الجنة سجسج لا حر ولا قرّ»تفسير : فالزمهرير البرد الشديد. وقيل: القمر أي الجنة مضيئة لا يحتاج فيها إلى شمس وقمر {وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَـٰلُهَا } قريبة منهم ظلال أشجارها عطفت على جنة أي وجنة أخرى دانية عليهم ظلالها كأنهم وعدوا بجنتين لأنهم وصفوا بالخوف بقوله: {أية : إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبّنَا } ــ {أية : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ }تفسير : [الرحمن: 46] ــ {وَذُلِّلَتْ } سخرت للقائم والقاعد والمتكىء وهو حال من {دَانِيَةٌ } أي تدنو ظلالها عليهم في حال تذليل قطوفها عليهم، أو معطوفة عليها أي ودانية عليهم ظلالها ومذللة {قُطُوفُهَا } ثمارها جمع قطف. {تَذْلِيلاً * وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِـئَانِيَةٍ مّن فِضَّةٍ } أي يدير عليهم خدمهم كئوس الشراب. والآنية جمع إناء وهو وعاء الماء {وَأَكْوابٍ } أي من فضة جمع كوب وهو إبريق لا عروة له {كَانَتْ قَوَارِيرَاْ } «كان» تامة أي كونت فكانت قوارير بتكوين الله نصب على الحال {قَوَارِيرَاْ مِن فِضَّةٍ } أي مخلوقة من فضة فهي جامعة لبياض الفضة وحسنها وصفاء القوارير وشفيفها حيث يرى ما فيها من الشراب من خارجها. قال ابن عباس رضي الله عنهما: قوارير كل أرض من تربتها وأرض الجنة فضة. قرأ نافع والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر بالتنوين فيهما. وحمزة وابن عامر وأبو عمرو وحفص بغير تنوين فيهما. وابن كثير بتنوين الأول والتنوين في الأول لتناسب الآي المتقدمة والمتأخرة، وفي الثاني لإتباعه الأول. والوقف على الأول قد قيل ولا يوثق به لأن الثاني بدل من الأول {قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً } صفة لـ {قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ } أي أهل الجنة قدروها على أشكال مخصوصة فجاءت كما قدروها تكرمة لهم، أو السقاة جعلوها على قدر ريّ شاربها فهي ألذ لهم وأخف عليهم. وعن مجاهد: لا تفيض ولا تغيض. {وَيُسْقَوْنَ } أي الأبرار {فِيهَا } في الجنة {كَأْساً } خمراً {كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً * عَيْناً } بدل من {زَنجَبِيلاً } {فِيهَا } في الجنة {تُسَمَّىٰ } تلك العين {سَلْسَبِيلاً } سميت العين زنجبيلاً لطعم الزنجبيل فيها، والعرب تستلذه وتستطيبه. وسلسبيلاً لسلاسة انحدارها وسهولة مساغها. قال أبو عبيدة: ماء سلسبيل أي عذب طيب.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {هل أتى} أي قد أتى {على الإنسان} يعني آدم عليه الصلاة والسلام {حين من الدهر} يعني مدة أربعين سنة وهو من طين ملقى (م) عن أنس رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لما صور الله آدم في الجنة تركه ما شاء الله أن يتركه فجعل إبليس يطوف به وينظر إليه فلما رآه أجوف عرف أنه خلف لا يتمالك" تفسير : قوله يطوف أي يدور حوله فلما رآه أجوف أي صاحب جوف وقيل هو الذي داخله خال قوله عرف أنه خلق لا يتمالك، أي لا يملك نفسه ويحبسها عن الشهوات، وقيل لا يملك دفع الوسواس عنه، وقيل لا يملك نفسه عند الغضب. وروي في تفسير الآية أن آدم بقي أربعين سنة طيناً، وبقي أربعين سنة حمأ مسنوناً وأربعين سنة صلصالاً كالفخار فتم خلقه بعد مائة وعشرين سنة {لم يكن شيئاً مذكوراً} أي لا يذكر ولا يعرف ولا يدري ما اسمه، ولا ما يراد به وذلك قبل أن ينفخ فيه الروح كان شيئاً ولم يكن شيئاَ يذكر. روي عن عمر أنه سمع رجلاً يقرأ هذه الآية: لم يكن شيئاً مذكوراً فقال عمر ليتها تمت يعني ليته بقي على ما كان عليه ويروى نحوه عن أبي بكر وابن مسعود، وقيل المراد بالإنسان جنس الإنسان وهم بنو آدم بدليل قوله {إنا خلقنا الإنسان} فالإنسان في الموضعين واحد فعلى هذا يكون معنى قوله حين من الدهر طائفة من الدهر غير مقدرة لم يكن شيئاً مذكوراً يعني أنهم كانوا نطفاً في الأصلاب. ثم علقاً، ومضغاً في الأرحام لم يذكروا بشيء إنا خلقنا الإنسان يعني ولد آدم {من نطفة} أي مني الرجل ومني المرأة {أمشاج} أي أخلاط قال ابن عباس وغيره: يعني ماء الرجل، وماء المرأة يختلطان في الرحم فيكون منهما الولد فماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق فأيهما علا صاحبه كان الشبه له وما كان من عصب، وعظم فمن نطفة الرجل، وما كان من لحم ودم وشعر فمن ماء المرأة، وقيل الأمشاج اختلاف ألوان النطفة، فنطفة الرجل بيضاء ونطفة المرأة صفراء. وكل لونين اختلطا فهو أمشاج. وقال ابن مسعود: هي العروق التي تكون في النطفة، وقيل هي نطفة مشجت أي خلطت بدم وهو دم الحيض فإذا حبلت المرأة ارتفع دم الحيض، وقيل الأمشاج أطوار الخلق نطفة ثم علقة ثم مضغة، ثم عظما ثم يكسوه لحماً ثم ينشئه خلقاً آخر، وقيل إن الله تعالى جعل في النطفة أخلاطاً من الطبائع التي تكون في الإنسان من الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة فعلى هذا يكون التقدير من نطفة ذات أمشاج. {نبتليه} أي لنختبره بالأمر والنهي {فجعلناه سميعاً بصيراً} قيل فيه تقديم وتأخير تقديره فجعلناه سميعاً بصيراً لنبتليه لأن الابتلاء لا يقع إلا بعد تمام الخلقة، وقيل معناه إنا خلقنا الإنسان من هذه الأمشاج للابتلاء والامتحان ثم ذكر أنه أعطاه ما يصح معه الابتلاء، وهو السمع والبصر وهما كنايتان عن الفهم والتمييز وقيل المراد بالسمع والبصر الحاستان المعروفتان، وإنما خصهما بالذكر لأنهما أعظم الحواس وأشرفها.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات {سلاسلاً} بالتنوين والوقف بالألف: أبو جعفر ونافع وعلي وأبو بكر وحماد وهشام {سلاسل} في الحالين: ابن كثير وحمزة وخلف وسهل ويعقوب يصلون بغير ألف ويقفون بالألف {قوارير قوارير} غير مصروفين في الحالين: حمزة ويعقوب كلاهما بالتنوين والوقف بالألف والثاني بغير الألف في الحالين. الباقون كلاهما بغير تنوين والوقف على الأول بالألف. {لؤلؤاً} بالواو في الأول: شجاع ويزيد وأبو بكر وحماد. الآخرون: بهمزتين. {عاليهم} بسكون الياء وكسر الهاء: أبو جعفر ونافع وحمزة والمفضل الباقون: بفتح الياء وضم الهاء {خضر واستبرق} بالرفع فيهما {وإستبرق} بالخفص: ابن كثير والمفضل وأبو بكر وحماد. الآخرون: بالخفض فيهما {وما يشاؤن} على الغيبة: ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو. الوقوف: {مذكوراً} ه {أمشاج} لا قد قيل يوقف عليه لئلا يوهم أن {نبتليه} صفة له لأنه حال من {خلقنا} أي خلقناه مريدين ابتلاءه والوهم المذكور زائل لأن ضمير المفعول في {نبتليه} واحد والأمشاخ جمع. {بصيراً} ه {كفوراً} ه {سعيراً} ه {كافوراً} ه ج لاحتمال أن يكون {عيناً} بدلاً {تفجيراً} ه {مستطيراً} ه {شكوراً} ه {قمطريراً} ه {سروراً} ه ج {على الأرائك} ط لاحتمال ما بعده الحال والإستئناف {زمهريراً} ه ج لما يعرف في التفسير {تذليلاً} ه {كانت قوارير} ه لا وقيل: بوقف عليه وليس به لأن الثانية بدل من الأولى {تقديراً} ه {زنجبيلاً} ه ج لما مر في {كافوراً} {سلسبيلاً} ه ج {مخلدون} ه بناء على أن {حسبتهم} صفة الولدان والظرف عارض {منثوراً} ه {كبيراً} ه {واستبرق} ك لاختلاف الجملتين مع أن وجه الحال في الواو واضح أي وقد حلوا {فضة} ج لأن الواو ويحتمل الحال والإستئناف وهذا أولى لإفراد هذه النعمة العظيمة عن سائر النعم {طهوراً} ه ط {مشكوراً} ه {تنزيلاً} ه ج للآية مع الفاء {أو كفوراً} ه {أصيلاً} ه ج لما ذكرنا {طويلاً} ه {ثقيلاً} ه {أسرهم} ج {تبديلاً} ه {تذكرة} ج {سبيلاً} ه {أن يشاء الله} ط {حكيماً} ه والوصل أوجه بناء على أن الجملة صفة {في رحمته} ط {أليماً} ه. التفسير: اتفقوا على أن " هل " ههنا وفي " الغاشية " بمعنى " قد " وهذا ما ذهب إليه سيبويه قال: وإنما تفيد معنى الاستفهام حيث تفيده لتقدير الهمزة، وإنما حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال والدليل على تقدير الهمزة، وإنما حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال والدليل على تقدير الهمزة، جواز إظهارها مع " هل " كقوله: شعر : سائل فوارس يربوع بشدتنا أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم؟ تفسير : ويربوع أبو حي من تميم، ومعنى الآية أقد أتى. فالإستفهام يفيد التقرير وقد تفيد التقريب فيكون حاصله أنه {أتى على الإنسان} قبل زمان قريب {حين من الدهر} وهو طائفة من الزمان غير محدود. وعن ابن عباس وابن مسعود أن الإنسان ههنا آدم والحين محدود وذلك أنه مكث أربعين سنة طيناً إلى أن نفخ فيه الروح فصار شيئاً مذكوراً بعد أن كان كالمنسي وفي رواية عنه قال: أقام من طين أربعين سنة، ومن صلصال أربعين. ثم من حمأ مسنون أربعين، ثم خلقه بعد مائة وعشرين وإطلاق الإنسان عليه قبل نفخ الروح فيه من باب إطلاق الخمر على العصير. ويجوز أن يراد قد أتى على هذا الذي هو الآن إنسان بالفعل زمان لم يكن هو فيه إنساناً إلا بالقوّة وهذا صادق على آدم كما قلنا، وعلى بنيه أيضاً عند الأكثرين. ولعل هذه الآية كالتقدمة والتوطئة للتي تعقبها، وكالتأكيد لخاتمة السورة المتقدمة. وقوله {لم يكن} محله رفع على أنه نعت {حين} أو نصب على الحال من الإنسان لأنه في تقدير المفعول ويروى أن الصديق لما سمع هذه الآية قال: أيتها تمت أي ليت تلك الحالة تمت وهي كونه غير مذكور لم يخلق ولم يكلف. وقيل: الإنسان آدم كما ذكرنا ولكن الحين هو الستة الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض ثم فرغ لخلق آدم في عصر يوم الجمعة. وقيل: الإنسان عام والحين مدة فترة الرسل وقيل: الحين مدة لبثه في بطن أمه. قال ابن الأعرابي وطائفة من أهل اللغة: الأمشاج جمع مشيج وأمشاج فوصف المفرد بها جميعاً نحو برمة أعشار للقدر المتكسرة قطعاً، وثوب أكياش للذي فتل غزله مرتين. يقال عليك بالثوب الأكياش فإنه من لباس الأكياس. والمعنى من نطفة قد امتزج فيها الماآن ماء الرجل. وهو أبيض غليظ - وماء المرأة - وهو أصفر رقيق - والأول يخرج من الصلب، والثاني يخرج من الترائب، فما كان من عصب وعظم فيمن نطفة الرجل، وما كان من لحم ودم فمن ماء المرأة. عن ابن مسعود: هي عروق النطفة. وقال الحسن: أي مزجت بدم الحيض الذي فيه غذاء الجنين، وعن قتادة: هي أطوارها نطفة ثم علقة ثم مضغة وذهب إلى أنها العناصر وبالجملة فإنها عبارة عن انتقال النطفة من حال إلى حال ولهذا فسر الإبتلاء بعضهم بهذا الإنتقال ومنه قول ابن عباس {نبتليه} أي نصرفه في بطن أمه نطفة ثم علقة. والأظهر أن حاصل المعنى خلقناه من أمشاج لا للعبث بل للإبتلاء والإمتحان. ثم ذكر أنه أعطاه ما يصح معه الابتلاء وهو السمع والبصر اللذان هما أشرف الحواس ولهذا خصا بالذكر. وفيه إشارة إلى أن الحواس السليمة أسباب كلية لتحصيل الكمالات النفسية فمن فقد حساً فقد علماً. وقيل: في الآية تقديم وتأخير، ونبتليه معناه لنبتليه كقولك لرجل: جئتك أقضي حقك أي لأقضي حقك. والمعنى جعلناه سميعاً بصيراً لنبتليه. ثم أخبر أنه بعد أن ركبه وأعطاه الحواس الظاهرة والباطنة أوضح له بواسطة أن آتاه العقل السليم سبيل الهدى والضلالة. فقوله {شاكر أو كفوراً} حالان من مفعول {هدينا} أي مكناه وأقدرناه في هاتين الحالتين وقيل: تقديره هديناه السبيل فيكون إما شاكراً أو كفوراً. وفيه جهة الوعيد أي فإن شاء فليكفر وإن شاء فليشكر فإنا أعتدنا للكافرين كذا وللشاكرين كذا. وجوز أهل العربية أن يكونا حالين من السبيل على الإسناد المجازي لأن وصف السبيل بالشكر والكفر مجاز، وهذه الأقاويل تناسب أصول المعتزلة. أما الذي اختاره الفراء وهو مطابق لمذهب أهل السنة أن تكون " إما " في هذه الآية كما في قوله {أية : وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم}تفسير : [التوبة: 106] والمعنى هديناه السبيل ثم جعلناه تارة شاكراً تارة كفوراً. والمراد بالشكراً لإقرار بالله وبالكفر إنكاره حتى لا يكون بين الفريقين واسطة. ويجز أن يريد بالشاكر المطيع وبأهل الكفر كل من سواه كان كفرانه مطلقاً وهو الكافر بالله، أو ببعض المعاصي وهو الفاسق. قوله {سلاسل} من قرأه بالتنوين فإنه صرفه لمناسبة. قال الأخفش: سمعنا من العرب صرف جميع مالا يصرف وهذه لغة الشعراء اضطروا إليه في الشعر فجرت ألسنتهم بذلك في النثر أيضاً. وقيل: إنه مختص بهذه الجموع لأنها أشبهت الآحاد لهذا جاز " صواحبات يوسف". وجوز في الكشاف أن يكون هذا التنوين بدلاً من حرف الإطلاق ويجري الوصل مجرى الوقف، ومثله {قوارير} فيمن قرأ بالتنوين، والاعتاد الإعداد، والسلاسل للأرجل والأغلال للأيدي والأبرار جمع برّ وبار. عن الحسن: هم الذين لا يؤذون الذّر {من كأس} أي إناء فيه الشراب. وقال ابن عباس ومقاتل: هو الخمر بعينها، والمزاج ما يمزج به، والكافور إسم عين في الجنة ماؤها في بياض الكافور ورائحته وبرده ولكن لا يكون فيه طعم الكافور ولا مضرته، والمضاف محذوف ماء كافور. والحاصل أن ذلك الشراب يكون ممزوجاً بماء هذا العين قيل: " كان " زائدة والأظهر أنها مفيدة ولكناه مسلوبة الدلالة على المضي كقوله {أية : وكان الله عليماً حكيماً}تفسير : [النساء: 17] عن قتادة: يمزج لهم بالكافور ويختم لهم بالمسك. وقيل: يخلق فيه رائحة الكافور وبياضه وبرده فكأنها مزجت بالكافور. قال جار الله: فقوله {عيناً} على هذين القولين بدل من محل {كأس} على تقدير حذف مضاف كأنه قال: يشربون خمراً خمر عين، أو نصب على الإختصاص. ولا خلاف بين العلماء أن عباد الله في الآية مختص بالمؤمنين الأبرار فغلب على ظنهم أن العباد المضاف إلى اسم الله سبحانه مخصوص في إصطلاح القرآن بالأخيار، وعلى هذا يسقط إستدلال المعتزلة بقوله {أية : ولا يرضى لعباده الكفر}تفسير : [الزمر: 7] كما مر في أول الزمر. وإنما قال أولاً {يشربون من كأس} وآخراً {يشرب بها} لأن الكأس هي مبدأ شربهم وأما العين فإنما يمزجون بها شرابهم فالباء بمعنى " مع " مثل " شربت الماء بالعسل" {يفجرونها} يجرونها حيث شاؤا من منازلهم {تفجيراً} سهلاً " قال مؤلف الكتاب": لا يبعد أن يكون الخمر عبارة عن العلوم اللدنية الحاصلة بالذوق والمكاشفة. والكافور عبارة عن المعارف الحاصلة بواسطة البدنية، ومزاجها تركيبها على الوجه الموصل إلى تحصيل لذات وكمالات أخر، وتفجرها إشارة إلى اتصالها إلى أهلها من النفوس المستعدة لذلك. قال أهل النظم: حين وصف سعادة الأبرار كان لسائل أن يسأل: ما لهم يرزقون ذلك؟ فأجاب بقوله {يوفون بالنذر} وفيه أن الذي وفى بما أوجبه على نفسه لوجه الله كان بما أوجبه الله عليه أوفى. ذكر الواحدي في البسيط والزمخشري في الكشاف وكذا الإمامية أطبقوا على أن السورة نزلت في أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ولا سيما في هذه الآي. يروى عن ابن عباس أن الحسن والحسين مرضاً فعادهما رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناس معه فقال: يا أبا الحسن لو نذرت على ولدك فنذر علي وفاطمة وفضة جارية لهما إن أبرأهما الله يصوموا ثلاثة أيام فشفيا وما معهما شيء، فاستقرض علي من شمعون الخيبري اليهودي ثلاث أصوع من شعير فطحنت فاطمة منها صاعاً واختبزت خمسة أقراص على عددهم، فوضعوها بين أيديهم ليفطروا فوقف عليهم سائل فقال: السلام عليكم يا أهل محمد، مسكين من مساكين المسلمين أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة فآثروه وباتوا ولم يذوقوا إلا الماء وأصبحوا صياماً. فلما أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم وقف عليهم يتيم فآثروه. ووقف عليهم في الثالثة أسير ففعلوا مثل ذلك. فلما أصبحوا أخذ علي رضي الله عنه بيد الحسن والحسين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع قال: ما أشد ما يسوءني ما أرى بكم. وقام وانطلق معهم فرأى فاطمة في محرابها قد لصق ظهرها ببطنها وغارت عيناها فساءه ذلك فنزل جبرائيل وقال: خذها يا محمد هنأك الله في أهل بيتك فاقرأه السورة. ويروى أن السائل في اللياللي جبرائيل أراد بذلك ابتلاءهم بإذن الله سبحانه. ووصفهم الله سبحانه بالخوف من أهوال القيامة في موضعين أولاً في قوله {ويخافون يوماً كان شره مستطيراً} أي مكروهه مستطيراً فاشياً منتشراً من استطار الحريق، ومنه الفجر المستطير وأصله منطار.والغرض أنه تسع مكاره ذلك اليوم جميع المكلفين حتى الأنبياء يقولون: نفيس إلا نبينا محمد فإنه يقول " أمتي أمتي " والسموات يتفطرن والكواكب ينتثرن إلى غير ذلك من المكاره والأهوال. ولا ينافي هذا أمن المسلمين في الآخرة على قال {أية : لا يحزنهم الفزع الأكبر}تفسير : [الأنبياء: 103] وثانياً في قوله {إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً} وإذا كان حال أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم أو حال الأبرار على العموم في الخوف من الله إلى هذه الغاية فغيرهم أولى بالخوف. وأما الضمير في {حبه} فللطعام أي مع اشتهائه والحاجة إليه كقوله {أية : لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} تفسير : [آل عمران: 92] {أية : ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} تفسير : [الحشر: 9] وقال الفضيل بن عياض: أي على حب الله عز وجل نظير الآية قوله {أية : وآتى المال على حبه}تفسير : [البقرة: 177] وعنى المسكين واليتيم قد عرف مراراً، وأما الأسير فعن سعيد بن جبير وعطاء: هو الأسير من أهل القبلة. وعن أبي سعيد الخدري: هو المملوك والمسجون. وسمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الغريم أسيراً فقال "حديث : غريمك أسيرك فأحسن أسيرك" تفسير : وقد سمى الزوجة أسيراً فقال "حديث : اتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم" تفسير : أي أسراء.عن الحسن: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى بالأسير فيدفعه إلى بعض المسلمين فيقول: أحسن إليه فيكون عنده اليومين والثلاثة فيؤثره على نفسه. وعند عامة العلماء يجوز الإحسان إلى الكفار في دار الإسلام ولا تصرف إليهم الواجبات. والإحسان إليهم في الحال إلى أن يرى الإمام فيهم ما يرى من قتل أو من أو فداء أو إسترقاق، لا ينافي احتمال حكم الإمام عليهم بالقتل في المآل لأن سد خلتهم بالإطعام واجب على الفور وذلك يحتمل التراخي كما في حق من يلزمه القصاص ولم يكن له مال. ثم هذا الإطعام يجب أولاً على الإمام فإن لم يفعله وجب على المسلمين. قال قتادة: كان أسيرهم يومئذ المشرك فأخوك المسلم أحق أن تطعمه. ثم الإطعام ليس بواجب على التعيين ولكن الواجب مواساتهم بأي وجه كان. وإنما عبر عن ذلك بالإطعام لأن سبب النزول كان كذلك، ولأن المقصود الأعظم من أنواع الإحسان الطعام الذي به قوام البدن. يقال: أكل فلان مال فلان إذا أتلفه بأي وجه كان، وإن لم يكن بالأكل نفسه. قوله {إنما نطعمكم لوجه الله} لرضاه خاصة. ولا بد من إضمار القول. ثم إن هذا القول يجوز أن يكون منهم باللسان منعاً للسائل عن المجازاة بمثله، أو بالشكر ليقع إطعامهم خالصاً لله. ويجوز أن يكون بنطق الحال. قال مجاهد: إما إنهم ما تكلموا بذلك ولكن الله علم ذلك منهم فكشف عن نيتهم وأثنى عليهم. وفيه تنبيه على ما ينبغي أن يكون عليه المطعم بل كل عامل من إخلاص عمله لله. عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تبعث بالصدقة إلى هل بيت ثم تسأل الرسول ما قالوا فإن ذكر دعاء دعت لهم بمثله ليبقى ثواب الصدقة لها خالصاً. والشكور مصدر كالكفور ولو فتحت أولهما عاد المعنى مبالغة في شاكر وكافر. قوله {إنا نخاف} ظاهرة أنه تعليل للإطعام ويجوز أن يكون تعليلاً لعدم إرادة المجازاة. ووصف اليوم بالعبوس مجاز وذلك بطريقين أحدهما: أن يشبه في ضرره وشدته بالأسد العبوس أو بالشجاع الباسل. والثاني أن يوصف بصفة أهله من الأشقياء. يروى أن الكافر يعبس يومئذ حتى يسيل من بين عينيه عرق مثل القطران. والقمطرير أشد ما يكون من الأيام وأطوله بلاء وأصله الشديد العبوس الذي يجمع ما بين عينيه. والتركيب يدل على الجمع ومنه القمطر خريطة يجمع فيه الكتب، واقمطرت الناقة إذا رفعت ذنبها وجمعت قطريها وزمت بأنفها قاله الزجاج: فأصله من القطر وجعل الميم زائدة والظاهر أنها أصلية. وحين أخبر عن أعمال الأبرار وإخلاصهم ذكر ما سيجزيهم على ذلك وأكد تحقيق الوعد بأن عبر عنه بصيغة الماض قائلاً {فوقاهم الله شر ذلك اليوم} أي مكروهه فإن كل ما يشق على النفس وتكرهه فهو شر بالإضافة إليها، وإن كان خيراً في نفس الأمر مشتملاً على الحكم والفوائد كالقصاص وسائر الحدود {ولقاهم} أعطاهم {نضرة} في الوجوه {سروراً} في القلوب بدل عبوس الكفرة وحزنهم {وجزاهم بما صبروا} على التكاليف أو الإيثار المؤدي إلى إفناء المال المستتبع للجزع {جنة وحريراً} أي بستاناً فيه مأكل هنيّ ولباساً له منظر بهيّ قال الأخفش والزجاج {متكئين} نصب على الحال من مفعول {جزاهم} وقيل: على المدح. وقيل: حال من الجنة. وضعف لأنه يستدعي إبراز الضمير بأن يقال: متكئين فيها هم. والزمهرير شدة البرد. والأظهر أن الميم والهاء أصليتان لعدم النظير لو جعل أحدهما زائداً، والمعنى أن هواءها معتدل. وفي الحديث " حديث : هواء الجنة سجسج لا حر ولا قر " تفسير : وعن ثعلب أن الزمهرير هو القمر بلغة طير واشتقاقه من الزهر، والمراد أن الجنة لضيائها لا تحتاج إلى شمس ولا قمر. قوله {ودانية} ذكر الأخفش والكسائي والفراء والزجاج أنه معطوف على {متكئين} كما تقول في الدار عبد الله متكئاً ومرسلة عليه الحجال، وإن جعلنا قوله {لا يرون} حالاً صارت الأحوال ثلاثاً والتقدير. وجزاهم متكئين فيها على الأرائك غير رائين فهيا هواء مؤذياً ودانية عليهم الظلال. ودخلت الواو في الثالثة للدلالة على الإجتماع كأنه قيل: وجزاهم جنة متكئين فيها على الأرائك جامعين فيها بين البعد عن الحر والرد وبين الدنو من الظلال. ويجوز أن يكون {دانية} معطوفاً على {جنة} لأنهم وصفوا بالخوف. وقد قال سبحانه {أية : ولمن خاف مقام ربه جنتان} تفسير : [الرحمن: 46] والتقدير: وجزاهم جنة أخرى دانية عليهم ظلالها. وقوله {لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً} من باب " علفتها تبناً وماء بارداً " وذلك لأن الزمهرير لا يرى أي ولا ينالون زمهريراً وإن أريد بالشمس نكاية شعاعها وحرها فمعنى لا يرون لا ينالون، ولا يخفى أن هذا الظل ليس بالمعنى المصطلح في الدنيا وهو الضوء النوراني فإنه لا شمس هناك، فمعنى دنو الظلال أن أشجار الجنة خلقت بحيث لو كان هناك شمس لكانت تلك الأشجار قريبة الظلال على أهل الجنة وقد أكد هذا المعنى بقوله {وذللت قطوفها تذليلاً} أي لا تمتنع على قطافها كيف شاؤا. وقال ابن قتيبة: ذللت أي أدنيت من قولهم " حائط ذليل " إذا كان قصيراً قال البراء ابن عازب: من أكل قائماً لم يؤذه، ومن أكل جالساً ومضجعاً أمكنه. وحين وصف طعامكم ولباسهم ومسكنهم واعتدال هوائه وكيفية جلوسهم فيه أخبر عن شرابهم وقد ذكر الأواني. ومعنى {قوارير من فضة} أن جنس الآنية من الفضة إلا أن تلك الفضة في صفاء القوارير وشفافتها حتى يرى باطنها من ظاهرها، وإذا كانت قوارير الدنيا وأصلها من الحجر في غاية الصفاء والرقة بحيث تحكي ما في جوفها فما ظنك بقوارير الجنة وأصلها من الفضة؟ ومعنى كانت كما مر في قوله {كان مزاجها كافوراً} وقال في الكشاف: هو من قوله {أية : كن فيكون}تفسير : [يس: 82] أي تكونت قوارير بتكوين الله والمراد تفخيم تلك الخلقة العجيبة الجامعة بين صفتي الجوهرين المتباينين. والضمير في {قدروها} إما لأهل الجنّة أي إنها جاءت كما قدروا في أنفسهم حسب شهوتهم وحاجتهم، وإما للطائفين أي قدروا شرابها على مقدار ري كل أحد من غير زيادة ونقصان. وقريب منه قول مجاهد: لا تنقص ولا تفيض. وقال الربيع بن أنس: إن تلك الأواني تكون مقدار ملء الكف لم تعظم فيثقل حملها. قوله {ويسقون فيها كأساً} أي في الجنة إناء مملوأ من الخمر، ويجوز أن يكون الضمير للأواني، والكأس الخمر نفسها والعرب تحت طعم الزنجبيل في المشروب وتستلذه ولذلك وصف الله مشروبهم في الآخرة بذلك. قال ابن عباس: وكل ما ذكر الله في القرآن مما في الجنة فليس منه في الدنيا إلا الاسم. أما السلسبيل فقد قال ابن الأعرابي: لم أسمعه إلا في القرآن. وقال الأكثرون اشتقاقه من السلاسة. يقال شراب سلسل وسلسال وسلسبيل أي عذب سهل المساغ فكأن الباء واللام زيدتا للمبالغة حتى صارت الكلمة خماسية. ويرد عليه أن الباء ليست من حروف الزيادة. قال الزجاج: السلسبيل في اللغة صفة لما كان في غاية السلاسة. والفائدة في تسميتها بالسلسبيل بعد تسميتها بالزنجبيل هي أنها في طعم الزنجبيل ولذته ولكن ليس فيها اللذاع الذي هو مناف للسلاسلة. وقد نسب إلى علي بن أبي طالب عليه السلام أن معناه سل سبيلاً إليها. ووجه أن صحت الرواية بأنها حينئذ جملة سميت بها مثل " تأبط شراً " وسبب التسمية في الأصل أنه لا يشرب منها إلا من سأل إليها سبيلاً بالإيمان والعمل الصالح. وفي بعض شعر المتأخرين: شعر : سل سبيلاً فيها إلى راحة النف س براح كأنها سلسبيل تفسير : والظاهر منع صرفه للعملية والتأنيث ولكن لم يقرأ به إلا في الشواذ والمتواترة التنوين، ووجهه ما مر في {سلاسلاً} على أن رعاية المشاكلة أولى لكونه رأس آية. ثم وصف خدمهم بقوله {ويطوف عليهم ولدان مخلدون} ويجوز أن يكون هذا بياناً للطائفين في قوله {ويطاف عليهم بآنية} وقد صرح به في الواقعة وزاد ههنا أن شبههم في حسنهم وصفائهم وبقائهم وتفرقهم في المجلس لأصناف الخدمة باللؤلؤ المنثور. يحكى أن المأمون ليلة زفت إليه بوران بنت الحسن بن سهل وهو على بساط منسوج من ذهب وقد نثرت عليه نساء دار الخلافة اللؤلؤ، فنظر إليه منثوراً على ذلك البساط فاستحسن المنظر وقال: لله دّر أبي نواس كأنه شاهد مجلسنا هذا حيث قال البيت: شعر : كأن صغرى وكبرى من فواقعها حصباء در على أرض من الذهب تفسير : وقيل: شبهوا باللؤلؤ الرطب إذا نثر من صدفه لأنه أحسن وأكثر ماء، ثم أجمل نعيمهم لأنه مما لا يحصر ولا يخطر ببال أحد ما دام في الدنيا فخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم أو كل راء قائلاً {وإذا رأيت} قال الفراء: مفعوله وهو الموصول مضمر تقديره ما {ثم} كقوله {أية : لقد تقطع بينكم} تفسير : [الأنعام: 94] يريد ما بينكم. وأنكر الزجاج وغيره حذف الموصول والإكتفاء بالصلة. والذي اختاره أصحاب المعاني أن يكون المفعول متروكاً ليشيع ويعم. والمعنى أن الرائي أينما وجد الرؤية لمي تعلق إدراكه إلا بنعيم {وملكاً كبيراً} أي واسعاً هنيئاً. و " ثم " ظرف مكان أشير به إلى الجنة. روي أن أدنى أهل الجنة منزلة ينظر في ملكه مسيرة ألف عام. وقيل: الملك الكبير هو الذي لا زوال له. وقيل: هو أنه إذا أراد شيءاً كان. ومنهم من حمله على التعظيم وهو أن يأتي الرسول بكرامة من الكسوة والطعام والشراب والتحف إلى ولي الله وهو في منزله فيستأذن عليه ولا يدخل عليه رسول رب العزة وإن كان من الملائكة المقربين إلا بعد الإستئذان قاله الكلبي: وقال أهل العرفان: الملك الكبير هو اللذات الحقيقية والمعارف الإلهية والأسرار الربانية التي تستحقر عندها اللذات البدنية. وعن علي أنه قرأ {ملكاً كبيراً} بفتح الميم وكسر اللام هو الله. من قرأ {عاليهم} بسكون الياء فعلى أنه مبتدأ {وثياب سندس} خبر أي ما يعلوهم من لباسهم ثياب سندس ومن قرأ بالنصب فعلى أنه ظرف بمعنى فوق فيكون خبراً مقدماً. ويجوز أن يكون نصباً على الحال من ضمير الأبرار أي ولقاهم نضرة وسروراً. حال ما يكون عاليهم ثياب سندس. أو يطوف عليهم أي على الأبرار ولدان حال ما يكون عاليهم ثياب سندس. ويحتمل أن يكون العامل {رأيت} والمضاف محذوف والتقدير رأيت أهل نعيم وملك عاليهم ثياب سندس. من قرأ {خضر} بالرفع فظاهر، ومن قرأ بالجر فعلى الجوار أو على أنه صفة سندس بالإستقلال لأنه جنس فكان في معنى الجمع كما يقال: أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم البيض. وأما الرفع في {إستبرق} فللعطف على ثياب، والجر للعطف على سندس. وكلاهما ظاهر. قوله {وحلوا أساور من فضة} إن كان الضمير للولدان فلا إشكال لأن أساور المخدومين تكون من ذهب كما قال سبحانه في مواضع {أية : يحلون فيها من أساور من ذهب}تفسير : [الكهف: 31] وأساور الخدام من فضة. وإن كان الضمير للأبرار فلا إشكال أيضاً فلعلهم يسورون بالجنسين إما على المعاقبة وإما على الجمع. وما أحسن بالمعصم أن يكون فيه سواران سوار من ذهب وسوار من فضة. وأيضاً فالطباع مختلفة فرب إنسان يكون إستحسانه لبياض الفضة، ورب إنسان يكون إستحسانه لصفرة الذهب فالله تعالى يعطي كل أحد بفضله ما تكون رغبته فيه أتم. وقال بعض أهل التأويل: أساور اليد أعمالها وأكسابها التي صارت ملكات نورانية بها يتوسل إلى جوار الحضرة الصمدية كما أن الذهب والفضة في الدنيا وسائل إلى تحصيل المطالب العاجلة. ثم ختم جزاء الأبرار بقوله {وسقاهم ربهم شراباً طهوراً}هو إما مبالغة طاهر والمراد أنها ليست بنجسة كخمور الدنيا ولا مستقذرة طبعاً لمساس الأيدي الوضرة والأقدام النجسة والدنسة، ولا تؤل إلى النجاسة ولكنها ترشح عرقاً من أبدانهم له ريح كريح المسك. وإما مبالغة مطهر. قال أبو قلابة: يؤتون بالطعام والشراب ممزوجاً بالكافور والزنجبيل فإذا كان ذلك سقوا هذا الشراب فتظهر بذلك بطونهم ويفيض عرق من جلودهم كريح المسك. وذكر أصحاب التأويل أن الأنوار الفائضة من العالم العلوي متفاوتة في الصفاء والقوة والتأثير فبعضها كافورية طبعها البرد واليبس ويكون صاحبها في الدنيا في مقام الخوف والبكاء والقبض، وبعضها زنجبيلياً على طبع الحر واليبس ويكون صاحبها قليل الالتفات إلى ما سوى الله قليل المبالاة بالجسمانيات، ثم لا يزال الروح الإنساني ينتقل من نوع إلى نوع ومن مقام إلى مقام إلى أن ينتهي إلى حضرة نور الأنوار فيضمحل في نور تجليه سائر الأنوار، وهذا آخر سير الصديقين ومنتهى درجاتهم في الارتقاء إلى مدراج الكمال، فلهذا أضاف السقي إلى ذاته قائلاً {وسقاهم ربهم} ثم ختم وعدهم بقوله {إن هذا كان لكم جزاء} عن ابن عباس أن هذا المعنى إنما يقال لهم بعد دخولهم الجنة، فالقول مقدر والغرض إعلامهم أن كل ما تقدم من أصناف العطاء إنما هو جزاء أعمالهم والغرض إذاقة لذة الآخرة فإن سرورهم يزيد بذلك. وقال آخرون: إنه ابتداء خبر من الله تعالى لعباده في الدنيا ليعلموا في دار التكليف أن هذه الأشياء معدة في الآخرة لمن بر وأطاع. واعلم أنه سبحانه بين في أول السورة أن الإنسان وجد بعد العدم، ثم ذكر أنه خلقه من أمشاج وهي العناصر والأخلاط والماآن ماء الرجل وماء المرأة، والأطوار المتعاقبة على النطفة أو النفس أو البدن، وعلى جميع التقادير فلذلك يدل على كونه فاعلاً مختاراً صانعاً حكيماً. ثم أخبر أنه ما خلقه لأجل العبث ماطلاً باطلاً ولكنه خلقه للابتلاء والامتحان وأعطاه كل ما هو محتاج إليه من العقل والحواس، ثم إن مآل أمره بالجبر أو بالقدر إلى الشكر أو الكفر، أما الكفر فله السلاسل والأغلال، وأما الشاكر فله النعيم والظلال. واختصر في العقاب وأطنب في ذكر الثواب إشارة إلى أن رحمته سبقت غضبه. وحين فرغ من شرح أحوال الآخرة بدأ بكيفية صدور القرآن الذي منه تعليم هذه العلوم والحقائق فقال {إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلاً} وفيه أنواع من المبالغة من قبل إيقاع الضمير اسماً لأن " ثم " تكريره ومن جهة ذكر المصدر بعد الفعل ومن جهة لفظ التنزيل دون الإنزال لأن تنزيل القرآن منجماً مفرقاً أقرب إلى تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتثبيت فؤاده، وحيث سلى قلبه أمره بالصبر على أذى الكفار إلى أوان تنزيل آية القتال ونهاه عن طاعة كل آثم منهم وخصوصاً الكفور فإن الكفر أعظم الآثام قال النحويون: كلمة أو مفيدة لأحد الشيئين أو الأشياء، فأورد عليه أنه يلزم في الآية أنه لا يجوز طاعة الآثم والكفور إذا تخالفا. أما إذا توافقا فإنه يجوز طاعتهما إذ لا يبعد أن يقول السيد لعبده إذا أمرك أحد هذين الرجلين فخالفه. أما إذا توافقا فلا تخالفهما. والجواب أنه لا ريب أن قولك " لا تضرب زيداً أن أو عمراً" معناه في الأظهر لا تضرب زيداً ولا عمراً.ويحتمل احتمالاً مرجوحاً " لا تضرب أحدهما واضرب الآخر" إلا أن هذا الاحتمال مدفوع في الآية لقرينة الإثم والكفر فإن أحدهما إذا كان منهياً عنه فكلاهما معاً أولى لأن زيادة الشرِّ شرٌّ. ولهذا قال الفراء: لا تطع واحداً منهما سواء كان آثماً أو كفوراً. ولو كان العطف بالواو كان نصاً في النهي عن طاعتهما معاً، ولا يلزم منه النهي عن طاعة كل منهما على الإنفراد. وقد خص بعض المفسرين فقال: الآثم هو عتبة لأنه كان متعاطياً لأنواع الفسوق. والكفور هو الوليد لأنه كان شديد الشكيمة في الكفر. يروى أن عتبة بن ربيعة قال للنبي صلى الله عليه وسلم: اردع عن هذا الأمر حتى أزوجك ولدي فإني من أجمل قريش ولداً. وقال الوليد: أنا أعطيك من المال حتى ترضى فإني من أكثرهم مالاً. فقرأ عليهم رسول الله من أول " حم السجدة " إلى قوله {فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود} فانصرفا عنه. وقال أحدهما: ظننت أن الكعبة ستقع. وقال الحسن: الآثم هو المنافق، والكفور مشركو العرب، أمره بالصبر على التكاليف مطلقاً. ثم قسمها إلى نهي وأمر على هذا الترتيب لأن التخلية مقدمة على التحلية. أما النهي فقد مر، وأما الأمر فأوله ذكر اله ولا سيما في الصلاة أول النهار وآخره وهو المراد بقوله {بكرة وأصيلاً} ويشمل صلوات الفجر والظهر والعصر وأول الليل وهو المراد بقوله {ومن الليل فاسجد له} أي وفي بعض الليل فصل له يعني صلاة المغرب والعشاء وأوسطه وهو المعنى بقوله {وسبحه} أي وتهجد له طويلاً من الليل ثلثيه أو نصفه أو ثلثه كما مر في " المزمل". ثم شرع في توبيخ المتمردين عن طاعته مستحقراً إياهم قائلاً {إن هؤلاء يحبون} الدار {العاجلة} ونعيمها الزائل {ويذرون وراءهم يوماً ثقيلاً} أي شديداً كقوله {أية : ثقلت في السموات والأرض}تفسير : [الأعراف: 187] ثم بين كمال قدرته قائلاً {نحن خلقناهم وشددنا أسرهم} أي ربطهم وتوثيقهم ومنه أسر الرجل إذا أوثق بالقدر وبه سمى القد أسراً. والمعنى ركبناهم تركيباً محكماً وتقنا مفاصلهم بالأعصاب والربط والأوتار حسب ما يحتاجون إليه في التصرف لوجوه الحوائج {وإذا شئنا} أهلكناهم بالنفخة و {بدلنا أمثالهم} في شدة الأسر عند النفخة الثانية. وقال جار الله: قيل معناه بدلنا غيرهم ممن يطيع وحقه أن يجيء بأن لا بإذا كقوله {أية : وأن تتولوا يستبدل قوماً غيركم}تفسير : [محمد: 38] ممن يطيع {أية : إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد}تفسير : [إبراهيم: 19] قال الإمام فخر الدين الرازي: هذا الكلام كأنه طعن في لفظ القرآن وهو ضعيف لأن كل واحد من " إذا" " وإن " حرف الشرط. قلت: ما ذكره جار الله ليس طعناً في القرآن وإنما هو طعن في نفس ذلك القول بناء على أن " إذا" لا تستعمل إلا فيما كان مقطوع الوقوع كالإماتة بالنفخة الأولى والإحياء في النشأة الأخرى. أما الإهلاك على سبيل الإستئصال فذلك غير مقطوع به فلهذا ألا يحسن تفسير اللفظ به وتعين التفسير الأول، والمبادرة بالإعتراض قبل الفهم التام ليس من دأب العلماء المتقين فعجب من مثله ذلك. قوله {إن هذه تذكرة} قد مر في " المزمل " والمقصود من إعادته أن هذه السورة بما فيها من الترتيب الأنيق تبصرة للمتأملين المتخذين إلى كرامة الله سبيلاً بالطاعة والانقياد، وفيه دليل للقدري. وفي قوله {وما تشاؤن إلا أن يشاء الله} إلى آخر السورة دليل للجبري والتوفيق بينهما مفوض إلى فهم أهل التوفيق وقدمنا فيه التحقيق. وانتصب {الظالمين} بفعل يفسره معنى أعد أو وعدت ونحوهما أوعد، وبالله التوفيق وإليه المصير والمآب.
الثعالبي
تفسير : [قوله تعالى: {هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَـٰنِ...} الآية، {هَلُ} في كلام العرب قد تجيء] بمعنى {قَدْ}؛ حكاه سيبويه، لكنها لا تخلو من تقرير، وبابُها المشهورُ الاستفهام المَحْضُ، والتقرير أحياناً؛ قال ابن عباس: «هل» بمعنى «قد»، والإنسان يراد به آدم، وقال أكثر المتأولين: «هل» تقرير، الإنسان: اسم جنس، أي: إذا تَأَمَّلَ كُلُّ إنسان نفسه علم بِأَنَّه قد مَرَّ حِينٌ من الدهر عظيم لم يكن فيه شيئاً مذكوراً، وهذا هو القوي أَنَّ الإنسان اسم جنس، وأَنَّ الآية جُعِلَتْ عبرةً لكل أحد من الناس؛ لِيُعْلَمَ أَنَّ الخالق له قادر على إِعادته. * ص *: {لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً} في موضع حال من {ٱلإِنسَـٰنَ} أو في موضع صفة لـ{حِينٌ} والعائد عليه محذوف، أي: لم يكن فيه، انتهى. وقوله تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ...} الآية، الإنسان هنا: اسم جنس بلا خلافٍ، وأمشاج معناه: أخلاط؛ قيل: هو {أَمْشَاجٍ} ماءِ الرجل بماءِ المرأة، ونَقَلَ الفخرُ أَنَّ الأمشاج لفظٌ مفرد، وليس يُجْمَعُ، بدليل أَنَّه وقع صفةً للمفرد، وهو قوله: {نُّطْفَةٍ}، انتهى. {نَّبْتَلِيهِ} أي: نختبره بالإيجاد والكون في الدنيا، وهو حال من الضمير في {خَلَقْنَا} كأَنَّه قال: مختبرين له بذلك. وقوله تعالى: {فَجَعَلْنَـٰهُ سَمِيعاً بَصِيراً} عَطْفُ جملة نِعَم على جملة نِعَمٍ، وقيل: المعنى: فلنبتليه جعلناه سميعاً بصيراً و{هَدَيْنَـٰهُ}: يحتمل: أنْ يكون بمعنى أرشدناه، ويحتمل: أنْ يكون بمعنى أريناه، وليس الهدى في هذه الآية بمعنى خلق الهدى والإيمان، وعبارة الثَّعْلَبِيِّ: {هَدَيْنَـٰهُ ٱلسَّبِيلَ} بَيَّنَا له وَعَرَّفْنَاهُ طريقَ الهدى والضلال، والخير والشر؛ كقوله: {أية : وَهَدَيْنَـٰهُ ٱلنَّجْدَينِ }تفسير : [البلد:10] انتهى. وقوله تعالى: {إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً} حالان، وقسمتهما {إِمَّا}، و{ٱلأَبْرَارِ}: جمع بَارٍّ؛ قال الحسن: هم الذين لا يؤذون الذَّرَّ، ولا يرضون الشرَّ، قال قتادة: نعم قوم يمزجُ لهم بالكافور، ويُخْتَمُ لهم بالمسك، قال الفرَّاء: يقال إِنَّ في الجنة عيناً تسمى كافوراً.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ} في "هل" هذه وجهان: أحدهما: أنها على بابها من الاستفهام المحض، أي: هو ممن يسال لغرابته أأتى عليه حين من الدهر لم يكن كذا فإنه يكون الجواب: أتى عليه ذلك وهو بالحال المذكورة. كذا قاله أبو حيان. وقال مكي في تقرير كونها على بابها من الاستفهام: والأحسن أن تكون على بابها للاستفهام الذي معناه التقرير, وإنما هو تقرير لمن أنكر البعث فلا بد أن يقول: نعم قد مضى دهر طويل لا إنسان فيه، فيقال له: من أحدثه بعد أن لم يكن وكونه بعد عدمه، كيف يمتنع عليه بعثه، وإحياؤه بعد موته، وهو معنى قوله: {أية : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ} تفسير : [الواقعة: 62] أي: فهلا تذكرون، فتعلمون أن من أنشأ شيئاً بعد أن لم يكن قادراً على إعادته بعد موته وعدمه انتهى. فقد جعلها لاستفهام التقرير لا للاستفهام المحض، وهذا هو الذي يجب أن يكون؛ لأن الاستفهام لا يرد من الباري - تعالى - على هذا النحو وما أشبهه. والثاني: قال الكسائي والفراء وأبو عبيدة وحكي أيضاً عن سيبويه: أنها بمعنى "قد" قال الفرَّاء: "هل" تكون جحداً وتكون خبراً، فهذا من الخبر؛ لأنك تقول: هل أعطيتك؟ تقرره: بأنك أعطيته، والجحد أن تقول: هل يقدر أحد على مثل هذا؟. وقال الزمخشري: "هل" بمعنى "قد" في الاستفهام خاصة، والأصل: "أهل"؛ بدليل قوله: [البسيط] شعر : 5019- سَائِلْ فَوَارِسَ يَرْبُوعٍ لِشدَّتِنَا أهَلْ رَأوْنَا بوَادِي القِفِّ ذِي الأكَمِ؟ تفسير : فالمعنى: أقد أتى، على التقرير والتقريب جميعاً، أي أتى على الإنسان قبل زمان قريب "حين من الدهر لم يكن" فيه {شَيْئاً مَّذْكُوراً} أي: شيئاً منسيّاً غير مذكور انتهى. فقوله "على التقرير" يعني المفهوم من الاستفهام، وهو الذي فهمه مكي من نفس "هل" لا تكون بمعنى "قد" إلا ومعها استفهام لفظاً كالبيت المتقدم، أو تقريراً كالآية الكريمة. فلو قلت: هل جاء زيد، يعني: قد قام، من غير استفهام لم يجز. وغيره قد جعلها بمعنى "قد" من غير هذا القَيْدِ. وبعضهم لا يجيز ذلك ألبتة ويتأول البيت المتقدم على أنه مما جمع فيه بين حرفي معنى للتأكيد، وحسن ذلك اختلاف لفظهما؛ كقوله: [الطويل] شعر : 5020- فأصْبَحْــــنَ لا يَسْألنَنِــي عَـــنْ بِمَـــا بِـــهِ تفسير : فالباء بمعنى "عن" وهي مؤكدة لها، وإذا كانوا قد أكدوا مع اتفاق اللفظ؛ كقوله: [الوافر] شعر : 5021- فَـلاَ - والـلَّــهِ - لا يُلْفَـى لِمَــا بِــي ولا لِلمَــا بِهِــمْ أبَــداً دَوَاءُ تفسير : فلأن يؤكد مع اختلافه أحرى، ولم يذكر الزمخشري غير كونها بمعنى "قد"، وبقي على الزمخشري قيد آخر، وهو أن يقول: في الجمل الفعلية، لأنه متى دخلت "هل" على جملة اسمية استحال كونها بمعنى "قد" لأن "قد" مختصة بالأفعال. قال شهاب الدين: وعندي أن هذا لا يرد لأنه تقرر أن "قد" لا تباشر الأسماء. فصل في المراد بالإنسان المذكور في الآية قال قتادة والثوري وعكرمة والشعبي: إن المراد بالإنسان هنا آدم - عليه الصلاة والسلام - وهو مروي عن ابن عباس. وقيل: المراد بالإنسان: بنو آدم لقوله تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ}. فالإنسان في الموضعين واحد وعلى هذا فيكون نظم الآية أحسن. وقوله: {حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ} قال ابن عباس في رواية الضحاك أنه خلق من طين فأقام أربعين سنة، ثم من حمإ مسنون أربعين سنة، ثم من صلصال أربعين سنة، فتم خلقه في مائة وعشرين سنة، ثم نفخ فيه الروح. وحكى الماوردي عن ابن عباس - رضي الله عنه -: أن الحين المذكور هاهنا هو الزمن الطويل الممتد الذي لا يعرف مقداره. وقال الحسن: خلق الله تبارك وتعالى كل الأشياء ما يرى وما لا يرى من دوابّ البر والبحر في الأيام الست التي خلق الله - تعالى - فيها السماوات والأرض، وآخر ما خلق آدم - عليه الصلاة والسلام - فهو كقوله تعالى: {لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً}. فإن قيل: إن الطين والصلصال والحمأ المسنون قبل نفخ الروح فيه ما كان إنساناً، والآية تقتضي أنه مضى على الإنسان حال كونه إنساناً {حينٌ من الدَّهْرِ} مع أنه في ذلك الحين ما كان شيئاً مذكوراً. فالجواب: أن الطين والصلصال إذا كان مصوراً بصورة الإنسان، ويكون محكوماً عليه بأنه سينفخ فيه الروح، ويصير إنساناً صح تسميته بأنه إنسان، ومن قال: إن الإنسان هوالنَّفس الناطقة، وأنها موجودة قبل وجود الأبدان فالإشكال عنهم زائل، واعلم أنَّ الغرض من هذا التنبيه على أن الإنسان محدث، وإذا كان كذلك فلا بد من محدث قادر. قوله: "لم يكن" في هذه الجملة وجهان: أحدهما: أنها في موضع نصب على الحال من الإنسان, أي هل أتى عليه حين في هذه الحال. والثاني: أنها في موضع رفع نعتاً لـ "حين" بعد نعت، وعلى هذا فالعائد محذوف، تقديره: حين لم يكن فيه شيئاً مذكوراً. والأول أظهر لفظاً ومعنى. فصل في تفسير الآية روى الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى: {لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً}: لا في السماء ولا في الأرض. وقيل: كان جسداً مصوراً تراباً وطيناً لا يعرف ولا يذكر، ولا يدري ما اسمه ولا ما يراد به ثم نفخ فيه الروح فصار مذكوراً. قاله الفراء وقطرب وثعلب. وقال يحيى بن سلام: {لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً} لأنه خلقه بعد خلق الحيوان كله، ولم يخلق حيواناً بعده، ومن قال: إنَّ المراد من الإنسان الجنس من ذرية آدم - عليه الصلاة والسلام - فالمراد بالحين تسعة أشهر مدة الحمل في بطن أمه {لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً} إذ كان مضغة وعلقة؛ لأنه في هذه الحالة جماد لا خطر له. وقال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - لما قرأ هذه الآية: ليتها تمَّت فلا نبتلى، أي ليت المدة التي أتت على آدم لم يكن شيئاً مذكوراً تمت على ذلك فلا يلد ولا يبتلى، أولاده، وسمع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - رجلاً يقرأ: {هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً} فقال: ليتها تمّت. قوله: {إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ}. يعني ابن آدم من غير خلاف "من نُطْفَة" أي: من ماء يقطر وهو المنيّ، وكل ماء قليل في وعاء، فهو نطفة؛ كقول عبد الله بن رواحة يعاتب نفسه: [الرجز] شعر : 5022- مَا لِــي أرَاكِ تَكْرَهِيــنَ الجَنَّــهْ هَـلْ أنْـتِ إلاَّ نُطفـةٌ فِـي شَنِّـــه؟ تفسير : وجمعها: نطف ونطاف. قوله: "أمْشَاجٍ": نعت لـ "نُطْفَةٍ" ووقع الجمع نعتاً لمفرد؛ لأنه في معنى الجمع كقوله تعالى: {أية : رَفْرَفٍ خُضْرٍ} تفسير : [الرحمن: 76] أو جعل جزء من النطفة نطفة، فاعتبر ذلك فوصفت بالجمع. وقال الزمخشري: "نُطْفةٍ أمشاج" كبُرمةٍ أعشارٍ وبُرٍّ أكباش وثوب أخلاق وأرضٍ يباب وهي الفاظ مفردة غير جموع ولذلك وقعت صفات للأفراد، ويقال: نطفة مشج؛ قال الشماخ: [الوافر] شعر : 5023- طَـوتْ أحْشَــاءَ مُرْتِجَـةٍ لوقـتٍ عَلـى مَشـجٍ سُلالتُـهُ مَهِيــنُ تفسير : ولا يصح في "أمْشَاجٍ" أن يكون تكسيراً له بل هما مثلان في الإفراد لوصف المفرد بهما. فقد منع أن يكون "أمشاج" جمع "مشج" بالكسر. قال أبو حيان: وقوله مخالف لنص سيبويه والنحويين على أن "أفعالاً" لا يكون مفرداً. قال سيبويه: وليس في الكلام "أفْعَال" إلا أن يكسر عيله اسماً للجميع، وما ورد من وصف المفرد بـ "أفعال" تأولوه انتهى. قال شهاب الدين: هو لم يجعل "أفعالاً" مفرداً، إنما قال: يوصف به المفرد، يعني التأويل ذكرته من أنهم جعلوا كل قطعة من البُرْمة بُرْمة، وكل قطعة من البرد برداً، فوصفوهما بالجمع. وقال أبو حيان: "الأمشاج": الأخلاط، وأحدها "مَشَج" بفتحتين أو مشج كعدل وأعدال، أو مشيج كشريف وأشراف. قاله ابن العربي؛ وقال رؤبة [الرجز] شعر : 5024- يَطْرَحْنَ كُلَّ مُعجلٍ مشَّاجِ لم يُكْسَ جِلْداً مِنْ دمٍ أمْشَاجِ تفسير : وقال الهذليُّ يصف السهم لهم بأنه قد نفذ في الرمية فالتطخ ريشه وفوقاه بدم يسير: [الوافر] شعر : 5025- كَـأنَّ الرِّيــشَ والفُوقيْـنِ مِنْـهُ خِـلافُ النَّصْـلِ سيـطَ بِـهِ مشيــجُ تفسير : ويقال: مَشَج يمشُج مشجاً إذا خلط، فمشيج كـ "خليط"، وممشوج كـ "مخلوط" انتهى. فجوز أن يكون جمعاً لـ "مشيج" كعدل، وقد تقدم أن الزمخشري منع من ذلك. وقال الزمخشري: "ومشجه ومزجه بمعنى، من نطفة قد امتزج فيها الماءَانِ". وقال القرطبي: ويقال: مشجت هذا بهذا أي: خلطته، فهو ممشوج ومشيج، مثل مخلواط وخليط، وهو هنا اختلاط النطفة بالدم، وهو دم الحيض، وذلك أنَّ المرأة إذا بلغت ماء الرجل وحبلت أمسك حيضها، فاختلطت النُّطفة بالدم. وقال الفراء: أمشاج: اختلاط ماء الرجل وماء المرأة، والدم والعلقة. روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: الأمشاج في الحمرة، والبياض في الحمرة، وعنه أيضاً قال: يختلط ماء الرجل وهو أبيض غليظ بماء المرأة وهو أصفر رقيق، فيخلق الولد فما كان من عصب وعظم وقوة فهو من ماء الرجل، وما كان من لحم وشعر فهو من ماء المرأة. قال القرطبي: "وقد روي هذا مرفوعاً؛ ذكره البزار". وعن ابن مسعود: أمشاجها عروق المضغة. وقال مجاهد: نطفة الرجل بيضاء وحمراء، ونطفة المرأة خضراء وصفراء. وقال ابن عباس: خلق من ألوان، خلق من تراب ثم من ماء الفرج والرحم وهي نطفة ثم علقة، ثم مضغة ثم عظم ثم لحم، ونحوه. قال قتادة: هي أطوار الخلق: طوراً نطفة، وطوراً علقة، وطوراً مضغة، وطوراً عظاماً، ثم يكسو العظام لحماً. قال ابن الخطيب: وقيل: إن الله - تعالى - جعل في النطفة أخلاطاً من الطَّبائع التي تكون في الإنسان من الحرارة والبرودة، والرطوبة واليبوسة، والتقدير: من نطفة ذات أمشاج، فحذف المضاف وتم الكلام. قوله: "نبتليه". يجوز في هذه الجملة وجهان: أحدهما: أنها حال من فاعل خلقنا، أي: خلقناه حال كوننا مبتلين له. والثاني: أنها حال من الإنسان، وصح ذلك لأن في الجملة ضميرين كل منهما يعود على ذي الحال، ثم هذه الحال أن تكون مقارنة إن كان معنى "نبتليه" نصرفه في بطن أمه نطفة ثم علقة كما قال ابن عباس وأن تكون مقدرة إن كان المعنى نبتليه نختبره بالتكليف؛ لأنه وقت خلقه غير مكلف. وقال الزمخشري: "ويجوز أن يكون ناقلين له من حال إلى حال، فسمي بذلك ابتلاء على طريق الاستعارة". قال شهاب الدين: "وهذا معنى قول ابن عباس المتقدم". وقال بعضهم: في الكلام تقديم وتأخير، والأصل: إننا جعلناه سميعاً بصيراً لنبتليه، أي: جعلنا له ذلك للابتلاء، وهذا لا حاجة إليه. فصل في تفسير قوله تعالى نبتليه قوله: "نبتليه": لنبتليه، كقولك: "جئتك أقضي حقك، أي لأقضي حقك وآتيك أستمنحك كذا" ونظيره قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ} تفسير : [المدثر: 6] أي: لتستكثر. ومعنى: "نبتليه" نختبره، وقيل: نقدر فيه الابتلاء وهو الاختبار، وفيما يختبر به وجهان: أحدهما: قال الكلبي: نختبره بالخير والشر. والثاني: قال الحسن: نختبر شكره في السراء وصبره في الضراء. وقيل: "نَبْتَلِيه" نكلّفه بالعمل بعد الخلق. قاله مقاتل رحمه الله. وقيل: نكلفه؛ ليكون مأموراً بالطاعة، ومنهياً عن المعاصي. وقوله: {فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً}. والمعنى: إنا خلقناه في هذه الأمشاج لا للعبث بل للابتلاء والامتحان، ثم ذكر أنه أعطاه ما يصح معه الابتلاء وهو السمع والبصر، وهما كنايتان عن الفهم والتمييز، لأن الابتلاء لا يقع إلا بعد تمام الخلقة، والمعنى: جعلنا له سمعاً يسمع به الهدى وبصراً يبصر به الهدى كما قال تعالى حاكياً عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام: {أية : لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ} تفسير : [مريم: 42] وقد يراد بالسميع المطيع، كقوله: "سَمْعاً وطَاعَة"، وبالبصير: العالم، يقال: لفلان بصر في هذا الأمر. وقيل: المراد بالسمع والبصر: الحاسَّتان المعروفتان، والله - تعالى - خصهما بالذكر؛ لأنهما أعظم الحواس وأشرفهما. قوله: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ} أي: بيَّنا له وعرفناه بطريق الهدى والضلال والخير والشر ببعث الرسل فآمن أو كفر. وقال مجاهد: السبيل هنا خروجه من الرحم. وقيل: منافعه ومضاره التي يهتدي إليها بطبعه وكمال عقله. فصل في ان العقل متأخر عن الحواس قال ابن الخطيب: أخبر الله - تعالى - أنه بعد أن ركبه وأعطاه الحواس الظاهرة والباطنة بين له سبيل الهدى والضلال، قال: والآية تدل على أن العقل متأخر عن الحواس، وهو كذلك ثم ينشأ عنها عقائد صادقة أولية كعلمنا بان النفي والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان، وأن الكل أعظم من الجزء وهذه العلوم الأولية هي العقل. قال الفراء: هذا يتعدى بنفسه وباللام. قوله: {إِمَّا شَاكِراً}. نصب على الحال، وفيه وجهان: أحدهما: أنه حال من مفعول "هَدَيْنَاهُ" أي: هديناه مبيناً له كلتا حالتيه. قال أبو البقاء: وقيل: وهي حال مقدرة. قال شهاب الدين: لأنه حمل الهداية على أول البيان له وفي ذلك الوقت غير متصف بإحدى الصفتين. والثاني: أنه حال من "السبيل" على المجاز. قال الزمخشري: "ويجوز أن يكونا حالين من السبيل أي عرفناه السبيل، إما سبيلاً شاكراً، وإما سبيلاً كفوراً، كقوله تعالى: {أية : وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ} تفسير : [البلد: 10]، فوصف السبيل بالشكر والكفر مجازاً". والعامة على كسر همزة "إما" وهي المرادفة لـ "أو" وقد تقدم خلاف النحويين فيها. ونقل مكي عن الكوفيين أن هاهنا: "إن" الشرطية زيدت بعدها "ما" ثم قال: "وهذا لا يجيزه البصريون؛ لأن "إن" الشرطية لا تدخل على الأسماء إلاَّ أن يضمر فعل نحو: {أية : وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} تفسير : [التوبة: 6]، ولا يصح إضمار الفعل، ويمكن أن يضمر فعل ينصب "شاكر"، وأيضاً لا دليل على الفعل" انتهى. قال شهاب الدين: لا نسلم أنه يلزم رفع "شاكراً" مع إضمار الفعل، ويمكن أن يضمر فعل ينصب "شاكراً" تقديره: إنا خلقناه شاكراً فشكوراً، وإنا حلقناه كافراً فكفوراً. وقرأ أبو السمال، وأبو العجاج: بفتحها، وفيه وجهان: أحدهما: أنها العاطفة وأنها لغة، وبعضهم فتح الهمزة؛ وأنشدوا على ذلك: [الطويل] شعر : 5026- تُنفِّخُهَـا أمَّـا شِمـالٌ عَـرِيَّــةٌ وأمَّـا صَبَـا جُنـحِ العَشِـيِّ هَبُــوبُ تفسير : بفتح الهمزة. ويجوز مع فتح الهمزة إبدال ميمها الأولى ياء؛ قال [البسيط] شعر : 5027- أيْمَــا إلَــى جَنَّــةٍ أيْمَــا إلــى نَــارِ تفسير : وحذف الواو بينهما. والثاني: أنها "إما" التفصيلية وجوابها مقدر. قال الزمخشري: وهي قراءة حسنة، والمعنى: إما شاكراً فبتوفيقنا، وإما كفوراً فبسوء اختياره انتهى، ولم يذكر غيره. فصل في الكلام على الآية قال ابن الخطيب بعد حكايته أن "شاكراً وكفوراً" حالان: إنّ المعنى: كلما يتعلق بهداية الله تعالى وإرشاده فقد تم حالتي الكفر والإيمان. وقيل: وانتصب "شاكراً وكفوراً" بإضمار "كان" والتقدير: سواء كان شاكراً أو كان كفوراً. وقيل: معناه إن هديناه السبيل ليكون إما شاكراً وإما كفوراً، أي يتميز شكره من كفره، وطاعته من معصيته كقوله تعالى: {أية : لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} تفسير : [الملك: 2] قال القفال: ومجاز هذه الكلمة على هذا التأويل كقولك: "قد نصحت لك إن شئت فاقبل، وإن شئت قاترك" فتحذف الفاء، وقد يحتمل أن يكون ذلك على جهة الوعيد، أي: إنا هديناه السبيل، فإن شاء فليشكر، وإن شاء فليكفر فإنا قد أعتدنا للكافرين كذا قوله {أية : وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} تفسير : [الكهف: 29]. وقيل: حالان من السبيل، فإن شاء فليشكر، وإن شاء فليكفر. وقيل: حالان من السبيل، أي عرفناه السبيل إما سبيلاً شاكراً وإما سبيلاً كفوراً، ووصف السبيل بالشكر والكفر مجاز. قال ابن الخطيب: وهذه الأقوال لائقةٌ بمذهب المعتزلة. وقيل قول الخامس مطابق لمذهب أهل السنة واختاره الفراء وهو أن تكون "إما" في هذه الآية كما في قوله تعالى: {أية : إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ} تفسير : [التوبة: 106] والتقدير: إنا هديناه السبيل، ثم جعلناه تارة شاكراً، وتارة كفوراً ويؤيده قراءة أبي السمال المتقدمة، قالت المعتزلة: هذا التأويل باطل لتهديده الكفار بعد هذه الآية بقوله تعالى {أية : إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلاَ وَأَغْلاَلاً وَسَعِيراً} تفسير : [الإنسان: 4] ولو كان كفر الكافر من الله وبخلقه لما جاز منه أن يهدده عليه، ولما بطل هذا التأويل الأول، وهو أنه - تعالى - هدى جميع المكلفين، سواء آمن أو كفر، وبهذا بطل قول المجبرة. وأجيب: بأنه - تعالى - لما علم من الكافر أنه لا يؤمن، ثم كلفه بأن يؤمن فقد كلفه بالجمع بين العلم بعدم الإيمان ووجود الإيمان، وهذا تكليف بالجمع بين متنافيين، فإن لم يصر هذا عذراً في سقوط التهديد والوعيد جاز ايضاً أن يخلق الكفر فيه، ولا يصير ذلك عذراً في سقوط التهديد والوعيد، فإذا ثبت هذا ظهر أن هنا التأويل هوالحق، وبطل تأويل المعتزلة. فصل في جمعه تعالى بين الشاكر والكفور قال القرطبي: "جمع بين الشاكر والكفور ولم يجمع بين الشكور والكفور مع اجتماعهما في معنى المبالغة نفياً للمبالغة في الشكر، وإثباتاً لها في الكفر؛ لأن شكر الله - تعالى - لا يؤدّى فانتفت عنه المبالغة، ولم ينتف عن الكفر المبالغة فقلَّ شكره لكثرة النعم عليه وكثرة كفره وإن قلّ مع الإحسان إليه، حكاه الماوردي".
