Verse. 5595 (AR)

٧٦ - ٱلْإِنْسَان

76 - Al-Insan (AR)

اِنَّاۗ اَعْتَدْنَا لِلْكٰفِرِيْنَ سَلٰسِلَا۟ وَاَغْلٰلًا وَّسَعِيْرًا۝۴
Inna aAAtadna lilkafireena salasila waaghlalan wasaAAeeran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إنا أعتدنا» هيأنا «للكافرين سلاسل» يسحبون بها في النار «وأغلالا» في أعناقهم تشد فيها السلاسل «وسعيرا» نارا مسعرة، أي مهيجة يعذبون بها.

4

Tafseer

الرازي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ سَلَـٰسِلَ وَأَغْلَـٰلاً وَسَعِيراً }. اعلم أنه تعالى لما ذكر الفريقين أتبعهما بالوعيد والوعد، وفيه مسائل: المسألة الأولى: الاعتداد هو إعداد الشيء حتى يكون عتيداً حاضراً متى احتيج إليه، كقوله تعالى: {أية : هَـٰذَا مَا لَدَىَّ عَتِيدٌ } تفسير : [ق: 23] وأما السلاسل فتشد بها أرجلهم، وأما الأغلال فتشد بها أيديهم إلى رقابهم، وأما السعير فهو النار التي تسعر عليهم فتوقد فيكونون حطباً لها، وهذا من أغلظ أنواع الترهيب والتخويف. المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الجحيم بسلاسلها وأغلالها مخلوقة، لأن قوله تعالى: {أَعْتَدْنَا } إخبار عن الماضي، قال القاضي: إنه لما توعد بذلك على التحقيق صار كأنه موجود، قلنا: هذا الذي ذكرتم ترك للظاهر فلا يصار إليه إلا لضرورة. المسألة الثالثة: قرىء (سلاسلاً) بالتنوين، وكذلك {أية : قَوَارِيرَاً * قَوَارِيرَاً } تفسير : [الإنسان: 15، 16] ومنهم من يصل بغير تنوين، ويقف بالألف فلمن نون وصرف وجهان أحدهما: أن الأخفش قال: قد سمعنا من العرب صرف جميع مالا ينصرف، قال: وهذا لغة الشعراء لأنهم اضطروا إليه في الشعر فصرفوه، فجرت ألسنتهم على ذلك الثاني: أن هذه الجموع أشبهت الآحاد، لأنهم قالوا صواحبات يوسف، فلما جمعوه جمع الآحاد المنصرفة جعلوها في حكمها فصرفوها، وأما من ترك الصرف فإنه جعله كقوله: {أية : لَّهُدّمَتْ صَوٰمِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوٰتٌ وَمَسَـٰجِدُ } تفسير : [الحج: 40] وأما إلحاق الألف في الوقف فهو كإلحاقها في قوله: {أية : ٱلظُّنُونَاْ } تفسير : [الأحزاب:10] و {أية : الرسولا} تفسير : [الأحزاب:66] و {أية : السبيلا} تفسير : [الأحزاب:67] فيشبه ذلك بالإطلاق في القوافي. ثم إنه تعالى ذكر ما أعد للشاكرين الموحدين فقال: { إِنَّ ٱلأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَـٰفُوراً } الأبرار جمع بر، كالأرباب جمع رب، والقول في حقيقة البر قد تقدم في تفسير قوله تعالى: {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءامَنَ بِٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 177] ثم ذكر من أنواع نعيمهم صفة مشروبهم، فقال: {يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ } يعني من إناء فيه الشراب، ولهذا قال ابن عباس ومقاتل: يريد الخمر، وفي الآية سؤالان: السؤال الأول: أن مزج الكافور بالمشروب لا يكون لذيذاً، فما السبب في ذكره ههنا؟ الجواب: من وجوه أحدها: أن الكافور اسم عين في الجنة ماؤها في بياض الكافور ورائحته وبرده، ولكن لا يكون فيه طعمه ولا مضرته، فالمعنى أن ذلك الشراب يكون ممزوجاً بماء هذه العين وثانيها: أن رائحة الكافور عرض فلا يكون إلا في جسم، فإذا خلق الله تلك الرائحة في جرم ذلك الشراب سمي ذلك الجسم كافوراً، وإن كان طعمه طيباً وثالثها: أي بأس في أن يخلق الله تعالى الكافور في الجنة لكن من طعم طيب لذيذ، ويسلب عنه ما فيه من المضرة؟ ثم إنه تعالى يمزجه بذلك المشروب، كما أنه تعالى سلب عن جميع المأكولات والمشروبات ما معها في الدنيا من المضار. السؤال الثاني: ما فائدة كان في قوله: {كَانَ مِزَاجُهَا كَـٰفُوراً }؟ الجواب: منهم من قال: إنها زائدة، والتقدير من كأس مزاجها كافوراً، وقيل: بل المعنى كان مزاجها في علم الله، وحكمه كافورا.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلَ وَأَغْلاَلاً وَسَعِيراً} بين حال الفريقين، وأنه تعَبَّد العقلاء وكَلَّفهم ومَكَّنهم مما أمرهم، فمن كَفَر فله العقاب، ومن وَحَّد وشكَر فله الثواب. والسلاسِل: القيود في جهنم طول كل سلسلة سبعون ذراعاً كما مضى في «الحاقة». وقرأ نافع والكسائيّ وأبو بكر عن عاصم وهشام عن ٱبن عامر «سَلاَسِلاً» منوّناً. الباقون بغير تنوين. ووقف قُنْبُل وٱبن كثير وحمزة بغير ألف. الباقون بالألف. فأما «قوارِير» الأوّل فنوّنه نافع وٱبن كثير والكسائيّ وأبو بكر عن عاصم، ولم ينوّن الباقون. ووقف فيه يعقوب وحمزة بغير ألف. والباقون بالألف. وأما «قَوَارِير» الثانية فنوّنه أيضاً نافع والكسائيّ وأبو بكر، ولم ينوّن الباقون. فمن نوّن قرأها بالألف، ومن لم ينوّن أسقط منها الألف، وٱختار أبو عُبيد التنوين في الثلاثة، والوقف بالألف ٱتباعاً لخط المصحف؛ قال: رأيت في مصحف عثمان «سَلاَسِلاً» بالألف و «قَوَارِيراً» الأوّل بالألف، وكان الثاني مكتوباً بالألف فَحُكَّت فرأيت أثرها هناك بَيِّناً. فمن صرف فله أربع حجج: أحدها ـ أن الجموع أشبهت الآحاد فجمعت جمع الآحاد، فجعلت في حكم الآحاد فصرفت. الثانية ـ أن الأخفش حكى عن العرب صرف جميع ما لا ينصرف إلا أَفْعَل منك، وكذا قال الكسائيّ والفراء: هو على لغة من يُجرِ الأسماء كلها إلا قولهم هو أظرف منك فإنهم لا يُجْرونه؛ وأنشد ٱبن الأنباري في ذلك قول عمرو بن كُلْثوم: شعر : كَأَنَّ سُيوفَنَا فِينا وفِيهِمْ مَخَارِيقٌ بِأَيْدِي لاَعِبِينَا تفسير : وقال لَبِيد: شعر : وجَزُورِ أَيْسَارٍ دَعوتُ لِحَتفِها بِمَغَالِقٍ مُتَشَابِهٍ أَجْسَامُهَا تفسير : وقال لَبِيد أيضاً: شعر : فَضَلاً وذو كَرمٍ يُعِينُ على النَّدَى سَمْحٌ كَسُوبُ رَغَائِبٍ غَنَّامُهَا تفسير : فصرف مَخَاريق ومَغَالق ورَغَائب، وسبيلها ألا تُصرَف. والحجة الثالثة ـ أن يقول نوّنت قوارِير الأوّل لأنه رأس آية، ورؤوس الآي جاءت بالنون، كقوله جلّ وعزّ: {مَّذْكُوراً} {سَمِيعاً بَصِيراً} فنوّنا الأوّل ليوقف بين رؤوس الآي، ونوّنا الثاني على الجوار للأوّل. والحجة الرابعة ـ ٱتباع المصاحف، وذلك أنهما جميعاً في مصاحف مكة والمدينة والكوفة بالألف. وقد ٱحتج من لم يصرفهنّ بأن قال: إن كل جمع بعد الألف منه ثلاثة أحرف أو حرفان أو حرف مشدّد لم يُصَرف في معرفة ولا نكرة؛ فالذي بعد الألف منه ثلاثة أحرف قولك: قناديل ودنانير ومناديل، والذي بعد الألف منه حرفان قول الله عز وجل: { أية : لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ } تفسير : [الحج: 40] لأن بعد الألف منه حرفين، وكذلك قوله: { أية : وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسمُ ٱللَّهِ كَثِيراً } تفسير : [الحج: 40] والذي بعد الألف منه حرف مُشَدّد شَوَابّ ودَوَابّ. وقال خلف: سمعت يحيـى بن آدم يحدّث عن ٱبن إدريس قال: في المصاحف الأوَل الحرف الأوّل بالألف والثاني بغير ألف؛ فهذا حجة لمذهب حمزة. وقال خلف: رأيت في مصحف ينسب إلى قراءة ٱبن مسعود الأول بالألف والثاني بغير ألف. وأما أَفْعَل مِنْك فلا يقول أحد من العرب في شعره ولا في غيره هو أفعل منك منوّناً؛ لأن مِن تقوم مقام الإضافة فلا يجمع بين تنوين وإضافة في حرف؛ لأنهما دليلان من دلائل الأسماء ولا يجمع بين دليلين؛ قاله الفراء وغيره. قوله تعالى: {وَأَغْلاَلاً} جمع غُلّ تُغلّ بها أيديهم إلى أعناقهم. وعن جُبَير ابن نُفَير عن أبي الدراء كان يقول: ٱرفعوا هذه الأيدي إلى الله جلّ ثناؤه قبل أن تُغلّ بالأغلال. قال الحسن: إن الأغلال لم تجعل في أعناق أهل النار؛ لأنهم أعجزوا الربّ سبحانه ولكن إذلالاً. {وَسَعِيراً} تقدّم القول فيه.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عما أرصده للكافرين من خلقه به من السلاسل والأغلال والسعير، وهو اللهب والحريق في نار جهنم؛ كما قال تعالى: {أية : إِذِ ٱلأَغْلَـٰلُ فِىۤ أَعْنَـٰقِهِمْ وٱلسَّلَـٰسِلُ يُسْحَبُونَ فِى ٱلْحَمِيمِ ثُمَّ فِى ٱلنَّارِ يُسْجَرُونَ} تفسير : [غافر: 71 ــــ 72] ولما ذكر ما أعده لهؤلاء الأشقياء من السعير، قال بعده: { إِنَّ ٱلأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَـٰفُوراً} وقد علم ما في الكافور من التبريد والرائحة الطيبة، مع ما يضاف إلى ذلك من اللذاذة في الجنة. قال الحسن: برد الكافور في طيب الزنجبيل، ولهذا قال: { عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً} أي: هذا الذي مزج لهؤلاء الأبرار من الكافور هو عين يشرب بها المقربون من عباد الله صرفاً بلا مزج، ويروون بها، ولهذا ضمن (يشرب) معنى يروى حتى عداه بالباء، ونصب (عيناً) على التمييز، قال بعضهم: هذا الشراب في طيبه كالكافور، وقال بعضهم: هو من عين كافور، وقال بعضهم: يجوز أن يكون منصوباً بيشرب، حكى هذه الأقوال الثلاثة ابن جرير. وقوله تعالى: {يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً} أي: يتصرفون فيها حيث شاؤوا، وأين شاؤوا، من قصورهم ودورهم، ومجالسهم ومحالهم، والتفجير هو الإنباع كما قال تعالى: {أية : وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعًا} تفسير : [الإسراء: 90] وقال: {أية : وَفَجَّرْنَا خِلَـٰلَهُمَا نَهَراً} تفسير : [الكهف: 33]. وقال مجاهد: {يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً} يقودونها حيث شاؤوا. وكذا قال عكرمة وقتادة، وقال الثوري: يصرفونها حيث شاؤوا. وقوله تعالى: { يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ وَيَخَـٰفُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً} أي: يتعبدون لله؛ فيما أوجبه عليهم من فعل الطاعات الواجبة بأصل الشرع، وما أوجبوه على أنفسهم بطريق النذر. قال الإمام مالك عن طلحة بن عبد الملك الأيلي عن القاسم بن مالك عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» تفسير : رواه البخاري من حديث مالك. ويتركون المحرمات التي نهاهم عنها خيفة من سوء الحساب يوم المعاد، وهو اليوم الذي شره مستطير، أي: منتشر عام على الناس، إلا من رحم الله، قال ابن عباس: فاشياً، وقال قتادة: استطار والله شر ذلك اليوم حتى ملأ السموات والأرض، قال ابن جرير: ومنه قولهم: استطار الصدع في الزجاجة واستطال، ومنه قول الأعشى:شعر : فبانَتْ وقَدْ أَسْأَرَتْ في الفُؤا دِ صَدْعاً على نَأْيِها مُسْتَطِيراً تفسير : يعني: ممتداً فاشياً. وقوله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ} قيل: على حب الله تعالى، وجعلوا الضمير عائداً إلى الله عز وجل؛ لدلالة السياق عليه، والأظهر أن الضمير عائد على الطعام، أي: ويطعمون الطعام في حال محبتهم وشهوتهم له، قاله مجاهد ومقاتل، واختاره ابن جرير؛ كقوله تعالى: {أية : وَءَاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ} تفسير : [البقرة: 177] وكقوله تعالى: {أية : لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} تفسير : [آل عمران: 92] وروى البيهقي من طريق الأعمش عن نافع قال: مرض ابن عمر، فاشتهى عنباً أول ما جاء العنب، فأرسلت صفية، يعني: امرأته، فاشترت عنقوداً بدرهم، فاتبع الرسول سائل، فلما دخل به قال السائل: السائل. فقال ابن عمر: أعطوه إياه، فأعطوه إياه، فأرسلت بدرهم آخر، فاشترت عنقوداً، فاتبع الرسول السائل، فلما دخل قال السائل: السائل. فقال ابن عمر: أعطوه إياه، فأعطوه إياه، فأرسلت صفية إلى السائل، فقالت: والله إن عدت، لا تصيب منه خيراً أبداً، ثم أرسلت بدرهم آخر، فاشترت به. وفي الصحيح: «حديث : أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى وتخشى الفقر» تفسير : أي: في حال محبتك للمال، وحرصك عليه، وحاجتك إليه، ولهذا قال تعالى: { وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} أما المسكين واليتيم، فقد تقدم بيانهما وصفتهما، وأما الأسير، فقال سعيد بن جبير والحسن والضحاك: الأسير من أهل القبلة، وقال ابن عباس: كان أسراؤهم يومئذ مشركين، ويشهد لهذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه يوم بدر أن يكرموا الأسارى، فكانوا يقدمونهم على أنفسهم عند الغداء، وقال عكرمة: هم العبيد، واختاره ابن جرير؛ لعموم الآية للمسلم والمشرك، وهكذا قال سعيد بن جبير وعطاء والحسن وقتادة، وقد وصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإحسان إلى الأرقاء في غير ما حديث، وحتى إنه كان آخر ما أوصى أن جعل يقول: «حديث : الصلاة وما ملكت أيمانكم» تفسير : قال مجاهد: هو المحبوس، أي: يطعمون الطعام لهؤلاء، وهم يشتهونه ويحبونه قائلين بلسان الحال: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ} أي: رجاء ثواب الله ورضاه {لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً} أي: لا نطلب منكم مجازاة تكافئوننا بها، ولا أن تشكرونا عند الناس. قال مجاهد وسعيد بن جبير: أما والله ما قالوه بألسنتهم، ولكن علم الله به من قلوبهم، فأثنى عليهم به؛ ليرغب في ذلك راغب { إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً} أي: إنما نفعل هذا لعل الله أن يرحمنا ويتلقانا بلطفه في اليوم العبوس القمطرير. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: عبوساً: ضيقاً، قمطريراً: طويلاً، وقال عكرمة وغيره عنه في قوله: {يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً} قال: يعبس الكافر يومئذ حتى يسيل من بين عينيه عرق مثل القطران. وقال مجاهد: {عَبُوساً} العابس: الشفتين، {قَمْطَرِيراً} قال: تقبيض الوجه بالبسور. وقال سعيد بن جبير وقتادة: تعبس فيه الوجوه من الهول، قمطريراً: تقليص الجبين وما بين العينين من الهول. وقال ابن زيد: العبوس، الشر، والقمطرير: الشديد، وأوضح العبارات، وأجلاها، وأحلاها، وأعلاها وأولاها قول ابن عباس رضي الله عنه، قال ابن جرير: والقمطرير: هو الشديد، يقال: هو يوم قمطرير، ويوم قماطر، ويوم عصيب، وعصبصب، وقد اقمطر اليوم يقمطر اقمطراراً، وذلك أشد الأيام وأطولها في البلاء والشدة، ومنه قول بعضهم:شعر : بَني عَمِّنا هل تَذْكُرونَ بَلاءنا؟ عليكُم إذا ما كانَ يومٌ قماطِرُ تفسير : قال الله تعالى: { فَوَقَـٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ ٱلْيَومِ وَلَقَّـٰهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً} وهذا من باب التجانس البليغ {فَوَقَـٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ ٱلْيَومِ} أي: آمنهم مما خافوا منه، {وَلَقَّـٰهُمْ نَضْرَةً} أي: في وجوههم {وَسُرُوراً} أي: في قلوبهم، قاله الحسن البصري وقتادة وأبو العالية والربيع بن أنس، وهذه كقوله تعالى: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَـٰحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ } تفسير : [عبس: 38 ــــ 39] وذلك أن القلب إذا سر، استنار الوجه، قال كعب بن مالك في حديثه الطويل: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر، استنار وجهه، حتى كأنه فلقة قمر، وقالت عائشة رضي لله عنها: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم مسروراً تبرق أسارير وجهه، الحديث. وقوله تعالى: {وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ} أي: بسبب صبرهم أعطاهم ونولهم، وبوأهم {جَنَّةً وَحَرِيراً}، أي: منزلاً رحباً، وعيشاً رغداً، ولباساً حسناً. وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة هشام بن سليمان الداراني قال: قرىء على أبي سليمان الداراني سورة: {هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَـٰنِ}؟ فلما بلغ القارىء إلى قوله تعالى: { وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةً وَحَرِيراً} قال: بما صبروا على ترك الشهوات في الدنيا، ثم أنشد يقول:شعر : كَمْ قَتيلٍ بشَهْوَةٍ وأَسيرٍ أُفّ من مُشْتَهًي خلافَ الجميلِ شَهواتُ الإنسانِ تورثُهُ الذُّلَّ وتُلقيه في البَلاءِ الطويلِ

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّا أَعْتَدْنَا } هيأنا {لِلْكَٰفِرِينَ سَلَٰسِلاَ } يسحبون بها في النار {وَأَغْلَٰلاً } في أعناقهم تشدّ فيها السلاسل {وَسَعِيراً } نارا مسعرة، أي مهيجة يعذبون بها.

