Verse. 5598 (AR)

٧٦ - ٱلْإِنْسَان

76 - Al-Insan (AR)

يُوْفُوْنَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُوْنَ يَوْمًا كَانَ شَرُّہٗ مُسْـتَطِيْرًا۝۷
Yoofoona bialnnathri wayakhafoona yawman kana sharruhu mustateeran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يوفون بالنذر» في طاعة الله «ويخافون يوما كان شره مستطيرا» منتشرا.

7

Tafseer

الرازي

تفسير : فالأول قوله تعالى: {يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: الإيفاء بالشيء هو الإتيان به وافياً، أما النذر فقال أبو مسلم: النذر كالوعد، إلا أنه إذا كان من العباد فهو نذر، وإن كان من الله تعالى فهو وعد، واختص هذا اللفظ في عرف الشرع بأن يقول لله عليَّ كذا وكذا من الصدقة، أو يعلق ذلك بأمر يلتمسه من الله تعالى مثل أن يقول: إن شفى الله مريضي، أو رد غائبي فعليَّ كذا كذا، واختلفوا فيما إذا علق ذلك بما ليس من وجوه البر، كما إذا قال: إن دخل فلان الدار فعليَّ كذا، فمن الناس من جعله كاليمين، ومنهم من جعله من باب النذر، إذا عرفت هذا، فنقول للمفسرين في تفسير الآية أقوال: أولها: أن المراد من النذر هو النذر فقط، ثم قال الأصم: هذا مبالغة في وصفهم بالتوفر على أداء الواجبات. لأن من وفى بما أوجبه هو على نفسه كان بما أوجبه الله عليه أوفى، وهذا التفسير في غاية الحسن وثانيها: المراد بالنذر ههنا كل ما وجب عليه سواء وجب بإيجاب الله تعالى ابتداء أو بأن أوجبه المكلف على نفسه فيدخل فيه الإيمان وجميع الطاعات، وذلك لأن النذر معناه الإيجاب وثالثها: قال الكلبي: المراد من النذر العهد والعقد، ونظيره قوله تعالى: {أية : أَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } تفسير : [البقرة: 40] فسمى فرائضه عهداً، وقال: {أية : أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ } تفسير : [المائدة: 1] سماها عقوداً لأنهم عقدوها على أنفسهم باعتقادهم الإيمان. المسألة الثانية: هذه الآية دالة على وجوب الوفاء بالنذر، لأنه تعالى عقبه بيخافون يوماً وهذا يقتضي أنهم إنما وفوا بالنذر خوفاً من شر ذلك اليوم، والخوف من شر ذلك اليوم لا يتحقق إلا إذا كان الوفاء به واجباً، وتأكد هذا بقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلإِيْمَـٰنَ } تفسير : بعد توكيدها [النحل: 91] وبقوله: {أية : ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ } تفسير : [الحج: 29] فيحتمل ليوفوا أعمال نسكهم التي ألزموها أنفسهم. المسألة الثالثة: قال الفراء: وجماعة من أرباب المعاني. كان في قوله: {أية : كَانَ مِزَاجُهَا كَـٰفُوراً } تفسير : [الإنسان: 5] زائدة وأما ههنا فكان محذوفة، والتقدير كانوا يوفون بالنذر. ولقائل أن يقول: إنا بينا أن كان في قوله: {أية : كَانَ مِزَاجُهَا } تفسير : [الإنسان: 5] ليست بزائدة، وأما في هذه الآية فلا حاجة إلى إضمارها، وذلك لأنه تعالى ذكر في الدنيا أن الأبرار يشربون أي سيشربون، فإن لفظ المضارع مشترك بين الحال والاستقبال، ثم قال: السبب في ذلك الثواب الذي سيجدونه أنهم الآن يوفون بالنذر. النوع الثاني: من أعمال الأبرار التي حكاها الله تعالى عنهم قوله تعالى: {وَيَخَـٰفُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً }. واعلم أن تمام الطاعة لا يحصل إلا إذا كانت النية مقرونة بالعمل، فلما حكى عنهم العمل وهو قوله: {يُوفُونَ } حكى عنهم النية وهو قوله: {وَيَخَـٰفُونَ يَوْماً } وتحقيقه قوله عليه السلام: «حديث : إنما الأعمال بالنيات» تفسير : وبمجموع هذين الأمرين سماهم الله تعالى بالأبرار وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: أحوال القيامة وأهوالها كلها فعل الله، وكل ما كان فعلاً لله فهو يكون حكمة وصواباً، وما كان كذلك لا يكون شراً، فكيف وصفها الله تعالى بأنها شر؟ الجواب: أنها إنما سميت شراً لكونها مضرة بمن تنزل عليه وصعبة عليه، كما تسمى الأمراض وسائر الأمور المكروهة شروراً. السؤال الثاني: ما معنى المستطير؟ الجواب: فيه وجهان أحدهما: الذي يكون فاشياً منتشراً بالغاً أقصى المبالغ، وهو من قولهم: استطار الحريق، واستطار الفجر وهو من طار بمنزلة استنفر من نفر، فإن قيل: كيف يمكن أن يقال: شر ذلك اليوم مستطير منتشر، مع أنه تعالى قال في صفة أوليائه: {أية : لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ }تفسير : [الأنبياء: 103]، قلنا: الجواب من وجهين الأول: أن هول القيامة شديد، ألا ترى أن السموات تنشق وتنفطر وتصير كالمهل، وتتناثر الكواكب، وتتكور الشمس والقمر، وتفرغ الملائكة، وتبدل الأرض غير الأرض، وتنسف الجبال، وتسجر البحار وهذا الهول عام يصل إلى كل المكلفين على ما قال تعالى: {أية : يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ } تفسير : [الحج: 2] وقال: {أية : يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدٰنَ شِيباً } تفسير : [المزمل: 17] إلا أنه تعالى بفضله يؤمن أولياءه من ذلك الفزع والجواب الثاني: أن يكون المراد أن شر ذلك اليوم يكون مستطيراً في العصاة والفجار. وأما المؤمنون فهم آمنون، كما قال: {أية : لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ } تفسير : [الأنبياء: 103] {أية : لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ } تفسير : [الزخرف: 68] {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ } تفسير : [فاطر: 44] إلا أن أهل العقاب في غاية الكثرة بالنسبة إلى أهل الثواب، فأجرى الغالب مجرى الكل على سبيل المجاز. القول الثاني: في تفسير المستطير أنه الذي يكون سريع الوصول إلى أهله، وكأن هذا القائل ذهب إلى أن الطيران إسراع. السؤال الثالث: لم قال: {كان شره مستطيراً}، ولم يقل: وسيكون شره مستطيراً؟ الجواب: اللفظ وإن كان للماضي، إلا أنه بمعنى المستقبل، وهو كقوله: {أية : وَكَانَ عَهْدُ ٱللَّهِ مسؤلا } تفسير : [الأحزاب: 15] ويحتمل أن يكون المراد إنه كان شره مستطيراً في علم الله وفي حكمته، كأنه تعالى يعتذر ويقول: إيصال هذا الضرر إنما كان لأن الحكمة تقتضيه، وذلك لأن نظام العالم لا يحصل إلا بالوعد والوعيد، وهما يوجبان الوفاء به، لاستحالة الكذب في كلامي، فكأنه تعالى يقول: كان ذلك في الحكمة لازماً، فلهذا السبب فعلته. النوع الثالث: من أعمال الأبرار قوله تعالى:

