Verse. 5593 (AR)

٧٦ - ٱلْإِنْسَان

76 - Al-Insan (AR)

اِنَّا خَلَقْنَا الْاِنْسَانَ مِنْ نُّطْفَۃٍ اَمْشَاجٍ۝۰ۤۖ نَّبْتَلِيْہِ فَجَعَلْنٰہُ سَمِيْعًۢا بَصِيْرًا۝۲
Inna khalaqna alinsana min nutfatin amshajin nabtaleehi fajaAAalnahu sameeAAan baseeran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إنَّا خلقنا الإنسان» الجنس «من نطفة أمشاج» أخلاط، أي من ماء الرجل وماء المرأة المختلطين الممتزجين «نبتليه» نختبره بالتكليف والجملة مستأنفة أو حال مقدرة، أي مريدين ابتلاءه حين تأهله «فجعلناه» بسبب ذلك «سميعا بصيرا».

2

Tafseer

الرازي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ } فيه مسائل: المسألة الأولى: المشج: في اللغة الخلط، يقال: مشج يمشج مشجاً إذا خلط، والأمشاج الأخلاط، قال ابن الأعرابي: واحدها مشج ومشيج، ويقال للشيء إذا خلط: مشيج كقولك: خليط وممشوج، كقولك مخلوط. قال الهذلي:شعر : كأن الريش والفوقين منه خلاف النصل شط به مشيج تفسير : يصف السهم بأنه قد بعد في الرمية فالتطخ ريشه وفرقاه بدم يسير، قال صاحب «الكشاف»: الأمشاج لفظ مفرد، وليس يجمع بدليل أنه صفة للمفرد وهو قوله: {نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ } ويقال أيضاً: نطفة مشيج، ولا يصح أن يكون أمشاجاً جمعاً للمشج بل هما مثلان في الإفراد ونظيره برمة أعشار أي قطع مسكرة، وثوب أخلاق وأرض سباسب، واختلفوا في معنى كون النطفة مختلطة فالأكثرون على أنه اختلاط نطفة الرجل بنطفة المرأة كقوله: {أية : يَخْرُجُ مِن بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَائِبِ } تفسير : [الطارق: 7] قال ابن عباس هو اختلاط ماء الرجل وهو أبيض غليظ وماء المرأة وهو أصفر رقيق فيختلطان ويخلق الولد منهما، فما كان من عصب وعظم وقوة فمن نطفة الرجل، وما كان من لحم ودم فمن ماء المرأة، قال مجاهد: هي ألوان النطفة فنطفة الرجل بيضاء ونطفة المرأة صفراء، وقال عبدالله أمشاجها عروقها، وقال الحسن: يعني من نطفة مشجت بدم وهو دم الحيضة وذلك أن المرأة إذا تلقت ماء الرجل وحبلت أمسك حيضها فاختلطت النطفة بالدم، وقال قتادة: الأمشاج هو أنه يختلط الماء والدم أولاً ثم يصير علقة ثم يصير مضغة، وبالجملة فهو عبارة عن انتقال ذلك الجسم من صفة إلى صفة، ومن حال إلى حال. وقال قوم: إن الله تعالى جعل في النطفة أخلاطاً من الطبائع التي تكون في الإنسان من الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، والتقدير من نطفة ذات أمشاج فحذف المضاف وتم الكلام، قال بعض العلماء: الأولى هو أن المراد اختلاط نطفة الرجل والمرأة لأن الله تعالى وصف النطفة بأنها أمشاج، وهي إذا صارت علقة فلم يبق فيها وصف أنها نطفة، ولكن هذا الدليل لا يقدح في أن المراد كونها أمشاجاً من الأرض والماء والهواء والحار. أما قوله تعالى: {نَّبْتَلِيهِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: نبتليه معناه لنبتليه، وهو كقول الرجل: جئتك أقضي حقك، أي لأقضي حقك، وأتيتك أستمنحك، أي لأستمنحك، كذا قوله: {نَّبْتَلِيهِ } أي لنبتليه ونظيره قوله: {أية : وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ } تفسير : [المدثر: 6] أي لتستكثر. المسألة الثانية: نبتليه في موضع الحال، أي خلقناه مبتلين له، يعني مريدين ابتلاءه. المسألة الثالثة: في الآية قولان: أحدهما: أن فيه تقديماً وتأخيراً، والمعنى فجعلنـاه سميعاً بصيراً لنبتليه والقول الثاني: أنه لا حاجة إلى هذا التغيير، والمعنى إنا خلقناه من هذه الأمشاج لا للبعث، بل للابتلاء والامتحان. ثم ذكر أنه أعطاه ما يصح معه الابتلاء وهو السمع والبصر، فقال: {فَجَعَلْنَا سَمِيعاً بَصِيراً } والسمع والبصر كنايتان عن الفهم والتمييز، كما قال تعالى حاكياً عن إبراهيم عليه السلام: {أية : لِمَ تَعْبُدُ مَالا يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ } تفسير : [مريم: 42] وأيضاً قد يراد بالسميع المطيع، كقوله سمعاً وطاعة، وبالبصير العالم يقال: فلان بصير في هذا الأمر، ومنهم من قال: بل المراد بالسمع والبصر الحاستان المعروفتان. والله تعالى خصهما بالذكر، لأنهما أعظم الحواس وأشرفها.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَٰنَ } الجنس {مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ } أخلاط، أي من ماء الرجل وماء المرأة المختلطين الممتزجين {نَّبْتَلِيهِ } نختبره بالتكليف والجملة مستأنفة أو حال مقدرة، أي مريدين ابتلاءه حين تأهله {فَجَعَلْنَٰهُ } بسبب ذلك {سَمِيعاً بَصِيراً }.