البقاعي
تفسير : ولما تقدم في آخر القيامة التهديد على مطلق التكذيب، وأن المرجع إلى الله وحده، والإنكار على من ظن أنه يترك سدى والاستدلال على البعث وتمام القدرة عليه، تلاه أول هذه بالاستفهام الإنكاري على ما يقطع معه بأن لا يترك سدى، فقال مفصلاً ما له سبحانه عليه من نعمة الإيجاد والإعداد والإمداد والإسعاد: {هل أتى} أي بوجه من الوجوه {على الإنسان} أي هذا النوع الذي شغله عما يراد به ويراد له لعظم مقداره في نفس الأمر الأنس بنفسه والإعجاب بظاهر حسه والنسيان لما بعد حلول رمسه {حين من الدهر} أي مقدار محدود وإن قل من الزمان الممتد الغير المحدود حال كونه {لم يكن} أي في ذلك الحين كوناً راسخاً {شيئاً مذكوراً *} أي ذكراً له اعتبار ظاهر في الملأ الأعلى وغيره حتى أنه يكون متهاوناً به غير منظور إليه ليجوز أن يكون سدى بلا أمر ونهي، ثم يذهب عدماً ليس الأمر كذلك، بل ما أتى عليه شيء من ذلك بعد خلقه إلا وهو فيه شيء مذكور، وذلك أن الدهر هو الزمان، والزمان هو مقدار حركة الفلك - كما نقله الرازي في كتاب اللوامع في سورة "يس" عند قوله تعالى "ولا الليل سابق النهار" فإنه قال: الزمان ابتداؤه من حركات السماء فإن الزمان مقدار حركات الفلك - انتهى وآدم عليه السلام تم الخلق بتمام خلقه في آخر يوم الجمعة أول جمعة كانت، وكانت طينته - قبل ذلك بمدة مخمرة هو فيها بين الروح والجسد، قال ابن مسعود رضي الله عنه: خلق الله آدم عليه السلام من تراب فأقام أربعين سنة ثم من طين أربعين سنة ثم من صلصال أربعين سنة ثم من حمإ مسنون أربعين سنة ثم خلقه بعد ستين ومائة سنة، وقال البغوي: قال ابن عباس رضي الله عنهما: ثم خلقه بعد عشرين ومائة سنة: فحينئذ ما أتى عليه زمان إلا وهو شيء مذكور إما بالتخمير وإما بتمام التصوير، فالاستفهام على بابه وهو إنكاري، وليست "هل" بمعنى "قد" إلا إن قدرت قبلها الهمزة، وكان الاستفهام إنكارياً لينتفي مضمون الكلام، والمراد أنه هو المراد من العالم، فحينئذ ما خلق الزمان إلا لأجله، فهو أشرف الخلائق، وهذا أدل دليل على بعثه للجزاء، فهل يجوز مع ذلك أن يترك سدى فيفنى المظروف الذي هو المقصود بالذات، ويبقى الظرف الذي ما خلق إلا صواناً له، والذي يدل على ذلك من أقوال السلف أنه روي أن رجلاً قرأها عند ابن مسعود رضي الله عنه فقال: يا ليت ذلك لم يكن. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: قوله تعالى: {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً} [الإنسان: 1] تعريف الإنسان بحاله وابتداء أمره ليعلم أن لا طريق له للكبر واعتقاد السيادة لنفسه، وأن لا يغلطه ما اكتنفه من الألطاف الربانية والاعتناء الإلهي والتكرمة فيعتقد أنه يستوجب ذلك ويستحقه{أية : وما بكم من نعمة فمن الله}تفسير : [النحل: 53] ولما تقدم في القيامة إخباره تعالى عن حال منكري البعث عناداً واستكباراً وتعامياً عن النظر والاعتبار{أية : أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه}تفسير : [القيامة: 3] وقوله بعد{أية : فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى ثم ذهب إلى أهله يتمطى}تفسير : [القيامة: 31 - 33] أي يتبختر عتواً واستكباراً ومرحاً وتجبراً، وتعريفه بحاله التي لو فكر فيها لما كان منه ما وصف، وذلك قوله{أية : ألم يكن نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى}تفسير : [القيامة: 37 - 38] أتبع ذلك بما هو أعرق في التوبيخ وأوغل في التعريف وهو أنه قد كان لا شيء فلا نطفة ولا علقة، ثم أنعم الله عليه بنعمة الإيجاد ونقله تعالى من طور إلى طور فجعله نطفة من ماء مهين في قرار مكين ثم كان علقة ثم مضغة إلى إخراجه وتسويته خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين، فمن اعتبر اتصافه بالعدم ثم تقلبه في هذه الأطوار المستنكف حالها والواضح فناؤها واضمحلالها، وأمده الله تعالى بتوفيقه عرف حرمان من وصف في قوله: "ثم ذهب إلى أهله يتمطى" فسبحان الله ما أعظم حلمه وكرمه ورفقه، ثم بين تعالى ما جعله للإنسان من السمع والبصر ابتلاء له، ومن أدركه أدركه الغلط وارتكب الشطط - انتهى. ولما ذكر مطلق خلقه، وقرر أنه خلاصة الكون، شرع يذكر كيفية خلقه ويدل على ما لزم من ذلك من أنه ما خلق الخلق إلا لأجله وأنه لا يجوز أن يهمل فقال معلماً بالحال التي هي قيد الجملة ومحط الفائدة أنه ما خلق إلا للآخرة، مفصلاً أمر الإيجاد بالفاعل والصورة والمادة والغاية وأكده لإنكارهم له: {إنا} أي على ما لنا من العظمة {خلقنا} أي قدرنا وصورنا، وأظهر ولم يضمر لأن الثاني خاص والأول عام لآدم عليه الصلاة والسلام وجميع ولده فقال: {الإنسان} أي بعد خلق آدم عليه الصلاة والسلام {من نطفة} أي مادة هي ماء جداً من الرجل والمرأة، وكل ماء قليل في وعاء فهو نطفة وهي المادة التي هي السبب الحامل للقوة المولدة. ولما كان خلقه على طبائع مختلفة وأمزجة متفاوتة أعظم لأجره إن جاهد ما يتنازعه من المختلفات بأمر ربه الذي لا يختلف، وكانت أفعاله تابعة لأخلاقه وأخلاقه تابعة لجبلته قال: {أمشاج} أي أخلاط - جمع مشج أو مشيج مثل خدن وخدين وأخدان، وخلط وخليط وأخلاط، من مشجت الشيء - إذا خلطته، لأنه من مني الرجل ومني المرأة، وكل منهما مختلف الأجزاء متباين الأوصاف في الرقة والثخن والقوام والخواص تجتمع مع الأخلاط وهي العناصر الأربعة، ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر فأيهما علا كان الشبه له، وما كان من عصب وعظم فمن نظفة الرجل، وما كان من دم ولحم وشعر فمن ماء المرأة، وقال يمان: كل لونين اختلطا فهو أمشاج، وقال قتادة: هي أطوار الخلق من النطفة وما بعدهما، وكما يشبه ما غلب عليه من باطن الأمشاج من الطيب والخبث، وكيفية تمشيجه أن الماء إذا وصل إلى قرار الرحم اختلط بماء المرأة ثم بدم الطمث وخثر حتى صار كالرائب ثم احمر وحينئذ يسمى علقة، فاذا اشتد ذلك الامتزاج وقوي وتمتن حتى استعد لأن يقسم فيه الأعضاء سمي مضغة، فإذا أفيضت عليه صورة الأعضاء وتقسم كساه حينئذ مفيضه عز وجل لحماً، فأفاض عليه القوة العاقلة، ويسمى حينئذ جنيناً، وذلك بعد تقسم أجزائه إلى عظام وعروق وأعصاب وأوتار ولحم، فدور الرأس وشق في جانبيه السمع وفي مقدمه المبصر والأنف والفم، وشق في البدن سائر المنافذ ثم مد اليدين والرجلين وقسم رؤوسها بالأصابع، وركب الأعضاء الباطنة من القلب والمعدة والكبد - والطحال والرئة والمثانة، فسبحان من خلق تلك الأشياء من نطفة سخيفة مهينة كوّن منها العظام مع قوتها وشدتها وجعلها عماد البدن وقوامه وقدرها بمقادير وأشكال مختلفة، فمنها صغير وكبير، وطويل وقصير، وعريض ومستدير، ومجوف ومصمت، ودقيق وثخين، ولم يجعلها عظماً واحداً لأن الإنسان محتاج إلى الحركة بجملة بدنه وببعض أعضائه ثم جعل بين تلك العظام مفاصل ثم وصلها بأوتار أنبتها من أحد طرفي العظم وألصقها بالطرف الآخر بالرباط له ثم خلق في أحد طرفي العظم زوائد خارجة، وفي الآخر حفراً موافقة لشكل الزوائد لتدخل فيها، وخلق الرأس مع كريته من خمسة وخمسين عظماً مختلفة الأشكال وألف بعضها مع بعض، فجعل في القحف ستة وفي اللحى الأعلى أربعة عشر، واثنان للأسفل، والباقي في الأسنان، وجعل الرقبة مركباً للرأس وركبها من سبع خرزات فيها تجويفات وزيادات ونقصانات لينطبق بعضها على بعض، وركب الظهر من أربع وعشرين خرزة وعظم العجز من ثلاثة أجزاء، وجعل من أسفله عظم العصعص أو اللفة من ثلاثة أجزاء مختلفة، ثم وصل عظام الظهر بعظام الصدر وعظام الكتف وغيرها حتى بلغ مجموع عظام بدن الإنسان مائتي عظم وثمانية وأربعين عظماً سوى العظام التي حشا بها خلل المفاصل، وخلق سبحانه آلات التحريك للعظام وهي العضلات وهي خمسمائة وسبع وعشرون عضلة كل منها على قدر مخصوص ووضع مخصوص لو تغير عن ذلك أدنى تغير لاختلت مصالح البدن، وكذا الأعصاب والأوردة والشرايين، ثم انظر كيف خلق الظهر أساساً للبدن، والبطن حاوياً لآلات الغذاء والرأس مجمعاً للحواس، ففتح العين ورتب طبقاتها وأحسن شكلها ولونها وأحكمها بحيث ينطبع في مقدار عدسة منها صورة السماوات على عظمها، وحماها بالأجفان لتسترها وتحفظها، ثم أودع الأذنين ماء مراً يدفع عنها الهوام وحاطهما بصدفين لجمع الصوت ورده إلى الصماخ وليحس بدبيب الهوام وجعل فيها تعريجاً لتطويل الطريق فلا تصل الهوام إلى جرم الصماخ سريعاً، ثم رفع الأنف في الوجه وأودع فيه حاسة الشم للاستدلال بالروائح على الأطعمة والأغذية ولاستنشاق الروائح الطيبة لتكون مروحة للقلب، وأودع الفم اللسان وجعله على كونه لحمة واحدة معرباً عما في النفس، وزين القم بالأنسان فحدد بعضها لتكون آلة للنقب وحدد بعضها لتصلح للقطع، وجعل بعضها عريضاً مفلطحاً صالحاً للطحن وبيض ألوانها ورتب صفوفها وسوى رؤوسها ونسق ترتيبها حتى صارت كالدر المنظوم، ثم أطبق على الفم الشفتين وحسن لونهما لتحفظا منفذه وهيأ الحنجرة لخروج الصوت، وخالف أشكال الحناجر في الضيق والسعة والخشونة والملاسة والصلابة والرخاوة والطول والقصر، فاختلفت الأصوات بسببها ليميز السامع المصوّتين بسبب تمييز أصواتهم فيعرفهم وإن لم يرهم، وسخر كل عضو من أعضاء الباطن لشيء مخصوص، فالمعدة لإنضاج الغذاء، والكبد لإحالته إلى الدم، والطحال لجذب السواد، والمرارة لجذب الصفراء، والكلية لجذب الفضلة المائية، والمثانة لخدمة الكلية بقبول الماء عنها ثم إخراجه من طريقه، والعروق لخدمة الكبد في إيصال الدم إلى سائر أطراف البدن، وكان مبدأ ذلك كله النطفة على صغرها في داخل الرحم في ظلمات ثلاثة ولو كشف الغطاء وامتد البصر إليه لرأى التخطيط والتصوير يظهر عليه شيئاَ فشيئاً ولا يرى المصور ولا الإله، فسبحانه ما أعظم شأنه وأبهر برهانه، فيالله العجب ممن يرى نقشاً حسناً على جدار فيتعجب من حسنه وحذق صانعه ثم لا يزال يستعظمه ثم ينظر إلى هذه العجائب في نفسه وفي غيره ثم يغفل عن صانعه ومصوره فلا تدهشه عظمته ويحيره جلاله وحكمته. ولما كان الإنسان مركباً من روح خفيف طاهر وبدن هو مركب الحظوظ والشهوات واللوم والدنيات، فكان الروح بكماله والبدن بنقصانه يتعالجان، كل منهما يريد أن يغلب صاحبه، قوى سبحانه الروح بالشرع الداعي إلى معالي الأخلاق، الناهي عن مساويها، المبين لذلك غاية البيان على يد إنسان طبعه سبحانه على الكمال ليقدر على التلقي من الملائكة، فيكمل أبناء نوعه، فدل على ذلك بحال بناها من ضمير العظمة فقال مبيناً للغاية: {نبتليه} أي نعامله بما لنا من العظمة بالأمر والنهي والوعظ معاملة المختبر ونحن أعلم به منه، ولكنا فعلنا ذلك لنقيم عليه الحجة على ما يتعارفه الناس، فإن العاصي لا يعلم أنه أريد منه العصيان، وكذا الطائع، فصار التكليف بحسب وهمه لما خلق الله له من القوة والقدرة الصالحة في الجملة. ولما ذكر الغاية، أتبعها الإعدادات المصححة لها فقال: {فجعلناه} أي بما لنا من العظمة بسبب ذلك {سميعاً} أي بالغ السمع {بصيراً *} أي عظيم البصر والبصيرة ليتمكن من مشاهدة الدلائل ببصره وسماع الآيات بسمعه، ومعرفة الحجج ببصيرته، فيصح تكليفه وابتلاؤه، فقدم العلة الغائية لأنها متقدمة في الاستحضار على التابع لها من المصحح لورودها، وقدم السمع لأنه أنفع في المخاطبات، ولأن الآيات المسموعة أبين من الآيات المرئية، قال الرازي في اللوامع وإلى هنا انتهى الخبر الفطري ثم يبتدىء منه الاختبار الكسبي - انتهى. وذلك بنفخ الروح وهي حادثة بعد حدوث البدن بإحداث القادر المختار لها بعد تهيئة البدن لقبولها، ثم أفاض سبحانه على الجملة العقل، وجعل السمع والبصر اللتين له، ولعله خصهما لأنهما أنفع الحواس، ولأن البصر يفهم البصيرة وهي تتضمن الجميع، وجعل سبحانه له ذلك لاستقراء صور المحسوسات وانتزاع العلوم الكلية منها، وبذلك يكمل علمه الذي منه الدفع عن نفسه التي جعلها الله تعالى محل التكليف ليكمل تكليفه، وذلك أنه سبحانه ركبه من العناصر الأربعة، وجعل صلاحه بصلاحها، وفساده بفسادها لتعاليها، فاضطر إلى قوى يدرك بها المنافي فيجتنبه والملائم فيطلبه، فرتب له سبحانه الحواس الخمس الظاهرة، فجعل السمع في الأذن، والبصر في العين، والذوق في اللسان، والشم في الأنف، وبث اللمس في سائر البدن، ليدفع به عن جميع الأعضاء ما يؤذيها، وهذه الحواس الظاهرة تنبعث عن قوة باطنة تسمى الحس المشترك بحمل ما أدركته فيرتسم هناك وهو في مقدم البطن الأول من الدماغ وينتقل ما ارتسم هنا إلى خزانة الخيال وهي في مؤخر هذا البطن من الدماغ فتحفظ فيها صورته وإن غابت عن الحواس، وثم قوة أخرى من شأنها إدراك المعاني الجزئية المتعلقة بالمحسوسات الشخصية كعداوة زيد وصداقته تسمى الوهم ومحلها الدماغ كله والأخص بها التجويف الأوسط وخصوصاً مؤخره، وقوة أخرى أيضاً شأنها خزن ما أدركته القوة الوهمية من المعاني الجزئية تسمى الحافظة باعتبار، والذاكرة باعتبار، ومحلها التجويف المؤخر في الدماغ، وقوة أخرى من شأنها تفتيش تلك الخزائن وتركيب بعض مودعاتها مع بعض وتفصيل بعضها مع بعض ومحلها وسلطانها في أول التجويف الأوسط، وتلك القوة تسمى مخيلة باعتبار تصريف الوهم لها ومفكرة باعتبار استعمال النفس لها، وقد اقتضت الحكمة الربانية تقديم ما يدرك الصور الجرمية وتأخير ما يدرك المعاني الروحانية، وتوسيط المتصرف فيهما بالحكم والاسترجاع للأمثال المنمحية من الجانبين، ثم لا تزال هذه القوى تخدم ما فوقها كما خدمتها الحواس الخمس إلى أن تصير عقلاً مستفاداً، وهو قوة للنفس بها يكون لها حضور المعقولات بالفعل، وهذا العقل هو غاية السلوك الطلبي للإنسان وهو الرئيس المطلق المخدوم للعقل بالفعل، وهو القوة التي تكون للنفس بها اقتدار على استحضار المعقولات - الثانية وهو المخدوم للعقل الهيولاني المشبه بالهيولى الخالية في نفسها عن جميع الصور، وهو قوة من شأنها الاستعداد المحض لدرك المعقولات باستعمال الحواس في تصفح الجزئيات واستقرائها المخدومات كلها للعقل العملي، وهو القوة النظرية المخدوم للوهم المخدوم لما بعده من الحافظة وما قبله من المتخيلة المخدومتين للخيال المخدوم للحس المشترك المخدوم للحواس الظاهرة. ولما كان كأنه قيل: هبه خلق هكذا فكان ماذا؟ قال شفاء لعيّ هذا السؤال وبياناً لنعمة الإمداد: {إنا} أي بما لنا من العظمة {هديناه} أي بينا له لأجل الابتلاء {السبيل} أي الطريق الواضح الذي لا طريق في الحقيقة غيره، وهو طريق الخير الذي من حاد عنه ضل، وذلك بما أنزل من الكتب وأرسلنا من الرسل ونصبنا من الدلائل في الأنفس والآفاق، وجعلنا له من البصيرة التي يميز بها بين الصادق والكاذب وكلام الخلق وكلام الخالق والحق والباطل وما أشبهه. ولما كان الإنسان عند البيان قد كان منه قسمان، وكان السياق لبيان تعظيمه بأنه خلاصة الكون والمقصود من الخلق، قال بانياً حالاً من ضميره في "هديناه" مقسماً له مقدماً القسم الذي أتم عليه بالبيان نعمة الهداية بخلق الإيمان، لأن ذلك أنسب بذكر تشريفه للإنسان، بجعله خلاصة الوجود وبقوله:"حديث : إن رحمتي سبقت غضبي"تفسير : في سياق ابتداء الخلق، معبراً باسم الفاعل الخالي من المبالغة، لأنه لا يقدر أحد أن يشكر جميع النعم، فلا يسمى شكوراً إلا بتفضل من ربه عليه: {إما شاكراً} أي لإنعامه ربه عليه. ولما كان الإنسان، لما له من النقصان، لا ينفك غالباً عن كفر ما، أتى بصيغة المبالغة تنبيهاً له على ذلك معرفاً له أنه لا يأخذه إلاّ بالتوغل فيه ليعرف نعمة الحلم عنه فيحمله الخجل على الإقبال على من يرضى منه بقليل الشكر، ويحتمل أن يفهم ذلك أن من كفر نعمة واحدة فقد كفر الجميع فصار بليغ الكفر فقال: {وإما كفوراً} أي بليغ الكفر بالإعراض والتكذيب وعبادة الغير والمعاندة فإحسانه غير موف إساءته مفرطة، وبدأ بالشكر لأنه الأصل، روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه"تفسير : الحديث، ورواه أحمد بن منيع عن ابن عباس رضي الله عنهما، ورواه الإمام أحمد عن جابر رضي الله عنه ولفظه:"حديث : كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه إما شاكراً وإما كفوراً"تفسير : رواه الإمام أحمد أيضاً وأبو يعلى عن الأسود بن سريع رضي الله عنه.
السيوطي
تفسير : أخرج النحاس عن ابن عباس قال: نزلت سورة الإِنسان بمكة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير قال: أنزلت بمكة سورة {هل أتى على الإِنسان} . وأخرج ابن الضريس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة الإِنسان بالمدينة. وأخرج الطبراني وابن مردويه وابن عساكر عن ابن عمر قال: "حديث : جاء رجل من الحبشة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: سل واستفهم، فقال: يا رسول الله فضلتم علينا بالألوان والصور والنبوّة أفرأيت إن آمنت به، وعملت بمثل ما عملت به إني لكائن معك في الجنة؟ قال: نعم، والذي نفسي بيده إنه ليرى بياض الأسود في الجنة من مسيرة ألف عام، ثم قال: من قال لا إله إلا الله كان له عهد عند الله، ومن قال: سبحان الله وبحمده كتبت له مائة ألف حسنة وأربعة وعشرون ألف حسنة، ونزلت عليه هذه السورة {هل أتى على الإِنسان حين من الدهر} إلى قوله: {ملكاً كبيراً} فقال الحبشي: وإن عيني لترى ما ترى عيناك في الجنة؟ قال: نعم، فاشتكى حتى فاضت نفسه. قال ابن عمر: فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدليه في حفرته بيده ". تفسير : وأخرج أحمد في الزهد عن محمد بن مطرف قال: حديث : حدثني الثقة أن رجلاً أسود كان يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن التسبيح والتهليل، فقال له عمر بن الخطاب: مه أكثرت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: مه يا عمر، وأنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم {هل أتى على الإِنسان حين من الدهر} حتى إذا أتى على ذكر الجنة زفر الأسود زفرة خرجت نفسه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مات شوقاً إلى الجنة . تفسير : وأخرج ابن وهب عن ابن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه السورة {هل أتى على الإِنسان حين من الدهر} وقد أنزلت عليه وعنده رجل أسود، فلما بلغ صفة الجنان زفر زفرة فخرجت نفسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أخرج نفس صاحبكم الشوق إلى الجنة ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن أبي ذر قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {هل أتى على الإِنسان حين من الدهر} حتى ختمها ثم قال: "حديث : إني أرى ما لا ترون، واسمع ما لا تسمعون، أطت السماء، وحق له أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا ملك واضع جبهته ساجداً لله، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، لخرجتم إلى الصعدات تجارون ". تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {هل أتى على الإِنسان حين من الدهر} قال: الإِنسان أتى عليه حين من الدهر {لم يكن شيئاً مذكوراً} قال: إنما خلق الإِنسان ههنا حديثاً ما يعلم من خليقة الله خليقة كانت بعد إلا هذا الإِنسان. وأخرج ابن المبارك وأبو عبيد في فضائله وعبد بن حميد وابن المنذر عن عمر بن الخطاب أنه سمع رجلاً يقرأ {هل أتى على الإِنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً} فقال عمر: ليتها تمت. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن مسعود أنه سمع رجلاً يتلو هذه الآية {هل أتى على الإِنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً} فقال ابن مسعود: يا ليتها تمت فعوتب في قوله: هذا، فأخذ عوداً من الأرض فقال: يا ليتني كنت مثل هذا. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة في قوله: {هل أتى على الإِنسان حين من الدهر} قال: إن آدم آخر ما خلق من الخلق. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {هل أتى على الإِنسان} قال: كل إنسان. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: إن من الحين حيناً لا يدرك. قال الله: {هل أتى على الإِنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً} والله ما يدري كم أتى عليه حتى خلقه الله. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عمر بن الخطاب أنه تلا هذه الآية {هل أتى على الإِنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً} قال: أي وعزتك يا رب فجعلته سميعاً بصيراً وحياً وميتاً. أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عبد الله بن مسعود قال: إذا جئناكم بحديث أتيناكم بتصديقه من كتاب الله إن النطفة تكون في الرحم أربعين، ثم تكون علقة أربعين، ثم تكون مضغة أربعين، فإذا أراد الله أن يخلق الخلق نزل الملك فيقول له اكتب، فيقول ماذا أكتب؟ فيقول: اكتب شقياً أو سعيداً ذكراً أو أنثى، وما رزقه، وأثره، وأجله، فيوحي الله بما يشاء، ويكتب الملك، ثم قرأ عبد الله {إنا خلقنا الإِنسان من نطفة أمشاج نبتليه} ثم قال عبد الله: أمشاجها عروقها. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله: {أمشاج} قال: العروق. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {من نطفة أمشاج} قال: من ماء الرجل وماء المرأة حين يختلطان. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله: {من نطفة أمشاج} قال: هو نزول الرجل والمرأة يمشج بعضه ببعض. وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: {من نطفة أمشاج} قال: اختلاط ماء الرجل وماء المرأة إذا وقع في الرحم. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت أبا ذؤيب وهو يقول: شعر : كأن الريش والفوقين منه خلال النصل خالطه مشيج تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال مشج ماء الرجل بماء المرأة فصار خلقاً. وأخرج عبد بن حميد عن الربيع قال: إذا اجتمع ماء الرجل وماء المرأة فهو أمشاج. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة قال: الأمشاج إذا اختلط الماء والدم، ثم كان علقة ثم كان مضغة. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن في الآية، قال: خلق من نطفة مشجت بدم، وذلك الدم الحيض إذا حملت ارتفع الحيض. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {من نطفة أمشاج} قال: مختلفة الألوان. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد {من نطفة أمشاج} قال: ألوان نطفة الرجل بيضاء وحمراء ونطفة المرأة خضراء وحمراء. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الأمشاج الذي يخرج على أثر البول، كقطع الأوتار ومنه يكون الولد. وأخرج ابن المنذر عن زيد بن أسلم قال: الأمشاج العروق التي في النطفة. وأخرج الفريابي عن ابن عباس في قوله: {من نطفة أمشاج} قال: ألوان الخلق. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة {إنا خلقنا الإِنسان من نطفة أمشاج نبتليه} قال: طوراً نطفة وطوراً علقة وطوراً مضغة وطوراً عظماً {ثم كسونا العظام لحماً} وذلك أشد ما يكون إذا كسي اللحم {ثم أنشأناه خلقاً آخر} قال: أنبت له الشعر {فتبارك الله أحسن الخالقين} فأنباه الله مم خلقه، وأنباه إنما بين ذلك ليبتليه بذلك، ليعلم كيف شكره ومعرفته لحقه، فبين الله له ما أحل له وما حرم عليه ثم قال: {إنا هديناه السبيل إما شاكراً} لنعم الله {وإما كفوراً} بها. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: الأمشاج منه العظام والعصب والعروق من الرجل واللحم والدم والشعر من المرأة. وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن عكرمة في قوله: {أمشاج} قال: الظفر والعظم والعصب من الرجل، واللحم والشعر من المرأة. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة {إنا هديناه السبيل} قال: السبيل الهدى. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد {إنا هديناه السبيل} قال: الشقاوة والسعادة. وأخرج ابن المنذر عن عطية العوفي {إنا هديناه السبيل} قال: الخير والشر. وأخرج أحمد وابن المنذر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل مولد يولد على الفطرة حتى يعبر عنه لسانه، فإذا عبر عنه لسانه إما شاكراً وإما كفوراً والله تعالى أعلم ". تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد {إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافوراً} قال: تمزج به {عيناً يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيراً} قال: يقودونها حيث يشاؤوا. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة {إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافوراً} قال: قوم يمزج لهم بالكافور ويختم لهم بالمسك {عيناً يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيراً} قال: يستفيد ماؤهم يفجرونها حيث شاؤوا. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة {كان مزاجها} قال طعمها: {يفجرونها تفجيراً} قال: الأنهار يجرونها حيث شاؤوا. وأخرج عبد بن حميد عن ابن إسحق قال في قراءة عبد الله: "كأساً صفراً كان مزاجها". وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن ابن شوذب في قوله: {يفجرونها تفجيراً} قال: معهم قضبان ذهب يفجرون بها تتبع قضبانهم. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة {يوفون بالنذر} قال: كانوا يوفون بطاعة الله من الصلاة والزكاة والحج والعمرة وما افترض عليهم، فسماهم الله الأبرار لذلك، فقال: {يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شره مستطيراً} قال: إستطاروا لله شر ذلك اليوم حتى ملأ السموات والأرض. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد {يوفون بالنذر} قال: إذا نذروا في حق الله. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة {يوفون بالنذر} قال: كل نذر في شكر. وأخرج عبد الرزاق في المصنف والطبراني عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني نذرت أن أنحر نفسي، فشغل النبي صلى الله عليه وسلم، فذهب الرجل، فوجد يريد أن ينحر نفسه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : الحمد لله الذي جعل في أمتي من يوفي بالنذر، ويخاف {يوماً كان شره مستطيراً} أهد مائة ناقة ". تفسير : وأخرج ابن عساكر عن مجاهد قال: لما صَدَرَ النبي صلى الله عليه وسلم بالأسارى عن بدر أنفق سبعة من المهاجرين على أسارى مشركي بدر منهم أبو بكر وعمر وعلي والزبير وعبد الرحمن وسعد وأبو عبيدة بن الجراح، فقالت الأنصار: قتلناهم في الله وفي رسوله وتوفونهم بالنفقة، فأنزل الله فيهم تسع عشرة آية {إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافوراً} إلى قوله: {عيناً فيها تسمى سلسبيلاً} . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {كان شره مستطيراً} قال: فاشياً.
ابو السعود
تفسير : مكية وآيُها إحدى وثلاثون {هَلْ أَتَىٰ} استفهامُ تقريرٍ وتقريبٍ فإنَّ هَلْ بمَعْنى قَدْ والأصلُ أَهَلْ أَتَى {عَلَى ٱلإنْسَـٰنِ} قبلَ زمانٍ قريبٍ {حِينٌ مّنَ ٱلدَّهْرِ} أي طائفةٌ محدودةٌ كائنةٌ من الزمنِ الممتدِّ {لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً} بلْ كانَ شيئاً منسياً غيرَ مذكورٍ بالإنسانية أصلاً كالعنصرِ والنطفةِ وغيرَ ذلكَ. والجملةُ المنفيةُ حالٌ من الإنسان أي غيرَ مذكورٍ أو صفةٌ أُخرى لحينٌ على حذف العائدِ إلى الموصوف أي لمْ يكُن فيه شيئاً مذكُوراً. والمرادُ بالإنسان الجنسُ فالإظهارُ في قوله تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ} لزيادة التقريرِ، أو آدمُ عليه السَّلامُ، وهو المرويُّ عن ابن عباسٍ وقتادة والثوريِّ وعكرمةَ والشعبـيِّ. قالَ ابنُ عباسٍ في روايةِ أبـي صالحٍ عنْهُ: مرتْ به أربعونَ سنةً قبلَ أنْ يُنفخَ فيه الروح وهو مُلقى بـين مكةَ والطائفِ وفي روايةِ الضحاكِ عنه أنَّه خُلقَ من طينٍ فأقامَ أربعينَ سنةً ثمَّ من حمإٍ فأقامَ أربعينَ سنةً ثمَّ من صلصالٍ فأقامَ أربعينَ سنةً فتمَّ خلقُه بعدَ مائةٍ وعشرينَ سنةً ثمَّ نُفخَ فيهِ الرُّوحُ، وحكَى الماوَرْدِيُّ عن ابن عباسٍ رضيَ الله عنهُمَا أنَّ الحينَ المذكورَ هٰهنَا هو الزمنُ الطويلُ الممتدُّ الذي لا يُعرفُ مقدارُه فيكونُ الأولُ إشارةً إلى خلقه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وهذا بـياناً لخلقِ بنيهِ {أَمْشَاجٍ} أخلاطٌ، جمعُ مشجٍ أو مشيجٍ، منْ مشجتَ الشيءَ إذا خلطتَهُ. وصف النطفةَ بهِ لما أنَّ المرادَ بها مجموعُ الماءينِ، ولكلَ منهُمَا أوصافٌ مختلفةٌ من اللون والرقةِ والغِلَظِ، وخواصُّ متباينةٌ فإنَّ ماءَ الرجلِ أبـيضُ غليظٌ فيه قوَّةُ العقدِ وماءَ المرأةِ أصفرُ رقيقٌ فيهِ قوةُ الانعقادِ يُخلقُ منهُمَا الولدُ فمَا كانَ من عصبٍ وعظمٍ وقوةٍ فَمِنْ ماءِ الرُّجُلِ وما كانَ منْ لحمٍ ودمٍ وشعرٍ فَمِنْ ماءِ المرأةِ. قالَ القرطبـيُّ: وقد رُويَ هذا مرفوعاً، وقيلَ: مفردٌ كأعشارٍ وأكياشٍ، وقيلَ: أمشاجٌ ألوانٌ وأطوارٌ فإنَّ النطفةَ تصيرُ علقةً ثمَّ مضغةً إلى تمام الخِلقةِ. وقولُه تعالَى: {نَّبْتَلِيهِ} حالٌ منْ فاعل خلقنَا أيْ مريدينَ ابتلاءهُ بالتكليف فيما سيأتي ناقلينَ له من حالٍ إلى حال على طريقة الاستعارةِ كما رُويَ عن ابنِ عباسٍ رضيَ الله عنهُمَا نصرّفه في بطنِ أمه نطفةً ثمَّ علقةً إلى آخرِهِ {فَجَعَلْنَـٰهُ سَمِيعاً بَصِيراً} ليتمكنَ من استماعِ الآياتِ التنزيليةِ ومشاهدةِ الآياتِ التكوينيةِ فهو كالمسببِ عن الابتلاءِ فلذلكَ عُطِفَ على الخلقِ المقيدِ به بالفاءِ ورُتِّبَ عليهِ قولُه تعالَى: {إِنَّا هَدَيْنَـٰهُ ٱلسَّبِيلَ} بإنزالِ الآياتِ ونصبِ الدلائل {إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً} حالانِ من مفعولِ هدينَا أي مكّناهُ وأقدرناهُ على سلوكِ الطريقِ الموصلِ إلى البُغيةِ في حالتيهِ جميعاً، وإمَّا للتفصيلِ أو التقسيمِ، أيْ هديناهُ إلى ما يوصلُ إليها في حاليهِ جميعاً أو مقسوماً إليهما بعضُهم شاكرٌ بالاهتداءِ والأخذِ فيهِ وبعضُهم كفورٌ بالإعراضِ عنْهُ وقيلَ: من السبـيلِ أي عرفناهُ السبـيلَ إما سبـيلاً شاكراً أو كفوراً على وصفِ السبـيلِ بوصفِ سالكِه مجازاً. وقُرِىءَ أَمَّا بالفتحِ على حذفِ الجوابِ، أي أمَّا شاكراً فبتوفيقِنا، وأَمَّا كفوراً فبسوءِ اختيارِه لا بمجردِ إجبارِنا من غيرِ اختيارٍ منْ قِبَلِه، وإيرادُ الكفورِ لمراعاة الفواصلِ والإشعارِ بأنَّ الإنسانَ قلَّما يخلُو من كفرانٍ مَا وإنَّما المؤاخذُ عليه الكفرُ المفرطُ.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ} [الآية: 1]. قال جعفر: هل أتى عليك يا إنسان وقت لم يكن الله ذاكرًا لك فيه. قال أبو سعيد القرشى: سمى الانسان إنسانًا لأنه نسى العهود والمواثيق. وقال بعضهم: سمى الإنسان إنسانًا لأن عوامهم يستأنس بعضهم ببعض وخواصهم يستأنسون بكلام الله وعبادته والأولياء يستأنسون بعجائب القدرة والأكابر يستأنسون به دون غيره.