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ} أي لا يُخلِفون إذا نَذَرواً. وقال مَعْمَر عن قتادة: بما فرض الله عليهم من الصلاة والزكاة والصوم والحج والعُمْرة وغيره من الواجبات. وقال مجاهد وعكرمة: يوفون إذا نذروا في حقّ الله جل ثناؤه. وقال الفرّاء والجرجاني: وفي الكلام إضمار؛ أي كانوا يوفون بالنذر في الدنيا. والعرب قد تزيد مرة «كان» وتحذف أخرى. والنذر: حقيقته ما أوجبه المكلّف على نفسه من شيء يفعله. وإن شئت قلت في حَدِّه: النذر: هو إيجاب المكلَّف على نفسه من الطاعات ما لو لم يوجبه لم يلزمه. وقال الكَلْبيّ: {يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ} أي يتممون العهود والمعنى واحد؛ وقد قال الله تعالى: { أية : ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ } تفسير : [الحج: 29] أي أعمال نسكهم التي ألزموها أَنفسهم بإحرامهم بالحج. وهذا يقوّي قول قتادة. وأن النذر يندرج فيه ما ٱلتزمه المرء بإيمانه من ٱمتثال أمر الله؛ قاله القُشيري. وروى أشهب عن مالك أنه قال: {يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ} هو نذر العتق والصيام والصلاة. وروى عنه أبو بكر بن عبد العزيز قال مالك: {يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ} قال: النذر: هو اليمين. قوله تعالى: {وَيَخَافُونَ} أي يحذرون {يَوْماً} أي يوم القيامة. {كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً} أي عالياً داهياً فاشياً وهو في اللغة ممتدّاً؛ والعرب تقول: ٱستطار الصدع في القارورة والزجاجة وٱستطال: إذا ٱمتد؛ قال الأعشى: شعر : وبَانَتْ وقد أَسْأَرَتْ في الفُؤَا دِ صَدْعاً على نَأْيِهَا مُسْتَطِيرَا تفسير : ويقال: ٱستطار الحريق: إذا ٱنتشر. وٱستطار الفجر إذا ٱنتشر الضوء. وقال حسان: شعر : وهَانَ على سَرَاة بنِي لُؤَيٍّ حرِيقٌ بالبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ تفسير : وكان قتادة يقول: ٱستطار واللَّهِ شرُّ ذلك اليوم حتى ملأ السموات والأرض. وقال مقاتل: كان شره فاشياً في السموات فٱنشقت، وتناثرت الكواكب، وفزعت الملائكة، وفي الأرض نُسِفت الجبالُ وغارت المياهُ. قوله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ} قال ٱبن عباس ومجاهد: على قِلّته وحبّهم إياه وشهوتهم له. وقال الداراني: على حبّ الله. وقال الفُضَيل بن عِياض: على حبّ إطعام الطعام. وكان الربيع بن خيثم إذا جاءه السائل قال: أطعموه سُكَّراً فإن الربيع يحب السكر. {مِسْكِيناً} أي ذا مسكنة. وروى أبو صالح عن ٱبن عباس قال: هو الطوّاف يسألك مَالَكَ {وَيَتِيماً} أي من يتامى المسلمين. وروى منصور عن الحسن: أن يتيماً كان يحضر طعام ٱبن عمر، فدعا ذات يوم بطعامه، وطلب اليتيم فلم يجده، وجاءه بعد ما فرغ ٱبن عمر من طعامه فلم يجد الطعام، فدعا له بسَوِيق وعسل؛ فقال: دونك هذا، فوالله ما غُبِنتَ؛ قال الحسن وٱبن عمر: والله ما غُبِن. {وَأَسِيراً} أي الذي يؤسر فيحبس. فروى أبو صالح عن ٱبن عباس قال: الأسير من أهل الشرك يكون في أيديهم. وقاله قتادة. وروى ٱبن أبي نجيح عن مجاهد قال: الأسير هو المحبوس. وكذا قال سعيد بن جُبير وعطاء: هو المسلم يُحبس بحقّ. وعن سعيد بن جبير مثل قول قتادة وٱبن عباس. قال قتادة: لقد أمر الله بالأسرى أن يحسن إليهم، وأن أسراهم يومئذ لأَهلُ الشِّرك، وأخوك المسلم أحقُّ أن تطعمه. وقال عِكرمة: الأسير العبد. وقال أبو حمزة الثُّمَالي: الأسير المرأة، يدلّ عليه قوله عليه السلام: « حديث : ٱستوصوا بالنساء خيراً فإنهن عَوَانٍ عندكم » تفسير : أي أسيرات. وقال أبو سعيد الخُدري: « حديث : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} فقال: «المسكين الفقير، واليتيم الذي لا أب له، والأسير المملوك والمسجون» » تفسير : ذكره الثعلبي. وقيل: نسخ إطعام المسكين آية الصدقات؛ وإطعام الأسير (آية) السيف؛ قاله سعيد بن جُبير. وقال غيره: بل هو ثابت الحكم، وإطعام اليتيم والمسكين على التطوع، وإطعام الأسير لحفظ نفسه إلاّ أن يتخير فيه الإمام. الماورديّ: ويحتمل أن يريد بالأسير الناقص العقل؛ لأنه في أسر خَبْله وجنونه، وأسر المشرك ٱنتقام يقف على رأي الإمام، وهذا بِرٌّ وإحسان. وعن عطاء قال: الأسير من أهل القبلة وغيرهم. قلت: وكأنّ هذا القول عام يجمع جميع الأقوال، ويكون إطعام الأسير المشرك قربة إلى الله تعالى، غير أنه من صدقة التطوع، فأما المفروضة فلا. والله أعلم. ومضى القول في المسكين واليتيم والأسير وٱشتقاق ذلك من اللغة في «البقرة» مستوفًى والحمد لله. قوله تعالى: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ} أي يقولون بألسنتهم للمسكين واليتيم والأسير {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ} في الله جلّ ثناؤه فزعاً من عذابه وطمعاً في ثوابه. {لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً} أي مكافأة. {وَلاَ شُكُوراً} أي ولا أن تثنوا علينا بذلك؛ قال ٱبن عباس: كذلك كانت نياتهم في الدنيا حين أطعموا. وعن سالم عن مجاهد قال: أما إنهم ما تكلّموا به ولكن علمه الله جلّ ثناؤه منهم فأثنى به عليهم؛ ليرغب في ذلك راغب. وقاله سعيد بن جُبير حكاه عنه القُشيريّ. وقيل: إن هذه الآية نزلت في مُطْعِم بن ورقاء الأنصاريّ نذر نذراً فوفَّى به. وقيل: نزلت فيمن تكفّل بأسرى بدروهم سبعة من المهاجرين: أبو بكر وعمر وعليّ والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد وأبو عبيدة رضي الله عنهم؛ ذكره الماورديّ. وقال مقاتل: نزلت في رجل من الأنصار أطعم في يوم واحد مسكيناً ويتيماً وأسيراً. وقال أبو حمزة الثُّمَالي: بلغني « حديث : أن رجلاً قال يا رسول الله أطعمني فإني واللَّهِ مجهود؛ فقال: «والذي نفسي بيده ما عندي ما أطعمك ولكن ٱطلب» فأتى رجلاً من الأنصار وهو يتعشى مع ٱمرأته فسأله، وأخبره بقول النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فقالت المرأة: أطعمه وٱسقِه. ثم أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم يتيم فقال: يا رسول الله! أَطعمني فإني مجهود. فقال: «ما عندي ما أطعمك ولكن ٱطلب» فٱستطعم ذلك الأنصاريّ فقالت المرأة: أطعمه وٱسقِه، فأطعمه. ثم أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم أسير فقال: يا رسول الله! أطعمني فإني مجهود. فقال: «والله ما معي ما أطعمك ولكن ٱطلب» فجاء الأنصاريّ فطلب، فقالت المرأة: أطعمه وٱسقِه. فنزلت: {وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} تفسير : ذكره الثعلبيّ. وقال أهل التفسير: نزلت في عليّ وفاطمة رضي الله عنهما وجارية لهما ٱسمها فضة. قلت: والصحيح أنها نزلت في جميع الأبرار، ومَن فعل فعلاً حسناً؛ فهي عامة. وقد ذكر النقاش والثّعلبيّ والقشيريّ وغير واحد من المفسّرين في قصة عليّ وفاطمة وجاريتهما حديثاً لا يصح ولا يثبت، رواه ليث عن مجاهد عن ٱبن عباس: في قوله عزّ وجلّ: {يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً. وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} قال: مرض الحسن والحسين فعادهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعادهما عامة العرب؛ فقالوا: يا أبا الحسن ـ ورواه جابر الجُعْفيّ عن قَنْبَر مولى عليّ قال: مرض الحسن والحسين حتى عادهما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا أبا الحسن ـ رجع الحديث إلى حديث ليث بن أبي سليم ـ لو نذرتَ عن ولديك شيئاً، وكل نذر ليس له وفاء فليس بشيء. فقال رضي الله عنه: إن بَرأَ ولداي صمت لله ثلاثة أيام شكراً. وقالت جارية لهم نوبية: إن بَرأَ سيِّداي صمت لله ثلاثة أيام شكراً. وقالت فاطمة مثل ذلك. وفي حديث الجُعْفيّ فقال الحسن والحسين: علينا مثل ذلك فأُلْبِس الغلامان العافية، وليس عند آل محمد قليل ولا كثير، فانطلق عليّ إلى شمعون بن حاريا الخيبريّ، وكان يهودياً، فٱستقرض منه ثلاثة أصوُع من شعير، فجاء به، فوضعه ناحية البيت، فقامت فاطمة إلى صاع فطحنته وٱختبزته، وصلّى عليٌّ مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه. وفي حديث الجُعْفيّ: فقامت الجارية إلى صاع من شعير فخبزت منه خمسة أقراص، لكل واحد منهم قرص، فلما مضى صيامهم الأوّل وضع بين أيديهم الخبز والملح الجريش؛ إذ أتاهم مسكين، فوقف بالباب وقال: السلام عليكم أهلَ بيت محمد ـ في حديث الجُعْفي ـ أنا مسكين من مساكين أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأنا والله جائع؛ أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة. فسمعه عليّ رضي الله عنه، فأنشأ يقول: شعر : فاطمَ ذاتَ الفضلِ واليقينْ يا بنتَ خير الناسِ أجمعينْ أما تَرَينَ البائسَ المسكينْ قد قام بالباب له حنينْ يشكو إلى الله ويستكينْ يشكو إلينا جائعٌ حزينْ كل ٱمرىء بكسبه رهينْ وفاعل الخيرات يستبِينْ موعِدُنا جَنّة عِلِّيينْ حرّمها الله على الضَّنِينْ ولِلبِخيل موقِفٌ مهِين تَهوِي بِهِ النار إلى سِجِّينْ شرابه الحميم والغِسْلينْ من يفعلِ الخيرَ يقم سمينْ ويَدْخُـل الجنـةَ أيّ حِيـنْ تفسير : فأنشأت فاطمة رضي الله عنها تقول: شعر : أمرُكَ عندي يا بن عَمٍّ طاعهْ ما بِيَ من لُؤْم ولا وَضَاعهْ غَدَيْتُ في الخبز له صناعهْ أُطعِمه ولا أُبالي السَّاعهْ أرجو إذا أَشبعتُ ذا المَجَاعهْ أَنْ أَلحقَ الأخيارَ والجَمَاعهْ وأدخـلَ الجنـةَ لـي شَفاعـهْ تفسير : فأطعموه الطعام، ومكثوا يومهم وليلتهم لم يذوقوا شيئاً إلا الماء القَرَاح، فلما أن كان في اليوم الثاني قامت إلى صاع فطحنته وٱختبزته، وصلّى عليٌّ مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين أيديهم؛ فوقف بالباب يتيم فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد، يتيم من أولاد المهاجرين ٱستشهد والدي يوم العَقَبة. أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة. فسمعه عليّ فأنشأ يقول: شعر : فاطِمَ بنتَ السِّيدِ الكريمْ بنتَ نبِيٍّ ليس بالزَّنِيمْ لقد أتى الله بِذِي اليتيمْ من يرحم اليوم يكن رحِيمْ ويدخل الجنة أي سلِيمْ قد حرم الخلدُ على اللئيمْ ألاَّ يَجوزَ الصراطَ المستقيمْ يزلّ في النار إلى الجحيمْ شرابُـه الصـديـدُ والحميـمْ تفسير : فأنشأت فاطمة رضي الله عنها تقول: شعر : أطعِمه اليوم ولا أبالِي وأوثر اللَّهَ على عيالي أَمَسوْا جياعاً وَهُمُ أَشْبَالي أصغرُهم يُقتَلُ في القِتالِ بِكَرْ بَلاَ يُقتَلُ بٱغْتَيالِ يا ويلُ لِلقاتِل مَعْ وَبَالِ تَهوى به النار إلى سِفالِ وفي يديهِ الغُلَّ والأغلال كبولـة زادت علـى الأكبـالِ تفسير : فأطعموه الطعام ومكثوا يومين وليلتين لم يذوقوا شيئاً إلا الماء القَرَاح؛ فلما كانت في اليوم الثالث قامت إلى الصاع الباقي فطحنته وٱختبزته، وصلّى عليٌّ مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين أيديهم؛ إذ أتاهم أسير فوقف بالباب فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد، تأسروننا وتَشُدُّوننا ولا تُطْعِمونناٰ أطعموني فإنّي أسير محمد. فسمعه عليّ فأنشأ يقول: شعر : فاطم يا بنتَ النبيِّ أحمدْ بنت نبِيٍّ سيِّدٍ مُسَوَّدْ وسماه الله فهو محمد قد زانه الله بِحسنٍ أغيدْ هذا أسِيرٌ للنبيّ المهتدْ مُثقَّلٌ في غُلِّه مُقيَّدْ يَشكو إلينا الجوعَ قد تمددْ من يُطعِمِ اليومَ يجِده في غدْ عند العليّ الواحِدِ الموحَّدْ ما يزرع الزارِعُ سوف يَحصُدْ أعطيـه لا لا تجعلِيـهِ أقعـد تفسير : فأنشأت فاطمة رضي الله تعالى عنها تقول: شعر : لم يَبْقَ مِمّا جاء غيرُ صاعْ قد ذهبت كَفِّي مع الذِّراعْ ٱبنايَ والله هُمَا جِيَاعْ يا ربّ لا تتركهما ضياعْ أبوهما للخير ذو ٱصطناعْ يَصطنِع المعروفَ بابتداعْ عَبْلُ الذِّراعين شديد الباعْ وما على رأسِيَ مِن قِناعْ إلاَّ قنـاعاً نَسْجـهُ أَنْسَـاعْ تفسير : فأعطوه الطعام ومكثوا ثلاثة أيام ولياليها لم يذوقوا شيئاً إلا الماء القَرَاح، فلما أن كان في اليوم الرابع، وقد قضى الله النذر أخذ بيده اليمنى الحسن، وبيده اليسرى الحسين، وأقبل نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يرتعشون كالفراخ من شدّة الجوع؛ فلما أبصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : يا أبا الحسن ما أشدّ ما يسوءني ما أرى بكم ٱنطلق بنا إلى ٱبنتي فاطمة » تفسير : فانطلقوا إليها وهي في محرابها، وقد لصق بطنها بظهرها، وغارت عيناها من شدة الجوع، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرف المجاعة في وجهها بكى وقال: « حديث : واغوثاه يا الله، أهُل بيت محمد يموتون جوعاً » تفسير : فهبط جبريل عليه السلام وقال: السلام عليك، ربك يقرئك السلام يا محمد، خذه هنيئاً في أهل بيتك. قال: « حديث : وما آخذ يا جبريل » تفسير : فأقرأه {هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ} إلى قوله: {وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً. إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً} قال الترمذي الحكيم أبو عبد الله في نوادر الأصول: فهذا حديث مُزوَّق مُزيَّف، قد تَطرَّف فيه صاحبه حتى تَشبَّه على المستمعين، فالجاهل بهذا الحديث يَعَضُّ شفتيه تلهفاً ألاّ يكون بهذه الصفة، ولا يعلم أن صاحب هذا الفعل مذموم؛ وقد قال الله تعالى في تنزيله: { أية : وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ } تفسير : [البقرة: 219] وهو الفضل الذي يفضل عن نفسك وعيالك، وجرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم متواترة بأن « حديث : خير الصدقة ما كان عن ظهر غِنًى». «وٱبدأ بنفسك ثم بمن تعول » تفسير : وٱفترض الله على الأزواج نفقة أهاليهم وأولادهم. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يَقُوت » تفسير : أفيحسب عاقل أن عليًّا جهل هذا الأمر حتى أجهد صبياناً صغاراً من أبناء خمس أو ست على جوع ثلاثة أيام ولياليهن؟ حتى تَضوَّروا من الجوع، وغارت العيون منهم؛ لخلاء أجوافهم، حتى أبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بهم من الجهد. هَبْ أنه آثَرَ على نفسه هذا السائل، فهل كان يجوز له أن يحمل أهله على ذلك؟! وهَبْ أنّ أهله سمحت بذلك لعليّ فهل جاز له أن يحمل أطفاله على جوع ثلاثة أيام بلياليهن؟! ما يُروج مثل هذا إلا على حَمْقى جهّال؛ أبى الله لقلوب متنبهة أن تظن بعليّ مثل هذا. وليت شعري من حفظ هذه الأبيات كل ليلة عن عليّ وفاطمة، وإجابة كل واحد منهما صاحبه، حتى أدّاه إلى هؤلاء الرواة؟! فهذا وأشباهه من أحاديث أهل السجون فيما أرى. بلغني أن قوماً يُخلَّدون في السجون فيبقون بلا حيلة، فيكتبون أحاديث في السَّمَر وأشباهه، ومثل هذه الأحاديث مفتعلة، فإذا صارت إلى الجهابذة رمَوا بها وزَيفَّوها، وما من شيء إلا له آفة ومكيدة، وآفة الدِّين وكيُده أكثر.

المحلي و السيوطي

تفسير : {يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ } في طاعة الله {وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً } منتشراً.