ابن عبد السلام

تفسير : {خَلَقْنَا الإِنسَانَ} كل بني آدم اتفاقاً {نُّطْفَةٍ} إذا اختلط ماء الرجل وماء المرأة فهما نطفة أو النطفة ماء الرجل فإذا اختلط في الرحم بماء المرأة صار أمشاجاً {أَمْشَاجٍ} اختلاط المائين أو ألوان "ع" قال الرسول صلى الله عليه وسلم "حديث : ماء الرجل غليظ أبيض وماء المرأة رقيق أصفر "تفسير : وقيل نطفة الرجل حمراء وبيضاء ونطفة المرأة صفراء وخضراء أو الأمشاج العروق التي في النطفة أو الأطوار نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظماً ثم كسوتها باللحم {نَّبْتَلِيهِ} نختبره بالخير والشرّ أو نختبره بشكره في السرّاء وصبره في الضرّاء أو نكلفه العمل بعد خلقه أو نأمره بالطاعة وننهاه عن المعصية أو فيه تقديم تقديره فجعلناه سميعاً بصيراً لنبتليه بالاختبار أو التكليف أو بالسمع والبصر.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ} [الآية: 2]. سمعت أبا عثمان المغربى يقول: سئلت وأنا بمكة عن قول الله: {أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ} فقلت: ابتلاء الله بتسعة أمشاج ثلاث مفتنات وثلاث كافرات وثلاث مؤمنات فأما الثلاث المفتنات فسمعه وبصره ولسانه وأما الثلاث الكافرات فنفسه وعدوّه وهواه وأما الثلاث المؤمنات فعقله وروحه وقلبه فإذا أيَّد الله العبد بالمعونة ففر العقل على القلب فملكه واستأسر النفس والهوى فلم يجد إلى الحركة سبيلاً فجانست النفس الروح وجانس الهوى العقل وصارت كلمة الله هى العليا {أية : وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} تفسير : [البقرة: 193].

