Verse. 5596 (AR)

٧٦ - ٱلْإِنْسَان

76 - Al-Insan (AR)

اِنَّ الْاَبْرَارَ يَشْرَبُوْنَ مِنْ كَاْسٍ كَانَ مِزَاجُہَا كَافُوْرًا۝۵ۚ
Inna alabrara yashraboona min kasin kana mizajuha kafooran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن الأبرار» جمع بر أو بار وهم المطيعون «يشربون من كأس» هو إناء شرب الخمر وهي فيه والمراد من خمر تسمية للحال باسم المحل ومن للتبعيض «كان مزاجها» ما يمزج به «كافورا».

5

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ} الأبرار: أهل الصدق واحدهم بَرٌّ، وهو من ٱمتثل أمر الله تعالى. وقيل: البرّ الموحِّد والأبرار جمع بارّ مثل شاهد وأشهاد، وقيل: هو جمع بَرّ مثل نَهْر وأنهار؛ وفي الصحاح: وجمع البر الأبرار، وجمع البار البَرَرة، وفلان يَبَرُّ خالقَه وَيَتَبَّرره أي يُطِيعه، والأم بَرّةٌ بولدها. وروى ٱبن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : إنما سمّاهم الله جل ثناؤه الأبرار لأنهم بَرُّوا الآباء والأبناء، كما أن لوالدك عليك حقًّا كذلك لولدك عليك حقًّا » تفسير : . وقال الحسن: البَرّ الذي لا يؤذي الذَّرّ. وقال قتادة: الأبرار الذين يؤدّون حقّ الله ويوفون بالنَّذْر. وفي الحديث: « حديث : الأبرار الذين لا يؤذون أحداً »تفسير : . {يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ} أي من إناء فيه الشراب. قال ٱبن عباس: يريد الخمر. والكأس في اللغة الإناء فيه الشراب: وإذا لم يكن فيه شراب لم يسمّ كأساً. قال عمرو بن كُلْثوم: شعر : صَبنْتِ الكأسَ عَنَّا أُمَّ عَمرٍو وكان الْكَأْسُ مَجْرَاها الْيَمِينَا تفسير : وقال الأصمعيّ: يقال صَبَنْتَ عنّا الهديةَ أو ما كان من معروف تَصبِنُ صَبْنا: بمعنى كَفَفْتَ؛ قاله الجوهري. {كَانَ مِزَاجُهَا} أي شَوْبها وخلطها؛ قال حسّان: شعر : كَأَنَ سَبِيئةً مِن بيْتِ رَأَسٍ يكونُ مِزَاجَها عَسلٌ وماءُ تفسير : ومنه مِزاج البدن وهو ما يمازجه من الصفراء والسوداء والحرارة والبرودة. {كَافُوراً} قال ٱبن عباس: هو ٱسم عين ماء في الجنة، يقال له عين الكافور. أي يمازجه ماء هذه العين التي تسمّى كافوراً. وقال سعيد عن قتادة: تُمزَج لهم بالكافور وتُختَم بالمسك. وقاله مجاهد. وقال عِكرمة: مِزَاجها طعمها. وقيل: إنما الكافور في ريحها لا في طعمها. وقيل: أراد كالكافور في بياضه وطيب رائحته وبَرْده؛ لأن الكافور لا يشرب؛ كقوله تعالى: { أية : حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَاراً } تفسير : [الكهف: 96] أي كنارٍ. وقال ٱبن كَيْسان: طُيِّب بالمسك والكافور والزنجيل. وقال مقاتل: ليس بكافور الدنيا. ولكن سمَّى الله ما عنده بما عندكم حتى تهتدي لها القلوب. وقوله: {كَانَ مِزَاجُهَا} «كَانَ» زائدة أي من كأس مِزاجُها كافورٌ. {عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ} قال الفراء: إن الكافور ٱسم لعين ماء في الجنة؛ فـ «ـعَيْناً» بدل من كافور على هذا. وقيل: بدل من كأس على الموضع. وقيل: هي حال من المضمر في «مِزاجها». وقيل: نصب على المدح؛ كما يُذكَر الرّجلُ فتقول: العاقلَ اللبيبَ؛ أي ذكرتم العاقلَ اللبيبَ فهو نصب بإضمار أعني. وقيل يشربون عيناً. وقال الزجاج: المعنى من عين. ويقال: كافور وقافور. والكافور أيضاً: وعاء طلع النخل وكذلك الكُفُرَّي؛ قاله الأصمعيّ. وأما قول الراعي: شعر : تَكْسُو الْمَفَارِقَ واللَّبَّاتِ ذَا أَرَجٍ مِن قُصْبِ مُعْتَلِفِ الكافورِ دَرَّاجِ تفسير : فإنّ الظبي الذي يكون منه المسك إنما يَرْعي سُنْبَل الطِّيب فجعله كافوراً. {يَشْرَبُ بِهَا} قال الفراء: يشرب بها ويشربها سواء في المعنى، وكأنّ يشرب بها يَرْوَي بها ويَنْقع؛ وأنشد: شعر : شَرِبْنَ بمِاءِ البحرِ ثم تَرَفَّعتْ مَتَى لُجَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نَئيج تفسير : قال: ومثله فلان يتكلم بكلام حسن، ويتكلم كلاماً حسناً. وقيل: المعنى يشربها والباء زائدة. وقيل: الباء بدل «مِن» تقديره يشرب منها؛ قاله القتبيّ. {يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً} فيقال: إن الرجل منهم ليمشي في بيوتاته ويصعد إلى قصوره، وبيده قضيب يشير به إلى الماء فيجري معه حيثما دار في منازله على مستوى الأرض في غير أخدود، ويتبعه حيثما صعد إلى أعلى قصوره؛ وذلك قوله تعالى: {عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً} أي يُشقِّقونها شَقًّا كما يفجر الرجل النهر ها هنا وها هنا إلى حيث يريد. وعن ٱبن أبي نَجيح عن مجاهد {يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً} يقودونها حيث شاؤوا، وتتبعهم حيثما مالوا مالت معهم. وروى أبو مقاتل عن أبي صالح عن سعد عن أبي سهل عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : أربع عيون في الجنة عينان تجريان من تحت العرش إحداهما التي ذكر الله {يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً} والأخرى الزنجبيل والأخريان نَضًّاختان من فوق العرش إحداهما التي ذكر الله {عَيْناً فِيَها تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً} والأخرى التَّسْنيم » تفسير : ذكره الترمذيّ الحكيم في «نوادر الأصول». وقال: فالتسنيم للمقربين خاصة شربا لهم، والكافور للأبرار شربا لهم؛ يمزج للأبرار من التسنيم شرابهم، وأما الزنجبيل والسلسبيل فللأبرار منها مِزاج هكذا ذكره في التنزيل وسكت عن ذكر ذلك لمن هي شرب، فما كان للأبرار مِزاج فهو للمقربين صِرف، وما كان للأبرار صِرف فهو لسائر أهل الجنة مِزاج. والأبرار هم الصادقون، والمقرَّبون: هم الصديقون.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ } جمع بر أو بارّ وهم المطيعون {يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ } هو إناء شرب الخمر وهي فيه والمراد من خمر تسمية للحال باسم المحل و من للتبعيض {كَانَ مِزَاجُهَا } ما تمزج به {كافُوراً }.

