٧٦ - ٱلْإِنْسَان
76 - Al-Insan (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
3
Tafseer
الرازي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَـٰهُ ٱلسَّبِيلَ } أخبر الله تعالى أنه بعد أن ركبه وأعطاه الحواس الظاهرة والباطنة بين له سبيل الهدى والضلال، وفيه مسائل: المسألة الأولى: الآية دالة على أن إعطاء الحواس كالمقدم على إعطاء العقل والأمر كذلك لأن الإنسان خلق في مبدأ الفطرة خالياً عن معرفة الأشياء، إلا أنه أعطاه آلات تعينه على تحصيل تلك المعارف، وهي الحواس الظاهرة والباطنة، فإذا أحس بالمحسوسات تنبه لمشاركات بينها ومباينات، ينتزع منها عقائد صادقة أولية، كعلمنا بأن النفي والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان وأن الكل أعظم من الجزء، وهذه العلوم الأولية هي آلة العقل لأن بتركيباتها يمكن التوصل إلى استعلام المجهولات النظرية، فثبت أن الحس مقدم في الوجود على العقل، ولذلك قيل: من فقد حساً فقد علماً، ومن قال: المراد من كونه سميعاً بصيراً هو العقل، قال: إنه لما بين في الآية الأولى أنه أعطاه العقل بين في هذه الآية، أنه إنما أعطاه العقل ليبين له السبيل ويظهر له أن الذي يجب فعله ما هو. والذي لا يجوز ما هو. المسألة الثانية: السبيل هو الذي يسلك من الطريق، فيجوز أن يكون المراد بالسبيل ههنا سبيل الخير والشر والنجاة والهلاك، ويكون معنى هديناه، أي عرفناه وبينا كيفية كل واحد منهما له، كقوله تعالى: {أية : وَهَدَيْنَـٰهُ ٱلنَّجْدَينِ } تفسير : [البلد: 10] ويكون السبيل اسماً للجنس، فلهذا أفرد لفظه كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلإنسَـٰنَ لَفِى خُسْرٍ } تفسير : [العصر: 2] ويجوز أن يكون المراد بالسبيل، هو سبيل الهدى لأنها هي الطريقة المعروفة المستحقة لهذا الاسم على الإطلاق، فأما سبيل الضلالة فإنما هي سبيل بالإضافة، ألا ترى إلى قوله تعالى: {أية : إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ } تفسير : [الأحزاب: 67] وإنما أضلوهم سبيل الهدى، ومن ذهب إلى هذا جعل معنى قوله: {هَدَيْنَـٰهُ } أي أرشدناه، وإذا أرشد لسبيل الحق، فقد نبه على تجنب ما سواها، فكان اللفظ دليلاً على الطريقين من هذا الوجه. المسألة الثالثة: المراد من هداية السبيل خلق الدلائل، وخلق العقل الهادي وبعثة الأنبياء وإنزال الكتب، كأنه تعالى قال: خلقتك للابتلاء ثم أعطيتك كل ما تحتاج إليه ليهلك من هلك عن بينة وليس معناه خلقنا الهداية، ألا ترى أنه ذكر السبيل، فقال: {هَدَيْنَـٰهُ ٱلسَّبِيلَ } أي أريناه ذلك. المسألة الرابعة: قال الفراء: هديناه السبيل، وإلى السبيل وللسبيل، كل ذلك جائز في اللغة. قوله تعالى: {إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً } فيه مسائل: المسألة الأولى: في الآية أقوال: الأول: أن شاكر أو كفوراً حالان من الهاء، في هديناه السبيل، أي هديناه السبيل كونه شاكراً وكفوراً، والمعنى أن كل ما يتعلق بهداية الله وإرشاده، فقد تم حالتي الكفر والإيمان. والقول الثاني: أنه انتصب قوله شاكراً وكفوراً بإضمار كان، والتقدير سواء كان شاكراً أو كان كفوراً. والقول الثالث: معناه إنا هديناه السبيل، ليكون إما شاكراً وإما كفوراً أي ليتميز شكره من كفره وطاعته من معصيته كقوله: {أية : لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } تفسير : [هود: 7] وقوله: {أية : وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ } تفسير : [العنكبوت: 3] وقوله: {أية : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّـٰبِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَـٰرَكُمْ } تفسير : [محمد: 31] قال القفال: ومجاز هذه الكلمة على هذا التأويل قول القائل، قد نصحت لك إن شئت فأقبل، وإن شئت فاترك، أي فإن شئت فتحذف الفاء فكذا المعنى: إنا هديناه السبيل فإما شاكراً وإما كفوراً، فتحذف الفاء وقد يحتمل أن يكون ذلك على جهة الوعيد أي إنا هديناه السبيل فإن شاء فليكفر وإن شاء فليشكر، فإنا قد أعتدنا للكافرين كذا وللشاكرين كذا، كقوله: {أية : وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ } تفسير : [الكهف: 29]. القول الرابع: أن يكونا حالين من السبيل أي عرفناه السبيل، أي إما سبيلاً شاكراً، وإما سبيلاً كفوراً، ووصف السبيل بالشكر والكفر مجاز. واعلم أن هذه الأقوال كلها لائقة بمذهب المعتزلة. والقول الخامس: وهو المطابق لمذهب أهل السنة، واختيار الفراء أن تكون إما هذه الآية كإما في قوله: {أية : إِمَّا يُعَذّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ } تفسير : [التوبة: 106] والتقدير: إنا هدينـاه السبيل ثم جعلناه تارة شـاكراً أو تارة كفورًا ويتأكد هذا التأويل بما روي أنه قرأ أبو السمال بفتح الهمزة في {أَمَّا }، والمعنى أما شاكراً فبتوفيقنا وأما كفوراً فبخذلاننا، قالت المعتزلة: هذا التأويل باطل، لأنه تعالى ذكر بعد هذه الآية تهديد الكفار فقال: {أية : إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ سَلَـٰسِلَ وَأَغْلَـٰلاً وَسَعِيراً } تفسير : [الإنسان: 4] ولو كان كفر الكافر من الله وبخلقه لما جاز منه أن يهدده عليه، ولما بطل هذا التأويل ثبت أن الحق هو التأويل الأول وهو أنه تعالى هدى جميع المكلفين سواء آمن أو كفر، وبطل بهذا قول المجبرة أنه تعالى لم يهد الكافر إلى الإيمان، أجاب أصحابنا بأنه تعالى لما علم من الكافر أنه لا يؤمن ثم كلفه بأن يؤمن فقد كلفه بأن يجمع بين العلم بعدم الإيمان ووجود الإيمان وهذا تكليف بالجمع بين المتنافيين، فإن لم يصر هذا عذراً في سقوط التهديد والوعيد جاز أيضاً أن يخلق الكفر فيه ولا يصير ذلك عذراً في سقوط الوعيد وإذا ثبت هذا ظهر أن هذا التأويل هو الحق، وأن التأويل اللائق بقول المعتزلة: ليس بحق، وبطل به قول المعتزلة. المسألة الثانية: أنه تعالى ذكر نعمه على الإنسان فابتدأ بذكر النعم الدنيوية، ثم ذكر بعده النعم الدينية، ثم ذكر هذه القسمة. واعلم أنه لا يمكن تفسير الشاكر والكفور بمن يكون مشتغلاً بفعل الشكر وفعل الكفران وإلا لم يتحقق الحصر، بل المراد من الشاكر الذي يكون مقراً معترفاً بوجوب شكر خالقه عليه والمراد من الكفور الذي لا يقر بوجوب الشكر عليه، إما لأنه ينكر الخالق أو لأنه وإن كان يثبته لكنه ينكر وجوب الشكر عليه، وحينئذ يتحقق الحصر وهو أن المكلف، إما أن يكون شاكراً وإما أن يكون كفوراً، واعلم أن الخوارج احتجوا بهذه الآية على أنه لا واسطة بين المطيع والكافر، قالوا: لأن الشاكر هو المطيع، والكفور هو الكافر، والله تعالى نفى الواسطة وذلك يقتضي أن يكون كل ذنب كفراً، وأن يكون كل مذنب كافراً، واعلم أن البيان الذي لخصناه يدفع هذا الإشكال، فإنه ليس المراد من الشاكر الذي يكون مشتغلاً بفعل الشكر فإن ذلك باطل طرداً وعكساً، أما الطرد فلأن اليهودي قد يكون شاكراً لربه مع أنه لا يكون مطيعاً لربه، والفاسق قد يكون شاكراً لربه، مع أنه لا يكون مطيعاً لربه، وأما العكس فلأن المؤمن قد لا يكون مشتغلاً بالشكر ولا بالكفران، بل يكون ساكناً غافلاً عنهما، فثبت أنه لا يمكن تفسير الشاكر بذلك، بل لا بد وأن يفسر الشاكر بمن يقر بوجوب الشكر والكفور بمن لا يقر بذلك، وحينئذ يثبت الحصر، ويسقط سؤالهم بالكلية، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّا هَدَيْنَٰهُ ٱلسَّبِيلَ } بينا له طريق الهدى ببعث الرسل {إِمَّا شَاكِراً } أي مؤمناً{وَإِمَّا كَفُوراً } حالان من المفعول،أي بيناه له في حال شكره أو كفره المقدرة وإما لتفصيل الأحوال.