ابن عطية

تفسير : وصف الله تعالى حال الأبرار أنهم كانوا {يوفون بالنذر} ، أي بكل ما نذروه وأعطوا به عهداً، يقال وفى الرجل وأوفى، و " اليوم " المشار إليه يوم القيامة، و {مستطيراً} معناه متصلاً شائعاً كاستطارة الفجر والصدع في الزجاجة، وبه شبه في القلب، ومن ذلك قول الأعشى: [المتقارب] شعر : فبانت وقد أسأرت في الفؤاد صدعاً على نأيها مستطيرا تفسير : وقول ذي الرمة: [الوافر] شعر : أراد الظاعنون لحيزنوني فهاجوا صدع قلبي فاستطاروا تفسير : وقوله تعالى: {على حبه} يحتمل أن يعود الضمير على الطعام، أي وهو محبوب للفاقة والحاجة، وهذا قول ابن عباس ومجاهد ويحتمل أن يعود على الله تعالى أي لوجهه وابتغاء مرضاته، قاله أبو سليمان الدراني. والأول أمدح لهم لأن فيه الإيثار على النفس. وعلى الاحتمال الثاني فقد يفعله الأغنياء أكثر، وقال الحسين بن الفضل: الضمير عائد على الإطعام، أي محبين في فعلهم ذلك لا رياء فيه ولا تكلف، و " المسكين " الطواف المتكشف في السؤال، و" اليتيم " الصبي الذي لا أب له من الناس. والذي لا أم له من البهائم وهي صفة قبل البلوغ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يتم بعد حلم" تفسير : و " الأسير" معروف، فقال قتادة: أراد أسرى الكفار وإن كانوا على غير الإسلام، وقال الحسن: ما كان أسراهم إلا مشركين، لأن كل كبد رطبة ففيها أجر. وقال بعض العلماء: هذا إما نسخ بآية السيف وإما أنه محكم لتحفظ حياة الأسير إلى أن يرى الإمام فيه ما يرى، وقال مجاهد وابن جبير وعطاء: أراد المسجونين من الناس، ولهذا يحض على صدقة السجن، فهذا تشبيه، ومن قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا يؤسر أحد في الإسلام بغير العدول. وروى الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر الأسير هنا بالمملوك والمسجون، وقال: أراد أسرى المسلمين الذين تركوا في بلاد الحرب رهائن وخرجوا في طلب الفداء، وقال أبو حمزة الثمالي: الأسير هنا المرأة، ودليله قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عوانٍ عندكم" تفسير : ،وقوله تعالى: {إنما نطعمكم لوجه الله} المعنى يقولون لهم عند الإطعام، وهذا إما أن يكون المطعم يقول ذلك نصاً فحكي ذلك. وإما أن يكون ذلك مما يقال في الأنفس وبالنية فمدح بذلك، هذا هو تأويل ابن مجاهد وابن جبير، وقرأ أبو عمرو في رواية عباس بجزم الميم من " نطعمْكم "، قال أبو علي أسكن تخفيفاً، و " الشكور ": مصدر الشكر، ووصف اليوم بعبوس هو على التجوز، كما تقول ليل نائم أي فيه نوم، و " القمطرير " والقماطر: هو في معنى العبوس والارتداد، تقول اقمطر الرجل إذا جمع ما بين عينيه غضباً، ومنه قول الشاعر [القرطبي]: [الطويل] شعر : بني عمنا هل تذكرون بلاءنا عليكم إذا ما كان يوم قماطر تفسير : وقال آخرون: شعر : ففروا إذا ما الحرب ثار غبارها ولج بها اليوم العبوس القماطر تفسير : وقال ابن عباس: يعبس الكافر يومئذ حتى يسيل من بين عينيه مثل القطران. وعبر ابن عباس عن " القمطرير" بالطويل. وعبر عنه ابن الكلبي بالشديد، وذلك كله قريب في المعنى. وقرأ الجمهور " فوقَاهم" بتخفيف القاف. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع " فوقّاهم " بشد القاف. و " النضرة " جمال البشرة، وذلك لا يكون إلا مع فرح النفس وقرة العين، وقرأ علي بن أبي طالب " وجازاهم " بألف، وقوله {بما صبروا} عام عن الشهوات وعلى الطاعات والشدائد، ففي هذا يدخل كل ما خصص الناس من صوم وفقر ونحوه و {متكئين} حال من الضمير المنصوب في {جزاهم} وهو الهاء والميم، وقرأ أبو جعفر وشيبة " متكيين " بغير همز، و {الأرائك} السرر المستورة بالحجال، هذا شرط لبعض اللغويين، وقال بعض اللغويين: كل ما يتوسد ويفترش مما له حشو فهو أريكة وإن لم يكن في حجلة، وقوله تعالى: {لا يرون فيها} الآية عبارة عن اعتدال مس هوائها وذهاب ضرري الحر والقر عنها، وكون هوائها سجسجاً كما في الحديث المأثور ومس الشمس وهو أشد الحر، و " الزمهرير ": هو أشد البرد، وقال ثعلب: " الزمهرير " بلغة طّيىء القمر.

ابن عبد السلام

تفسير : {بِالنَّذْرِ} بما فرض من العبادات أو بما عقدوه على أنفسهم من حقّ الله ـ تعالى ـ أو بعهد من عاهدهم أو بالأيمان إذا حلفوا {مُسْتَطِيراً} فاشياً أو ممتداً.

ابو السعود

تفسير : وقولُه تعالى: {يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ} استئنافٌ مسوقٌ لبـيان ما لأجلِه رُزقُوا ما ذُكِرَ من النعيمِ مشتملٌ على نوع تفصيلٍ لما ينبىءُ عنه اسمُ الأبرارِ إجمالاً كأنَّه قيلَ: ماذَا يفعلونَ حتَّى ينالُوا تلكَ الرتبةَ العاليةَ؟ فقيلَ: يُوفون بما أَوجبُوه على أنفسِهم فكيفَ بما أوجبَهُ الله تعالَى عليهم {وَيَخَـٰفُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ} عذابُه {مُسْتَطِيراً} فاشياً مُنتشراً في الأقطارِ غايةَ الانتشارِ، من استطارَ الحريقُ والفجرُ وهُو أبلغُ من طارَ بمنزلة استنفرَ منْ نفرَ {وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبّهِ} أي كائنينَ على حُبِّ الطَّعامِ والحاجةِ إليهِ كما في قولِه تعالَى: {أية : لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } تفسير : [سورة آل عمران، الآية 92] أي على حُبِّ الإطعامِ بأنْ يكونَ ذلكَ بطيبِ النفسِ أو كائنينَ على حُبِّ الله تعالَى أو إطعاماً كائناً على حُبِّه تعالَى وهُو الأنسبُ لما سيأتِي من قولِه تعالَى لوجهِ الله {مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} أيَّ أسيرٍ « حديث : فإنَّه كانَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُؤتَى بالأسيرِ فيدفعُه إلى بعضِ المسلمينَ فيقولُ: "أَحْسِنْ إليهِ" » تفسير : أو أسيراً مؤمناً فيدخلُ فيه المملوكُ والمسجونُ وقد سَمَّى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الغريمَ أسيراً فقال: « حديث : غَريمُكَ أسيرُكَ فأحسِنْ إلى أسيرِكَ » تفسير : {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ} على إرادة قولٍ هو في موقع الحالِ من فاعلِ يطعمونَ أي قائلينَ ذلكَ بلسانِ الحالِ أو بلسانِ المقالِ إزاحةً لتوهمِ المنِّ المبطلِ للصدقةِ وتوقعِ المكافأةِ المنقصةِ للأجرِ. وعن الصديقةِ رضيَ الله تعالَى عنها أنَّها كانتْ تبعثُ بالصدقةِ إلى أهلِ بـيتٍ ثم تسألُ الرسولَ ما قالُوا؟ فإذَا ذكرَ دعاءَهُم دعتْ لَهُم بمثلِه ليبقَى ثوابُ الصدقةِ لها خالصاً عندَ الله تعالَى {لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلاَ شُكُوراً} وهو تقريرٌ وتأكيدٌ لما قبلَهُ. {إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبّنَا يَوْماً} أي عذابَ يومٍ {عَبُوساً} يعبسُ فيه الوجُوه أو يُشبه الأسدَ العَبُوسَ في الشِّدةِ والضَّراوةِ {قَمْطَرِيراً} شديدَ العُبوسِ فلذلكَ نفعلُ بكُم ما نفعلُ رجاءَ أنْ يقينَا ربُّنا بذلكَ شرَّه، وقيلَ: هو تعليلٌ لعدم إرادةِ الجزاءِ والشكورِ أي إنَّا نخافُ عقابَ الله تعالى إنْ أردناهُمَا {فَوَقَـٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ ٱلْيَومِ} بسبب خوفِهم وتحفظِهم عنه {وَلَقَّـٰهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً} أي أعطاهُم بدلَ عبوسِ الفُجَّارِ وحُزنِهم نضرةً في الوجوه وسُروراً في القلوبِ.

التستري

تفسير : {وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً}[7] قال: البلايا والشدائد في الآخرة عامة، والسلامة منها خاص الخاص.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً} [الآية: 7]. قال سهل: البلايا والشدائد فى الآخرة عامة والبلاء منه خاص لخاص. وقال بعضهم: خوفهم لله مع الوفاء بالنذور لعلمهم بما بقى عليهم من حقوق الله التى لم يهتدوا إليها فيعرفوها ولا يفزعوا إليها فيشكروا، فخوفهم من تقصير الشكر على النعم.

القشيري

تفسير : {يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ}. ثم ذكر أحوالهم في الدنيا فقال: يوفون بالعهد القديم الذي بينهم وبين الله على وجهٍ مخصوص. {وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً}. قاسياً، منتشراً، ممتداً. {وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً}. أي: على حُبِّهم للطعام لحاجتهم إليه. ويقال: على حُبِّ الله، ولذلك يُطْعِمون. ويقال: على حُبِّ الإطعام. وجاء في التفسير: أَن الأسير كان كافراً - لأنَّ المسلَم ما كان يُستأسَرُ في عهده - فطاف على بيت فاطمة رضي الله عنها وقال: تأسروننا ولا تطعموننا! {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً}. إنما نطعمكم ابتغاءَ مرضاةِ الله، لا نريد من قِبلكُم جزاءً ولا شكراً. ويقال: إنهم لم يذكروا هذا بألسنتهم، ولكن كان ذلك بضمائرهم. {إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً}. أي: يوم القيامة. {فَوَقَٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ ٱلْيَومِ}. {وَلَقَّاهُمْ} أي: أعطاهم {نَضْرَةً وَسُرُوراً}. {وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةً وَحَرِيراً}. كافَأَهُم على ما صبروا من الجوع ومقاساته جنَّةً وحريراً. {مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَىٰ ٱلأَرَائِكِ}. واحدها أريكة، وهي السرير في الحجال. {لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً}. أي: لا يتَأَذْون فيها بِحَرًٍّ ولا بَرْدٍ.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً} يوفون بنذورهم التى هى غرائم قلوبهم فى اوائل قصور ارواحهم بحق الحق ان لا يخاروا على الله شيئا من العرش الى الثرى ويخافون من قهره ومكره بمعرفتهم بانه منزه من وصولهم وفصولهم قال بعضهم يوفون بما يطيقون ويخافون ان يطالبوا بما لا يطيقون من تمام الوفاء قال سهل فى هذه الأية البلايا والشدائد فى الأخرة عام والملامة خاص للخاص.

اسماعيل حقي

تفسير : {يوفون بالنذر} استئناف كأنه قيل ماذا يفعلون حتى ينالوا تلك الرتبة العالية فقيل يوفون بما اوجبوه على انفسهم فكيف بما اوجبه الله عليهم من الصلاة والزكاة والصوم والحج وغيرها فهو مبالغة فى وصفهم بالتوفر على ادآء الواجبات والايفاء بالشئ هو الاتيان به تاما وافيا والنذر ايجاب الفعل المباح على نفسه تعظيما لله بأن يقول لله على كذا من الصدقة وغيرها وان شفى مريضى اورد غائبى فعلى كذا واختلفوا فيما اذا علق ذلك بما ليس من وجوه البر كما اذا قال ان دخل فلان الدار فعلى كذا ففى الناس من جعله كاليمين ومنهم من جعله من باب النذور قيل النذر كالوعد الا انه اذا كان من العباد فهو نذر واذا كان من الله فهو وعد والنذر قربة مشروعة ولا يصح الا فى الطاعة وفى الحديث "حديث : من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه"تفسير : قال هرون بن معروف جاءنى فتى فقال ان أبى حلف على بالطلاق ان اشرب دوآء مع مسكر فذهب به الى أبى عبد الله فلم يرخص له وقال قال عليه السلام حديث : كل مسكر حرامتفسير : واذا جمع الاطباء على ان شفاء المريض فى الخمر لا يشربها اذا كان له دواء آخر واذا لم يكن يشربها ويتداوى بها فى قول ثم ان الاهتمام بما اوجب الله على عبده ينبغى ان يكون اكمل مما اوجبه العبد على نفسه ومن الناس من هو على عكس ذلك فانه يتهاون بما اوجبه الله عليه فلا يؤدى الصلاة الواجبة مثلا واذا نذر شيأ فى بعض المضايقات يسارع الى الوفاء وليس الا من الجهل وقال القاشانى اى الابرار يوفون بالعهد الذى كان بينهم وبين الله صبيحة يوم الازل بانهم اذا وجدوا التمكن بالآلات والاسباب ابرزوا ما فى مكا من استعداداتهم وغيوب فطرتهم من الحقائق والمعارف والعلو والفضائل واخرجوها الى الفعل بالتزكية والتصفية {ويخافون يوما} اى يوم القيامة {كان شره} اى هوله وشدته وعذابه {مستطيرا} فاشيا منتشرا فى الاقطار غاية الانتشار بالغا اقصى المبالغ. يعنى مبهمة كس بهمه جاء رسيده. من الاستطار الحريق اى النار وكذا الفجر قال فى القاموس المستطير الساطع المنتشر واستطار الفجر انتشر وهو ابلغ من طار بمنزلة استنفر من نفر واطلق الشر على اهوال القيامة وشدآئدها المنتشرة غاية الانتشار حتى ملأت السموات والارض مع انها عين حكمة وصواب لكونها مضرة بالنسبة الى من تنزل السموات والارض مع انها عين حكمة وصاب لكوناه مضرة بالنسبة الى من تنزل عليه ولا يلزم من ذلك ان لا يكون خيره مستطيرا ايضا فان ليوم القيامة امورا سارة كما ان له امورا ضارةقال سهل رحمه الله البلايا والشدآئد عامة فى الآخرة للعامة والملامة خاصة للخالصة ثم ان يوفون الخ بيان لاعمالهم واتيانهم لجميع الواجبات وقوله ويخافون الخ بيان لنياتهم حيث اعتقدوا يوم البعث والجزاء فخافوا منه فان الطاعات انما تتم بالنيات وبمجموع هذين الامرين سماهم الله بالابرار قال بعض العارفين يشير الى ارباب السلوك فى طريق الحق وطلبه حيث اوجبوا على انفسهم انواع الرياشات واصناف المجاهدات وتركواالرقاد واهلكوا بالجوع الاجساد واحرقوا بالعطش الاكباد وسدوا الاذان من استماع كلام الاغيار وأعموا ابصارهم عن رؤية غير المحبوب الحقيقى وختموا على القلوب عن محبة غير المطلوب الازلى خوفوا انفسهم من يوم تجلى صفة القهر والسخط باستيلاء الهيئات المظلمة على القلب وهو نهاية مبالغ الشر فاجتهدوا حتى خلصهم الله مما خافوا وأدخلهم فى حرمه الآمن.