الماوردي

تفسير : {إن الإبرار يَشْربونَ} في الأبرار قولان: أحدهما: أنهم الصادقون، قاله الكلبي. الثاني: المطيعون، قاله مقاتل. وفيما سُمّوا أبراراً ثلاثة أقاويل: أحدها: سمّوا بذلك لأنهم برّوا الآباء والأبناء، قاله ابن عمر. الثاني: لأنهم كفوا الأذى، قاله الحسن. الثالث: لأنهم يؤدون حق الله ويوفون بالنذر، قاله قتادة. وقوله {مِن كأسٍ} يعني الخمر، قال الضحاك: كل كأس في القرآن فإنما عنى به الخمر. وفي وقوله {كان مِزاجها كافوراً} قولان: أحدهما: أن كافوراً عين في الجنة اسمها كافور، قاله الكلبي. الثاني: أنه الكافور من الطيب فعلى هذا في المقصود منه في مزاج الكأس به ثلاثة أقاويل: أحدها: برده، قال الحسن: ببرد الكافور وطعم الزنجبيل. الثاني: بريحه، قاله قتادة: مزج بالكافور وختم بالمسك. الثالث: طعمه، قال السدي: كأن طعمه طعم الكافور. {عَينْاً يَشْرَبُ بها عبادُ اللَّهِ} يعني أولياء اللَّه، لأن الكافر لا يشرب منها شيئاً وإن كان من عباد الله، وفيه وجهان: أحدهما: ينتفع بها عباد الله، قاله الفراء. الثاني: يشربها عباد الله. قال مقاتل: هي التسنيم، وهي أشرف شراب لاجنة، يشرب بها المقربون صِرفاً، وتمزج لسائر أهل الجنة بالخمر واللبن والعسل. {يُفَجِّرونَها تفْجيراً} فيه وجهان: أحدهما: يقودونها إلى حيث شاءوا من الجنة، قاله مجاهد. الثاني: يمزجونها بما شاءوا، قاله مقاتل. ويحتمل وجهاً ثالثاً: أن يستخرجوه من حيث شاءوا من الجنة. وفي قوله " تفجيراً" وجهان: أحدهما: أنه مصدر قصد به التكثير. الثاني: أنهم يفجرونه من تلك العيون عيوناً لتكون أمتع وأوسع. {يُوفُونَ بالنّذْرِ} فيه أربعة أوجه: أحدها: يوفون بما افترض الله عليهم من عبادته، قاله قتادة. الثاني: يوفون بما عقدوه على أنفسهم من حق الله، قاله مجاهد. الثالث: يوفون بالعهد لمن عاهدوه، قاله الكلبي. الرابع: يوفون بالإيمان إذا حلفوا بها، قاله مقاتل. ويحتمل خامساً: أنهم يوفون بما أُنذِروا به من وعيده. {ويَخافون يوْماً كان شَرُّه مُسْتَطيراً} قال الكلبي عذاب يوم كان شره مستطيراً، وفيه وجهان: أحدهما: فاشياً، قاله ابن عباس والأخفش. الثاني: ممتداً، قاله الفراء، ومنه قول الأعشى: شعر : فبانتْ وقد أَوْرَثَتْ في الفؤادِ صَدْعاً على نأيها مُستطيرا تفسير : أي ممتداً. ويحتمل وجهاً ثالثاً يعني سريعاً. {ويُطْعمونَ الطعامَ على حُبِّهِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: على حب الطعام، قاله مقاتل. الثاني: على شهوته، قاله الكلبي. الثالث: على قلته، قاله قطرب. {مسكيناً ويتيماً وأسيراً} في الأسير ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه المسجون المسلم، قاله مجاهد. الثاني: أنه العبد، قاله عكرمة. الثالث: أسير المشركين، قاله الحسن وسعيد بن جبير. قال سعيد بن جبير: ثم نسخ أسير المشركين بالسيف، وقال غيره بل هو ثابت الحكم في الأسير بإطعامه، إلا أن يرى الإمام قتله. ويحتمل وجهاً رابعاً: أن يريد بالأسير الناقص العقل، لأنه في أسر خبله وجنونه، وإن أسر المشركين انتقام يقف على رأي الإمام وهذا بر وإحسان. {إنّما نُطْعِمُكم لوجْهِ اللهِ} قال مجاهد: إنهم لم يقولوا ذلك، لكن علمه الله منهم فأثنى عليهم ليرغب في ذلك راغب. {لا نُريدُ منكم جزاءً ولا شُكوراً} جزاء بالفعال، وشكوراً بالمقال وقيل إن هذه الآية نزلت فيمن تكفل بأسرى بدر، وهم سبعة من المهاجرين أبو بكر وعمر وعلي والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعيد وأبو عبيدة. {إنّا نخافُ من ربِّنا يوماً عَبوساً قمْطريراً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن العبوس الذي يعبس الوجوه من شره، والقمطرير الشديد، قاله ابن زيد. الثاني: أن العبوس الضيق، والقمطرير الطويل، قاله ابن عباس، قال الشاعر: شعر : شديداً عبوساً قمطريراً تخالهُ تزول الضحى فيه قرون المناكب. تفسير : الثالث: أن العُبوس بالشفتين، والقمطرير بالجبهة والحاجبين، فجعلها من صفات الوجه المتغير من شدائد ذلك اليوم، قاله مجاهد، وأنشد ابن الأعرابي: شعر : يَغْدو على الصّيْدِ يَعودُ مُنكَسِرْ ويَقْمَطُّر ساعةً ويكْفَهِرّ. تفسير : {فَوَقاهمُ الله شَرَّ ذلك اليومِ ولَقّاهُمْ نَضْرةً وسُروراً} قال الحسن النضرة من الوجوه، والسرور في القلوب. وفي النضرة ثلاثة أوجه: أحدها: أنها البياض والنقاء، قاله الضحاك. الثاني: أنها الحسن والبهاء، قاله ابن جبير. الثالث: أنها أثر النعمة، قاله ابن زيد. {وجَزاهم بما صَبروا} يحتمل وجهين: أحدهما: بما صبروا على طاعة الله. الثاني: بما صبروا على الوفاء بالنذر. {جَنَّةً وحريراً} فيه وجهان: أحدهما: جنة يسكنونها، وحريراً يلبسونه. الثاني: أن الجنة المأوى، والحرير أبد العيش في الجنة، ومنه لبس الحرير ليلبسون من لذة العيش. واختلف فيمن نزلت هذه الآية على قولين: أحدهما: ما حكاه الضحاك عن جابر أنها نزلت في مطعم بن ورقاء الأنصاري نذر نذراً فوفاه. الثاني: ما حكاه عمرو عن الحسن أنها نزلت في علي وفاطمة... رضي الله عنهما - وذلك أن علياً وفاطمة نذرا صوماً فقضياه، وخبزت فاطمة ثلاثة أقراص من شعير ليفطر علّي على أحدها وتفطر هي على الآخر، ويأكل الحسن والحسين الثالث، فسألها مسكين فتصدقت عليه بأحدها، ثم سألها يتيم فتصدقت عيله بالآخر، ثم سألها أسير فتصدقت عليه بالثالث، وباتوا طاوين.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلاَ}. قرأ نافع والكسائي، وهاشم وأبو بكر، "سَلاسِلاً" والباقون: بغير تنوين. ووقف هؤلاء، وحمزة، وقنبل عليه بالألف بلا خلاف. وابن ذكوان والبزي وحفص: بالألف وبدونها - يعني بلا ألف - والباقون: وقفوا بالألف بلا خلاف. فقد تحصّل من هذا أن القراء على أربع مراتب، منهم من ينون وصلاً ويقف بالألف وقفاً بلا خلاف وهما حمزة وقنبل، ومنهم من لم ينون ويقف بالألف بلا خلاف، وهو أبو عمرو وحده، ومنهم من لم ينون ويقف بالألف تارة وبدونها أخرى، وهم ابن ذكوان وحفص والبزي، فهذا ضبط ذلك. فأما التنوين في "سَلاسِل" فذكروا له أوجهاً: منها: أنه قصد بذلك التناسب؛ لأن ما قبله وما بعده منون منصوب. ومنها: أن الكسائي وغيره من أهل "الكوفة" حكوا عن بعض العرب أنهم يصرفون جميع ما لا ينصرف إلا "أفعل منك". قال الأخفش: سمعنا من العرب من يصرف كل ما لا ينصرف؛ لأن الأصل في الأسماء الصرف، وترك الصرف لعارض فيها، وأن هذا الجمع قد جمع وإن كان قليلاً قالوا: "صواحب وصواحبات"، وفي الحديث: "حديث : إنَّكُنَّ لصَواحِباتُ يُوسُف"تفسير : ؛ وقال: [الرجز] شعر : 5028- قَــدْ جَــرتِ الطَّيْــرُ أيَـامِنينَــا تفسير : فجمع "أيامن" جمع تصحيح المذكر. وأنشدوا: [الكامل] شعر : 5029- وإذَا الرِّجـالُ رَأوا يَزيـدَ رَأيْتهُـمْ خُضـعَ الـرِّقـابِ نَواكِـس الأبْصَــارِ تفسير : بكسر السين من "نواكس" وبعدها ياء تظهر خطًّا لا لفظاً لالتقاء الساكنين، وهذا على رواية كسر السين، والأشهر فيها نصب السين، فلما جمع شابه المفردات فانصرف. ومنها: أنه مرسوم في إمام "الحِجَاز" و "الكوفة" بالألف، رواه أبو عبيد، ورواه قالون عن نافع، وروى بعضهم ذلك عن مصاحف "البصرة" أيضاً. وقال الزمخشري: فيه وجهان: أحدهما: أن تكون هذه النون بدلاً من حرف الإطلاق، ويجري الوصل مجرى الوقف. والثاني: أن يكون صاحب هذه القراءة ممن ضري برواية الشعر ومرن لسانه على صرف ما لا ينصرف. قال شهاب الدين: "وفي هذه العبارة فظاظة وغلظة، لا سيما على مشيخة الإسلام، وأئمة العلماء الأعلام، ووقف هؤلاء بالألف ظاهر". وأما لمن لم ينونه فظاهر، لأنه على صيغة منتهى الجموع. وقولهم: قد جمع نحو "صواحبات، وأيامنين" لا يقدح؛ لأن المحذور جمع التكسير، وهذا جمع تصحيح، وعدم وقوفهم بالألف واضح أيضاً. وأما من لم ينون ووقف بالألف فاتباعاً للرسم الكريم كما تقدم. وأيضاً: فإن الروم في المفتوح لا يجوزه القراء، والقارئ قد يبين الحركة في وقفه فأتوا بالألف ليبين منها الفتحة. وروي عن بعضهم أنه يقول: "رَأيْتُ عُمَراً" بالألف، يعني عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - والسلاسل: جمع سلسلة وهي القيود في جهنم، وقد تقدم الكلام عنها في سورة "الحاقة". فصل اعلم أنه بيّن -هاهنا- حال الفريقين، وأنه تعبد العقلاء، وكلّفهم ومكّنهم مما أمرهم فمن كفر فله العقاب، ومن وحد وشكر فله الثَّواب، والاعتداد هو اعتداد الشَّيء حتى يكون عتيداً حاضراً متى احتيج إليه، كقوله تعالى: {أية : هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ} تفسير : [ق: 23]، والأغلال: جمع غل، تغلّ بها أيديهم إلى أعناقهم. وقد تقدم الكلام في السعير أيضاً. قوله تعالى: {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ} الآية. لما ذكر ما أعد للكافرين ذكر ما أعد للشاكرين، والأبرار أهل الصدق، واحدهم: برّ، وهو من امتثل أمر الله تعالى. وقيل: البر: الموحد، والأبرار: جمع "بار" مثل: "شاهد وأشهاد". وقيل: هو جمع "بر" مثل: "نهر وأنهار". وفي "الصحاح": وجمع البر: الأبرار، وجمع البار: البررة، وفلان يبرُّ خالقه ويتبرره أي يطيعه، والأم برة بولدها. وروى ابن عمر - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إنَّما سمَّاهُم اللهُ - تَعالَى - الأبْرَارَ؛ لأنَّهُمْ بَرُّوا الآبَاءَ والأبناءَ، كما أنَّ لِوالديكَ عَلَيْكَ حقًّا، كذَلكَ لَوَلدكَ عَليْكَ حقًّاً ". تفسير : وقال الحسن: البر الذي لا يؤذي الذَّرَّ. وقال قتادة: الأبرار الذين يؤدّون حق الله، ويوفون بالنذر، وفي الحديث: "حديث : الأبْرَارُ الَّذينَ لا يُؤذُوَن أحَداً ". تفسير : {يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ}. أي: من إناء فيه الشراب. قال ابن عباس: يريد الخمر. والكأس في اللغة: الإناء فيه الشراب، وإذا لم يسمَّ كأساً. قوله تعالى: {كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً} المزاج: ما يمزج به أي: يخلط، يقال: مزجه يمزجه مزجاً أي: خلطه يخلطه خلطاً. قال حسان: [الوافر] شعر : 5030- كَـأنَّ سَبيَئـةً مـن بَيْـتِ رَأسٍ يَكـونُ مَزَاجهَـا عَسـلٌ ومَــاءُ تفسير : فالمزاج كالقِوام اسم لما يقاوم به الشيء، ومنه مزاج البدن: وهو ما يمازجه من الصفراء والسوداء والحرارة والبرودة. و "الكافور": طيب معروف، وكأن اشتقاقه من الكفر، وهو الستر لأنه يغطي الأشياء برائحته، والكافور أيضاً: كمائم الشجر الذي يغطّي ثمرتها. قال بعضهم: الكافُور: "فاعول" من الكفر كالنّاقور من النَّقر، والغامُوس من الغمس، تقول: غامسته في الماء أي: غمسته، والكفر: القرية والجبل العظيم؛ قال: [الطويل] شعر : 5031-............................... تُطَلَّــعُ ريَّــاهُ مــن الكفَــرَاتِ تفسير : والكافور:البحر، والكَافِر: الليل، والكَافِر: الساتر لنعم الله تعالى، والكَافِر: الزارع لتوريته الحب في الأرض؛ قال الشاعر: [السريع] شعر : 5032- وكَافرٍ مَاتَ على كُُفْــرِهِ وجَنَّةُ الفِــرْدَوسِ للكَـافِـــرِ تفسير : والكفَّارة: تغطية الإثم في اليمين الفاجرة والنذور الكاذبة بالمغفرة، والكافور: ماء جوف شجر مكنون، فيغرزونه بالحديد، فيخرج إلى ظاهر الشجر، فيضربه الهواء فيجمد وينعقد كالصمغ الجامد على الأشجار. ويقال: كفر الرجل يكفر إذا وضع يده على صدره. فصل في الآية قال ابن الخطيب: مزج الكافور بالمشروب لا يكون لذيذاً، فما السبب في ذكره؟. والجواب من وجوه: أحدها: قال ابن عباس: اسم عين ماء في الجنة يقال له: عين الكافور أي: يمازجه ماء هذا العين التي تسمى كافوراً في بياض الكافور ورائحته وبرده ولكن لا يكون فيه طعمه ولا مضرته. وثانيها: أن رائحة الكافور عرض، والعرض لا يكون إلا في جسم، فخلق الله تلك الرائحة في جرم ذلك التراب فسمي ذلك الجسم كافوراً وإن كان طعمه طيباً فيكون ريحها لا طعمها. وثالثها: أن الله تبارك وتعالى يخلق الكافور في الجنة مع طعم لذيذ ويسلب عنه ما فيه من المضرّة، ثم إنه - تعالى - يمزجه بذلك الشراب كما أنه تعالى يسلب عن جميع المأكولات والمشروبات ما معها من المضرات في الدنيا. قال سعيد عن قتادة: يمزج لهم بالكافور ويختم بالمسك. وقيل: أراد بالكافور في بياضه وطيب رائحته وبرده، لأن الكافور لا يشرب، كقوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَاراً} تفسير : [الكهف: 96]، أي: كَنَارٍ. وقيل: كان في علم الله تعالى، و "كان" زائدة، أي: من كأس مزاجها. قال القرطبي: ويقال: "كافور وقافور" وهي قراءة عبد الله بالقاف بدل الكاف، وهذا من التعاقب بين الحرفين كقولهم: "عربي فجّ وكجّ". ومفعول "يشربون" إما محذوف، أي: يشربون ماء أو خمراً من كأس، وإما مذكور وهو "عيناً"، وإما "من كأس" و "من" مزيدة فيه، وهذا يتمشّى عند الكوفيين والأخفش. وقال الزمخشري: "فإن قلت: لم وصل فعل الشرب بحرف الابتداء أولاً، وبحرف الإلصاق آخراً؟ قلت: لأن الكأس مبدأ شربهم، وأول غايته، وأما العين فبها يمزجون شرابهم، فكأن المعنى: يشرب عباد الله بها الخمر كما تقول: شربت الماء بالعسل". قوله: {عَيْناً}. في نصبها أوجه: أحدها: بدل من "كافوراً"؛ لأن ماءها في بياض الكافور وفي رائحته وفي برده. الثاني: أنها بدل من محل "من كأس". قاله مكي. ولم يقدر حذف مضاف. وقدر الزمخشري على هذا الوجه حذف مضاف، قال: كأنه قيل: يشربون خمراً، خمر عين. وأما أبو البقاء فجعل المضاف مقدراً على وجه البدل من "كافور". قال: "والثاني: بدل من كافور، أي: من ماء عين، أو خمر عين". وهو معنى حسن. والثالث: أنها مفعول بـ "يشربون" يفسره ما بعده، أي يشربون عيناً من كأس. الرابع: أن ينتصب على الاختصاص. الخامس: بإضمار "يشربون" يفسره ما بعده، قاله أبو البقاء. وفيه نظر؛ لأن الظاهر أنه صفة لـ "عين" فلا يصح أن يفسر. السادس: بإضمار "يعطون". السابع: على الحال من الضمير في "مزاجها". قاله مكي. وقال القرطبي: "نصب بإضمار أعني". قوله: "يشرب بها". في الباء أوجه: أحدها: أنها مزيدة، أي: يشربها، ويدل له قراءة ابن أبي عبلة: يشربها معدى إلى الضمير بنفسه. الثاني: أنها بمعنى "من". الثالث: أنها حالية، أي: يشرب ممزوجة بها. الرابع: أنها متعلقة بـ "يشرب" والضمير يعود على الكأس، أي: يشربون العين بذلك الكأس، والباء للإلصاق كما تقدم في قول الزمخشري. الخامس: أنه على تضمين "يشربون" معنى يلتذّون بها شاربين. السادس: على تضمينه معنى يروى، أي: يروى بها عباد الله، وكهذه الآية الكريمة في بعض الأوجه قول الهذلي: [الطويل] شعر : 5033- شَرِبْـنَ بِمَاءِ البَحْـرِ ثُـمَّ تَرفَّعَــتْ مَتَــى لُجَـجٍ خُضْــرٍ لَهُــنَّ نَئِيــجُ تفسير : فهذه يحتمل الزيادة ويحتمل أن تكون بمعنى "من". وقال الفراء: "يشربها ويشرب بها سواء في المعنى، وكأن يشرب بها: يروى بها, وينفع بها، وأما يشربونها فبيِّن، وأنشد قول الهذلي، قال: ومثله: يتكلم بكلام حسن، ويتكلم كلاماً حسناً". والجملة من قوله "يشرب بها" في محل نصب صفة لـ "عيناً" إن جعلنا الضمير في "بها" عائداً على "عيناً" ولم نجعله مفسراً لناصب كما قاله أبو البقاء، و "يفجرونها" في موضع الحال. فصل في المراد بعباد الله هاهنا قال ابن الخطيب: قوله: {يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ} يفيد أن كل عباد الله يشربون منها، والكفار بالاتفاق لا يشربون على أن لفظ عباد الله مختص بأهل الإيمان، وإذا ثبت هذا فقوله تعالى: {أية : وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ} تفسير : [الزمر: 7] لا يتناول الكفار، بل يختص بالمؤمنين، فيصير تقدير الآية: لا يرضى لعباده المؤمنين الكفر، ولا تدل الآية على أنه - تعالى - لا يريد الكفر للكفار. قوله: {يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً}. أي: يشققونها شقًّا كما يفجر الرجل النَّهر هاهنا وهاهنا إلى حيث شاءوا، ويتبعهم حيث مالوا مالت معهم. روى القرطبي عن الحسن - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أرْبع عُيونٍ في الجَنَّةِ اثْنان يَجْرِيَانِ مِنْ تَحْتِ العَرْشِ؛ إحداهما الَّتِي ذَكَرَ اللهُ تعالى يُفجِّرونها تفجيراً وعينان يجريان من فَوْقِ العرشِ نضَّاختان: إحداهُما الَّتي ذكر اللهُ تعالى سبيلاً، والأُخرى: التَّسْنِيمُ" تفسير : ذكره الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول". وقال: فالتَّسْنيم للمقربين خاصة، شراباً لهم، والكافور للأبرار شراباً لهم، يمزج للأبرار من التسنيم شرابهم، وأما الزَّنجبيل والسَّلسبيل فللأبرار [منها مزاج هكذا ذكره في التنزيل وسكت عن ذكر ذلك لمن هي شرب فما كان للأبرار مزاج] للمقربين صرف، وما كان للأبرار صرف فهو لسائر أهل الجنة مزاج، والأبرار هم الصادقون والمقربون: هم الصديقون. قوله تعالى: {يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ} يجوز أن يكون مستأنفاً لا محلَّ له ألبتة، ويجوز أن يكون خبراً لـ "كان" مضمرة. قال الفراء: التقدير "كانوا يوفون بالنَّذر في الدنيا، وكانوا يخافُون" انتهى. وهذا لا حاجة إليه. الثالث: جواب لمن قال: ما لهم يرزقون ذلك؟. قال الزمخشري: "يوفون" جواب من عيسى يقول: ما لهم يرزقون ذلك؟. قال أبو حيان: "واستعمل "عسى" صلة لـ "من" وهو لا يجوز، وأتى بالمضارع بعد "عسى" غير مقرون بـ "أن" وهو قليل أو في الشعر". فصل في معنى الآية معناه: لا يخلفون إذا نذروا، وقال معمر عن قتادة: يأتون بما فرض الله عليهم من الصلاة والزكاة والصوم والحج والعمرة وغيره من الواجبات. وقال مجاهد وعكرمة: يوفون إذا نذروا في حق الله تعالى. وقال الفراء والجرجاني: وفي الكلام إضمار، أي: كانوا يوفون بالنذر في الدنيا والعرب قد تزيد مرة "كان" وتحذف أخرى. وقال الكلبي: "يُوفُونَ بالنَّذرِ" أي: يتممون العهود لقوله تعالى {أية : وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ} تفسير : [النحل: 91] و {أية : أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} تفسير : [المادة: 1] أمرٌ بالوفاء بها؛ لأنهم عقدوها على أنفسهم باعتقادهم الإيمان. قال القرطبي: "والنذر: حقيقته ما أوجبه المكلف على نفسه [من شيء يفعله، وإن شئت قلت في حد النذر هو إيجاب المكلف على نفسه] من الطاعات ما لو لم يوجبه لم يلزمه". وقال ابن الخطيب: الإيفاءُ بالشيء هو الإتيان به وافياً. وقال أبو مسلم: النذر كالوعد، إلا أنه إذا كان من العباد فهو نذر، وإن كان من الله فهو وعد، واختص هذا اللفظ في عرف الشرع بأن تقول: لله عليَّ كذا وكذا من الصدقة، أو يسلم بأمر يلتمسه من الله - تعالى - مثل أن تقول: إن شفى الله مريضي، أو ردَّ غائبي فعليَّ كذا وكذا، واختلفوا فيما إذا علق ذلك بما ليس من وجوه البر كقوله: إن أتى فلان الدَّار فعلى هذا، فمنهم من جعله