٧٦ - ٱلْإِنْسَان
76 - Al-Insan (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
15
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية سؤالات: السؤال الأول: قال تعالى: {أية : وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَـٰفٍ مّن ذَهَبٍ وَأَكْوٰبٍ } تفسير : [الزخرف: 71] والصحاف هي القصاع، والغالب فيها الأكل فإذا كان ما يأكلون فيه ذهباً فما يشربون فيه أولى أن يكون ذهباً لأن العادة أن يتنوق في إناء الشرب مالا يتنوق في إناء الأكل وإذا دلت هذه الآية على أن إناء شربهم يكون من الذهب فكيف ذكر ههنا أنه من الفضة والجواب: أنه لا منافاة بين الأمرين فتارة يسقون بهذا وتارة بذاك. السؤال الثاني: ما الفرق بين الآنية والأكواب؟ الجواب: قال أهل اللغة: الأكواب الكيزان التي لا عرى لها، فيحتمل أن يكون على معنى أن الإناء يقع فيه الشرب كالقدح، والكوب ما صب منه في الإناء كالإبريق. السؤال الثالث: ما معنى {كانت}؟ الجواب: هو من يكون في قوله: {أية : كُنْ فَيَكُونُ } تفسير : [البقرة:117] أي تكونت قوارير بتكوين الله تفخيماً لتلك الخلقة العجيبة الشأن الجامعة بين صفتي الجوهرين المتباينين. السؤال الرابع: كيف تكون هذه الأكواب من فضة ومن قوارير؟ الجواب: عنه من وجوه أحدها: أن أصل القوارير في الدنيا الرمل وأصل قوارير الجنة هو فضة الجنة فكما أن الله تعالى قادر على أن يقلب الرمل الكثيف زجاجة صافية، فكذلك هو قادر على أن يقلب فضة الجنة قارورة لطيفة، فالغرض من ذكر هذه الآية، التنبيه على أن نسبة قارورة الجنة إلى قارورة الدنيا كنسبة فضة الجنة إلى رمل الدنيا، فكما أنه لا نسبة بين هذين الأصلين، فكذا بين القارورتين في الصفاء واللطافة وثانيها: قال ابن عباس: ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء وإذا كان كذلك فكمال الفضة في بقائها ونقائها وشرفها إلا أنه كثيف الجوهر، وكمال القارورة في شفافيتها وصفائها إلا أنه سريع الانكسار، فآنية الجنة آنية يحصل فيها من الفضة بقاؤها ونقاؤها، وشرف جوهرها، ومن القارورة، صفاؤها وشفافيتها وثالثها: أنها تكون فضة ولكن لها صفاء القارورة، ولا يستبعد من قدرة الله تعالى الجمع بين هذين الوصفين ورابعها: أن المراد بالقوارير في الآية ليس هو الزجاج، فإن العرب تسمي ما استدار من الأواني التي تجعل فيها الأشربة ورق وصفاً قارورة، فمعنى الآية وأكواب من فضة مستديرة صافية رقيقة. السؤال الخامس: كيف القراءة في {قَوَارِيرَاْ * قَوارِيرَ }؟ الجواب: قرئا غير منونين وبتنوين الأول وبتنوينهما، وهذا التنوين بدل عن ألف الإطلاق لأنه فاصلة، وفي الثاني لاتباعه الأول لأن الثاني بدل من الأول فيتبع البدل المبدل، وقرىء: {قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ } بالرفع على هي قوارير، وقدروها صفة لقوارير من فضة. أما قوله تعالى: {قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قال المفسرون معناه: {قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً } على قدر ريهم لا يزيد ولا ينقص من الري ليكون ألذ لشربهم، وقال الربيع بن أنس: إن تلك الأواني تكون بمقدار ملء الكف لم تعظم فيثقل حملها. المسألة الثانية: أن منتهى مراد الرجل في الآنية التي يشرب منها الصفاء والنقاء والشكل. أما الصفاء فقد ذكره الله تعالى بقوله: {كَانَتْ قَوَارِير } وأما النقاء فقد ذكره بقوله: {من فضة}، وأما الشكل فقد ذكره بقوله: {قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً }. المسألة الثالثة: المقدر لهذا التقدير من هو؟ فيه قولان: الأول: أنهم هم الطائفون الذين دل عليهم قوله تعالى: {وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ } وذلك أنهم قدروا شرابها على قدر ري الشارب والثاني: أنهم هم الشاربون وذلك لأنهم إذا اشتهوا مقداراً من المشروب جاءهم على ذلك القدر. واعلم أنه تعالى لما وصف أواني مشروبهم ذكر بعد ذلك وصف مشروبهم، فقال:
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ} أي يدور على هؤلاء الأبرار الخدم إذا أرادوا الشراب {بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ} قال ٱبن عباس: ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء؛ أي ما في الجنة أشرف وأعلى وأنقى. ثم لم تنف الأواني الذهبية بل المعنى يسقون في أواني الفضة، وقد يسقون في أواني الذهب. وقد قال تعالى: { أية : يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ } تفسير : [الزخرف: 71]. وقيل: نَبّه بذكر الفضّة على الذهب؛ كقوله: { أية : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ } تفسير : [النحل: 81] أي والبرد؛ فنبّه بذكر أحدهما على الثاني. والأكواب: الكِيزان العظام التي لا آذان لها ولا عُرًى، الواحد منها كوب؛ وقال