٧٦ - ٱلْإِنْسَان
76 - Al-Insan (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
27
Tafseer
الرازي
تفسير : والمراد أن الذي حمل هؤلاء الكفار على الكفر، وترك الالتفات والإعراض عما ينفعهم في الآخرة ليس هو الشبهة حتى ينتفعوا بالدلائل المذكورة في أول هذه السورة، بل الشهوة والمحبة لهذه اللذات العاجلة والراحات الدينية، وفي الآية سؤالان: السؤال الأول: لم قال: {وراءهم} ولم يقل: قدامهم؟ الجواب: من وجوه أحدها: لما لم يلتفتوا إليه، وأعرضوا عنه فكأنهم جعلوه وراء ظهورهم وثانيها: المراد ويذرون وراءهم مصالح يوم ثقيل فأسقط المضاف وثالثها: أن تستعمل بمعنى قدام كقوله: {أية : مِّن وَرَائِهِ جَهَنَّمُ } تفسير : [إبراهيم: 16] {أية : وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ } تفسير : [الكهف: 79]. السؤال الثاني: ما السبب في وصف يوم القيامة بأنه يوم ثقيل؟ الجواب: استعير الثقل لشدته وهوله، من الشيء الثقيل الذي يتعب حامله ونحوه {أية : ثَقُلَتْ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } تفسير : [الأعراف: 187]. ثم إنه تعالى لما ذكر أن الداعي لهم إلى هذا الكفر حب العاجل، قال:
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ يُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ}: توبيخ وتقريع، والمراد أهل مكة. والعجلة الدنيا {وَيَذَرُونَ} أي ويدعون {وَرَآءَهُمْ} أي بين أيديهم {يَوْماً ثَقِيلاً} أي عسيراً شديداً كما قال: { أية : ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } تفسير : [الأعراف: 187] أي يتركون الإيمان بيوم القيامة. وقيل: «وَرَاءَهُمْ» أي خلفهم، أي ويذرون الآخرة خلف ظهورهم، فلا يعملون لها. وقيل: نزلت في اليهود فيما كتموه من صفة الرسول صلى الله عليه وسلم وصحة نبوّته. وحبهم العاجلة: أخذهم الرّشا على ما كتموه. وقيل: أراد المنافقين؛ لاستبطانهم الكفر وطلب الدنيا. والآية تعمّ. واليوم الثقيل يوم القيامة. وإنما سمّيَ ثقيلاً لشدائده وأهواله. وقيل: للقضاء فيه بين عباده. قوله تعالى: {نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ} أي من طين. {وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ} أي خَلْقَهم؛ قاله ٱبن عباس ومجاهد وقتادة ومقاتل وغيرهم. والأَسْر الخَلْق؛ قال أبو عُبيد: يقال فرس شديد الأَسْر أي الخَلْق. ويقال أسره الله جلّ ثناؤه إذا شَدَّد خَلْقه؛ قال لبيد: شعر : ساهِمُ الوجهِ شدِيدٌ أَسْرُهُ سَلِسِ القِيادِ تَخالُهُ مُخْتَالاَ تفسير : وقال أبو هريرة والحسن والربيع: شددنا مفاصلهم وأوصالهم بعضها إلى بعض بالعروق والعصب. وقال مجاهد في تفسير الأَسْر: هو الشَّرْج، أي إذا خرج الغائط والبول تَقبَّضَ الموضعُ. وقال ٱبن زيد القوّة. وقال ٱبن أحمر يصف فرساً: شعر : يَمشِي بِأَوْظِفَةٍ شِدَادٍ أَسْرُهَا صُمِّ السِّنَابِكِ لا تَقِي بِالْجَدْجَدِ تفسير : وٱشتقاقه من الإسار وهو القِدّ الذي يشد به الأقتاب؛ يقال: أَسَرْتُ القَتَبَ أَسْراً أي شددته وربطته؛ ويقال: ما أحسن أَسْرَ قَتَبِه أي شدّه وربطه؛ ومنه قولهم: خذه بِأَسْرِهِ إذا أرادوا أن يقولوا هو لك كله؛ كأنهم أرادوا تَعْكِيمه وشدّه فم يُفتَح ولم يُنقَص منه شيء. ومنه الأسير، لأنه كان يُكتَف بالإسار. والكلام خرج مخرج الامتنان عليهم بالنِّعَم حين قابلوها بالمعصية. أي سَوَّيتُ خَلْقك وأحكمته بالقوى ثم أنت تكفر بي. {وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً} قال ٱبن عباس: يقول لو نشاء لأهلكناهم وجئنا بأطوع لله منهم. وعنه أيضاً: لغيّرنا محاسنهم إلى أسمج الصُّوَر وأقبحها. كذلك روى الضحاك عنه. والأوّل رواه عنه أبو صالح.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ هَٰؤُلاَءِ يُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ } الدنيا {وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً } شديداً أي يوم القيامة لا يعملون له.