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً}. {مِن نُّطْفَةٍ}: أي من قطرة ماءٍ، {أَمْشَاجٍ}: أَخلاط من بين الرجل والمرأة. ويقال: طوراً نطفة، وطوراً عَلَقَة، وطوراً عَظْماً، وطوراً لَحْماً. {نَّبْتَلِيهِ}: نمتحنه ونختبره. وقد مضى معناه. {فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً}. {إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً}. أي: عَرَّفْناه الطريقَ؛ أي طريقَ الخيرِ والشرِّ. وقيل: إمَّا للشقاوة، وإمَّا للسعادة، إمَّا شاكراً من أوليائنا، وإما أن يكون كافراً من أعدائنا؛ فإنْ شَكَرَ فبالتوفيق، وإنْ كَفَرَ فبالخذلان.

اسماعيل حقي

تفسير : {انا خلقنا الانسان} اى خلقناه يعنى جسمه والاظهار لزيادة التقرير {من نطفة} حتى كان علقة فى اربعين يوم ومضغة فى ثمانين ومنفوخا فيه الروح فى مائة وعشرين يوما كما كان ابوهم آدم خلق من طين فألقى بين مكةوالطائف فأقام أربعين سنة ثم من حمأ مسنون فأقام أربعين سنة اخرى ثم من صلصال فأقام اربعين سنة اخرى فتم خلقه فى مائة وعشرين سنة اخرى فنفخ فيه الروح على ما جاء فى رواية الضحاك عن ابن عباس رضى الله عنهما فما كان سنين فى آدم كان اياما فى اولاده وحمل بعضهم الانسان الاول على آدم والثانى على اولاده على أن يكون الحين هو الزمن الطويل الممتد الذى لا يعرف مقداره والاول وهو حمله فى كلا الموضعين على الجنس اظهر لان المقصود تذكير الانسان كيفية الخلق بعد أن لم يكن ليتذكر اول امره من عدم كونه شيأ مذكورا او آخر أمره من كونه شيأ مذكورا مخلوقا من ماء حقير فلا يستبعد البعث كما سبق {امشاج} اخلاط بالفارسية آميختها. جمع مشج كسبب او كتف على لغتيه او مشيج من مشجت الشئ اذا خلطته وصف النطفة بالجمع مع افرادها لما ان المراد بها مجموع الماءين يختلطان فى الرحم ولكل منهما اوصاف مختلفة من اللون والرقة والغلظ وخواص متباينة فان ماء الرجل ابيض غليظ فيه قوة العقد وماء المرأة اصفر رقيق فيه قوة الانعقاد فيخلق منهما الولد فأيهما علا صاحبه كان الشبه له وما كان من عصب وعظم وقوة فمن ماء الرجل وما كان من لحم ودم وشعر فمن ماء المرأة على ما روى فى المرفوع وفى الخبر ما من مولود الا وقد ذر على نطفته من تربة حفرته كل واحد منهما مشيج بالآخر وقال الحسن رحمه الله نطفة مشيجة بدم وهو دم الحيض فاذا حبلت ارتفع الحيض واليه ذهب صاحب القاموس حيث قال ونطفة امشاج مختلطة بماء المرأة ودمها انتهى فيكون النطفتان ودمها جمعا وقال الراغب هو عبارة عما جعل الله بالنطفة من القوى المختلفة المشار اليهابقوله ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة الآية انتهى فيكون معنى امشاج ألوان وأطوار على ما قال قتادة وفى التأويلات النجمية اى من نطفة قوة القابلية الممتشجة المختلطة بنطفة قوة الفاعلية اى خلقناه من نطفة الفيض الاقدس المتعلق بالفاعل ونطفة الفيض المقدس المتعلق بالقابل فالفيض الاقدس الذاتى بمنزلة ماء الرجل والفيض المقدس الاسمائى بمنزلة بمنزلة ماء المرأة {نبتليه} حال مقدرة من فاعل خلقنا اى مريدين ابتلاءه واختباره بالتكيف فيما سيأتى ليتعلق علمنا بأحواله تفصيلا فى العين بعد تعلقه بها اجمالا فى العلم وليظهر احوال بعضهم لبعض من القبول والرد والسعادة والشقاوة {فجعلناه سميعا بصيرا} ليتمكن من استماع الآيات التنزيلية ومشاهدة الآيات التكوينية فهو كالمسبب عن الاتبلاء اى عن ارادته فلذلك عطف على الخلق المقيد به بالفاء كأنه قيل انا خلقناه مريدين تكليفه فأعطيناه ما يصح معه التكليف والابتلاء وهو السمع والبصر وسائر آلات التفهيم والتمييز وطوى ذكر العقل لان المراد ذكر ما هو من اسبابه والآلة التى يستكمل فطريقة الاول لأكثر الخلق من السعداء السمع ثم البصر ثم تفهم العقل وفى الاختيار صيغة المبالغة اشارة الى كمال احسانه اليه وتمام انعامه وبصيرا مفعول ثان بعد ثان لجعلناه وفى التأويلات النجمية فجعلناه سميعا جميع المسموعات بصيرا جميع المبصرات كما قال كنت سمعه وبصره فبى يسمع وبى يبصر فلا يفوته شيئ من المسموعات ولا من المبصرات فافهم جدا يا مسكين وقال أبو عثمان المغربى قدس سره ابتلى الله الخلق بتسعة امشاج ثلاث فتانات هى سمعه وبصره ولسانه وثلاث كافرات هن نفسه وهواه وعدوه الشيطان وثلاثة مؤمنات هى عقله وروحه وقلبه فاذا أيد الله العبد بالمعونة قهر العقل على القلب فملكه واستأسر النفس والهوى فلم يجدا الى الحركة سبيلا فجانست النفس الروح وجانس الهوى العقل وصارت كلمة الله هى العليا قال الله تعالى قاتلوهم حتى لا تكون فتنة.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ} جوابُ سؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: فكيف خلق الانسان؟ - فقال: انّا خلقناه {مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ} مشج من باب نصر خلط وشيءٌ مشيج كقتيل وسَبَب وكتِف مخلوط، والجمع امشاج، كون النّطفة امشاجاً امّا لاختلاط الاخلاط او العناصر او استعدادات الاعضاء والقوى فيها، او لاختلاط المائين ماء الرّجل وماء المرأة {نَّبْتَلِيهِ} نستخلصه من الفضول وممّا لا يليق به ونعطيه ونتفضّل عليه بما يليق بشأنه {فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً} يعنى على اشرف احوال الحيوان.