القشيري
تفسير : في التفسير: قد أتى على الإِنسان حينٌ من الدهر لم يكن شيئاً له خَطَرٌ ومقدار. قيل: كان آدم عليه السلام أربعين سنة مطروحاً جَسَدُه بين مكة والطائف. ثم من صلصالٍ أربعين سنة، ثم من حمإٍ مسنون أربعين سنة، فتمَّ خَلْقُه بعد مائة وعشرين سنةٍ. ويقال: {هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ...}: أي لم يأتِ عليه وقتٌ إلا كان مذكوراً إليَّ. ويقال: هل غَفلْتُ ساعةً عن حِفْظِك؟ هل ألقيتُ - لحظةً - حَبْلَكَ على غارِبِك؟ هل أخليتُك - ساعةً - من رعاية جديدة وحمايةٍ مزيدة.
البقلي
تفسير : {هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ} اخبر الله سبحانه عن سر فطرة أدم عليه السلام التى قداتى عليها احيان لم يكن شيئا يطلع عليها المقربون والكروبين من علمهم ومعرفتهم وكيف ذكروه وهو على علمهم فى غيب الغيب مستورا فى حجاب الانس ورياض القدس بنوره عن اعين اهل الملكوت فهناك ليس بمكان ولا زمان بتجلى له من جميع الذات والصفات وبقى بين انوار الصفات وانوار الذات حتى صار فطرته الروحية القدسية الملكوتية كاملة بكمال الله عالمة قادرة سمعية بصيرة متصفة بجميع صفاته ولم يكن هناك صباح ولا مساء ولا زمان ولا مكان عرفها الله نعوته القديمة اسماء الحسنى وصفاته العلى وساقها من بحر الذات شربات المحبة والشوق والمعرفة ففى كل صفة لها طور فى كل مشاهدة لها حال ووجد وكشف لا يطلع عليها اهل البرية فكيف ذكروه وهو مذكور الله ازلا وابدا لم يكشف ذكره لاحد غيره على ذكره فاذا قالت الملائكة نحن نسبح بحمدك ونقدس لك اظهره الله لهم بصورة ترابية وفطرة جسمانية ولولا انه سرته بالماء والطين لماتوا جميعا فى النظر الهي لانه كان خارجا من الحضرة منعوتا بنعت الله موصوفا بصفة على لباس انوار الربوبية فقبل دخوله فى صورته لم يكن الصورة شيئا مذكورة حين لم ينعكس عليها انوار روحه فاذا اراد ان ينفخ فيها روحه خلقها بيده وخمر طينه لطفه وصور لها بصورة علمه وجعل فيها اطوار من معجونات قدرته وعلمه ثم تركها فى فضاء عيبه حتى مضى عليها دهرها ودار عليها فلك وارففى كل لحظة وساعة ابدع فيها بدايع فطرته ولم يكشف تلك الحقائق للملائكة ولم يروها الا صورة صلصالية طورا من حمأ مسنون وطورا من تراب وغبار وطورا من صلصال كالفجار حتى تنقشت بنقوش القدرة ودخل فيها روح الاولية فلما قام أدم فى الحضرة سجد له كل شئ لما عليه من أثار جلال الحق وكيف تذكره احد وذكره غايب فى ذاكره ومذكوره تعالى الله عن كل نقص وعلة فكما خلق أدم بهذه المثابة خلق ذريته فى معادن غيبه اطوارا وطورا روحانيا وطورا عليا وطور عقليا وطور نفسانيا وطورا حيانا وطور شهوانيا وطورا شيطانيا وطورا سريا وطورا ملكوتيا وطورا ربانيا فهذه الاطوار يغلبها الله فى زمان علمه وقدرته ويجعلها فى كل اوان عجبته من علمه غريبا من قدرته مصبوغة بصبغ افانين تجليه وذلك قوله {إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً} لان كل انسان عنده أدم فان قال جعفر هل اتى عليك يا انسان وقت لم يكن الله ذكرا لك فيه وقال ابو عثمان المغربى ابتلى الله الحق بتسعة امشاج ثلث مفتنان وثلاث كافرات وثلث مومنات فاما الثلث المفتنات سمعه وبصره ولسانه واما الثلث الكفارات فنفسه وهواه وعدوه واما الثلث المؤمنات فعقله وروحه وقلبه فاذا ايد الله العبد بالمعونة قهر العقل على القلب فملكه واستاسرت النفس والهوى فلم تجد الى الحركة سبيلا فجانست النفس الروح وجانس الهوى العقل وصارت كلمة الله هى العليا قال الله قاتلوهم حتى لا تكون فتنة.
اسماعيل حقي
تفسير : {هل أتى} استفهام تقرير وتقريب فان هل بمعنى قد والاصل أهل أتى اى قد أتى وبالفارسية آيا آمد يعنى برستى كه آمده. تركوا الالف قبل هل لانها لا تقع الا فى الاستفهام وانما لزوم اداة الاستفهام ملفوظة او مقدرة اذا كان بمعنى قد ليستفاد التقرير من همزة الاستفهام والتقريب من قد فانها موضوعة لتقريب الماضى الى الحال والدليل على ان الاستفهام غير مراد ان الاستفهام على الله محال فلا بد من حمله على الخبر تقول هل وعظتك ومقصودك أن تحمله على الاقرار بأنك قد وعظته وقد يجيئ بمعنى الجحد تقول وهل يقدر أحد على مثل هذا فتحمله على أن يقول لا يقدر أحد غيرك {على الانسان} قبل زمان قريب المراد جنس الانسان لقوله من نطفة لان آدم لم يخلق منها ثم المراد بالجنس بنوا آدم او ما يعمه وبنيه على التغليب او نسبة حال البعض الى الكل للملابسة على المجاز {حين من الدهر} الحين زمان مطلق ووقت مبهم يصلح لجميع الازمان طال او قصر وفى المفردات الحين وقت بلوغ الشئ وحصوله وهو مبهم ويتخصص بالمضاف اليه نحو ولات حين مناص ومن قال حين على اوجه للاجل والمنية وللساعة وللزمان الملطق انما فسر ذلك بحسب ما وجده قد علق به والدهر الزمان الطويل والمعنى طائفة محدودة كائنه من الزمن الممتد وهى مدة لبثه فى بطن امه تسعة اشهر ان صار شيأ مذكورا على ما ذهب اليه ابن عباس رضى الله عنهما {لم يكن} فيه فالجملة صفة اخرى لحين بحذف الضمير {شيئا مذكورا} بل كان شيأ منسيا غيرمذكور بالانسانية اصلا نطفة فى الاصلاب فما بين كونه نطفة وكونه شيأ مذكورا بالانسانية مقدار محدود من الزمان وتقدم عالم الارواح لا يوجب كونه شيأ مذكورا عند الخلق ما لم يتعلق بالبدن ولم يخرج الى عالم الاجسام (روى) ان الصديق او عمر رضى الله عنهما كما فى عين المعانى لما سمع رجلا يقرأ هذه الآية بكى وقال ليتها تمت فلا شئ أراد ليت تلك تمت وهى كونه شيأ غير مذكور ولم يخلق ولم يكلف ومعنى الاستفهام التقريرى فى الآية أن يحمل من ينكر البعث على الاقرار بأنه نعم أتى عليه فى زمان قريب من زمان الحال حين من الدهر لم يكن شيئأ مذكورا فيقال له من أحدثه بعد أن لم يكن كيف يمتنع عليه بعثه واحياؤه بعد موته وقال القاشانى اى كان شيأ فى علم الله بل فى نفس الامر لقدم روحه ولكنه لم يذكر فيما بين الناس لكونه فى عالم الغيب وعدم شعور من فى عالم الشهادة به وفى التأويلات النجمية اعلم ان للانسان صورة علمية غيبية وصورة عينية شهادية وهو من حيث كلتا الصورتين مذكور عند الله ازلا وابدا لا يعزب عن علمه مثقال ذرة لعلمه الازلى الابدى بالاشياء قبل ايجاد الاشياء وقبل وجودها خلق الخلق وهم معدومون فى كتم العدم وعلمه بنفسه يستلزم علمه بأعيان الاشياءلان الاشياء مظهر اسمائه وصفاته وهى عين ذاته فافهم اى ما أتى على الانسان حين من الاحيان وهو كان منسيا فيه بالنسبة الى الحق وكيف وهو مخلوق على صورته وصورته حاضرة له مشهودة عنده وهل للاستفهام الانكارى بخلاف المحجوبين عن علم المعرفة والحكمة الالهية وقال جعفر الصادق رضى الله عنه هل أتى عليك يا انسان وقت لم يكن الله ذاكرا لك فيه.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {هل أتى على الإِنسان}، والاستفهام للتقرير والتعريف، أو بمعنى "قد"، أي: قد مضى على الإنسان قبل زمانٍ قريبٍ {حِينٌ من الدهر} أي: طائفة محدودة كائنة من الزمن الممتد {لم يكن شيئاً مذكوراً} بل كان شيئاً منسياً غير مذكور بالإنسانية أصلاً، كالعنصر والنطفة وغير ذلك. والجملة المنفية: حال من الإنسان، أي: مضى عليه زمان غير مذكور، أو صفة لـ"حين" على حذف العائد، أي: لم يكن فيه شيئاً، والمراد بالإنسان: الجنس. والإظهار في قوله: {إِنَّا خلقنا الإنسانَ} لزيادة التقرير، أو: يراد آدم عليه السلام، وهو المروي عن ابن عباس وقتادة، فقد أتى عليه حين من الدهر، وهو أربعون سنة مصوَّراً قبل نفخ الروح، وهو ملقى بين مكة والطائف، وفي رواية الضحاك عنه: أنه خلق من طين فأقام أربعين سنة، ثم من حمأ مسنون، فأقام أربعين سنة، ثم من صلصال، فأقام أربعين، ثم خلقه بعد مائة وعشرين سنة. هـ. قلت: جمهور المؤرخين أنَّ آدم صُوِّر في السماء، ويقال: كان على باب الجنة، تمر به الملائكة وتتعجب منه، ويمكن أن يكون صُوّر في الأرض، ثم رُفع إلى السماء، القدرة صالحة. والله تعالى أعلم بما كان. وقال بعضهم: المراد بالإنسان الأول: آدم عليه السلام، وبالثاني: أولاده، أي: خلقنا نسل الإنسان {من نُطفةٍ أمشاجٍ} أي: أخلاط, من: مشجت الشيء: إذا خلطته ومزجته، وصف به النطفة؛ لأنها مختلطة من ماء الرجل وماء المرأة، ولكل منهما أوصاف مختلفة، من اللون، والرقّة، والغلظ، وخواص متباينة، فإنَّ ماء الرجل أبيض غليظ، فيه قوة العصب، وماء المرأة أصفر رقيق، فيه قوة الانعقاد، وتخلّق منهما الولد، فما كان من عصب وعظم وقوة فمن ماء الرجل، وما كان من لحم ودم وشعر فمِن ماء المرأة. قال القرطبي: وقد رُوي هذا مرفوعاً. وقيل: إذا علا ماءُ الرجل أشبهه الولد، وإذا علا ماء المرأة أشبهها. وقيل: إذا سبق أحدهما فالشبه له. وقيل: "أمشاج" مفرد غير جمع، كبَرْمة أعشار، وثوب أخلاق. وقيل: أمشاج: ألوان وأطوار, فإنَّ النطفة تصير علقة ثم مضغة إلى تمام الخلقة. وقال ابن السكيت: الأمشاج: الأخلاط؛ لأنها ممتزجة من أنواع الأغذية من نبات الأرض، فخلق الإنسان منها ذا طبائع مختلفة. هـ. {نبتليهِ} حال، أي: خلقناه مبتلين له، أي: مريدين ابتلاءه بالأمر والنهي في المستقبل، {فجعلناه سميعاً بصيراً} ليتمكن من سماع الآيات التنزيلية، ومشاهدة الآيات التكوينية، فهو كالمسبب عن الابتلاء، فلذلك عطف على الخلق بالفاء، ورتّب عليه قوله: {إِنَّا هديناه السبيلَ}؛ بيَّنَّا له الطريق، بإنزال الآيات، ونصب الأدلة العقلية والسمعية، {إِمَّا شاكراً وإِمَّا كفوراً}: حال من مفعول {هديناه}، أي: مكّنّاه وأقدرناه على سلوك الطريق الموصل إلى البُغية، في حالتي الشكر والكفر، أي: إن شكر أو كفر فقد هديناه السبيل في الحالين، فإن شكر نفع نفسه، وإن كفر رجع وبال كفره عليه، أو: حال من " السبيل"، أي: عرفناه السبيل، إمّا سبيلاً شاكراً، وإمّا سبيلاً كفوراً. ووصف السبيل بالشكر والكفر مجاز، والمراد: سالكه. الإشارة: قد أتى على الإنسان حين من الدهر، وهو قبل وقوع التجلِّي به، لم يكن شيئاً مذكوراً، بل كان شيئاً معلوماً موجوداً في المعنى دون الحس، غير مذكور في الحس، فلمّا وقع به التجلِّي صار شيئاً مذكوراً، يذكر بالخطاب والتكليف، ويمكن أن يكون الاستفهام إنكارياً، أي: هل أتى عليه زمان لم نذكره فيه، بل لم يأتِ عليه وقت إلاَّ وكان مذكوراً لي. ويُقال: هل غفلتُ ساعة عن حفظك؟ هل ألقيتُ ساعة حبلك على غاربك؟ هل أخليتك ساعة من رعاية جديدة، وحماية مزيدة. هـ. من الحاشية. ثم بيَّن كيفية التجلِّي به فقال: {إنَّا خلقنا الإنسان} أي: بشريته {من نُطفة أمشاج} أي: من نطفة من أخلاط الأرض، فلذلك كانت تنزع إلى أصلها، وتخلد إلى أرض الحظوظ والهوى، نبتليه بذلك، ليظهر الصادق في طلب الحق بمجاهدة نفسه في إخراجها عن طبعها الأصلى، والمُعرض عن الطلب باسترساله مع طبعها البشري، ويقال: خلقته من أمشاج النطفتين فينزع طبعُ الولد إلى الإغلب منهما، فإن غَلَبَ ماء الرجل نزع إلى طبع أبيه، خيراً كان أو شرًّا، وإن غلب ماء المرأة، نزع إلى طبع أمه كذلك، ابتلاء من الله وقهرية، فلا بد أن يغلب الطبع، ولو جاهد جهده، ولذلك قال عليه ا لسلام: "حديث : إذا سمعتم أنَّ الجبال انتقلت فصَدِّقوا، وإذا سمعتم أنَّ الطباع انتقلت فلا تُصَدِّقوا"تفسير : . وفائدة الصُحبة والمجاهدة: خمود الطبع وقهر صولته، لا نزعه بكليته، فيقع الرجوع إلى الله من الطبع الدنيء، ولا يقدح في خصوصيته إن رجع إلى الله في الحين، ولذلك تلونت أحوال الأولياء بعد مجاهدتهم ورياضتهم. والله تعالى أعلم. فجعلناه سميعاً بصيراً، ونفخنا فيه روحاً سماوية وقدسية، تحن دائماً إلى أصلها، فمنها مَن غلبت عليه النطفةُ الطينية، فأخلدت بها إلى الأرض، فبقيت مسجونة في هيكلها، محجوبة عن ربها، ومنها: مَن غلبت روحانيتها على الطينية، فعرجت بها إلى الحضرة القدسية، حتى رجعت إلى أصلها وإلى هذا أشار بقوله: {إنا هديناه السبيل} أي: بيَّنَّا له الطريق الموصل إلى الحضرة، فصار إمّا شاكراً بسلوكها أو كافراً بالإعراض عنها، وعدم الدخول تحت تربية العارف بها. ثم ذكر ما أعدَّ للفريقين، فقال: {إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلاَ}.
الطوسي
تفسير : قرأ {سلاسلاً} منوناً نافع والكسائي وابو بكر عن عاصم اتباعا للمصحف ولتشاكل ما جاوره من رأس الآية. الباقون بغير تنوين، لان مثل هذا الجمع لا ينصرف في معرفة ولا في نكرة، لأنه على (فعائل) بعد الفه حرفان. يقول الله تعالى {هل أتى على الإنسان} قال الزجاج: معناه ألم يأت على الانسان {حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً} يعني قد كان شيئاً إلا انه لم يكن مذكوراً، لانه كان تراباً وطيناً الى أن نفخ فيه الروح. وقال قوم {هل} يحتمل معناه أمرين: احدهما - أن يكون بمعنى (قد أتى) والثاني أن يكون معناها اتى على الانسان، والاغلب عليها الاستفهام والاصل فيها معنى (قد) لتجرى على نظائرها بمعنى ضمن معنى الالف واصله من ذلك قول الشاعر: شعر : أم هل كبير بكى لم تقض عبرته أثر الأحبة يوم البين مشكوم تفسير : والمعنى بالانسان - ها هنا - آدم - فى قول الحسن - والمعنى قد أتى على آدم {حين من الدهر} وبه قال قتادة وسفيان. وقيل: ان آدم لما خلق الله جثته بقي أربعين سنة لم تلج فيه الروح كان شيئاً، ولم يكن مذكوراً، فلما نفخ فيه الروح وبلغ إلى ساقه كاد ينهض للقيام، فلما بلغ عينيه ورأى ثمار الجنة بادر اليها ليأخذها فلذلك قال الله تعالى {أية : خلق الإنسان من عجل}تفسير : وقال غيره: هو واقع على كل إنسان، والانسان في اللغة حيوان على صورة الانسانية، وقد تكون الصورة الانسانية، ولا إنسان، وقد يكون حيوان ولا إنسان، فاذا حصل المعنيان صح إنسان لا محالة. والانسان حيوان منتصب القامة على صورة تنفصل من كل بهيمة. و (الحين) مدة من الزمان، وقد يقع على القليل والكثير. قال الله سبحانه {أية : فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون}تفسير : أي وقت تمسون ووقت تصبحون. وقال {تؤتي أكلها كل حين} يعني كل ستة أشهر، وقال قوم: كل سنة. وقال - ها هنا {هل أتى على الإنسان حين} أي مدة طويلة. والدهر مرور الليل والنهار وجمعه أدهر ودهور، والفرق بين الدهر والوقت أن الوقت مضمن بجعل جاعل، لان الله جعل لكل صلاة مفروضة وقتاً، وجعل للصيام وقتاً معيناً، وقد يجعل الانسان لنفسه وقتاً يدرس فيه ما يحتاج إلى درسه ووقتاً مخصوصاً لغذائه. وقوله {لم يكن شيئاً مذكوراً} أي لم يكن ممن ذكره ذاكر، لأنه كان معدوماً غير موجود، وفي الآية دلالة على أن المعدوم لا يسمى شيئاً، وإنما سمى زلزلة الساعة شيئاً مجازاً. والمعنى إنها إذا وجدت كانت شيئاً عظيماً. وقوله {إنا خلقنا الإنسان من نطفة} اخبار من الله تعالى أنه خلق الانسان سوى آدم وحواء من نطفة، وهو ماء الرجل والمرأة الذي يخلق منهما الولد، فالنطفة الماء القليل في أناء كان او غير إناء قال الشاعر: شعر : وما النفس إلا نطفة بقرارة إذا لم تكدّر صار صفواً غديرها تفسير : وقوله {أمشاج} قال ابن عباس أخلاط من ماء الرجل وماء المرأة. وقال الحسن والربيع بن أنس ومجاهد مثل ذلك. وقال قتادة: معنى أمشاج أطوار طوراً نطفة وطوراً مضغة وطوراً عظماً إلى أن صار إنساناً ليختبره بهذه الصفات. وقال مجاهد: معناه ألوان النطفة. وقال عبد الله: عروق النطفة وواحد الامشاج مشيج، وهو الخلط، وسمى النطفة بذلك، لأنه جعل فيها اخلاطاً من الطبائع التي تكون في الانسان من الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة. ثم عداها له، ثم بناه البنية الحيوانية المعدلة الاخلاط. ثم جعل فيها الحياة ثم شق له السمع والبصر فتبارك الله رب العالمين، وذلك قوله {فجعلناه سميعاً بصيراً}. وقوله {نبتليه} أي نختبره بما نكلفه من الافعال الشاقة لننظر ما طاعته وما عصيانه فنجازيه بحسب ذلك، ويقال مشجت هذا بهذا إذا خلطته به، وهو ممشوج به ومشيج أي مخلوط به قال رؤبة: شعر : يطرحن كل معجل نشاج لم تكس جلداً فى دم أمشاج تفسير : وقال ابو ذؤيب: شعر : كأن الريش والفوقين منه خلاف النصل سيط به مشيج تفسير : وقوله {إنا هديناه السبيل} معناه انا أرشدناه إلى سبيل الحق وبيناه له ودللناه عليه. وقال الفراء: معناه هديناه إلى السبيل أو للسبيل. والمعنى واحد. وقوله {إما شاكراً وإما كفوراً} قال الفراء: معناه إن شكر وإن كفر على الجزاء ويجوز أن يكون مثل قوله {أية : إما يعذبهم وإما يتوب عليهم} تفسير : والمعنى اما يختار بحسن اختياره الشكر لله تعالى والاعتراف بنعمه فيصيب الحق، واما أن يكفر نعمه ويجحد إحسانه فيكون ضالا عن الصواب، وليس المعنى انه مخير فى ذلك، وإنما خرج ذلك مخرج التهديد، كما قال {أية : فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}تفسير : بدلالة قوله {إنا أعتدنا للظالمين ناراً} وإنما المراد البيان عن انه قادر عليهما فايهما اختار جوزي بحسبه. وفي الآية دلالة على انه تعالى قد هدى جميع خلقه المكلفين، لأن قوله {إنا هديناه السبيل} عام في جملتهم وذلك يبطل قول المجبرة: إن الله لم يهد الكافر بنصب الدلالة له على طريق الحق واجتناب الباطل، وليس كل من ترك الشكر كان كافراً، لانه قد يترك فى بعض الاحوال على سبيل التطوع، لان الشكر قد يكون تطوعاً كما يكون واجباً، وإنما لم يذكر الله الفاسق، لانه اقتصر على اعظم الحالين وألحق الأدون على التبع، ويجوز أن يدخل فى الجملة، ولا يفرد، فليس للخوارج أن يتعلقوا بذلك فى انه ليس بين الكفر والايمان واسطة. ثم بين انه تعالى إنما ذكره على وجه التهديد بقوله {إنا أعتدنا للكافرين} أي ادخرنا لهم جزاء على كفرهم ومعاصيهم وعقوبة لهم {سلاسل وأغلالا وسعيراً} يعذبهم بها ويعاقبهم فيها، والسلاسل جمع سلسلة والاغلال جمع غل، والسعير هي النار المسعرة الملهبة. ولما اخبر بما للكافرين من العقوبات على كفرهم، ذكر ايضاً ما للمؤمنين على إيمانهم فقال {إن الأبرار} وهو جمع البر، وهو المطيع لله المحسن فى أفعاله {يشربون من كأس} والكاس اناء الشراب إذا كان فيه، ولا يسمى كأساً إذا لم يكن فيه شراب - ذكره الزجاج - قال الشاعر: شعر : صددت الكأس عنا أم عمرو وكان الكأس مجراها اليمينا تفسير : وقوله {كان مزاجها كافوراً} قيل ما يشم من ريحها لا من جهة طعمها. وقوله {عيناً يشرب بها عباد الله} قوله {عيناً} نصب على البدل من {كافوراً} ويجوز أن يكون على تقدير ويشربون عيناً، ويجوز أن يكون نصباً على الحال من {مزاجها} وقال الزجاج: معناه من عين. وقال الفراء: شربها وشرب منها سواء فى المعنى كما يقولون: تكلمت بكلام حسن وكلاماً حسناً. وقيل: يمزج بالكافور، ويختم بالمسك وقيل: تقديره يشربون بها وأنشد الفراء: شعر : شربن بماء البحر ثم ترفعت متى لجج خضر لهن نئيج تفسير : متى لجج. أي من لجج. وعين الماء حفيرة في الأرض ينبع منها، وهذه العين المذكورة فى أرض الجنة في كونها فوارة بالماء متعة لاهلها. ثم يفجر فيجري لهم إلى حيث شاؤا منها. قال مجاهد: معناه إنهم يقودونها حيث شاؤا والتفجير تشقيق الأرض بجري الماء ومنه انفجار الصبح، وهو انشقاقه من الضوء، ومنه الفجور، وهو الخروج من شق الالتئام إلى الفساد. وعباد الله المراد به المؤمنون المستحقون للثواب. ثم وصف هؤلاء المؤمنين فقال {يوفون بالنذر ويخافون} ويجوز أن يكون ذلك في موضع الحال، فكأنه قال يشرب بها عباد الله الموفون بالنذر الخائفون {يوماً كان شره مستطيراً} فالمستطير الظاهر. والتقدير القائلون إنما نطعمكم القائلون إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً فمطريراً، ويجوز ان يكون على الاستئناف، وتقديره هم الذين يوفون بالنذر وكذلك في ما بعد، فالوفاء بالنذر هو أن يفعل ما نذر عليه فالوفاء إمضاء العقد على الأمر الذي يدعو اليه العقل، ومنه قوله {أية : يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود}تفسير : أي الصحيحة، لانه لا يلزم أحداً أن يفي بعقد فاسد، وكل عقد صحيح يجب الوفاء به، يقال أوفى بالعقد، ووفى به، فأوفى لغة أهل الحجاز وهي لغة القرآن، و (وفى) لغة أهل تميم واهل نجد، وقد بينا فيما مضى شواهده. والنذر عقد على فعل على وجه البر بوقوع أمر يخاف ألا يقع، نذر ينذر نذراً فهو ناذر، وقال عنترة: شعر : الشاتمي عرضي ولم أشتمهما والناذرين إذا لم ألقهما دمي تفسير : أي يقولان: لئن لقينا عنترة لنقتلنه، ومنه الانذار وهو الاعلام بموضع المخافة ليعقد على التحرز منها. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال "حديث : لا نذر في معصية"تفسير : وعند الفقهاء إن كفارة النذر مثل كفارة اليمين. والذي رواه أصحابنا إن كفارة النذر مثل كفارة الظهار، فان لم يقدر عليه كان عليه كفارة اليمين. والمعنى انه إذا فات الوقت الذي نذر فيه صار بمنزلة الحنث. وقوله {ويخافون يوماً} من صفة المؤمنين {كان شره مستطيراً} أي منتشراً فاشياً ذاهباً فى الجهات بلغ أقصى المبالغ، قال الاعشى: شعر : فبانت وقد أورثت فى الفؤا د صدعاً على نأيها مستطيرا تفسير : والمراد بالشر - ها هنا - أهوال القيامة وشدائدها. وقوله {ويطعمون الطعام على حبه} قال مجاهد: معناه على شهوتهم له، ويحتمل أن يكون المراد على محبتهم لله {مسكيناً} أي يطعمونه فقيراً {ويتيماً} وهو الذي لا والد له من الاطفال {وأسيراً} والاسير هو المأخوذ من أهل دار الحرب - فى قول قتادة - وقال مجاهد: وهو المحبوس. وقوله {إنما نطعمكم لوجه الله} اخبار عما يقوله المؤمنون بأنا إنما نطعمكم معاشر الفقراء واليتامى والاسرى لوجه الله، ومعناه لله، وذكر الوجه لذكره بأشرف الذكر تعظيماً له، ومنه قوله {فأينما تولوا فثم وجه الله} وقيل: معناه فثم جهة الله التي ولاكم اليها ومنه قوله {أية : ويبقى وجه ربك} تفسير : أي ويبقى الله. وقال مجاهد وسعيد بن جبير: علم الله ما في قلوبهم فأثنى عليهم من غير أن يتكلموا به {لا نريد منكم جزاء} أي لا نطلب بهذا الاطعام مكافأة عاجلة {ولا شكوراً} أي لا نطلب أن تشكرونا عليه عند الخلائق بل فعلناه لله {إنا نخاف من ربنا} أي من عقابه {يوماً عبوساً} أي مكفهراً عابساً {قمطريراً} أي شديداً، والقمطرير الشديد فى الشر. وقد اقمطر اليوم اقمطراراً، وذلك أشد الايام وأطوله فى البلاء والشر، ويوم قمطرير وقماطير كأنه قد التف شر بعضه على بعض، قال الشاعر: شعر : بني عمنا هل تذكرون بلاءنا عليكم إذا ما كان يوم قماطر تفسير : وقد روت الخاصة والعامة أن هذه الآيات نزلت فى علي عليه السلام وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، فانهم آثروا المسكين واليتيم والاسير ثلاث ليال على إفطارهم وطووا عليهم السلام، ولم يفطروا على شيء من الطعام فأثنى الله عليهم هذا الثناء الحسن، وأنزل فيهم هذه السورة وكفاك بذلك فضيلة جزيلة تتلى الى يوم القيامة، وهذا يدل على أن السورة مدنية.
الجنابذي
تفسير : {هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ} استفهام تقريرىّ والمعنى قد أتى ولذا فسّر به {لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً} فى الخلق يعنى كان مقدّراً مقدوراً ولم يكن مكوّناً مخلوقاً.
الأعقم
تفسير : {هل} بمعنى بل، وقيل: هو استفهام والمراد التقرير {لم يكن شيئاً مذكورا} وكل أحد يعلم ضرورة أنه لم يكن موجوداً ثم صار موجوداً، فإذا تفكّر فيه علم أن له صانعاً صنعه ومحدثاً أوجده {الانسان} قيل: هو آدم أول من سمي به، وقيل: هو كل إنسان، والمراد به الجنس، وقوله: {حين من الدهر} قيل: أتى عليه أوقات وهو مصور إنساناً قيل: هو آدم أتى عليه أربعون سنة مُلقى بين مكة والطائف قبل أن ينفخ فيه الروح، وقيل: هو عام في جميع الخلق فإنه قبل الولادة لا يكون مذكوراً إلى وقت الولادة {لم يكن شيئاً مذكوراً} أي لم يذكر ولا يعرف، وقيل: أراد به العلماء والأئمَّة لأنهم كانوا لا يذكرون فبلغهم الله تعالى وصيّرهم بألطافه حيث يذكروا، وعن ابن مسعود: عندما قرأها قال: ألا يا ليت ذلك لم يكن {أمشاج نبتليه} قيل: ماء الرجل وماء المرأة، وقيل: أخلاط ماء الرجل وماء المرأة يختلطان في الرحم فيكون منهما الولد، وماء الرجل أبيض غليظ وماء المرأة أصفر رقيق، وقيل: أمشاج أطواراً ثم نطفة ثم علقة ثم مضغة قال: شعر : يا خالق الخلق طورا بعد أطواري تفسير : {نبتليه} أي نتعبده بالأمر والنهي {فجعلناه سميعاً بصيراً} يعني خلقناه {إنا هديناه السبيل} بيَّنا له الطريق بنصب الأدلة {إما شاكراً وإما كفوراً} إشارة إلى أن العبد مخيّر بين الإِيمان والكفر {إنا اعتدنا للكافرين سلاسلاً} قيل: كل سلسلة سبعون ذراعاً {وأغلالاً} في أعناقهم {وسعيراً} ناراً {إن الأبرار} يعني المطيعين لله {يشربون من كأس} فيه شراب {كان مزاجها كافوراً} قيل: تمزج بالكافور وتختم بالمسك {عيناً يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا} يقودونها حيث شاؤوا.