ابن عبد السلام

تفسير : {الأَبْرَارَ} الصادقون أو المطيعون لأنه بَرُّوا الآباء والأبناء أو لكفهم الأذى "حتى عن الذر" "ح" أو لأدائهم حقوق الله ـ تعالى ـ ويوفون بالنذر {كَأْسٍ} كل كأس في القرآن فإنما يعنى بها الخمر {كَافُوراً} عين في الجنة اسمها كافور أو كافور الطيب تمزج به لبرده فيكون برد الكافور وطعم الزنجبيل أو لريحه ويختم بالمسك أو لطعمه فيكون طعمها طعم الكافور.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ}[5] الآية. قال: الأبرار الذين تخلقوا بخلق من أخلاق العشرة الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة. قيل: فما أول شيء ينبغي من الأخلاق؟ فقال: احتمال المؤونة، والرفق في كل شيء، والحذر أن لا يميل في رفعه إلى هواه في هذه الخصال اكتساب العقل. ثم لا بد من ثلاثة أخرى فيها اكتساب المعرفة واستعمال العلم والحلم والتواضع، ثم لا بد من ثلاثة أخرى فيها أحكام التعبد السكينة والوقار والإنصاف. وقال: من كان فيه ثلاث خصال لم يأكل التراب جسده، كف الأذى عن الناس، ثم احتمال أذاهم، ثم اصطناع المعروف معهم.