اطفيش

تفسير : {إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسانَ} البشر غير آدم. {مِن نُّطْفَةٍ أمْشَاجٍ} جمع مشج بفتحتين كسبب وأسباب أو بفتح فكسر ككتف وأكتاف أو مشيج كشهيد وأشهاد ونصير وأنصار نعت نطفة وقيل هو مفرد كبرمه أعشار والمشج الخلط ولاشتمالها على أشياء نعتت بالجمع فإِنها من الرجل والمرأة والرقة والغلظة والصفرة والبياض والقوة والضعف والدم والبلغم والصفراء والسوداء، ماء الرجل أبيض غليظ ومنه العصب والعظم وإن علا كان الشبه له وماء المرأة أصفر رقيق ومنه اللحم والدم والشعر فإِن علا كان الشبه لها وإِذا اجتمعا فى قعر الرحم اخضر، وعن مجاهد أمشاج ألوان، وعن ابن مسعود وزيد بن أسلم أمشاج العروق التى فى النطفة أى ذات عروق، وعن ابن عباس أمشاج أطوار أى ذات أطوار علقة مضغة الخ. واللحم والدم والضعف من المرأة. والعصب والعظم والقوة من الرجل، وقيل نطفة أمشاج خلطت بدم الحيض فيرتفع دم الحيض ويتغذى به أيضاً، وقيل أمشاج الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة. {نَّبْتَلِيهِ} حال من نا أو من الإِنسان مقدرة لأَن المراد الابتلاء بالتكليف وهو غير موجود وقت الخلق، وقيل الابتلاء مستعار للنقل من طور إِلى طور لجامع ظهور الشئ بعد الشئ مرتباً عليه يظهر كل طور بعد آخر مبنياً عليه كما يظهر الأَمر بالاختيار شيئاً فشيئاً، أو المعنى أردنا ابتلاءه فجعلناه سميعاً بصيراً كما قال الله عز وجل: {فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً} بسبب إِرادة الابتلاء يسمع ما يرشد إِليه ويبصر بعينيه ما يحتاج فى دينه إِلى النظر إِليه وحض الحاستين لأَنهما أعظم الحواس الظاهرة أو هما كنايتان عن الفهم والتمييز.