الجنابذي

تفسير : {يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ} النّذر ما اوجبه الانسان على نفسه بشرطٍ او بغير شرطٍ، والمراد به العهد الّذى كان فى ضمن البيعة العامّة او الخاصّة والوفاء بهذا النّذر يستلزم الوفاء بجميع العهود والشّروط {وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً} اى متفرّقاً غاية التّفرّق وفى الخبر كلوحاً عابساً، وقيل: عظيماً.

فرات الكوفي

تفسير : قال: حدثنا أبو القاسم العلوي قال: حدثنا فرات بن إبراهيم الكوفي [قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن زكريا الغطفاني قال: حدثني أبو الحسن هاشم بن أحمد بن معاوية بمصر عن محمد بن بحر عن روح بن عبد الله. ش]: عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده [عليهم السلام. ب، ر] قال: مرض الحسن والحسين عليهما السلام مرضاً شديداً فعادهما سيد ولد آدم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعادهما أبو بكر وعمر فقال عمر لعلي: يا أبا الحسن إن نذرت لله نذراً واجباً فإن كل نذر لا يكون لله فليس منه [أ (خ ل)، ر: فيه] وفاء. فقال علي بن أبي طالب [عليه السلام. أ]: إن عافا الله ولديّ مما بهما صمت لله ثلاثة أيام متواليات، وقالت فاطمة مثل مقالة علي وكانت لهم جارية نوبية تدعى فضة قالت: إن عافا الله سيدي مما بهما صمت لله ثلاثة أيام. فلما عافا الله الغلامين مما بهما انطلق علي إلى جارٍ يهودي يقال له: شمعون بن حارا فقال له: يا شمعون أعطني ثلاثة أصيع من شعير وجزة من صوف تغزله له إبنة محمد [صلى الله عليه وآله وسلم. أ] فأعطاه اليهودي الشعير والصوف فانطلق إلى منزل فاطمة [عليها السلام. أ، ب] فقال لها: يا بنت رسول الله كلي هذا واغزلي هذا. فباتوا وأصبحوا صياماً فلما أمسوا قامت الجارية إلى صاع من الشعير وعجنته وخبزت منه خمسة أقراص: قرص لعلي وقرص لفاطمة وقرص للحسن وقرص للحسين وقرص للجارية، وإن علياً صلى مع النبي [أ: رسول الله] صلى الله عليه وآله وسلم ثم أقبل إلى منزله [أ: منزل فاطمة] ليفطر فلما أن وضع بين أيديهم الطعام وأرادوا أكله فإذا سائل قد قام بالباب فقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد أنا مسكين من مساكين المسلمين أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة. فألقى علي وألقى القوم من أيديهم الطعام وأنشأ علي بن أبي طالب هذه الأبيات: شعر : فاطم ذات الود واليقين يا بنت خير الناس أجمعين أما ترين البائس المسكيــــن قد جاء بالباب له حنيــــن يشكو إلى الله ويستكيـــــــن يشكو إلينا جائع حزيــــن كل امرئ بكسبه رهيـــــــن من يفعل الخير يقف سمين ويدخل الجنة آمنيــــــــــــن حرمت الجنة على الضنين يهوى من النار إلى سجيــن ويخرج منها إن خرج بعد حين تفسير : قال: فأنشأت فاطمة عليها السلام وهي تقول: شعر : أمرك يا ابن العم سمع طاعة مابي من لؤم ولا ضراعة امط عني اللؤم والرقاعـــــــــــــة غديت بالبر له صناعـــة إني سأعطيه ولا انهيه ساعـــــــة أرجو إن اطعمت من مجاعة أن ألحق الأخيار والجماعـــــــــة وأدخل الجنة لي شفاعــــــة تفسير : فأعطوه طعامهم وباتوا على صومهم لم يذوقوا إلا الماء، فلمّا أمسوا قامت الجارية إلى الصاع الثاني فعجنته وخبزت [منه. أ، ب] أقراص وإن علياً صلى مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم أقبل إلى منزله ليفطر فلما وضع بين أيديهم الطعام وأرادوا أكله إذا يتيم قد قام بالباب فقال [ر: وقال]: السلام عليكم يا أهل بيت محمد [اني. ر. أ: أنا] يتيم من يتامى المسلمين أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة. قال: فألقى علي وألقى القوم من بين أيديهم الطعام وأنشأ علي بن أبي طالب عليه السلام [وهو يقول. أ، ب]: شعر : فاطم بنت السيد الكريــم بنت نبــي ليــــــــس بالزنيــــــــــم قد جاءنا الله بذي اليتيــــــــــم ومـــــــن يسلــــم فهـــــو السليــــــم حرمت الجنة على اللئيــــــــم لا يجوز [على. ر] الصراط المستقيم طعامه الضريع في الجحيــــم فصاحب البخل يقـــف ذميــــــــــــم تفسير : قال: فأنشأت فاطمة عليها السلام وهي تقول هذه الأبيات: شعر : إني سأعطيه ولا أبالي وأوثر الله على عيالي وأقض هذا الغزل في الأغزال أرجو بذاك الفوز في المال أن يقبل الله وينمي مالي ويكفني همي في أطفال امسوا جياعاً وهم أشبال أكرمهم علي في العيال بكربلا يقتل اقتتال ولمن قتله الويل والوبال كبوله فارت على الأكبال تفسير : قال: فأعطوا طعامهم وباتوا على صومهم [و. أ، ر] لم يذوقوا إلا الماء وأصبحوا صياماً فلما أمسوا قامت الجارية إلى الصاع الثالث فعجنته وخبزت منه خمسة أقراص وإن علياً صلى مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم أقبل إلى منزله يريد أن يفطر فلما وضع بين أيديهم الطعام وأرادوا أكله فإذا أسير كافر قد قام بالباب فقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد والله ما أنصفتمونا من أنفسكم تأسرونا وتقيدونا [أ: وتعبدونا] ولا تطعمونا أطعموني فإني أسير محمد. فألقى علي وألقى القوم من [أ، ر: بين] أيديهم الطعام فأنشأ علي بن أبي طالب عليه السلام [هذه الأبيات. ر] وهو يقول: شعر : يا فاطمة حبيبتي وبنت أحمد يا بنت من سماه الله فهو محمد قد زانه الله بخلق أغيد قد جاءنا الله بذي المقيد بالقيد مأسورٌ فليس يهتدي من يطعم اليوم يجده في غد عند الاله الواحد الموحد وما زرعه الزارعون يحصد أعطيه ولا تجعليه أنكد ثم اطلبي خزائن التي لم تنفد تفسير : قال: فأنشأت فاطمة عليها السلام وهي تقول: شعر : يا ابن عم لم يبق إلا صاع قد دبرت الكف مع الذراع ابني والله هما جياع يا رب لا تتركهما ضياع أبوهما للخير صنّاع قد يصنع الخير بابتداع عبل الذراعين شديد الباع وما على رأسي من قناع إلا قناع نسجه نساع تفسير : قال: فأعطوه طعامهم وباتوا على صومهم [و. ر] لم يذوقوا إلا الماء فأصبحوا وقد قضى الله عليهم نذرهم وإن عليا [عليه السلام. أ، ر] أخذ بيد الغلامين وهما كالفرخين لا ريش لهما يترججان من الجوع فانطلق بهما إلى منزل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلما نظر إليهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اغرورقت عيناه بالدموع وأخذ بيد الغلامين فانطلق بها إلى منزل فاطمة عليها السلام فلما نظر إليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد تغير لونها وإذا بطنها لاصق بظهرها انكبّ عليها يقبل بين عينيها، ونادته باكية: واغوثاه بالله ثم بك يا رسول الله من الجوع. قال: فرفع رأسه إلى السماء وهو يقول: اللهم اشبع آل محمد. فهبط جبرئيل عليه السلام فقال: يا محمد إقرأ. قال: وما أقرأ؟ قال: أقرأ: {إنّ الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافوراً عيناً يشرب} إلى آخر ثلاث آيات. ثم إن علياً [عليه السلام. أ، ر] مضى من فور ذلك حتى أتى أبا جبلة الأنصاري [رضي الله عنه. ر] فقال له: يا أبا جبلة هل من قرض دينار؟ قال: نعم يا أبا الحسن أشهد الله وملائكته أن أكثر [أ، ر: اشترط] مالي لك حلال من الله ومن رسوله، قال: لا حاجة لي في شيءٍ من ذلك إن يك قرضاً قبلته. قال: فرفع [ب: فدفع] إليه ديناراً. ومرّ علي بن أبي طالب [عليه السلام. ر] يتخرق أزقة المدينة ليبتاع بالدينار طعاماً فإذا هو بمقداد بن الأسود الكندي قاعدٌ على الطريق فدنا منه وسلم عليه وقال: يا مقداد مالي أراك في هذا الموضع كئيباً حزيناً؟! فقال: أقول كما قال العبد الصالح موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام: {رب إني لما أنزلت إليّ من خيرٍ فقير}. قال: ومنذ كم يا مقداد؟ قال: هذا أربع فرجع علي ملياً ثم قال: الله أكبر الله أكبر آل محمد [صلى الله عليه وآله وسلم. أ، ر] منذ ثلاث وأنت يا مقداد مذ أربع!!! أنت أحق بالدينار مني. قال: فدفع إليه الدينار. ومضى حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (في مسجده. ب) [أ، ر: مسجد] فلما انفتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ضرب بيده إلى كتفه ثم قال: حديث : يا علي انهض بنا إلى منزلك لعلنا نصيب به طعاماً فقد بلغنا أخذك الدينار من أبي جبلةتفسير : . قال: فمضى وعلي يستحي [أ: مستحي] من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رابط على بطنه حجراً من الجوع [ب: حجر المجاعة] حتى قرعا على فاطمة الباب فلما نظرت فاطمة عليها السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد أثر الجوع في وجهه ولّت هاربة قالت: واسوأتاه من الله ومن رسوله كأنّ أبا الحسن ما علم أن [ليس. ب] عندنا مذ ثلاث. ثم دخل مخدعاً لها فصلت ركعتين ثم نادت: يا إله محمد هذا محمد نبيك وفاطمة بنت نبيك وعلي ختن نبيك وابن عمه وهذان الحسن والحسين سبطي نبيك، اللهم فإن بني إسرائيل سألوك أن تنزل عليهم مائدة من السماء فأنزلتها عليهم وكفروا بها، اللهم فإن آل محمد لا يكفروا بها. ثم التفتت مسلمة [أ: ملمة] فإذا هي بصحفة مملوة ثريد ومرق فاحتملتها و وضعتها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأهوى بيده إلى الصحفة فسبحت الصحفة والثريد والمرق فتلا النبي صلى الله عيله وآله وسلم: {أية : وإن من شيءٍ إلا يسبح بحمده} تفسير : [44/ الإسراء] ثم قال: كلوا من جوانب القصعة ولا تهدموا صومعتها فإن فيها البركة. فأكل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام والنبي يأكل وينظر إلى علي متبسّماً وعلي يأكل وينظر إلى فاطمة متعجباً فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: حديث : كل يا علي ولا تسأل فاطمة عن شيءٍ، الحمد لله الذي جعل مثلك ومثلها مثل مريم بنت عمران وزكريا {كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً قال: يا مريم انّى لك هذا؟! قالت: هو من عند الله إنّ الله يرزق من يشاء بغير حساب} يا علي هذا بالدينار الذي أقرضته لقد أعطاك الله الليلة خمسة وعشرين جزءاً من المعروف فأما جزء واحد فجعل لك في دنياك أن أطعمك من جنته و [أما. ر] أربعة وعشرون جزءاً قد ذخرها لك لآخرتك . تفسير : قال: حدثنا محمد بن إبراهيم الفزاري [قال: حدثنا محمد بن يونس الكديمي قال: حدثنا حماد بن عيسى الجهني قال: حدثنا النهاس بن فهم عن القاسم بن عوف الشيباني. ش]: عن زيد بن أرقم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يشد على بطنه الحجر من الغرث - يعني الجوع - فظلّ يوماً صائماً ليس عنده شيء فأتى بيت فاطمة والحسن والحسين [يبكيان. أ، ب] (فلما [نظرا. أ، ب] إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تسلقا على منكبيه وهما يقولان: يا أبانا قل لأمنا تطعمنا) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لفاطمة: أطعمي ابني. قالت: ما في بيتي شيء إلا بركة رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم. أ] قال: فالتقاهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بريقه حتى شبعا و ناما فاقترضنا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثة أقراص من شعير فلما أفطر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وضعناها بين يديه فجاء سائل فقال [ر: وقال]: (يا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة أطعموني مما رزقكم الله أطعمكم الله من موائد الجنة فإني مسكين. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: حديث : يا فاطمة بنت محمد قد جاءك المسكين وله حنين قم يا علي فاعطه تفسير : . قال: فأخذت قرصاً فقمت فأعطيته فرجعت وقد حبس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يده. ثم جاء ثان فقال: يا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة إني يتيم فأطعموني مما رزقكم الله أطعمكم الله من موائد الجنة. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: حديث : يا فاطمة بنت محمد قد جاء اليتيم وله حنين قم يا علي فاعطه تفسير : . قال: فأخذت قرصاً وأعطيته ثم رجعت وقد حبس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يده. قال: فجاء ثالث وقال يا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة إني أسير فأطعموني مما رزقكم الله أطعمكم الله من موائد الجنة. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: حديث : يا فاطمة [بنت محمد. ر] قد جاءك اليسير وله حنين قم يا علي فاعطه تفسير : . قال: فأخذت قرصاً وأعطيته وبات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طاوياً وبتنا طاوين [فلما أصبحنا أصبحنا. ش] مجهودين فنزلت هذه الآية: {ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً}. قال: حدثني الحسين بن سعيد معنعناً: عن عبد الله بن [عبيد الله بن] أبي رافع عن أبيه عن جده قال: صنع حذيفة طعاماً ودعا علياً فجاء وهو صائم فتحدث عنده ثم انصرف فبعث إليه حذيفة بنصف الثريد فقسمها على أثلاث: ثلث له وثلث لفاطمة وثلث لخادمهم، ثم خرج علي بن أبي طالب عليه السلام فلقيته امرأة معها يتامى فشكت الحاجة وذكرت حال أيتامها فدخل وأعطاها ثلثه لأيتامها، ثم جاءه سائل وشكى إليه الحاجة والجوع فدخل على فاطمة فقال: هل لك في الطعام وهو خير لك من هذا الطعام طعام الجنة على أن تعطيني حصّتك من هذا الطعام؟ قالت: خذه. فأخذه ودفعه إلى ذلك المسكين، ثم مرّ به أسير فشكى إليه الحاجة وشدة حاله، فدخل وقال لخادمه مثل الذي قال لفاطمة وسألها حصتها من ذلك، قالت: خذه. فأخذه ودفعه إلى ذلك الأسير فأنزل الله فيهم هذه الآيات الشريفة: {ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً} إلى قوله: {إنّ هذا كان لكم جزاءً وكان سعيكم مشكوراً}. [فرات. ب] قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري معنعناً: عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى: {ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً} قال: نزلت في علي [بن أبي طالب عليه السلام. أ، ب] و [زوجته. أ، ب] فاطمة [بنت محمد. أ، ب] وجارية لهما وذلك أنهم زاروا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأعطى كل إنسان منهم صاعاً من الطعام [ب: طعام] فلما انصرفوا إلى منازلهم جاء [هم. ب] سائل يسأل فأعطى علي صاعه، ثم دخل يتيم [عليه. ر. ب: عليهم] من الجيران فأعطته فاطمة بنت محمد صاعها فقال لها علي: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول: قال الله: وعزتي وجلالي لا يسكت [بكاء اليتيم. أ. ب، ر: بكاؤه] اليوم عبد إلاّ أسكنته من الجنة حيث يشاء، ثم جاء أسير من أسراء أهل الشرك في أيدي المسلمين يستطعم فأمر علي السوداء خادمهم فأعطته صاعها فنزلت فيهم الآية: {ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً، إنّما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً}. قال: حدثني محمد بن أحمد بن علي الهمداني [قال حدثنا جعفر بن محمد العلوي قال: حدثنا محمد عن محمد بن عبد الله بن عبد [خ ل: عبيد] الله عن الكلبي عن أبي صالح. ش]: عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى: {ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً و يتيماً وأسيراً} نزلت [ش: أنزلت] في علي وفاطمة أصبحا وعندهم ثلاثة أرغفة فأطعموا مسكيناً ويتيماً وأسيراً فباتوا جياعاً فنزلت فيهم [هذه. ش] الآية.