ابن عبد السلام
تفسير : {السَّبِيلَ} الخير والشر أو الهدى والضلالة أو سبيل الشقاوة والسعادة أو خروجه من الرحم. {شَاكِراً} مؤمناً أو كافراً أو شاكراً للنعمة أو كفوراً بها ولما كان شكر الله ـ تعالى ـ لا يؤدى لم يأت فيه بلفظ المبالغة ولما عظم كفره مع الإحسان إليه جاء بلفظ المبالغة.
الخازن
تفسير : {إنا هديناه السبيل} أي بينا له سبيل الحق والباطل والهدى والضلالة، وعرفناه طريق الخير والشر، وقيل معناه أرشدناه إلى الهدى لأنه لا يطلق اسم السبيل إلا عليه والمراد من هداية السبيل نصب الدلائل، وبعثه الرسل وإنزال الكتب. {إما شاكراً وإما كفوراً} يعني إما موحداً طائعاً لله، وإما مشركاً بالله في علم الله وذلك أن الله تعالى بين سبيل التوحيد ليتبين شكر الإنسان من كفره، وطاعته عن معصيته، وقيل في معنى الآية إما مؤمناً سعيداً وإما كافراً شقياً. وقيل معناه الجزاء أي بينا له الطريق إن شكر أو كفر، وقيل المراد من الشاكر الذي يكون مقراً معترفاً بوجوب شكر خالقه سبحانه وتعالى عليه، والمراد من الكفور الذي لا يقر بوجوب الشكر عليه ثم بين ما للفريقين فوعد الشاكر، وأوعد الكافر فقال تعالى: {إنا أعتدنا} أي هيأنا في جهنم {للكافرين سلاسل} يعني يشدون بها {وأغلالاً} أي في أيديهم تغل بها إلى أعناقهم {وسعيراً} يعني وقوداً لا توصف شدته وهذا من أعظم أنواع الترهيب والتخويف ثم ذكر ما أعد للشاكرين الموحدين فقال تعالى: {إن الأبرار} يعني المؤمنين الصادقين في إيمانهم المطيعين لربهم، واحدهم بار وبر وأصله التوسع فمعنى البر المتوسع في الطاعة {يشربون من كأس} يعني فيها شراب {كان مزاجها كافوراً} قيل يمزج لهم شرابهم بالكافور ويختم بالمسك. فإن قلت إن الكافور غير لذيذ، وشربه مضر فما وجه مزج شرابهم به. قلت قال أهل المعاني: أراد بالكافور بياضه، وطيب ريحه وبرده. لأن الكافور لا يشرب وقال ابن عباس: هو اسم عين في الجنة والمعنى أن ذلك الشراب يمازجه شراب ماء هذه العين التي تسمى كافوراً، ولا يكون في ذلك ضرر لأن أهل الجنة لا يمسهم ضرر فيما يأكلون، ويشربون وقيل هو كافور لذيذ طيب الطعم ليس فيه مضرة، وليس ككافور الدنيا ولكن الله سمى ما عنده بما عندكم بمزج شرابهم. بذلك الكافور والمسك والزنجبيل.
البقلي
تفسير : حقيقة اشارته انه تعالى عرف لهم الطريق فمن بقى فى الطريق ولم يصل اليه فمنعه لم يبلغ ومن وصل اليه فتجد به بلغ اليه فمن بلغ يكون بمعرفته شاكرا له ومن لم يبلغ اليه فيجد لانه يكون كافرا به اذ لم يذق طعم الوصال ولم ير نور مشاهدة الجمال مهد الطريق ونصف الاعلام واوضح المنار ولا دلة ودعاهم به الى نفسه فمن واصل يسكن بما وجد به وهو شاكر ومن واصل لم يسكن بما وجد ويكون معربد بطلب مزيد الدنو وفى كل ما وجد لم يكن راضيا حتى وصل الى غيبوبة الغيب ويشرب من انهار صرف الصفات والذات فيخرج متحدا يدعى الربوبية ويكون كافر الحقيقة قال سهل بينا له طريق الخير من طريق الشر اما ان يكون شاكرا طائعا فمستقره الجنة واما ان يكون كفورا جاحدا فماواه النار.
اسماعيل حقي
تفسير : {انا هديناه السبيل} مرتب على ما قبله من اعطاء الحواس فانه استئناف تعليلى لجعله سميعا بصيرا يعنى ان اعطاء الحواس الظاهرة والباطنة والتحلى بها متقدم على الهداية والمعنى أريناه وعرفناه طريق الخير والشر والنجاة والهلاك بانزال الآيات ونصب الدلائل كما قال وهديناه النجدين اى بينا له طريق الخير والشر فان النجد الطريق الواضح المرتفع فالمراد بالهداية مجرد الدلالة لا الدلالة الموصلة الى البغية كما فى بعض التفاسير {اما شاكرا واما كفورا} حالا من مفعول هديناه قال فى الارشاد اى مكناه وأقدرناه على سلوك الطريق الموصل الى البغية فى حالتيه جميعا فاما التفصيل ذى الحال فانه مجمل من حيث الدلالة على الاحوال لا يعلم ان المراد هدايته فى حال كفره او فى حال ايمانه وبالتفصيل تبين انها تعلقت به فى كل واحدة من الحالين فالشاكر الموحد والكفور الجاحد لان الشكر الاقرار بالمنعم ورأس الكفر ان جحوده ويقال شاكر النعمة وكفورها قال الراغب الكفور يقال فى كافر النعمة وكافر الدين جميعا ويجوز أن يكون اما للتقسيم بأن يعتبر ذو الحال من حيث انه مطلق وهو اللفظ الدال على الماهية من حيث هى ويجعل كل واحد من مدخولى اما قيدا له فيحصل بالتقييد بكل منهما قسم منه اى مقسوما اليهما بعضهم شاكر بالاهتدآء والاخذ فيه وبعضهم كفور بالاعراض عنه وايراد الكفور لمراعاة الفواصل اى رؤوس الآى والاشعار بأن الانسان قلما يخلوا من كفران ما وانما المؤاخذ عليه الكفر المفرط والشكور قليل منهم ولذا لم يقل اما شكورا واما كفورا واما شاكرا واما كافرا والحاصل ان الشاكر والكفور كنايتان عن المثاب والمعاقب ولما لم يكن مجرد الكفران مستلزما للمواخذة لم يصح أن يجعل كناية عنها بخلاف مجرد الشكر فإنه ملزوم الاثابة بمقتضى وعد الكريم فأدير أمر الاثابة على مطلق الشكر لا على المبالغة فيه كما ادير المؤآخذة على المبالغة فى الكفران لا على اصله وكل ذلك بمقتضى سعة رحمة الله وسبقها على غضبه وقرأ ابو السماك بفتح الهمزة فى اما وهى قرآءة حسنة والمعنى اما كونه شاكرا فبتوفيقنا واما كونه كفورا فبسوء اختياره وفى التأويلات النجمية انا خيرناه فى الاهتدآء الى سبيل الشكر المتعلق باليد اليمنى الجمالية او الى سبيل الكفر المتعلق باليد اليسرى الجلالية فاختار بعضهم سبيل الشكر من مقتضى حقائقهم واستعداداتهم الازلية واختار بعضهم سبيل الكفر من مقتضى حقائقهم وقابليتهم الازلية ايضا كما قال هؤلاء اهل الجنة ولا ابالى وهؤلاء اهل النار ولا ابالى اى المدح والذم يتعلق بهم لابى ولما ذكر الفريقين اتبعهما الوعيد والوعد فقال {انا اعتدنا} هيأنا فى الآخرة فان الاعتاد اعداد الشئ حتى يكون عتيدا حاضرا متى احتيج اليه {للكافرين} من افراد الانسان الذى هديناه السبيل {سلاسل} بها يقادون الى جهنم وفي كشف الاسرار اعتدنا للكافرين فى جهنم سلاسل كل سلسلة سبعون ذراعا وهو بغير تنوين فى قرآءة حفص واما الوقف فبالالف تارة وبدونها اخرى وتسلسل الشئ اضطرب كأنه تصور منه تسلسل وتردد فتردد لفظه تنبيه على تردد معناه ومنه السلسلة وفى