كاليمين، ومنهم من جعله من باب النذور. فصل في المراد بالإيفاء بالنذر قال القشيري: روى أشهب عن مالك - رضي الله عنه - أنه قال "يُوفُونَ بالنَّذْرِ" هو نذر العتق، والصيام والصلاة. وروى عنه أبو بكر بن عبد العزيز قال: قال مالك: "يُوفُونَ بالنَّذرِ" قال: النذر هو اليمين. قال ابن الخطيب: هذه الآية تدلّ على وجوب الوفاء بالنذر؛ لأنه تعالى قال عقيبه: "ويخَافُونَ يَوْماً" وهذا يقتضي أنهم إنما وفَّوا بالنذر خوفاً من شر ذلك اليوم، والخوف من شر ذلك اليوم لا يتحقق إلا إذا كان الوفاء به واجباً ويؤكده قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} تفسير : [النحل: 91] وقوله تعالى: {أية : ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ} تفسير : [الحج: 29] وهذا محتمل ليوفوا أعمال نسكهمُ التي ألزموها أنفسهم. فصل في زيادة كان قال الفراء وجماعة من أهل المعاني: "كان" في قوله تعالى: {كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً} زائدة وأما هاهنا فكان محذوفة، والتقدير: كانوا يوفون بالنذر. قال ابن الخطيب: ولقائل أن يقول: إنا بينا أن "كان" في قوله تعالى: {كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً} ليست بزائدة، وأما في هذه الآية فلا حاجة إلى إضمارها؛ لأنه - تعالى - ذكر في الدنيا أن الأبرار يشربون أي: سيشربون، فإن لفظ المضارع مشترك ين الحال والاستقبال، ثم قال السبب في ذلك الثواب الذي سيجدونه أنه الآن يوفون بالنذر. قوله: {وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً}، أي: يخافون يوم القيامة، و "كَانَ شَرُّهُ" في موضع نصب صفة لـ "يَوْم". و "المُسْتطِيرُ": المنتشر، يقال: اسْتَطَار يَسْتطِيرُ اسْتيطَاراً، فهو مستطير، وهو "استفعل" من الطيران. قال الأعشى: [المتقارب] شعر : 5034- فَبَانَتْ وقَدْ أسْأرَتْ في الفُؤا دِ صَدعاً على نَــأيِهَا مُسْتَطيرَا تفسير : والعرب تقول: استطار الصدع في القارورة والزجاجة، أو استطال إذا امتدّ، ويقال: استطار الحريق إذا انتشر. وقال الفرَّاء: المستطير: المستطيل، كأنه يريد أن مثله في المعنى، لأنه أبدل من اللام راء، والفجر: فجران، مستطيل كذنبِ السَّرحان وهو الكاذب، ومستطير، وهو الصادق لانتشاره في الأفق. قال قتادة: استطار والله شرُّ ذلك اليوم حتى ملأ السماوات والأرض. وقال مقاتل: كان شره فاشياً في السموات، فانشقت وتناثرت بالكواكبِ وفزعت الملائكة في الأرض، ونسفت الجبال وغارت المياه. فإن قيل: أحوال القيامة وأهوالها كلها فعل الله تعالى، وكل ما كان فعلاً لله، فهو حكمه وصواب، وما كان كذلك لا يكون شرًّا، فكيف وصفها الله بأنها شرّ؟. والجواب: إنما سميت شرًّا لكونها مضرة بمن تنزل عليه، وصعبة عليه كما سميت الأمراض، وسائر الأمور المكروهة شروراً. قال ابن الخطيب: وقيل: المستطير هو الذي يكون سريع الوصول إلى أهله، وكأن هذا القائل ذهب إلى أن الطيران إسراع. فإن قيل: لم قال: كان شره، ولم يفل: سيكون شره مستطيراً؟. فالجواب: أن اللفظ وإن كان للماضي إلا أن معناه كان شره في علم الله وحكمته. قوله: {وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ} وهذا الجار والمجرور حال إما من "الطعام" أي: كائنين على حبهم الطعام كقوله تعالى: {أية : وَءَاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ} تفسير : [البقرة: 177]. قال ابن عباس ومجاهد: على قلة حبهم إياه وشهوتهم له، وإما من الفاعل. والضمير في "حبه" لله تعالى، أي: على حب الله، وعلى التقدير: فهو مصدر مضاف للمفعول. قال الفضيل بن عياض: على حب إطعام الطَّعام. قوله "مسكيناً". أي: ذا مسكنة، "ويَتيماً" أي: من يتامى المسلمين "وأسِيراً" أي: الذي يؤسر فيحبس، وذلك أن المسكين عاجز عن الاكتساب بنفسه، واليتيم: هو الذي مات من يكتسب له، وبقي عاجزاً عن الكسبِ لصغره، والأسير: هو المأخوذ من قومه المملوك رقبة، الذي لا يملك لنفسه نصراً ولا حيلةً. قال ابن عباس والحسن وقتادة: الأسير من أهل الشرك يكون في أيديهم. فإن قيل: لمَّا وجب قتله، فكيف يجب إطعامه؟. فالجواب: أن القتل في حال لا يمنع من الإطعام في حال أخرى، ولا يجب إذا عوقب بوجهٍ أن يعاقب بوجه آخر، وكذلك لا يحسن فيمن عليه قصاص أن يفعل به ما هو دون القتل، ويجب على الإمام أن يطعمه, فإن لم يفعله الإمام وجب على المسلمين. وقال مجاهد وسعيد بن جبير: الأسير: المحبوس. وقال السديُّ: الأسير: المملوك، وقيل: الأسير: الغريم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أسِيرُكَ غَريمُكَ" تفسير : وقال عطاء: الأسير من أهل القبلةِ وغيرهم. قال القرطبي: "هذا يعم جميع الأقوال، ويكون إطعام الأسير المشرك قربة إلى الله تعالى، غير أنه من صدقة التطوع، فأما المفروضة فلا". وقيل: الأسير: الزوجة، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : اتَّقُوا اللهَ فِي النِّساءِ، فإنَّهُنَّ عوانٍ عِنْدكُمْ ". تفسير : قال القفال: واللفظ يحتمل كل ذلك؛ لأن أصل الأسر هو الشك بالقدر، وكان الأسير يفعل به ذلك حبساً له. فصل في الكلام على الآية قال القرطبي: قيل نسخ آية المسكين آية الصدقات، وإطعام الأسير بالسيف قاله سعيد بن جبير. وقال غيره: بل هو ثابت الحكم، وإطعام اليتيم والمسكين على التطوع، وإطعام الأسير لحفظ نفسه إلى أن يتخير فيه الإمام. وقال الماورديُّ: ويحتمل أن يريد بالأسير الناقص العقل؛ لأنه في أسر خبله وجنونه، وأسر المشرك انتقام يقف على رأي الإمام، وهذا برٌّ وإحسان. قوله {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ} على إضمار القول، أي: يقولون بألسنتهم لليتيم والمسكين والأسير إنما نطعمكم في الله - جل ثناؤه - فزعاً من عذابه وطمعاً في ثوابه {لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً} أي: ولا تثنوا علينا بذلك. قال ابن عباس: كذلك كانت نيَّاتهم في الدنيا حين أطعموا. وعن مجاهد: أما إنهم ما تكلموا به، ولكن علمه الله منهم، فأثنى به عليهم ليرغب في ذلك راغب. قيل: هذه الآيات نزلت في مطعم بن ورقاء الأنصاري نذر نذراً فوفى به. وقيل: نزلت فيمن تكفل بأسرى بدر، وهم سبعة من المهاجرين: أبو بكر، وعمر، وعلي، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعيد، وأبو عبيدة - رضي الله عنهم - ذكره الماوردي. وقال مقاتل: نزلت في رجل من الأنصار أطعم في يوم واحد مسكيناً، ويتيماً، وأسيراً. وقيل: نزلت في علي وفاطمة - رضي الله عنهما - وجارية لهما اسمها فضة. قال القرطبي: نزلت في جميع الأبرار، ومن فعل فعلاً حسناً، فهي عامة، وما ذكر عن عليٍّ، وفاطمة لا يصح. وروى جابر الجعفي في قوله تعالى: {يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ}، عن قنبر مولى علي - رضي الله عنه - قال: مرض الحسن والحسين حتى عادهما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر - رضي الله عنه -: يا أبا الحسن لو نذرت عن ولديك نذراً، فقال عليٌّ - رضي الله عنه - إن برأ ولدي صمت ثلاثة أيام شكراً. وقالت فاطمة - رضي الله عنها - مثل ذلك، وقال الحسن والحسين مثل ذلك وذكر الحديث. قال أهل الحديث: جابر الجعفي كذاب. فصل في الإحسان إلى الغير قال ابن الخطيب: اعلم أن الإحسان إلى الغير تارة يكون لأجل الله، وتارة يكون لغير الله، إما طلباً لمكافأة أو طلباً لحمدٍ وثناء، وتارة يكون لهما، وهذا هو الشرك، والأول هو المقبول عند الله، وأما القسمان الباقيان فمردودان، قال تعالى: {أية : لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ كَٱلَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [البقرة: 264]. وقال تعالى: {أية : وَمَآ ءَاتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِندَ ٱللَّهِ وَمَآ ءَاتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ} تفسير : [الروم: 39]، ولا شك أن التماس الشكر من جنس المنّ والأذى، إذا عرفت ذلك فنقول: القوم لما قالوا: "إنَّما نُطعِمكُمْ لوجْهِ اللهِ" بقي فيه احتمال، أنه أطعمه لوجه الله ولسائر الأغراض على سبيل التشريك، فلا جرم نفى هذا الاحتمال بقوله تعالى: {لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً}. فصل في الشكر والكفور الشُّكور والكُفور: مصدران كـ "الشكر والكفر" وهو على وزن "الدُّخول والخُروج" هذا قول جمهور أهل اللغة. وقال الأخفش: إن شئت جعلت الشكور، جماعة الشكر، وجعلت الكفور في قوله تعالى: {أية : فَأَبَىٰ ٱلظَّالِمُونَ إَلاَّ كُفُوراً} تفسير : مثل "برد وبرود" وإن شئت جعلته مصدراً واحداً في معنى جمع مثل: قعد قعوداً، وخرج خروجاً. قوله: {إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا} يحتمل وجهين: أحدهما: إن إحساننا إليكم للخوف من شدة ذلك اليوم لإرادة مكافأتهم. والثاني: لا نريد منكم المكافأة لخوف عقاب الله تعالى علَّل المكافأة بخوف عقاب الله على طلب المكافأة بالصدقة. فإن قيل: إنه - تعالى - لما حكى عنهم الإيفاء بالنذر، علَّل ذلك بخوف القيامة فقط، ولما حكى عنهم الإطعام علل ذلك بأمرين: بطلب رضا الله تعالى، وبالخوف، فما الحكمة في ذلك؟. فالجواب: أن النذر هو الذي أوجبه على نفسه لأجل الله، فلما كان كذلك، لا جرم علله بخوف القيامة فقط، وإما الإطعام فالله - تعالى - هو الذي شرعه، فلا جرم ضم إليه خوف القيامة. قوله: {يَوْمَاً عَبُوساً قَمْطَرِيراً}. القَمْطَرِيرُ: الشديد، وأصله كما قال الزجاج: "مشتق من اقمطرّت الناقة إذا رفعت ذنبها، وجمعت قطريها وزمت بأنفها". قال الزمخشري: اشتقاقه من القطر، وجعلت الميم زائدة؛ قال أسد بن ناعصة: [الخفيف] شعر : 5035- واصْطَليْتَ الحُروبَ فِي كُلِّ يومٍ بَاسلَ الشَّرِّ قَمْطَريرَ الصَّباحِ تفسير : قال أبو حيان: واختلف النحاة في هذا الوزن، والأكثر على أنه لا يثبت "افْمَعَلَّ" في أوزان الأفعال ويقال: اقمطرَّ يقمطرُّ فهو مقمطرّ؛ قال الشاعر: [الرجز] شعر : 5036- قَدْ جَعلَتْ شَبْوَةُ تَزبَئِرُّ تَكْسُو استهَا لَحْماً وتقْمَطِرُّ تفسير : ويوم قَمْطَرير وقُمَاطر: بمعنى شديد؛ قال الشَّاعرُ: [الطويل] شعر : 5037- فَفِرُّوا إذَا مَا الحَرْبُ ثَار غُبَارُهَا ولَجَّ بِها اليَوْمَ العَبُوسُ القُمَاطِرُ تفسير : وقال الزجاج: القَمْطَرير: الذي يعبسُ حتى يجتمع ما بين عينيه. انتهى. فعلى هذا استعماله في اليوم مجاز، وفي بعض كلام الزمخشري، أنه جعله من "القمط" فعلى هذا تكون الرَّاءان فيه مزيدتين. وقال القرطبي: "القمطرير: الطَّويل"؛ قال الشاعر: شعر : 5038- شَدِيـداً عَبُـوســاً قَمْطَــريـراً تفسير : تقول العرب: يوم قمطرير، وقُماطر، وعصيب بمعنى؛ وأنشد الفراء: [الطويل] شعر : 5039- بَنِــي عَمَِّنَـا هـل تَذْكُـرونَ بَلاءنَـا عَليْكُـمْ إذا مَـا كَـانَ يـومٌ قُماطِــرُ تفسير : بضم القاف، واقمطرّ: إذا اشتد، وقال الأخفش: القمطرير: أشد ما يكون من الأيام وأطوله في البلاء؛ وأنشد: [الطويل] شعر : 5040- فَـفِـــرُّوا إذَا مــا الحَـــرْبُ تفسير : البيت المتقدم. وقال الكسائي: يقال: اقمطرَّ اليوم وازمهرَّ اقمطراراً وازمهراراً، وهو القمطريرُ والزمهريرُ، ويوم مقمطرٌّ، إذا كان صعباً شديداً؛ قال الهذليُّ: [الطويل] شعر : 5041- بَنُو الحَرْبِ ارضْعنَا لَهُـم مُقمطــرَّةً ومَنْ يُلـقَ مِنَّا ذلِكَ اليَـوْمَ يهْـربِ تفسير : و "العبوس" أيضاً صفة لـ "اليوم"، "يوماً" تعبس فيه الوجوه من هوله وشدته، والمعنى: نخاف يوماً ذا عبوس. وقال ابن عباس: يعبس الكافر يومئذ حتى يسيل منه عرقٌ كالقطران. وقال مجاهد: إن العبوس بالشَّفتين، والقَمْطرير بالجبهةِ والحاجبينِ فجعلهما من صفات الوجه المتغيّر من شدائد ذلك اليوم. قوله: {فَوَقَاهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ ٱلْيَومِ}. أي: دفع عنهم بأس ذلك اليوم وشدته وعذابه. وقرأ أبو جعفر: "فوقَّاهم الله" بتشديد القاف على المبالغة. واعلم أنه - تعالى - لما حكى عنهم أنهم أتوا بالطاعات لغرضين: لأجل رضا الله تعالى والخوف من القيامة، بيّن هنا أنه أعطاهم هذين الغرضين وهو أنه حفظهم من أهوال القيامة، وهو قوله جل ثنائه {فَوَقَاهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ ٱلْيَومِ} وأما طلبهم رضا الله فاعطاهم الله بسببه "نُضْرةً" في الوجه، أي: حسناً، حين رأوه، "وسروراً" في القلب قال الضحاك: النضرة: البياض والنقاء. وقال ابن جبير: الحسن والبهاء. وقال ابن زيد: أثر النعمة. قوله تعالى: {وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ}. "ما" مصدرية، و "جنَّة" مفعول ثانٍ، أي: جزاهم جنة بصبرهم وقدر مكي مضافاً، فقال: تقديره دخول الجنة، ولبس حرير، والمعنى: وجزاهم بصبرهم على الفقر. وقال القرظي: على الصوم. وقال عطاء: على الجوع ثلاثة أيام، وهي أيام نذر. وقيل: بصبرهم على طاعة الله، وصبرهم عن معصية الله ومحارمه، وهذا يدل على أن الآيات نزلت في جميع الأبرار، ومن فعل فعلاً حسناً. وروى ابن عمر - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عن الصبر، فقال: "حديث : الصَّبْرُ عند الصَّدمةِ الأولَى، والصَّبرُ على أداءِ الفَرائضِ، والصَّبرُ على اجتنابِ محارم اللهِ تعالى، والصَّبرُ على المَصائبِ ". تفسير : قوله تعالى: {جَنَّةً وَحَرِيراً}. أي: أدخلهم الجنة وألبسهم الحرير. قوله: {مُّتَّكِئِينَ}. حال من مفعول "جزاهم" والعامل فيها "جزى" ولا يعمل فيها "صبروا"؛ لأن الصبر إنما كان في الدنيا والاتِّكاء في الآخرة. وقرأ علي - رضي الله عنه - "وجازاهم". وجوَّز أبو البقاء: أن يكون صفة لـ "جَنَّةً". وهذا لا يجوز عند البصريين؛ لأنه كان يلزم بروز الضمير، فيقال: "مُتَّكِئِينَ هُمْ فِيهَا" لجريان الصفة على غير من هي له. وقد منع مكي أن يكون "متكئين" صفة لـ "جنة" لما ذكرنا من عدم بروز الضمير. وممن ذهب إلى كون "متكئين" صفة لـ "جنة"، الزمخشري، فإنه قال: "ويجوز أن يكون مُتَّكينَ، ولا يَروْنَ، ودَانيةً، كلها صفات الجنة". وهو مردود بما تقدم. ولا يجوز أن يكون "متكئين" حالاً من فاعل "صبروا"؛ لأن الصبر كان في الدنيا، واتكاؤهم إنما هو في الآخرة. قال معناه مكي. ولقائل أن يقول: إن لم يكن المانع إلا هذا فاجعلها حالاً مقدرة، لا ما لهم بسبب صبرهم إلى هذه الحالة، وله نظائر. قال ابن الخطيب: وقال الأخفش: وقد ينصب على المدح والضمير في "فيها" أي في الجنة وقال الفراء: وإن شئت جعلت "متكئين" تابعاً، كأنه قال: جزاؤهم جنة متكئين فيها. والأرائك: السُّرُر في الحجال، وجاءت عن العرب أسماء تحتوي على صفات: إحداها الأريكة لا تكون إلاَّ حجلة على سرير. وثانيها: السَّجل، وهو الدلو الممتلئ ماء، فإذا صفرت لم تسم سجلاً، وكذلك الذنُوب لا تسمى ذَنوباً حتى تملأ، قاله القرطبي. وهذا فيه نظر، لأنه قد ورد في شعر العرب يصف البازي؛ قال: [الكامل] شعر : 5042-................................ يَغْشَى المُهَجْهِــجْ كالذَّنُـوبِ المُرسَــلِ تفسير : يعني الدَّلو إذا ألقي في البئر، وهو لا يلقى في البئر إلا إذا كان فارغاً. قال: والكأس لا تسمى كأساً حتى تُترعَ من الخمر، قال: وكذلك الطبق الذي تهدى فيه الهدية إذا كانت فيه يسمى مِهْدًى، فإذا كان فارغاً يُسمَّى طبقاً أو خواناً. قال ابن الأعرابي: مِهْدى - بكسر الميم -، ولا يسمى الطبق مهدى إلا وفيه ما يهدى، والمهداء - بالمد - الذي من عادته أن يهدى. وقيل: الأرائك: الفرش على السرر؛ قال ذو الرمة: [الطويل] شعر : 5043- خُدودٌ جَفتْ في السَّيْــرِ حتَّى كأنَّمَــا يُبَاشِــرْنَ بالمَعْــزَاءِ مــسَّ الأرَائِــكِ تفسير : أي: الفرش على السرر. قوله: {لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً}. فيها أوجه: أحدها: أنها حال ثانية من مفعول "جزاءهم". الثاني: أنها حال من الضمير المرفوع المستكن في "متَّكئينَ" فتكون حالاً متداخلة. الثالث: أن تكون صفة لـ "جنة" كـ "متكئين" عند من يرى ذلك - كما تقدم - عن الزمخشري. والزمهرير: أشد البرد، وهذا هو المعروف؛ وقيل: هو القمرُ بلغة طيّيء، وأنشد: [الرجز] شعر : 5044- فِي لَيْلـةٍ ظلامُهَـا قـد اعْتكَـرْ قطَّعتُهَـا والزَّمهرِيــرُ مَـا نَهَـرْ تفسير : ويروى: ما ظهر، أي: لم يطلع القمر، والمعنى: لا يرون فيها شمساً كشمس الدنيا، ولا قمراً كقمر الدنيا، أي: أنهم في ضياء مستديم، لا ليل فيه ولا نهار, لأن ضوء النهار بالشمس، وضوء الليل بالقمر، والمعنى: أن الجنة لا يحتاج فيها إلى شمس ولا إلى قمر، ووزنه "فعلليل"، وقيل: المعنى: لا يرون في الجنَّة شدة حر كحرِّ الشمس، ولا زمهريراً، أي: ولا برداً مفرطاً. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : اشْتَكَتِ النَّارُ إلى ربِّهَا سُبحانَهُ، قالتْ: يَا ربِّ، أكَلَ بَعْضِي بعْضاً، فجعلَ لَهَا نفسينِ: نفساً في الشِّتاء، ونفساً في الصَّيْف, فشِدَّةُ ما تَجِدُونَ من البَرْدِ من زَمْهَرِيرِهَا، وشدَّةِ ما تَجِدُونَ من الحرَِّ في الصَّيْفِ من سَمُومِهَا ". تفسير : قال مرة الهمداني: الزمهرير: البرد القاطع. وقال مقاتل بن حيان: هو شيء مثل رؤوس الإبر ينزل من السماء في غاية البرد. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: هو لونٌ من العذاب، وهو البرد الشديد، حتى إن أهل النار أذا ألقوا فيه سألوا الله أن يعذبهم في النار ألف سنة أهون عليهم من عذاب الزمهرير يوماً واحد. قوله: {وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ} العامة على نصبها، وفيها أوجه: أحدها: أنها عطف على محل "لا يرون". الثاني: أنها معطوفة على "مُتَّكِئينَ" فيكون فيها ما فيها. قال الزمخشري: "فإن قلت: "ودانية عليها ظلالها" علام عطفت؟. قلت: على الجملة التي قبلها؛ لأنها في موضع الحال من المجزيين، وهذه حال مثلها عنهم لرجوع الضمير منها إليهم في "عليهم"، إلاَّ أنها اسم مفرد، وتلك جماعة في حكم مفرد، تقديره: غير رائين فيها شمساً، ولا زمهريراً ودانية عليهم ظلالها، ودخلت الواو للدلالة على أن الأمرين مجتمعان لهم، كأنه قيل: وجزاهم جنة جامعين فيها بين البعد عن الحر والقمر ودنو الظلال عليهم". الثالث: أنها صفة لمحذوف، أي: وجنة دانية. قال أبو البقاء: كأنه قيل: "وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً" أي: أخرى دانية عليهم ظلالها، لأنهم قد وعدوا جنتين، لأنهم خافوا مقام ربهم, بقولهم: "إنَّا نخَافُ مِن ربِّنا يَوماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً". الرابع: أنها صفة لـ "جنة" الملفوظ بها. قاله الزجاج. وقال الفراء: نصب على المدحِ، أي: دانية عليهم، لقوله تعالى: {أية : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} تفسير : [الرحمن: 46]. وقرأ أبو حيوة: "ودانية" بالرفع، وفيها وجهان: أظهرهما: أن يكون "ظلالها" مبتدأ، و "دانية" خبر مقدم، والجملة في موضع الحال. قال الزمخشري: "والمعنى: لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً، والحال أن ظلالها دانية". والثاني: أن ترتفع "دانية" بالابتداء، و "ظلالها" فاعل به، وبها استدل الأخفش على جواز إعمال اسم الفاعل، وإن لم يعتمد، نحو "قائم الزيدون"، فإن "دانية" لم تعتمد على شيء مما ذكره النحويون، ومع ذلك فقد رفعت "ظلالها". وهذا لا حجة فيه لجواز أن يكون مبتدأ وخبراً مقدماً كما تقدم. وقال أبو البقاء: وحكي بالجر، أي: في جنة دانية، وهو ضعيف، لأنه عطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار. يعني أنه قرئ شاذاً: "وَدانِيةٍ" بالجر على أنها صفة لمحذوف، ويكون حينئذٍ نسقاً على الضمير المجرور من قوله تعالى: {لاَ يَرَوْنَ فِيهَا} أي: ولا في جنة دانية، وهو رأي الكوفيين حيث يجوزون العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار، ولذلك ضعفه، وتقدم الكلام على ذلك في البقرة. وأما رفع "ظلالها" فيجوز أن يكون مبتدأ، و "عليهم" خبر مقدم، ولا يرتفع بـ "دانية"، لأن "دنا" يتعدى بـ "إلى" لا بـ "على"، ويجوز أن ير فع بـ "دانية" على أن يضمن معنى مشرفة؛ لأن "دنا" و "أشرف" متقاربان، قال معناه أبو البقاء، وهذان الوجهان جاريان في قراءة من نصب "دانية". وقرأ الأعمش: "ودانياً" بالتذكير, للفصل بين الوصف وبين مرفوعه بـ "عليهم", أو لأن الجمع مذكر. وقرأ أبيّ: "ودَانٍ عَليْهِمْ" بالتذكير مرفوعاً، وهي شاذة. فمذهب الأخفش حيث يرفع باسم الفاعل وإن لم يعتمد، ولا جائز أن يعربا مبتدأ وخبراً لعدم المطابقة. وقال مكي: "وقرئ "ودانياً" بالتذكير" ثم قال: "ويجوز: "ودانية" بالرفع، ويجوز "دانٍ" بالرفع والتذكير"، فلم يصرح بأنهما قرئا، وقد تقدم أنهما مقروء بهما، فكأنه لم يطلع على ذلك. فصل في معنى الآية قال المفسرون: معناه: أن ظل الأشجار في الجنة قريب من الأبرار فهي مظلة عليهم زيادة على نعيمهم. قال ابن الخطيب: فإن قيل: الظل إنما يوجد حيث توجد الشمس، وهناك لا شمس في الجنة، فكيف يحصل الظل؟. فالجواب: أن أشجار الجنَّة تكون بحيث لو كان هناك شمس لكانت الأشجار مظلة منها وإن كان لا شمس ولا قمر كما أن أمشاطهم الذهب والفضة، وإن كان لا وسخ ولا شعث. ثم قوله: {وَذُلِّلَتْ} يجوز أن يكون في موضع نصب على الحال عطفاً على دانية فيمن نصبها، أي: ومذللة? ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في "عليهم" سواء نصبت "دانية" أو رفعتها، أو جررتها، ويجوز أن تكون مستأنفة. وأما على قراءة رفع "ودانية" فتكون جملة فعلية عطفت على اسمية، ويجوز أن تكون حالاً كما تقدم. فصل في تذليل قطوف الجنة والمعنى: وسخرت لهم قطوفها، أي: ثمارها "تذليلاً" أي: تسخيراً، فيتناولها القائم والقاعد والمضطجع لا يرد أيديهم عنها بعد ولا شوك. قال ابن قتيبة: "ذللت" أدنيت منهم، من قولهم: حائط ذليل إذا كان قصير السمك. وقيل: "ذُلِّلَتْ" أي: جعلت منقادة لا تمتنع على قطافها كيف شاءوا. قال البراءُ بن عازب رضي الله عنه: ذلّلت لهم، فهم يتناولون منها كيف شاءوا، فمن أكل قائماً لم يؤذه، ومن أكل جالساً لم يؤذه, ومن أكل مضطجعاً لم يؤذه. وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: إذا همَّ يتناول من ثمارها تدلّت إليه حتى يتناول منها ما يريد. وتذليل القطوف: تسهيل التناول، والقُطُوف: الثمار، الواحد: قِطْف - بكسر القاف - سمي به؛ لأنه يقطف، كما سمي الجَنَى لأنه يُجْنَى. قوله: {تَذْلِيلاً} تأكيد لما وصف به من الذل، كقوله تعالى: {أية : وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً} تفسير : [الإسراء: 106] {أية : وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً} تفسير : [النساء: 164]. قال الماوردي: ويحتمل أن تكون تذليل قطوفها أن تبرز لهم من أكمامها، وتخلص لهم من نواها وقال النحاس: ويقال: المذلل الذي قد ذللـه الماء، أي: أرواه. ويقال: المذلل: الذي يفيئه أدنى ريح لنعمته، ويقال: المسوى؛ لأن أهل الحجاز يقولون: ذَلَّلْ نخلك، أي: سوِّه. قوله: {وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ} لما وصف طعامهم ولباسهم ومسكنهم وصف شرابهم، وقد وصف الأواني التي يشرب بها، ومعنى "يطاف" أي: يدور على هؤلاء الأبرار والخدم إذا أرادوا الشراب بآنية من فضة. قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء، أي: الذي في الجنة أشرف وأعلا، ثم لم تنف الأواني الذهبية بل المعنى: يُسقوْنَ في أواني الفضة، وقد يسقون في أواني الذهب، كما قال تعالى: {أية : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ} تفسير : [النحل: 81]، أي والبرد، فنبه بذكر أحدهما على الأخرى. قوله: "بآنية" هذا هو القائم مقام الفاعل؛ لأنه هو المفعول به في المعنى، ويجوز أن يكون "عليهم". و "آنية" جمع إناء، والأصل: "أأنية" بهمزتين، الأولى مزيدة للجمع، والثانية فاء الكلمة، فقلبت الثانية ألفاً وجوباً، وهذا نظير: كساء وأكسية، وغطاه وأغطية, ونظيره في صحيح اللام: حمار وأحمرة. وقوله: {مِّن فِضَّةٍ} نعت لـ "آنية". قوله: {وَأَكْوابٍ}. الأكواب هي الكيزان العظام التي لا آذان لها ولا عرى، الواحد منها كوب؛ وقال عدي: [السريع] شعر : 5045- مُتَّكِئــاً تُقْــرَعُ أبْوابــهُ يَسْعَــى عليْــه العَبْـــدُ بالكُــوبِ تفسير : قوله: {كَانَتْ قَوَارِيرَاْ}. اختلف القراءُ في هذين الحرفين بالنسبة إلى التنوين وعدمه، وفي الوقوف بالألف وعدمها، كما تقدم خلافهم في "سلاسل". واعلم أن القراء فيهما على خمس مراتب: إحداها: تنوينهما معاً والوقف عليهما بالألف لنافع والكسائي وأبي بكر. الثانية: مقابلة هذه، وهي عدم تنوينهما، وعدم الوقف عليهما بالأف، لحمزة وحده. الثالثة: عدم تنوينهما والوقف عليهما بالألف وعلى الثاني بدونها لهشام وحده. والرابعة: تنوين الأول دون الثاني، والوقف على الأول بالألف، وعلى الثاني بدونها لابن كثير وحده. الخامسة: عدم تنوينهما معاً، والوقف على الأول بالألف، وعلى الثاني بدونها، لأبي عمرو، وابن ذكوان، وحفص. فأما من نونهما فكما مرّ في تنوين "سلاسل"؛ لأنها صيغة منتهى الجموع، ذاك على "مفاعل" وذا على "مفاعيل"، والوقف بالألف التي هي بدل من التنوين، وفيه موافقة للمصاحف المرسومة، فإنهما مرسومان فيهما بالألف على ما نقل أبو عبيد. وأما عدم تنوينهما وعدم الوقف بالألف عليهما فظاهر جدًّا. وأما من نون الأول دون الثاني، فإنه ناسب بين الأول وبين رءوس الآي ولم يناسب بين الثاني والأول والوجه في وقفه على الأول بالألف وعلى الثاني بغير ألف ظاهر. وقد روى أبو عبيد أنه كذلك في مصاحف أهل "البصرة". وأما من لم ينونهما، ووقف على الأول بالألف, وعلى الثاني بدونها, فلأن الأول رأس آية, فناسب بينه وبين رءوس الآي في الوقف بالألف, وفرق بينه وبين الثاني؛ لأنه ليس برأس آية. وأما من لم ينونهما، ووقف عليهما بالألف، فلأنه ناسب بين الأول وبين رءوس الآي، وناسب بين الثاني وبين الأول. وحصل مما تقدم في "سَلاسِلا" وفي هذين الحرفين، أن القراء منهم من وافق مصحفه، ومنهم من خالفه لاتباع الأثر. وتقدم الكلام على "قوارير" في سورة "النمل", ولله الحمد. وقال الزمخشري: "وهذا التنوين بدل من حرف الإطلاق لأنه فاصلة، وفي الثاني لإتباعه الأول". يعني أنهم يأتون بالتنوين بدلاً من حرف الإطلاق الذي للترنم؛ كقوله: [الرجز] شعر : 5046- يَــا صَــاحِ، مَــا هَــاجَ الدُّمُــوعَ الذُّرَّفَــنْ تفسير : وفي انتصاب "قوارير" وجهان: أظهرهما: أنه خبر "كان". والثاني: أنها حال و "كان" تامة، أي كونت فكانت. قال أبو البقاء: "وحسن التكرير لما اتصل به من بيان أصلها، ولو كان التكرير لم يحسن أن يكون الأول رأس آية لشدة اتصال الصفة بالموصوف". وقرأ الأعمش: "قَوَارِيرُ" بالرفع، على إضمار مبتدأ، أي: هي قوارير، و "مَنْ فضَّةٍ" صفة لـ "قوارير"، والمعنى: في صفاء القوارير، وبياض الفضة، فصفاؤها صفاء الزجاج وهي من فضة. فصل في وصف تربة الجنة رُوي أن أرض الجنة من فضة، والأواني تتخذ من تربة الأرض التي منها، ذكره ابن عباس رضي الله عنهما، وقال: ليس في الجنة شيء إلا وقد أعطيتم في الدنيا شبهه إلا قوارير من فضة. قال ابن الخطيب: ومعنى "كانت" هو من يكون، من قوله: {أية : فَيَكُونُ} تفسير : [النحل: 40] أي: فتكونت قوارير بتكوين الله - تعالى - تفخيماً لتلك الخلقةِ العظيمة العجيبة الشأن، الجامعة بين صفتي الجوهرين المتباينين، ثم قال: فإن قيل: كيف تكون هذه الأكوابُ من فضة ومن قوارير؟. فالجواب من وجوه: أحدها: أن أصل القوارير في الدنيا الرَّمل، وأصل قوارير الجنة هو فضة الجنة، فكما أن الله - تعالى - قادر على أن يقلب الرمل الكثيف زجاجة صافية، فكذلك قادر على أن يقلب فضة الجنة قارورة لطيفة، فالغرض من ذكر هذه الآية التنبيه على أن نسبة قارورة الجنة إلى قارورة الدنيا كنسبة الفضة إلى الرمل, فكما أنه لا نسبة بين هذين الأصلين فكذا بين القارورتين. وثانيها: ما تقدم من قول ابن عباس - رضي الله عنهما- أنه ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء، أي: أنها جامعة بين صفاء الزجاج وشفافيته وبين نقاء الفضة وشرفها. وثالثها: أنه ليس المراد بالقوارير الزجاج، بل العرب تسمي ما استدار من الأواني التي تجعل فيها الأشربة مما رق وصفا قارورة، فالمعنى: وأكواب من فضة مستديرة صافية. قوله: {تَقْدِيراً} صفة لـ "قوارير"، والواو في "قَدَّرُوها" فيها وجهان: أحدهما: أنها عطف عليهم، ومعنى تقديرهم إياها أنهم قدروها في أنفسهم أن تكون على مقادير وأشكال على حسب شهواتهم، فجاءت كما قدروا. والثاني: أن الواو للطائفين للدلالة عليهم في قوله تعالى: "ويُطَافُ"، والمعنى: أنهم قدروا شرابها على قدر ريِّ الشارب، وهذا ألذ الشراب لكونه على مقدار حاجته لا يفضل عنها، ولا يعجز. قاله الزمخشري. وجوز أبو البقاء: أن تكون الجملة مستأنفة. قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: أتوا بها على قدر ريِّهم بغير زيادة ولا نقصان، قال الكلبي: وذلك ألذّ وأشهى، والمعنى: قدرتها الملائكة التي تطوف عليهم، وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قدروها على ملء الكف لا يزيد ولا ينقص حتى لا تؤذيهم بثقل، أو بإفراط صغر. وقرأ علي، وابن عباس، والسلمي، والشعبي، وزيد بن علي، وعبيد بن عمير، وأبو عمرو في رواية الأصمعي: "قُدِّروها" بضم القاف وكسر الدال مبنياً للمفعول أي: جعلت لهم على قدر إرادتهم. وجعله الفارسي من باب المقلوب، قال: كان اللفظُ قدروها عليها، وفي المعنى قلب؛ لأن حقيقة المعنى أن يقال: قدرت عليهم، فهي مثل قوله تعالى: {أية : لَتَنُوءُ بِٱلْعُصْبَةِ أُوْلِي ٱلْقُوَّةِ} تفسير : [القصص: 76]، ومثل قول العرب: إذا طلعت الجوزاء، ألقى العود على الحرباء. قال الزمخشري: ووجهه أن يكون من قدر منقولاً، تقول: قدرت الشيء وقَدّرَنِيهِ فلان: إذات جعلك قادراً له، ومعناه: جعلوا قادرين لها كما شاءوا, وأطلق لهم أن يقدروا على حسب ما اشتهوا. وقال أبو حاتم: قدرت الأواني على قدر ريهم ما لم يسمَّ فاعله فحذف الري فصارت الواو مكان الهاء والميم, لما حذف المضاف مما قبلها، وصارت الواو مفعول ما لم يسم فاعله، واتصل ضمير المفعول الثاني في تقدير النصب بالفعل بعد الواو التي تحولت من الهاء والميم حتى أقيمت مقام الفاعل. وفي هذا التخريج تكلف مع عجرفة ألفاظه. وقال أبو حيان: والأقرب في تخريج هذه القراءة الشاذة أن يكون الأصل: قدر ريهم منها تقديراً، فحذف المضاف وهو الري، وأقيم الضمير بنفسه، فصار قدروها، فلم يكن فيه إلا حذف مضاف، واتساع في الفعل. قال شهاب الدين: وهذا منتزع من تفسير كلام أبي حاتم. وقال القرطبي: وقال المهدوي: من قرأها "قدروها" فهو راجع إلى معنى القراءة الأخرى، وكأن الأصل: قدروا عليها، فحذف حرف الجر، والمعنى: قدرت عليهم؛ وأنشد سيبويه البيت [البسيط] شعر : 5047- آلَيْـتُ حَـبَّ العِـرَاقِ الدَّهْــرَ آكُلُــهُ والحَـبُّ يأكُلـهُ فـي القَـرْيَـةِ السُّـوسُ تفسير : وذهب إلى أن المعنى: على حبّ العراق، وقيل: هذا التقدير: هو أن الأقداح تطير فتغرف بمقدار شهوة الشَّارب، وذلك قوله تعالى: {قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً}. أي: لا يفضل عن الري ولا ينقص منه، فقد ألهمت الأقداح معرفة مقدار ري المشتهي حتى تغترف بذلك المقدار. ذكر الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول". قوله: {وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً}. وهي الخمر في الإناء {كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً}، "كان" صلة، أي: مزاجها زنجبيل، أو كان في حكم الله زنجبيلاً، وكانت العرب يستلذُّون من الشراب ما يمزج بالزنجبيل لطيب رائحته؛ لأنه يحذو اللسان، ويهضم المأكول، ويحدث في المشروب ضرباً من اللّذع، فرغبوا في نعيم الآخرة بما اعتقدوه نهاية النعمة والطيب. والزنجبيل: نبث معروف؛ وسميت الكأس بذلك؛ لوجود طعم الزنجبيل فيها؛ وأنشد الزمخشري للأعشى: [المتقارب] شعر : 5048- كَـأنَّ القَرنْفُـلَ والزَّنْجَبِيــ ــلَ بَاتَـا بِفيهَـا وأريْـاً مَشُـــورا تفسير : وأنشد للمسيب بن علس يصف ثغر امرأة: [الكامل] شعر : 5049أ- وكَـأنَّ طَعْـمَ الزَّنْجبيـلَِ بِـهِ إذْ ذُقْتُـهُ وسُلافَـة الخَمْـرِ تفسير : ويروى: وسلافَةُ الكَرْمِ. وقال مجاهد: "الزنجبيل" اسم للعين التي منها مزاج شراب الأبرار، وكذا قال قتادة: وقيل: هي عين في الجنة يوجد فيها طعم الزنجبيل. والمعنى: كأن فيها، وتكون قد عطفت "رأيت" الثاني على الأول، ويكون فعل الجواب محذوفاً، ويكون فعل الجواب المحذوف هو الناصب لقوله تعالى: {نَعِيماً}, والتقدير: إذا صدر منك رؤية؛ ثم صدر منك رؤية أخرى رأيت نعيماً وملكاً فرأيت هذا هو الجواب. فصل في بيان الخطاب لمن؟! هذا الخطاب قيل: للنبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: عامّ، والنعيم: ما يتنعم به. والملك الكبير: قال سفيان الثوري: بلغنا أن الملك الكبير، تسليم الملائكة عليهم. وقيل: كون التيجان على رءوسهم كما يكون على رءوس الملوك. وقال السديُّ ومقاتل: هو استئذان الملائكة عليهم. وقال الحكيم والترمذي: هو ملك التكوين إذا أراد شيئاً قال له: كن. وفي الخبر: أن الملك الكبير هو أن أدناهم منزلة ينظر في ملكه مسيرة ألفي عام، يرى أقصاه كما يرى أدناه، وأن أفضلهم منزلة من ينظر في وجه ربِّه - تعالى - كل يوم مرتين. و "عيناً" فيها من الوجوه ما تقدم، قوله "سلسبيلاً" السلسبيل: ما سهل انحداره في الحلق، قال الزجاج: هو في اللغة صفة لما كان في غاية السلاسة، وقال الزمخشري: يقال: شراب سلسل وسلسال وسلسبيل، وقد زيدت الباء في التركيب حتى صارت الكلمة خماسية، ودلت على غاية السلاسة. قال أبو حيان: فإن كان عنى أنه زيدت حقيقة فليس بجيد؛ لأن الباء ليست من حروف الزيادة المعهودة في علم النحو، وإن عنى أنها حرف جاء في سنخ الكلمة، وليس في سلسل ولا سلسال؛ فيصح، ويكون مما اتفق معناه وكان مختلفاً في المادة. وقال ابن الأعرابي: لم أسمع السلسبيل إلا في القرآن. وقال مكي: هو اسم أعجمي نكرة فلذلك صرف. ووزن سلسبيل فعلليل مثل دردبيس. وقيل: فعفليل؛ لأن الفاء مكررة. وقرأ طلحة سلسبيل دون تنوين ومنعت من الصرف للعلمية والتأنيث؛ لأنها اسم لعين بعينها، وعلى هذا فكيف صرف في قراءة العامة؟ فيجاب أنها سميت بذلك لا على جهة العلمية بل على جهة الإطلاق المجرد، أو يكون من باب تنوين "سلاسل" و "قوارير" وقد تقدم. وأغرب ما قيل في هذا الحرف: أنه مركب من كلمتين من فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول، والتقدير سل أنت سبيلاً إليها. قال الزمخشري: وقد عزوا إلى علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أن معناه سل سبيلاً إليها، قال: وهذا غير مستقيم على ظاهره إلا أن يراد أن جملة قول القائل: سل سبيلاً جعلت علماً للعين؛ كما قيل: تأبط شراً، وذرى حبًّا، وسميت بذلك؛ لأنه لا يشرب منها إلاَّ من سأل سبيلاً إليها بالعمل الصالح، وهو مع استقامته في العربية تكلف وابتداع وعزوه إلى مثل علي أبدع وفي شعر بعض المحدثين شعر : 5049ب- سَـلْ سَبيـلاً فِيهَـا إلى رَاحـةِ النَّفْــ ــسِ كأنَّهَـا سَلسبيـلُ تفسير : قال أبو حيان بعد تعجبه من هذا القول: وأعجب من ذلك توجيه الزمخشري له واشتغاله بحكايته. قال شهاب الدين: ولو تأمل ما قاله الزمخشري لم يلمه ولم يتعجب مه؛ لأن الزمخشري هو الذي شنع على هذا القول غاية التشنيع. وقال أبو البقاء: والسلسبيل كلمة واحدة. وفي قوله كلمة واحدة تلويح وإيماء إلى هذا الوجه المذكور. قوله: "ثمَّ" هذا ظرف مكان، وهو مختص بالبعد، وفي انتصابه وجهان: أظهرهما: أنه منصوب على الظرف ومفعول الرؤية غير مذكور؛ لأنّ القَصْد: وإذا صدرت منك رؤية في ذلك المكان رأيت كيت وكيت، فـ "رأيت" الثاني جواب لـ "إذا". وقال الفراء: "ثَمَّ" مفعولة به لـ "رأيت"، والمعنى: وإذا رأيت ما ثم، وصلح إضمار "ما"، كما قال {أية : لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} تفسير : [الأنعام: 94]، يريد: ما بينكم. قال الزجاج: لا يجوز إضمار "ما". وقال الفراء: "وإذَا رَأيْتَ" تقديره: ما ثمَّ، فـ "ما" مفعول، وحذفت "ما"، وقامت "ثمَّ" مقام "ما". وقال الزمخشري تابعاً لأبي إسحاق: ومن قال: معناه: ما ثمَّ، فقد أخطأ؛ لأن "ثمَّ" صلة لـ "ما" ولا يجوز إسقاط الموصول، وترك الصِّلة. وفي هذا نظر؛ لأن الكوفيين يجوزون مثل هذا، واستدلوا عليه بأبيات وآيات تقدم الكلام عليها مستوفى في أوائل هذا الموضوع. وقال ابن عطية: و "ثم" ظرف والعامل فيه "رأيت" أو معناه، والتقدير: رأيت ما ثم فحذفت ما. قال أبو حيان: وهذا فاسد؛ لأنه من حيث جعله معمولاً لـ "رأيت" لا يكون صلة لـ "ما"؛ لأن العامل فبه إذا ذاك محذوف: أي ما استقر ثم. قال شهاب الدِّين: ويمكن أن يجاب عنه، بأن قوله أو معناه هو القول بأنه صلة لموصول فيكونان وجهين لا وجهاً واحداً حتى يلزمه الفساد، ولولا ذلك لكان قوله أو معناه لا معنى له، ويعني بمعناه أي معنى الفعل من حيث الجملة، وهو الاستقرار المقدر. والعامة على فتح الثاء من "ثمَّ" كما تقدم. وقرأ حميد الأعرج بضمها، على أنها العاطفة، وتكون قد عطفت "رأيت" الثاني على الأول ويكون فعل الجواب محذوفاً، ويكون فعل الجواب المحذوف هو الناصب لقوله "نعيماً" والتقدير: وإذا صدرت منك رؤية ثم صدرت رؤية أخرى رأيت نعيماً وملكاً؛ فرأيت هذا هو الجواب. فصل واعلم أنه تعالى ذكر بعد ذلك من يكون خادماً في تلك المجالس. فقال {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ} وقد تقدم تفسير هذين الوصفين في سورة الوقعة والأقرب أن المراد به دوام حياتهم وحسنهم ومواظبتهم على الخدمة الحسنة الموافقة، قال الفراء يقال مخلدون مسورون ويقال مقرطون وروى نفطويه عن ابن الأعرابي مخلدون محلون. والصفة الثالثة: قوله تعالى {إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً} وفي كيفية التشبيه وجوه: أحدها: شبهوا في حسنهم وصفاء ألوانهم وانتشارهم في مجالسهم ومنازلهم عند اشتغالهم بأنواع الخدمة باللؤلؤ المنثور ولو كان صفاً لشبهوا باللؤلؤ المنظوم؛ ألا ترى أنه تعالى قال {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ} فإذا كانوا يطوفون كانوا متناثرين. وثانيها: أنهم شبهوا باللؤلؤ الرطب إذا انتثر من صدفه لأنه أحسن وأكثر ماء. وثالثها: قال القاضي هذا من التشبيه العجيب لأن اللؤلؤ إذا كان متفرقاً يكون أحسن في المنظر لوقوع شعاع بعضه على البعض فيكون مخالفاً للمجتمع منه. واعلم أنه تعالى لما ذكر تفصيل أحوال أهل الجنة، أتبعه بما يدل على أن هناك أموراً أعلى وأعظم من هذا القدر المذكور فقال {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً}. فصل اعلم أن اللذات الدنيوية محصورة في أمور ثلاثة: قضاء الشهوة، وإمضاء الغضب، واللذة الخيالية التي يعبر عنها بحب المال والجاه، وكل ذلك مستحقر فإن الحيوانات الخسيسة قد تشارك الإنسان في واحد منها، فالملك الكبير الذي ذكره الله ههنا لا بد وأن يكون مغايراً لتلك اللذات الحقيرة، وما هو إلا أن تصير نفسه منتقشة بقدس الملكوت متحلية بجلال حضرة اللاهوت، وأما ما هو على أصول المتكلمين، فالوجه فيه أيضاً أنه الثواب والمنفعة المقرونة بالتعظيم فبين الله تعالى في الآيات المتقدمة تفصيل تلك المنافع وبين في هذه الآية حصول التعظيم وهو أن كل واحد منهم يكون كالملك العظيم، وأما المفسرون فمنهم من حمل هذا الملك الكبير على أن هناك منافع أزيد مما تقدم ذكره، قال ابن عباس لا يقدر واصف يصف حسنه ولا طيبه. ويقال إن أدنى أهل الجنة منزلة ينظر في ملكه مسيرة ألف عام ويرى أقصاه كما يرى أدناه, وقيل لا زوال له وقيل إذ أرادوا شيئاً حصل، ومنهم من حمله على التعظيم، فقال الكلبي هو أن يأتي الرسول من عند الله بكرامة من الكسوة والطعام والشراب والتحف إلى ولي الله وهو في منزله فيستأذن عليه، ولا يدخل عليه رسول رب العزة من الملائكة المقربين المطهرين إلا بعد الاستئذان. فصل قال بعضهم قوله {وَإِذَا رَأَيْتَ} خطاب لمحمد خاصة، والدليل عليه أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت إن دخلت الجنة أترى عيناي ما ترى عيناك؟ فقال نعم، فبكى حتى مات، وقال آخرون بل هو خطاب لكل أحد. قوله: {عَالِيَهُمْ}. قرأ نافع وحمزة: بسكون الياء وكسر الهاء، والباقون: بفتح الياء وضم الهاء، لما سكنت الياء كسر الهاء، ولما تحركت ضمت على ما تقدم في أول الكتاب. فأما قراءة نافع وحمزة، ففيها أوجه: أظهرها: أن يكون خبراً مقدماً، و "ثياب" مبتدأ مؤخر. والثاني: أن "عاليهم" مبتدأ، و "ثياب" مرفوع على جهة الفاعلية، وإن لم يعتمد الوصف، وهذا قول الأخفش. والثالث: أن "عاليهم" منصوب، وإنما سكن تخفيفاً. قاله أبو البقاء. وإذا كان منصوباً فسيأتي فيه أوجه، وهي واردة هنا، إلا أن تقدير الفتحة من المنقوص لا يجوز إلا في ضرورة أو شذوذ، وهذه القراءة متواترة، فلا ينبغي أن يقال به فيها، وأما قراءة من نصب، ففيه أوجه: أحدها: أنه ظرف خبر مقدم، و "ثياب" مبتدأ مؤخر، كأنه قيل: فوقهم ثياب. قال أبو البقاء: لأن عاليهم بمعنى فوقهم. قال ابن عطية: يجوز في النصب أن يكون على الظرف؛ لأنه بمعنى فوقهم. قال أبو حيان: وعالٍ وعالية اسم فاعل فيحتاج في إثبات كونهما ظرفين إلى أن يكون منقولاً من كلام العرب: "عاليك أو عاليتك ثوب". قال شهاب الدين: قد وردت ألفاظه من صيغة أسماء الفاعلين ظروفاً، نحو خارج الدار، وداخلها وظاهرها، وباطنها، تقول: جلست خارج الدَّار، وكذلك البواقي، فكذلك هنا. الثاني: أنه حال من الضمير في "عَلَيْهِم". الثالث: أنه حال من مفعول "حَسِبْتَهُمْ". الرابع: أنه حال من مضاف مقدر، أي: رأيت أهل نعيم وملكٍ كبير عاليهم، فـ "عَاليهم" حال من "أهل" المقدر، ذكر هذه الأوجه الثلاثة: الزمخشري، فإنه قال: "وعاليهم" بالنصب على أنه حال من الضمير في "يطوف عليهم" أو في "حسبتهم" أي: يطوف عليهم ولدان عالياً للمطوف عليهم ثياب، أو حسبتهم لؤلؤاً عالياً لهم ثياب، ويجوز أن يراد: رأيت أهل نعيم وملك عاليهم ثياب. قال أبو حيان: أما أن يكون حالاً من الضمير في "حَسِبْتَهُمْ"، فإنه لا يعني إلا ضمير المفعول، وهو لا يعود إلا على "ولدان"، وهذا لا يصح؛ لأن الضمائر الآتية بعد ذلك تدل على أنها للمعطوف عليهم من قوله تعالى {وَحُلُّوۤاْ}، {وَسَقَاهُمْ} و {إِنَّ هَـٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً} وفك الضمائر يجعل كذا وذلك كذا مع عدم الاحتياج إلى ذلك، والاضطرار إلى ذلك لا يجوز، وأما جعله حالاً من محذوف، وتقديره: أهل نعيم، فلا حاجة إلى ادعاء الحذف مع صحة الكلام وبراعته دون تقدير ذلك المحذوف. قال شهاب الدين: جعل أحد الضمائر لشيء، والآخر لشيء آخر لا يمنع صحة ذلك مع ما يميز عود كل واحد إلى ما يليق به، وكذلك تقدير المحذوف غير ممنوع أيضاً, وإن كان الأحسن أن تتفق الضمائر وألاَّ يقدر محذوف، والزمخشري إنما ذكر ذلك على سبيل التجويز لا على سبيل أنه مساوٍ أو أولى، فيرد عليه ما ذكره. الخامس: أنه حال من مفعول "لقَّاهم". السادس: أنه حال من مفعول "جزاهم". ذكرهما مكي. وعلى هذه الأوجه: التي انتصب فيها على الحال يرتفع به "ثياب" على الفاعلية، ولا يضر إضافته إلى معرفة في وقوعه حالاً؛ لأن الإضافة لفظية كقوله تعالى: {أية : عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا} تفسير : [الأحقاف: 24] فأنّث "عارضاً" ولم يؤنث عالياً لأن مرفوعه غير حقيقي التأنيث. السابع: أن ينتصب "عاليهم" على الظرف، ويرتفع "ثياب" به على جهة الفاعلية، وهذا ماشٍ على قول الأخفش والكوفيين حيث يعملون الظرف وعديله، وإن لم يعتمد, كما تقدم ذلك في الصفّ. وإذا رفع "عاليهم" بالابتداء، و "ثياب" على أنه فاعل به، كان مفرداً على بابه لوقوعه موقع الفعل، وإذا جعل خبراً مقدماً كان مفرداً لا يراد به الجمع، فيكون كقوله تعالى: {أية : فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ} تفسير : [الأنعام: 45] أي أدبار. قاله مكي. وقرأ ابن مسعود وزيدُ بن علي: "عاليتهم" مؤنثاً بالتاء مرفوعاً. والأعمش وأبان عن عاصم كذلك، إلا أنه منصوب. وقد عرف الرفع والنصب مما تقدم. وقرأت عائشة - رضي الله عنها - "عَليَتْهُم" فعلاً ماضياً متصلاً بتاء التأنيث الساكنة، و "ثياب" فاعل به، وهي مقوية للأوجه المذكورة في رفع "ثياب" بالصفة في قراءة الباقين كما تقدم تفصيله. وقرأ ابن سيرين ومجاهد، وأبو حيوة، وابن أبي عبلة وخلائق: جاراً ومجروراً. وإعرابه كإعراب "عاليهم" ظرفاً في جواز كونه خبراً مقدماً، أو حالاً مما تقدم وارتفاع "ثياب" به على التفصيل المذكور. فصل في الضمير في عاليهم قال ابن الخطيب: والضمير في "عاليهم" إما للولدان أو للأبرار. فكأنهم يلبسُون عدة من الثياب، فيكون الذي يعلوها أفضلها، ولهذا قال تعالى "عاليهم" أي فوق حجالهم المضروبة عليهم ثيابُ سندسٍ، والمعنى: أن حجالهم من الحرير والديباج. قوله تعالى: {ثِيَابُ سُندُسٍ}. قرأ العامة: بإضافة الثياب لما بعدها. وأبو حيوة وابن أبي عبلة: "ثِيَابٌ" منونة، {سُندُسٌ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ} برفع الجميع فـ "سُنْدُسٌ" نعت لـ "ثِيَابٌ"؛ لأن "السندس" نوع، و "خُضْرٌ" نعت لـ "سُنْدُسٌ" يكون أخضر وغير أخضر، كما أن الثياب تكون سندساً وغيره، و "إسْتَبْرَقٌ" نسق على ما قبله، أي: وثياب إستبرق. واعلم أن القراءة السبعة في "خُضْرٌ"، و "إسْتَبْرَقٌ" على أربع مراتب. الأولى: رفعهما، لنافع وحفص فقط. الثانية: خفضهما، الأخوين فقط. الثالثة: رفع الأول، وخفض الثاني، لأبي عمرو وابن عامر فقط. الرابعة: عكسه، لابن كثير وأبي بكر فقط. فأما القراءة الأولى: فإن رفع "خضرٌ" على النعت لـ "ثياب", ورفع "إستبرق" نسق على "الثياب" ولكن على حذف مضاف, أي: وثيابٌ إستبرق, ومثله: على زيد ثوبُ خزٍّ وكتانٍ, أي: وثوبُ كتَّانٍ. وأما القراءة الثانية: فيكون جر "خضر" على النعت لـ "سندس". ثم استشكل على هذا وصف المفرد بالجمع، فقال مكي: هو اسم جمع. وقيل: هو جمع "سندسة" كـ "تمر وتمرة" ووصف اسم الجنس بالجمع يصح، قال تعالى {أية : وَيُنْشِىءُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ} تفسير : [الرعد: 12]، و {أية : أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ} تفسير : [القمر: 20]، و {أية : مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ} تفسير : [يس: 80] وإذا كانوا قد وصفوا المحل لكونه مراداً به الجنس بالجمع في قولهم: "أهلك الناسَ الدينارُ الحمرُ والدِّرهمُ البيضُ"، وفي التنزيل: {أية : أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ} تفسير : [النور: 31] فلأن يوجد ذلك في أسماء الجموع أو أسماء الأجناس الفارق بينها وبين واحدها تاء التأنيث بطريق الأولى، وجر "إستبرق" نسقاً على "سندس"، لأن المعنى ثياب من سندس، وثياب من إستبرق. وما القراءة الثالثة: فرفع "خضر" نعتاً لـ "ثياب" وجر "إستبرق" نسقاً على سندس أي: ثياب خضر من سندس، ومن إستبرق، فعلى هذا يكون الإستبرق أيضاً أخضر. وأما القراءة الرابعة: فجر "خضر" على أنه نعت لـ "سندس" ورفع "إستبرق" على النسق على "ثياب" بحذف مضاف، أي: وثياب استبرق. وتقدم الكلام على مادة السندس والإستبرق في سورة الكهف. وقرأ ابن محيصن: "وإستبرق" بفتح القاف، ثم اضطرب النقل عنه في الهمزة، فبعضهم ينقل عنه أنه قطعها، وبعضهم ينقل أنه وصلها. قال الزمخشري: "وقرئ: "وإستبرق" نصباً في موضع الجر على منع الصرف، لأنه أعجمي، وهو غلط؛ لأنه نكرة يدخله حرف التعريف، تقول الإستبرق، إلا أنه يزعم ابن محيصن أنه قد جعل علماً لهذا الضرب من الثياب، وقرأ: "واستبرقَ" بوصل الهمزة والفتح على أنه مسمى بـ "استفعل" من البريق، وهو ليس بصحيح - أيضاً - لأنه معرب مشهور تعريبه وأصله استبره". وقال أبو حيان: ودل قوله: إلا أن يزعم ابن محيصن، وقوله بعد: وقرئ "واستبرق" بوصل الألف والفتح، أنّ قراءة ابن محيصن هي بقطع الهمزة مع فتح القاف, والمنقول عنه في كتب القراءات: أنه قرأ بوصل الألف وفتح القاف. قال شهاب الدين: قد سبق الزمخشري إلى هذا مكي، فإنه قال: وقد قرأ ابن محيصن بغير صرف, وهو وهم إن جعله اسماً؛ لأنه نكرة منصرفة. وقيل: بل جعله فعلاً ماضياً من "برق" فهو جائز في اللفظ بعيد في المعنى. وقيل: إنه في الأصل فعل ماض على "استفعل" من "برق"، فهو عربي من البريق، فلما سمِّي به قطعت ألفه؛ لأنه ليس من أصل الأسماء أن يدخلها ألف الوصل، وإنما دخلت معتلة مغيرة عن أصلها، معدودة، لا يقاس عليها؛ انتهى، فدل قوله "قطعت ألفه" إلى آخره، أنه قرأ بقطع الهمزة وفتح القاف، ودل قوله أولاً: وقيل: بل جعله فعلاً ماضياً من "برق"، أنه قرأ بوصل الألف، لأنه لا يتصور أن يحكم عليه بالفعلية غير منقول إلى الأسماء، ويترك ألفه ألف قطعٍ ألبتة، وهذا جهل باللغة، فيكون قد رُوِيَ عنه قراءتا قطع الألف ووصلها، فظهر أن الزمخشري لم ينفرد بالنقل عن ابن محيصن بقطع الهمزة. وقال أبو حاتم في قراءة ابن محيصن: لا يجوز، والصواب: أنه اسم جنس لا ينبغي أن يحمل ضميراً ويؤيد ذلك دخول لام المعرفة عليه، والصواب قطع الألف, وإجراؤه على قراءة الجماعةِ. قال أبو حيان: نقول: إن ابن محيصن قارئٌ جليلٌ مشهورٌ بمعرفة العربية، وقد أخذ عن أكابر العلماء، فيتطلب لقراءته وجه، وذلك أنه يجعل "استفعل" من البريق, تقول: برق واستبرق، كـ "عجب واسْتعجَبَ"، ولما كان قوله: "خضر" يدل على الخضرة، وهي لون ذلك السُّنْدس، وكانت الخضرة مما يكون فيها لشدتها دُهمة وغبش، أخبر أن في ذلك بريقاً وحسناً يزيل غبشيته، فـ "استبرق" فعل ماض، والضمير فيه عائد على السُّندس، أو على الأخضر الدالّ عليه خضر، وهذا التخريج أولى من تلحين من يعرف بالعربية، وتوهيم ضابط ثقة. وهذا هو الذي ذكره مكي. وهذه القراءة قد تقدمت في سورة الكهف. قوله تعالى: {وَحُلُّوۤاْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ} عطف على "ويَطُوفُ" عطف ماضياً لفظاً مستقبلاً معنى، وأبرزه بلفظ الماضي لتحققه. وقال الزمخشري بعد سؤال وجواب من حيث المعنى: وما أحسن بالمعصم أن يكون فيه سواران: سِوَار من ذهب وسوار من فضة. وناقشه أبو حيان في قوله: "بالمِعْصَم"، فقال: قوله: "بالمعصم" إما أن يكون مفعول "أحسن" وإما أن يكون بدلاً منه، وقد فصل بينهما بالجار والمجرورن فإن كان الأول فلا يجوز؛ لأنه لم يعهد زيادة الباء في مفعول "أفعل" التعجب، لا تقول: ما أحسن بزيد، تريد: ما أحسن زيداً، وإن كان الثاني ففي هذا الفصل خلافٌ، والمنقول عن بعضهم أنه لا يجوز، والمولد منا إذا تكلم ينبغي أن يتحرز في كلامه فيما فيه خلافٌ. قال شهاب الدين: وأي غرض له في تتبع كلام هذا الرجل حتى في الشيء اليسير على أن الصحيح جوازه، وهو المسموع من العرب نثراً، قال عمرو بن معديكرب: لله درُّ بني مجاشع ما أكثر في الهيجاء لقاءها، وأثبت في المكرمات بقاءها، وأحسن في اللَّزْباتِ عطاءها، والتشاغل بغير هذا أولى. فصل في المراد بالأساور قال هنا: "أساور من فضة" وفي سورة "فاطر": {أية : يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ} تفسير : [فاطر: 33]، وفي سورة "الحج": {أية : يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً} تفسير : [الحج: 23] فقيل: حليُّ الرجل الفضة. وقيل: يجمع في يد أحدهم سواران من ذهب، وسواران من فضة، وسواران من لؤلؤ، ليجتمع محاسن أهل الجنة. قاله سعيد بن المسيب رضي الله عنه. وقيل: يعطى كل أحد ما يرغب فيه وتميل نفسه إليه. وقيل: أسورةُ الفضة إنما تكون للولدان وأسورة الذهب للنساء. وقيل: هذا للنساء والصبيان. وقيل: هذا بحسب الأوقات. قوله تعالى: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً} [قال علي رضي الله عنه في قوله تعالى: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً}]، قال: إذا توجه أهل الجنة إلى الجنة مرُّوا بشجرة تخرج من تحت ساقها عينان، فيشربون من إحداها، فيجري عليهم بنضرة النعيم، فلا تتغير أبشارهم، ولا تشعّث أشعارهم أبداً، ثم يشربون من الأخرى، فيخرج ما في بطونهم من الأذى، ثم تستقبلهم خزنةُ الجنة، فيقولون لهم: {أية : سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ} تفسير : [الزمر: 73]. وقال النخعي وأبو قلابة، هو إذا شربوه بعد أكلهم طهرهم، وصار ما أكلوه وما شربوه رشح مسكٍ وضمرت بطونهم. وقال مقاتل: هو من عين ماء على باب الجنة ينبع من ساق شجرة من شرب منها نزع الله ما كان في قلبه من غشٍّ وغلٍّ وحسدٍ، وما كان في جوفه من أذى، وعلى هذا فيكون "فعولاً" للمبالغة، ولا يكون فيه حجة للحنفي أنه بمعنى الطاهر. قاله القرطبي. قال ابن الخطيب: قوله تعالى: {طَهُوراً} فيه قولان: الأول: المبالغة في كونه طاهراً ثم على التفسير احتمالان: أحدهما: ألاَّ يكون نجساً كخمر الدنيا. وثانيهما: المبالغة في البعد عن الأمور المستقذرة، يعني ما مسته الأيدي الوضيعة والأرجل الدنسة. وثانيهما: أنه لا يؤول إلى النجاسة، لأنها ترشح عرقاً من أبدانهم له ريح كريح المسكِ، وعلى هذين الوجهين يكون الطهور مطهراً؛ لأنه يطهِّرُ باطنهم عن الأخلاق الذميمة والأشياء المؤذية. فإن قيل: قوله تعالى: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً} هو نوع ما ذكره قبل ذلك من أنهم يشربون من عين الكافور والزنجبيل والسلسبيل، أو هذا نوع آخر؟. قلنا: بل هذا نوع آخر، لوجوه: أحدها: التِّكرار. والثاني" أنه تعالى أضاف هذا الشراب إلى نفسه تبارك وتعالى، بقوله تعالى: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً}، وذلك يدل على فضل هذا على غيره. والثالث: ما روي من أنه يقدِّم إليهم الأطعمة والأشربة، فإذا فرغوا منها أتُوا بالشراب الطهور فيشربون فيطهر ذلك بطونهم ويفيض عرقاً من جلودهم مثل ريح المسكِ، وهذا يدل على أن الشراب مغاير لتلك الأشربة، ولأن هذا الشراب يهضم سائر الأشربة ثم له مع هذا الهضم تأثير عجيب وهو أنه يجعل سار الأطعمة والأشربة عرقاً يفوح منه كريح المسك وكل ذلك يدل على المغايرة. قوله تعالى: {إِنَّ هَـٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً}، أي: يقال لهم: إن هذا كان حزاؤكم، أي: ثواب أعمالكم، فيزداد بذلك القول فرحهم وسرورهم، كما أن المعاقب يزداد غمّه، إذا قيل له: هذا جزاء عملك الرديء "وكَانَ سَعيُكُمْ" أي: عملكم "مَشْكوراً" أي: من قبل الله وشكره للعبد قبُول طاعته وثناؤه عليه وإثابته. وقال قتادةُ: غفر لهم الذنب وشكر لهم الحسنى. وقيل: هذا إخبار من الله - تعالى - لعباده في الدنيا كأنه - تعالى - شرح لهم ثواب أهل الجنة، أي أنَّ هذا كان في علمي وحكمي جزاء لكم يا معاشر عبيدي لكم خلقتها ولأجلكم أعددتها. فصل في الكلام على الآية قال ابن الخطيب: وفي الآية سؤالان: الأول: إذا كان فعل العبد خلقاً لله - تعالى - فكيف يعقل أن يكون فعل الله - تعالى - جزاء على فعل الله؟. والجواب: أن الجزاء هو الكافي وذلك لا ينافي كونه فعلاً لله. السؤال الثاني: كون سعي العبد مشكوراً يقتضي كون الله شاكراً له؟. والجواب: كون الله - تعالى - شاكراً للعبد محال إلى على وجه المجاز، وهو من ثلاثة أوجه: الأول: قال القاضي: إن الثواب مقابل لعملهم كما أن الشكر مقابل للنعم. والثاني: قال القفال: إنه مشهور في كلام الناس أن يقولوا للراضي بالقليل والمثنى به أنه مشكور، فيحتمل أن يكون شكر الله لعباده، وهو رضاه عنهم بالقليل من الطاعات وإعطائه إياهم عليهم ثواباً كبيراً. الثالث: أن منتهى درجة العبد راضياً من ربه مرضيًّا لربه، كما قال تعالى: {أية : يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً} تفسير : [الفجر: 27- 28]، وكونها راضية من ربه أقلُّ درجة من كونها مرضية لربه، فقوله تعالى: {إِنَّ هَـٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً} إشارة إلى الأمر الذي تصير به النفس راضية مرضية، وقوله: {وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً} إشارة إلى كونها مرضية لربها لما كانت الحالة أعلى المقامات وآخر الدرجات لا جرم وقع الختم عليها في ذكر مراتب أحوال الأبرار والصديقين.