الأعقم

تفسير : {يوفون بالنذر} نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) وجارية لهم تسمى فضة في قصة طويلة جملتها: "حديث : قالوا مرض الحسن والحسين فعادهما جدّهما وقال: "يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك نذراً" فنذر صوم ثلاثة أيام إن شفاهما الله ونذرت فاطمة كذلك وفضة فبرئا، فصاموا وليس عندهم شيء فاستقرض علي من شمعون اليهودي ثلاثة أصواع شعير، وروي أنه أخذها لتغزل فاطمة صوفاً فجاء به إلى فاطمة، فأخذت فاطمة فطحنته واختبزت خمسة أقراص على عددهم، وصلى علي (عليه السلام) المغرب، وقرّبته إليهم ليفطروا فوقف سائل فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد مسكين من مساكين المسلمين أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة، فآثروه ولم يذوقوا إلا الماء وأصبحوا صياماً، فلما أمسوا وضعوا بين أيديهم وقف عليهم يتيم فآثروه، ووقف عليهم أسير في الثالثة ففعلوا مثل ذلك، فلما أصبحوا أخذ علي بيد الحسن والحسين وأقبلوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلما أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "ما أشد ما يسوءني ما أرى بكم" وقام فانطلق معهم فرأى فاطمة في محرابها قد لصق بطنها بظهرها وغارت عيناها فساءه ذلك، فنزل جبريل (عليه السلام) وقال: خذها يا محمد هنأك الله في أهل بيتك"تفسير : ، فأقرأه السورة ذكر ذلك في الحاكم والكشاف، وعن ابن عباس: بينا أهل الجنة في الجنة إذ رأوا ضوء كضوء الشمس فسألوا رضوان عنه فقال: علي وفاطمة ضحكا فأشرقت الجنة {إنما نطعمكم لوجه الله} أي لله وأمره ـــــ {لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً} {إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً} أي قالوا وأضمروا {إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً} أي تعبس فيه الوجوه، وقيل: وصف اليوم بالعبوس لما فيه من الشدة {قمطريرا} قيل: العبوس: الضيق، والقمطريرا: الطويل، وقيل: الشديد، وقيل: هو أشد ما يكون من الأيام، وقوله: {على الأرائك} قيل: ما يتكَّأ عليه قيل: الفرش فوق الأسرّة {لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً} لا حراً ولا برداً {ودانية عليهم ظلالها} أي قريبة عليهم ظلالها يعني ظلال الأشجار، وقيل: ظلال الجنة {وذلّلت} سخّرت وسهّلت {قطوفها} أخذ ثمارها {تذليلاً} قيل: إن قام ارتفعت بقدره وإن قعد نزلت {ويطاف عليهم} أي يدار {بآنية من فضة وأكواب} قيل: إناء فيه شرابٌ من غير عروة، وقيل: الأقداح قوارير زجاج {قواريراْ من فضة قدّروها تقديراً} قيل: إنه تعالى جعل قوارير كل قوم من ترابهم وتراب الجنة من فضة فجعل منها قواريراً، وقوله: {قدروها} يعني أن الخدام يعرفون قدر حاجتهم وقدر شهواتهم فيقدرون ذلك مما لا يزيد ولا ينقص، وقيل: قدروا الأواني على شكل في نهاية الحسن {ويسقون فيها كأساً} اسم القدح مملوءاً {كان مزاجها زنجبيلاً} إنما ذكر الزنجبيل على عادة العرب إذا استطابوا شيئاً وصفوه بالزنجبيل {عيناً فيها تسمى سلسبيلاً} منقادة لهم يصرفونها حيث شاؤوا، وقيل: طيبة الطعم والمذاق، وقيل: يسقون أشربة مختلفة منها ما يمزج بالكافور ومنها ما يمزج بالزنجبيل، وهو إذا مزج بالشراب فاق، ولهم أشربة سوى ذلك الله أعلم بحسنها وطيبها.

الهواري

تفسير : قال تعالى: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} أي: ما كان من نذر في طاعة الله. ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:حديث : لا نذر في معصية الله، ولا في قطيعة رحم، ولا فيما لا يملك ابن آدم . تفسير : قال تعالى: {وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً} أي: فاشياً، وشرّه على الكفار. قال: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ} أي: على حاجتهم إليه {مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} يعني الأسير من المشركين. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدفع الأسير إلى الرجل من المسلمين فيقول: احبس هذا عندك. فيكون عنده الليلة والليلتين. ورسول الله صلى الله عليه وسلم مشغول بحربه، فإذا فرغ قَبِلَهم؛ فكانوا يؤثرون على أنفسهم أولئك الأسارى، فأثنى الله عليهم بذلك. {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ} أي: ينوون هذا في أنفسهم. [تفسير مجاهد: قالوا هذا في أنفسهم ولم ينطقوا به، فعلم الله ذلك منهم فأثنى به عليهم] {لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً} أي: أن تجزونا به {وَلاَ شُكُوراً} أي: ولا أن تشكرونا. {إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً} أي: يخافون شر ذلك اليوم الذي لا انبساط فيه. (وَالقَمْطَرِيرُ) الشديد. و(العَبُوسُ) أي تعبس فيه الوجوه. والقمطرير الذي يُقبّض ما بين الأعين. وتفسير مجاهد: العبوس بالشفتين. القمطرير: قبض الجبهة.

اطفيش

تفسير : {يُوفُونَ بِالنَّذرِ} جواب سؤال كأَنه قيل ما أوصلهم إِلى هؤلاء الدرجات فقيل أوصلهم إِليها إِيفاؤهم بما جعلوا على أنفسهم من العبادات بينهم وبين الله كصلاة النفل وصومه أو بينهم وبين الخلق كالصدقة والعفو وترك الانتقام وسائر منافع الناس، فإِذا أوفوا بما لم يوجبه الله تعالى بل أوجبوه بلا تعليق أو بتعليق مثل إِن شفانى الله تصدقت بكذا أو صمت أو صليت كذا فأَولى أن يوفوا بما أوجبه، ويجوز أن يكون المراد الوفاء بما عاهدوا الله عليه من أداء الواجبات والمستحبات، وقيل المراد مجرد الوفاء بالعهد مدحاً له، وعن عائشة رضى الله عنها سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول "حديث : من نذر أن يطيع الله تعالى فليف بنذره ومن نذر أن يعصي الله فلا يف به"تفسير : ، وفى رواية فليطعه ولا يعصه وذلك فى البخارى، وذكر الترمذى وأبو داود والنسائى عن عائشة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : لا نذر في معصية الله تعالى وكفارته كفارة يمين"تفسير : ، ويروى كفارته تركه، وفى البخارى ومسلم عن ابن عباس استقتى سعد بن عبادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى نذر على أمه لم تقضه فأَمره أن يقضيه بعد موتها، والمضارع لإِفادة التجدد وتنزيل الماضى منزلة الحاضر المشاهد والماضى لا يفيد ذلك. {وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً} منتشراً فى الأَقطار، والمراد انتشار الخوف منه فى الملائكة والمؤمنين والكفار أو فشو شره فى السماوات فانشقت وتناثرت الكواكب وفزعت الملائكة وكورت الشمس والقمر وفى الأَرض فصارت الجبال دكاً واطيرت وغارت المياه وكسر كل ما على الأَرض من جبل وبناء وذلك كقولك استطار الحريق والفجر وهو أبلغ من طار لأَن زيادة الحروف فى الغالب والأَصل تدل على زيادة المعنى ولا سيما صورة الاستفعال الموضوع للطلب فإِن ما بالطلب والعلاج يبالغ فيه للمبالغة فعبر بصورة ذلك تلويحاً له أو شبه انتشاره بشئ مغالب للآخر ورمز إِليه بلازمه.