ابن عطية
تفسير : الإشارة بـ {هؤلاء} إلى كفار قريش، و {العاجلة} الدنيا وحبهم لها، لأنهم لا يعتقدون غيرها، {ويذرون وراءهم} معناه فيما يأتي من الزمن بعد موتهم، وقال لبيد: [الطويل] شعر : أليس ورائي إن تراخت منيتي أدب مع الولدان إن خف كالنسر تفسير : ووصف اليوم بالثقل على جهة النسب، أي: ذا ثقل من حيث الثقل فيه على الكفار، فهو كليل نائم، ثم عدد النعم على عباده في خلقهم وإيجادهم وإتقان بنيتهم وشدِّ خلقتهم، والأسر: الخلقة واتساع الأعضاء والمفاصل، وقد قال أبو هريرة والحسن والربيع الأسر: المفاصل والأوصال، وقال بعضهم الأسر: القوة: ومنه قول الشاعر: [الوافر] شعر : فأنجاه غداة الموت مني شديد الأسر عض على اللجام تفسير : وقول آخر [الأخطل]: [الكامل] شعر : من كل محتدب شديد أسره سلس القياد تخاله مختالا تفسير : قال الطبري ومنه قول العامة: خذه بأسره يريدون خذه كله. قال القاضي أبو محمد: وأصل هذا في ما له شد ورباط كالعظم ونحوه، وليس هذا مما يختص بالعامة بل هو من فصيح كلام العرب. اللهم إلا أن يريد بالعامة جمهور العرب ومن اللفظة الإسار وهو القيد الذي يشد به الأسير، ثم توعد تعالى بالتبديل واجتمع من القولين تعديد النعمة والوعيد بالتبدل احتجاجاً على منكري البعث، أي من هذا الإيجاد والتبديل إذا شاء في قدرته، فكيف تتعذر عليه الإعادة، وقوله تعالى: {إن هذه تذكرة} يحتمل أن يشير إلى هذه الآية أو إلى السورة بأسرها أو إلى الشريعة بجملتها وقوله تعالى: {فمن شاء اتخذ} ليس على جهة التخيير بل فيه قرينة التحذير، والحض على اتخاذ السبيل، و" السبيل " هنا: ليس النجاة، وقوله تعالى: {وما تشاؤون إلا أن يشاء الله} نفي لقدرتهم على الاختراع وإيجاد المعاني في نفوسهم، ولا يرد هذا وجود ما لهم من الاكتساب والميل إلى الكفر. وقرأ عبد الله " وما تشاؤون إلا ما شاء الله " وقرأ يحيى بن وثاب " تِشاؤون " بكسر التاء. وقوله تعالى: {عليماً حكيماً} معناه يعلم ما ينبغي أن ييسر عبده إليه، وفي ذلك حكمة لا يعلمها إلا هو {والظالمين} نصب بإضمار فعل تقديره ويعذب الظالمين أعد لهم، وفي قراءة ابن مسعود " وللظالمين أعد لهم " بتكرير اللام، وقرأ جمهور السبعة " وما تشاؤون " بالتاء على المخاطبة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو " يشاؤون " بالياء، وقرأ ابن الزبير وأبان بن عثمان وابن أبي عبلة " والظالمون " بالرفع، قال أبو الفتح: وذلك على ارتجال جملة مستأنفة. (انتهى). نجز تفسير سورة {الإنسان} بحمد الله وعونه.