السلمي

تفسير : قال سهل: الأبرار الذين فيهم خلق من أخلاق العشرة الذين وعد النبى صلى الله عليه وسلم لهم الجنة. قال الواسطى: من كان تحت قوله إنَّ الأبرار يشربون من كأس بردت الدنيا فى صدورهم وانقطعت عن قلوبهم. وقال أيضاً: لما اختلفت أحوالهم فى الدنيا كذلك اختلفت أشربتهم فى الآخرة بل سبقت الأشربة الأحوال من قدر له شرابًا طهورًا فى الآخرة طهره الحق فى الدنيا عن رؤية السعايات بالموافقة والمخالفة وهو تحت قوله: {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ} بردت الدنيا فى صدورهم وانقطعت عن قلوبهم.

البقلي

تفسير : {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً} وصف الله سبحانه اوساط اهل المعرفة من اهل السلوك انهم يشربون شرابا من كأسات قربه يكون مزاجها كافور المعرفة مع شراب المشاهدة لم يكن لهم شرابا صرفا من المعرفة لانهم يبقون فى سكر المشاهدة يغيبون عن مطالعة الحقيقة بعيون المعرفة فاول شربهم صحو واخر شربهم سكر ولم يكن كذلك العارفون فانهم يشربون صرف شراب المشاهدة المنعوت بالمعرفة مع الصحو من اول شربهم الى أخر شربهم حتى لا يحتجبوا عن رؤية غرائب تجلى الذات والصفات ولذلك قال الله {عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ} وعباده ها هنا اهل التمكين فى المعرفة وكذلك حالهم فى الدنيا يشربون شراب المحبة ممزوجة ببعض الكشوفات والعارفون يشربون جميعا بالرؤية والمكاشفات فلكل شربة لهم كشف وعيان فالصا فى من له شراب صاف من غير مزج فان الممزوج لا يخلو من امتحان انظر كيف قال القائل شعر : مالى جفيت وكنت لا اجفى ودلائل الهجران لا تخفى وارائى تسقنيى وتمزج لى ولقد عهديك شاربى صرفا تفسير : قال سهل لا يراد الذين هم فيهم خلق من خلق العشيرة الذين وعد لهم النبى صلى الله عليه وسلم بالجنة قال الواسطى لما اختلف احوالهم فى الدنيا كذلك اختلق اشربتهم فى الأخرة بل سبقت الاشربة الاحوال من قدر له شراباً طورها فى الأخرة طهره الحق فى الدنيا عن رؤية السعايات بالموافقة والمخالفة وهو من تحت قوله ان الابرار يشربون من كاس بردت الدنيا فى صدورهم وانقطعت عن قلوبهم قيل الابرار هم الذين سمعت همتهم عن المستحقرات فظهرت فى قلوبهم ينابيع الحكمة وانفوا من مساكنهم الدنيا يشربون كاس كان مزاجها كافورا قال الاستاذ اختلف مشاربهم فى الأخرة فكل يسقى ما يليق بحاله وقال يحيى بن معاذ فى قوله عينا يشرب بها عباد الله انها عيون يشربون منها فى الدنيا فيورثهم ذلك شراب الحضرة وذلك من عيون الحياء وعيون الصبر وعيون الوفاء.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان الابرار} شروع فى بيان حسن حال الشاكرين اثر بيان سوء حال الكافرين وايرادهم بعنوان البر للاشعار بما استحقوا به ما نالوه من الكرامة السنية والابرار جمع بركرب وأرباب او جمع بار كشاهد واشهاد وهو من يبر خالقه اى يطيعه يقال بررته ابره كعلمته وضربته وعن الحسن رحمه الله البر من لا يؤذى الذر ولا يضمر الشر كما قيل شعر : ولا تؤذ نملا ان أردت كما لكا فان لها نفسها تطيب كما لكا تفسير : وفى المفردات البر خلاف البحر وتصور منه التوسع فاشتق منه البر اى التوسع فعل الخير وبر العبد ربه توسع فى طاعته ويشمل الاعتقاد والاعمال الفرآئض والنوافل وقال سهل رحمه الله الابرار الذين فيهم خلق من اخلاق العشرة الذين وعد لهم النبى عليه السلام بالجنة قال عليه السلام حديث : ان الله ثلاثمائة وستين خلقا من لقيه بخلق منها مع التوحيد دخل الجنةتفسير : قال أبو بكر رضى الله عنه هل فى منها يا رسول الله قال كلها فيك يا أبا بكر وأحبها الى الله السخاء {يشربون} فى الجنة والشرب تناول كل مائع ماء كان او غيره قال يشربون ابتدآء كالمطيعين او انتهاء كالمعذبين من المؤمنين بحكم العدل {من كأس} هى الزجاجة اذا كانت فيها خمر وتطلق على نفس الخمر ايضا على طريق ذكر المحل وارادة الحال وهو المراد هنا عند الاكثر حتى روى عن الضحاك انه قال كل كأس فى القرءآن فانما عنى به الخمر فمن على الاول ابتدآئية وعلى الثانى بتعيضية او بيانية {كان} بتكوين الله {مزجها} اى ما تمزج تلك الكأس به يقال مزج الشراب خلطه ومزاج البدن ويمازجه من الصفرآء والسودآء والبلغم والدم والكيفيات المناسبة لكل منها {كافورا} اى ماء كافور وهو اسم عين فى الجنة فى المقام المحمدى وكذا سائر العيون ماؤها فى بيان الكافور ورآئحته وبرده دون طعمه ولا فنفس الكافور لا يشرب ونظيره حتى اذا جعله نارا اى كنار والكافور طيب معروف يطيب به الا كفان والاموات لحسن رآئحته واشتقاقه من الكفر وهو الستر لانه يغطى الاشياء برآئحته وفى القاموس الكافور طيب معروف يكون من شجر بجبال بحر الهند والصين يظل خلقا كثيرا وتألفه النمورة وخشبه أبيض هش ويوجد فى اجوافه الكافور وهو انواع ولونها احمر وانما تبيض بالتصعيد وعين فى الجنة انتهى والجملة صفة كأس.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ} جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ عن حال الشّاكرين {مِن كَأْسٍ} من خمرٍ او من كأسٍ فيها خمر {كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا} اى منها {عِبَادُ ٱللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا} يجرونها باىّ نحوٍ والى اىّ مكانٍ شاؤا، او يخرجون ماؤها من اىّ مكانٍ شاؤا {تَفْجِيراً} لا يعرف لعظمته. اعلم، انّ للانسان حالاتٍ ومراتب ودرجاتٍ فانّه فى اولى مراتبه جمادٌ فى تطوّراته، وفى ثانية مراتبه نبات فى تفنّناته، وفى ثالثة مراتبه حيوانٌ فى تبدّلاته وتقلّباته، وفى رابعة مراتبه انسانٌ فى كثرة نشآته، ولتلك المراتب ميولٌ واقتضاءات وشهوات وغضبات ومحبّات واشتياقات وعزمات وارادات وحركات وسكنات، فاذا بلغ الانسان مبلغ الرّجال والنّساء فامّا ان تكون حركاته وسكناته بحكم ميوله الجماديّة او اقتضاءاته النّباتيّة او شهواته وغضباته الحيوانيّة، او ادراكاته وحيله الشّيطانيّة، وامّا ان تكون بحكم عقله الانسانىّ فان كانت من القسم الاوّل كانت جملة حركاته وسكناته وعزماته واراداته من حيث انجرارها الى العمل السّىّء والاسوء سلاسل تجرّه فى الدّنيا الى اسفل النّفس الّتى هى صورة جحيم الآخرة والى العمل القبيح الّذى هو من آثار لهبات الجحيم، وتلك السّلاسل فى الدّنيا مستورة عن الانظار الحسّيّة وان كانت مشهودة بالانظار الملكوتيّة لاهلها، لكن فى الآخرة تصير مشهودة ظاهرة بناءً على تجسّم الاعمال وموجبة لسلاسل اخرى اخرويّة بناءً على جزاء الاعمال فى الآخرة بالجزاء المناسب لها، وكانت كلّها من حيث اكتساب النّفس منها سوأة وثقلاً اغلالاً لها مستورة عن الانظار الدّنيويّة مشهودة للانظار الاخرويّة، وان كانت من القسم الاخير صارت سبباً لاطلاقه من الاغلال وخلاصه من السّلاسل وسبباً لخروجه من هاوية النّفس وعروجه على مراقى الانسانيّة الى اعلى عليّين وقرب ربّه ربّ العالمين وبعبارةٍ اخرى كلّما يفعله الانسان بعد بلوغه امّا ان يكون بامر آمرٍ الهىٍّ من غير شراكة لنفسه وامرها فيه او يكون بشراكةٍ لنفسه فيه وامّا ان يكون بامر نفسه من غير شراكةٍ لربّه وامر ربّه فيه، فان كان من القسم الاوّل صار سبباً لاطلاقه ونجاته ويكون ممّا يتقرّب به قرب الفرائض، وان كان من القسم الثّانى فامّا ان يكون شراكة النّفس فى الفعل لامر الله من حيث توجّهها الى الله واعانتها لامتثال امر الله وقربها من الله، او من حيث انصرافها من الله وتوجّهها الى حظوظها ومآربها، والاوّل كالاوّل فى صيرورته سبباً لاطلاق النّفس ونجاتها ويكون ممّا يتقرّب به قرب النّوافل، والثّانى يكون ممّا يكون العامل فيه مشركاً فى العبادة ويكون مردوداً اليه وممّا يتركه الله تعالى لشريكه لكونه اغنى الشّركاء ويترك لشريكه كلّ عملٍ يعمل بشراكة غيره، ويكون سلسلةً وغلاًّ لنفسه، وان كان من القسم الثّالث لا يكون الاّ غلاًّ وسلسلةً واليها اشار تعالى شأنه بقوله: {أية : كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلاَّ أَصْحَابَ ٱلْيَمِينِ} تفسير : [المدثر:38-39] فانّ اصحاب اليمين اى الّذين قبلوا ولاية علىّ (ع) بالبيعة الخاصّة الولويّة هم الّذين توجّهوا الى الله وابتغوا مرضاته ولقائه، فان كانوا فى حال الحضور وكان ولىّ امرهم ظاهراً عليهم وفاعلاً فعلهم بآلات اعضائهم من دون مدخليّةٍ لانفسهم فى فعلهم كان فعلهم من القسم الاوّل، وان لم يكن لهم حالة الحضور لكن كان حبّهم لربّهم ولولىّ امرهم بحيث لم يبق لهم التفاتٌ الى انفسهم وحظوظها كان فعلهم ايضاً من القسم الاوّل، وان لم يبلغ حبّهم الى مرتبة لم يبق لهم التفات الى انفسهم وحظوظها بل كانت انفسهم ايضاً باعثة على اعمالهم ولكن كانت حظوظ انفسهم فى امتثال امر الله وابتغاء مرضاته كان من القسم الثّانى الملحق بالاوّل، وان كانوا فى افعالهم غافلين من ربّهم وامره مبتغين لحظوظ انفسهم حظوظها السّفليّة لم يكونوا حينئذٍ من اصحاب اليمين فى تلك الافعال فانّ قيد الحيثيّة معتبرة فى امثال المقام، وكانوا مرهونين باعمالهم مثل سائر النّاس ولم يكونوا ينتفعون ببيعتهم فى تلك الاعمال لكن اذا لم يقطعوا حبل الولاية ولم يفسدوا بذر الايمان انتفعوا ببيعتهم عند الموت وبعده، وقد اشار المولوىّ قدّس سرّه الى السّلاسل والاغلال المستورة بقوله: شعر : خلق ديوانند شهوت سلسله ميكشد شان سوى دكّان و غله هست اين زنجير از خوف و وله تو مبين اين خلق را بى سلسله ميكشاندشان بسوى نيك و بد كَفت حق فى جيدها حبل المسد قد جعلنا الحبل فى اعناقهم واتخذنا الحبل من اخلاقهم تفسير : واعلم، ايضاً انّ الشّاربين للخمر الخبيثة المحرّمة لهم حالاتٌ وبحسب اختلافهم فى الحالات يختلف شربهم للخمر الصّوريّة فانّه قد يغلب الحرارة على مزاجهم، وقد يغلب البرودة، وقد يعتدل امزجتهم، وبحسب اختلاف تلك الاحوال قد يمزجون بشرابهم الكافور وقد يمزجون الزّنجبيل وقد يشربونها خالصاً وقد يشربون شراباً خالصاً ليذهب باذى الخمر وكسالة سكره، ويسمّى بالطّهور والغسّال، وللسّالكين الى الله ايضاً انواع من الشّراب المعنوىّ الرّوحانىّ فانّه قد يغلب عليهم برد السّلوك فيسقيهم ربّهم شراباً زنجبيليّاً يسخّنهم ويزيد فى حرارة شوقهم وطلبهم، وقد يغلب عليهم حرارة الشّوق فيسقيهم ربّهم شراباً كافوريّاً ليعتدل سخونة اشتياقهم ببرد كافور السّلوك، وقد يسقيهم شراباً خالصاً غير ممزوج اذا كانوا فى السّلوك والجذب معتدلين، وقد يسقيهم شراباً طهوراً يغسّلهم من نسبة الاموال والافعال والصّفات الى انفسهم بل من انانيّاتهم وهذه الاحوال تطرو عليهم فى الآخرة وفى الجنّات.