ابن عاشور

تفسير : استئناف بياني مترتب على التقرير الذي دل عليه {أية : هل أتى على الإِنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً}تفسير : [الإنسان: 1] لما فيه من التشويق. والتقرير يقتضي الإِقرار بذلك لا محالة لأنه معلوم بالضرورة، فالسامع يتشوف لما يرد بعد هذا التقرير فقيل له: إن الله خلقه بعد أن كان معدوماً فأوجَد نطفة كانت معدومة ثم استخرج منها إنساناً، فثبت تعلُّق الخلق بالإِنسان بعد عدمه. وتأكيد الكلام بحرف (إنَّ) لتنزيل المشركين منزلة من ينكر أنّ الله خلق الإِنسان لعدم جريهم على موجَب العلم حيث عبدوا أصناماً لم يخلقوهم. والمراد بـ {الإنسان} مثل ما أريد به في قوله: {أية : هل أتى على الإنسان}تفسير : [الإنسان: 1] أي كل نوع الإِنسان. وأُدمج في ذلك كيفية خلق الإِنسان من نطفة التناسِل لما في تلك الكيفية من دقائق العلم الإِلٰهي والقدرة والحكمة. وقد تقدم معنى النطفة في سورة القيامة. و {أمشاج}: مشتق من المشج وهو الخلط، أي نطفة مخلوطة قال تعالى: {أية : سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون}تفسير : [يس: 36] وذلك يفسر معنى الخلط الذي أشير إليه هنا. وصيغة {أمشاج} ظاهرها صيغة جمع وعلى ذلك حملها الفراء وابن السكيت والمبرد، فهي إما جمع مِشْج بكسر فسكون بوزن عِدْل، أي ممشوج، أي مخلوط مثل ذِبح، وهذا ما اقتصر عليه في «اللسان» و «القاموس»، أو جمع مَشَج بفتحتين مثل سَبب وأسباب، أو جمع مَشِج بفتح فكسر مثل كَتِف وأكتاف. والوجه ما ذهب إليه صاحب «الكشاف»: أن {أمشاج} مفرد كقولهم: بُرمة أعشار وبُرد أكياش (بهمزة وكاف وتحتية وألف وشين معجمة الذي أعيد غزله مرتين). قال: «ولا يصح أن يكون أمشاج جمع مَشَج بل هما (أي مَشج وأمشاج) مِثلان في الإِفراد اهـ. وقال بعض الكاتبين: إنه خالف كلام سيبويه. وأشار البيضاوي إلى ذلك، وأحسب أنه لم يَر كلام سيبويه صريحاً في منع أن يكون {أمشاج} مفرداً لأن أثبت الإِفراد في كلمة أنعام والزمخشري معروف بشدة متابعة سيبويه. فإذا كان {أمشاج} في هذه الآية مفرداً كان على صورة الجمع كما في «الكشاف». فوصف {نطفة} به غير محتاج إلى تأويل، وإذا كان جمعاً كما جرى عليه كلام الفراء وابن السكيت والمبرد، كان وصف النطفة به باعتبار ما تشتمل عليه النطفة من أجزاء مختلفة الخواص، (فلذلك يصير كل جزء من النطفة عضواً) فوصفُ النطفة بجمع الاسم للمبالغة، أي شديدة الاختلاط. وهذه الأمشاج منها ما هو أجزاء كيمائية نباتية أو ترابية ومنها ما هو عناصر قوى الحياة. وجملة {نبتليه} في موضع الحال من الإِنسان وهي حال مقدرة، أي مريدين ابتلاءه في المستقبل، أي بعد بلوغه طور العقل والتكليف، وهذه الحال كقولهم: مررتُ برجل معه صِقر صائداً به غداً. وقد وقعت هذه الحال معترضة بين جملة {خلقنا} وبين {فجعلناه سَميعاً بصيراً} لأن الابتلاء، أي التكليف الذي