القاموس السلسلة اى بالفتح ايصال الشئ بالشئ وبالكسر دآئرة من حديد ونحوه {واغلالا} بها يقيدون اهانة وتعذيبا لا خوفا من الفرار جمع غل بالضم وهو ما تطوق به الرقبة للتعذيب وقد سبق فى الحاقة مفصلا {وسعيرا} نارا بها يحرقون يعنى وآتشى آفروخته كه دران بيوسته بسوزند. وانما يجرون الى جهنم بالسلاسل لعدم انقيادهم للحق ويحقرون بأن يقيدون بالاغلال لعدم تواضعهم لله ويحرقون بالنار لعدم احتراقهم بنار الخوف من الله تعالى وفيه اشارة الى ان الله تعالى اعد للمحجوبين عن الحق المشغولين بالخلق سلاسل التعلقات الظاهرة بحب الدنيا وطلبها واغلال العوآئق الباطنة بالرغبة اليها وفيها ونار جهنم البعد والطرد واللعن وتقديم وعيد الكافرين مع تأخرهم فى مقام الاجمال للجمع بينهما فى الذكر ولان الانذار أهم وأنفع وتصدير الكلام وختمه بذكر المؤمنين احسن على ان فى وصفهم تفصيلا ربما يخل تقديمه بتجاوب اطراف النظم الكريم.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ} جوابُ سؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: ما فعلت به بعد ذلك؟ وما تفعل به؟ - فقال: انّا هديناه السّبيل بحسب فطرته فانّ الكلّ بحسب الفطرة يعرف الخير والشّرّ الانسانيّين وبحسب التّكليف بتوسّط الانبياء والاولياء (ع) {إِمَّا شَاكِراً} اى عاملاً بما عرفناه {وَإِمَّا كَفُوراً} تاركاً لما عرفناه.
اطفيش
تفسير : {إنَّا هَدَيْنَاهُ} بينا له وأريناه *{السَّبِيلَ} سبيل الحق والباطل والهدى والضلالة والخير والشر، وقيل المراد نصب الدلائل وبعثة الرسل وانزال الكتب *{إمَّا شَاكِراً وإِمَّا كَفُوراً} الشاكر المؤمن والكفور المشرك أو الكفور يعم كفر النفاق وكفر الشرك. وشاكرا حال من الهاء قبله واما الاولى والثانية حرف تفصيل أو تقسيم اي هديناه في حاليه جميعا او مقسوما اليهما بعضهم شاكر بالاهتداء والأخذ فيه وبعضهم كفور بالاعراض عنه أو حال من السبيل ووصفه بالشكر والكفر مجاز والعاطف الواو. وقرأ أبو السمئل بفتح همزة اما الأولى والثانية فجوابهما محذوف وهي قراءة حسنة اي اما شاكرا فبتوفيقنا وإما كفورا فبسوء اختياره ولم يقل كافرا مع أنه المطابق لشاكرا للفاصلة وللمبالغة في الكفر، فان الانسان يكثر كفر النعمة أو كفر الشرك ولا يخلو منه إلا من عصمه الله ويأخذ المصر على الكفر وعن ابن هشام ان اما للتفصيل وان الكوفيين أجازوا كونها ان الشرطية وما الزائدة والمنصوب خبر كان أي إن كان شاكرا وإن كان كفوراً انتهى ملخصا. وقوله {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ} مرتب على قوله{أية : جعلناه سميعا بصيراً} تفسير : من حيث ان الجعل سميعا بصيراً مسبب عن الابتلاء. قال الجبار بن أحمد المعتزلي نعم الله على عباده كثيرة فكل شكر قليل فعبر بشاكر كل كفر عظيم فعبر بكفور.
اطفيش
تفسير : {إِنَّا هَديْنَاهُ السَّبِيلَ} بينا له الطريق المستقيم ليتبعه وهو دين الإِسلام بالآيات المتلوة وهى نقلية والإفاقية والأَنفسية وهما عقليتان. أو المراد بالسبيل سبيل الحق والباطل. {إِمَّا شَاكِراً وإِمَّا كَفُوراً} حالان من الهاء الثانية، وإِما لتفصيل الأَحوال مع اتحاد الذات، أى دللناه إِلى ما يوصله إِلى الدين المستقيم حال شكره وحال كفره وليس فى حال كفره غير مدلول على الدين أو للتقسيم للمكلف باختلاف الذوات والصفات أى بعضهم شاكر باتباع التبيين وبعض كافر لمخالفته، أو حالان من السبيل على إِسناد الشكر والكفر إِلى السبيل مجازاً لأَنهما حقيقة لسالك السبيل وعلى هذا فالسبيل يشمل الدين الحق والباطل وكل ذلك بخلق الله تعالى واختيار العبد ولا إِجبار وإِلا لم يثب ولم يعاقب، والمراد الجزاء إِما شاكراً فيثاب وإِما كفوراً فيعاقب وأورد الشكر بوزن فاعل والكفر بوزن المبالغة لأَن الإِنسان لا يخلو من كفر فالكفر كثير منه وهو مناسب للفاصلة وفى ذلك تلويح بأَنه يعاقب على الكفر البليغ وكفر كل شقى بليغ ولو قل لأَن الإِصرار أبلغ فلو أصر الموحد الفاسق على صغيرة واحدة لكان كفوراً ولأَن نعم الله كثيرة عليه وقد كفرها كلها بإِصراره.
الالوسي
تفسير : {إِنَّا هَدَيْنَـٰهُ ٱلسَّبِيلَ } لأنه جملة مستأنفة تعليلية في معنى لأنا هديناه أي دللناه على ما يوصله من الدلائل السمعية كالآيات التنزيلية والعقلية كالآيات الأفاقية والأنفسية وهو إنما يكون بعد التكليف والابتلاء. {إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً } حالان من مفعول (هدينا) و{إما} للتفصيل باعتبار تعدد الأحوال مع اتحاد الذات أي هديناه ودللناه على ما يوصل إلى البغية في حالتيه جميعاً من الشكر والكفر أو للتقسيم للمهدي باختلاف الذوات والصفات أي هديناه السبيل مقسوماً إليها بعضهم شاكر بالاهتداء للحق وطريقه بالأخذ فيه وبعضهم كفور بالإعراض عنه وحاصله دللناه على الهداية والإسلام فمنهم مهتد مسلم ومنهم ضال كافر. وقيل حالان من (السبيل) أي عرفناه السبيل إما سبيلاً شاكراً وإما سبيلاً كفوراً على وصف السبيل بوصف سالكه مجازاً والمراد به لا يخفى. وعن السدي أن السبيل هنا سبيل الخروج من الرحم وليس بشيء أصلاً. وقرأ أبو السمال وأبو العاج (أما) بفتح الهمزة في الموضعين وهي لغة حكاها أبو زيد عن العرب وهي التي عدها بعض الناس على ما قال أبو حيان في حروف العطف وأنشدوا: شعر : تلقحها أما شمال عرية وأما صبا جنح العشي هبوب تفسير : وجعلها الزمخشري (إما) التفصيلية المتضمنة معنى الشرط على معنى إما شاكراً فبتوفيقنا وإما كفوراً فبسوء اختياره وهذا التقدير إبراز منه للمذهب قيل ولا عليه أن يجعله من باب{أية : يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً}تفسير : [البقرة: 26] كأنه قيل إما شاكراً فبهدايتنا أي دعائنا أو إقدارنا على ما فسر به الهداية وإما كفوراً فبها أيضاً لاختلاف وجه الدعاء لأن الهداية هٰهنا ليست في مقابلة الضلال وهذا جار على المذهبين وسالم عن حذف ما لا دليل عليه. وجوز في «الانتصاف» أن يكون التقدير إما شاكراً فمثاب وإما كفوراً فمعاقب. وإيراد الكفور بصيغة المبالغة لمراعاة الفواصل والإشعار بأن الإنسان قلما يخلو من كفران ما وإنما المؤاخذ عليه الكفر المفرط.
ابن عاشور
تفسير : استئناف بياني لبيان ما نشأ عن جملة {أية : نبتليه}تفسير : [الإنسان: 2] ولتفصيل جملة {أية : فجعلناه سميعاً بصيراً}تفسير : [الإنسان: 2]، وتخلُّصٌ إلى الوعيد على الكفر والوَعد على الشكر. وهداية السبيل: تمثيل لحال المرشدِ. و {السبيل}: الطريق الجادة إلى ما فيه النفع بواسطة الرُسل إلى العقائد الصحيحة والأعمال الصالحة التي هي سبب فوزه بالنعيم الأبدي، بحال من يدل السائر على الطريق المؤدية إلى مقصده من سَيْره. وهذا التمثيل ينحل إلى تشبيهاتِ أجزاءِ الحالة المركَّبَة المشبَّهة بأجزاء الحالة المشبَّه بها، فالله تعالى كالهادي، والإِنسان يشبه السائر المتحير في الطريق، وأعمال الدين تشبه الطريق، وفوز المتتبع لهدي الله يشبه البلوغ إلى المكان المطلوب. وفي هذا نداء على أن الله أرشد الإِنسان إلى الحق وأن بعض الناس أدخلوا على أنفسهم ضلالَ الاعتقاد ومفاسدَ الأعمال، فمن بَرَّأَ نفسه من ذلك فهو الشاكر وغيره الكفور، وذلك تقسيم بحسب حال الناس في أول البعثة، ثم ظهر من خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً. وتأكيد الخبر بـ (إنَّ) للرد على المشركين الذين يزعمون أن ما يدعوهم إليه القرآن باطل. و {إِما شاكراً وإما كفوراً} حالان من ضمير الغيبة في {هديناه}، وهو ضمير {أية : الإِنسان}تفسير : [الإنسان: 2]. و{إما} حرف تفصيل، وهو حرفٌ بسيط عند الجمهور. وقال سيبويه: هو مركب من حرف (إِنْ) الشرطية و (مَا) النافية. وقد تجردت (إنْ) بالتركيب على الشرطية كما تجردت (مَا) عن النفي، فصار مجموع {إِما} حرف تفصيل، ولا عمل لها في الاسم بعدها ولا تمنع العامل الذي قبلها عن العمل في معموله الذي بعدها فهي في ذلك مثل (اَلْ) حرفِ التعريف. وقدر بعض النحاة {إما} الثانية حرفَ عطف وهو تحكم إذ جعلوا الثانية عاطفة وهي أخت الأولى، وإنما العاطف الواو و {إِما} مقحمة بين الاسم ومعموله كما في قول تأبط شراً: شعر : هُمَا خُطَّتَا إِمَّا إِسارٍ ومِنَّةٍ وإِمَّا دَمٍ والموتُ بالحُر أجْدَرُ تفسير : فإن الاسمين بعد (إما) في الموضعين من البيت مجرورَان بالإِضافة ولذلك حذفت النون من قوله: هما خطتَا، وذلك أفصح كما جاء في هذه الآية. قال ابن جنيّ: «أما من جرَّ (إِسار) فإنه حذف النون للإِضافة ولم يَعتد (إِمَّا) فاصلاً بين المضاف والمضاف إليه، وعلى هذا تقول: هما إِما غلاما زيدٍ وإما عمرو، وأجودُ من هذا أن تقول: هما خطتَا إِسارٍ ومنةٍ وإِما خطتا دم ثم قال: وأما الرفع فطريق المذهب، وظاهر أمره أنه على لغة من حذف النون لغير الإِضافة فقد حُكي ذلك» الخ. ومقتضى كلامه أن البيت روي بالوجهين: الجرِ والرفع وقريب منه كلام المرزوقي وزاد فقال «وحَذف النون إذا رفعتَ (إسارُ) استطالة للاسم كأنه استطال خطتا ببدَلِه وهو قوله: إِما إسار» الخ. والمعنى: إنا هديناه السبيل في حال أنه متردد أمره بين أحد هذين الوصفين وصفِ شاكر ووصفِ كفور، فأحدُ الوصفين على الترديد مقارنٌ لحال إرشاده إلى السبيل، وهي مقارنةٌ عرفية، أي عَقب التبليغ والتأمل، فإن أخذ بالهدى كان شاكراً وإن أعرض كان كفوراً كمن لم يأخذ بإرشاد من يهديه الطريق فيأخذ في طريق يلقى به السباع أو اللصوصَ، وبذلك تم التمثيل الذي في قوله: {إِنا هديناه السبيل}.
الشنقيطي
تفسير : الهداية هنا بمعنى البيان، كما في قوله تعالى: {أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ}تفسير : [فصلت: 17]. والسبيل الطريق السوي، وفيه بيان انقسام الإنسان إلى قسمين: شاكر معترف بنعمة الله تعالى عليه، مقابل لها بالشكر أو كافر جاحد. وقوله: {إِمَّا شَاكِراً}، يشير إلى إنعام الله تعالى على العبد، وقد ذكر تعالى نعمتين عظيمتين: الأولى: إيجاد الإنسان من العدم بعد أن لم يكن شيئاً مذكوراً، وهذه نعمة عظمى لا كسب للعبد فيها. والثانية: الهداية بالبيان والإرشاد إلى سبيل الحق والسعادة، وهذه نعمة إرسال الرسل وإنزال الكتب ولا كسب للعبد فيها أيضاً: وقد قال العلماء: هناك ثلاث نعم لا كسب للعبد فيها. الأولى: وجوده بعد العدم. الثانية: نعمة الإيمان. الثالثة: دخول الجنة. وقالوا: الإيجاد من العدم، تفضل من الله تعالى كما قال: {أية : لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ}تفسير : [الشورى: 49-50]، ومن جعله الله عقيماً فلن ينجب قط. والثانية: الإنعام بالإيمان، كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ}تفسير : [القصص: 56]. وقد جاء في الحديث: "حديث : كل مَولود يُولد على الفِطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه"تفسير : . الحديث. وكون المولود يولد بين أبوين مسلمين، لا كسب له في ذلك. والثالث، الإنعام بدخول الدجنة كما في الحديث: "حديث : لن يدخل أحدكم الجنة بعلمه. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ". تفسير : وقد ذكر تعالى نعمتين صراحة، وهما خلق الإنسان بعد العدم، وهدايته السبيل. والثالث: تأتي ضمناً في ذكر النتيجة {أية : إِنَّ ٱلأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً}تفسير : [الإنسان: 5] لأن الأبرار هم الشاكرون بدليل التقسيم {أية : شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلاْ وَأَغْلاَلاً وَسَعِيراً إِنَّ ٱلأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً}تفسير : [الإنسان: 3-5]. وقوله تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ} تقدم أنها هداية بيان. وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، بيان الهداية العامة والخاصة. والجمع بينهما في أكثر من موضع، وفي مستهل هذه السورة بيان لمبدأ الإنسان وموقفه من بعثة الرسل وهدايتهم ونتائج أعمالهم من شكر أو كفر. وقد جاءت السنة بقراءة هذه السورة في الركعة الثانية من فجر يوم الجمعة، مع قراءة سورة السجدة في الركعة الأولى. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن قراءتهما معاً في ذلك اليوم لمناسبة خلق آدم في يوم الجمعة ليتذكر الإنسان في هذا اليوم، وهو يوم الجمعة مبدأ خلق أبيه آدم ومبدأ خلق عموم الإنسان ويتذكر مصيره ومنتهاه ليرى ما هو عليه من دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهل هو شاكر أو كفور اهـ. ملخصاً. ومضمون ذلك كله أنه رحمه الله يرى أن الحكمة في قراءة السورتين في فجر الجمعة، أن يوم الجمعة هو يوم آدم عليه السلام فيه خلق، وفيه نفخ فيه الروح، وفيه أسكن الجنة، وفيه أهبط إلى الأرض، وفيه ثبيت عليه، وفيه تقوم الساعة. كما قيل: يوم الجمعة يوم آدم ويوم الاثنين يوم محمد صلى الله عليه وسلم، أي فيه ولد وفيه أنزل عليه، وفيه وصل المدينة في الهجرة، وفيه توفي. ولما كان يوم الجمعة يوم إيجاد الإنسان الأول ويوم أحداثه كلها إيجاداً من العدم وإنعاماً عليه بسكنى الجنة وتواجده على الأرض، وتلقى التوبة عليه من الله أي يوم الإنعام عليه حساً ومعنى، فناسب أن يذكر الإمام بقراءته سورة السجدة في فجر يوم الجمعة لما فيها من قصة خلق آدم في قوله:{أية : ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ}تفسير : [السجدة: 7-9]. وفيها قوله تعالى: {أية : وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ}تفسير : [السجدة: 13] مما يبث الخوف في قلوب العباد، إذ لا يعلم من أي الفريقين هو، فيجعله أشد حرصاً على فعل الخير، وأشد خوفاً من الشر. ثم حذر من نسيان يوم القيامة {أية : فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَآ}تفسير : [السجدة: 14]. وهكذا في الركعة الأولى، يرجع المسلم إلى أصل وجوده ويستحضر قصة الإنسان الأول. وكذلك يأتي في الركعة الثاني بقصته هو منذ بدأ خلقه {مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ} ويذكره بالهدى الذي أنزل عليه ويرغبه في شكرانه عليه ويحذره من جحودها وكفرانها. وقد بين له منتهاه على كلا الأمرين {أية : إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلاْ وَأَغْلاَلاً وَسَعِيراً إِنَّ ٱلأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً}تفسير : [الإنسان: 4-5]. فإذا قرع سمعه ذلك في يوم خلقه ويوم مبعثه حيث فيه تقوم الساعة فكأنه ينظر ويشاهد أول وجوده وآخر مآله فلا يكذب بالبعث. وقد علم مبدأ خلقه ولا يقصر في واجب، وقد علم منتهاه، وهذا في غاية الحكمة كما ترى. ومما يشهد لما ذهب إليه رحمه الله، اعتبار المناسبات كما في كثير من الأمور، كما في قوله تعالى: {أية : شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}تفسير : [البقرة: 185] فجميع الشهور من حيث الزمن سواء، ولكن بمناسبة بدء نزول القرآن في هذا الشهر جعله الله محلاً للصوم، وأكرم فيه الأمة كلها بل العالم كله، فتتزين فيه الجنة وصفد فيه مردة الشياطين، وتتضاعف فيه الأعمال. وكذلك الليلة منه التي كان فيها البدء اختصها تعالى عن بقية ليالي الشهر، وهي ليلة القدر جعلها الله تعالى خيراً من ألف شهر، وما ذاك إلا لأنها كما قال تعالى: {أية : إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ}تفسير : [القدر: 1] السورة بتمامها. مسألة لقد أكثر الناس القول في اعتبار المناسبات في الإسلام وعدم اعتبارها، ووقع فيها الإفراط والتفريط، وكما قيل: شعر : كلا طرفي قصد الأمور ذميم تفسير : ومنطلقاً من كلام شيخ الإسلام رحمه الله تقدم هذه النبذة في هذه المسألة، وهي أنه بالتأمل في الشرع وأحداث الإسلام عامة وخاصة. أي في عموم الأمم وخصوص هذه الأمة، نجد المناسبات قسمين مناسبة معتبرة عني بها الشرع لما فيها من عظة وذكرى تتجدد مع تجدد الأيام والأجيال، وتعود على الفرد والجماعة بالتزود منها، ومناسبة لم تعتبر، إما لاقتصارها في ذاتها وعدم استطاعة الأفراد مسايرتها. فمن الأول يوم الجمعة، وتقدم طرف من خصائص هذا اليوم في سورة الجمعة، وكلام شيخ الإسلام رحمه الله، وقد عني بها الإسلام في الحث على القراءة المنوه عنها في صلاة الفجر، وفي الحث على أدائها والحفاوة بها من اغتسال وطيب وتبكير إليها، كما تقدم في سورة الجمعة. ولكن من غير غلو ولا إفراط، فقد جاء النهي عن صوم يومها وحده، دون أن يسبق. بصوم قبله، أو يلحق بصوم بعده كما نهى عن إفراد ليلتها بقيام، والنصوص في ذلك متضافرة ثابتة، فكانت مناسبة معتبرة مع اعتدال وتوجه إلى الله أي بدون إفراط أو تفريط. ومنها يوم الاثنين كما أسلفنا، فقد جاء حديث : عنه صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن صيامه يوم الاثنين فقال: "هذا يوم ولدت فيه وعلي فيه أنزل"تفسير : ، وكان يوم وصوله المدينة في الهجرة وكان يوم وفاته صلى الله عليه وسلم، فقد احتفى به صلى الله عليه وسلم للمسببات المذكورة، وكلها أحداث عظام ومناسبات جليلة. فيوم مولده صلى الله عليه وسلم وقعت مظاهر كونية ابتداء من واقعة أبرهة، وإهلاك جيشه إرهاصاً بولده صلى الله عليه وسلم، ثم ظهور نجم بني الختان، وحدثت أمه وهي حامل به فيما قيل: إنها أتيت حين حملت به صلى الله عليه وسلم فقيل لها: "إنك قد حملت بسيد هذه الأمة، فإذا وقع إلى الأرض فقولي: شعر : أعيذه بالواحد من شر كل حاسد تفسير : ثم سميه محمداً"، وذكر ابن هشام أنها رأت حين حملت به أنه خرج منها نور رأت به قصور بصرى من أرض الشام. وذكر ابن هشام. أن حسان بن ثابت وهو غلام سمع يهودياً يصرخ بأعلى صوته على أطمة بيثرب: يا معشر يهود: حتى إذا اجتمعوا إليه، قالوا: ويلك مالك، قال: طلع الليلة نجم أحمد الذي ولد به. وساق ابن كثير في تاريخه، والبيهقي في خصائصه وابن هشام في سيرته أخباراً عديدة مما شهده العالم ليلة مولده صلى الله عليه وسلم، نوجز منها الآتي: عن عثمان بن أبي العاص أن أمه حضرت مولده صلى الله عليه وسلم قالت: فما شيء أنظر إليه في البيت إلا نور، وإني أنظر إلى النجوم تدنو حتى إني لأقول: ليقعن علي. وعن أبي الحكم التنوخي: قال: كان المولود إذا ولد في قريش دفعوه إلى نسوة إلى الصبح يكفأن عليه برمة، فأكفأن عليه صلى الله عليه وسلم برمة، فانفلقت عنه، ووجد مفتوح العينين شاخصاً ببصره إلى السماء. وقد كان لمولده من الأحداث الكونية ما لفت أنظار العالم كله. ذكر ابن كثير منها انكفاء الأصنام على وجوهها، وارتجاس إيوان كسرى، وسقوط بعض شرفه، وخمود نار فارس، ولم تخمد قبلها، وغاضت بحيرة ساوة، فكان في ذلك إرهاص بتكسير الأصنام وانتشار الإسلام، ودخول الفرس في الإسلام، ثم كان بدء الوحي عليه صلى الله عليه وسلم في يوم الاثنين. الحفاوة بهذا اليوم لا شك أن العالم لم يشهد حدثين أعظم من هذين الحدثين. مولد سيد الخلق وبدء إنزال أفضل الكتب، فكان صلى الله عليه وسلم يحتفى به وذلك بصيامه، وهو العمل المشروع الذي يعبر به المسلم عن شعوره فيه، والعبادة الخالصة التي يشكر الله تعالى بها على هاتين النعمتين العظيمتين. أما ما يفعله بعض الناس من احتفالات ومظاهر، فقد حدث ذلك بعد أن لم يكن لا في القرن الأول ولا الثاني، ولا الثالث، وهي القرون المشهود لها بالخير، وأول إحداثه في القرن الرابع. وقد افترق الناس فيه إلى فريقين، فريق ينكره، وينكر على من يفعله لعدم فعل السلف إياه، ولا مجيء أثر في ذلك، وفريق يراه جائزاً لعدم النهي عنه، وقد يشدد كل فريق على الآخر في هذه المسألة. ولشيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم كلام وسط في غاية الإنصاف، نورد موجزه لجزالته، والله الهادي إلى سواء السبيل. قال رحمه الله في فصل قد عقده للأعياد المحدثة: فذكر أول جمعة