الالوسي

تفسير : {يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ } استئناف مسوق لبيان ما لأجله يرزقون هذا النعيم مشتمل على نوع تفصيل لما ينبىء عنه اسم الأبرار إجمالاً كأنه قيل ماذا يفعلون حتى ينالوا تلك المرتبة العالية فقيل يوفون الخ وأفيد أنه استئناف للبيان ومع ذلك عدل عن أوفوا إلى المضارع للاستحضار والدلالة على الاستمرار والوفاء بالنذر كناية عن أداء الواجبات كلها العلم ما عداه بالطريق الأولى وإشارة النص، فإن من أوفى بما أوجبه على نفسه كان إيفاء ما أوجبه الله تعالى عليه أهم له وأحرى. وجعل ذلك كناية هو الذي يقتضيه ما روي عن قتادة وعن عكرمة ومجاهد إبقاؤه على الظاهر قالا أي إذا نذروا طاعة فعلوها. {وَيَخَـٰفُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ } عذابه {مُسْتَطِيراً } فاشياً منتشراً في الأقطار غاية الانتشار من استطار الحريق والفجر وهو أبلغ من طار لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، وللطلب أيضاً دلالة على ذلك لأن ما يطلب من شأنه أن يبالغ فيه. وفي وصفهم بذلك إشعار بحسن عقيدتهم واجتنابهم عن المعاصي.

ابن عاشور

تفسير : اعتراض بين جملة {أية : يَشْربون من كأس}تفسير : [الإنسان: 5] الخ وبين جملة {أية : ويطاف عليهم بآنية من فضة}تفسير : [الإنسان: 15] الخ. وهذا الاعتراض استئناف بياني هو جواب عن سؤال من شأن الكلام السابق أن يثيره في نفسه السامع المغتبِط بأن ينال مثل ما نالوا من النعيم والكرامة في الآخرة. فيهتم بأن يفعل مثل ما فعلوا، فذكر بعض أعمالهم الصالحة التي هي من آثار الإِيمان مع التعريض لهم بالاستزادة منها في الدنيا. والكلام إخبار عنهم صادر في وقت نزول هذه الآيات، بعضُه وصف لحالهم في الآخرة وبعضه وصف لبعض حالهم في الدنيا الموجب لنوال ما نالوه في الآخرة، فلا حاجة إلى قول الفراء: إن في الكلام إضماراً وتقديره: كانوا يُوفُون بالنذر. وليست الجملة حالاً من {أية : الأبرار}تفسير : [الإنسان: 5] وضميرهم لأن الحال قيد لعاملها فلو جعلت حالاً لكانت قيداً لـ {أية : يشربون}تفسير : [الإنسان: 5]، وليس وفاؤهم بالنذر بحاصل في وقت شربهم من خمر الجنة بل هو بما أسلفوه في الحياة الدنيا. والوفاء: أداء ما وجب على المؤدي وافياً دون نقص ولا تقصير فيه. والنذر: ما يعتزمه المرء ويعقد عليه نِيته، قال عنترة:شعر : والنَّاذِرَيْنِ إذا لم ألْقهما دَمي تفسير : والمراد به هنا ما عقدوا عليه عزمهم من الإِيمان والامتثال وهو ما استحقوا به صفة {أية : الأبرار} تفسير : [الإنسان: 5]. ويجوز أن يراد بـ {النذر} ما ينذرونه من فعل الخير المتقرَّب به إلى الله، أي ينشئون النذور بها ليوجبوها على أنفسهم. وجيء بصيغة المضارع للدلالة على تجدد وفائهم بما عقدوا عليه ضمائرهم من الإِيمان والعمل الصالح، وذلك مشعر بأنهم يكثرون نذر الطاعات وفعل القربات ولولا ذلك لما كان الوفاء بالنذر موجباً الثناء عليهم. والتعريف في (النذر) تعريف الجنس فهو يعم كل نذر. وعطف على {يوفون بالنذر} قوله: {ويخافون يوماً كان شرّه مستطيراً} لأنهم لما وصفوا بالعمل بما ينذرونه أتبع ذلك بذكر حسن نيتهم وتحقق إخلاصهم في أعمالهم لأن الأعمال بالنيات فجمع لهم بهذا صحة الاعتقاد وحسن الأعمال. وخوفهم اليوم مجاز عقلي جرى في تعلق اليوم بالخوف لأنهم إنما يخافون ما يجري في ذلك اليوم من الحساب والجزاء على الأعمال السيئة بالعقاب فعلق فعل الخوْف بزمان الأشياء المخوفة. وانتصب {يوماً} على المفعول به لـ {يخافون} ولا يصح نصبه على الظرفية لأن المراد بالخوف خوفهم في الدنيا من ذنوب تجر إليهم العقاب في ذلك اليوم، وليس المراد أنهم يخافون في ذلك اليوم فإنهم في ذلك اليوم آمنون. ووُصِف اليومُ بأن له شرّاً مستطيراً وصفاً مشعراً بعلة خوفهم إياه. فالمعنى: أنهم يخافون شر ذلك اليوم فيتجنبون ما يُفضي بهم إلى شره من الأعمال المتوعد عليها بالعقاب. والشر: العذاب والجزاء بالسوء. والمستطير: هو اسم فاعل من استطار القاصر، والسين والتاء في استطار للمبالغة وأصله طار مثل استكبر. والطيران مجازي مستعار لانتشار الشيء وامتداده تشبيهاً له بانتشار الطير في الجو، ومنه قولهم: الفجر المستطير، وهو الفجر الصادق الذي ينتشر ضوؤه في الأفق ويقال: استطار الحريق إذا انتشر وتلاحق. وذِكر فعل {كان} للدلالة على تمكن الخبر من المخبر عنه وإلاّ فإن شر ذلك اليوم ليس واقعاً في الماضي وإنما يقع بعد مستقبل بعيد، ويجوز أن يجعل ذلك من التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي تنبيهاً على تحقق وقوعه. وصيغة {يخافون} دالة على تجدد خوفهم شّر ذلك اليوم على نحو قوله: {يوفون بالنذر}.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ}. تقدم للشيخ رحمةالله تعالى علينا وعليه مبحث النذر وافياً عند قوله تعالى: {أية : وَلَيُوفُواْ نُذُورَهُمْ}تفسير : [الحج: 29] الآية في سورة الحج.

القطان

تفسير : مستطيرا: منتشرا، فاشيا. عبوسا: تعبس فيه الوجوه. قمطريرا: شديد الشر مظلما. والفعل اقمطرّ الشر: اشتد وتجمع. لقّاهم: اعطاهم. نضرة: حسنا وبهاء. الأرائك: واحدتها أريكة: السرير، والمقعد الوثير المنجد. الزمهرير: أشدُّ البرد. دانية: قريبة منهم مظللة لهم. وذُللت قطوفها تذليلا: سخرت لهم ثمارها بحيث تكون في تناول أيديهم. القطوف: واحدها قِطف بكسر القاف وهو ما قطف من الثمر، والعنقود. بآنية من فضة: واحدها إناء بكسر الهمزة وهو كل ما يوضع فيه الشراب. والأكواب: واحدها كوب وهو الكوز الذي لا عروة له. والقوارير: واحدها قارورة: اناء رقيق من الزجاج. قدّروها تقديرا: قدرها الساقون بأحجام تناسِب الذوق والحاجة مما يحقق المتعة والجمال. مزاجها زنجبيلا: الزنجبيل نوع من النبات طيب الرائحة. السلسبيل: الشراب السائغ اللذيذ، واسم عينٍ في الجنة. وِلدان مخلدون: دائمون في بهائهم وحسنهم. السندس: نوع من الحرير الرقيق. الاستبرق: نوع من الحرير الغليظ. في هذه الآيات الكريمة عرضٌ وتفصيل لصور النعيم الذي أفاضه الله تعالى على عباده الأبرار في جنة الخلد، وهذا العرض من أطولِ ما وردَ في القرآن الكريم لصُورِ النعيم ومشاهده. وقد بدأ ببيان أعمالهم وما قدّموا من خير للناس فقال: {يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً}. هؤلاء الابرارُ يوفون بما أوجبوه على انفسهم من نَذْرٍ في طاعة الله، ويخافون من هولِ يوم القيامة، ذلك اليوم المخيفِ الذي يعمّ شرُّه ويستطير بين الناس إلا من رحمَ الله. وهم يُطعِمون الطعام رغم حاجتهم إليه الى المسكين واليتيم والفقير.. والمرادُ من اطعام الطعام الاحسانُ الى المحتاجين ومواساتهم بأي وجه. وبعد ان ذكر ان الأبرار يحسِنون الى المحتاجين بين ان لهم في ذلك غرضَين: طلبَ رضا الله عنهم، وخوفَ يوم القيامة: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً} لا نريد عن عملنا هذا عِوَضاً ولا نريد منكم ثناء. {إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً}. إنا نفعل ذلك ليرحمنا ربُّنا يوم القيامة، ويتلقّانا بلطفه في ذلك اليوم الشديد الهولِ والشر. ثم بين الله تعالى انه أمَّنَ لهم مَطلبهم فقال: {فَوَقَاهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ ٱلْيَومِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً} فحماهم اللهُ من شر ذلك اليوم وشدائده، وأعطاهم نضرةً وحُسناً في وجوههم وسروراً في قلوبهم. ثم زاد من كرمه وإحسانه فقال: {وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةً وَحَرِيراً}، أعطاهم على صبرهم، واحسانهم للناس، وإيمانهم الصادق - هذا النعيمَ في الجنة والخلودَ فيها، ولباسَ الحرير الذي كان ممنوعا في الدنيا. ثم وصف شرابَهم وأوانيه والسقاةَ الذين يطوفون عليهم به، وما هم فيه من سعادةٍ أبدية فقال: {مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَىٰ ٱلأَرَائِكِ لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً}. يجلسون على أفخرِ الأسرّة والمقاعد متكئين عليها يتحدّثون ويتسامرون، لا يجِدون في الجنة حَرّاً ولا بردا. وهم في جنةٍ وارفة الظلال، ثمارُها قريبة من متناول أيديهم، تغمرهم السعادةُ. {وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَاْ قَوَارِيرَاْ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً} ويطوف عليهم الولدانُ من خَدَمهم بأوعية شرابٍ من فضة، وبأكواب من زجاجٍ شفاف عليها غشاءٌ من فضة، قدّرها لهم السقاةُ الذين يطوفون عليهم على قَدْرِ كفايتهم وحاجاتهم وحسب ما يشتهون. ثم وصف مشروبهم بأنه شرابٌ لذيذ منعش ممزوج بالزنجبيل، ويُسْقَون من عين في الجنة اسمها السلسبيل، لسلاسَتها وسهولةِ مساغها.. وهذا كله ما هو الا أسماء لما هو شبيهٌ بما في الدنيا. وهناك ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت، وكل ما في الآخرة مغاير لما في حياتنا الدنيا. ثم بين أوصافَ السقاةِ الذين يطوفون عليهم بذلك الشراب فقال: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً}. ويطوف على هؤلاء الأبرار من أهل الجنة ولدان يظلّون على ما هم عليه: من الشباب والنضارة والحُسن، منظرُهم مبهج مفرح، وإذا رأيتَ جماعةً منهم حسبتَهم لحُسنِ ألوانهم ونضارة وجوههم ورشاقتهم في الخدمة كأنهم لؤلؤ منثور. وبعد ان ذكَر اللهُ تعالى نعيم أهل الجنة بما تقدَّم - بين أن هناك امورا أعلى وأعظم من كل ما ذُكر فقال: {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً} واذا رأيتَ ما في الجنة من النعيم وما تفضّل الله به على عباده الابرار من مظاهر الأنس والسرور، رأيت نعيماً لا يكاد يوصف، ومُلكاً كبيرا واسعا لا غاية له، يختلف كل الاختلاف عما نراه في هذه الدنيا الفانية. وفي الحديث القدسي: حديث : أعددتُ لعبادي الصالحين، ما لا عين رأتْ، ولا أُذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر . تفسير : {عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوۤاْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً} في هذه الآية الكريمة يصف الله تعالى ملبسَهم أنه من حريرٍ ناعم رقيقِ هو السندس، وحريرٍ غليظ هو الديباج، ويلبسون الحليةَ من فضة وذهب كما جاء في آية اخرى في سورة فاطر: {أية : يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ} تفسير : [الكهف: 31]. ثم ذكر شرابا آخر يُسقَونه يفوق النوعَين السابقين اللذَين مر أنهما يمزجان بالكافور والزنجبيل. فقال هنا: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً} يطهُر شاربه، ويتلذّذ به فيصبح في منتهى السعادة والسرور. ثم بين الله تعالى ان هذا كله جزاءٌ لهم على ما قدموا من صالح الأعمال، وما زكَّوا به أنفسَهم من صفات الكمال فقال: {إِنَّ هَـٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً}. ان هذا الذي أعطيناكم من الكرامة جاءَ ثواباً لكم على ما كنتم تعملون، وكان عملكم مشكورا، رضيَه ربُّكم وحَمِدَكم عليه، فأثابكم بما اثابكم به من الكرامة. {أية : كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ} تفسير : [الحاقة: 24]. كل هذا يتلقَّونه من الله العليّ القدير، وهذا يعدِلُ كل ما تقدّم من أصناف النعيم، ويمنحها قيمة اخرى فوق قيمتها، ويزيد في سرورهم وحبورهم. قراءات قرأ حفص وابو عمرو وابن ذكوان {قَوَارِيرَاْ، قَوَارِيرَاْ} بالألف من غير تنوين وقرأ ابن كثير: قواريراً بتنوين الاول وقوارير الثانية من غير تنوين. وقرأ نافع والكسائي وابو بكر: {قَوَارِيراً، قَوَارِيراً} بالتنوين لهما. وقرأ حمزة: قوارير قوارير بعدم التنوين فيهما. وقرأ نافع وحمزة وابن محيصن: عليهم بإسكان الياء وكسر الهاء. وقرأ الباقون عاليهم بنصب الياء وضم الهاء. وقرأ ابن كثير وابو بكر وابن محيصن ثياب سندس خضر بجر خضرٍ نعتاً لسندس، ورفع استبرق عطفا على ثياب. وقرأ نافع وحفص برفع خضر واستبرق. وقرأ حمزة والكسائي بجر خضر واستبرق.