البقاعي

تفسير : ولما قسمهم إلى القسمين، ذكر جزاء كل قسم فقال مستأنفاً جواب من يسأل عن ذلك مبشراً للشاكر الذي استعد بعروجه في مراقي العبادات إلى ملكوت العلويات لروح وريحان وجنة نعيم، ومنذراً للكافر الذي استعد بالهبوط في دركات المخالفات إلى التقيد بالسفليات لنزل من حميم وتصلية جحيم، مقدماً للعاصي لأن طريق النشر المشوش أفصح، وليعادل البداءة بالشاكر في أصل التقسيم ليتعادل الخوف والرجاء، وليكون الشاكر أولاً وآخراً، ولأن الانقياد بالوعيد أتم لأنه أدل على القدرة لا سيما في حق أهل الجاهلية الذين بعدت عنهم معرفة التكاليف الشرعية، وأكثر في القرآن العظيم من الدعاء بالترغيب والترهيب لأنه الذي يفهمه الجهال الذين هم أغلب الناس دون الحجج والبراهين، فإنها لا يفهمها إلا الخواص، وأكد لأجل تكذيب الكفار: {إنا} أي على ما لنا من العظمة {أعتدنا} أي هيأنا وأحضرنا بشدة وغلظة {للكافرين} أي العريقين في الكفر خاصة، وقدم الأسهل في العذاب فالأسهل ترقياً فقال: {سلاسلاً} يقادون ويرتقون بها، وقراءة من نوّن مشيرة إلى أنها عظيمة جداً، وكذا وقف أبي عمرو عليه بالألف مع المنع من الصرف {وأغلالاً} أي جوامع تجمع أيديهم إلى أعناقهم فيها فيهانون بها {وسعيراً *} أي ناراً حامية جداً شديدة الاتقاد. ولما أوجز في جزاء الكافر، أتبعه جزاء الشاكر وأطنب فيه تأكيداً للترغيب، فإن النفوس بعد كسر الوعيد لها تهتز لأدنى وعد وأقله فكيف بأتمه وأجله، فقال مستأنفاً مؤكداً لتكذيب الكافر مبيناً بذكر الخمر على هذه الصفة أنهم في أنهى ما يكون من رغد العيش لأنه يلزم من شربها جميع مقدماتها ومتمماتها: {إن الأبرار} بخصوصهم من عموم الشاكرين جمع بر كأرباب جمع رب، أو بار كأشهاد جمع شاهد، وهم الذين سمت هممهم عن المستحقرات فظهرت في قلوبهم ينابيع الحكمة فأنفقوا من مساكنة الدنيا {يشربون} أي ما يريدون شربه {من كأس} أي خمر - قاله الحسن وهو اسم لقدح تكون فيه {كان مزاجها} أي الذي تمزج به {كافوراً *} أي لبرده وعذوبته وطيب عرفه، وذكر فعل الكون يدل على أن له شأناً في المزج عظيماً يكون فيه كأنه من نفس الجبلة لا كما يعهد. ولما كان الكافور أعلى ما نعهده جامداً، بين أنه هناك ليس كذلك، فقال مبدلاً من "كافور": {عيناً يشرب بها} أي بمزاجها كما تقول: شربت الماء بالعسل {عباد الله} أي خواص الملك الأعظم وأولياؤه أي شراب أرادوه. ولما كان المزاج يتكلف لنقله قال: {يفجرونها تفجيراً *} أي حال كونهم يشققونها ويجرونها بغاية الكثرة إجراء حيث أرادوا من مساكنهم وإن علت وغيرها. ولما ذكر جزاءهم على برهم المبين لشكرهم، أتبعه تفصيله فقال مستأنفاً بياناً لأن شكرهم بالتعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله وعمارة الظاهر والباطن لأنهم جمعوا بين كرم الطبع ولطافة المزاج الحامل على تجويز الممكن المقتضي للإيمان بالغيب: {يوفون} أي على سبيل الاستمرار {بالنذر} وهذا كناية عن وفائهم بجميع أنحاء العبادة لأن من وفى بما أوجبه على نفسه كان بما أوجبه الله من غير واسطة أوفى، ويجوز أن يكون النذر كل ما تقدم إليهم فيه سبحانه. ولما دل وفاؤهم على سلامة طباعهم، قال عاطفاً دلالة على جمعهم للأمرين المتعاطفين فهم يفعلون الوفاء لا لأجل الخوف بل لكرم الطبع: {ويخافون} أي مع فعلهم للواجبات {يوماً كان} أي كوناً هو في جبلته {شره} أي ما فيه من الشدائد {مستطيراً *} أي موجود الطيران وجوداً كأنه بغاية الرغبة فيه فهو في غاية الانتشار، والخوف أدل دليل على عمارة الباطن، قالوا: وما فارق الخوف قلباً إلا خرب، من خاف أدلج، ومن أدلج المنزل، فالخوف لاجتناب الشر والوفاء لاجتلاب الخير. ولما كان من خاف شيئاً سعى في الأمن منه بكل ما عساه ينفع فيه، وكان قد ذكر تذرعهم بالواجب، أتبعه المندوب دلالة على أنهم لا ركون لهم إلى الدنيا ولا وثوق بها، فقد جمعوا إلى كرم الطبع بالوفاء ورقة القلب شرف النفس بالانسلاخ من الفاني فقال: {ويطعمون الطعام} أي على حسب ما يتيسر لهم من عال ودون على الدوام. ولما كان الإنسان قد يسمح بما لا يلذ له قال: {على حبه} أي حبه إياه حباً هو في غاية المكنة منهم والاستعلاء على قلوبهم لقلته وشهوتهم له وحاجتهم إليه كما قال تعالى:{أية : لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون}تفسير : [آل عمران: 92] ليفهم أنهم للفضل أشد بذلاً، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم أي الصحابة رضي الله عنهم - ولا نصيفه"تفسير : لقلة الموجود إذ ذاك وكثرته بعد {مسكيناً} أي محتاجاً احتياجاً يسيراً، فصاحب الاحتياج الكثير أولى {ويتيماً} أي صغيراً لا أب له ذكراً كان أو أنثى {وأسيراً *} أي في أيدي الكفار أي أعم من ذلك، فيدخل فيه المملوك والمسجون والكافر الذي في أيدي المسلمين، وقد نقل في غزوة بدر أن بعض الصحابة رضي الله عنهم كان يؤثر أسيره على نفسه بالخبز، وكان الخبز إذ ذاك عزيزاً حتى كان ذلك الأسير يعجب من مكارمهم حتى كان ذلك مما دعاه إلى الإسلام، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما دفعهم إليهم قال: "حديث : استوصوا بهم خيراً"تفسير : ومن حكم الأسير الحقيقي كل مضرور يفعلون ذلك والحال أنهم يقولون بلسان الحال أو القال إن احتيج إليه إزاحة لتوهم المن أو توقع المكافأة مؤكدين إشارة إلى أن الإخلاص أمر عزيز لا يكاد أحد يصدق أنه يتأتى لأحد: {إنما نطعمكم} أيها المحتاجون {لوجه الله} أي لذات الملك الذي استجمع الجلال والإكرام لكونه أمرنا بذلك، وعبر به لأن الوجه يستحيى منه ويرجى ويخشى عند رؤيته. ولما أثبتوا بهذا الإخلاص، حققوه بنفي ما يغير فيه، وفسروه لما لا يكون إلا به فقالوا: {لا نريد منكم} أي لأجل ذلك {جزاء} أي لنا من أعراض الدنيا {ولا شكوراً *} بشيء من قول ولا فعل، وكأنه اختير هذا المصدر المزيد كالدخول والخروج والقعود إيماءً إلى أن المنفي ما يتكلف له، وأما مثل المحبة والدعاء فلا، ولو أرادوا شيئاً من ذلك لما كان لله، وروي في سبب نزول هذه الآية: "أن علياً وابنيه وأمهما فاطمة رضي الله عنهم أجمعين آثروا على أنفسهم ثلاثة أيام، وأصبحوا الرابع يرتعشون، فلما رآهم النبي صلى الله عليه وسلم ساءه ذلك، فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام بهذه السورة مهنئاً له بها" ولا يستبعد الصبر على الجوع هذه المدة لأنه ربما كانت للنفس هيئة قوية من استغراق في محبة الله تعالى أو غير ذلك، فهبطت إلى البدن فشغلت الطبيعة عن تحليل الأجزاء فلا يحصل الجوع كما أنا نشاهد الإنسان يبقى في المرض الحاد مدة من غير تناول شيء من غذاء ولا يتأثر بدنه لذلك، فلا بدع أن تقف الأفعال الطبيعية في حق بعض السالكين وهو أحد القولين في قول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني ".