من رجب وعيد خم في الثامن عشر من ذي الحجة، حيث خطب صلى الله عليه وسلم، وحث على اتباع السنة وبأهل بيته، ثم أتى إلى عمل المولد فقال: وكذلك ما يحدثه بعض الناس إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى عليه السلام، وإما محبة للنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيماً له والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد لا على البدع من اتخاذ مولد النَّبي صلى الله عليه وسلم عيداً، مع اختلاف الناس في مولده، أي في ربيع أو في رمضان، فإن هذا لم يفعله السلف رضي الله عنهم مع قيام المقتضى له وعدم المانع منه. ولو كان هذا خيراً محضاً أو راجحاً لكان السلف رضي الله عنهم أحق به منا، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيماً له منا، وهم على الخير أحرص. وإنما كمال محبته وتعظيمه. في متابعته وطاعته واتباع أمره، وإحياء سنته باطناً وظاهراً، ونشر ما بعث به، والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان، فإن هذه طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وأكثر هؤلاء الذين تراهم حرصاء على أمثال هذه البدع، مع ما لهم فيها من حسن القصد والاجتهاد الذي يرجى لهم به المثوبة تجدونهم فاترين في أمر الرسول عما أمروا بالنشاط فيه. وإنما هم بمنزلة من يحلي المصحف ولا يقرأ فيه، ولا يتبعه. وبمنزلة من يزخرف المسجد ولا يصلي فيه، أو يصلي فيه قليلاً، وبمنزلة من يتخذ المسابيح والسجاجيد المزخرفة وأمثال هذه الزخارف الظاهرة التي لم تشرع ويصحبها من الرياء والكبر، والاشتغال عن المشروع ما يفسد حال صاحبها. واعلم أن من الأعمال ما يكون فيه خير لاشتماله على أنواع من المشروع. وفيه أيضاً من بدعة وغيرها، ثم رسم طريق العمل السليم للفرد في نفسه والداعية مع غيره، فقال: فعليك هنا بأدبين أحدهما أن يكون حرصك على التمسك بالسنة باطناً وظاهراً. الثاني: أن تدعو الناس إلى السنة بحسب الإمكان فإذا رأيت من يعمل هذا ولا يتركه إلا إلى شر منه، فلا تدعو إلى ترك منكر، يفعل ما هو أنكر منه، أو بترك واجب أو مندوب تركه أضمر من فعل ذلك المكروه. ولكن إذا كان في البدعة نوع من الخير فعوض عنه من الخير المشروع، بحسب الإمكان، إذ النفوس لا تترك شيئاً إلا بشيء. ولا ينبغي لأحد أن يترك خيراً إلا إلى مثله أو إلى خير منه، فإنه كما أن الفاعلين لهذه البدع معيبون، قد أتوا مكروهاً فالتاركون أيضاً للسنن مذمومون. وكثير من المنكرين لبدع العبادات تجدهم مقصرين في فعل السنن من ذلك أو الأمر به.. ولعل حال كثير منهم يكون أسوأ من حال من يأتي بتلك العادات المشتملة على نوع من الكراهة، بل الدين هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتعظيم المولد واتخاذه موسماً قد يفعله بعض الناس، ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده وتعظيمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قدمته لك أنه يحسن من بعض الناس ما يستقبح من المؤمن المسدد. ولهذا قيل لأحمد: إن بعض الأمراء ينفق على مصحف ألف دينار ونحو ذلك، فقال: دعه، فهذا أفضل ما أنفق فيه الذهب، أو كما قال، مع أن مذهبه: أن زخرفة المصاحف مكروهة، فمثل هؤلاء إن لم يفعلوا هذا، وإلا اعتاضوا عنه الفساد الذي لا صلاح فيه مثل أن ينفقها في كتب فجور، ككتب الأسماء والأصفار أو حكمة فارس والروم. ومراتب الأعمال ثلاث: إحداها العمل الصالح المشروع الذي لا كراهة فيه. والثانية: العمل الصالح من بعض وجوهه أو أكثرها، إما لحسن القصد، أو لاشتماله مع ذلك على أنواع من المشروع. والثالثة: ما ليس فيه صلاح أصلاً. فأما الأولى: فهي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي أعمال السابقين الأولين. وأما الثانية فهي كثيرة جداً في طرق المتأخرين من المنتسبين. إلى علم أو عبادة، ومن العامة أيضاً، وهؤلاء خير مما لا يعمل عملاً صالحاً مشروعاً ولا غير مشروع، ومع هذا فالمؤمن يعرف المعروف وينكر المنكر ولا يمنعه من ذلك موافقة بعض المنافقين له في ظاهر الأمر بذلك المعروف والنهي عن ذلك المنكر، ولا مخالفة بعض علماء المؤمنين، فهذه الأمور وأمثالها مما ينبغي معرفتها والعمل بها اهـ. لقد عالج رحمه الله هذه المسألة بحكمة الداعي وسياسة الدعوة مما لا يدع مجالاً للكلام فيها. ولكن قد حدث بعده رحمه الله أمور لم تكن من قبل ابتلى بها العالم الغربي، وغزا بها العالم الشرقي، ولبس بها على المسلمين، وهي تلك المبادئ الهدامة والغزو الفكري، وإبراز شخصيات ذات مبادئ اقتصادية أو فلسفي، ارتفع شأنها في قومهم ونفثت سمومهم إلى بني جلدتنا، وصاروا يقيمون لهم الذكريات ويقدمون عنهم الدراسات جهلاً أو تضليلاً فقام من المسلمين من يقول: نعلم أن المولد ليس سنة نبوية ولا طريقاً سلفياً ولا عمل القرون للشهود لها بالخير، وإنما نريد مقابلة الفكرة بالفكرة والذكريات بالذكرى، لنجمع شباب المسلمين على سيرة سيد المرسلين، ويكون ذلك من باب: يحدث للناس من الأحكام بقدر ما أحدثت من البدع إلى آخره. وهنا لا ينبغي الإسراع في الجواب، ولكن انطلاقاً من كلام شيخ الإسلام المتقدم، يمكن أن يقال: إن كان المراد إحياء الذكرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن الله تعالى قد تولى ذلك بأوسع نطاق حيث قرن ذكره صلى الله عليه وسلم مع ذكره تعالى في الشهادتين، مع كل أذان على كل منارة من كل مسجد، وفي كل إقامة لأداء صلاة، وفي كل تشهد في فرض أو نفل مما يزيد على الثلاثين مرة جهراً وسراً. جهراً يملأ الأفق، وسراً يملأ القلب والحس. ثم تأتي الذكرى العملية في كل صغيرة وكبيرة في المأكل باليمين، لأنه السنة، وفي الملبس في التيامن لأنه السنة، وفي المضجع على الشق الأيمن لأنه السنة، وفي إفشاء السلام وفي كل حركات العبد وسكناته إذا راعى فيها أنها السنة عن النَّبي صلى الله عليه وسلم. وإن كان المراد التعبير عن المحبة، والمحبة هي عنوان الإيمان الحقيقي، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : والله لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده وماله والناس أجمعين ". تفسير : فإن حقيقة المحبة طاعة من تحب، وفعل ما يحبه وترك ما لا يرضاه أو لا يحبه، ومن هذا يمكن أن يقال: إن ما يلابس عمل المولد من لهو ولعب واختلاط غير مشروع، وأعمال في أشكال لا أصل لها يجب تركه وتنزيه التعبير عن محبته صلى الله عليه وسلم عما لا يرضاه صلى الله عليه وسلم. وقد كان صلى الله عليه وسلم هذا اليوم بالصوم، وإن كان المراد مقابلة فكرة بفكرة. فالواقع أنه لا مناسبة بين السببين ولا موجب للربط بين الجانبين لبعد ما بينهما، كبعد الحق عن الباطل والظلمة عن النور. ومع ذلك، فإن كان ولا بد فلا