عَدِيّ: شعر : مُتَّكِئاً تُقْرَعُ أبوابُهُ يَسْعَى عليهِ العبدُ بِالكُوبِ تفسير : وقد مضى في «الزخرف». {كَانَتْ قَوَارِيرَاْ. قَوَارِيرَاْ مِن فِضَّةٍ} أي في صفاء القوارير وبياض الفضة؛ فصفاؤها صفاء الزجاج وهي من فضّة. وقيل: أرض الجنة من فضّة، والأواني تتخذ من تربة الأرض التي هي منها. ذكره ٱبن عباس وقال: ليس في الجنة شيء إلا قد أعطيتم في الدنيا شبهه، إلا القوارير من فضة. وقال: لو أخذت فضَّة من فضّة الدنيا فضربتها حتى تجعلها مثل جناح الذُّبَاب لم تر من ورائها الماء، ولكن قوارير الجنة مثل الفضّة في صفاء القوارير. {قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً} قراءة العامة بفتح القاف والدال؛ أي قَدّرها لهم السقاة الذين يطوفون بها عليهم. قال ٱبن عباس ومجاهد وغيرهما: أتوا بها على قدر رِيِّهم، بغير زيادة ولا نقصان. الكلبي: وذلك ألذ وأشهى؛ والمعنى: قدّرتها الملائكة التي تطوف عليهم. وعن ٱبن عباس أيضاً: قدّروها على مِلء الكف لا تزيد ولا تنقص، حتى لا تؤذيهم بثقل أو بإفراط صغر. وقيل: إن الشاربين قَدّروا لها مقادير في أنفسهم، على ما ٱشتهوا وقَدّروا. وقرأ عبيد ابن عمير والشَّعْبي وٱبن سيرين «قُدِّروها» بضم القاف وكسر الدال؛ أي جعللت لهم على قدر إرادتهم. وذكر هذه القراءة المهدويّ عن عليّ وٱبن عباس رضي الله عنهما؛ وقال: ومن قرأ «قُدِّرُوهَا» فهو راجع إلى معنى القراءة الأخرى، وكأنّ الأصل قُدِّروا عليها فحذف الجر؛ والمعنى قُدِّرت عليهم؛ وأنشد سيبويه: شعر : آلَيْتَ حَبَّ العِراقِ الدّهْرَ آكُلُهُ والْحَبُّ يأكلُه في القَرْيةِ السُّوسُ تفسير : وذهب إلى أن المعنى على حَبِّ العراق. وقيل: هذا التقدير هو أن الأقداح تطير فتغترف بمقدار شهوة الشارب؛ وذلك قوله تعالى: {قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً} أي لا يفضل عن الرِّيِّ ولا ينقص منه، فقد أُلْهِمت الأقداحُ معرفةَ مقدار رِيّ المشتهى حتى تغترف بذلك المقدار. ذكر هذا القول الترمذيّ الحكيم في «نوادر الأصول». قوله تعالى: {وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً} وهي الخمر في الإناء. {كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً} «كَانَ» صلة؛ أي مزاجها زنجبيل، أو كان في حكم الله زنجبيلاً. وكانت العرب تستلذ من الشراب ما يُمزج بالزنجبيل لِطيب رائحتِه؛ لأنه يَحْذُو اللسان، ويهضم المأكول، فرغبوا في نعيم الآخرة بما ٱعتقدوه نهاية النَّعمة والطيب. وقال المسيَّب بن عَلَس يصف ثَغْر المرأة: شعر : وكَأنَّ طَعْمَ الزنجبِيلِ بِهِ إِذْ ذُقْتَهُ وَسَلاَفَةَ الخَمْرِ تفسير : ويروي: الكَرْم. وقال آخر: شعر : كَأَنَّ جَنِيًّا مِن الزَّنْجَبِيـ ـلِ بَاتَ بِفِيَها وأرْياً مشُوراً تفسير : ونحوه قول الأعشى: شعر : كَأَنَّ القَرَنْفُلَ والزَّنْجَبِيـ ـلَ بَاتَا بِفيَها وأرياً مَشُوراً تفسير : وقال مجاهد: الزنجبيل ٱسم للعين التي منها مزاج شراب الأبرار. وكذا قال قتادة: والزّنجبيل ٱسم العين التي يشرب بها المقربون صِرفاً وتمزج لسائر أهل الجنة. وقيل: هي عين في الجنة يوجد فيها طعم الزنجبيل. وقيل: إنّ فيه معنى الشراب الممزوج بالزنجبيل. والمعنى كأنّ فيها زنجبيلاً. {عَيْناً} بدل من كأس. ويجوز أن ينتصب بإضمار فعل أي يسقون عيناً. ويجوز نصبه بإسقاط الخفاض أي من عين على ما تقدم في قوله تعالى: {عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ}. {فِيهَا} أي في الجنة {تُسَمَّىٰ سَلْسَبِيلاً} السَّلْسبيل الشراب اللذيذ، وهو فَعْلَلِيل من السَّلاَلة؛ تقول العرب: هذا شراب سَلِسٌ وسَلْسَال وسَلْسَلٌ وسَلْسَبِيل بمعنىً؛ أي طيّب الطعم لذيذه. وفي الصحاح: وتسلسل الماء في الحلق جرى، وسَلْسَلْتُه أنا صببته فيه، وماء سَلْسَل وسَلْسَال: سهل الدخول في الحلق لعذوبته وصفائه، والسُّلاسل بالضم مثله. وقال الزجاج: السَّلْسَبيل في اللغة: ٱسم لما كان في غاية السَّلاَسة؛ فكأنّ العين سمّيت بصفتها. وعن مجاهد قال: سَلْسَبيلا: حديدة الجَرْية تسيل في حلوقهم ٱنسلالاً. ونحوه عن ٱبن عباس: إنها الحديدة الجَرْي. ذكره الماورديّ؛ ومنه قول حسان بن ثابت رضي الله عنه: شعر : يَسْقُونَ مَنْ وَرَدَ الْبَرِيصَ عليهمُ بَردَى يُصَفَّقُ بالرَّحيقِ السَّلْسَلِ تفسير : وقال أبو العالية ومقاتل: إنما سميّت سَلْسَبيلاً؛ لأنها تسيل عليهم في الطرق وفي منازلهم، تنبع من أصل العرش من جنة عدن إلى أهل الجنة. وقال قتادة: سلسة منقاد ماؤها حيث شاؤوا. ونحوه عن عِكرمة. وقال القَفَّال: أي تلك عين شريفة فَسَلْ سَبِيلاً إليها. وروي هذا عن عليّ رضي الله عنه. وقوله: «تسمَّى» أي إنها مذكورة عند الملائكة وعند الأبرار وأهل الجنة بهذا الاسم. وصرف سلسبيل؛ لأنه رأس آية؛ كقوله تعالى: {ٱلظُّنُونَاْ} و «السَّبِيلاً».