الهواري
تفسير : تفسير سورة الإِنسان وهي مكية كلها {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {هَلْ أَتَى} أي: قد أتى {عَلَى الإِنسَانِ} يعني آدم {حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً} أي: في الخلق، وهو عند الله مذكور أنه خالقه؛ لأنه خلق الأشياء كلها؛ صغارها وكبارها، ما يرى منها وما لا يرى من دواب الأرض والبحر والبر والهوام والسباع، يعني أصول الخلق في الأيام الستة التي خلق الله فيها السماوات والأرض، غير آدم خلقه الله يوم الجمعة، آخر الأيام السبعة. ذكروا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أخذ تبنة من الأرض فقال: يا ليتني كنت هذه التبنة، ويا ليت أمي لم تلدني، يا ليتني كنت نسياً منسياً، يا ليتني لم أكن شيئاً مذكوراً. وذكروا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ هذه الآية: {هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَّذْكُوراً} فرفع صوته وقال: يا ليتها تمّت. قال: {إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ} يعني نسل آدم {أَمْشَاجٍ} تفسير الحسن: يعني مشج ماء الرجل بماء المرأة. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : ماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فمن أيهما سبق، أو قال: علا، فمنه يكون الشبه . تفسير : قال تعالى: {نَّبْتَلِيهِ} أي: نختبره. قال: {فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ} أي: بصّرناه سبيل الهدى وسبيل الضلالة كقوله عز وجل: (أية : وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) تفسير : [البلد:10] أي سبيل الهدى وسبيل الضلالة. قال تعالى: {إِمَّا شَاكِراً} أي مؤمناً {وَإِمَّا كَفُوراً}.
اطفيش
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {هَلْ} قال ابن عباس بمعنى قد وكذا الكسائي والفراء والمبرد يعنون قد التحقيقية والتقريبية. وقال جار الله هل ابدأ بمعنى قد وهمزة الاستفهام مقدرة قبلها وان قد هنا للتقريب والهمزة قبلها للتقرير أي اتى على الانسان زمان قريب لم يكن فيه شيئا مذكورا بل نطفة في الرحم ان اريد الجنس أو طين أن أريد آدم إذ كان طينا معجونا أو مصورا غير منفوخ فيه والأصل أهل بدليل قوله* شعر : سائل فوارس يربوع بشدتنا أهل رؤنا بسفح القاع ذي الاكم تفسير : والظاهر انها للاستفهام التقريري. قال ابن هشام وبالغ الزمخشري فزعم انها ابداً بمعنى قد وأن الاستفهام مستفاد من همزة مقدرة معها ونقله في المفصل عن سيبويه، فقال وعند سيبويه انها ابدا بمعنى قد الا أنهم تركوا الالف قبلها لأنها لا تقع إلا في الاستفهام. وقد جاء دخولها عليها في قوله شعر : سائل فوارس يربوع بشدتنا أهل رؤنا يسفح القاع ذي الاكم تفسير : انتهى ولو كان كما ذكر لن تدخل الا على الفعل كقد ولم أر في كتاب سيبويه ما نقله عنه. انما قال في باب عدة ما يكون فيه الكلم ما نصه وهل وهي للاستفهام لم يزد على ذلك وقيل قد في الآية للتوقع وكأنه قيل لقوم يتوقعون الخبر عن "ما آتى على الانسان" وهو آدم عليه السلام قال والحين زمن كونه طينا. وفي تسهيل ابن مالك أنه تتعين مرادفة هل لقد اذا دخلت عليها الهمزة يعني كما في البيت ومفهومه أنها لا تتعين لذلك إذا لم تدخل عليها بل قد تأتي لذلك كما في الآية وقد لا تأتي له أو أراد أنها اذا لم تدخل عليها الهمزة احتملت الاستفهام ومرادفة قد وقد عكس قوم ما قاله الزمخشري فزعموا ان هل لا تأتي بمعنى قد اصلا قال ابن هشام وهذا هو الصواب عندي إذ لا متمسك من اثبت ذلك الا أحد ثلاثة أمور. أحدها تفسير ابن عباس رضي الله عنهما، ولعله اراد أن الاستفهام في الآية للتقرير وليس باستفهام حقيقي، أو قد صرح بذلك جماعة من المفسرين فقال بعضهم هل هنا للاستفهام التقريري والمقرر به من أنكر البعث وقد علم انهم يقولون نعم قد مضى دهر طويل لا إنسان فيه فيقال لهم فالذي احدث الناس بعد أن لم يكونوا كيف يمتنع عليه أحياء هم بعد موتهم وهو معنى قوله تعالى {أية : ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون}تفسير : أي هلا تذكرون فتعلمون ان من انشأ شيئا بعد أن لم يكن قادر على إعادته بعد موته انتهى. وقال آخر مثل ذلك الا أنه فسر الحين بزمان التطوير في الرحم فقال المعنى ألم يأت على الانسان حين من الدهر كانوا فيه نطفا ثم علقا ثم مضغا الى أن صاروا شيئا مذكورا. وكذا قال الزجاج الا أنه حمل الانسان على آدم عليه السلام فقال المعنى ألم يأت على الانسان حين من الدهر كان فيه ترابا وطينا الى ان نفخ فيه الروح انتهى وقال بعضهم لا تكون هل للاستفهام التقريري وإنما ذلك من خصائص الهمزة، وليس كما قال وذكر جماعة من النحويين أن هل تكون بمنزلة ان في افادة التاكيد والتحقيق يعني فهي عندهم في التاكيد ابلغ من قد وحملوا على ذلك {أية : هل في ذلك قسم لذي حجر} تفسير : وقدروه جوابا للقسم وهو بعيد. والدليل الثاني قول سيبويه الذي شاقه العرب وفهم مقاصدهم وقد مضى ان سيبويه لم يقل ذلك. والثالث دخول الهمزة عليها في البيت والحرف لا يدخل على مثله في المعنى وقد رأيت عن السيرافي في الرواية الصحيحة ام هل وام هذه منطقه بمعنى بل فلا دليل. وبتقدير ثبوت تلك الرواية فالبيت شاذ يمكن تخريجه على أنه من الجمع بين حرفين بمعنى واحد على سبيل التوكيد كقوله *ولا المما بهم ابدا دواء* بل الذي في البيت أسهل لاختلاف اللفظين وكون احدهما على حرفين كقوله: شعر : فاصبح لا يسألنه عن بمابه أصعد في جوالهوى أم تصوبا تفسير : انتهى كلام ابن هشام {أَتَى} مر *{عَلَى الإِنْسَانِ} قيل آدم وقيل الجنس وقيل الصحيح المراد الجنس لسلامته من الخروج عن القاعدة التي هي ان المعرفة المعادة عين الأولى والجواب ان ها هنا قرينة واضحة كالشمس فلا يتوهم لبس *{حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ} مدة منه قليلة ويوافقه قول من قال هل بمعنى قد التقريبية وقيل المدة هذه قدر أربعين سنة من سنيننا وقيل ستة أشهر. وقيل بقي أربعين سنة طينا وأربعين سنة حماء مسنونا وأربعين سنة صلصالا كالفخار فتم خلقه بعد مائة وعشرين سنة. وعن أنس عنه صلى الله عليه وسلم صور الله آدم في الجنة وتركه ما شاء الله في الجنة فجعل ابليس يدور به وينظر فلما رأه أجوف أي ذا جوف أي بطن أو رأي داخله خاليا علم أنه خلق لا يتمالك اي لا يحبس نفسه عن الشهوات وقيل لا يملك دفع الوسواس عن نفسه وقيل لا يملك نفسه عند الغضب. والذي حفظناه مشهورا أنه خلق في الدنيا وحملته الملائكة الى الجنة بعدما نفخ فيه الروح *{لَمْ يَكُن شَيْئاً مَذْكُوراً} لا يذكر ولا يعرف ولا يدري ما اسمه ولا ما يراد به، وذلك قبل أن ينفخ فيه الروح كان شيئا غير مذكور. وسمع عمر رجلا يقرأ الآية هذه {لَمْ يَكُن شَيْئاً مَذْكُوراً} فقال عمر ليتها تمت اي ليته بقي على ما كان عليه والضمير لتلك الحالة وهي كونه غير مذكور ولم يخلق ولم يكلف. وروي عن أبي بكر وابن مسعود مثل هذا وعن عمر انه قرأها رافعا صوته فقال يا ليتني مت قبل هذا كانه أراد ليتني عدمت ولم أخلق أو أراد أن الانسان في الآية الجنس فتمنى أن يكون نطفة غير مخلقة فلا يخرج للوجود فيبلغ التكليف وهذا هو الظاهر. وعنه أنه قال يا ليتني كنت هذه النيتة لنبتة أخذها من الأرض، ويا ليتني لم تلدني أمي، يا ليتني كنت نسيا منسيا يا ليتني لم أكن شيئا. والجملة حال من الانسان أو نعت لحين والرابط بين النعت والمنعوت محذوف اي مذكورا فيه، وهذا الجار المقدر معلق بمذكور أو ليكن أو نعت لشيئا، ويدل على أن الانسان الجنس قوله *{إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ} فان الانسان في هذه الآية الجنس لأن آدم من الطين لا من النطفة فيكون ذكر كل أحد ونبهه بما هو نفسه وبما خلق منه. فمعنى كونه أتي عليه حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا أنه مضى عليه زمان وهو في الاصلاب لا يذكر ولا يعرف أو مضى عليه وهو في الرحم نطفة ثم علقة ثم مضغة وذلك لا بعين إرادة الجنس بالانسان المذكور، أو لا لجواز ان يذكر او لا حال ابينا آدم ثم ذكر احوال بنيه *{أمْشَاجٍ} اخلاط جمع مشج أو مشيج يقال مشجت الشيء إذا خلطته، والمراد مجموع مني الرجل والمرأة وكل منهما له أجزاء في الرقة والقوام والخواص. فمن هذا صح الجمع ولكونه أجزاء تختلف اعضاؤه وقيل الوان فان ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اختلطا أخضرا، وقيل اطوار فان النطفة تصير علقة ثم مضغة الى تمام الخلق وعن قتادة الوان واطوار. وعن ابن مسعود عروق النطفة وعن ابن عباس ماء الرجل وماء المرأة يختلطان في الرحم فيكون منهما الولد فماء الرجل أبيض غليظ وماء المرأة أصفر رقيق فايهما علا صاحبه كان الشبه له والعصب والعظم من ماء الرجل واللحم والدم والشعر من ماء المرأة وقيل كل لونين اختلطا فهما امشاج وقيل الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة فهي نطفة ذات أمشاج. وقيل أمشاج مفرد كبرمة اعشار وبرد اكياش اي اعيد غزله كالخز والصوف أو هو الردى أو من برود اليمن يغزل مرتين وعن بعضهم أن ذلك كله من نعت المفرد بالجمع واجيب بان النطفة لما كانت من أشياء كل منها مشيج والبرمه من اعشار هي قطعها والثوب من قطع كل منها خلق كان كل من الثلاثة مجموع اجزاء فجاز وصفه بالجمع والظاهر أنه مفرد في قول من قال كل لونين اختلطا فهما امشاج {نَبْتَلِيهِ} نختبره بالامر والنهي حال من نا اي مبتلين له مريدين اختباره أو ناقلين له من حال الى حال، فاستعار الابتلاء للنقل والحال مقدرة مثل مررت برجل له صقر صائدا به غدا الا على التاويل بالارادة، فالحال مقارنة. وعن ابن عباس ما ذكر ننقله من حال الى حال في بطن امه نطفة ثم علقة، ويجوز كون الجملة مستأنفة *{فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً} الفاء عاطفة سببية فان الجعل سمعيا بصيرا كانه مسبب عن الابتلاء لأنه جعله كذلك ليشاهد الدلائل ويسمع الآيات وزعم بعضهم أن في ذلك لتقديما وتأخيرا اي جعلناه سميعا بصيرا فنبتليه وهو تعسف وقيل المعنى أنا خلقنا الانسان من هذه الامشاج للابتلاء والامتحان وخص العضوين بالذكر لانهما اعظم الحواس وقيل المراد الفهم والتمييز.
اطفيش
تفسير : {هَلْ} حرف وضع للاستفهام من أول مرة كهمزة الاستفهام وليس أصله التحقيق فى الأَخبار كقد ثم نقل إِلى الاستفهام نيابة عن الهمزة ولا باقية على التحقيق مقدراً قبلها همز الاستفهام، ومن العجائب دعوى ذلك بمجرد بيت شاذ: شعر : سائل فوارس يربوع بشدتنا أهل رأونا بسفح القاع ذى الأكم تفسير : بدخول الهمزة عليها وما هذا إِلا تأكيد مع أن الرواية الصحيحة أم هل رأونا بأُم المنقطعة بمعنى بل كما قال السيرافى ومع أن فى نسخة قديمة وجدها السيوطى فهل رأونا بالفاء فهى استفهامية حقيقة والاستفهام هنا تقريرى وإِذا استعملت فى غير الاستفهام فمجاز كما فسرها ابن عباس بمعنى قد وكذا سيبويه والكسائى وقيل للتقريب وقيل للتحقيق ولا يؤتى لها بمعادل وعبارة بعض إِذا كانت بمعنى الهمزة جاز أن يؤتى به وعبارة بعض تجوز بعدها أم المنقطعة، ومعنى الاية هل أتى على الإِنسان زمان لم يوجد فيه فيقال نعم فلزمه شكر نعمة الإِيجاد ويحقر نفسه ويعترف بالبعث كما خلق بعد عدم. {أَتَى} مضى. {عَلَى الإِنسَانِ} الجنس على الصحيح ولا مدخل فيه لآدم وبه قال ابن عباس وقيل آدم عليه السلام وهو رواية عنه ويرده أنه وصف بعد بأَنه من نطفة وآدم من تراب والإِنسان بعد هو هذا لأَنه معرفة ولم يضمر له بعد إِذ قال إِنا خلقنا الإِنسان ولم يقل خلقناه للتأْكيد، ودعوى أنه آدم على أنه وصف بالنطفة لأَن جنسه منها خلاف الأَصل والظاهر وقيل الإِنسان الأَول آدم والثانى أولاده صور الله تعالى آدم فى الأَرض أو فى السماء أو فى الجنة أقوال أصحها الأَول وطاف به إِبليس فقال إِن هذا لا يتمالك لأَنه أجوف أى خالى الوسط، ومعنى لا يتمالك لا يكون ملكاً من الملائكة أو لا يملك نفسه عن الشهوات أو لا يملك دفع الوسواس عنه أو لا يملك نفسه عند الغضب أو لا يمتنع من الغضب، ووجه القول بأَن الأَول آدم والثانى الإِنسان أن الأَول أحق بأَن لا يكون مذكوراً والثانى وصف بالنطفة. {حِينٌ} طائفة من الزمان محدودة طويلة أو قصيرة. {مِّنَ الدَّهْرِ} الزمان الممتد غير محدود يقع على مدة العالم من حين خلق الله الزمان إِلى مالا نهاية له فإِن الجنة والنار لا نهاية لهما ويطلق الدهر أيضاً على كل زمان طويل غير معين والزمان عام للقليل والكثير ويطلق على ستة أشهر أنها دهر وحين وفسر بعض الحين باليوم والليلة ولمعنى قد أتى أو هل أتى على جنس الإِنسان قبل زمان قريب مثلا طائفة محدودة مقدرة كائنة من الزمان الممتد لا يذكر كما قال الله عز وجل {لَمْ يَكُن شيئاً مَذْكُوراً} بل كان شيئاً لا يذكر بالإِنسانية أى غير معروف بها وهو التراب وما يتولد منه والتراب هو العنصر البعيد أو هو الأغذية وهى العنصر المتوسط أو النطفة وهو العنصر القريب المتولد من الأَغذية المخلوقة من العناصر والجملة حال من الإِنسان أو نعت لحين على حذف الرابط العائد إِلى المنعوت أى لم يكن شيئاً مذكوراً فيه وعليه فأُضمر ضمير الإِنسان مع جريان النعت على غير ما هو لظهور المعنى والصحيح جواز ذلك كقوله تعالى: "أية : واتقوا يوماً لا تجزي نفس" تفسير : [البقرة: 48، 123] الخ أى لا تجزى فيه وإِطلاق الإِنسان على مادته مجاز لعلاقة الآلة أو التسبب أو اللزوم ولعلاقة الأول وقد مر أنه قيل آدم مرت به ملقى بين مكة والطائف أربعون سنة طيناً ثم مرت به أربعون سنة حمأ مسنونا ثم اربعون صلصالاً، وأربعون تام الخلق وذلك مائة وعشرون ثم نفخ فيه الروح وعن عكرمة لا يعرف قدر هذا الحين إِلا الله أبهمه الله عز وجل، وزعم بعض الصوفية أن هل للنفى وأن المعنى لا أول للزمان ولا للإِنسان يوجد ويفنى بلا أول لذلك وهذا إِشراك ولا أظن موحداً يقوله وهو نفى للأَزل عن الله وإِثبات للقدماء مع الله ولعل الرواية لم تصح، وإِن قال لا أول لثبوته عند الله سبحانه أنه سيكون فحق لكن المخلوقات كلها كذلك، وسمع عمر رجلا يقرأ هذه الآية فقال ليتها تمت أى ليته بقى الإِنسان على العدم ولم يخلق، وكذا روى عن الصديق وابن مسعود رضى الله عنهم.
الالوسي
تفسير : أصله على ما قيل أهل على أن الاستفهام للتقرير أي الحمل على الإقرار بما دخلت عليه والمقرر به من ينكر البعث وقد علم أنهم يقولون نعم قد مضى على الإنسان حين لم يكن كذلك فيقال فالذي أوجده بعد أن لم يكن كيف يمتنع عليه إحياؤه بعد موته. و(هل) بمعنى قد وهي للتقريب أي تقريب الماضي من الحال فلما سدت هل مسد الهمزة دلت على معناها ومعنى الهمزة معاً ثم صارت حقيقة في ذلك فهي للتقرير والتقريب واستدل على ذلك الأصل بقول زيد الخيل: شعر : سائل فوارس يربوع بشدتنا أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم تفسير : وقيل هي للاستفهام ولا تقريب وجمعها مع الهمزة في البيت للتأكيد كما في قوله:شعر : ولا للمـابهـم أبداد واه تفسير : بل التأكيد هنا أقرب لعدم الاتحاد لفظاً على أن السيرافي قال الرواية الصحيحة أم هل رأونا؟ على أن أم منقطعة بمعنى بل وقال السيوطي في «شرح شواهد المغني» الذي رأيته في نسخة قديمة من «ديوان زيد» فهل رأونا بالفاء وعن ابن عباس وقتادة هي هنا بمعنى قد وفسرها بها جماعة من / النحاة كالكسائي وسيبويه والمبرد والفراء وحملت على معنى التقريب ومن الناس من حملها على معنى التحقيق وقال أبو عبيدة مجازها قد أتى على الإنسان وليس باستفهام وكأنه أراد ليس باستفهام حقيقة وإنما هي للاستفهام التقريري ويرجع بالآخرة إلى قد أتى ولعل مراد من فسرها بذلك كابن عباس وغيره ما ذكر لا أنها بمعنى قد حقيقة وفي «المغني» ما تفيدك مراجعته بصيرة فراجعه. والمراد بالإنسان الجنس على ما أخرجه ابن المنذر عن ابن عباس. والحين طائفة محدودة من الزمان شاملة للكثير والقليل. والدهر الزمان الممتد الغير المحدود ويقع على مدة العالم جميعها وعلى كل زمان طويل غير معين والزمان عام للكل والدهر وعاء الزمان كلام فلسفي. وتوقف الإمام أبو حنيفة في معنى الدهر منكراً أي في المراد به عرفاً في الأيمان حتى يقال بماذا يحنث إذا قال والله لا أكلمه دهراً؟ والمعرف عنده مدة حياة الحالف عند عدم النية وكذا عند صاحبيه والمنكر عندهما كالحين وهو معرفاً ومنكراً كالزمان ستة أشهر إن لم تكن نية أيضاً وبها ما نوى على الصحيح. وما اشتهر من حكاية اختلاف فتاوى الخلفاء الأربعة في ذلك على عهده عليه الصلاة والسلام مستدلاً كل بدليل وقوله صلى الله عليه وسلم بعد الرفع إليه حديث : أصحابـي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم تفسير : إلا أنه اختار فتوى الأمير كرم الله تعالى وجهه بأن الحين يوم وليلة لما فيه من التيسير لا يصح كما لا يخفى على الناقد البصير، ولو صح لم يعدل عن فتوى الأمير معدن البسالة والفتوة بعد أن اختارها مدينة العلم ومفخر الرسالة والنبوة. والمعنى هنا قد أتى أو هل أتى على جنس الإنسان قبل زمان قريب طائفة محدودة مقدرة كائنة من الزمان الممتد لم يكن شيئاً مذكوراً بل كان شيئاً غير مذكور بالإنسانية أصلاً أي غير معروف بها، على أن النفي راجع إلى القيد والمراد أنه معدوم لم يوجد بنفسه بل كان الموجود أصله مما لا يسمى إنساناً ولا يعرف بعنوان الإنسانية وهو مادته البعيدة أعني العناصر أو المتوسطة وهي الأغذية أو القريبة وهي النطفة المتولدة من الأغذية المخلوقة من العناصر. وجملة {لَمْ يَكُن} الخ حال من (الإنسان) أي غير مذكور، وجوز أن تكون صفة لحين بحذف العائد عليه أي لم يكن فيه شيئاً مذكوراً كما في قوله تعالى: {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا }تفسير : [البقرة: 48] وإطلاق الإنسان على مادته مجاز بجعل ما هو بالقوة منزلاً منزلة ما هو بالفعل أو هو من مجاز الأول. وقيل المراد بالإنسان آدم عليه السلام وأيد الأول بقوله تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ } فإن (الإنسان) فيه معرفة معادة فلا يفترقان كيف وفي إقامة الظاهر مقام المضمر فضل التقرير والتمكين في النفس فإذا اختلفا عموماً وخصوصاً فاتت الملايمة، ولا شك أن الحمل على آدم عليه السلام في هذا لا وجه له ولا نقض به على إرادة الجنس بناء على أنه لا عموم فيه ولا خصوص نعم دل قوله سبحانه {مِن نُّطْفَةٍ} على أن المراد غيره أو هو تغليب وقيل يجعل ما للأكثر للكل مجازاً في الإسناد أو الطرف ورويت إرادته عن قتادة والثوري وعكرمة والشعبـي وابن عباس أيضاً وقال في رواية أبـي صالح عنه مرت به أربعون سنة قبل أن ينفخ فيه الروح وهو ملقى بين مكة والطائف وفي رواية الضحاك عنه أنه خلق من طين فأقام أربعين سنة ثم من حمأ مسنون فأقام أربعين سنة ثم من صلصال فأقام أربعين سنة فتم خلقه بعد مائة وعشرين سنة ثم نفخ فيه الروح، وحكى الماوردي عنه أن الحين المذكور هٰهنا هو الزمن الطويل الممتد الذي لا يعرف مقداره وروي نحوه عن عكرمة فقد أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عنه أنه قال إن من الحين حيناً لا يدرك وتلا الآية فقال والله ما يدري كم أتى عليه حتى خلقه الله تعالى. ورأيت لبعض المتصوفة أن {هَلْ} للاستفهام الإنكاري فهو في معنى النفي أي: ما أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً، وظاهره القول بقدم الإنسان في الزمان على معنى أنه لم يكن زمان إلا وفيه إنسان وهو القدم النوعي كما قال به من قال من الفلاسفة وهو كفر بالإجماع ووجه / بأنهم عنوا شيئية الثبوت لقدم الإنسان عندهم بذلك الاعتبار دون شيئية الوجود ضرورة أنه بالنسبة إليها حادث زماناً ويرشد إلى هذا قول الشيخ محيـي الدين في الباب 358 من "الفتوحات المكية" لو لم يكن في العالم من هو على صورة الحق ما حصل المقصود من العلم بالحق أعني العلم الحادث في قوله سبحانه حديث : كنت كنزاً لم أعرف فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق وتعرفت إليهم فعرفوني تفسير : فجعل نفسه كنزاً والكنز لا يكون إلا مكتنزاً في شيء فلم يكن كنز الحق نفسه إلا في صورة الإنسان الكامل في شيئية ثبوته هناك كان الحق مكنوزاً فلما ألبس الحق الإنسان ثوب شيئية الوجود ظهر الكنز بظهوره فعرفه الإنسان الكامل بوجوده وعلم أنه كان مكنوزاً فيه في شيئية ثبوته وهو لا يشعر به انتهى. ولا يخفى أن الأشياء كلها في شيئية الثبوت قديمة لا الإنسان وحده ولعلهم يقولون الإنسان هو كل شيء لأنه الإمام المبين وقد قال سبحانه{أية : وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِيۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ}تفسير : [يس: 12] والكلام في هذا المقام طويل ولا يسعنا أن نطيل بيد أنا نقول كون (هل) هنا للإنكار منكر وإن دعوى صحة ذلك لإحدى الكبر والذي فهمه أجلة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم من الآية الإخبار الإيجابـي أخرج عبد بن حميد وغيره عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه سمع رجلاً يقرأ {هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً} فقال ليتها تمت وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه سمع رجلاً يتلو ذلك فقال يا ليتها تمت فعوتب في قوله هذا فأخذ عموداً من الأرض فقال يا ليتني كنت مثل هذا. {أَمْشَاجٍ } جمع مشج بفتحتين كسبب وأسباب أو مشج بفتح فكسر ككتف وأكتاف أو مشيج كشهيد وأشهاد ونصير وأنصار أي أخلاط جمع خلط بمعنى مختلط ممتزج يقال مشجت الشيء إذا خلطته ومزجته فهو مشيج وممشوج وهو صفة لنطفة. ووصف بالجمع وهي مفردة لأن المراد بها مجموع ماء الرجل والمرأة والجمع قد يقال على ما فوق الواحد، أو باعتبار الأجزاء المختلفة فيهما رقة وغلظاً وصفرة وبياضاً وطبيعة وقوة وضعفاً حتى اختص بعضها ببعض الأعضاء على ما أراده الله تعالى بحكمته فخلقه بقدرته. وفي بعض الآثار أن ما كان من عصب وعظم وقوة فمن ماء الرجل وما كان من لحم ودم فمن ماء المرأة والحاصل أنه نزل الموصوف منزلة الجمع ووصف بصفة أجزائه. وقيل هو مفرد جاء على أفعال كأعشار وأكياش في قولهم برمة أعشار أي متكسرة وبرد أكياش أي مغزول غزله مرتين واختاره الزمخشري، والمشهور عن نص سيبويه وجمهور النحاة أن أفعالاً لا يكون جمعاً وحكي عنه أنه ذهب إلى ذلك في أنعام. ومعنى نطفة مختلطة عند الأكثرين نطفة اختلط وامتزج فيها الماءان، وقيل اختلط فيها الدم والبلغم والصفراء والسوداء وقيل الأمشاج نفس الأخلاط التي هي عبارة عن هذه الأربعة فكأنه قيل من نطفة هي عبارة عن أخلاط أربعة. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد أنه قال أمشاج أي ألوان أي ذات ألوان فإن ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اختلطا ومكثا في قعر الرحم اخضرا كما يخضر الماء بالمكث وروي عن الكلبـي. وأخرج عن زيد بن أسلم أنه قال الأمشاج العروق التي في النطفة وروي ذلك عن ابن مسعود أي ذات عروق وروي عن عكرمة وكذا ابن عباس أنه قال أمشاج أطوار أي ذات أطوار فإن النطفة تصير علقة ثم مضغة وهكذا إلى تمام الخلقة ونفخ الروح. وقوله تعالى: {نَّبْتَلِيهِ} حال من فاعل {خَلَقْنَا} والمراد مريدين ابتلاءه واختباره بالتكليف فيما بعد على أن الحال مقدرة أو ناقلين له من حال إلى حال ومن طور إلى طور على طريقة الاستعارة لأن المنقول يظهر في كل طور ظهوراً آخر كظهور نتيجة الابتلاء والامتحان بعده وروي نحوه عن ابن عباس وعلى الوجهين ينحل ما قيل إن الابتلاء بالتكليف وهو يكون بعد جعله سميعاً بصيراً لا قبل فكيف يترتب عليه قوله سبحانه: {فَجَعَلْنَـٰهُ سَمِيعاً بَصِيراً } وقيل الكلام على التقديم والتأخير والجملة استئناف تعليلي أي فجعلناه سميعاً بصيراً / لنبتليه وحكي ذلك عن الفراء وعسف لأن التقديم لا يقع في حاق موقعه لا لفظاً لأجل الفاء ولا معنى لأنه لا يتجه السؤال قبل الجعل والأوجه الأول وهذا الجعل كالمسبب عن الابتلاء لأن المقصود من جعله كذلك أن ينظر الآيات الآفاقية والأنفسية ويسمع الأدلة السمعية فلذلك عطف على الخلق المقيد به بالفاء ورتب عليه قوله تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَـٰهُ ٱلسَّبِيلَ}.