اطفيش

تفسير : {إِنَّ الأَبْرَارَ} جمع بركوب وأرباب أو جمع بار كشاهد وإشهاد وهم الصادقون في إيمانهم المطيعون لربهم. وعن الحسن هم الذين لا يودون الذر ولا يرضون الشر *{يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ} اي خمر من كأس أو الكأس الخمر تسمية للحال باسم المحل، فإن الكأس زجاجة فيها الخمر تؤنث *{كَانَ مِزَاجُهَا} ما يمزج بها والضمير للكأس وأضيف المزاج اليها لأن الممزوج هو فيها أو للخمر المحذوف أو للكأس بمعنى الخمر *{كَافُوراً} لبرده وعذوبته وطيب رائحته وقيل يخلق فيها رائحة الكافور وبياضه وبرده فكأنها مزجت به، وعلى الأول قتادة قال تمزج لهم بالكافور وتختم بالمسك، وقيل الكافور هنا اسم ماء في الجنة، وقيل اسم عين فيقدر مضاف اي ماء كافور وعليه ابن عباس والفراء والكلبي ولا يقال أن الكافور غير لذيذ وشربه مضر فكيف يشربونه على القول الأول لانا نقول كافور الجنة لذيذ الطعم لا يضر.

الالوسي

تفسير : {إِنَّ ٱلاْبْرَارَ } شروع في بيان حسن حال الشاكرين إثر بيان سوء حال الكافرين، وإيرادهم بعنوان البر للإشعار بما استحقوا به ما نالوه من الكرامة السنية مع تجديد صفة مدح لهم. والأبرار جمع بر كرب وأرباب أو بار كشاهد وأشهاد بناء على أن فاعلاً يجمع على أفعال. والبر المطيع المتوسع في فعل الخير وقيل من يؤدي حق الله تعالى ويوفي بالنذر وعن الحسن: هو الذي لا يؤذي الذر ولا يرضى الشر. {يَشْرَبُونَ } في الآخرة {مِن كَأْسٍ } هي كما قال الزجاج الإناء إذا كان فيه الشراب فإذا لم يكن لم يسم كأساً. وقال الراغب الكأس الإناء بما فيه من الشراب ويسمى كل واحد منهما بانفراده كأساً والمشهور أنها تطلق حقيقة على الزجاجة إذا كانت فيها خمر ومجازاً على الخمر بعلاقة المجاورة والمراد بها هٰهنا قيل الخمر فمن تبعيضية أو بيانية وقيل الزجاجة التي فيها الخمر فمن ابتدائية وقوله تعالى: {كَانَ مِزَاجُهَا كَـٰفُوراً } أظهر ملاءمة للأول والظاهر أن هذا على منوال{أية : كَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً}تفسير : [النساء: 17] والمجيء بالفعل للتحقيق والدوام. وقيل (كان) تامة من قوله تعالى {أية : كُن فَيَكُونُ}تفسير : [يس: 82] والمزاج ما يمزج به كالحزام لما يحزم به فهو اسم آلة. وكافور على ما قال الكلبـي علم عين في الجنة ماؤها في بياض الكافور وعرفه وبرده وصرف لتوافق الآي. والكلام على حذف مضاف أي ماء كافور. والجملة صفة (كأس) وهذا القول خلاف الظاهر ولعله إن لم يصح فيه خبر لا يقبل. وقرأ عبد الله (قافوراً) بالقاف بدل الكاف وهما كثيراً ما يتعاقبان في الكلمة كقولهم عربـي قح وكح.