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ } فيها { بِئَانِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ} أقداح بلا عرى {كَانَتْ قَوَارِيرَاْ }.
ابن عبد السلام
تفسير : {قَوَارِيرَاْ} هي من فضة في صفاء القوارير. أو قوارير في بياض الفضة، قوارير كل أرض من تربتها وأرض الجنّة فضة "ع" {قَدَّرُوهَا} في أنفسهم فجاءت على ما قدروا "ح" أو على قدر أكفْ الخدم أو على مقدار لا تزيد فتفيض ولا تنقص فتغيض أو على قدريهم وكفايتهم لأنه ألذ وأشهى أو قدرت لهم وقدروا لها سواء.
ابو السعود
تفسير : {وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِـئَانِيَةٍ مّن فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ} الكوبُ الكوزُ العظيمُ الذي لا أُذنَ له ولاَ عُروةَ {كَانَتْ قَوَارِيرَاْ * قَوَارِيرَاْ مِن فِضَّةٍ} أي تكونتْ جامعةً بـين صفاءِ الزجاجةِ وشفيفِها ولينِ الفِضَّةِ وبـياضِها، والجملةُ صفةٌ لأكواب. وقُرِىءَ بتنوينِ قواريرَ الثانِي أيضاً، وقُرئَا بغيرِ تنوينٍ، وقُرِىءَ الثَّانِي بالرَّفعِ على هيَ قواريرُ {قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً} صفةٌ لقواريرَ ومعنى تقديرِهم لها أنَّهم قدَّروها في أنفسِهم وأرادُوا أنْ تكونَ على مقاديرَ وأشكالٍ معينةٍ موافقةً لشهواتهم فجاءتْ حسبمَا قدَّرُوها، أو قدَّرُوها بأعمالِهم الصالحةِ فجاءتْ على حسبِها، وقيلَ: الضميرُ للطائفينَ بهَا المدلولِ عليهم بقولِه تعالى: {وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ} الإنسان، الآية 15] فالمعنى قدَّروا شرابَها على قدرِ اشتهائِهم، وقُرِىءَ قُدِّرُوها على البناءِ للمفعولِ أي جُعلوا قادرينَ لها كما شاءوا من قَدَر منقولاً من قَدَّرتُ الشيءَ. {وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً} أي ما يشبِهُ الزنجبـيلَ في الطعمِ وكان الشرابُ الممزوجُ به أطيبَ ما تستطيبُه العربُ وألذَّ ما تستلذُّ به {عَيْناً} بدلٌ من زنجبـيلاً، وقيلَ: تمزجُ كأسُهم بالزنجبـيلِ بعينِه، أو يخلقُ الله تعالى طعمَهُ فيها، فعيناً حينئذٍ بدلٌ من كأساً كأنَّه قيلَ: ويُسقَون فيها كأساً كأسَ عينٍ، أو نصبٌ على الاختصاص {فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلْسَبِيلاً} لسلاسة انحدارِها في الحَلْقِ وسهولةِ مساغِها، يقالُ: شرابٌ سلسلٌ وسلسالٌ وسلسبـيلٌ، ولذلكَ حُكمَ بزيادةِ الباءِ، والمرادُ بـيانُ أنَّها في طعم الزنجبـيلِ، وليسَ فيها لذعةٌ بل نقيضُ اللذعِ هو السلاسةُ {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدٰنٌ مُّخَلَّدُونَ} أي دائمونَ على ما هُم عليه من الطراوةِ والبهاءِ {إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً} لحُسنِهم وصفاءِ ألوانِهم وإشراقِ وجوهِهم وانبثاثِهم في مجالسهم ومنازلِهم وانعكاسِ أشعةِ بعضِهم إلى بعضٍ {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ} ليسَ له مفعولٌ ملفوظٌ ولا مقدرٌ ولا منويٌّ، بل معناهُ أنَّ بصرَكَ أينمَا وقعَ في الجنةِ {رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً} أي هنيئاً واسعاً. وفي الحديثِ "حديث : أدنَى أهلِ الجنةِ منزلةً ينظُر في مُلكِه مسيرةَ ألفِ عامٍ يَرى أقصاهُ كمِا يَرى أدناهُ" تفسير : وقيلَ: لا زوالَ لَه، وقيلَ: إذَا أرادُوا شيئاً كانَ، وقيلَ: يُسلمُ عليهم الملائكةُ ويستأذنونَ عليهم {عَـٰلِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ} قيلَ: عاليَهُم ظرفٌ على أنَّه خبرٌ مقدمٌ وثيابُ مبتدأٌ مؤخرٌ، والجملةُ صفةٌ أُخرى لولدانٌ كأنَّه قيلَ: يطوفُ عليهم ولدانٌ فوقَهُم ثيابُ الخ، وقيلَ: حالٌ من ضميرِ عليهم أو حسِبتَهم، أي يطوفُ عليهم ولدانٌ عالياً للمطوف عليهم ثيابٌ الخ، أو حسبتَهُم لؤلؤاً منثوراً عالياً لهم ثيابُ الخ. وقُرِىءَ عاليهم بالرفعِ على أنَّه مبتدأٌ خبرُهُ ثيابُ أي ما يعلُوه من لباسِهم ثيابُ سندسٍ. وقُرِىءَ خضرٍ بالجرِّ حملاً على سندسٍ بالمَعْنى لكونِه اسمَ جنسٍ {وَإِسْتَبْرَقٍ} بالرفعِ عطفاً على ثيابُ. وقُرِىءَ برفعِ الأولِ وجرِّ الثانِي، وقُرىءَ بالعكسِ، وقُرِىءَ بجرِّهِما، وقُرىءَ واستبرقَ بوصلِ الهمزةِ والفتحِ على أنه استفعلَ من البريقِ جُعل عَلَماً لهذا النوعِ من الثيابِ. {وَحُلُّواْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ} عطفٌ على يطوفُ عليهم ولا ينافيهِ قولُه تعالى: {أية : أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ } تفسير : [سورة الكهف، الآية 31 وسورة الحج، الآية 23 وسورة فاطر، الآية 33] لإمكانِ الجمعِ والمعاقبةِ والتبعيضِ، فإنَّ حُلِيَّ أهلِ الجنةِ يختلفُ حسبَ اختلافِ أعمالِهم فلعلَّه تعالَى يفيضُ عليهم جزاءً لما عملُوه بأيديهم حلياً وأنواراً تتفاوتُ تفاوتَ الذهبِ والفضةِ أو حالٌ من ضميرِ عاليَهم بإضمارِ قَدْ، وعلى هذا يجوزُ أن يكونَ هذا للخدمِ وذاكَ للمخدومينَ. {وَسَقَـٰهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً} هو نوعٌ آخرُ يفوقُ النوعينِ السالفينِ كما يرشدُ إليهِ إسنادُ سقيهِ إلى ربِّ العالمينَ ووصفُه بالطَّهوريةِ فإنَّه يطهرُ شاربَهُ عن دَنَسِ الميلِ إلى الملاذِّ الحسيةِ والركونِ إلى ما سِوى الحقِّ فيتجردُ لمطالعةِ جمالِه ملتذاً بلقائِه باقياً ببقائِه، وهي الغايةُ القاصيةُ من منازلِ الصدِّيقينَ ولذلكَ خُتمَ بها مقالةُ ثوابِ الأبرارِ.
اسماعيل حقي
تفسير : {ويطاف} يدر من طاف بمعنى دار والطواف والاطافة كلاهما لازم بالفارسية كرد جيزى بكشتن. وانما جاءب التعدية هنا من الباء فى بآنية {عليهم} اى على الابرار اذا أرادوا الشرب والطائف الدآئر هو الخدم كما يجئ {بآنية} اوعية جمع اناء نحو كساء واكسية والاوانى جمع الجمع كما فى المفردات واصل آنية آءنية بهمزتين مثل افعلة قال فى بعض التفاسير الباء فيها ان كانت للتعدية فهى قائمة مقام الفاعل لانها مفعول له معنى والا فالظاهر أن يكون القائم مقامه عليهم {من فضة} نسب لآنية {واكواب} جمع كوب وهو الكوز العظيم المدور الرأس لا اذن له ولا عروة فيسهل الشرب منه من كل موضع ولا يحتاج عند التناول الى ادارته وهو مستعمل الآن فى بلاد العرب لما وصف طعامهم ولباسهم ومسكنهم وصف شرابهم وقدم عليه وصف الاوانى التى يشرب بها وذكره بلفظ المجهول لان المقصود ما يطاف به لا الطائفون ثم ذكر الطائفين بقوله ويطوف الخ {كانت قواريرا} جمع قارورة بالفارسية آبكينه. وفى القاموس القارورة ما قر فيه الشراب ونحوه.
الجنابذي
تفسير : {وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ} جمع الكوب وهو كوز لا عروة له ولا خرطوم {كَانَتْ قَوَارِيرَاْ قَوَارِيرَاْ} قرئ فيهما بالتّنوين للمناسبة، وقرئ فى الاوّل فقط بالتّنوين {مِن فِضَّةٍ} يعنى كانت الاكواب مثل القوارير فى الصّفاء والشّفيف، او كانت القوارير مأخوذة من الفضّة لا من سائر الاحجار مثل قوارير الدّنيا {قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً} صفة للاكواب او للآنية والاكواب والمعنى اكواب كان المؤمنون يقدّرون قدرها فى انفسهم، او كانوا يتمنّونها، او كان الغلمان المديرون يقدّرونها بقدر ميل المؤمنين، وقرئ قدّروها على البناء للمفعول.
اطفيش
تفسير : {وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ} بوزن افعلة مرادا به الكثرة جمع اناء والنائب عليهم أو بآنية *{مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ} أبارق بلا عري والعطف على آنية *{كَانَتْ} اي تكونت *{قَوَارِيرَا} اي كالقوارير في الصفاء والشفيف أو قوارير حقيقة بان يكون قوارير الجنة من فضة فيسمى مثل الزجاجة من فضة الجنة قارورة حقيقة وذلك تمام الفاصلة.