سيد قطب
تفسير : في بعض الروايات أن هذه السورة مدنية، ولكنها مكية؛ ومكيتها ظاهرة جداً، في موضوعها وفي سياقها، وفي سماتها كلها. لهذا رجحنا الروايات الأخرى القائلة بمكيتها. بل نحن نلمح من سياقها أنها من بواكير ما نزل من القرآن المكي.. تشي بهذا صور النعيم الحسية المفصلة الطويلة، وصور العذاب الغليظ، كما يشي به توجيه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى الصبر لحكم ربه، وعدم إطاعة آثم منهم أو كفور؛ مما كان يتنزل عند اشتداد الأذى على الدعوة وأصحابها في مكة، مع إمهال المشركين وتثبيت الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ على الحق الذي نزل عليه، وعدم الميل إلى ما يدهنون به.. كما جاء في سورة القلم، وفي سورة المزمل، وفي سورة المدثر، مما هو قريب من التوجيه في هذه السورة.. واحتمال أن هذه السورة مدنية ـ في نظرنا ـ هو احتمال ضعيف جداً، يمكن عدم اعتباره! والسورة في مجموعها هتاف رخي ندي إلى الطاعة، والالتجاء إلى الله، وابتغاء رضاه، وتذكر نعمته، والإحساس بفضله، واتقاء عذابه، واليقظة لابتلائه، وإدراك حكمته في الخلق والإنعام والابتلاء والإملاء.. وهي تبدأ بلمسة رفيقة للقلب البشري: أين كان قبل أن يكون؟ من الذي أوجده؟ ومن الذي جعله شيئاً مذكوراً في هذا الوجود؟ بعد أن لم يكن له ذكر ولا وجود: {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً؟}.. تتلوها لمسة أخرى عن حقيقة أصله ونشأته، وحكمة الله في خلقه، وتزويده بطاقاته ومداركه: {إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً}.. ولمسة ثالثة عن هدايته إلى الطريق، وعونه على الهدى، وتركه بعد ذلك لمصيره الذي يختاره: {إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفورا}.. وبعد هذه اللمسات الثلاث الموحية، وما تثيره في القلب من تفكير عميق، ونظرة إلى الوراء. ثم نظرة إلى الأمام، ثم التحرج والتدبر عند اختيار الطريق.. بعد هذه اللمسات الثلاث تأخذ السورة في الهتاف للإنسان وهو على مفرق الطريق لتحذيره من طريق النار.. وترغيبه في طريق الجنة، بكل صور الترغيب، وبكل هواتف الراحة والمتاع والنعيم والتكريم: {إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالاً وسعيرا. إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا. عيناً يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا}.. وقبل أن تمضي في عرض صور المتاع ترسم سمات هؤلاء الأبرار في عبارات كلها انعطاف ورقة وجمال وخشوع يناسب ذلك النعيم الهانئ الرغيد: {يوفون بالنذر، ويخافون يوماً كان شره مستطيراً، ويطعمون الطعام ـ على حبه ـ مسكيناً ويتيماً وأسيرا. إنا نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا. إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريرا}.. ثم تعرض جزاء هؤلاء القائمين بالعزائم والتكاليف، الخائفين من اليوم العبوس القمطرير، الخيرين المطعمين على حاجتهم إلى الطعام، يبتغون وجه الله وحده، لا يريدون شكوراً من أحد، إنما يتقون اليوم العبوس القمطرير! تعرض جزاء هؤلاء الخائفين الوجلين المطعمين المؤثرين. فإذا هو الأمن والرخاء والنعيم اللين الرغيد: {فوقاهم الله شر ذلك اليوم، ولقاهم نضرة وسرورا، وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا. متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمساً ولا زمهريرا. ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا. ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا، قواريرا من فضة قدروها تقديرا. ويسقون فيها كأساً كان مزاجها زنجبيلا، عيناً فيها تسمى سلسبيلا. ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤاً منثوراً. وإذا رأيت ثم رأيت نعيماً وملكاً كبيرا. عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق، وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شراباً طهورا. إن هـذا كان لكم جزآء وكان سعيكم مشكورا}. فإذا انتهى معرض النعيم اللين الرغيد المطمئن الهانئ الودود، اتجه الخطاب إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لتثبيته على الدعوة ـ في وجه الإعراض والكفر والتكذيب ـ وتوجيهه إلى الصبر وانتظار حكم الله في الأمر؛ والاتصال بربه والاستمداد منه كلما طال الطريق: {إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا. فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثماً أو كفورا. واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا، ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلاً طويلا}.. ثم تذكيرهم باليوم الثقيل الذي لا يحسبون حسابه؛ والذي يخافه الأبرار ويتقونه، والتلويح لهم بهوان أمرهم على الله، الذي خلقهم ومنحهم ما هم فيه من القوة، وهو قادر على الذهاب بهم، والإتيان بقوم آخرين؛ لولا تفضله عليهم بالبقاء، لتمضي مشيئة الابتلاء. ويلوح لهم في الختام بعاقبة هذا الابتلاء: {إن هـؤلاء يحبون العاجلة ويذرون ورآءهم يوماً ثقيلا. نحن خلقناهم وشددنآ أسرهم وإذا شئنا بدلنآ أمثالهم تبديلا. إن هـذه تذكرة فمن شآء اتخذ إلى ربه سبيلا. وما تشآءون إلا أن يشآء الله، إن الله كان عليماً حكيما. يدخل من يشآء في رحمته والظالمين أعد لهم عذاباً أليما}.. تبدأ السورة بالتذكير بنشأة الإنسان وتقدير الله في هذه النشأة، على أساس الابتلاء، وتختم ببيان عاقبة الابتلاء، كما اقتضت المشيئة منذ الابتداء. فتوحي بذلك البدء وهذا الختام بما وراء الحياة كلها من تدبير وتقدير، لا ينبغي معه أن يمضي الإنسان في استهتاره. غير واع ولا مدرك، وهو مخلوق ليبتلى، وموهوب نعمة الإدراك لينجح في الابتلاء. وبين المطلع والختام ترد أطول صورة قرآنية لمشاهد النعيم. أو من أطولها إذا اعتبرنا ما جاء في سورة الواقعة من صور النعيم، وهو نعيم حسي في جملته، ومعه القبول والتكريم، وهو بتفصيله هذا وحسيته يوحي بمكيته، حيث كان القوم قريبي عهد بالجاهلية، شديدي التعلق بمتاع الحواس، يبهرهم هذا اللون ويعجبهم، ويثير تطلعهم ورغبتهم. وما يزال هذا اللون من المتاع يثير تطلع صنوف من الناس، ويصلح جزاء لهم يرضي أعمق رغباتهم. والله أعلم بخلقه ما يصلح لهم وما يصلح قلوبهم، وما يليق بهم كذلك وفق تكوينهم وشعورهم. وهناك ما هو أعلى منه وأرق كالذي جاء في سورة القيامة: {أية : وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة}.. تفسير : والله أعلم بما يصلح للعباد في كل حال. {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً؟ إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً. إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً}.. هذا الاستفهام في مطلع السورة إنما هو للتقرير؛ ولكن وروده في هذه الصيغة كأنما ليسأل الإنسان نفسه: ألا يعرف أنه أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً؟ ثم ألا يتدبر هذه الحقيقة ويتملاها؟ ثم ألا يفعل تدبرها في نفسه شيئاً من الشعور باليد التي دفعته إلى مسرح الحياة، وسلطت عليه النور، وجعلته شيئاً مذكوراً بعد أن لم يكن شيئاً مذكوراً؟ إنها إيحاءات كثيرة تنبض من وراء صيغة الاستفهام في هذا المقام. وهي إيحاءات رفيقة وعميقة تثير في النفس تأملات شتى: واحدة منها تتجه بالنفس إلى ما قبل خلق الإنسان ووجوده ابتداء. يعيش فيها مع هذا الكون وقد خلا من الإنسان.. كيف تراه كان؟.. والإنسان مخلوق مغرور في نفسه وفي قيمته، حتى لينسى أن هذا الكون كان وعاش قبل أن يوجد هو بأدهار وأزمان طوال. ولعل الكون لم يكن يتوقع خلق شيء يسمى "الإنسان".. حتى انبثق هذا الخلق من إرادة الله فكان! وواحدة منها تتجه إلى اللحظة التي انبثق فيها هذا الوجود الإنساني. وتضرب في تصورات شتى لهذه اللحظة التي لم يكن يعلمها إلا الله؛ والتي أضافت إلى الكون هذه الخليقة الجديدة، المقدر أمرها في حساب الله قبل أن تكون! المحسوب دورها في خط هذا الكون الطويل! وواحدة منها تتجه إلى تأمل يد القدرة وهي تدفع بهذا الكائن الجديد على مسرح الوجود؛ وتعده لدوره، وتعدّ له دوره، وتربط خيوط حياته بمحور الوجود كله؛ وتهيئ له الظروف التي تجعل بقاءه وأداء دوره ممكناً وميسوراً؛ وتتابعه بعد ذلك في كل خطوة، ومعها الخيط الذي تشده به إليها مع سائر خيوط هذا الكون الكبير! وإيحاءات كثيرة وتأملات شتى، يطلقها هذا النص في الضمير.. ينتهي منها القلب إلى الشعور بالقصد والغاية والتقدير، في المنشأ وفي الرحلة وفي المصير. فأما امتداد هذا الإنسان بعد ذلك وبقاؤه فكانت له قصة أخرى: {إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً}.. والأمشاج: الأخلاط. وربما كانت هذه إشارة إلى تكون النطفة من خلية الذكر وبويضة الأنثى بعد التلقيح. وربما كانت هذه الأخلاط تعني الوراثات الكامنة في النطفة، والتي يمثلها ما يسمونه علمياً "الجينات" وهي وحدات الوراثة الحاملة للصفات المميزة لجنس الإنسان أولاً ولصفات الجنين العائلية أخيراً. وإليها يعزى سير النطفة الإنسانية في رحلتها لتكوين جنين إنسان، لا جنين أي حيوان آخر. كما تعزى إليها وراثة الصفات الخاصة في الأسرة.. ولعلها هي هذه الأمشاج المختلطة من وراثات شتى.. خلقته يد القدرة هكذا من نطفة أمشاج، لا عبثاً ولا جزافاً ولا تسلية، ولكنه خلق ليبتلى ويمتحن ويختبر. والله سبحانه يعلم ما هو؟ وما اختباره؟ وما ثمرة اختباره؟ ولكن المراد أن يظهر ذلك على مسرح الوجود، وأن تترتب عليه آثاره المقدرة في كيان الوجود، وأن تتبعه آثاره المقدرة. ويجزى وفق ما يظهر من نتائج ابتلائه. ومن ثم جعله سميعاً بصيراً. أي زوده بوسائل الإدراك، ليستطيع التلقي والاستجابة. وليدرك الأشياء والقيم ويحكم عليها ويختار. ويجتاز الابتلاء وفق ما يختار.. وإذن فإن إرادة الله في امتداد هذا الجنس وتكرر أفراده بالوسيلة التي قدرها، وهي خلقته من نطفة أمشاج.. كانت وراءها حكمة. وكان وراءها قصد. ولم تكن فلتة.. كان وراءها ابتلاء هذا الكائن واختباره. ومن ثم وهب الاستعداد للتلقي والاستجابة، والمعرفة والاختبار.. وكان كل شيء في خلقه وتزويده بالمدارك وابتلائه في الحياة.. بمقدار! ثم زوده إلى جانب المعرفة، بالقدرة على اختيار الطريق، وبين له الطريق الواصل. ثم تركه ليختاره، أو ليضل ويشرد فيما وراءه من طرق لا تؤدي إلى الله: {إنا هديناه السبيل: إما شاكراً وإما كفوراً}.. وعبر عن الهدى بالشكر. لأن الشكر أقرب خاطر يرد على قلب المهتدي، بعد إذ يعلم أنه لم يكن شيئاً مذكوراً، فأراد ربه له أن يكون شيئاً مذكوراً. ووهب له السمع والبصر. وزوده بالقدرة على المعرفة. ثم هداه السبيل. وتركه يختار.. الشكر هو الخاطر الأول الذي يرد على القلب المؤمن في هذه المناسبة. فإذا لم يشكر فهو الكفور.. بهذه الصيغة الموغلة في الدلالة على الكفران. ويشعر الإنسان بجدية الأمر ودقته بعد هذه اللمسات الثلاث. ويدرك أنه مخلوق لغاية. وأنه مشدود إلى محور. وأنه مزود بالمعرفة فمحاسب عليها. وأنه هنا ليبتلى ويجتاز الابتلاء. فهو في فترة امتحان يقضيها على الأرض، لا في فترة لعب ولهو وإهمال! ويخرج من هذه الآيات الثلاث القصار بذلك الرصيد من التأملات الرفيقة العميقة، كما يخرج منها مثقل الظهر بالتبعة والجد والوقار في تصور هذه الحياة، وفي الشعور بما وراءها من نتائج الابتلاء! وتغير هذه الآيات الثلاث القصار من نظرته إلى غاية وجوده، ومن شعوره بحقيقة وجوده، ومن أخذه للحياة وقيمها بوجه عام. ومن ثم يأخذ في عرض ما ينتظر الإنسان بعد الابتلاء، واختياره طريق الشكر أو طريق الكفران. فأما ما ينتظر الكافرين، فيجمله إجمالاً، لأن ظل السورة هو ظل الرخاء الظاهر في الصورة والإيقاع. وظل الهتاف المغري بالنعيم المريح. فأما العذاب فيشير إليه في إجمال: {إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالاً وسعيراً}.. سلاسل للأقدام، وأغلالاً للأيدي، وناراً تتسعر يلقى فيها بالمسلسلين المغلولين! ثم يسارع السياق إلى رخاء النعيم: {إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافوراً. عيناً يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيراً}.. وهذه العبارة تفيد أن شراب الأبرار في الجنة ممزوج بالكافور، يشربونه في كأس تغترف من عين تفجر لهم تفجيراً، في كثرة ووفرة.. وقد كان العرب يمزجون كؤوس الخمر بالكافور حيناً وبالزنجبيل حيناً زيادة في التلذذ بها، فها هم أولاء يعلمون أن في الجنة شراباً طهوراً ممزوجاً بالكافور، على وفر وسعة. فأما مستوى هذا الشراب فمفهوم أنه أحلى من شراب الدنيا، وأن لذة الشعور به تتضاعف وترقى، ونحن لا نملك في هذه الأرض أن نحدد مستوى ولا نوعاً للذة المتاع هناك. فهي أوصاف للتقريب. يعلم الله أن الناس لا يملكون سواها لتصور هذا الغيب المحجوب. والتعبير يسميهم في الآية الأولى {الأبرار} ويسميهم في الآية الثانية {عباد الله}.. إيناساً وتكريماً وإعلاناً للفضل تارة، وللقرب من الله تارة، في معرض النعيم والتكريم. ثم يعرف بهؤلاء الأبرار عباد الله الذين قسم لهم هذا المتاع: {يوفون بالنذر، ويخافون يوماً كان شره مستطيراً، ويطعمون الطعام ـ على حبه ـ مسكيناً ويتيماً وأسيراً. إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزآءً ولا شكوراً. إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً}.. وهي صورة وضيئة شفافة لقلوب مخلصة جادة عازمة على الوفاء لله بتكاليف العقيدة، مع رحمة ندية بعباده الضعاف، وإيثار على النفس، وتحرج وخشية لله، ورغبة في رضاه، وإشفاق من عذابه تبعثه التقوى والجد في تصور الواجب الثقيل. {يوفون بالنذر} فيفعلون ما اعتزموا من الطاعات، وما التزموا من الواجبات. فهم يأخذون الأمر جداً خالصاً لا يحاولون التفلت من تبعاته، ولا التفصي من أعبائه، ولا التخلي عنه بعد اعتزامه. وهذا معنى أنهم يوفون بالنذر. فهو أعم من المعنى العرفي المتبادر من كلمة {النذر}. {ويخافون يوماً كان شره مستطيراً}.. فهم يدركون صفة هذا اليوم، الذي يتفشى شره ويصيب الكثيرين من المقصرين والمسيئين. فيخافون أن ينالهم شيء من شره. وهذه سمة الأتقياء، الشاعرين بثقل الواجب وضخامة التكاليف، الخائفين من التقصير والقصور، مهما قدموا من القرَب والطاعات. {ويطعمون الطعام ـ على حبه ـ مسكيناً ويتيماً وأسيراً}.. وهي تصور شعور البر والعطف والخير ممثلاً في إطعام الطعام، مع حبه بسبب الحاجة إليه. فمثل هذه القلوب لا يقال عنها: إنها تحب الطعام الذي تطعمه للضعاف المحاويج على اختلاف أنواعهم. إلا أن تكون في حاجة هي إلى هذا الطعام، ولكنها تؤثر به المحاويج. وهذه اللفتة تشي بقسوة البيئة في مكة بين المشركين؛ وأنها كانت لا تفضي بشيء للمحاويج الضعاف؛ وإن كانت تبذل في مجالات المفاخرة الشيء الكثير. فأما الأبرار عباد الله فكانوا واحة ظليلة في هذه الهاجرة الشحيحة. وكانوا يطعمون الطعام بأريحية نفس، ورحمة قلب، وخلوص نية. واتجاه إلى الله بالعمل، يحكيه السياق من حالهم، ومن منطوق قلوبهم. {إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزآء ولا شكوراً. إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً}.. فهي الرحمة الفائضة من القلوب الرقيقة الرفيقة، تتجه إلى الله تطلب رضاه. ولا تبتغي بها جزاء من الخلق ولا شكراً، ولا تقصد بها استعلاء على المحتاجين ولا خيلاء. كما تتقي بها يوماً عبوساً شديد العبوس، تتوقعه وتخشاه، وتتقيه بهذا الوقاء. وقد دلهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عليه وهو يقول: "حديث : اتق النار ولو بشق تمرة ".. تفسير : وقد كان إطعام الطعام هكذا مباشرة هو وسيلة التعبير عن هذه العاطفة النبيلة الكريمة، ووسيلة الإشباع لحاجات المحاويج. ولكن صور الإحسان ووسائله قد تتغير بحسب البيئات والظروف، فلا تظل في هذه الصورة البدائية المباشرة. إلا أن الذي يجب الاحتفاظ به هو حساسية القلوب، وحيوية العاطفة، والرغبة في الخير ابتغاء وجه الله، والتجرد عن البواعث الأرضية من جزاء أو شكر أو نفع من منافع الحياة! ولقد تنظم الضرائب، وتفرض التكاليف، وتخصص للضمان الاجتماعي، ولإسعاف المحاويج، ولكن هذا إنما يفي بشطر واحد من مزايا الاتجاه الإسلامي الذي ترمز إليه تلك الآيات، والذي توخاه بفريضة الزكاة.. هذا الشطر هو كفاية حاجة المحتاجين.. هذا شطر.. والشطر الآخر هو تهذيب أرواح الباذلين، ورفعها إلى ذلك المستوى الكريم. وهو شطر لا يجوز إغفاله ولا التهوين من شأنه فضلاً على أن تنقلب المعايير فيوصم ويقبح ويشوه، ويقال: إنه إذلال للآخذين وإفساد للواهبين. إن الإسلام عقيدة قلوب، ومنهج تربية لهذه القلوب. والعاطفة الكريمة تهذب صاحبها وتنفع من يوجهها إليه من إخوانه. فتفي بشطري التربية التي يقصد إليها هذا الدين. ومن ثم كان ذلك التصوير الكريم لذلك الشعور الكريم. {فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسروراً}.. يعجل السياق بذكر وقايتهم من شر ذلك اليوم الذي كانوا يخافونه، ليطمئنهم في الدنيا وهم يتلقون هذا القرآن ويصدقونه! ويذكر أنهم تلقوا من الله نضرة وسروراً، لا يوماً عبوساً قمطريراً. جزاءً وفاقاً على خشيتهم وخوفهم، وعلى نداوة قلوبهم ونضرة مشاعرهم. ثم يمضي بعد ذلك في وصف مناعم الجنة التي وجدوها: {وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً}.. جنة يسكنونها وحريراً يلبسونه. {متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً}.. فهم في جلسة مريحة مطمئنة والجو حولهم رخاء ناعم دافئ في غير حر، نديّ في غير برد. فلا شمس تلهب النسائم، ولا زمهرير وهو البرد القارس! ولنا أن نقول: إنه عالم آخر ليست فيه شمسنا هذه ولا شموس أخرى من نظائرها.. وكفى! {ودانية عليهم ظلالها. وذللت قطوفها تذليلاً}.. وإذا دنت الظلال ودنت القطوف فهي الراحة والاسترواح على أمتع ما يمتد إليه الخيال! فهذه هي الهيئة العامة لهذه الجنة التي جزى الله بها عباده الأبرار الذين رسم لهم تلك الصورة المرهفة اللطيفة الوضيئة في الدنيا.. ثم تأتي تفصيلات المناعم والخدمات.. {ويطاف عليهم بآنية من فضة، وأكواب كانت قواريرا، قواريرا من فضة قدروها تقديراً. ويسقون فيها كأساً كان مزاجها زنجبيلاً. عيناً فيها تسمى سلسبيلاً}.. فهم في متاعهم. متكئين على الأرائك بين الظلال الوارفة والقطوف الدانية والجو الرائق.. يطاف عليهم بأشربة في آنية من فضة، وفي أكواب من فضة كذلك، ولكنها شفة كالقوارير، مما لا تعهده الأرض في آنية الفضة، وهي بأحجام مقدرة تقديراً يحقق المتاع والجمال. ثم هي تمزج بالزنجبيل كما مزجت مرة بالكافور. وهي كذلك تملأ من عين جارية تسمى سلسبيلاً، لشدة عذوبتها واستساغتها لدى الشاربين! وزيادة في المتاع فإن الذين يطوفون بهذه الأواني والأكواب بالشراب هم غلمان صباح الوجوه، لا يفعل فيهم الزمن، ولا تدركهم السن؛ فهم مخلدون في سن الصباحة والصبا والوضاءة. وهم هنا وهناك كاللؤلؤ المنثور: {ويطوف عليهم ولدان مخلدون، إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤاً منثوراً}.. ثم يجمل السياق خطوط المنظر، ويلقي عليه نظرة كاملة تلخص وقعه في القلب والنظر: {وإذا رأيت ـ ثمّ ـ رأيت نعيماً وملكاً كبيراً}.. نعيماً وملكاً كبيراً. هو الذي يعيش فيه الأبرار المقربون عباد الله هؤلاء، على وجه الإجمال والعموم! ثم يخصص مظهراً من مظاهر النعيم والملك الكبير؛ كأنه تعليل لهذا الوصف وتفسير: {عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق، وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شراباً طهوراً}.. والسندس الحرير الرقيق، والإستبرق الحرير السميك المبطن.. وهم في هذه الزينة وهذا المتاع، يتلقونه كله من {ربهم} فهو عطاء كريم من معط كريم.. وهذه تضاف إلى قيمة ذلك النعيم! ثم يتلقون عليه الود والتكريم: {إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكوراً}.. يتلقون هذا النطق من الملأ الأعلى. وهو يعدل هذه المناعم كلها، ويمنحها قيمة أخرى فوق قيمتها.. وهكذا ينتهي ذلك العرض المفصل والهتاف الموحي للقلوب، الهتاف إلى ذلك النعيم الطيب والفرار من السلاسل والأغلال والسعير.. وهما طريقان. طريق مؤد إلى الجنة هذه وطريق مؤد إلى السعير! وبعد انتهاء هذا الهتاف إلى الجنة ونعيمها الهنيء الرغيد، يعالج حالة المشركين المصرين على العناد والتكذيب، الذين لا يدركون حقيقة الدعوة، فيساومون عليها الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لعله يكف عنها، أو عما يؤذيهم منها. وبين المساومة للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفتنة المؤمنين به وإيذائهم، والصد عن سبيل الله، والإعراض عن الخير والجنة والنعيم.. بين هذا كله يجيء المقطع الأخير في السورة يعالج هذا الموقف بطريقة القرآن الكريم: {إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلاً. فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً. واذكر اسم ربك بكرة وأصيلاً. ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلاً طويلاً}.. وفي هذه الآيات الأربع تكمن حقيقة كبيرة من حقائق الدعوة الإيمانية. حقيقة ينبغي أن يعيش فيها الدعاة إلى الله طويلاً، وأن يتعمقوها تعمقاً كاملاً، وأن ينظروا بتدبر في مدلولاتها الواقعية والنفسية والإيمانية الكبيرة. لقد كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يواجه المشركين بالدعوة إلى الله وحده. وهو لم يكن يواجه في نفوسهم مجرد عقيدة. ولو كان الأمر كذلك لكان أيسر كثيراً. فإن عقيدة الشرك المهلهلة التي كانوا عليها لم تكن من القوة والثبات بحيث يصمدون بها هكذا لعقيدة الإسلام القوية الواضحة البسيطة. إنما كانت الملابسات التي تحيط بالعقيدة وبالموقف هي التي تقود إلى تلك المعارضة العنيدة، التي شهدت بها الروايات التاريخية، وحكاها القرآن في مواضع منه شتى.. كانت المكانة الاجتماعية، والاعتزاز بالقيم السائدة في البيئة، وما يتلبس بها كذلك من مصالح مادية.. هي العنصر الأول الذي يقود إلى التشبث بالعقيدة الواهية الظاهرة البطلان، في وجه العقيدة القوية الظاهرة الاستقامة.. ثم كانت صور الحياة الجاهلية ومتاعها ولذائذها وشهواتها إلى جانب ذلك تزيد المقاومة والعناد والتأبي على العقيدة الجديدة، وما فيها من اتجاهات أخلاقية وقيم رفيعة، لا تسمح بانطلاق الغرائز والشهوات؛ ولا بالحياة العابثة الماجنة المطلقة من كوابح الأخلاق. وهذه الأسباب ـ سواء ما يتعلق منها بالمكانة والقيم الاجتماعية والسلطان والمال والمصالح، وما يتعلق منها بالإلف والعادة وصور الحياة التقليدية، وما يتعلق منها بالانطلاق من القيم والقيود الأخلاقية ـ كانت قائمة في وجه الدعوة الأولى، وهي هي قائمة في وجه الدعوة في كل أرض وفي كل جيل. وهي تمثل العناصر الثابتة في معركة العقيدة، التي تجعلها معركة عنيدة لا تنتهي من قريب؛ وتجعل مشاقها وتكاليفها والثبات عليها من أعسر التكاليف. ومن ثم ينبغي للدعاة إلى دين الله في أي أرض وفي أي زمان أن يعيشوا طويلاً في الحقيقة الكبيرة الكامنة في تلك الآيات، وملابسات نزولها على الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهي ملابسات معركة واحدة يخوضها كل صاحب دعوة إلى الله، في أي أرض وفي أي زمان! لقد تلقى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ التكليف من ربه لينذر، وقيل له: {أية : يا أيها المدثر. قم فأنذر}.. تفسير : فلما أن نهض بالتكليف واجهته تلك العوامل والأسباب التي تصد القوم عن الدعوة الجديدة، وتثير في نفوسهم التشبث بما هم عليه ـ على شعورهم بوهنه وهلهلته ـ وتقودهم إلى العناد الشديد، ثم إلى الدفاع العنيد عن معتقداتهم وأوضاعهم ومكانتهم ومصالحهم. ومألوف حياتهم، ولذائذهم وشهواتهم.. إلى آخر ما تهدده الدعوة الجديدة أشد التهديد. وأخذ هذا الدفاع العنيد صوراً شتى، في أولها إيذاء القلة المؤمنة التي استجابت للدعوة الجديدة، ومحاولة فتنتها عن عقيدتها بالتعذيب والتهديد. ثم تشويه هذه العقيدة وإثارة الغبار حولها وحول نبيها ـ صلى الله عليه وسلم ـ بشتى التهم والأساليب. كي لا ينضم إليها مؤمنون جدد. فمنع الناس عن الانضمام إلى راية العقيدة قد يكون أيسر من فتنة الذين عرفوا حقيقتها وذاقوها! وفي الوقت ذاته راحوا يحاولون مع صاحب الدعوة ـ صلى الله عليه وسلم ـ طرقاً شتى من الإغراء ـ إلى جانب التهديد والإيذاء ـ ليلتقي بهم في منتصف الطريق؛ ويكف عن الحملة الساحقة على معتقداتهم وأوضاعهم وتقاليدهم؛ ويصالحهم ويصالحونه على شيء يرتضيه ويرتضونه! كما تعود الناس أن يلتقوا في منتصف الطريق عند الاختلاف على المصالح والمغانم وشؤون هذه الأرض المعهودة. وهذه الوسائل ذاتها أو ما يشبهها هي التي يواجهها صاحب الدعوة إلى الله في كل أرض وفي كل جيل! والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولو أنه رسول، حفظه الله من الفتنة، وعصمه من الناس.. إلا أنه بشر يواجه الواقع الثقيل في قلة من المؤمنين وضعف. والله يعلم منه هذا، فلا يدعه وحده، ولا يدعه لمواجهة الواقع الثقيل بلا عون ومدد وتوجيه إلى معالم الطريق. وهذه الآيات تتضمن حقيقة هذا العون والمدد والتوجيه: {إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلاً}. وهي اللفتة الأولى إلى مصدر التكليف بهذه الدعوة، وينبوع حقيقتها.. إنها من الله. هو مصدرها الوحيد. وهو الذي نزل بها القرآن. فليس لها مصدر آخر، ولا يمكن أن تختلط حقيقتها بشيء آخر لا يفيض من هذا الينبوع. وكل ما عدا هذا المصدر لا يُتلقى عنه، ولا يُستمد منه، ولا يُستعار لهذه العقيدة منه شيء، ولا يخلط بها منه شيء.. ثم إن الله الذي نزل هذا القرآن وكلف بهذه الدعوة لن يتركها. ولن يترك الداعي إليها، وهو كلفه، وهو نزّل القرآن عليه. ولكن الباطل يتبجح، والشر ينتفش، والأذى يصيب المؤمنين، والفتنة ترصد لهم؛ والصد عن سبيل الله يملكه أعداء الدعوة ويقومون به ويصرون عليه، فوق إصرارهم على عقيدتهم وأوضاعهم وتقاليدهم وفسادهم وشرهم الذي يلجون فيه! ثم هم يعرضون المصالحة، وقسمة البلد بلدين، والالتقاء في منتصف الطريق.. وهو عرض يصعب رده ورفضه في مثل تلك الظروف العصبية! هنا تجيء اللفتة الثانية: {فاصبر لحكم ربك، ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً}.. إن الأمور مرهونه بقدر الله. وهو يمهل الباطل، ويملي للشر، ويطيل أمد المحنة على المؤمنين والابتلاء والتمحيص.. كل أولئك لحكمة يعلمها، يجري بها قدره، وينفذ بها حكمه.. {فاصبر لحكم ربك}.. حتى يجيء موعده المرسوم.. اصبر على الأذى والفتنة. واصبر على الباطل يغلب، والشر يتنفج. ثم اصبر أكثر على ما أوتيته من الحق الذي نزل به القرآن عليك. اصبر ولا تستمع لما يعرضونه من المصالحة والالتقاء في منتصف الطريق على حساب العقيدة: {ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً}.. فهم لا يدعونك إلى طاعة ولا إلى بر ولا إلى خير. فهم آثمون كفار. يدعونك إلى شيء من الإثم والكفر إذن حين يدعونك إلى الالتقاء بهم في منتصف الطريق! وحين يعرضون عليك ما يظنونه يرضيك ويغريك! وقد كانوا يدعونه باسم شهوة السلطان، وباسم شهوة المال، وباسم شهوة الجسد. فيعرضون عليه مناصب الرياسة فيهم والثراء، حتى يكون أغنى من أغناهم، كما يعرضون عليه الحسان الفاتنات، حيث كان عتبة بن ربيعة يقول له: "ارجع عن هذا الأمر حتى أزوجك ابنتي، فإني من أجمل قريش بنات!".. كل الشهوات التي يعرضها أصحاب الباطل لشراء الدعاة في كل أرض وفي كل جيل! {فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً}.. فإنه لا لقاء بينك وبينهم؛ ولا يمكن أن تقام قنطرة للعبور عليها فوق الهوة الواسعة التي تفصل منهجك عن منهجهم، وتصورك للوجود كله عن تصورهم، وحقك عن باطلهم، وإيمانك عن كفرهم، ونورك عن ظلماتهم، ومعرفتك بالحق عن جاهليتهم! اصبر ولو طال الأمد، واشتدت الفتنة وقوي الإغراء، وامتد الطريق.. ولكن الصبر شاق، ولا بد من الزاد والمدد المعين: {واذكر اسم ربك بكرة وأصيلاً، ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلاً طويلاً}. هذا هو الزاد. اذكر ربك في الصباح والمساء، واسجد له بالليل وسبحه طويلاً.. إنه الاتصال بالمصدر الذي نزّل عليك القرآن، وكلفك الدعوة، هو ينبوع القوة ومصدر الزاد والمدد.. والاتصال به ذكرا وعبادة ودعاءً وتسبيحاً.. ليلاً طويلاً.. فالطريق طويل، والعبء ثقيل. ولا بد من الزاد الكثير والمدد الكبير. وهو هناك حيث يلتقي العبد بربه في خلوة وفي نجاء، وفي تطلع وفي أنس، تفيض منه الراحة على التعب والضنى، وتفيض منه القوة على الضعف والقلة. وحيث تنفض الروح عنها صغائر المشاعر والشواغل، وترى عظمة التكليف، وضخامة الأمانة. فتستصغر ما لاقت وما تلاقي من أشواك الطريق! إن الله رحيم، كلف عبده الدعوة، ونزل عليه القرآن، وعرف متاعب العبء، وأشواك الطريق. فلم يدع نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بلا عون أو مدد. وهذا هو المدد الذي يعلم ـ سبحانه ـ أنه هو الزاد الحقيقي الصالح لهذه الرحلة المضنية في ذلك الطريق الشائك.. وهو هو زاد أصحاب الدعوة إلى الله في كل أرض وفي كل جيل. فهي دعوة واحدة. ملابساتها واحدة. وموقف الباطل منها واحد، وأسباب هذا الموقف واحدة. ووسائل الباطل هي ذاتها وسائله. فلتكن وسائل الحق هي الوسائل التي علم الله أنها وسائل هذا الطريق. والحقيقة التي ينبغي أن يعيش فيها أصحاب الدعوة إلى الله هي هذه الحقيقة التي لقنها الله لصاحب الدعوة الأولى ـ صلى الله عليه وسلم ـ هي أن التكليف بهذه الدعوة تنزل من عند الله. فهو صاحبها. وأن الحق الذي تنزلت به لا يمكن مزجه بالباطل الذي يدعو إليه الآثمون الكفار. فلا سبيل إلى التعاون بين حقها وباطلهم، أو الالتقاء في منتصف الطريق بين القائم على الحق والقائمين على الباطل. فهما نهجان مختلفان، وطريقان لا يلتقيان. فأما حين يغلب الباطل بقوته وجمعه على قلة المؤمنين وضعفهم، لحكمة يراها الله.. فالصبر حتى يأتي الله بحكمه. والاستمداد من الله والاستعانة بالدعاء والتسبيح ـ ليلاً طويلاً ـ هي الزاد المضمون لهذا الطريق.. .. إنها حقيقة كبيرة لا بد أن يدركها ويعيش فيها رواد هذا الطريق.. ثم يمضي السياق في توكيد الافتراق بين منهج الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومنهج الجاهلية. بما يقرره من غفلتهم عن رؤية الخير لأنفسهم، ومن تفاهة اهتماماتهم، وصغر تصوراتهم.. يقول: {إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوماً ثقيلاً}.. إن هؤلاء، القريبي المطامح والاهتمامات، الصغار المطالب والتصورات.. هؤلاء الصغار الزهيدين الذين يستغرقون في العاجلة ويذرون وراءهم يوماً ثقيلاً. ثقيلاً بتبعاته. ثقيلاً بنتائجه. ثقيلاً بوزنه في ميزان الحقيقة.. إن هؤلاء لا يطاعون في شيء ولا يتبعون في طريق؛ ولا يلتقون مع المؤمنين في هدف ولا غاية، ولا يؤبه لما هم فيه من هذه العاجلة، من ثراء وسلطان ومتاع، فإنما هي العاجلة، وإنما هو المتاع القليل، وإنما هم الصغار الزهيدون! ثم توحي الآية بغفلتهم عن رؤية الخير لأنفسهم. فهم يختارون العاجلة، ويذرون اليوم الثقيل الذي ينتظرهم هناك بالسلاسل والأغلال والسعير، بعد الحساب العسير! فهذه الآية استطراد في تثبيت الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمؤمنين معه، في مواجهة هؤلاء الذين أوتوا من هذه العاجلة ما يحبون. إلى جانب أنها تهديد ملفوف لأصحاب العاجلة باليوم الثقيل. يتلو ذلك التهوين من أمرهم عند الله الذي أعطاهم ما هم فيه من قوة وبأس، وهو قادر على الذهاب بهم وتبديل غيرهم منهم. ولكنه يتركهم لحكمة يجري بها قدره القديم: {نحن خلقناهم وشددنا أسرهم، وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلاً}.. وهذه اللفتة تذكر هؤلاء الذين يعتزون بقوتهم، بمصدر هذه القوة، بل مصدر وجودهم ابتداء. ثم تطمئن الذين آمنوا ـ وهم في حالة الضعف والقلة ـ إلى أن واهب القوة هو الذي ينتسبون إليه وينهضون بدعوته. كما تقرر في نفوسهم حقيقة قدر الله وما وراءه من حكمة مقصودة، هي التي تجري وفقها الأحداث حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين. {وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلاً}.. فهم لا يعجزون الله بقوتهم، وهو خلقهم وأعطاهم إياها. وهو قادر على أن يخلق أمثالهم في مكانهم.. فإذا أمهلهم ولم يبدل أمثالهم فهو فضله ومنته وهو قضاؤه وحكمته.. ومن هنا تكون الآية استطراداً في تثبيت الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومن معه؛ وتقريراً لحقيقة موقفهم وموقف الآخرين.. كما أنها لمسة لقلوب هؤلاء المستغرقين في العاجلة، المغترين بقوة أسرهم، ليذكروا نعمة الله، التي يتبطرون بها فلا يشكرونها؛ وليشعروا بالابتلاء الكامن وراء هذه النعمة. وهو الابتلاء الذي قرره لهم في مطلع السورة. ثم يوقظهم إلى الفرصة المتاحة لهم، والقرآن يعرض عليهم، وهذه السورة منه تذكرهم: {إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً}.. ويعقب على هذه اللفتة بإطلاق المشيئة، ورد كل شيء إليها، ليكون الاتجاه الأخير إليها، والاستسلام الأخير لحكمها؛ وليبرأ الإنسان من قوته إلى قوتها، ومن حوله إلى حولها.. وهو الإسلام في صميمه وحقيقته: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليماً حكيماً}.. ذلك كي تعلم قلوب البشر أن الله هو الفاعل المختار، المتصرف القهار، فتتعلم كيف تتجه إليه وتستسلم لقدره.. وهذا هو مجال هذه الحقيقة الذي تجري فيه في مثل هذه النصوص. مع تقرير ما شاءه الله لهم من منحهم القدرة على إدراك الحق والباطل، والاتجاه إلى هذا أو ذاك وفق مشيئة الله، العليم بحقيقة القلوب، وما أعان به العباد من هبة الإدراك والمعرفة، وبيان الطريق، وإرسال الرسل، وتنزيل القرآن.. إلا أن هذا كله ينتهي إلى قدر الله، الذي يلجأ إليه الملتجئ، فيوفقه إلى الذكر والطاعة، فإذا لم يعرف في قلبه حقيقة القدرة المسيطرة، ولم يلجأ إليها لتعينه وتيسره، فلا هدى ولا ذكر، ولا توفيق إلى خير.. ومن ثم فهو: {يدخل من يشاء في رحمته، والظالمين أعد لهم عذاباً أليماً}.. فهي المشيئة المطلقة تتصرف بما تريد. ومن إرادتها أن يدخل في رحمته من يشاء، ممن يلتجئون إليه، يطلبون عونه على الطاعة، وتوفيقه إلى الهدى.. {والظالمين أعد لهم عذاباً أليماً}. وقد أملى لهم وأمهلهم لينتهوا إلى هذا العذاب الأليم! وهذا الختام يلتئم مع المطلع، ويصور نهاية الابتلاء، الذي خلق الله له الإنسان من نطفة أمشاج، ووهبه السمع والأبصار، وهداه السبيل إما إلى جنة وإما إلى نار..