يظهر به امتثاله أو عصيانه إنما يكون بعد هدايته إلى سبيل الخير، فكان مقتضى الظاهر أن يقع {نبتليه} بعد جملة {أية : إنا هديناه السبيل}تفسير : [الإنسان: 3]، ولكنه قدم للاهتمام بهذا الابتلاء الذي هو سبب السعادة والشقاوة. وجيء بجملة {إنا هديناه السبيل} بياناً لجملة {نبتليه} تفنناً في نظم الكلام. وحقيقة الابتلاء: الاختبار لتُعرف حال الشيء وهو هنا كناية عن التكليف بأمر عظيم لأن الأمر العظيم يظهر تفاوت المكلفين به في الوفاء بإقامته. وفُرع على خلقه {من نطفة} أنه جعله {سميعاً بصيراً}، وذلك إشارة إلى ما خلقه الله له من الحواس التي كانت أصل تفكيره وتدبيره، ولذلك جاء وصفه بالسميع البصير بصيغة المبالغة ولم يقل فجعلناه: سامعاً مبصراً، لأن سمع الإِنسان وبصره أكثر تحصيلاً وتمييزاً في المسموعات والمبصرات من سمع وبصر الحيوان، فبالسمع يتلقَّى الشرائع ودعوة الرسل وبالبصر ينظر في أدلة وُجود الله وبديع صنعه. وهذا تخلص إلى ما ميز الله به الإِنسانَ من جعله تجاه التكليف واتباع الشرائع وتلك خصيصية الإِنسان التي بها ارتكزتْ مدنيته وانتظمت جامعاته، ولذلك أعقبت هذه الجملة بقوله: {إنا هديناه السبيل} الآيات.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلإِنسَانَ} {فَجَعَلْنَاهُ} (2) - لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ ذَاتِ عَنَاصِرَ شَتَّى، اخْتَلَطَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، لِنَخْتَبِرَهُ بِالتَّكْلِيفِ إِذَا شَبَّ وَبَلَغَ الحُلُمَ، وَنَرَى هَلْ يَشْكُرُ رَبَّهُ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ خَلْقٍ وَرِزْقٍ وَصِحَّةٍ، أَمْ يَكْفُرُ؟ وَجَعَلْنَاهُ ذَا سَمْعٍ لَيَسْتَطِيعَ سَمَاعَ الآيَاتِ، وَجَعَلْنَاهُ ذَا بَصَرٍ لِيَسْتَطِيعَ رُؤْيَةَ الدَّلاَئِلِ، فَيَتَفَكَّرَ وَيَتَدَبَّرَ. أَمْشَاجٍ - أَخْلاَطٍ مَمْزُوجَةٍ مُتَبَايِنَةِ الصِّفَاتِ والمَصَادِرِ. نَبْتَلِيهِ - نَخْتَبِرُهُ بِالتَّكَالِيفِ.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، قال: ثنا إبراهيم، قال: ثنا آدم قال: ثنا قيس بن الربيع، عن سعيد بن مسروق، عن عكرمة قال: "الأَمْشَاج" [الآية: 2]: ماءُ الرجل وماءُ المرأَة مشج أَحدهما بالآخر. أَنبا عبد الرحمن، /85 و/ قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا المبارك بن فضالة، عن الحسن، قال: يقول: مشج ماءَ الرجل بماءِ المرأَة فخلق منهما خلقاً [الآية: 2].

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ} معناه مُختلطٌ، ماءُ الرَّجلِ وماءُ المَرأةِ. ويُقالُ: الأَمشَاجُ: العُرُوقُ. ويقال: الأَلوانُ.

همام الصنعاني

تفسير : 3424- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ}: [الآية: 2]، قال: الأمشاج، إذا اختلط الماء والدم ثم كان علقة، ثم كَانَ مضغة.