اطفيش
تفسير : {وَيُطَافُ} يطوف ولدان {عَلَيْهِم بِآنيةٍ} جمع إِناء بوزن أفعلة بفتح الهمزة وإِسكان الفاء وكسر العين والإِناء ما يوضع فيه الشئ ولا يخزن أهل الجنة شيئاً وكلما أرادوا شيئاً حضر لهم غضاً طريًّا فتلك الآنية للشرب ليست موضوعة بين أيديدهم أو عندهم بل كلما أرادوها جئَ بها وفيها ما أرادوا وإِذا أرادوا لوناً أو شكلاً منها مع ما فيه حضر كما أرادوا. {مِّن فِضَّةٍ وَأكْوَابٍ} جمع كوب وهو الإِناء الذى لا عروة له ملتوية ولا فيه نتوء يقبض به، وقيل الكوز العظيم الذى لا مقبض له والعطف على آنية. {كَانَتْ} تلك الأَكواب {قَوَارِيراَ} جمع قارورة وهى زجاجة يوضع فيها شراب وهى رقيقة ولا تنكسر وآنية الجنة لا تنكسر ولا تنشق ولا تبلى هى أبداً غضة طرية لا تتسخ وهو خبر كان وقيل هو حال ولا خبر لها وصرف على حد ما مر فى سلاسلا وزعم بعض أن ذلك نون بدل من حرف الإِطلاق إِجراء للوصل مجرى الوقف وللفاصلة مجرى القافية هنا وفى سلاسلا وأما قواريرا الثانى فللمشاكلة.
الالوسي
تفسير : {وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِـئَانِيَةٍ } جمع إناء ككساء وأكسية وهو ما يوضع فيه الشيء والأواني جمع الجمع {مّن فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ } جمع كوب وهو قدح لا عروة له كما قال الراغب وفي «القاموس» كوز لا عروة له أو لا خرطوم له وقيل الكوز العظيم الذي لا أذن له ولا عروة {كَانَتْ } أي تلك الأكواب {قَوَارِيرَاْ } جمع قارورة وهي إناء رقيق من الزجاج يوضع فيه الأشربة ونصبه على الحال فإنَّ (كان) تامة وهو كما تقول خلقت قوارير.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة {أية : يَشربون من كأس}تفسير : [الإنسان: 5] الخ كما اقتضاه التناسب بين جملة {يشربون} وجملة {يطاف عليهم} في الفعلية والمضارعية، وذلك من أحسن أحوال الوصل، عاد الكلام إلى صفة مجالس شرابهم. وهذه الجملة بيان لما أجمل في جملة {أية : إن الأبرار يشربون من كأس}تفسير : [الإنسان: 5]، وإنما عطفت عليها لما فيها من مغايرة مع الجملة المعطوف عليها من صفة آنية الشراب، فلهذه المناسبة أعقب ذكر مجالس أهل الجنة ومُتكآتِهم، بذكر ما يستتبعه مما تعارفه أهل الدنيا من أحوال أهل البذخ والترف واللذات بشرب الخمر إذ يُدير عليهم آنية الخمر سقاةٌ. وإذ قد كان ذلك معروفاً لم تكن حاجة إلى ذكر فاعل الطواف فبُني للنائب. وهذا وعد لهم بإعطاء متمناهم في الدنيا مع مَزيد عليه من نعيم الجنة «ما لا عيْن رأت ولا خَطَر على قلب بَشَر». والطواف: مشي مكرر حولَ شيءٍ أو بين أشياء، فلما كان أهل المتكأ جماعة كان دوران السقاء بهم طوافاً. وقد سمَّوا سقي الخمر: إدَارةَ الخمرِ، أو إدارة الكأس. والسَّاقي: مدير الكأس، أو مدير الجام أو نحو ذلك. والآنية: جمع إِناء ممدوداً بوزن أفْعِلة مثل كِساء وأكسية ووِعاء وأوعية اجتمع في أول الجمع همزتان مزيدة وأصلية فخففت ثانيتهمَا ألفاً. والإِناء: اسم لكل وعاء يرتفق له، وقال الراغب: ما يوضع فيه الشيء اهـ فيظهر أنه يطلق على كل وعاء يقصد للاستعمال والمداولة للأطعمة والأشربة ونحوهما سواء كان من خشب أو معدن أو فَخار أو أديم أو زجاج، يوضع فيه ما يُشرب أو ما يؤكل، أو يُطبخ فيه، والظاهر أنه لا يطلق على ما يجعل للخزن فليست القِربة بإناء ولا الباطيةُ بإناء، والكأسُ إناء والكوزُ إناء والإِبريق إناء والصحفة إناء. والمراد هنا: آنية مجالس شرابهم كما يدل عليه ذكر الأكواب وذلك في عموم الآنية وما يوضع معه من نُقْل أو شِواء أو نحو ذلك كما قال تعالى في آية الزخرف (71) {أية : يطاف عليهم بصِحاف من ذهب وأكواب}تفسير : . وتشمل الآنية الكؤوسَ. وذكر الآنِية بعد {كأس} [الإنسان: 5] من قوله: {أية : إن الأبرار يشربون من كأس}تفسير : [الإنسان: 5] من ذكر العام بعد الخاص إلاّ إذا أريد بالكأس الخمر. والأكواب: جمع كوب بضم الكاف بعده واو ساكنة. والكوب: كوز لا عروة له ولا خرطوم له، وتقدم في سورة الزخرف. وعطف {أكواب} على (آنية) من عطف الخاص على العام لأن الأكواب تحمل فيها الخمر لإِعادة ملءِ الكؤوس. ووصفت هنا بأنها من فضة، أي تأتيهم آنيتهم من فضة في بعض الأوقات ومن ذهب في أوقات أخرى كما دلّ عليه قوله في سورة الزخرف (71) {أية : يطاف عليهم بصحاف من ذَهب وأكواب}تفسير : لأن للذهب حسناً وللفضة حسناً فجعلت آنيتهم من المعدنين النفيسين لئلا يفوتهم ما في كل من الحسن والجمال، أو يطاف عليهم بآنية من فضة وآنية من ذهب متنوعة متزاوجة لأن ذلك أبهج منظراً مثل ما قال مرة {أية : وحلّوا أساور من فضة}تفسير : [الإنسان: 21]، ومرة {أية : يُحَلّون فيها