ابن عاشور
تفسير : استفهام تقريري والاستفهام من أقسام الخطاب وهو هنا موجَّه إلى غير معين ومُسْتعمل في تحقيق الأمر المقرر به على طريق الكناية لأن الاستفهام طلب الفهم، والتقرير يقتضي حصول العلم بما قرر به وذلك إيماء إلى استحقاق الله أن يعترف الإِنسان له بالوحدانية في الربوبية إبطالاً لإِشْراك المشركين. وتقديم هذا الاستفهام لما فيه من تشويق إلى معرفة ما يأتي بعده من الكلام. فجملة {هل أتى على الإِنسان} تمهيد وتوطئة للجملة التي بعدها وهي {أية : إنا خلقنا الإِنسان من نطفة أمشاج}تفسير : [الإنسان: 2] الخ. و {هل} حرف يفيد الاستفهام ومعنى التحقيق، وقال جمعٌ أصل {هل} إنها في الاستفهام مثل (قَدْ) في الخبر، وبملازمة {هل} الاستفهامَ كثير في الكلام حذف حرف الاستفهام معها فكانت فيه بمعنى (قد)، وخصت بالاستفهام فلا تقع في الخبر، ويَتطرق إلى الاستفهام بها ما يَتطرق إلى الاستفهام من الاستعمالات. وقد تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى: {أية : هل ينظرون إلاّ أن يَأتيهم الله في ظلل من الغمام}تفسير : في سورة [البقرة: 210]. وقد علمت أن حمل الاستفهام على معنى التقرير يحصِّل هذا المعنى. والمعنى: هل يقر كل إنسان موجودٍ أنه كان معدوماً زماناً طويلاً، فلم يكن شيئاً يذكر، أي لم يكن يسمى ولا يتحدث عنه بذاته (وإن كان قد يذكر بوجه العُموم في نحو قول الناس: المعدوم مُتوقف وجوده على فاعل. وقول الواقف: حبست على ذريتي، ونحوه فإن ذلك ليس ذِكراً لمعين ولكنه حكم على الأمر المقدَّر وجودُه). وهم لا يسَعهم إلاّ الإقرار بذلك، فلذلك اكتفي بتوجيه هذا التقرير إلى كل سامع. وتعريف {الإِنسان} للاستغراق مثل قوله: {أية : إِن الإِنسان لفي خسر إلاّ الذين ءامنوا}تفسير : الآية [العصر: 2، 3]، أي هل أتى على كل إنسان حينُ كان فيه معدوماً. و{الدهر}: الزمان الطويل أو الزمان المقارن لوجود العالم الدنيوي. والحين: مقدار مُجمل من الزمان يطلق على ساعة وعلى أكثر، وقد قيل إن أقصى ما يطلق عليه الحين أربعون سنة ولا أحسبه. وجملة {لم يكن شيئاً مذكوراً} يجوز أن تكون نعتاً لـ {حين} بتقدير ضمير رابط بمحذوف لدلالة لفظ {حين} على أن العائد مجرور بحرف الظرفية حذف مع جاره كقوله تعالى: {أية : واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً}تفسير : [البقرة: 48] إذ التقدير: لا تجزي فيه نفس عن نفس شيئاً، فالتقدير هنا: لم يكن فيه الإِنسان شيئاً مذكوراً، أي كان معدوماً في زمن سبق. ويجوز أن تكون الجملة حالاً من {الإنسان}، وحذف العائد كحذفه في تقدير النعت. والشيء: اسم للموجود. والمذكورُ: المعيّن الذي هو بحيث يُذكر، أي يعبّرُ عنه بخصوصه ويخبر عنه بالأخبار والأحوال. ويعلَّق لفظه الدال عليه بالأفعال. فأمّا المعدوم فلا يذكر لأنه لا تعيّن له فلا يذكر إلاّ بعنوانه العام كما تقدّم آنفاً، وليس هذا هو المراد بالذّكر هنا. ولهذا نجعل {مذكوراً} وصفاً لـ {شيئاً}، أريد به تقييد {شيئاً}، أي شيئاً خاصاً وهو الموجود المعبر عنه باسمه المعيِّن له.
الشنقيطي
تفسير : اتفق المفسرون على أن هل هنا بمعنى (قد) أي أن الاستفهام تقريري يستوجب الإجابة عليه بنعم. ولفظ الإنسان في {هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ}، وقيل هو الإنسان الأول آدم عليه السلام، آتى عليه حين من الدهر، لم يكن شيء يذكر. وقيل: هو عموم الإنسان من بني آدم فيكون المعنى على الأول، أن آدم عليه السلام أتى عليه حين من الدهر قيل: أربعون سنة. ذكر عن ابن عباس: كان طيناً ثم صلصالاً حتى نفخ فيه الروح. ويكون على الثاني أن الإنسان أتى عليه حين من الدهر، هو أربعون يوماً نطفة، ثم أربعون يوماً علقة، ثم أربعون يوماً مضغة، وكل ذلك شيء ولكنه لم يكن مذكوراً، أي ضعيفاً، وكلاهما محتمل. ولفظ الإنسان الثاني في قوله تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ} اتفقوا على أنه عام في بني آدم، لأنه هو الذي خلق من نطفة أمشاج أخلاط، وقد رجح الفخر الرازي أن لفظ الإنسان في الموضعين بمعنى واحد وهو المعنى العام ليستقيم الأسلوب بدون مغايرة بين اللفظين إذ لا قرينة مميزة. ولعل في السياق قرينة تدل على ما قاله، وهي أن قوله تعالى: {نبتليه} قطعاً لبني آدم، لأن آدم عليه السلام، انتهى أمره بالسمع والطاعة {أية : فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ}تفسير : [البقرة: 37] ولم يبق مجال لابتلائه، إنما ذلك لبنيه. والله تعالى أعلم. وقوله تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ} فيه بيان مبدء خلق الإنسان، وله أطوار في وجوده بعد النطفة علقة ثم مضغة ثم خلقاً آخر، وكل ذلك من لا شيء قبله. كما قال تعالى: {أية : وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً}تفسير : [مريم: 9]. وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيان ذلك عند الآية الكريمة {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً}.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 1- قد مضى على الإنسان حين من الزمان قبل أن ينفخ فيه الروح، لم يكن شيئاً يذكر باسمه، ولا يعرف ما يراد منه. 2- إنا خلقنا الإنسان من نطفة ذات عناصر شتى، مختبرين له بالتكاليف فيما بعد، فجعلناه ذا سمع وذا بصر، ليسمع الآيات ويرى الدلائل. 3- إنا بينا له طريق الهدى: إما مؤمنا وإما كافراً.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: هل أتى: أي قد أتى. على الإِنسان: أي آدم عليه السلام. حين من الدهر: أي أربعون سنة. لم يكن شيئا مذكورا: أي لا نباهة ولا رفعة له لأنه طين لازب وحمأ مسنون وذلك قبل أن ينفخ الله تعالى فيه الروح. أمشاج: أي أخلاط من ماء المرأة وماء الرجل. نبتليه: أي نختبره بالتكاليف بالأمر والنهي عند تأهله لذلك بالبلوغ والعقل. إنا هديناه السبيل: أي بينا له طريق الهدى ببعثة الرسل وإنزال الكتب. إنا أعتدنا: أي هيأنا. سلاسل: أي يسحبون بها في نار جهنم. وأغلالا: أي في أعناقهم. وسعيرا: أي ناراً مسعرة مهيجة. إن الأبرار: أي المطيعين لله ورسوله الصادقين في إيمانهم وأقوالهم وأحوالهم. مزاجها: أي ما تمزج به وتخلط. يفجرونها: أي يجرونها ويُسيلونها حيث شاءوا. شره مستطيرا: أي ممتدا طويلا فاشيا منتشرا. عبوسا: أي تكلح الوجوه من طوله وشدته. نضرة وسرورا: أي حسنا ووضاءة في وجوههم وفرحاً في قلوبهم. معنى الآيات: قوله تعالى {هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً} يخبر تعالى عن آدم أبي البشر عليه السلام أنه أتى عليه حين من الدهر قد يكون أربعين سنة وهو صورة من طين لازب لا روح فيها، فلم يكن في ذلك الوقت شيئا له نباهة أو رفعة فيُذكر. هذا الإِنسان الأول آدم أخبر تعالى عن بدء أمره. وقوله {إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ} يخبر تعالى عن الإِنسان الذي هو ابن آدم أنه خلقه من نطفة وهي ما ينطف ويقطر من ماء الرجل وماء المرأة، ومعنى أمشاج أخلاط من ماء الرجل وماء المرأة فهذا مبدأ خلق الإِنسان ابن آدم. وقوله {نَّبْتَلِيهِ} أي نختبره بالتكاليف بالأمر والنهي وذلك عند تأهله لذلك بالبلوغ والعقل ولذلك جعله سميعا بصيرا إذ بوجود السمع والبصر معاً أو بأحدهما يتم التكليف فإِن انعدما فلا تكليف لعدم القدرة عليه. وقوله تعالى {إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ} أي بيّنا له طريق الهدى ببعثة الرسل وإنزال الكتب واستبان له بذلك أيضا طريق الغيّ والردى إذ هما النجدان إن عرف أحدهما عرف الثاني وهو في ذلك إما أن يسلك سبيل الهدى فيكون شكورا، وإما أن يسلك سبيل الغي والردى فيكون كفورا، والشكور المؤمن الصادق في إيمانه المطيع لربه، والكفور المكذب بآيات الله ولقائه. وقوله تعالى {إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ} الآيات شروع في بيان ما أعد لكل من سالكي سبيل الرشد وسالكي سبيل الغي فقال بادئا بما أعد لسالكي سبيل الغي موجزا في بيان ما أعد لهم من عذاب بخلاف ما أعد لسالكي سبيل الرشد فإِنه نعيم تفصيله محبوب والإِطناب في بيانه مرغوب فقال {إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلاَ وَأَغْلاَلاً} يسحبون بها في النار، وأغلالا تغل بها أيديهم في أعناقهم وسعيرا متأججا وجحيما مستعرا. هذا موجز ما أعد لسالكي سبيل الغي أما سالكي سبيل الرشد فقد بينه بقوله {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ} أي المؤمنين المطيعين في صدق لله والرسول {يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ} ملأى شرابا مزاجها كافورا ومزجت بالكافور لبرودته وبياض لونه وطيب رائحته عينا يشرب بها عباد الله لعذوبة مائها وصفائه أصبحت كأنها أداة يشرب بها ولذا قال يشرب بها ولم يقل يشرب منها وقوله يفجرونها تفجيرا أي يجرونها ويسيلونها حيث شاءوا من غرفهم وقصورهم ومجالس سعادتهم. وقوله {يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ} قطع الحديث عن نعيمهم ليذكر بعض فضائلهم ترغيبا في فعلهم ونعيمهم، ثم يعود إلى عرض النعيم فقال {يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ} أي كانوا في دار الدنيا يوفون بالنذر وهو ما يلتزمونه من طاعات لربهم كالصلاة والصيام والحج والصدقات تقرباً إلى ربهم وتزلفا إليه ليحرزوا رضاه عنهم وتلك غاية مناهم. وقوله ويخافون يوما كان شره مستطيرا أي وكانوا في حياتهم يخافون يوم الحساب يوم العقاب يوما كان شره فاشيا منتشرا ومع ذلك يطعمون الطعام على حبه أي مع حبهم وشهوتهم له ورغبتهم فيه، يطعمونه مسكينا فقيرا مسكنه الفقر وأذلته الحاجة، ويتيما لا عائل له ولا مال عنده، وأسيرا سجينا بعيد الدار نائي المزار لا يعرف له أصل ولا فصل يطعمونهم ولسان حالهم أو قالهم يقول إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء تجازوننا به في يوم ما من الأيام ولا شكورا ينالنا منكم. إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا أي كالح الوجه مسوداً ثقيلا طويلا لا يطاق. واستجاب الله لهم وحقق بفضله مناهم فوقاهم الله شر ذلك اليوم العبوس القمطرير، ولقاهم نضرة في وجوههم وسرورا في قلوبهم وجزاهم بما صبروا على فعل الصالحات وعن ترك المحرمات جنّة وحريرا، وما سيذكر بعد في الآيات التاليات. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان نشأة الإِنسان الأب والإِنسان الأبن وما تدل عليه من إفضال الله وإكرامه لعباده. 2- حاستا السمع والبصر وجودهما معاً أو وجود إحداهما ضروري للتكليف مع ضميمة العقل. 3- بيان أن الإِنسان أمامه طريقان فليسلك أيهما شاء وكل طريق ينتهي به إلى غاية فطريق الرشد يوصل إلى الجنة دار النعيم، وطريق الغي يوصل إلى دار الشقاء الجحيم. 4- وجوب الوفاء بالنذر فمن نذر شيئا لله وجب أن يفي بنذره إلا أن ينذر معصية فلا يجوز له الوفاء بنذره فيها فمن قال لله على أن أصوم يوم أو شهر كذا وجب عليه أن يصوم ومن قال لله علي أن لا أصل رحمي، أو أن لا أصلي ركعة مثلا فلا يجوز له الوفاء بنذره وليصل رحمه وليصل صلاته ولا كفارة عليه. 5- الترغيب في إطعام الطعام للمحتاجين إليه من فقير ويتيم وأسير.
القطان
تفسير : هل أتى: قد أتى، استفهام معناه التقرير والتأكيد. حين: وقت من الزمن غير محدود. أمشاج: أخلاط واحدها مشج ومشيج. نبتليه: نختبره. هديناه السبيل: بينّا له طريق الخير والشر. أعتدنا: هيأنا، أعددنا. الأغلال: القيود، واحدها غل بضم الغين. سعيرا: نارا. الأبرار: الصادقون، أهل الطاعة والاخلاص. مزاجُها: ما يمزج به. الكافور: شجر من الفصيلة الغاريّة، يتخذ منه مادة شفافة بلورية الشكل رائحتها عطرية. يخبر الله تعالى عباده في هذه الآيات انه قد مضى على الانسان وقتٌ من الزمن غير معلوم لديه لم يكن شيئا يُذكر، ولا يعرف. ثم أتبعه بذِكر العناصر الداخلة في تكوين الانسان فقال: {إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً}. خلقنا هذا الانسانَ من نطفة فيها أعدادٌ لا تحصى من الحُويّنات التي لا تُرى بالعين المجردة، وهذه النطفة تختلط ببيضةِ المرأة، وباتحادِهما يتكون الجنين، وهاتان النطفتان مخلوقتان من عناصر مختلفة، وتلك العناصرُ آتيةٌ من النبات والحيوان الداخلَين في طعام الآباء والأمهات، ومن الماء الذي يشربونه.. فهي أخلاط، كُونت ومزجت وصارت دماً، فنطفةً، فعلقة الخ..... وقد خلقنا هذا الانسان لِنبتليَه بالتكاليف فيما بعدُ، ثم أعطيناه السمع والبصر ليتمكن من استماع الآياتِ ومشاهدة الدلائل، ويعقِل ويفكر. ثم ذكر أنه بعد ان ركّبه من هذه الأخلاط وأعطاه الحواسّ الظاهرة والباطنةَ - بين له سبيل الهدى وسبيل الضلال فقال: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً} وبعد أن أعطيناه السمعَ والبصر والعقل، نصبنا له الدلائل في الأنفس والآفاق، ليتميز شكرُه من كفره، وطاعته من معصيته. ثم بين الله تعالى ان الناسَ انقسموا في ذلك فريقين: فريقاً جحدوا ولم يؤمنوا فأعدّ الله لهم عذاباً أليما منه قيود في أعناقهم وأيديهم، وناراً تشوي الوجوه والاجسام. وفريقَ الأبرار الصادقين في إيمانهم يشربون شراباً لذيذا ممزوجاَ بماءِ الكافور ومن ماءٍ عذْب زلالٍ من عينٍ صافية يجرونها حيث شاؤا ويتمتعون بهذا النعيم المقيم. قراءات قرأ نافع والكسائي وابو بكر: سلاسلاً بالتنوين. والباقون: سلاسل بفتح اللام بغير تنوين.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلإِنسَانِ} (1) - يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ خَلَقَ الإِنْسَانَ وَأَوْجَدَهُ مِنْ عَدَمٍ، وَيَسْأَلُ اللهُ تَعَالَى الإِنْسَانَ: أَلاَ يَعْرِفُ أَنَّهُ مَضَى عَلَيْهِ حِينٌ مِنَ الزَّمَانِ؟ قَبْلَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهِ الرُّوحَ، وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ شَيْئاً يُعْرَفُ فَيُذْكَرُ اسمُهُ؟.
الثعلبي
تفسير : {هَلْ أَتَىٰ} قد أتى {عَلَى ٱلإِنسَانِ} آدم(عليه السلام)، وهو أول من سمّي به {حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ} أربعون سنة ملقى بين مكة والطائف قبل أن ينفخ الروح فيه {لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً} لا يذكر ولا يعرف ولا يدري ما اسمه ولا ما يراد به، وروى أن عمر سمع رجلا يقول {هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً} فقال عمر: ليتها تمت، وقال عون بن عبد الله: قرأ رجل عند ابن مسعود الآية فقال: إلاّ ليت ذلك. {إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ} يعني ولد آدم {مِن نُّطْفَةٍ} يعني من منيّ الرجل ومنيّ المرأة، وكل ماء قليل في وعاء فهو نطفة، كقول عبد الله بن رواحة: هل أنت إلاّ نطفة، وجمعها نطاف ونُطف، وأصلها من نطف إذا قطر. {أَمْشَاجٍ} أخلاط، واحدها مشج مشيج مثل حذن وحذين قال رؤبة: شعر : يطرحن كلّ معجّل نسّاج لم يكس جلداً في دم أمشاج تفسير : ويقال مشجت هذا بهذا أي خلطته فهو ممشوج ومشج، مثل مخلوط وخليط، قال أبو دوم: شعر : كأن الريش والفوقين منه خلاف النصل سبطيه مشيج تفسير : قال ابن عباس والحسن وعكرمة ومجاهد والربيع: يعني ماء الرجل وماء المرأة يختلطان في الرحم فيكون منهما جميعاً الولد، وماء الرجل أبيض غليط وماء المرأة أصفر رقيق، فأيهما علا صاحبه كان الشبه له، وقال قتادة: هي أطوار الخلق: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم لحماً ثم عظاماً ثم يكسوه لحماً ثم ينشئه خلقاً آخر. وقال الضحاك: أراد اختلاف ألوان النطفة نطفة، الرجل بيضاء وحمراء ونطفة المرأة خضراء وحمراء فهي مختلفة الألوان، وهي رواية الوالي عن ابن عباس وابن أبي نجح عن مجاهد، وكذلك قال عطاء الخراساني والكلبي: الأمشاج الحمرة في البياض والبياض في الحمرة أو الصفرة. وقال عبد الله بن مسعود وأسامة بن زيد: هي العروق التي تكون في النطفة، وروى ابن جريح عن عطاء قال: الأمشاج الهن الذي كإنه عقب، وقال الحسن: نعم والله خلقت من نطفة مشجت بدم وهو دم الحيضة فإذا حبلت أرفع الحيض، وقال يمان: كل لونين اختلطا فهما أمشاج، وقال ابن السكيت: الأمشاج: الأخلاط، لأنها ممتزجة من أنواع فخلق الإنسان ذا طبائع مختلفة، وقال أهل المعاني: بناء الأمشاج بناء جمع وهو في معنى الواحد لأنه نعت النطفة وهذا كما يقال: برمة أعشار وثوب أخلاق ونحوهما. وسمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا عثمان المغربي يقول: سُئلت وأنا بمكّة عن قول الله سبحانه: {أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ} فقلت ابتلى الله الخلق تسعة أمشاج: ثلاث مفتنات وثلاث كافرات وثلاث مؤمنات، فأما الثلاث المفتنات فسمعه وبصره ولسانه، وأما الثلاث الكافرات فنفسه وهواه وشيطانه، وأما الثلاث المؤمنات فعقله وروحه وملكه، فإذا أيّد الله العبد بالمعونة فقرّ العقل على القلب فملكه واستأسرت النفس والهوى فلم يجد إلى الحركة سبيلا، فجانست النفس الروح وجانس الهوى العقل وصارت كلمة الله هي العليا: {أية : وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} تفسير : [البقرة: 193]. {نَّبْتَلِيهِ} نختبره بالأمر والنهي وقال بعض أهل العربية: هي مقدمة معناها التأخير مجازها: {فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً} لنبتليه؛ لأن الابتلاء لا يقع إلاّ بعد تمام الخلقة. {إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ} أي بيّنا له سبيل الحق والباطل والهدى والضلالة وعرّفناه طريق الخير والشرّ وهو كقوله {أية : وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ} تفسير : [البلد: 10]. {إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً} أما مؤمناً سعيداً وأما كافراً شقيّاً يعني خلقناه أما كذا وأما كذا، وقيل معنى الكلام: الجزاء، يعني بيّنا له الطريق إن شكر وكفر، وهو إختيار الفرّاء، ثم بين الفريقين فقال عز من قال {إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلاَ} كل سلسلة سبعون ذراعاً. {وَأَغْلاَلاً وَسَعِيراً} قرأ أبو جعفر وشيبة ونافع وعاصم عن حفص والأعمش والكسائي وأيوب كلهن: {سَلاَسِلاً} بإثبات الألف في الوقف والتنوين في الأصل، وهو اختيار أبي عبيد، ورواية هشام عن أهل الشام، ضده حمزة وخلف [وقنبل] ويعقوب برواية [.....] وزيد، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: قواريراً الأولى بالألف والثاني بغير ألف. قال أبو عبيد: ورأيت في مصحف الإمام عثمان {قَوَارِيرَاْ} الأولى بالألف مبنية والثانية كانت بالألف فحكّت، ورأيت أثرها بيّنا هناك. {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ} يعني المؤمنين الصادقين في إيمانهم المطيعين لربّهم، وقال الحسن: هم الذين لا يؤذون الذر ولا ينصبون الشرّ، وأحدهم بار، مثل شاهد وأشهاد وناصر وأنصار وصاحب وأصحاب ويراد بها مثل نهر وأنهار وضرب وأضراب. {يَشْرَبُونَ} في الآخرة {مِن كَأْسٍ} خمر {كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً} قال قتادة: يمزج لهم بالكافور ويختم لهم بالمسك، وقال عكرمة: مزاجها طعمها، وقال أهل المعاني: أراد كالكافور في بياضه وطيب ريحه وبرده، لأن الكافور لا يشرب، وهو كقوله {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَاراً} تفسير : [الكهف: 96] أي كنار، وقال ابن كيسان: طيّبت بالكافور والمسك والزنجبيل، وقال الفرّاء: ويقال: إنّ الكافور اسم لعين ماء في الجنة، وفي مصحف عبد الله من كأس صفراء كان مزاجها قافورا والقاف والكاف يتعاقبان؛ لانّهما لهويتان، وقال الواسطي: لمّا اختلفت أحوالهم في الدنيا اختلفت أشربتهم في الآخرة فكأس الكافور برّدت الدنيا في صدورهم. {عَيْناً} نصب لأنها تابعة للكافور كالمفر له وقال الكسائي: على الحال والقطع، وقيل: يشربون عيناً، وقيل من عين، وقيل: أعني عينا، وقيل: على المدح وهي لهذه الوجوه كلّها محتملة. {يَشْرَبُ بِهَا} أي شربها والباء صلة وقيل منها. {عِبَادُ ٱللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً} أي يقودونها حيث شاءوا من منازلهم وقصورهم كما يفجر الرجل منكم النهر يكون له في الدنيا هاهنا وهاهنا إلى حيث يريد.