موجب للتقييد بزمن معين بل العام كله لإقامة الدراسات في السيرة وتعريف المسلمين الناشئة منهم والعوام وغيرهم بما تريده من دراسة للسيرة النبوية. وختاماً فبدلاً من الموقف السلبي عند التشديد في النكير أن يكون عملاً إيجابياً في حكمة وتوجيه لما هو أولى بحسب المستطاع، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله، وبالله تعالى التوفيق: ومن المناسبات ليلة القدر لبدء نزول القرآن فيها لقوله تعالى: {أية : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ}تفسير : [القدر: 1] ثم بين تعالى مقدارها بقوله: {أية : لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ}تفسير : [القدر: 3] وبين خواصها بقوله: {أية : تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ سَلاَمٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ}تفسير : [القدر: 4-5]. الحفاوة بها لقد بين صلى الله عليه وسلم بقوله: "حديث : التمسوها في العشر الأواخر، وفي الوتر من العشر الأواخر"تفسير : ، وكان صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر كلها التماساً لتلك الليلة، فكان يحييها قائماً في معتكفه، كما جاء في الحديث "حديث : وإذا جاء العشر شد مئزره وطوى فراشه وأيقظ أهله"تفسير : فلم يكن يمرح ولا يلعب ولا حتى نوم بل اجتهاد في العبادة. وكذلك شهر رمضان بكامله لكونه أنزل فيه القرآن أيضاً، كام تقدمت الإشارة إليه، فكان تكريمه بصوم نهاره وقيام ليلة لا بالملاهي واللعب والحفلات، كما له بعض صار يعد الناس وسائل ترفيه خاصة، فيعكس فيه القصد ويخالف المشروع. ومن المناسبات يوم عاشوراء، لقد كان له تاريخ قديم وكانت العرب تعظمه في الجاهلية وتكسو فيه الكعبة، حديث : ولما قدم صلى الله عليه وسلم المدينة وجد اليهود يصومونه فقال لهم: "لِم تصومونه"؟ فقالوا: يوماً نجى الله فيه موسى من فرعون فصامه شكراً لله فصمناه. فقال صلى الله عليه وسلم: "نحن أحق بموسى منكم" فصامه وأمر الناس بصيامهتفسير : . إنها مناسبة عظمى نجاة نبي الله موسى من عدو الله فرعون، نصرة الحق على الباطل، ونصر جند الله وإهلاك جند الشيطان. وهذا بحق مناسبة يهتم لها كل مسلم. ولذا قال صلى الله عليه وسلم "حديث : نحن أحق بموسى منكم"تفسير : . نحن معشر الأنبياء أبناء علات ديننا واحد". وقد كان صيامه فرضاً حتى نسخ بفرض رمضان، وهكذا مع عظم مناسبته من إعلاء كلمة الله ونصرة رسوله، كان ابتهاج موسى عليه السلام به في صيامه شكراً لله. وكذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الطريق السليم والسنة النبوية الكريمة لا ما يحدثه بعض العوام والجهال من مظاهر وأحداث لا أصل لها، ثم يأتي العمل الأعم والمناسبات المتعددة في مناسك الحج منها الهرولة في الطواف، لقد كانت عن مؤامرة قريش في عزمها على الغدر بالمسلمين في عمرة القضية فأمرهم صلى الله عليه وسلم أن يظهروا النشاط في الطواف، وذلك حينما جاء الشيطان لقريش وقال لهم: هؤلاء المسلمون مع محمد صلى الله عليه وسلم جاءوا إليكم وقد أنهكتهم حمى يثرب، فلو ملتم عليهم لاستأصلتموهم، فأخبر جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان الموقف خطيراً جداً وحرجاً حيث لا مدد للمسلمين ولا سبيل للانسحاب ولا بد لهم من إتمام العمرة. فكان التصرف الحكيم، أن يعكسوا على المشركين نظريتهم ويأتونهم من الباب الذي أتوا منه. فقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "حديث : أروهم اليوم منكم قوة"تفسير : فهرولوا في الطواف وأظهروا قوة ونشاطاً مما أدهش المشركين حتى قالوا: والله ما هؤلاء بإنس إنهم لكالجن"، وفوتوا عليهم الفرصة بذلك وسلم المسلمون. فهو أشبه بموقف موسى من فرعون، فنجى الله رسوله صلى الله عليه وسلم من غدر قريش فكان هذا العمل مخلداً ومشروعاً في كل طواف قدوم حتى اليوم، مع زوال السبب حيث هرول المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بعد فتح مكة بسنتين. قال العلماء: بقي هذا العمل تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم أولاً، وتذكروا ولهذا الموقف وما لقيه المسلمون في بادئ الدعوة. وجاء السعي والهرولة فيه لما فيه من تجديد اليقين بالله، حيث تركت هاجر، وهي من سادة المتوكلين على الله والتي قالت لإبراهيم: اذهب فلن يضيعنا الله. تركت حتى سعت إلى نهاية العدد، كما يقول علماء الفرائض وهو سبعة. إذ كل عدد بعده تكرار لمكرر قبله، كما قالوا في عدد السماوات والأرض وحصى الجمار وأيام الأسبوع، إلخ. وذلك لتصل إلى أقصى الجهد وتنقطع أطماعها من غوث يأتيها من الأرض، فتتجه بقوة اليقين وشدة الضراعة إلى السماء وتتوجه بكليتها، وإحساسها بقلبها وقالبها إلى الله. فيأتيها الغوث الأعظم سقياً لها وللمسلمين من بعدها. فكان ذلك درساً عملياً ظل إحياؤه تجديداً له. وهذكا النحر، وقصة الفداء لما كان فيه درس الأمة لأفرادها وجماعتها في أسرة كاملة. والد ووالدة، وولد كل يسلم قياده لأمر الله، وإلى أقصى حد التضحية حينما قال إبراهيم لإسماعيل ما قصه تعالى علينا {أية : يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّيۤ أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ}تفسير : [الصافات: 102]. إنه حدث خطير وأي رأي للولد في ذبح نفسه، ولكنه التمهيد لأمر الله، فكان موقف الولد لا يقل إكباراً عن موقف الوالد: {أية : يَٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ}تفسير : [الصافات: 102] ولم يكن ذلك عرضاً وقبولاً فحسب، بل جاء وقت التنفيذ إلى نقطة الصفر، كما يقال: والكل ماض في سبيل التنفيذ، {أية : فَلَمَّآ أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ}تفسير : [الصافات: 103] يا له من موقف يعجز كل بيان عن تصويره ويئط كل قلم عن تفسيره، ويثقل كل لسان عن تعبيره، شيخ في كبر سنه يعمل سكيناً بيده ويتل ولده وضناه بالأخرى، كيف قويت يده على حمل السكين، وقويت عيناه على رؤيتها في يده، وكيف طاوعته يده الأخرى على تل ولده على جبينه؟ إنها قوة الإيمان وسنة الالتزام، وها هو الولد مع أبيه طوع يده، يتصبر لأمر الله ويستسلم لقضاء الله {سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ} والموقف الآن والد بيده السكين، وولد ملقى على الجبين، ولم يبق إلا توقف الأنفاس للحظة التنفيذ، ولكن رحمة الله أوسع وفرجه من عنده أقرب، {أية : وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ}تفسير : [الصافات: 104-105]. فكانت مناسبة عظيمة وفائدتها كبيرة خلدها الإسلام في الهدى والضحية. وفي رمي الجمار، إلى آخره، وهكذا كلها في مناسك وعبادة وقربة إلى الله تعالى في تجرد وانقطاع، ودوام ذكر لله تعالى. وهناك أحداث جسام ومناسبات عظام، لا تقل أهمية عن سابقاتها، ولكن لم يجعل لها الإسلام أي ذكرى، كما في صلح الحديبية. لقد كان هذا الصلح من أعظم المناسبات في الإسلام، إذ كان فيه انتزاع اعتراف قريش بالكيان الإسلامي ماثلاً في الصلح والعهد الذي وثق بين الطرفين وقد سماه الله فتحاً، كما قال تعالى: {أية : فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً}تفسير : الفتح: 27]. ونزلت سورة الفتح في عودته صلى الله عليه وسلم من صلح الحديبية. وكذلك يوم بدر كان يوم الفرقان، فرق الله فيه بين الحق والباطل ونصر فيه المسلمين مع قلتهم على المشركين مع كثرتهم. وكذلك يوم فتح مكة وتحطيم الأصنام والقضاء نهائياً على دولة الشرك في البلاد العربية، ومن قبل ذلك ليلة خروجه صلى الله عليه وسلم من مكة ونزوله في الغار، إذ كان فيها نجاته صلى الله عليه وسلم من فتك المشركين، كما قال الصديق وهما في الطريق إلى الغار حينما كان يسير أحياناً أمام الرسول صلى الله عليه وسلم وأحياناً خلفه فسأله صلى الله عليه وسلم فقال: أتذكر الرصد فأكون أمامك، وأتذكر الطلب فأكون خلفك، فقال صلى الله عليه وسلم:"حديث : أتريد لو كان شيء يكون فيك يا أبا بكر " تفسير : فقلت نعم فداك أبي وأمي يا رسول الله، "حديث : فإني إن أهلك أهلك وحدي، وإن تصب أنت يا رسول الله تصب الدعوى معك ". تفسير : وكذلك وصوله صلى الله عليه وسلم المدينة بداية حياة جديدة وبناء كيان أمة جديدة، وكل ذلك لم يجعل الإسلام لذلك كله عملاً خاصاً به والناس في إبانها تأخذهم عاطفة الذكرى، ويجرهم حنين الماضي وتتراءى لهم صفحات التاريخ، فهل يقفون صماً بكما أم ينطقون بكلمة تعبير؟ وشكر لله إنه إن يكن من شيء فلا يصح بحال من الأحوال، أن يكون من اللهو واللعب والمنكر وما لا يرضى الله ولا رسوله. إنه إن يكن من شيء، فلا يصح إلا من المنهج الذي رسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، في مثل تلك المناسبات من عبادة في صيام أوصدقة أو نسك ولا يمكن أن يقال فيها بما يقال في المصالح المرسلة حيث كانت. وكان عهد التشريع ولم يشرع في خصوصها شيء، وهل الأمر فيها كالأمر في المولد على ما قدمه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وتكون ضمن عموم قوله تعالى {أية : وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [الذاريات: 55]، وضمن قوله تعالى: {أية : فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ}تفسير : [الحشر: 2] رأي بقصص الماضين. ونحن أيضاً نقص على أجيالنا بعد هذه القرون، أهم أحداث الإسلام لاستخلاص العظة والعبرة أم لا؟ وهذا ما يتيسر إيراده بإيجاز في هذه المسألة، وبالله تعالى التوفيق. تنبيه مما يعتبر ذا صلة بهذا المبحث في الجملة ما نقله ابن كثير في التفسير عند كلامه على قوله تعالى: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلأِسْلاَمَ دِيناً}تفسير : [المائدة: 3]. قال عندها: وقال الإمام أحمد حدثنا جعفر بن عوف حدثنا أبو العميس عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين إنكم تقرؤون آية في كتابكم لو علينا يا معشر اليهود نزلت لاتخاذنا ذلك اليوم عيداً. قال: وأي آية قال قوله {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُم} فقال عمر: والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم والساعة التي نزلت فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة في يوم جمعة. ورواه البخاري عن الحسن بن الصباح عن جعفر بن عون به، ورواه أيضاً مسلم والترمذي والنسائي أيضاً من طرق عن قيس بن مسلم به. ولفظ البخاري عند تفسير هذه الآية من طريق سفيان الثوري عن قيس عن طارق قال: قالت اليهود لعمر: إنكم تقرؤون آية لو نزلت فينا لاتخذناها عيداً فقال عمر: إني لأعلم حين أنزلت، وأين أنزلت، وأين رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزلت: يوم عرفة وأنا والله بعرفة. وساق عن ابن جرير قال كعب: لو أن غير هذه الأمة نزلت عليه هذه الآية لنظروا اليوم الذي أنزلت فيه عليهم فاتخذوه عيداً يجتمعون فيه. فقال عمر: أي آية يا كعب؟ فقال {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُم} أجابه عمر بما أجاب به سابقاً، وقال في يوم جمعة ويوم عرفة وكلاهما بحمد الله لنا عيد. ونقل عن ابن جرير عن ابن عباس قرأ الآية فقال يهودي: لو نزلت هذه الآية علينا لاتخذنا يومها عيداً فقال ابن عباس: فإنها نزلت في يوم عيدين اثنين يوم عيد ويوم جمعة. ومحل الإيراد أن عمر سمع اليهود يشيد بيوم نزولها، فقد أقر اليهودي على ذلك ولم ينكر عليه، ولكن أخبره بالواقع وهو أن يوم نزولها عيد بنفسه بدون أن نتخذه نحن. وكذلك ابن عباس أقر اليهودي على إخباره وتطلعه واقتراحه، فلم ينكر عليه كما لم ينكر عمر مما يشعر أنه لو لم يكن نزولها يوم عيد، لكان من المحتمل أن تتخذ عيداً. ولكنه صادف عيداً أو عيدين، فهو تكريم لليوم بمناسبة ما نزل فيه من إكمال الدين وإتمام النعمة. قوله تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ} الأمشاج. الأخلاط، كما قال تعالى {أية : مِن مَّآءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَآئِبِ}تفسير : [الطارق: 6-7]. قوله تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً}. بين تعالى أنه هدى الإنسان السبيل، وهو بعد الهداية إما شاكراً وإما كفوراً. وهذه الهداية هداية بيان وإرشاد، كما في قوله تعالى: {أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ}تفسير : [فصلت: 17] كما أن الهداية الحقيقية بخلق التوفيق فضلاً من الله على من شاء، كما تقدم عند قوله تعالى: {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ}تفسير : [القصص: 56]. وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيان الجمع بين الآيتين، ومعنى الهداية العامة والخاصة.
د. أسعد حومد
تفسير : {هَدَيْنَاهُ} (3) - وَأَعْطَينَاهُ العَقْلَ والسَّمْعَ والبَصَرَ لِيُدْرِكَ وَيَعْقِلَ، وَبَيَّنَا لَهُ طَرِيقَ الهُدَى وَطَرِيقَ الضَّلاَلِ لِيَخْتَارَ بِطَوْعِهِ بَيْنَ الخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَبَيْنَ الهُدَى وَالمَعْصِيَةِ، فَمَنْ آمَنَ بِرَبِّهِ شَكَرَ، وَمَنْ كَفَرَ بِرَبِّهِ جَحَدَ وَكَفَرَ النِّعْمَةَ. هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ - بَيِّنَّا لَهُ طَرِيقَ الهِدَايَةِ وَالضَّلاَلِ.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ} معناه بَيّنا لَهُ سُبلَ الخَيرِ والشَّرِ. فمنهم شَاكرٌ لِنعمِ الله تعالى ومنهُم كَافرٌ بِهَا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):