من أساور من ذهب}تفسير : [الكهف: 31]، وذلك لإِدخال المسرَّة على أنفسهم بحسن المناظر فإنهم كانوا يتمنونها في الدنيا لِعزة وجودها أو وجود الكثير منها، وأوثر ذكر آنية الفضة هنا لمناسبة تشبيهها بالقوارير في البياض. والقوارير: جمع قارورة، وأصل القارورة إناء شبه كوز، قيل: لا تسمى قارورة إلاّ إذا كانت من زجاج، وقيل مطلقاً وهو الذي ابتدأ به صاحب «القاموس». وسميت قارورة اشتقاقاً من القَرار وهو المكث في المكان وهذا وزن غريب. والغالب أن اسم القارورة للإِناء من الزجاج، وقد يطلق على ما كان من زجاج وإن لم يكن إناء كما في قوله تعالى: {أية : قَال إنه صرح ممرّد من قوارير}تفسير : [النمل: 44] وقد فسر قوله: {قواريراً} في هذه الآية بأنها شبيهة بالقوارير في صفاء اللون والرقة حتى كأنها تشفّ عما فيها. والتنافس في رقة آنية الخمر معروف عند شاربيها قال الأعشى: شعر : تريك القذى من دونها وهي دونه إذا ذاقها من ذاقها يتمطق تفسير : وفعل {كانت} هنا تشبيه بليغ، والمعنى: إنها مثل القوارير في شفيفها، وقرينة ذلك قوله: {من فضة}، أي هي من جنس الفضة في لون القوارير لأن قوله {من فضة} حقيقة فإنه قال قبله {بآنية من فضة}. ولفظ {قواريرا} الثاني، يجوز أن يكون تأكيداً لفظياً لنظيره لزيادة تحقيق أن لها رقة الزجاح فيكون الوقف على {قواريرا} الأول. ويجوز أن يكون تكريراً لإِفادة التصنيف فإن حسن التنسيق في آنية الشراب من مكملات رونق مجلسه، فيكون التكرير مثل ما في قوله تعالى: {أية : والمَلكُ صَفّاً صفّاً}تفسير : [الفجر: 22] وقول الناس: قرأت الكتاب باباً باباً فيكون الوقف على {قواريراً} الثاني. وكتب في المصحف {قواريرا قواريرا} بألف في آخر كلتا الكلمتين التي هي علامة تنوين. وقرأ نافع والكسائي وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر {قواريرا} الأول والثاني منونين وتنوين الأول لمراعاة الكلمات الواقعة في الفواصل السابقة واللاحقةِ من قوله {أية : كافوراً}تفسير : [الإنسان: 5] إلى قوله {تقديرا} وتنوين الثاني للمزاوجة مع نظيره وهؤلاء وقفوا عليهما بالألف مثل أخواتهما وقد تقدم نظيره في قوله تعالى: {أية : سلاسل وأغلالاً}تفسير : [الإنسان: 4]. وقرأ ابن كثير وخلف ورويس عن يعقوب {قوايراً} الأول بالتنوين ووقفوا عليه بالألف وهو جار على التوجيه الذي وجهنا به قراءة نافع والكسائي. وقرآ {قواريرا} الثاني بغير تنوين على الأصل ولم تراع المزاوجة ووقفا عليه بالسكون. وقرأ ابن عامر وأبو عمرو وحمزة وحفص عن عاصم بترك التنوين فيهما لمنع الصرف وعدم مراعاة الفواصل ولا المزاوجة. والقراءات روايةٌ متواترة لا يناكدها رسم المصحف فلعلّ الذين كتبوا المصاحف لم تبلغهم إلاّ قراءة أهل المدينة. وحدّث خلف عن يحيى بن آدم عن ابن إدريس قال: في المصاحف الأول ثبتَ {قواريرا} الأول بالألف والثاني بغير ألف، يعني المصاحف التي في الكوفة فإن عبد الله ابن إدريس كوفي. وقال أبو عبيد: لرأيتُ في مصحف عثمان {قواريرا} الأول بالألف وكان الثاني مكتوباً بالألف فحُكَّت فرأيتُ أثرها هناك بيناً اهـ. وهذا كلام لا يفيد إذ لو صحّ لما كان يُعرف من الذي كتَبه بالألف، ولا مَن الذي مَحا الألف ولا متى كان ذلك فيما بين زمن كتابة المصاحف وزمن أبي عبيد، ولا يُدرى ماذا عنى بمصحف عثمان أهو مصحفه الذي اختص به أم هو مصحف من المصاحف التي نسخت في خلافته ووزعها على الأمصار؟. وقرأ يعقوب بغير تنوين فيهما في الوصل. وأما في الوقف فحمزة وقف عليهما بدون ألف. وهشام عن ابن عامر وقفا عليهما بالألف على أنه صلة للفتحة، أي إشباع للفتحة ووقف أبو عمرو وحفص وابن ذكوان عن ابن عامر ورويس عن يعقوب على الأول بالألف وعلى الثاني بدون ألف ووجهه ما وجهت به قراءة ابن كثير وخلف. وقوله: {قدّروها تقديراً} يجوز أن يكون ضمير الجمع عائداً إلى {أية : الأبرار}تفسير : [الإنسان: 5] أو {أية : عباد الله}تفسير : [الإنسان: 6] الذي عادت إليه الضمائر المتقدمة من قوله {أية : يفجرونها}تفسير : [الإنسان: 6] و{أية : يوفون}تفسير : [الإنسان: 7] إلى آخر الضمائر فيكون معنى التقدير رغبتَهم أن تجيء على وفق ما يشتهون. ويجوز أن يكون الضمير عائداً إلى نائب الفاعل المحذوف المفهوم من بناء {يطاف} للنائب، أي الطائفون عليهم بها قدَّروا الآنية والأكوابَ، أي قدروا ما فيها من الشراب على حسب ما يطلبه كل شارب منهم ومآله إلى معنى الاحتمال الأول. وكان مما يعد في العادة من حِذق الساقي أن يعطِيَ كلَّ أحد من الشَّرْب ما يناسب رغبته. و {تقديراً} مفعول مطلق مؤكد لعامله للدلالة على وفاء التقدير وعدم تجاوزه المطلوب ولا تقصيره عنه.