د. أسعد حومد

تفسير : (7) - وَهَؤُلاَءِ الأَبْرَارُ يُوفُونَ بِمَا أَوْجَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنْ نُذُورٍ، لأَِنَّ مَنْ أَوْفَى بِمَا أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ كَانَ أَكْثَرَ وَفَاءً بِمَا أَوْجَبَهُ اللهُ عَلَيْهِ، وَيَتْرُكُونَ المُحَرَّمَاتِ التِي نَهَاهُمْ رَبُّهُمْ عَنْهَا، خِيفَةَ سُوءِ الحِسَابِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَهُوَ يَوْمٌ يَكُونُ ضَرَرُهُ مُنْتَشِراً فَاشِياً عَامّاً عَلَى النَّاسِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ اللهُ. مُسْتَطِيراً - فَاشِياً عَامّاً.

الثعلبي

تفسير : {يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ} قال قتادة: بما فرض الله سبحانه عليهم من الصلاة والزكاة والحج والعمرة وغيرها من الواجبات، وقال مجاهد وعكرمة: يعني إذا بدروا في طاعة الله وفوا به. {وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً} ممتداً قاسيا يقال استطار الصدع في الزجاجة واستطال إذا امتد، ومنه قول الأعشى: شعر : وبانت وقد أُسأرت في الفؤاد صدعاً على نأيها مستطيراً تفسير : {وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ} قال ابن عباس: على قلّته وحسبهم أياه وشهوتهم له، وقال الداري: على حبّ الله، وقال الحسين بن الفضل: على حبّ إطعام الطعام. {مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} وهو الحربي يؤخذ قهراً أو المسلم يحبس بحق. قال قتادة: بعد أمر الله بالأسراء أن يحسن إليهم، وأنّ أسراءهم يومئذ لأهل الشرك فأخوك المسلم أحقّ أن تطعمه، وقال مجاهد وسعيد بن جبير وعطا: هو المسجون من أهل القبلة. أخبرني الحسن قال: حدّثنا موسى بن محمد بن علي بن عبد الله قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن ناجية قال: حدّثنا عباد بن أحمد العرزمي قال: حدّثنا عمي عن أبيه عن عمرو بن قيس عن عطية عن أبي سعيد الخدري عن النبي(عليه السلام) حديث : {وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً} قال: "فقيراً" {وَيَتِيماً} قال: "لا أب له" {وَأَسِيراً} قال: "المملوك والمسجون"تفسير : ، وقال أبو حمزة الثمالي: الأسير المرأة، ودليل هذا التأويل قول النبي (عليه السلام): "حديث : استوصوا بالنساء خيراً فإنّهن عندكم عوان ". تفسير : {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً} فيه وجهان: أحدهما أن يكون جمع الشكر كالفلوس بجمع الفلس، والكفور بجمع الكفر، والآخران يكون بمعنى المصدر كالفعول والدخول والخروج. قال مجاهد وسعيد بن جبير: أمّا أنهم ما تكلموا به، ولكن علمه الله من قلوبهم فأثنى عليهم ليرغب في ذلك راغب. {إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً} في يوم {عَبُوساً} تعبس فيه الوجوه من شدّته وكثرة مكارهة فنسب العبوس إلى اليوم كما يقال: يوم صائم وليل نائم، وقال ابن عباس: يعبس الكافر يومئذ حتى يسيل من بين عينيه عرق مثل القطران، وقيل: وصف اليوم بالعبوس لما فيه من الشدّة والهول كالرجل الكالح البائس. {قَمْطَرِيراً} روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: العبوس: الضيق، والقمطرير: الطويل. الكلبي: العبوس: الذي لا انبساط فيه والقمطرير: الشديد. وقال قتادة ومجاهد ومقاتل: القمطرير: الذي يقلّص الوجوه ويقبض الحياة وما بين الأعين من شدته. قال الأخفش: القمطرير أشدّ ما يكون من الأيام وأطوله في البلاء يقال: يوم قمطرير وقماطر إذا كان شديداً لكربها. قال الشاعر: شعر : ففرّوا إذا ما الحرب ثار غبارها ولج بها اليوم العبوس القماطر تفسير : وأنشد الفرّاء: شعر : بني عمّنا هل تذكرون بلانا عليكم إذا ما كان يوم قماطر تفسير : وقال الكسائي: أقمطرّ القوم وأزمهرّ أقمطراراً وازمهراراً وهو الزمهرير والقمطرير، ويوم مقمطر إذا كان صعباً شديداً. قال الهذلي: شعر : بنو الحرب أرضعنا لهم مقمطرّة فمن تلق منا ذلك اليوم يهرب تفسير : {فَوَقَاهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ ٱلْيَومِ} الذي يخافون {وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً} في وجوههم {وَسُرُوراً} في قلوبهم {وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ} على طاعة الله وعن معصيته، وقال الضحاك: على الفقر. القرطبي: على الصوم. عطاء: على الجوع. وروي سعيد بن المسيب عن عمر قال: سئل رسول الله (عليه السلام) عن الصبر فقال: "حديث : الصبر أربعة أولها الصبر عند الصدمة الأولى والصبر على أداء الفرائض، والصبر على اجتناب محارم الله، والصبر على المصائب"تفسير : . {جَنَّةً وَحَرِيراً} قال الحسن: أدخلهم الجنة وألبسهم الحرير. {مُّتَّكِئِينَ} نصب على الحال {فِيهَا} في الجنة {عَلَىٰ ٱلأَرَائِكِ} السرر في الحجال لا تكون أريكة إذا اجتمعا. قال الحسن: وهي لغة أهل اليمن كان الرجل العظيم منهم يتخذ أريكة فيقال: أريكه فلان. وقال مقاتل: الأرائك: السرر في الحجال من الدر والياقوت موضونة بقضبان الذهب والفضة وألوان الجواهر. {لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً} أي شتاء ولا قيضاً. قال قتادة: علم الله سبحانه أن شدّة الحر تؤذي وشدة القرّ تؤذي فوقّاهم الله أذاهما جميعاً، وقال مرة الهمداني: الزمهرير البرد القاطع. مقاتل بن حيّان: هو شي مثل روس الابر ينزل من السماء في غاية البرد. ابن سمعود: هو لون من العذاب وهو البرد الشديد. وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا بكر أحمد بن عمران السوادي يقول: سمعت أبا العباس أحمد بن يحيى ثعلب وسئل عن قوله {لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً} قال الزمهرير القمر بلغة طي. قال شاعرهم: شعر : وليلة ظلامها قد اعتكر قطعتها والزمهرير ما زهر تفسير : أي لم يطلع القمر. واختلف العلماء في سبب نزول هذه الآيات فقال مقاتل: نزلت في رجل من الأنصار أطعم في يوم واحد مسكيناً ويتيماً وأسيراً وكانت قصته. أخبرنا ابن فتجويه قال: حدّثنا محمد بن خلف بن حيّان قال: حدّثنا إسحاق بن محمد بن مروان قال: حدّثنا إبراهيم بن عيسى قال: حدّثنا على بن علي بن أبي حمزة الثمالي قال: حديث : بلغنا أن مسكيناً أتى رسول الله (عليه السلام) فقال: يا رسول الله أطعمني فقال: "والذي نفسي بيده ما عندي ما أطعمك ولكن أطلب" فأتى رجلاً من الأنصار وهو يتعشى وامرأته فقال له: أني أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له: أطعمني فقال: ما عندي ما أطعمك ولكن أطلب، فقال: الأنصاري لأمرأته: ما ترين؟ فقالت: أطعمه وأسقه ثم أتى رسول الله (عليه السلام) يتيم فقال يا رسول الله أطعمني فقال: "ما عندي ما أطعمك ولكن أطلب" فأتى اليتيم الأنصاري الذي أتاه المسكين فقال له: أطعمني فقال لامرأته: ما ترين؟ قالت: أطعمه فاطعمه، ثم أتى رسول الله (عليه السلام) أسير فقال: يا رسول الله أطعمني، فقال: "والله ما معي ما أطعمك ولكن أطلب" فأتى الأسير الأنصاري فقال له: أطعمني، فقال: لامرأته ما ترين فقالت: أطعمه، وكان هذا كلّه في ساعة واحدة، فأنزل الله سبحانه فيما صنع الأنصاري من إطعامه المسكين واليتيم والأسير {وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} . تفسير : وقال غيرهما: نزلت في علي بن أبي طالب وفاطمة وجارية لهما يقال لها فضة وكانت القصة فيه. وأخبرنا الشيخ أبو محمد الحسن بن أحمد بن محمد بن علي الشيباني العدل قراءة عليه في صفر سنة سبع وثمانين وثلثمائة قال: أخبرنا ابن الشرقي قال: حدّثنا محبوب بن حميد النصري قال: حدّثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبدالوهاب الخوار ابن عم الأحنف بن قيس سنة ثمان وخمسين ومائتين وسأله عن هذا الحديث روح بن عبادة قال: حدّثنا القيم بن مهرام عن ليث عن مجاهد عن ابن عباس وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أبو محمد أحمد بن عبد الله المزني قال: حدّثنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن سهيل بن علي بن مهران الباهلي بالبصرة قال: حدّثنا أبو مسعود عبدالرحمن بن فهد بن هلال قال: حدّثنا الغنيم بن يحيى عن أبي علي القيري عن محمد بن السائر عن أبي صالح عن ابن عباس قال: أبو الحسن بن مهران وحدّثني محمد بن زكريا البصري قال: حدّثني سعيد بن واقد المزني قال: حدّثنا القاسم بن بهرام عن ليث عن مجاهد عن ابن عباس في قول الله سبحانه وتعالى {يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً} قال: مرض الحسن والحسين فعادهما جدّهما محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما وعادهما عامّة العرب فقالوا: يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك نذراً وكل نذر لا يكون له وفاء فليس بشيء. فقال علي رضي الله عنه: إن برأ ولداي مما بهما صمتُ ثلاثة أيام شكراً، وقالت فاطمة رضي الله عنها: إن برأ ولداي مما بهما صمت لله ثلاثة أيام شكراً ما لبس الغلامان العافية، وليس عند آل محمد قليل ولا كثير، فانطلق علي رضي الله عنه إلى شمعون بن جابا الخيبري، وكان يهودياً فاستقرض منه ثلاثة أصوع من شعير، وفي حديث المزني عن ابن مهران الباهلي فانطلق إلى جار له من اليهود يعالج الصوف يقال له: شمعون بن جابا، فقال: هل لك أن تعطيني جزّة من الصوف تغزلها لك بنت محمد صلى الله عليه وسلم بثلاثة أصوع من الشعير قال: نعم، فأعطاه فجاء بالسوق والشعير فأخبر فاطمة بذلك فقبلت وأطاعت قالوا: فقامت فاطمة رضي الله عنها إلى صاع فطحنته وأختبزت منه خمسة أقراص لكل واحد منهم قرصاً وصلى علي مع النبي (عليه السلام) المغرب، ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه اذ أتاهم مسكين فوقف بالباب فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد، مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني أطعمكم من موائد الجنة، فسمعه علي رضي الله عنه فأنشأ يقول: شعر : فاطم ذات المجد واليقين يا ابنة خير الناس أجمعين أما ترين البائس المسكين قد قام بالباب له حنين يشكوا إلى الله ويستكين يشكوا إلينا جائع حزين كل امرء بكسبه رهين وفاعل الخيرات يستبين موعدنا جنة عليين حرمها الله على الضنين وللبخيل موقف مهين تهوى به النار إلى سجين شرابه الحميم والغسلين من يفعل الخير يقم سمين ويدخل الجنة أي حين تفسير : فأنشأت فاطمة: شعر : أمرك عندي يا ابن عمّ طاعه ما بي من لؤم ولا وضاعه غذيت من خبز له صناعة أطعمه ولا أبالي الساعه أرجو إذ أشبعت ذا المجاعه أن ألحق الأخيار والجماعه وأدخل الخلد ولي شفاعه تفسير : قال: فأعطوه الطعام ومكثوا يومهم وليلتهم لم يذوقوا شيئاً إلاّ الماء القراح، فلمّا كان اليوم الثاني قامت فاطمة إلى صاع فطحنته فاختبزته وصلّى علي مع النبي (عليه السلام)، ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه فأتاهم يتيم فوقف بالباب فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد، يتيم من أولاد المهاجرين، استشهد والدي يوم العقبة، أطعموني أطعمكم الله على موائد الجنة فسمعه علي رضي الله عنه فأخذ يقول: شعر : فاطم بنت السيد الكريم بنت نبي ليس بالزنيم لقد أتى الله بذي اليتيم من يرحم اليوم يكن رحيم موعده في جنّة النعيم قد حرّم الخلد على اللئيم ألا يجوز الصراط المستقيم يزل في النار إلى الجحيم تفسير : فأنشأت فاطمة: شعر : أطعمه اليوم ولا أبالي وأوثر الله على عيالي أمسوا جياعاً وهم أشبالي أصغرهم يقتل في القتال بكربلا يقتل باغتيال للقاتل الويل مع الوبال تهوى به النار إلى سفال وفي يديه الغل والأغلال كبوله زادت على الأكبال. تفسير : قال: فأعطوه الطعام ومكثوا يومين وليلتين لم يذوقوا شيئاً إلاّ الماء القراح، فلمّا كان في اليوم الثالث قامت فاطمة رضي الله عنها إلى الصاع الباقي فطحنته واختبزته وصلى علي مع النبي (عليه السلام) ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه إذ أتاهم أسير فوقف بالباب فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد، تأسرونا [وتشدوننا] ولا تطعمونا، أطعموني فإني أسير محمد أطعمكم الله على موائد الجنة، فسمعه علي فأنشأ يقول: شعر : فاطم يابنة النبي أحمد بنت نبي سيد مسوّد هذا أسير للنبي المهتد مكبّلٌ في غلّه مقيّد يشكو إلينا الجوع قد تمدد من يطعم اليوم يجده من غد عند العلي الواحد الموحّد ما يزرع الزارع سوف يحصد تفسير : فأنشأت فاطمة تقول: شعر : لم يبق مما جاء غير صاع قد ذهبت كفي مع الذراع ابناي والله من الجياع يارب لا تتركهما ضياع أبوهما للخير ذو اصطناع يصطنع المعروف بابتداع عبل الذراعين طويل الباع وما على رأسي من قناع إلاّ قناعاً نسجه انساع تفسير : قال: فاعطوه الطعام ومكثوا ثلاثة أيام ولياليها لم يذوقوا شيئاً إلاّ الماء القراح فلما أن كان في اليوم الرابع وقد قضوا نذرهم حديث : أخذ علي رضي الله عنه بيده اليمنى الحسن وبيده اليسرى الحسين وأقبل نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يرتعشون كالفراخ من شدّة الجوع فلمّا نضر به النبي (عليه السلام) قال: يا أبا الحسن ما أشدّ ما يسؤني ما أرى بكم، أنطلق إلى ابنتي فاطمة فانطلقوا إليها وهي في محرابها وقد لصق بطنها بظهرها من شدة الجوع وغارت عيناها، فلما رأها النبي(عليه السلام) قال: "واغوثاه بالله، أهل بيت محمد يموتون جوعاً" فهبط جبرائيل (عليه السلام) فقال: يا محمد خذها، هنّأك الله في أهل بيتك قال: "وما أخذنا يا جبرائيل" فاقرأه {هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ} إلى قوله {وَلاَ شُكُوراً} إلى آخر السورة . تفسير : قتادة بن مهران الباهلي في هذا الحديث: فوثب النبي (عليه السلام) حتى دخل على فاطمة فلما رأى ما بهم انكب عليهم يبكي، ثم قال: أنتم من منذ ثلاث فيما أرى وأنا غافل عنكم، فهبط جبرائيل (عليه السلام) بهذه الآيات {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً} قال: هي عين في دار النبي (عليه السلام) تفجر إلى دور الأنبياء (عليهم السلام) والمؤمنين. {يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ} يعني علياً وفاطمة والحسن والحسين وجاريتهم فضة {وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً * وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ} يقول على شهوتهم للطعام، وإيثارهم مسكيناً من مساكين المسلمين ويتيماً من يتامى المسلمين، وأسيراً من أسارى المشركين، ويقولون إذا أطعموهم {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً * إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً} قال: والله ما قالوا لهم هذا بألسنتهم، ولكنهم أضمروه في نفوسهم، فأخبر الله سبحانه بإضمارهم يقولون: لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً، فيتمنون علينا به ولكنا أعطيناكم لوجه الله وطلب ثوابه قال الله سبحانه: {فَوَقَاهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ ٱلْيَومِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً} في الوجوه {وَسُرُوراً} في القلوب {وَجَزَاهُمْ} بما صبروا {جَنَّةً} يسكنونها {وَحَرِيراً} يلبسونه ويفترشونه {مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَىٰ ٱلأَرَائِكِ لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً}. قال ابن عباس: وبينا أهل الجنة في الجنة إذا رأوا ضوءاً كضوء الشمس وقد أشرقت الجنان لها فيقول أهل الجنة: يا رضوان قال: ربّنا عزّوجل {لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً} فيقول: لهم رضوان: ليست هذه بشمس ولا قمر ولكن هذه فاطمة وعلي ضحكا ضحكاً أشرقت الجنان من نور ضحكهما، وفيهما أنزل الله سبحانه: {هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ} إلى قوله: {وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً}. وأنشدت فيه: شعر : أنا مولى لفتى أنزل فيه هل أتى تفسير : وعلى هذا القول تكون السورة مدنية، وقد اختلف العلماء في نزول هذه السورة فقال مجاهد وقتادة: هي كلّها مدنية، وقال الحسن وعكرمة: منها آية مكيّة وهي قوله سبحانه: {وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً} والباقي مدني، قال الآخرون: هي كلّه مكيّة والله أعلم.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ} معناه بمَا نَذرُوا مِن طَاعةِ الله وحَقِّهِ {وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً} معناه فَاشٍ.