الصابوني
تفسير : اللغَة: {أَمْشَاجٍ} أخلاط جمع مشج ومشيج مثل شريف وأشراف، يقال للشيء اذا خلط بغيره: مشيجٌ كخليط لفظاً ومعنى {مُسْتَطِيراً} منتشراً غاية الانتشار يقال: استطار الشيء انتشر {قَمْطَرِيراً} القمطرير: الشديد العصيب الذي يطول بلاؤه قال الأخفش: القمطرير أشد ما يكون من الأيام وأطوله في البلاء {وَدَانِيَةً} قريبة {وَذُلِّلَتْ} سخرت وقربت {سَلْسَبِيلاً} السلسبيل: الشراب اللذيذ الذي هو غاية في السلالة، والذي يسهل في الحلق لعذوبته وصفائه {سُندُسٍ} السندس: الرقيق من ثياب الحرير {إِسْتَبْرَقٌ} ثياب الحرير الغليظة ويسمى الديباج {أَسْرَهُمْ} الأسر في الاصل: الشد والربط، ثم أطلق على الخلق يقال: شدَّ أسره أي أحسن خلقه وأحكم تكوينه قال الأخطل: شعر : من كل مجتنب شديد أسره سلس القياد تخاله مختالاً تفسير : التفسِير: {هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ} أي قد مضى على الإِنسان وقت طويل من الزمان {لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً} أي كان في العدم، لم يكن له ذكر ولا وجود قال ابن كثير: يخبر تعالى عن الإِنسان أنه أوجده بعد أن لم يكن شيئاً يذكر لحقارته وضعفه قال المفسرون: {هَلْ أَتَىٰ} بمعنى قد أتى كما تقول: هل رأيت صنيع فلان، وقد علمت أنه قد رآه، وتقول: هل أكرمتك، هل وعظتك؟ ومقصودك أن تقرره بأنك قد أكرمته ووعظته، والمرادُ بالإِنسان الجنس، وبالحين مدة لبثه في بطن أمه، والغرض من الآية تذكير الإِنسان بأصل نشأته، فقد كان شيئاً منسياً لا يفطن له، وكان في العدم جرثومة في صلب أبيه، وماءً مهيناً لا يعلم به إِلا الذي يريد أن يخلقه، ومرَّ عليه حينٌ من الدهر كانت الكرة الأرضية خالية منه، ثم خلقه الله، وأبدع تكوينه وإِنشاءه، بعد أن كان مغموراً ومنسياً لا يعلم به أحد.. وبعد أن قرر أن الإِنسان مرَّ عليه وقت لم يكن موجوداً، أخذ يشرح كيف أفاض عليه نعمة الوجود، واختبره بالتكاليف الشرعية بعد أن متَّعه بنعمة العقل والحواس فقال {إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ} أي نحن بقدرتنا خلقنا هذا الانسان من ماءٍ مهين - وهو المنيُّ - الذي ينطف من صلب الرجل، ويختلط بماء المرأة "البويضة الأنثوية" فيتكون منهما هذا المخلوق العجيب قال ابن عباس: {أَمْشَاجٍ} يعني أخلاط، وهو ماء الرجل وماء المرأة اذا اجتمعا واختلطا، ثم ينتقل بعد من طور إلى طور، ومن حال إِلى حال {نَّبْتَلِيهِ} أي لنختبره بالتكاليف الشرعية، والأوامر الإِلهية، لننظر أيشكر أم يكفر؟ وهل يستقيم في سيره أم ينحرف ويزيغ؟ {فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً} أي فجعلناه من أجل ذلك عاقلاً مميزاً، ذا سمع وبصر، ليسمع الآيات التنزيلية، ويبصر الدلائل الكونية، على وجود الخالق الحكيم قال الإِمام الفخر: أعطاه تعالى ما يصح معه الابتلاء وهو السمع والبصر، وهما كنايتان عن الفهم والتمييز، كما قال تعالى حاكياً عن إِبراهيم {أية : لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ}تفسير : [مريم: 42]؟ وقد يراد بهما الحاستان المعروفتان، وخصَّهما بالذكر لأنهما أعظم الحواسِّ وأشرفها {إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ} أي بيَّنا للإِنسان وعرَّفناه طريق الهدى والضلال، والخير والشر، ببعثة الرسل، وإِنزال الكتب.. أخبر تعالى أنه بعد أن ركبه وأعطاه الحواس الظاهرة والباطنة، بيَّن له سبيل الهدى والضلال، ومنحه العقل وترك له حرية الاختيار، ثم هو بعد ذلك إِما أن يشكر، أو يكفر، ولهذا قال بعده {إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً} أي إِما أن يكون مؤمناً شاكراً لنعمة الله، فيسلك سبيل الخير والطاعة، وإِما أن يكون شقياً فاجراً، فيكفر بنعمة الله ويسلك سبيل الشر والفجور قال المفسرون: المراد هديناه السبيل ليكون إِمَّا شاكراً وإِمّا كفوراً، فالله تعالى دلَّ الإِنسان على سبيل الشكر والكفر، وعلى الإِنسان أن يختار سلوك هذا أو ذاك، وهذه الآية من جملة الآيات الكثيرة الدالة على أن للإِنسان إِرادةً واختياراً هما مناط التكليف، كقوله تعالى {أية : مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ}تفسير : [الإِسراء: 18] إلى {أية : وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا}تفسير : [الإِسراء: 19] وكقوله {أية : وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ}تفسير : [الكهف: 29] فلا إِكراه لأحدٍ ولا إِجبار، وإِنما هو بمحض الإِرادة والاختيار.. ثم بعد هذا البيان الواضح، بيَّن ما أعدَّه للأبرار والفجار في دار القرار فقال {إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلاَ وَأَغْلاَلاً وَسَعِيراً} أي هيأنا للكافرين المجرمين قيوداً تشدُّ بها أرجلهم، وأغلالاً تُغلُّ بها أيديهم إلى أعناقهم، وسعيراً أي ناراً موقدة مستعرة يحرقون بها كقوله تعالى {أية : إِذِ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ وٱلسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي ٱلْحَمِيمِ ثُمَّ فِي ٱلنَّارِ يُسْجَرُونَ}تفسير : [غافر: 71-72] {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً} أي الذين كانوا في الدنيا أبراراً بطاعتهم الجبار، فإِنهم يشربون كأساً من الخمر، ممزوجة بأنفس أنواع الطيب وهو الكافور، قال المفسرون: الكافور طيبٌ معروف يستحضر من أشجار ببلاد الهند والصين، وهو من أنفس الطيب عند العرب، والمراد أن من شرب تلك الكأس وجد في طيب رائحتها، وفوحان شذاها كالكافور. قال بن عباس: الكافور اسم عين ماءٍ في الجنة يقال له عين الكافور تمتزج الكأس بماء هذه العين وتختم بالمسك فتكون ألذَّ شراب، ولهذا قال تعالى {عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ} أي هذا الكافور يتدفق من عينٍ جارية من عيون الجنة يشرب منها عباد الله الأبرار، وصفهم بالعبودية تكريماً لهم وتشريفاً بإِضافتهم إِليه تعالى {عِبَادُ ٱللَّهِ} والمراد بهم المؤمنون المتقون {يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً} أي يجرونها حيث شاءوا من الدور والقصور قال الصاوي: المراد أنها سهلة لا تمتنع عليهم، ورد أن الرجل منهم يمشي في بيوته، ويصعد إلى قصوره وبيده قضيب يشير به الى الماء، فيجري معه حيثما دار في منازله، ويتبعه حيثما صعد إِلى أعلى قصوره.. ولما ذكر ثواب الأبرار، بيَّن صفاتهم الجليلة التي استحقوا بها ذلك الأجر الجزيل فقال {يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ} أي يوفون بما قطعوه على أنفسهم من نذرٍ في طاعة الله، إِذا نذروا طاعةً فعلوها قال الطبري: النذرُ كلُّ ما أوجبه الإِنسان على نفسه من فعل، فإِذا نذروا بروا بوفائهم لله، بالنذور التي في طاعة الله، من صلاة، وزكاة، وحج، وصدقة قال المفسرون: وهذا مبالغة في وصفهم بأداء الواجبات، لأن من وفى بما أوجبه هو على نفسه، كان بما أوجبه الله عليه أوفى {وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً} أي ويخافون هول يومٍ عظيم كانت أهواله وشدائده - من تفطر السماوات، وتناثر الكواكب، وتطاير الجبال، وغير ذلك من الأهوال - ممتدة منتشرة فاشية، بالغة أقصى حدود الشدة والفزع، قال قتادة: استطار والله شرُّ ذلك اليوم حتى بلغ السماوات والأرض {وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ} أي ويطعمون الطعام مع شهوتهم له، وحاجتهم إِليه {مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} أي فقيراً لا يملك من حطام الدنيا شيئاً، ويتيماً مات أبوه وهو صغير، فعدم الناصر والكفيل، وأسيراً وهو من أُسر في الحرب من المشركين قال الحسن البصري: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُؤتى بالأسير، فيدفعه إلى بعض المسلمين ويقول له: أحسن إِليه فيكون عنده اليومين والثلاثة فيؤثره على نفسه.. نبَّه تعالى إِلى أن أولئك الأبرار مع حاجتهم إلى ذلك الطعام، في سدِّ جوعتهم وجوعة عيالهم، يطيبون نفساً عنه للبؤساء، ويؤثرونهم به على أنفسهم كقوله تعالى {أية : وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}تفسير : [الحشر: 9] {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ} أي إنما نحسن إِليكم ابتغاء مرضاة الله وطلب ثوابه {لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً} أي لا نبتغي من وراء هذا الإِحسان مكافأةً، ولا نقصد الحمد والثناء منكم قال مجاهد: أما والله ما قالوه بألسنتهم، ولكن علم الله به من قلوبهم، فأثنى عليهم به، ليرغب في ذلك راغب {إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً} أي إِنما نفعل ذلك رجاء أن يقينا الله هول يومٍ شديد، تعبس فيه الوجوه من فظاعة أمره، وشدة هوله، وهو يومٌ قمطرير أي شديد عصيب {فَوَقَاهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ ٱلْيَومِ} أي حماهم الله ودفع عنهم شرَّ ذلك اليوم وشدته {وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً} أي وأعطاهم نضرةً في الوجه، وسروراً في القلب، والتنكير في {سُرُوراً} للتعظيم والتفخيم {وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةً وَحَرِيراً} أي وأثابهم بسبب صبرهم على مرارة الطاعة والإِيثار بالمال، جنةً واسعة وألبسهم فيها الحرير كما قال تعالى {أية : وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ}تفسير : [الحج: 23].. وفي الآية إِيجازٌ، آخذٌ بأطراف الإِعجاز، فقد أشار تعالى بقوله {جَنَّةً} إلى ما يتمتع به أولئك الأبرار في دار الكرامة من أصناف الفواكة والثمار، والمطاعم والمشارب الهنية، فإِن الجنة لا تسمَّى جنة إِلا وفيها كل أسباب الراحة كما قال تعالى {أية : وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ}تفسير : [الزخرف: 71] وأشار بقوله {وَحَرِيراً} إلى ما يتمتعون به من أنواع الزينة واللباس، التي من أنفسها وأغلاها عند العرب الحرير، فقد جمع لهم أنواع الطعام والشراب واللباس، وهو قُصارى ما تتطلع له نفوس الناس.. ولما ذكر طعامهم ولباسهم وصف نعيمهم ومساكنهم فقال {مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَىٰ ٱلأَرَائِكِ} أي مضطجعين في الجنة على الأسرَّة المزيَّنة بفاخر الثياب والستور قال المفسرون: الأرائك جمع أريكة وهي السرير ترخى عليه الحجلة، والحجلة هي ما يسدل على السرير من فاخر الثياب والستور، وإِنما خصَّهم بهذه الحالة لأنها أتم حالات المتنعم {لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً} أي لا يجدون فيها حراً ولا برداً، لأن هواءها معتدل فلا حرَّ ولا قرَّ، وإِنما هي نسمات تهبُّ من العرش تحيي الأنفاس {وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلاَلُهَا} أي ظلال الأشجار في الجنة قريبةٌ من الأبرار {وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً} أي أدنيت ثمارها منهم، وسهل عليهم تناولها قال ابن عباس: إِذا همَّ أن يتناول من ثمارها تدلَّت إِليه حتى يتناول منها ما يريد.. ولما وصف طعامهم ولباسهم ومسكنهم، وصف بعد ذلك شرابهم فقال {وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ} أي يدور عليهم الخدم بالأواني الفضية فيها الطعام والشراب - على عادة أهل الترف والنعيم في الدنيا - فيتناول كل واحدٍ منهم حاجته، وهذه الأواني هي الصّحاف بعضها من فضة وبعضها من ذهب كما قال تعالى {أية : يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ}تفسير : [الزخرف: 71] قال الرازي: ولا منافاة بين الآيتين، فتارةً يسقون بهذا، وتارة بذاك {وَأَكْوابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَاْ} أي وأكواب - وهي كالأقداح - رقيقة شفافة كالزجاج في صفائه قال في البحر: ومعنى {كَانَتْ} أن الله تعالى أوجدها بقدرته، فيكون تفخيماً لتلك الخلقة العجيبة الشأن، الجامعة بين بياض الفضة ونصوعها، وشفيف القوارير وصفائها {قَوَارِيرَاْ مِن فِضَّةٍ} أي هي جامعة بين صفاء الزجاج، وحسن الفضة قال ابن عباس: ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إِلا الأسماء - يعني أن ما في الجنة أسمى وأشرف وأعلى - ولو أخذت فضةً من فضة الدنيا، فضربتها حتى جعلتها مثل جناح الذباب، لم ير الماء من ورائها، ولكنَّ قوارير الجنة ببياض الفضة، مع صفاء القوارير {قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً} أي قدَّرها السُّقاة على مقدار حاجتهم، لا تزيد ولا تنقص، وذلك ألذُّ وأشهى قال ابن عباس: أتوا بها على قدر الحاجة لا يفضلون شيئاً، ولا يشتهون بعدها شيئاً {وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً} أي يسقى هؤلاء الأبرار في الجنة كأساً من الخمر ممزوجةً بالزنجبيل، والعرب تستلذ من الشراب ما مزج بالزنجبيل لطيب رائحته قال القرطبي: فرغبوا في نعيم الآخرة بما اعتقدوه نهاية النعمة الطيب قال قتادة: الزنجبيل اسمٌ لعينٍ في الجنة يشرب منها المقربون صرفاً، وتمزج لسائر أهل الجنة {عَيْناً فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلْسَبِيلاً} أي يشربون من عين في الجنة تسمى السلسبيل، لسهولة مساغها وانحدارها في الحلق قال المفسرون: السلسبيل: الماء العذب، السهل الجريان في الحلق لعذوبته وصفائه، وإِنما وصف بأنه سلسبيل، لأن ذلك الشراب يكون في طعم الزنجبيل، ولكن ليس فيه لذعته، فيشعر الشاربون بطعمه، لكنهم لا يشعرون بحرافته، فيبقى الشراب سلسبيلاً، سهل المساغ في الحلق.. ثم وصف بعد ذلك خدم أهل الجنة فقال {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ} أي ويدور على هؤلاء الأبرار، غلمانٌ ينشئهم الله تعالى لخدمة المؤمنين {مُّخَلَّدُونَ} أي دائمون على ما هم عليه من الطراوة والبهاء قال القرطبي: أي باقون على ما هم عليه من الشباب، والنضارة، والغضاضة، والحسن، لا يهرمون ولا يتغيرون، ويكونون على سن واحدة على مرِّ الأزمنة {إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً} أي إِذا نظرتهم منتشرين في الجنة لخدمة أهلها، خلتهم لحسنهم وصفاء ألوانهم وإِشراق وجوههم، كأنهم اللؤلؤ المنثور قال الرازي: هذا من التشبيه العجيب، لأن اللؤلؤ إِذا كان متفرقاً يكون أحسن في المنظر، لوقوع شعاع بعضه على بعض فيكون أروع وأبدع، {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً} أي وإِذا رأيت هناك ما في الجنة من مظاهر الأنس والسرور، رأيت نعيماً لا يكاد يوصف، وملكاً واسعاً عظيماً لا غاية له، كما في الحديث القدسي "حديث : أعددتُ لعبادي الصالحين، ما لا عينٌ رأتْ، ولا أُذنٌ سمعت، ولا خطَر على قلب بشر"تفسير : قال ابن كثير: وثبت في الصحيح أن "حديث : أقل أهل الجنة منزلةً من له قدر الدنيا وعشرة أمثالها"تفسير : فإِذا كان هذا عطاؤه تعالى لأدنى من يكون في الجنة، فما ظنك بمن هو أعلى منزلةً وأحظى عنده تعالى؟ ثم زاد تعالى في بيان وصف نعيمهم فقال {عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ} أي تعلوهم الثياب الفاخرة الخضراء، المزينة بأنواع الزينة، من الحرير الرقيق - وهو السندس - والحرير الثخين وهو - الاستبرق - فلباسهم في الجنة الحرير كما قال تعالى {أية : وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ}تفسير : [الحج: 23] قال المفسرون: السندس ما رقَّ من الحرير، والاستبرق ما غلظ من الحرير، وهذا لباس الأبرار في الجنة، وإِنما قال {عَالِيَهُمْ} لينبه على أن لهم عدة من الثياب، ولكنَّ الذي يعلوها هي هذه، فتكون أفضلها {وَحُلُّوۤاْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ} أي وألبسوا في الجنة أساور فضية للزينة والحلية وعبَّر بالماضي إِشارةً لتحقق وقوعه قال الصاوي: فإِن قيل: كيف قال هنا {أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ} وفي سورة الكهف {أية : يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ}تفسير : [الكهف: 31] وفي سورة فاطر {أية : يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً}تفسير : [فاطر: 33] فالجواب أنهم تارةً يلبسون الذهب فقط، وتارةً يلبسون الفضة، وتارةً يلبسون اللؤلؤ فقط على حسب ما يشتهون، ويمكن أن يجمع في يد أحدهم أسورة الذهب والفضة واللؤلؤ {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً} أي سقاهم الله - فوق ذلك النعيم - شراباً طاهراً لم تدنسه الأيدي، وليس بنجس كخمر الدنيا قال الطبري: سُقي هؤلاء الأبرار شراباً طهوراً، ومن طُهْره أنه لا يصير بولاً نجساً، بل رشحاً من أبدانهم كرشح المسك، روي أن الرجل من أهل الجنة يقسم له شهوة مائة رجل من أهل الدنيا، فإِذا أكل سقي شراباً طهوراً، فيصير رشحاً يخرج من جلده أطيبُ ريحاً من المسك الإِذخر {إِنَّ هَـٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً} أي يقال لهم بعد دخولهم الجنة ومشاهدتهم نعيمها، هذا مقابل أعمالكم الصالحة في الدنيا {وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً} أي وكان عملكم مقبولاً مرضياً، جوزيتم عليه أحسن الجزاء، مع الشكر والثناء.. مرَّ في الآيات السابقة أن الله تعالى أعدَّ للكافرين السلاسل والأغلال، كما هيأ للأبرار أرائك يتكئون عليها، وعليهم ثياب السندس والاستبرق، وفي معاصمهم أساور الفضة، وبين أيديهم ولدانٌ مخلدون كأنهم اللؤلؤ المنثور، يطوفون على أولئك الأبرار بصحاف الفضة وأكوابها الصافية النقية، وقد ملئت شراباً ممزوجاً بالزنجبيل والكافور، وكلُّ ذلك للترغيب والترهيب، على طريقة القرآن في المقارنة بين أحوال الأبرار والفجار.. وبعد هذا الوضوح والبيان، كان المشركون يقابلون كل هذه الآيات بالصدِّ والإِعراض، والاستهزاء بالقرآن وبمحمد عليه الصلاة والسلام، وكان الرسول يتألم ويحزن لموقف المعاندين، لذلك جاءت الآيات تشدُّ من عزيمته، وتسلِّيه وتخفف عن قلبه الشريف آثار الهمِّ والضجر {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ تَنزِيلاً} أي نحن الذين أنزلنا عليك يا محمد هذا القرآن مفرقاً، لتذكرهم بما فيه من الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، فلا تبتئس ولا تحزن ولا تضجر، فالقرآن حقٌ ووعده صدقٌ {فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} أي اصبر يا محمد وانتظر لحكم ربك وقضائه، فلا بدَّ أن ينتقم منهم، ويقر عينك بإِهلاكهم، إِنْ عاجلاً أو آجلاً {وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً} أي ولا تطع من هؤلاء الفجرة من كان {آثِماً} منغمساً في الشهوات، غارقاً في الموبقات {أَوْ كَفُوراً} أي ولا تطع من كان مبالغاً في الكفر والضلال، لا ينزجر ولا يرعوي، وصيغة {كفور} من صيغ المبالغة ومعناها المبالغ في الكفر والجحود قال المفسرون: نزلت في "عتبة بن ربيعة" و"الوليد بن المغيرة" قالا للنبي صلى الله عليه وسلم: إِن كنت تريد النساء والمال فارجع عن هذا الأمر ونحن نكفيك ذلك، فقال عتبة: أنا أُزوجك ابنتي وأسوقها لك من غير مهر، وقال الوليد: أنا أعطيك من المال حتى ترضى فنزلت، والأحسنُ أنها على العموم لأن لفظها عام فهي تشمل كل فاسق وكافر {وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ} أي صلِّ لربك وأكثر من عبادته وطاعته {بُكْرَةً وَأَصِيلاً} أي في أول النهار وآخره، في الصباح والمساء {وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَٱسْجُدْ لَهُ} أي ومن الليل فصلِّ له، متهجداً مستغرقاً في مناجاته {وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً} أي وأكثر من التهجد والقيام لربك في جناح الظلام والناس نيام كقوله تعالى {أية : وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً}تفسير : [الإِسراء: 79] والمقصود أن يكون عابداً لله ذاكراً له في جميع الأوقات، في الليل والنهار، والصباح والمساء، بقلبه ولسانه، ليتقوى على مجابهة أعدائه.. وبعد تسلية النبي الكريم، عاد إِلى شرح أحوال الكفرة المجرمين فقال {إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ يُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ} أي إِن هؤلاء المشركين يفضلون الدنيا على الآخرة، وينهمكون في لذائذها الفانية {وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً} أي ويتركون أمامهم يوماً عسيراً شديداً، عظيم الأهوال والشدائد، وهو يوم القيامة {نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ} أي نحن بقدرتنا أوجدناهم من العدم، وأحكمنا ربط مفاصلهم بالأعصاب والعروق، حتى كانوا أقوياء أشداء {وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً} أي ولو أردنا أهلكناهم، ثم بدلنا خيراً منهم يكونون أعبد لله وأطوع، وفي الآية تهديدٌ ووعيد {إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ} أي هذه الآيات الكريمة بمعناها الدقيق، ولفظها الرشيق، موعظة وذكرى، يتذكر بها العاقل، وينزجر بها الجاهل {فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً} أي فمن أراد الانتفاع والاعتبار وسلوك طريق السعادة، فليعتبر بآيات القرآن، وليستنر بنوره وضيائه، وليتخذ طريقاً موصلاً إلى ربه، بطاعته وطلب مرضاته، فأسباب السعادة ميسورة، وسبل النجاة ممهدة {وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} أي وما تشاءون أمراً من الأمور، إِلا بتقدير الله ومشيئته، ولا يحصل شيء من الطاعة والاستقامة إِلا بإِذنه تعالى وإِرادته، قال ابن كثير: أي لا يقدر أحدٌ أن يهدي نفسه، ولا يدخل في الإِيمان، ولا يجر لنفسه نفعاً، إلا بمشيئة الله تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} أي عالم بأحوال خلقه، حكيم في تدبيره وصنعه، يعلم من يستحق الهداية فييسِّرها له، ومن يستحق الضلالة فيسهل له أسبابها، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة {يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ} أي يدخل من شاء من عباده جنَّته ورضوانه حسب مشيئته وحكمته وهم المؤمنون {وَٱلظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} أي وأما المشركون الظالمون فقد هيأ لهم عذاباً شديداً مؤلماً في دار الجحيم، ختم السورة الكريمة ببيان مآل المتقين، ومآل الكفرة المجرمين. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الطباق بين {شَاكِراً .. وكَفُوراً} وبين {بُكْرَةً .. وَأَصِيلاً} وبين {شَمْساً .. وزَمْهَرِيراً}. 2- اللف والنشر المشوش {إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلاَ} فإِنه قدَّم أولاً ذكر الشاكر ثم الكافر {شَاكِراً أو كَفُوراً} ثم عاد بالذكر على الثاني دون الأول ففيه لف ونشر غير مرتب. 3- المجاز العقلي {يَوْماً عَبُوساً} إِسناد العبوس إِلى اليوم من إِسناد الشيء إِلى زمانه كنهاره صائم. 4- الجناس غير التام {فَوَقَاهُمُ ..وَلَقَّاهُمْ} فبين وقاهم ولقاهم جناس. 5- جناس الاشتقاق {وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ}. 6- الطباق {يُحِبُّونَ.. وَيَذَرُونَ}. 7- الايجاز بالحذف {إِنَّ هَـٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً} أي يقال لهم: إِن هذا.. الخ. 8- التشبيه البديع الرائع {إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً} أي كاللؤلؤ المنتثر. 9- المقابلة اللطيفة {يُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً} قابل بين المحبة والترك وبين العاجلة والباقية. 10- السجع المرصَّع مثل {لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً.. شَرَاباً طَهُوراً.. وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً.. آثِماً أَوْ كَفُوراً} الخ وهو من المحسنات البديعية.
زيد بن علي
تفسير : أخبرنا أبو جعفر قال: حدّثنا علي بن أحمد. قال: حدّثنا عطاء بن السّائب عن أبي خالد عن زيد بن علي عليهما السّلامُ في قولهِ تعالى: {هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ} قال زيدُ بن علي عليهما السّلامُ: معناه قد أتى، ويُقال: قَدْ جَاءَ. قال: الأَحيانُ تَنقسمُ عَلَى أربعةِ وجُوهٍ. فَحِينُ الدَّهرِ: أعوامٌ. وحِينُ الأعوامِ: أشهرٌ. وحِينُ الأَشهرِ: أيامٌ. والحِينُ: هو المَوتُ.
الأندلسي
تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ} الآية هذه السورة مكية وقيل غير ذلك ومناسبتها لما قبلها ظاهرة وهل حرف استفهام فإِن دخل على الجملة الإِسمية لم يمكن تأويله بقد لأن قدمن خواص الفعل وإن دخلت على الفعل فالأكثر أن تأتي للاستفهام المحض والإِنسان هنا جنس بني آدم والحين الذي مر عليه أما حين عدمه أو حين كونه نطفة وانتقاله من رتبة إلى رتبة حتى حين إمكان خطابه فإِنه في تلك المدة لا ذكر له وسمي إنساناً باعتبار ما صار إليه. {إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ} هو جنس بني آدم عليه السلام لم يخلق {مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ} أخلاط وهو وصف للنطفة قال ابن عباس: هو ماء الرجل وماء المرأة اختلطا في الرحم فخلق الإِنسان منهما. {نَّبْتَلِيهِ} نختبره في الدنيا بالتكليف وامتن تعالى عليه بجعله بهاتين الصفتين وهما كناية عن التمييز والفهم ولما جعله بهذه المثابة أخبر تعالى أنه هداه السبيل أي أرشده إلى الطريق وعرفه مثال طريق النجاة ومثال طريق الهلاك وانتصب شاكراً وكفوراً على الحال من ضمير النصب في هديناه ولما ذكر الفريقين اتبعهما الوعد والوعيد. {مِن كَأْسٍ} من لابتداء الغاية. {كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً} يمزج بالكافور ويختم بالمسك. وعينا بدل من كافوراً، وعباد الله هنا هم المؤمنون. {يُفَجِّرُونَهَا} أي يثقبونها بعود قصب ونحوه حيث شاؤوا فهي تجري عند كل واحد منهم هكذا ورد في الأثر. {يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ} المراد بالنذر ظاهر اما هو المعهود في الشريعة أنه نذر. {عَلَىٰ حُبِّهِ} أي على حب الطعام إذ هو محبوب للفاقة والحاجة قاله ابن عباس. {مِسْكِيناً} وهو الطواف المنكسر في السؤال. {وَيَتِيماً} هو الصبي الذي لا أب له. {وَأَسِيراً} الأسير معروف وهو من الكفار. {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ} هو على إضمار القول. {جَزَآءً} أي بالأفعال. {وَلاَ شُكُوراً} أي ثناء بالأقوال. {يَوْماً عَبُوساً} نسبة العبوس إلى اليوم مجاز قال ابن عباس يعبس الكافر يومين حتى يسيل من بين عينيه عرق كالقطران. {قَمْطَرِيراً} أي شديداً يقال يوم قمطرير أي شديد العبوسة واقمطر فهو مقمطر إذا كان صعباً شديداً. {وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً} بدل عبوس الكافر. {وَسُرُوراً} فرحاً بدل حزنه. {جَنَّةً وَحَرِيراً} أي بستاناً فيه كل مأكل هنيء. {وَحَرِيراً} فيه ملبس بهي وناسب ذكر الحرير مع الجنة لأنهم أوثروا على صبرهم على الجوع والعرى. {لاَ يَرَوْنَ فِيهَا} أي في الجنة. {شَمْساً} أي حر شمس ولا شدة برد أي لا شمس فيها فترى. فيؤذي حرها ولا زمهرير يرى فيؤذي بشدته أي هي معتدلة الهواء وفي الحديث حديث : هواء الجنة سجسج لا حر ولا قر . تفسير : {مُّتَّكِئِينَ} منصوب على الحال والعامل فيه جزاهم ولا يرون حال ثانية، ودانية حال ثالثة وظلالها فاعل بدانية. {وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا} قال مجاهد: إن الإِنسان قائماً تناول الثمر دون كلفة وإن كان قاعداً أو مضطجعاً فكذلك فهذا تذليلها لا يرد اليد عنها بعد ولا شوك. {وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ} الآية لما وصف تعالى طعامهم وسكناهم وهيئة جلوسهم ذكر شرابهم وقدم ذكر الآنية التي يسقون منها والآنية جمع إناء. القارورة إناء رقيق صاف توضع فيه الأشربة وتكون من زجاج وقرىء قوارير بتنوينهما ويمنع صرفهما بصرف الأول ومنع الصرف في الثاني وكذلك في سلاسل والأصل ان لا يصرف لأنه جمع متناه وصرف للمناسبة إذ بعد سلاسل قوله أغلالا وقبل هذين وبعدهما مصروفات. {عَيْناً} بدلاً من زنجبيلاً وسلسبيل اسمها والسلسبيل والسلسل والسلسال ما كان من الشراب غاية في السلاسة وتقدّم شرح مخلدون وتشبيه الولدان باللؤلؤ المنثور في بياضهم وصفاء ألوانهم وانتشارهم في المساكن في خدمة أهل الجنة يجيئون ويذهبون وجواب إذا رأيت رأيت نعيماً ومفعول فعل الشرط محذوف حذف اقتصاراً والمعنى وإذا رأيت ببصرك هناك وثم ظرف العامل فيه رأيت وقيل التقدير وإذا رأيت ما ثم فحذف كما حذف في قوله: {أية : لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ}تفسير : [الأنعام: 94] أي ما بينكم. وقرىء: خضر واستبرق برفعهما فخضر صفة لقوله ثياب واستبرق معطوف على ثياب وقرىء: بجرها فحضر صفة لسندس وسندس اسم جنس وصف بالجمع واستبرق معطوف على خضر على حذف مضاف تقديره وثياب استبرق والهمزة فيه للقطع والاستبرق تقدم شرحه. {أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ} وفي موضع آخر من ذهب أي يحلون منهما على التعاقب أو على الجمع بينهما كما يقع للنساء في الدنيا. {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً} طهورا صفة مبالغة في الطهارة وهي فعل لازم وطهارتها لكونها لم يؤمر باجتنابها وليست كخمر الدنيا التي هي في الشرع رجس. {كَانَ لَكُمْ جَزَآءً} أي لأعمالكم الصالحة. {وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً} أي مقبولاً مثاباً لقد شكر الله سعياً قليلاً ولما ذكر أولاً حال الإِنسان وقسمه إلى العاصي والطائع وأمعن فيما وعده الله تعالى للطائع ذكر ما شرف به نبيه وحبيبه محمداً صلى الله عليه وسلم فقال: {إِنَّا نَحْنُ} الآية وأمره بالصبر لحكمه وجاء التوكيد بنحن بعد التوكيد بأن المضمون الخبر ومدلول المخبر عنه وأكد الفعل بالمصدر. {وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً} قال قتادة نزلت في أبي جهل قال: ان رأيت محمداً يصلي لأطأن على عنقه فأنزل الله تعالى هذه الآية والنهي عن طاعة كل واحد أبلغ عن النهي عن طاعتهما لأنه يستلزم النهي عن أحدهما ولو قال لا تضرب زيداً وعمراً لجاز أن يكون نهياً عن ضربهما جميعاً لا عن ضرب أحدهما والكفور وإن كان إثماً فإِن فيه مبالغة في الكفر ولما كان من يوصف بالكفور مبايناً للموصوف بمجرد الإِثم صلح التغاير فحسن العطف وقيل الإِثم عتبة والكفور الوليد لأن عتبة كان ركاباً للإِثم متعاطياً لأنواع الفسوق وكان الوليد غالياً في الكفر شديد الشكيمة في العتو. {وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً} يعني صلاة الصبح. {وَأَصِيلاً} الظهر والعصر. {وَمِنَ ٱللَّيْلِ} المغرب والعشاء. {إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ} إشارة إلى الكفرة. {يُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ} يؤثرونها على الآخرة. {وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ} أي أمامهم وهو ما يستقبلون من الزمان. {يَوْماً ثَقِيلاً} استعير الثقل لليوم لشدته وهوله من ثقل الجرم الذي يتعب به حامله. {وَإِذَا شِئْنَا} أي تبديل أمثالهم باهلاكهم. {بَدَّلْنَآ أَمْثَالَهُمْ} ممن يطيع. {إِنَّ هَـٰذِهِ} أي السورة أو آيات القرآن أو جملة الشريعة ليس على جهة التحذير من اتخاذ غير سبيل الله. {وَمَا تَشَآءُونَ} مذهب أهل السنة أنه نفي لقدرتهم على الاختراع وإيجاد المعاني في أنفسهم. {يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ} وهم المؤمنون. {وَٱلظَّالِمِينَ} منصوب بإِضمار فعلى يفسره معنى ما بعده تقدير ويعذب الظالمين.
الجيلاني
تفسير : {هَلْ أَتَىٰ} أي: قد سبق ومضى {عَلَى ٱلإِنسَانِ} المصوَّر بصورة الرحمن {حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ} أي: شأن محدود من الشئون المحدودة الإلهية، بحيث {لَمْ يَكُن} الإنسان فيه {شَيْئاً} إذ العدم ليس بشيء، فكيف كان {مَّذْكُوراً} [الإنسان: 1]؟! {إِنَّا} من مقام عظيم جودنا بمقتضى كمال قدرتنا وإرادتنا، ووفور حكمتنا {خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ} وقدّرنا وجوده بعدما أخرجناه من العدم الصرف نحو فضاء البروز، وصوَّرناه بصور العناصر {مِن نُّطْفَةٍ} مهينة مرذولة {أَمْشَاجٍ} مختلطة مجتمعة من الذكر والأنثى، وبعدما صوَّرناه هيكلاً سوياً، وأودعنا فيه ما أودعنا من الروح وسيمناه إنساناً {نَّبْتَلِيهِ} نختبره ونجرّبه، هل يتفطن إلى موجوده ومظهره، أم لا؟. وكيف لا نختبره {فَجَعَلْنَاهُ} لحكمة الاختبار، ومصلحة الاعتبار {سَمِيعاً} متمكناً قادراً على استماع آياتنا الدالة على وحدة ذاتنا، وكمالات أسمائنا وصفاتنا {بَصِيراً} [الإنسان: 2] مقتدراً على مشاهدة بدائع صنعنا، وغرائب صنعتنا، وعجائب حكمتنا؛ ليكون معتبراً منها، متوجهاً إلى فاعلها. ومع إعطاء تلك الكرامات العظيمة إياه {إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ} يعني: أودعنا فيه العقل الفطري المنشعب من العقل الكلي الذي هو حضرة علمنا، وبواسطته هديناه إلينا سبيلاً بأن أرسلنا الرسل المنبِّهين عليه، الموقظين له من نعاس النسيان، المنهين له إلى ما أودعنا فيه من الوديعة، وأيدناهم بالآيات المبيِّنة المنبِّة، النازلة من لدنا، والبينات الواضحة الموضحة الطريق توحيدنا، وسبيل شهودنا، وبعدما وضح الحق، واتضح السبيل على الوجه الأبلغ الأكمل. فعليه الاختيار {إِمَّا شَاكِراً} أي: إمَّا أن يكون شاكراً مشتغلاً بشكر النعم، مواظباً على أداء حقوق الكرم، صارفاً عنان عزمه واختياره إلى صوب الهداية والرشاد حتى يكون من أرباب العناية والسداد، المتنعمين في جنة الرضا والتسليم {وَإِمَّا كَفُوراً} [الإنسان: 3] للنعم، كافراً لمنعمها، مقتفياً أثر أصحاب الغفلة والعناد، واللدد والفساد حتى يكون من أصحاب الجحيم. وبالجملة {إِنَّآ} بمقتضى قهرنا وجلالنا {أَعْتَدْنَا} وهيَّأنا {لِلْكَافِرِينَ} الساترين بغيوم هوياتهم الباطلة شمس الحق المشرقة، الظاهرة على صفائح ذرائر الكائنات؛ لذلك خرجوا عن ربقة ربقيته، وعروة عبوديته، وأعرضوا عن مقتضى حدوده الموضوعة بين عباده {سَلاَسِلاَ} أي: سلاسل الحرص وطول الأمل، يُقادون ويُسحبون بها نحو نيران الإمكان، وجحيم الطرد والحرمان بأنواع الخيبة والخسران {وَأَغْلاَلاً} أي: أغلال الأماني والشهوات، يُقيَّدون بها {وَسَعِيراً} [الإنسان: 4] مسعراً مملوءاً بنيران الافتقار والاحتياج، والأماني والآمال، يُطرحون فيها طول دهرهم بأنواع الخذلان والهوان أبداً، ويُسجنون خالدين مخلدين. ثمَّ أردف سبحاه الوعيد بالوعد على مقتضى سنته المستمرة فقال: {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ} الأخيار، البارين المبرورين ذوي الأيدي والأبصار، المستغرقين في بحار المعارف والأسرار {يَشْرَبُونَ} لدى الملك الجبار خمور الشهو والاعتبار {مِن كَأْسٍ} أي: من كؤوس ذرائر العالم المستعار؛ ولذلك {كَانَ مِزَاجُهَا} أي: ما يمزج بها ويخلط {كَافُوراً} [الإنسان: 5] هو برد اليقين. يعني: {عَيْناً} معيناً هي ينبوع بحر الوجود {يَشْرَبُ بِهَا} ومنها {عِبَادُ ٱللَّهِ} الواصلون إلى عالم اللاهوت، والفانون في فضاء الجبروت، الباقون ببقاء حضرة الرحموت؛ لذلك {يُفَجِّرُونَهَا} ويجرونها {تَفْجِيراً} [الإنسان: 6] وإجراءً حيث شاءوا.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : أيها الذاكر هل أتى عليك حين من الدهر في الذكر كان لم يكن شيئاً مذكوراً ولم يكن شيئاً مذكوراً، ولم لم يكن هكذا لن يصح منك الذكر؛ لأن من خاصية الذكر نيسان غير الحق كما يقول في كتابه {أية : وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ}تفسير : [الكهف: 24]؛ أي: نسيت سوى الرب إما تقرأ كلام الرب حيث يقول: {هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً} [الإنسان: 1]، وهذا الحال يظهر على الذاكر الذي يسلك في مرتبة آدم عند غلبة سلطان ذكر الحق على طينة قالبه، فتلاشى الطين من الطينة الطينية، وينفذ نور الذكر الحقيقي في أجزاء وجوده وعند مجيء الحق زهوق الباطل، كما قال في كلامه: {أية : جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً}تفسير : [الإسراء: 81]، فلما يزهق الباطل يصير اللطيفة مستحقة؛ لينفخ الروح القدسي الإضافي فيها، فإذا نفخ فيها صار السالك آدم وقته وإنساناً كاملاً في مرتبة البياض والسواد. {إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ} [الإنسان: 2]؛ أي: من نور نطفة الولاية في هذه المرتبة {أَمْشَاجٍ} [الإنسان: 2] مختلطة بنور النبوة ونور الحق، ونور الربوبية في رحم الإرادة، {نَّبْتَلِيهِ} [الإنسان: 2] بالإصدار التي جمعناها جبراً في قالبه، وأمرناه بمحافظة الأضداد ومخالفة هواهم، {فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً} متصفاً بصفة سمع الحق {بَصِيراً} [الإنسان: 2] متصفاً بصفة بصره، {إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ} [الإنسان: 3] بعد إعطاء هاتين الصفتين إياه؛ يعني: سبيل المحق الباطل، {إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً} [الإنسان: 3] نعمتنا وهذه الهداية تمام أمر الابتلاء، {أية : لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ}تفسير : [الأنفال: 42]. {إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلاَ وَأَغْلاَلاً وَسَعِيراً} [الإنسان: 4]؛ يعني: هيأنا للكافرين، فمنها: سلاسل التمني والحرص؛ بحيث لو كان له واديان من ذهب لابتغى ثالثاً، ولا يملأ جوفه إلا التراب وأغلال البخل وسعير الحسد، ويسّرنا لهم كسب السلاسل والأغلال والسعير {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً} [الإنسان: 5]؛ يعني: إن الشاكرين نعمنا يشربون من كأن استعدادهم التي كان مزاجها كافوراً؛ يعني: طينة الكأس ممن وجه بكافور الجمال صورة والجلال معنى، والمسك جلالي في الصورة والكافور جمالي في الصورة، وفي بيان هذا السر لطيفة، لو بحت بها لاستباح العوام سفك دم، وإن كان من بطن القرآن فطويت صحيفتها.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : ذكر الله في هذه السورة الكريمة أول حالة الإنسان ومبتدأها ومتوسطها ومنتهاها. فذكر أنه مر عليه دهر طويل وهو الذي قبل وجوده، وهو معدوم بل ليس مذكورا. ثم لما أراد الله تعالى خلقه، خلق [أباه] آدم من طين، ثم جعل نسله متسلسلا { مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ } أي: ماء مهين مستقذر { نَبْتَلِيهِ } بذلك لنعلم هل يرى حاله الأولى ويتفطن لها أم ينساها وتغره نفسه؟ فأنشأه الله، وخلق له القوى الباطنة والظاهرة، كالسمع والبصر، وسائر الأعضاء، فأتمها له وجعلها سالمة يتمكن بها من تحصيل مقاصده. ثم أرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب، وهداه الطريق الموصلة إلى الله، ورغبه فيها، وأخبره بما له عند الوصول إلى الله. ثم أخبره بالطريق الموصلة إلى الهلاك، ورهبه منها، وأخبره بما له إذا سلكها، وابتلاه بذلك، فانقسم الناس إلى شاكر لنعمة الله عليه، قائم بما حمله الله من حقوقه، وإلى كفور لنعمة الله عليه، أنعم الله عليه بالنعم الدينية والدنيوية، فردها، وكفر بربه، وسلك الطريق الموصلة إلى الهلاك. ثم ذكر تعالى حال الفريقين عند الجزاء فقال: { إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلا وَأَغْلالا ...}.
النسائي
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم سُورةُ {هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ} 569 - أنا عليُّ بن حُجرٍ، أنا شريكٌ، عن المخوَّلِ بن راشدٍ، عن مسلمٍ البطينِ، عن سعيد بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ:حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأُ في صلاة الصُبحِ يوم الجُمُعَةِ {تَنزِيلُ} السَّجدةُ، و{هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ} .
همام الصنعاني
تفسير : 3423- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً}: [الآية: 1]، قال: كان آدم آخر ما خلق من الخلق.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):