الشنقيطي
تفسير : فيه التنصيص على أواني الفضة في الجنة. وجاء بصحاف من ذهب وأكواب، وهي محرمة في الدنيا، كما هو معلوم، وقد بين تعالى أن الذي يطوف عليهم هم {أية : وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً}تفسير : [الإنسان: 19]. وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في سورة الطور عند قوله {أية : وَيَطُوفُ عَلَيْهِمِ غِلْمَانٌ لَّهُمْ}تفسير : [الطور: 24]، والقوارير جمع قارورة، والعرب تطلق القارورة على إناء الزجاج خاصة، ولكن الآية صريحة في أنها قوارير من فضة، مما دل على صحة إطلاق القارورة، على غير آنية الزجاج كالفضة مثلاً. قال صاحب اللسان: والقارورة: ما قر فيه الشراب وغيره، وقيل: لا يكون إلا من الزجاج خاصة. وقوله تعالى: {أية : قَوَارِيرَاْ قَوَارِيرَاْ مِن فِضَّةٍ}تفسير : [الإنسان: 15-16] قال بعض أهل العلم: معناه أواني زجاج في بياض الفضة وصفاء القوارير، قال ابن سيده: وهذا أحسن اهـ. وقال ابن شدياق في معجم مقاييس اللغة: إن مادة قر، القاف والراء أصلان صحيحان يدل أحدهما على برد، والآخر على تمكن، وذكر من التمكن استقر ومستقر، كما ذكر صاحب اللسان كثيراً من ذلك ثم قال: ومن الباب القر: بضم الراء: صب الماء في الشيء. يقال: قررت الماء، والقر صب الكلام في الأذن، وذكر منه الإقرار ضد الجحود لاستقرار الحق به. ثم ذكر مسألة إثبات اللغة بالسماع أو بالقياس فقال: وهذه مقاييس صحيحة، فإما أن نتعدى ونتحمل الكالم كما بلغنا عن بعضهم أنه قال: سميت القارورة لاستقرار الماء فيها وغيره، فليس هذا من مذهبنا. وقد قلنا: إن كلام العرب ضربان. منه ما هو قياس وقد ذكرناه، ومنه ما وضع وضعاً. والمسألة من مباحث الأصول في الألفاظ، هل هي بوضع لا يقاس عليه وتبقى كما وضعتها العرب، أو أنها توضع بالقياس؟ وفائدة الخلاف هل المسكرات كلها مثلاً يتناولها مسمى الخمر بالوضع فتكون محرمة بنص {أية : إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ}تفسير : [المائدة: 90] الية، أو أنها محرمة قياساً على الخمر بجامع علة الإسكار وعليه، فإذا كانت اللغة تساعد على الإطلاق قياساً، فهو أقوى في الحكم بأن يأتي الحكم بالنص لا بالقياس بجامع العلة. ولعل التحقيق في هذه المسألة ما قاله علماء الوضع من أن اللغات منها توقيفي ومنها قياسي. وفي قوله تعالى: {قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً} توجيه إلى حسن الصنع في التسوية في التقدير، والمقاسات.
د. أسعد حومد
تفسير : {بِآنِيَةٍ} (15) - وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ خَدَمُ الجَنَّةِ بِأَوَانِي الطَّعَامِ، وَهِيَ مِنْ فِضَّةٍ خَالِصَةٍ، وَبِأَكْوَابِ الشَّرَابِ، وَهِيَ أَيْضاً مِنْ فِضَّةٍ، وَقَدْ جُعِلَتْ هَذِهِ الأَكْوَابُ جَامِعَةً بَيَاضَ الفِضَّةِ، وَصَفَاءَ الزُّجَاجِ وَشَفَافِيَّتَهُ. أَكْوَابٍ - أَقْدَاحٍ بِلاَ عُرًى. قَوَارِيرَ - كَالزُّجَاجَاتِ فِي الصَّفَاءِ.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَاْ}، فالأكوابُ: الكِيزانُ التي لا عُرى لَهَا. وهي من فِضَّةٍ في صَفاءِ القَواريرِ، وبَيَاضِ الفِضَّةِ.