الجيلاني

تفسير : وصاروا من كمال وصولهم واتصالهم {يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ} ويوفرون على المنذور {وَ} كيف لا يوفون أولئك الموفقون، مع أنهم {يَخَافُونَ يَوْماً} وأيّ يوم، يوماً {كَانَ شَرُّهُ} شدائده وأهواله {مُسْتَطِيراً} [الإنسان: 7] طائراً منتشراً بين عموم العباد؟! {وَ} من كمال استغراقهم بمطالعة وجهه الكريم {يُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ} أي: الرزق الصوري والمعنوي، المسوق لهم من عنده سبحانه تقويةً وتقويماً، ترحيباً وتكريماً {عَلَىٰ حُبِّهِ} طلباً لمرضاته {مِسْكِيناً} أسكنه الفقر، وأزعجه إلى المعاونة والسؤال {وَيَتِيماً} أدركه الذل، وأحوجه إلى الافتقار {وَأَسِيراً} [الإنسان: 8] أذلَّه الصغار والهوان، وأفقره إلى الرعاية والترحم. عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن الحسن والحسين - سلام الله وصلواته على جدهما وولديهما وعليهما - مرضا مرضاً هائلاً فعادهما رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناس، فقالوا: يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك، فنذر علي وفاطمة - على النبي وعليهما وابنيهما الصلاة والسلام - وفضة جارية لفاطمة صوم ثلاثة أيام إن برئا، ثمَّ لمَّا برئا صاموا وما معهم شيء، واستقرض عليّ من شمعون الخيبري ثلاثة آصع من الشعير، فطحنت فاطمة صاعاً، وخبزت خمسة أقراص على عدد رءوسهم، فوضعوا بين أيديهم ليفطروا، فجاء على الباب مسكين، فأعطوا له وآثروه على أنفسهم، وباتوا ولم يذوقوا إلاَّ المَّاء، وأصبحوا صياماً. فلمَّا فعلوا كذلك، فألمّ عليهم يتيم فآثروه كذلك، فأصبحوا صياماً، ففعلوا في اليوم الثالث مثل ذلك، فجاء أسير، فأعطوه فباتوا بلا طعام، فنزل جبريل بهذه الآية فقال: هنأك الله في أهل بيتك يا نبي الله. ثمَّ لمَّا أضمروا في نفوسهم ومناجاتهم حين صدور هذا الإحسان عنهم طلب مرضاة الله، وتثبيتاً لهم على دينه وطاعته، وتشويقاً منهم إلى لقائه، نزل في حقهم على وفق ما نووا: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ} أي: ما نطعمكم أيها المحتاجون إلاَّ {لِوَجْهِ ٱللَّهِ} الكريم، وطلباً لمرضاته؛ إذ {لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً} ليصير عوضاً؛ لإطعامنا لوجه الله الكريم {وَلاَ شُكُوراً} [الإنسان: 9] ما لنا من الشكر والجزاء أمر. وكيف يتأتى منَّا طلب الشكر والجزاء؛ إذ قدرتنا على إطعامكم إنما هي بإقدار الله إيانا، وإعطاؤنا إنما هي من عطاياه؟! وبالجملة: {إِنَّا نَخَافُ} بطلب الأجر والجزاء {مِن} غضب {رَّبِّنَا} بنا {يَوْماً} وأيّ يوم، يوماً {عَبُوساً} تعبس فيه مطلق الوجوه من شدة هوله، بل صارت {قَمْطَرِيراً} [الإنسان: 10] في غاية الشدة والعبوسية، سيما على أهل الرياء والسمعة، الطامعين بصدقاتهم الذكر الجميل، والثناء الجزيل، مع أنهم إنما يعطون من مال الله لعيال الله. وبعدما أخلصوا لله، وخافوا من عذابه {فَوَقَٰهُمُ ٱللَّهُ} الحكيم الحفيظ {شَرَّ ذَلِكَ ٱلْيَومِ} أي: فرفع عنهم شره، وأبدله لهم خيراً {وَلَقَّاهُمْ} أي: لقى لهم يومهم {نَضْرَةً} طراوة وصفاء في وجوههم {وَسُرُوراً} [الإنسان: 11] وبهجة في قلوبهم. {وَ} بعدما فعلوا ما فعلوا خالصاً لوجه الله {جَزَاهُمْ} سبحانه {بِمَا صَبَرُواْ} وحبسوا نفوسهم عن مشتهيات المنهيات والمحرمات، وعلى أداء الواجبات، وإيثار الأموال والأرزاق المسوق نحوهم؛ لطلب المرضاة {جَنَّةً} مصورة من صالحات أعمالهم وحالاتهم ومقاماتهم، يتلذذون فيها باللذات الروحانية أبد الآباد {وَ} يلبسون فيها {حَرِيراً} [الإنسان: 12] متخذاً من حلل الأسماء والصفات التي لا يتصور فيها الحول والخشونة أصلاً. {مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَىٰ ٱلأَرَائِكِ} يعني: مستظهرين فيها بالألطاف الإلهية، مستظلين بكنف حفظه وجواره، بحيث {لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً} أي: حرارتها المؤذية لهم {وَلاَ زَمْهَرِيراً} [الإنسان: 13] أي: البرودة المضرة، بل تعتدل فيها الهواء والأهواء؛ لتعديلهم الأخلاق والأعمال والأحوال. {وَ} ليس ظلال الجنة بعيدة عنهم، بل كانت {دَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلاَلُهَا} الموعودة لهم من قِبَل الحق {وَ} لهم فيها ثمَّار متجددة، متلونة من أنواع المعارف والحقائق اللدنية المترتبة على أشجار الأسماء والصفات الإلهية التي اتصفوا بها، وتخلقوا بمقتضاها، ولا تكون تلك الأشجار وأثمَّارها، وأغصانها الكثيرة بعيدة آبية عنهم بعدما اتصفوا بها، بل {ذُلِّلَتْ} وسخرت {قُطُوفُهَا} ثمَّارها لهم {تَذْلِيلاً} [الإنسان: 14] بحيث منتى أرادوا تلذذوا بها بلا تردد؛ إذ كمالاتهم كلها حينئذٍ بالفعل بلا انتظار لم أياها، وترقب لها.

همام الصنعاني

تفسير : 3425- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ}: [الآية: 7]، قال: بطاعَةِ الله، والصلاة [والصوم]، والحج، والعمرة. 3426- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن (زيد بن رفيع)، عن أبي عبيد بن عبد الله، عن ابن مَسْعُود، قال: إنَّ النذر لا يقدم شيئاً وَلاَ يؤخره، ولكنَّ الله يستخرج به من البخيل، وَلاَ وَفَاءَ لنذر في معصية وكفارته كفَّارَةُ يَمِين.