ابن عاشور

تفسير : هذا استئناف بياني ناشىء عن الاستئناف الذي قبله من قوله: {أية : إنا أعتدنا للكافرين سلاسل}تفسير : [الإنسان: 4] الخ. فإن من عرف ما أعد للكَفُور من الجزاء يتطلع إلى معرفة ما أعد للشاكر من الثواب. وأخر تفصيله عن تفصيل جزاء الكفور مع أن {أية : شاكراً}تفسير : [الإنسان: 3] مذكور قبل {أية : كفوراً} تفسير : [الإنسان: 3]، على طريقة اللف والنشر المعكوس ليتسع المجال لإِطناب الكلام على صفة جزاء الشاكرين وما فيه من الخير والكرامة، تقريباً للموصوف من المشاهدة المحسوسة. وتأكيد الخبر عن جزاء الشاكرين لدفع إنكار المشركين أن يكون المؤمنون خيراً منهم في عالم الخلود، ولإِفادة الاهتمام بهذه البشارة بالنسبة إلى المؤمنين. و {الأبرار}: هم الشاكرون، عُبر عنهم بالأبرار زيادة في الثناء عليهم. و {الأَبرار}: جمع بَر بفتح الباء، وجمعُ بَار أيضاً مثل شاهد وأشهاد، والبار أو البَرّ المكثر من البِرّ بكسر الباء وهو فعل الخير، ولذلك كان البَرّ من أوصاف الله تعالى قال تعالى: {أية : إنا كنا من قبل ندعوه أنه هو البَر الرحيم}تفسير : [الطور: 28]. ووصف بَرِّ أقوى من بارّ في الاتصاف بالبرِ، ولذلك يقال: الله بَر، ولم يُقل: الله بَار. ويجمع برّ على بَرَرة. ووقع في «مفردات الراغب»: أن بررة أبلغ من أبرار. وابتدىء في وصف نعيمهم بنعيم لذة الشرب من خمر الجنة لما للذة الخمر من الاشتهار بين الناس، وكانوا يتنافسون في تحصيلها. والكأس: بالهمزة الإِناء المجعول للخمر فلا يسمى كأساً إلاّ إذا كان فيه خمر، وقد تسمى الخمر كأساً على وجه المجاز المرسل بهذا الاعتبار كما سيجيء قريباً قوله تعالى: {أية : ويسقون فيها كأساً كان مزاجُها زنجبيلاً}تفسير : [الإنسان: 17] فيجوز أن يراد هنا آنية الخمر فتكون {مِن} للابتداء وإفراد {كأس} للنوعية، ويجوز أن تراد الخمر فتكون {مِن} للتبعيض. وعلى التقديرين فكأس مراد به الجنس وتنوينه لتعظيمه في نوعه. والمزاج: بكسر الميم ما يمزج به غيرُه، أي يخلط وكانوا يمزجون الخمر بالماء إذا كانت الخمر معتّقة شديدة ليخففوا من حدتها وقد ورد ذكر مزج الخمر في أشعار العرب كثيراً. وضمير {مزاجها} عائد إلى {كأس}. فإذا أريد بالكأس إناء الخمر فالإِضافة لأدنى ملابسة، أي مزاج ما فيها، وإذا أريدت الخمر فالإضافة من إضافة المصدر إلى مفعوله. والكافور: «زيت يستخرج من شجرة تشبه الدِفْلَى تنبت في بلاد الصين وجَاوة يتكون فيها إذا طالت مدتُها نحواً من مائتي سنة فيُغلَّى حَطَبها ويستخرج منه زيت يسمى الكَافور. وهو ثخِن قد يتصلب فيصير كالزُبْد وإذا يقع حطب شجرة الكافور في الماء صار نبيذاً يتخمر فيصير مسكراً. والكافور أبيض اللون ذكي الرائحة منعش. فقيل إن المزاج هنا مراد به الماء والإِخبار عنه بأنه كافور من قبيل التشبيه البليغ، أي في اللون أو ذكاء الرائحة، ولعل الذي دعا بعض المفسرين إلى هذا أن المتعارف بين الناس في طيب الخمر أن يوضع المسك في جوانب الباطية قال النابغة:شعر : وتسقى إذا ما شئت غير مُصرَّد بزوراء في حافاتها المسك كارع تفسير : ويختم على آنية الخمر بخاتم من مسك كما في قوله تعالى في صفة أهل الجنة: {أية : يُسْقَوْن من رحيق مختوم ختامه مسك}تفسير : [المطففين: 25، 26]. وكانوا