الجيلاني
تفسير : {وَ} لتكميل ترفههم وتنعمهم {يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ} متخذة {مِّن فِضَّةٍ} أي: من فضة عقائدهم الصافية البيضاء، الشفافة الخالصة عن مطلق الكدورات {وَأَكْوابٍ} أبارق وكيزان لا عروة من شدة صفائها وجلائها، كأنها {كَانَتْ قَوَارِيرَاْ} [الإنسان: 15] في الرقة. وأية قوارير {قَوَارِيرَاْ} متخذة {مِن فِضَّةٍ} من غاية صفائها وشفافها لا يُرى لها لون ولا كون، بحيث اشتبه أمرها عند الرائي؛ لذلك {قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً} [الإنسان: 16] بمقتضى ما راعوا في الاعتدال في الأطوار والأخلاق. {وَيُسْقَوْنَ} هؤلاء المقربون {فِيهَا} أي: في تلك الأواني والأكواب {كَأْساً} خمراً من خمور المحبة والمودة {كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً} [الإنسان: 17] أي: كالزنجبيل في المساغ وسرعة الانحدار. يعني: {عَيْناً فِيهَا} جارية بماء الحياة الأزلية الأبدية السرمدية {تُسَمَّىٰ سَلْسَبِيلاً} [الإنسان: 18] لهدايتها وإرشادها إلى مشرب التوحيد، وبحر الوحدة الذاتية، كأنها تلقى وتلقن تلك العين المترشحة من بحر الحياة الأزلية الأبدية لأرباب العناية بقولها: سل أيها الطالب الحائر في بيداء الطلب سبيلاً إلى الوحدة الحقيقية الحقيَّة. {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ} تأنيساً لهم وتصحيباً {وِلْدَانٌ} حسان، مصورون من أعمالهم وأحوالهم {مُّخَلَّدُونَ} دائمون على صباحتهم وحسنهم، بحيث {إِذَا رَأَيْتَهُمْ} إيها المعتبر الرائي {حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً} [الإنسان: 19] من صفاء ألوانهم، ومقبولية هيكالهم، وصباحة خدهم، ورشاقة قدَّهم، وانعكاس أشعة وجوههم من كمال اللطافة والطراوة والصفاء المفرط. {وَ} بالجملة: {إِذَا رَأَيْتَ} أيها المعتبر الرائي {ثَمَّ} أي: في الجنة {رَأَيْتَ} ما رأيت، وما أدراك ما رأيت، رأيت {نَعِيماً} وأيّ نعيم، نعيماً لا يكتنه غوره وطوره {وَمُلْكاً} وأيّ ملك، ملكاً {كَبِيراً} [الإنسان: 20] وسيعاً فسيحاً، لا يدرك وسعته وقدره، ولا يكتنه طوره وغوره. ومع ذلك {عَالِيَهُمْ} أي: يعلو عليهم فيها تعظيماً لهم تكريماً {ثِيَابُ سُندُسٍ} رقيق من الديباج {خُضْرٌ} على لون الحياة؛ لأن حياتهم فيها سرمدية {وَإِسْتَبْرَقٌ} غليظ منه كذلك {وَحُلُّوۤاْ أَسَاوِرَ} متخذة {مِن فِضَّةٍ} تميماً لتنعمهم وترفههم فيها {وَ} بالجملة: {سَقَاهُمْ رَبُّهُمْ} بعدما تمكنوا في مقعد الصدق عند المليك المقتدر {شَرَاباً} من كأس المحبة، ورحيق التوحيد والتحقيق {طَهُوراً} [الإنسان: 21] خالياً خالصاً عن شوب الثنوية، وشين الكثرة مطلقاً، فسكروا منه، ولم يصحوا أبداً. ثمَّ قيل لهم من قِبَل الحق: {إِنَّ هَـٰذَا} التي فزتم عليه الآن {كَانَ لَكُمْ جَزَآءً} موعوداً في مقابلة أعمالكم وأخلاقكم، وأحوالكم ومعارفكم، ومواجدكم التي أنتم عليها في النشأة الأولى {وَكَانَ سَعْيُكُم} الذي كنتم عليه في نشأة الأختبار {مَّشْكُوراً} [الإنسان: 22] مجازاً عليه، غير مضيع مع زيادات منَّا عليكم تفضلاً وامتناناً. ثمَّ لمَّا جمع سبحانه جميع الفضائل والكمالات، وعموم المعارف والمشاهدات والمكاشفات اللدنية في المرتبة الجامعة الختمية المحمدية، المحيطة على عموم المراتب والمناصب، خاطبهم سبحانه خطاب امتنان ورحمة على وجه التعطف والتلطف فقال: {إِنَّا} بمقتضى فضلنا وجودنا {نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ} يا أكمل الرسل تأييداً لك، وتعظيماً لشأنك {ٱلْقُرْآنَ} الحاوي لما في الكتب السالفة، المحتوي لجميع الكمالات اللائقة لعموم الأنبياء والرسل، المجتازين في سبيل التوحيد {تَنزِيلاً} [الإنسان: 23] مفرقاً منجماً على مقتضى الحكمة البالغة الباعثة على إنزالها حسب حاجتك إليها، وانكشافك بما فيها؛ لتتدرج في سلوكك وشهودك.
همام الصنعاني
تفسير : 3433- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَأَكْوابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَاْ * قَوَارِيرَاْ مِن فِضَّةٍ}: [الآية: 15-16]، قال علي: هي من فضَّة وصفاؤها مثل صَفَاء القوارير في بياض الفضة وصفاء القوارير، {قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً}: [الآية: 16]، قال: قدَّروها لِرَبِّهِمْ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):