ابو السعود

تفسير : {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ} من أفراد الإنسان الذي هديناهُ السبـيلَ {سَلَـٰسِلا} بهَا يُقادُون {وَأَغْلَـٰلاً} بها يُقيَّدونَ {وَسَعِيراً} بهَا يُحرقُون، وتقديمُ وعيدِهم معَ تأخرهم للجمع بـينهُمَا في الذكر كما في قولِه تعالى: {أية : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ} تفسير : [سورة آل عمران، الآية 106] الآيةَ، ولأنَّ الإنذارَ أهمُّ وأنفعُ وتصديرُ الكلامِ وختمُه بذكرِ المؤمنينَ أحسنُ على أنَّ في وصفِهم تفصيلاً ربَّما يُخلُّ تقديمُه بتجاوب أطراف النظمِ الكريمِ. وقُرِىءَ سلاسلاً للتناسب. {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ} شروعٌ في بـيان حسنِ حالِ الشاكرينَ إثرَ بـيانِ سوءِ حالِ الكافرينَ وإيرادُهم بعنوانِ البِرِّ للإشعارِ بمَا استحقُّوا بهِ ما نالُوه من الكرامةِ السنيةِ. والأبرارُ جمعُ بَرَ أو بارَ كربَ وأربابٍ وشاهدٍ وأشهادٍ. قيلَ: هُو من يبرُّ خالقَهُ أي يطيعُهُ وقيلَ: من يمتثلُ بأمرِه تعالى وقيلَ: من يؤدِّي حقَّ الله تعالى ويوفِّي بالنذرِ، وعنِ الحسنِ البرُّ منْ لا يُؤذِي الذرَّ {يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ} هي الزجاجةُ إذا كانتْ فيها خمرٌ وتُطلقُ على نفسِ الخمرِ أيضاً فمِنْ على الأولِ ابتدائيةٌ وعلى الثانِي تبعيضيةٌ أو بـيانيةٌ {كَانَ مِزَاجُهَا} أي ما تمزجُ به {كَـٰفُوراً} أي ماءَ كافورٍ وهو اسمُ عينٍ في الجنَّةِ ماؤُها في بـياضِ الكافورِ ورائحتِه وبردِه. والجملةُ صفةُ كأسٍ. وقولُه تعالَى: {عَيْناً} بدلٌ من كافُوراً وعنْ قتادةَ: تمزجُ لهم بالكافورِ وتختمُ لهم بالمسكِ، وقيلَ: تخلقُ فيها رائحةُ الكافورِ وبـياضُه وبردُه فكأنَّها مُزجتْ بالكافورِ، فعيناً على هذينِ القولينِ بدلٌ منْ محلِّ (منْ كأسٍ) على تقديرِ مضافٍ أي يشربونَ خمراً خمرَ عينٍ أو نَصبٌ على الاختصاصِ. وقولُه تعالى: {يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ} صفةُ عيناً أي يشربونَ بها الخمرَ لكونِها ممزوجةً بهَا وقيل: ضُمِّن يشربُ مَعْنى يلتذُّ وقيل: الباءُ بمَعْنى مِنْ وقيلَ: زائدةٌ ويعضدُه قراءةُ ابنِ أبِـي عبلةَ يشربُها عبادُ الله وقالَ: الضميرُ للكأسِ والمَعْنى يشربونَ العينَ بتلكَ الكأسِ {يُفَجّرُونَهَا تَفْجِيراً} أي يُجرونها حيثما شاؤوا من منازلِهم إجراءً سهلاً لا يمتنعُ عليهم بَلْ يَجْري جرياً بقوة واندفاعٍ والجملةُ صفةٌ أُخرى لعيناً.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلاَ وَأَغْلاَلاً وَسَعِيراً}. أي: هَيَّأْنا لهم سلاسلَ يُسْحَبون فيها، {وَأَغْلاَلاً} لأعناقهم يُهانون بها، {وَسَعِيراً}: ناراً مستعرة. {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً}. قيل: البَرُّ: الذي لا يُضْمِرُ الشَّرَّ، ولا يؤذي الذَّرّ. وقيل: {ٱلأَبْرَارَ}: هم الذين سَمَتْ هِمَّتهُم عن المستحقرات، وظهرت في قلوبهم ينابيع الحكمة فاتّقوا عن مُسَاكنةٍ الدنيا. {يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ} رائحتها كرائحة الكافور، أو ممزوجة بالكافور. ويقال: اختلفت مشاربهُم في الآخرة؛ فكلٌّ يُسْقَى ما يليق بحاله... وكذلك في الدنيا مشاربهُم مختلفة؛ فمنهم مَنْ يُسقَى مَزْجاً، ومنهم من يُسقَى صِرْفاً، ومنهم من يسقى على النُّوَب، ومنهم من يُسقى بالنُّجُب ومنهم من يُسْقى وحدَه ولا يُسقي مما يُسقى غيره، ومنهم مَنْ يسقى هو والقوم شراباً واحداً... وقالوا: شعر : إن كنت من ندماي فبالأكبر اسْقِني ولا تَسْقِني بالأصغر المتثلم تفسير : وفائدة الشرابِ - اليومَ - أن يشغلهم عن كل شيءٍ فيريحُهم عن الإحساس، ويأخذهم عن قضايا العقل.. كذلك قضايا الشراب في الآخرة، فيها زوالُ الأرَبِ، وسقوطُ الطلبِ، ودَوَامُ الطَّرَب، وذَهَابُ الحَرَب، والغفلة عن كلِّ سبب. ولقد قالوا: شعر : عاقِرْ عقارك واصْطبِحْ واقدَحْ سرورَك بالقَدحَ واخلع عذارك في الهوى وأَرِحْ عذولَك واسترحْ وافرَحْ بوقتِك إنما عُمْرُ الفتى وقتُ الفَرَح تفسير : قوله جلّ ذكره: {عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً}. يُشَقِّقونها تشقيقاً، ومعناه أَن تلك العيون تجري في منازلهم وقصورهم على ما يريدون. واليومَ - لهم عيونٌ في أَسرارهم من عين المحبة، وعين الصفاء، وعين الوفاء، وعين البسط، وعين الروح.. وغير ذلك، وغداً لهم عيون.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {إِنَّا أعتدْنا}؛ أعددنا {للكافرين سلاسلاً} يُقادون بها إلى النار {وأغلالاً} يُقيَّدون بها {وسعيراً} يُحرقون بها. و"سلاسل" لا ينصرف؛ لصيغة منتهى الجموع، ومَن صرفه فليناسب أغلالاً، إذ يجوز صرف غير المنصرف للتناسب. وتقديم وعيد الكفرة مع تأخرهم في الجمع على طريق اللف والنشر المعكوس، كقوله: { أية : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ...}تفسير : [آل عمران:106] الآية ليتخلّص إلى الكلام على الفريق الأول بطريق الإطناب، فقال: {إِنَّ الأبرارَ} جمع بر وبار، كرب وأرباب، وشاهد وأشهاد، وهو مَن يبر خالقه، أي: يُطيعه, وقيل: الأبرار هم الصادقون في الإيمان، أو: الذين لا يؤذون الذر، ولا يعمدون الشر. {يشربون من كأس} وهو الزجاجة إذا كان فيها خمر، ويُطلق على نفس الخمر، فـ"مِن" على الأول ابتدائية، وعلى الثاني تبعيضية، {كان مِزاجُها} أي: ما تمزج به {كافوراً} أي: ماءٌ كافورٌ، وهو عين في الجنة، ماؤها في بياض الكافور ورائحتِه وبردِه. وفي القاموس: الكافور: نبت طيب، نَوره كنَور الأُقحوان، وطِيب معروف، يكون من شجر بجبال بحر الهند والصين، يُظل خلقاً كثيراً، وتألفه النمور، وخشبه أبيض هش، ويوجد في أجوافه الكافور، وهو أنواع، ولونها أحمر، وإنما يبيّض بالتصعيد، والتصعيد: الإذابة. هـ. وقوله تعالى: {عيناً}: بدل من "كافور"، وعن قتادة: تمزج لهم بالكافور، وتختم لهم بالمسك، وقيل: يخلق فيها رائحة الكافور وبياضه ويرده، فكأنها مزجت بالكافور، وهذا أنسب بأحوال الجنة، فـ"عيناً" على هذين القولين: بدل من محل (من كأس) على حذف مضاف، أي: يشربون خمر عين، أو: نصب على الاختصاص، وقوله تعالى: {يشرب بها عبادُ الله}: صفة لعين، أي: يشربون منها، أو: الباء زائدة، ويعضده قراءة ابن أبي عبلة: " يشربها"، أو: هو محمول على المعنى، أي: يتلذذون بها، أو يروون بها، وإنما عبّر أولاً بحرف "من" وثانياً بحرف الباء؛ لأنَّ الكأس مبتداً شرابهم وأول غايته، وأمّا العين فيها يمزجون شرابهم. قاله النسفي. وقيل: الضمير للكأس، أي: يشربون العين بتلك الكأس، {يُفجِّرُونها تفجيراً} أي: يُجْرُونَها حيث شاؤوا من منازلهم إجراءاً سهلاً، لا يمتنع عليهم، بل يجري جرياً بقوة واندفاع. {يُوفُون بالنَّدْرٍ} بما أَوجبوا على أنفسهم من الطاعات، وهو استئناف مسوق لبيان ما لأجله رُزقوا ما ذكر من النعيم، كأنه قيل: ماذا كانوا يفعلون حتى نالوا تلك الرتبة العالية؟ فقال: يُوفون بما أوجبوا على أنفسهم، فكيف بما أوجبه اللهُ عليهم؟ {ويخافون يوماً كان شَرُّه}؛ شدائده أو عذابه {مُسْتَطِيراً}؛ منتشراً فاشياً في أقطار الأرض غاية الانتشار، من: استطار الفجر: انتشر. {ويُطعِمون الطعامَ على حُبه} أي: كائنين على حب الطعام والحاجة إليه، كقوله تعالى: {أية : لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ }تفسير : [آل عمران:92] أو: على حب الإطعام، بأن يكون ذلك بطيب النفس، أو: على حب الله، وهو الأنسب بقوله: {لوجه الله}، {مسكيناً}؛ فقيراً عاجزاً عن الاكتساب, أسكنه الفقرُ في بيته، {ويتيماً}؛ صغيراً لا أب له، {وأسيراً} أي: مأسوراً كافراً. كان عليه السلام يؤتى بالأسير، فيدفعه إلى بعض المسلمين، فيقول له: " أحسِن إليه" أو: أسيراً مؤمناً، فيدخل فيه المملوك والمسجون، وقد سمى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الغريم أسيراً فقال: "حديث : غريمك أسيرك فأحسن إلى أسيرك ". تفسير : ثم علّلوا إطعامهم فقالوا: {إِنما نُطعمكم لوجه الله} أي: لطلب ثوابه، أو: هو بيان من الله تعالى عما في ضمائرهم من الإخلاص، لأنَّ الله تعالى عَلِمه منهم, فأثنى عليهم وإن لم يقولوا شيئاً، وفيه نظر؛ إذ لو كان كذلك لقال: "يطعمهم" بضمير الغيب، فالجملة على الأول محكية بقول محذوف، حال من فاعل "يُطعمون" أي: قائلين بلسان الحال أو المقال؛ لإزاحة توهم المنّ المبطل للصدقة، وتوقع المكافآت المنقصة للأجر: {إنما نُطعمكم...} الخ. وعن الصدّيقة ـ رضي الله عنها ـ كانت تبعث بالصدقة، ثم تسأل الرسولَ ما قالوا، فإذا ذكر دعاءهم دعت لهم بمثله، ليبقى لها ثواب الصدقة خالصاً. {لا نُريد منكم جزاءً ولا شُكوراً} أي: لا نطلب على طعامنا مكافأة هدية ولاثناءً، وهو مصدر: شكر شكراً وشُكوراً. {إِنَّا نخافُ من ربنا} أي: إنا لا نُريد منكم المكافأة لخوف عذاب الله على طلب المكافأة في الصدقة، أو: إنا نخاف من ربنا فنتصدّق لوجهه حتى نأمن من ذلك الخوف، {يوماً عَبُوساً قمْطريراً}، وصف اليوم بصفة أهله، نحو: نهاره صائم. والقمطرير: الشديد العبوس، الذي يجمع ما بين عينيه، أي: نخاف عذاب يوم تعبس فيه الوجوه أشد العبوسة. {فوقاهم اللهُ شَرَّ ذلك اليوم}؛ صانهم من شدائده، لسبب خوفهم وتحفُّظهم منه، {ولَّقاهم} أي: أعطاهم بدل عبوس الفجار {نضرةً}؛ حُسناً في الوجوه {وسُروراً} في القلب، {وجزاهم بما صبروا}؛ بصبرهم على مشاق الطاعات، ومهاجرة المحرمات، وإيثار الغير بالعطاء في الأزمات، {جنةً}؛ بستاناً يأكلون منه ما يشاؤون {وحَرِيراً} يلبسونه ويتزينون به. وعن ابن عباس رضي الله عنه: أنّ الحسن والحسين ـ رضي الله عنهما ـ مَرِضا فعادهما النبيُّ صلى الله عليه وسلم في أّناس معه، فقالوا لعليّ رضي الله عنه: لو نذرت على ولدك، فنذر عليّ وفاطمةُ وجاريتهما ـ يقال لها: فِضة ـ إن برئا مما بهما أن يصوموا ثلاثة أيام، فشُفيا، فاستقرض عليّ من يهودي ثلاث أصُوع من الشعير, فطحنت ـ رضي الله عنها ـ صاعاً، واختبزت خمسة أقراص على عددهم، فوضعوها بين أيديهم ليفطروا، فوقف عليهم سائل، فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد، مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني، أطعمكم اللهُ من موائد الجنة، فآثروه، وباتوا لم يذوقوا إلا الماء، وأصبحوا صياماً، فلما أمسوا وضعوا الطعام بين أيديهم، فوقف عليهم يتيم، فأثروه، ثم وقف عليهم في الثالثة أسير، ففعلوا مثل ذلك، فلما أصبحوا أخذ بيد الحسن والحسين، وأقبلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أبصرهم وهم يرتعشون، كالفراخ من شدة الجوع، قال عليه السلام: "حديث : ما أشد ما يسوؤني مما أرى بكم"تفسير : ، وقام فانطلق معهم، فرأى فاطمة في محرابها قد التصق ظهرها ببطنها، وغارت عيناها، فساءه ذلك، فنزل جبريل عليه السلام وقال: يا محمد هنّاك الله في بيتك، فأقرأه السورة. هكذا ذكر القصة الزمخشري وجمهور المفسرين، وأنكر ذلك الترمذي الحكيم في نوادره، وجزم بعدم صحتها لمخالفتها لأصول الشريعة، وعدم جريه على ما تقتضيه من إنفاق العفو، وكذا " ابْدَأ بمَن تَعُولُ" و"كفى بالمرء إثماً أن يَضيّع مَن يقوت"، وغير ذلك. هـ. قلت: ويُجاب بأنَّ هذا من باب الأحوال، وللصحابة في الإيثار أحوال خاصة بهم؛ لشدة يقينهم رضي الله عنهم، وقد خرج الصدّيق رضي الله عنه عن ماله مِراراً، وقال:(تركت لأهلي الله ورسوله)، وكذلك فعل الصحابي الذي قال لامرأته: نوِّمِي صبيانك ليتعشّى ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نزل فيه، { أية : وَيُؤْثِرُون عَلَى أَنفُسِهِمْ...}تفسير : [الحشر:9] الآية، وصاحب الأحوال معذور، غير أنه لا يُقتدى به في مثل تلك الحال، فإنكار الترمذي بما ذَكَر غير صحيح. {متكئين فيها}؛ في الجنة، حال من "جزاهم"، والعامل جزاء، {على الأرائك}؛ على الأسِرة في الحجال، {لا يَرَون فيها شمساً ولا زمهريراً} لأنه لا شمس فيها ولا زمهرير ـ أي: بردٌ ـ فظِلها دائم؛ وهواها معتدل، لا حرَّ شمس يحمي، ولا شدّة بردٍ يؤذي، فالزمهرير: البرد الشديد، وقيل: القمر، في لغة طيء، أي: الجنة مضيئة لا يُحتاج فيها إلى شمس ولا قمر. وجملة النفي إمّا حال ثانية، أو: من المستكن في (متكئين). {ودانيةً}: عطف على (جنة)، أي: وجنة أخرى دانية {عليهم ظِلالها}؛ قريبة منهم ظلال أشجارها؛ قال الطيبي: إنما قال: (دانية عليهم) ولم يقل "منهم"؛ لأنَّ الظلال عالية عليهم. هـ. فظلالها فاعل بدانية، كأنهم وُعدوا جنتين؛ لأنهم وُصفوا بالخوف، وقد قال تعالى: {أية : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِهِ جَنَّتَانِ }تفسير : [الرحمن:46]، {وذًللت قُطوفُها تذليلا} أي: سُخَّرت ثمارها للقائم والقاعد، والمتكىء، وهو حال من "دانية" أي: تدنو عليهم ظلالها في حال تذليل قطوفها. وقال في الحاشية: جملة فعلية معطوفة على جملة ابتدائية؛ وفيه لطيفة: أنَّ استدامة الظل مطلوبة هناك، وأمّا الذليل للقطْف فهو على التجدًّد شيئاً بعد شيء، كلما أرادوا أن يقطعوا شيئاً منها ذل لهم، ودنا لهم، قعداً كانوا أو مضطجعين. هـ. وظاهر كلامه: أنَّ "ظلالها" مبتدأ، و"عليهم" خبر، وظاهر كلام الطيبي: أنه فاعل. والقطوف: جمع قِطْف، وهو ما يجتنى من ثمارها. {ويُطاف عليهم بآنيةٍ من فضةٍ} أي: يدير عليهم خَدَمُهم كؤوس الشراب، وكأنه تعالى لَمَّا وصف لباسهم، وهيئة جلوسهم، وطعامهم، ذكر شرابهم، ثم يذكر خدمهم، وما هيأ لهم من المُلك الكبير، و(آنية): جمع إناء، وهو: وعاء الماء, {وأكواب} أي: مِن فضة، جمع كوب، وهو الكوز العظيم الذي لا أُذن له ولاعروة، {كانت قواريراً} "كان" تامة، أي: كُونت فكانت قوارير بتكوين الله. و(قواريرَ): حال، أو: ناقصة، أي: كانت في علم الله قوارير، {قواريرا من فِضةٍ}: بدل من الأول, أي: مخلوقة من فضة, قال ابن عطية: يقتضي أنها من زجاج ومن فضة, وذلك ممكن؛ لكونه من زجاج في شفوفه، ومن فضة في جوهره، وكذلك فضة الجنة شفافة. هـ. فهي جامعة لبياض الفضة وحُسنها، وصفاء القوارير وشفيفها، حتى يُرى ما فيها من الشراب من خارجها. قال ابن عباس: قوارير كل أرض من تربتها، وأرض الجنة فضة. هـ. و" قوارير" ممنوع من الصرف، ومَن نَوّنه فلتناسب الآي المتقدّمة والمتأخّرة، {قدَّروها تقديراً}؛ صفة للقوارير، يعني: أنَّ أهل الجنة قدَّروها في أنفسهم، وتمنوها، وأرادوا أن تكون على مقادير وأشكال معينة، موافقة لشهواتهم، فجاءت حسبما قدَّروها، تكرمةً لهم، أو: السُّقاة جعلوها على قّدْر ريّ شاربها؛ لتكون ألذّ لهم وأخف عليهم. وعن مجاهد: لا تُفيض ولا تَغيض، أو: قَدَّروها بأعمالهم الصالحة، فجاءت على حسبها. {ويُسقون فيها كأساً}؛ خمراً {كان مِزَاجُهَا زَنجبِيلاً} أي: ما يشبه الزنجبيل في الطعم والرائحة. وفي القاموس: الزنجبيل: الخمر، وعُروق تسري في الأرض، ونباته كالقصب والبرد، له قوة سخنة هاضمة ملينة.. الخ. قلت: وهو السكنجيبر ـ بالراء ـ ولعل العرب كانت تمزج شرابها به للرائحة والتداوي. وقوله تعالى: {عيناً} : بدل من "زنجبيلا"، {فيها} أي: في الجنة {تُسمى سلسبيلا}، سُميت العين زنجبيلاً؛ لأنَّ ماءها فيه رائحة الزنجبيل، والعرب تستلذه وتستطيبه، وسميت سلسبيلاً لسلاسة انحدارها، وسهولة مساغها، قال أبو عُبيدة: ماء سلسبيل، أي: عذب طيب. هـ. ويقال: شراب سلسبيل وسَلسَال وسلَسيل، ولذلك حُكم بزيادة الباء، والمراد: بيان أنها في طعم الزنجبيل، وليس فيها مرارة ولا زعقة، بل فيها سهولة وسلاسة. والله تعالى أعلم. الإشارة: إِنَّا أعتدنا للكافرين بطريق الخصوص، وهم أهل الحجاب سلاسل الأشغال والعلائق، وأغلال الحظوظ والعوائق، فلا يرحلون إلى الله وهم مكبّلون بشهواتهم، مغلولون بعوائقهم. وأعتدنا لهم سعير القطيعة والطرد. إنَّ الأبرارَ، وهم المطهرون من درن العيوب، المتجرَّدون من علائق القلوب، يشربون من كأس خمر المحبة كان مزاجها كافورَ بردِ اليقين، عيناً يشرب منها عبادُ الله المخلصون، يُفجِّرونها على قلوبهم وأرواحهم وأسرارهم تفجيراً، فتمتلىء محبةً ويقيناً، يُوفون بما عقدوا على أنفسهم من المجاهدة والمكابدة إلى وضوح أنوار المشاهدة, ويخافون يوماً كان شرُّه مستطيراً، إذ فيه يفتضح المدّعون، ويظهر المخلصون, ويُطعمون طعام الأرواح والأسرار من العلوم والمعارف، على حُبه, إذ لا شيء أعز منه عندهم، إذ هو الإكسير الأكبر, والغنى الأوفر، مسكيناً، أي: ضعيفاً من اليقين, ويتيماً لا شيخ له، وأسيراً في أيدي العلائق والحظوظ, وإنما نفعل ذلك لوجه الله، لا يريدون بذلك جزاء، أي: عِوضاً دنيوياً ولا أخروياً، ولا شكوراً؛ مدحاً أو ثناءً؛ إذ قد استوى عندهم المدح والذم، والمنع والعطاء، قائلين: إنا نخاف من ربنا، إن طلبنا عوضاً، أو قَصَّرنا في الدعاء إلى الله، يوماً شديداً تُعبّس فيه وجوه الجاهلين، وتُشرق وتتهلّل وجوه العارفين. فوقاهم اللهُ شرَّ ذلك اليوم، فصبروا قليلاً، واستراحوا كثيراً، ولقَّاهم نضرةً؛ بهجة في أجسادهم، وسُروراً دائماً في قلوبهم وأسرارهم. وجزاهم بما صبروا في أيام سيرهم جنة المعارف والزخارف، متكئين فيها على الأرائك؛ على أَسِرة القبول، وفُرُش الرضا وبلوغ المأمول، لا يَرون فيها حَرّ التدبير والاختيار ولا زمهرير الضعف والانكسار؛ لأنَّ العارف باطنه قوي على الدوام، لأنَّ مَن عنده الكنز قلبه سخين به دائماً. وقال القشيري: لا يؤذيهم شمس المشاهدة؛ لأنَّ سطوة الشهود ربما تفني صاحبها بالكلية، فيغلب عليه السُكْر، فلا يتنعّم بلذة الشهود، ولا زمهرير الحجاب والاستتار. هـ. باختصار. ودانية، أي: وجنة أخرى دانية، وهي جنة البقاء, والأُولى جنة الفناء، عليهم ظلالها، وهي روح الرضا ونسيم التسليم، وذُللت قُطوفها من الحِكَم والمواهب، تذليلاً، فمهما احتاجوا إلى علم أو حكمة أجالوا أفكارهم، فتأتيهم بطرائف العلوم وغرائب الحِكَم، ويُطاف عليهم بأواني الخمرة الأزلية، فيشربون منها في كل وقت وحين، كيف شاؤوا وحيث شاؤوا. جعلنا الله مِن حزبهم، آمين. ثم ذكر بقية نعيم أهل الجنة، فقال: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ}.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّآ أَعْتَدْنَا} جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ عن حال الكفور {لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلَ} بها يقادون عنفاً {وَأَغْلاَلاً} بها يقيّدون {وَسَعِيراً} بها يحترقون.

الهواري

تفسير : قوله تعالى: { إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلاً} وقال في سورة الحاقة: (أية : فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً) تفسير : [الحاقة:32]، لو أن حلقة منها وضعت على جبل لذاب قال: {وَأَغْلاَلاً} كقوله: (أية : إِذِ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاَسِلُ) تفسير : [غافر:71] قال: {وَسَعِيراً}. والسعير اسم من أسماء جهنم، وجهنم كلها سعير تسعر بهم، وطعامهم من نار، وشرابهم من نار، ولباسهم من نار. قوله تعالى: {إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ} يعني الخمر {كَانَ مِزَاجُهَا} أي: طعمها {كَافُوراً} وهو الكافور إلا أنه أفضل من هذا الكافور وأطيب. وقال الحسن: يشربونها على برد الكافور وطعم الزنجبيل. وتفسير مجاهد: {مِزَاجُهَا} أي: الذي يمزج به. وقال الكلبي {كَافُوراً} عين في الجنة تسمى كافوراً. قال تعالى: {عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ} يعني المؤمنين {يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً} قال الحسن: تفجير الله لهم. وقال مجاهد: يقودونها حيث شاءوا. وقال بعضهم: يقول أحدهم بأصبعه حيث أراد فينبعه من الماء وغيره.

اطفيش

تفسير : {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلاَ} يقادون بها ونون لمناسبة أغلالا وسعيرا أو النون غير تنوين لكنه جاء بدلا من حرف الاطلاق أجزأ الوصل مجرى الوقف أو لغة من يصرف مفاعل ومفاعيل أو من يصرف غير المنصرف مطلقاً جريا على عادته في صرفه إياه في الشعر *{وَأَغْلاَلاً} يقيدون بها وقيل سلاسلا يسحبون في النار بها وأغلالا في أعناقهم تشد فيها السلاسل وقد شدت ايديهم الى الأعناق *{وَسَعِيرا} وقوداً عظيماً لا يوصف لشدته أو ناراً مسعرة مهيجة يعذبون بذلك ويحرقون به وقرأ غير نافع والكسائى وأبي بكر سلاسل بترك التنوين وقدم وعيدهم على وعد المؤمنين وقد تأخر ذكر الكفار عن المؤمنين في قوله {أية : أما شاكراً وإما كفوراً}، تفسير : لأن إلا نذار أهم وانفع. قال القاضي وتصدير الكلام وختمه بذكر المؤمنين أحسن.

اطفيش

تفسير : {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكافِرِينَ} هيأْنا لهم بسبب كفرهم بعد تبييننا. {سَلاَسِلاً} يقادون بها. {وَأغْلالاً} يقيدون بها. {وَسَعيِراً} يحرقون بها، قدم ذكر الوعيد ليتصل بذكر أهله إِذا خروا قبل قوله تعالى {أية : يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأَما الذين اسودت} تفسير : [آل عمران: 106] ولأَن الوعيد أنسب بمقام الإِنذار وعلى طريق الاهتمام وليتصدر الكلام بالمؤمنين ويختم بهم وليحصل تجاوب أطراف الكلام وصرف سلاسل مع أنه على صيغة منتهى الجموع مشاهد فى مصاحف المدينة ومكة والكوفة والبصرة وصحف أبى ومصحف ابن مسعود ووجهه المشاكلة كصرف كافوراً علماً لعين فى الجنة للمشاكلة والعين مؤنث وقد جوزوا صرف مالا ينصرف لأَجلها ولا سيما الجمع فإِنه قيل سبب ضعيف لشبهه بالمفرد ألا ترى أنه قد يجمع نحو "صواحبات يوسف" بجمعه بتاء وألف و "نواكسى الأبصار" بجمعه بالياء والنون، وقد جوز صرفه مطلقاً قال بعض: شعر : والصرف فى الجمع أتى كثيراً حتى ادعى قوم به التخييرا تفسير : وحكى الأَخفش عن قوم من العرب صرف كل مالا ينصرف إِلا اسم التفضيل بوزن أفعل، والقراءات مرويات من الصحابة لا اختيار من القراء، وذلك بيان حال الكفور وبين حال الشاكر بقوله: {إِنَّ الأَبْرَارَ} أى الشاكرين إِلا أنه عبر عنهم باسم مدح آخر هو البر الذى استحقوا به الجزاء، واسم الشكر من بر بمعنى أطاع وأكثر فعل الخير وقيل أدى حق الله تعالى وأوفى النذر، وعن الحسن لا يؤذى الذر ولا يرضى الشر وهذا كناية عن المبالغة فى الخير، ومن الشر ترك الخير، والمفرد بر كرب وأرباب كشاهد وأشهاد. {يَشْرَبُونَ} فى الآخرة. {مِن كَأْسٍ} الكأْس إِناء فيه شراب من ماء أو لبن أو خمر أو غير ذلك ويطلق أيضاً عليه بدون اعتبار ما فيه وعلى ما فيه بدون اعتباره وشهر أنه حقيقة فى الزجاجة إِذا كان فيها خمر ومجاز فى الخمر لعلاقة الجوار فإِن أُريد بها الخمر فمن للتبعيض أو للبيان أو على الزجاجة فمن للابتداء ويدل على كون المراد بها الخمر قوله تعالى: {كَان مِزَاجُهَا كَافُوراً} لأَن المزاج يناسب بمائع لمائع لا لزجاجة، والمزاج ما يمزج به أى يخلط بغيره كالحزام لما يحزم به. وكافوراً عين فى الجنة على حذف مضاف أى من ماء كافور يمنع الصرف للعلمية والتأنيث ولكن صرف للمشاكلة كما مر، أو تشبيه بليغ بالكافور وذلك أن ماءها فى بياض الكافور ورائحته وبرودته.