يجعلون الفلفل في الخمر لحسن رائحته ولذعة حرارته لذعة لذيذة في اللسان، كما قال امرؤ القيس:شعر : صُبِّحْنَ سلافاً من رحيق مُفلفل تفسير : ويحتمل أن يكونوا يمزجون الخمر بماء فيه الكافور أو بزيته فيكون المزاج في الآية على حقيقته مما تمزج به الخمر ولعل ذلك كان من شأن أهل الترف لأن الكافور ثمين وهو معدود في العطور. ومن المفسرين من قال: إن كافور اسم عين في الجنة لأجل قوله عقبه {عيناً يشرب بها عباد الله} وستعلم حق المراد منه. وإقحام فعل {كان} في جملة الصفة بقوله: {كان مزاجها كافوراً} لإِفادة أن ذلك مزاجها لا يفارقها إذ كان معتاد الناس في الدنيا ندرة ذلك المزاج لغلاء ثمنه وقلة وجدانه. وانتصب {عيناً} على البدل من {كافوراً} أي ذلك الكافور تجري به عين في الجنة من ماء محلول فيه أو من زيته مثل قوله: {أية : وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى}تفسير : [محمد: 15]. وعدي فعل {يشرب} بالباء وهي باء الإِلصاق لأن الكافور يمزج به شرابهم. فالتقدير: عيْناً يشرب عباد الله خمرهم بها، أي مصحوباً بمائها، وذهب الأصمعي إلى أن الباء في قوله تعالى: {يشرب بها عباد الله} بمعنى (من) التبعيضية ووافقه الفارسي وابن قتيبة وابن مالك، وعَدّ في كتبه ذلك من معاني الباء ونُسب إلى الكوفيين. و {عبادُ الله} مراد بهم: الأبرار. وهو إظهار في مقام الإِضمار للتنويه بهم بإضافة عبوديتهم إلى الله تعالى إضافةَ تشريف. والتفجير: فتح الأرض عن الماء أي استنباط الماء الغزير وأطلق هنا على الاستقاء منها بلا حدّ ولا نضوب فكان كل واحد يفجر لنفسه ينبوعاً وهذا من الاستعارة. وأكد فعل {يفجرونها تفجيراً} ترشيحاً للاستعارة.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ}. مادة يشرب تتعدى بنفسها، فيقال: يشرب كأساً بدون مجيء من، ومن للتبعيض، وللابتداء، فقيل: هي هنا للابتداء، وأن الفعل مضمن معنى فعل آخر، وهو يتنعمون ويرتوون كما قالوا في عيناً يشرب بها عباد الله. إذ الباء تكون للإرادة ولا إرادة هنا، فهم يتنعمون بها. والذي يظهر أن من للتبعيض فعلاً، وأن شرب أهل الجنة على سبيل الترفه والتلذذ، وهي عادة المترفين المنعمين، يشربون بعض الكأس لا كله. وقد دل على ذلك أنهم لا يشربون عن ظمإ كما في قوله تعالى لآدم {أية : إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَؤُاْ فِيهَا وَلاَ تَضْحَىٰ }تفسير : [طه: 118-119]، وسيأتي تعدية يسقون بنفسها إلى الكأس {أية : وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً}تفسير : [الإنسان: 17]، ويأتي قوله تعالى {أية : وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً}تفسير : [الإنسان: 21]. ويؤيد هذا اتفاقهم على التضمين في {أية : عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ}تفسير : [الإنسان: 6]، فهو هنا واضح. وهناك التبعيض ظاهر.

د. أسعد حومد

تفسير : (5) - إِنَّ الكرَامَ البَرَرَةَ الذِينَ أَطَاعُوا اللهَ، يَشْرَبُونَ مِنْ خَمْرٍ كَانَ مَا يُمْزَجُ بِهَا مَاءَ الكَافُورِ. مِنْ كَأْسٍ - مِنْ خَمْرٍ أَوْ مِنْ كَأْسٍ فِيهَا خَمْرٌ. مِزَاجُهَا - مَا تُمْزَجُ بِهِ.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ} معناه من خَمرٍ.