الالوسي

تفسير : {إِنَّا أَعْتَدْنَا } هيأنا {لِلْكَـٰفِرِينَ } من أفراد الإنسان الذي هديناه السبيل {سَلَـٰسِلَ } بها يقادون {وَأَغْلَـٰلاً } بها يقيدون {وَسَعِيراً } بها يحرقون. وتقديم وعيدهم مع تأخرهم للجمع بينهما في الذكر كما في قوله تعالى: {أية : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ }تفسير : [آل عمران: 106] الآية ولأن الإنذار أنسب بالمقام وحقيق بالاهتمام ولأن تصدير الكلام وختمه بذكر المؤمنين أحسن على أن وصفهم تفصيلاً ربما يخل تقديمه بتجاوب أطراف النظم الكريم. وقرأ نافع والكسائي وأبو بكر والأعمش (سلاسلاً) بالتنوين وصلاً وبالألف المبدلة منه وقفاً وقال الزمخشري وفيه وجهان. أحدهما: أن تكون هذه النون بدلاً عن حرف الإطلاق ويجري الوصل مجرى الوقف والثاني أن يكون صاحب القراءة ممن ضري برواية الشعر ومرن لسانه على صرف غير المنصرف. وفي الأول أن الإبدال من حروف الإطلاق في غير الشعر قليل كيف وضم إليه إجراء الوصل مجرى الوقف وفي الثاني تجويز القراءة بالتشهي دون سداد وجهها في العربية والوجه أنه لقصد الازدواج والمشاكلة فقد جوزوا لذلك صرف ما لا ينصرف لا سيما الجمع فإنه سبب ضعيف لشبهه بالمفرد في جمعه كصواحبات يوسف ونواكسي الأبصار ولهذا جوز بعضهم صرفه مطلقاً كما قيل: شعر : والصرف في الجمع أتى كثيراً حتى ادعى قوم به التخييرا تفسير : / وحكى الأخفش عن قوم من العرب أن لغتهم صرف كل ما لا ينصرف إلا أفعل من وصرف (سلاسلاً) ثابت في مصاحف المدينة ومكة والكوفة والبصرة وفي مصحف أبـي وعبد الله بن مسعود، وروى هشام عن ابن عامر (سلاسل) في الوصل و(سلاسلا) بألف دون تنوين في الوقف.

ابن عاشور

تفسير : أريد التخلص إلى جزاء الفريقين الشاكر والكفور. والجملة مُستأنفة استئنافاً بيانياً لأن قوله: {أية : إمّا شاكراً وإمّا كفوراً}تفسير : [الإنسان: 3] يثير تطلع السامعين إلى معرفة آثار هذين الحالين المترددِ حالُه بينَهما، فابتدىء بجزاء الكافر لأن ذكره أقرب. وأكد الخبر عن الوعيد بحرف التأكيد لإِدخال الروْع عليهم لأن المتوعِّد إذا أكَّد كلامه بمؤكِّد فقد آذن بأنه لا هوادة له في وعيده. وأصل {أعتَدْنا} أعدَدنا، بدالين، أي هيأنا للكافرين، يقال: اعتدّ كما يقال: أعَدَّ، قال تعالى: {أية : وَأعَتدتْ لهن متّكَأً}تفسير : [يوسف: 31]. وقد تردد أيمة اللغة في أن أصل الفعل بدالين أو بتاء ودال فلم يجزموا بأيهما الأصل لكثرة ورود فعل: أعدّ، وفعل اعْتَدَّ في الكلام والأظهر أنهما فعلان نشآ من لغتين غير أن الاستعمال خصّ الفعل ذا التاء بعُدة الحرب فقالوا: عَتَاد الحرب ولم يقولوا عدَاد. وأما العُدة بضم العين فتقع على كل ما يعد ويهيأ، يقال: أعد لكل حال عُدة. ويطلق العَتاد على ما يُعدّ من الأمور. والأكثر أنه إذا أريد الإِدغام جيء بالفعل الذي عينه دال وإذا وجد مقتضى فك الإِدغام لموجب مثل ضمير المتكلم جيء بالفعل الذي عينه تاء. والسلاسل: القيود المصنوعة من حَلق الحديد يقيد بها الجناة والأسرى. والأغلال: جمع غُلّ بضم الغين، وهو حلقة كبيرة من حديد توضع في رقبة المقيَّد، وتناط بها السلسلة قال تعالى: {أية : إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل}تفسير : [غافر: 71] فالأغلال والسلاسل توضع لهم عند سَوْقهم إلى جهنم. والسعير: النار المسعرة، أي التي سعَّرها الموقِدون بزيادة الوَقود ليشتد التهابها فهو في الأصل وصف بمعنى اسم المفعول جعل علماً على جهنم. وقد تقدم عند قوله: {أية : كلَّما خبَتْ زدناهم سعيراً}تفسير : في سورة الإسراء (97). وكتب {سلاسلا} في المصحف الإِمامِ في جميع النسخ التي أرسلت إلى الأمصار بألف بعد اللام الثانية ولكن القراء اختلفوا في قراءته، فنافع والكسائي وهشام عن ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر قرأوا {سَلاسلاً} منوناً في الوصل ووقفوا عليه كما يوقف على المنون المنصوب، وإذ كان حقه أن يمنع من الصرف لأنه على صيغة منتهى الجمع تعين أن قراءته بالتنوين لمراعاة مزاوجته مع الاسمين اللذيْن بعده وهما {أغلالاً} و {سعيراً}، والمزاوجة طريقة في فصيح الكلام، ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم لنساءٍ «حديث : ارجِعْنَ مَأزورات غير مأجورات»تفسير : فجعل «مأزورات» مهموزاً وحقه أن يكون بالواو لكنه هُمز لمزاوجة مأجورات، وكذلك قوله في حديث سؤال الملكين الكافر «فيقال له: لاَ درَيْت ولا تلَيْت»، وكان الأصل أن يقال: ولا تَلوت. ومنه قول ابن مُقْبِل أو القَلاَّحُ: شعر : هتَّاكُ أخْبيَةٍ وَلاَّجُ أبْوِبَةٍ يُخَالطُ البِرُّ منه الجِدَّ واللِّينا تفسير : فقوله (أبوبة) جمع باب وحقه أن يَقول أبواب. وهذه القراءة متينة يعضدها رسم المصحف وهي جارية على طريقة عربية فصيحة. وقرأه الباقون بدون تنوين في الوصل. واختلفوا في قراءته إذا وقفوا عليه فأكثرهم قرأه في الوقف بدون ألف فيقول {سلاسلْ} في الوقف. وقرأه أبو عمرو ورويس عن يعقوب بالألف على اعتباره منوناً في الوصل. قرأه البَزي عن ابن كثير وابنُ ذكوان عن ابن عامر وحفصٌ عن عاصم في الوقف بجواز الوجهين بالألف وبتركها. فأما الذين لم ينونوا {سلاسلا} في الوصل ووقفوا عليه بألف بعد لامه الثانية. وهما أبو عمرو ورويس عن يعقوب فمخالفة روايتهم لرسم المصحف محمولة على أن الرسم جرى على اعتبار حالة الوقف وذلك كثير فكتابة الألف بعد اللام لقصد التنبيه على إشباع الفتحة عند الوقف لمزاوجة الفواصل في الوقف لأن الفواصل كثيراً ما تعطى أحكام القوافي والأسجاع. وبعدُ فالقراءات روايات مسموعة ورسم المصحف سُنة مَخصوصة به وذكر الطيبي: أن بعض العلماء اعتذر عن اختلاف القراء في قوله: {سَلاسلا} بأنه من الاختلاف في كيفية الأداء كالمَدّ والإِمالة وتخفيف الهمزة وأن الاختلاف في ذلك لا ينافي التواتر.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {سَلاَسِلاْ وَأَغْلاَلاً وَسَعِيراً}. بين تعالى نوع هذه السلاسل بذرعها في قوله تعالى: {أية : فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً}تفسير : [الحاقة: 32].

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 4- إنا أعددنا للكافرين سلاسل لأرجلهم، وأغلالا لأيديهم وأعناقهم، ونارا موقدة. 5، 6- إن الصادقين فى إيمانهم يشربون من خمر كان ما تمزج به ماء كافور، عيناً يشرب منها عباد الله يجرونها حيث شاءوا إجراء سهلاً. 7- يوفون بما أوجبوا على أنفسهم، ويخافون يوماً عظيماً كان ضرره البالغ فاشياً منتشراً كل الانتشار. 8- ويُطعمون الطعام - مع حبهم له، وحاجاتهم إليه - فقيراً عاجزاً عن الكسب، وصغيراً فقد أباه، ومأسورا لا يملك شيئاً. 9- ويقولون فى أنفسهم: إنما نطعمكم لطلب ثواب الله، لا نريد منكم عوضاً أو هدية، ولا نريد منكم ثناء. 10- إنا نخاف من ربنا يوماً اشتد عبوس مَن فيه، وقطَّبوا وجوههم وجباههم. 11، 12- فصانهم الله من شدائد ذلك اليوم، وأعطاهم بدل عبوس الفجَّار حسناً فى وجوههم، وبهجة وفرحاً فى قلوبهم، وجزاهم بصبرهم جنة ملكها هنئ، وملبسها حرير ناعم الملمس. 13- متكئين فى الجنة على السرر، لا يجدون فيها حر شمس، ولا شدة برد.

د. أسعد حومد

تفسير : {لِلْكَافِرِينَ} {سَلاَسِلَ} {أَغْلاَلاً} (4) - إِنَّا أَعْدَدْنَا وَهَيَّأْنَا لِمَنْ كَفَرَ بِنِعْمَتِنَا، وَخَالَفَ أَمْرَنَا، سَلاَسِلَ يُقَادُ بِهَا إِلَى الجَحِيمِ، وَأَغْلاَلاً تُشَدُّ بِهَا أَيْدِيهِ إِلَى عُنُقِهِ، وَنَاراً يُعَذَّبُ فِيهَا. الأَغْلاَلُ - جَمْعُ غُلٍّ - القَيْدُ الذِي يَجْمَعُ اليَدَينِ إِلَى العُنُقِ. السَّعِيرُ - النَّارُ المُلْتَهِبَةُ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلا وَأَغْلالا وَسَعِيرًا * إِنَّ الأبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا } . إلى آخر الثواب أي: إنا هيأنا وأرصدنا لمن كفر بالله، وكذب رسله، وتجرأ على المعاصي { سَلاسِلَ } في نار جهنم، كما قال تعالى: {أية : ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ } . تفسير : { وَأَغْلالا } تغل بها أيديهم إلى أعناقهم ويوثقون بها. { وَسَعِيرًا } أي: نارا تستعر بها أجسامهم وتحرق بها أبدانهم، {أية : كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ } تفسير : وهذا العذاب دائم لهم أبدا، مخلدون فيه سرمدا. وأما { الأبْرَارِ } وهم الذين برت قلوبهم بما فيها من محبة الله ومعرفته، والأخلاق الجميلة، فبرت جوارحهم، واستعملوها بأعمال البر أخبر أنهم { يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ } أي: شراب لذيذ من خمر قد مزج بكافور أي: خلط به ليبرده ويكسر حدته، وهذا الكافور [في غاية اللذة] قد سلم من كل مكدر ومنغص، موجود في كافور الدنيا، فإن الآفة الموجودة في الأسماء التي ذكر الله أنها في الجنة وهي في الدنيا تعدم في الآخرة. كما قال تعالى: {أية : فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ } {أية : وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ } {أية : لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ } {أية : وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وَتَلَذُّ الأعْيُنُ }. تفسير : { عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ } أي: ذلك الكأس اللذيذ الذي يشربون به، لا يخافون نفاده، بل له مادة لا تنقطع، وهي عين دائمة الفيضان والجريان، يفجرها عباد الله تفجيرا، أنى شاءوا، وكيف أرادوا، فإن شاءوا صرفوها إلى البساتين الزاهرات، أو إلى الرياض الناضرات، أو بين جوانب القصور والمساكن المزخرفات، أو إلى أي: جهة يرونها من الجهات المونقات. وقد ذكر جملة من أعمالهم في أول هذه السورة، فقال: { يُوفُونَ بِالنَّذْرِ } أي: بما ألزموا به أنفسهم لله من النذور والمعاهدات، وإذا كانوا يوفون بالنذر، وهو لم يجب عليهم، إلا بإيجابهم على أنفسهم، كان فعلهم وقيامهم بالفروض الأصلية، من باب أولى وأحرى، { وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا } أي: منتشرا فاشيا، فخافوا أن ينالهم شره، فتركوا كل سبب موجب لذلك، { وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ } أي: وهم في حال يحبون فيها المال والطعام، لكنهم قدموا محبة الله على محبة نفوسهم، ويتحرون في إطعامهم أولى الناس وأحوجهم { مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا } . ويقصدون بإنفاقهم وإطعامهم وجه الله تعالى، ويقولون بلسان الحال: { إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا } أي: لا جزاء ماليا ولا ثناء قوليا. { إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا } أي: شديد الجهمة والشر { قَمْطَرِيرًا } أي: ضنكا ضيقا، { فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ } فلا يحزنهم الفزع الأكبر، وتتلقاهم الملائكة [هذا يومكم الذي كنتم توعدون]. { وَلَقَّاهُمْ } أي: أكرمهم وأعطاهم { نَضْرَةً } في وجوههم { وَسُرُورًا } في قلوبهم، فجمع لهم بين نعيم الظاهر والباطن { وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا } على طاعة الله، فعملوا ما أمكنهم منها، وعن معاصي الله، فتركوها، وعلى أقدار الله المؤلمة، فلم يتسخطوها، { جَنَّةً } جامعة لكل نعيم، سالمة من كل مكدر ومنغص، { وَحَرِيرًا } كما قال [تعالى:] {أية : وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ } تفسير : ولعل الله إنما خص الحرير، لأنه لباسهم الظاهر، الدال على حال صاحبه. { مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأرَائِكِ } الاتكاء: التمكن من الجلوس، في حال الرفاهية والطمأنينة [الراحة]، والأرائك هي السرر التي عليها اللباس المزين، { لا يَرَوْنَ فِيهَا } أي: في الجنة { شَمْسًا } يضرهم حرها { وَلا زَمْهَرِيرًا } أي: بردا شديدا، بل جميع أوقاتهم في ظل ظليل، لا حر ولا برد، بحيث تلتذ به الأجساد، ولا تتألم من حر ولا برد. { وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلا } أي: قربت ثمراتها من مريدها تقريبا ينالها، وهو قائم، أو قاعد، أو مضطجع. ويطاف على أهل الجنة أي: يدور [عليهم] الخدم والولدان { بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا } { قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ } أي: مادتها من فضة، [وهي] على صفاء القوارير، وهذا من أعجب الأشياء، أن تكون الفضة الكثيفة من صفاء جوهرها وطيب معدنها على صفاء القوارير. { قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا } أي: قدروا الأواني المذكورة على قدر ريهم، لا تزيد ولا تنقص، لأنها لو زادت نقصت لذتها، ولو نقصت لم تف بريهم. ويحتمل أن المراد: قدرها أهل الجنة بنفوسهم بمقدار يوافق لذاتهم، فأتتهم على ما قدروا في خواطرهم. { وَيُسْقَوْنَ فِيهَا } أي: في الجنة من كأس، وهو الإناء المملوء من خمر ورحيق، { كَانَ مِزَاجُهَا } أي: خلطها { زَنْجَبِيلا } ليطيب طعمه وريحه. { عَيْنًا فِيهَا } أي: في الجنة، { تُسَمَّى سَلْسَبِيلا } سميت بذلك لسلاستها ولذتها وحسنها. { وَيَطُوفُ } على أهل الجنة، في طعامهم وشرابهم وخدمتهم. { وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ } أي: خلقوا من الجنة للبقاء، لا يتغيرون ولا يكبرون، وهم في غاية الحسن، { إِذَا رَأَيْتَهُمْ } منتشرين في خدمتهم { حَسِبْتَهُمْ } من حسنهم { لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا } وهذا من تمام لذة أهل الجنة، أن يكون خدامهم الولدان المخلدون، الذين تسر رؤيتهم، ويدخلون على مساكنهم، آمنين من تبعتهم، ويأتونهم بما يدعون وتطلبه نفوسهم، { وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ } أي: هناك في الجنة، ورمقت ما هم فيه من النعيم { رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا } فتجد الواحد منهم، عنده من القصور والمساكن والغرف المزينة المزخرفة، ما لا يدركه الوصف، ولديه من البساتين الزاهرة، والثمار الدانية، والفواكه اللذيذة، والأنهار الجارية، والرياض المعجبة، والطيور المطربة [المشجية] ما يأخذ بالقلوب، ويفرح النفوس. وعنده من الزوجات. اللاتي هن في غاية الحسن والإحسان، الجامعات لجمال الظاهر والباطن، الخيرات الحسان، ما يملأ القلب سرورا، ولذة وحبورا، وحوله من الولدان المخلدين، والخدم المؤبدين، ما به تحصل الراحة والطمأنينة، وتتم لذة العيش، وتكمل الغبطة. ثم علاوة ذلك وأعظمه الفوز برؤية الرب الرحيم، وسماع خطابه، ولذة قربه، والابتهاج برضاه، والخلود الدائم، وتزايد ما هم فيه من النعيم كل وقت وحين، فسبحان الملك المالك، الحق المبين، الذي لا تنفد خزائنه، ولا يقل خيره، فكما لا نهاية لأوصافه فلا نهاية لبره وإحسانه. { عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ } أي: قد جللتهم ثياب السندس والإستبرق الأخضران، اللذان هما أجل أنواع الحرير، فالسندس: ما غلظ من الديباج والإستبرق: ما رق منه. { وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ } أي: حلوا في أيديهم أساور الفضة، ذكورهم وإناثهم، وهذا وعد وعدهم الله، وكان وعده مفعولا لأنه لا أصدق منه قيلا ولا حديثا. وقوله: { وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا } أي: لا كدر فيه بوجه من الوجوه، مطهرا لما في بطونهم من كل أذى وقذى. { إِنَّ هَذَا } الجزاء الجزيل والعطاء الجميل { كَانَ لَكُمْ جَزَاءً } على ما أسلفتموه من الأعمال، { وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا } أي: القليل منه، يجعل الله لكم به من النعيم المقيم ما لا يمكن حصره. وقوله تعالى لما ذكر نعيم الجنة { إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزيلا } فيه الوعد والوعيد وبيان كل ما يحتاجه العباد، وفيه الأمر بالقيام بأوامره وشرائعه أتم القيام، والسعي في تنفيذها، والصبر على ذلك. ولهذا قال: { فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا } أي: اصبر لحكمه القدري، فلا تسخطه، ولحكمه الديني، فامض عليه، ولا يعوقك عنه عائق. { وَلا تُطِعْ } من المعاندين، الذين يريدون أن يصدوك { آثِمًا } أي: فاعلا إثما ومعصية ولا { كَفُورًا } فإن طاعة الكفار والفجار والفساق، لا بد أن تكون في المعاصي، فلا يأمرون إلا بما تهواه أنفسهم. ولما كان الصبر يساعده القيام بعبادة الله، والإكثار من ذكره أمره الله بذلك فقال: { وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلا } أي: أول النهار وآخره، فدخل في ذلك، الصلوات المكتوبات وما يتبعها من النوافل، والذكر، والتسبيح، والتهليل، والتكبير في هذه الأوقات. { وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ } أي: أكثر [له] من السجود، ولا يكون ذلك إلا بالإكثار من الصلاة. { وَسَبِّحْهُ لَيْلا طَوِيلا } وقد تقدم تقييد هذا المطلق بقوله: {أية : يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا } تفسير : الآية [وقوله] { إِنَّ هَؤُلاءِ } أي: المكذبين لك أيها الرسول بعد ما بينت لهم الآيات، ورغبوا ورهبوا، ومع ذلك، لم يفد فيهم ذلك شيئا، بل لا يزالون يؤثرون، { الْعَاجِلَةَ } ويطمئنون إليها، { وَيَذَرُونَ } أي: يتركون العمل ويهملون { وَرَاءَهُمْ } أي: أمامهم { يَوْمًا ثَقِيلا } وهو يوم القيامة، الذي مقداره خمسون ألف سنة مما تعدون، وقال تعالى: {أية : يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ } تفسير : فكأنهم ما خلقوا إلا للدنيا والإقامة فيها.