الثعالبي
تفسير : وقوله: {إِنَّ هَـؤُلآءِ} يعني كُفَّارَ قريشٍ {يُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ} يعني: الدنيا، واعلمْ أَنَّ حُبَّ الدنيا رأسُ كل خطيئة، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : ازْهَدْ في الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ، وَٱزْهَدْ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ»تفسير : رواه ابن ماجه وغيره بأسانيدَ حَسَنَةٍ، قال ابن الفاكهانيِّ: قال القاضي أبو الوليد ابن رشد: وأَمَّا الباعث على الزهد فخمسة أشياء: أحدها: أنَّها فانية شاغلة للقلوب عن التفكر في أمر اللَّه تعالى. والثاني: أَنَّها تنقص عند اللَّه درجات من ركن إليها. والثالث: أَنَّ تركها قربة من اللَّه تعالى وعلُوُّ مرتبة عنده في درجات الآخرة. والرابع: طول الحبس والوقوف في القيامة للحساب والسؤال عن شكر النعيم. والخامس: رضوان اللَّه تعالى والأمن من سخطه، وهو أكبرها؛ قال اللَّه عز وجل: {أية : وَرِضْوٰنٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ }تفسير : [التوبة:72] قال ابن الفاكهاني: ولو لم يكن في الزهد في الدنيا إلاَّ هذه الخصلة التي هي رضوانُ اللَّه تعالى ـــ لكان ذلك كافياً ـــ، فنعوذ باللَّه من إيثار الدنيا على ذلك، وقد قيل: من سُمِّيَ باسم الزهد فقد سُمِّيَ بألف اسم ممدوح، هذا مع ما للزاهدين من راحة القلب والبدن في الدنيا والآخرة، فالزُّهَّادُ هم الملوك في الحقيقة، وهم العقلاء؛ لإيثارهم الباقي على الفاني، وقد قال الشافعية: لو أوصى لأعْقَل الناس صُرِفَ إلى الزهاد، انتهى من «شرح الأربعين حديثاً»، ولفظ أبي الحسن الماوردِيِّ: وقد قيل: العاقل مَنْ عقل من اللَّه أمره ونهيه حتَّى قال أصحاب الشافعيِّ فيمن أوصى بثلث ماله: لأَعْقَلِ الناس أَنَّه يكون مصروفاً للزُّهَّادِ؛ لأنهم انقادوا للعقل، ولم يغتروا بالأمل، انتهى، والأَسْر الخلقة واتساق الأعضاء والمفاصل، وعبارة البخاريِّ: {أَسْرَهُمْ}: شِدَّةُ الخلق، وكل شيء شددته من قتب أو غبيط فهو مأسور، والغبيط شيء يركبه النساء شبه المحفة، انتهى؛ قال * ع *: ومن اللفظة: الإسارُ، وهو القيد الذي يُشَدُّ به الأسير، ثم تَوَعَّدَهُم سبحانه بالتبديل، وفي الوعيد بالتبديل احتجاج على مُنْكِرِي البعث، أي: مَنْ هذه قدرته في الإيجاد والتبديل فكيف تتعذر عليه الإعادة؟!. وقال الثعلبيُّ: {بَدَّلْنَا أَمْثَـٰلَهُمْ تَبْدِيلاً} قال ابن عباس: يقول: أهلكناهم، وجئنا بأطوعَ للَّهِ منهم، انتهى.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ يُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ}. توبيخ وتقريع والمراد أهل "مكة"، والعاجلة، الدنيا. واعلم أنه تعالى لما خاطب رسوله صلى الله عليه وسلم بالتعظيم والأمر والنهي، عدل إلى شرح أحوال الكفار والمتمردين، فقال تعالى: {إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ يُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ}، ومعناه: إن الذي حمل هؤلاء على الكفر والإعراض عما ينفعهم في الآخرة، هو محبتهم اللذات العاجلة والراحات الدنيوية البدنية. قوله: {وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ}، أي: بين أيديهم، وقال: "وَرَاءَهُم" ولم يقل: قُدَّامهم لأمور: أحدها: أنهم لما أعرضوا عنه ولم يلتفتوا إليه فكأنهم جعلوه وراء ظهورهم. وثانيها: المراد: يذرون وراءهم مصالح يوم ثقيل، أي عسير، فأسقط المضاف. وثالثها: أن "وراء" يستعمل بمعنى "قُدّام"، كقوله تعالى: {أية : مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ}تفسير : [إبراهيم: 16] {أية : وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ}تفسير : [الكهف: 79]. وقال مكي: سمّي "وراء" لتواريه عنك، فظاهر هذا أنه حقيقة، والصحيح أنه استعير لـ "قُدّام". قوله: "يَوْماً". مفعول بـ "يَذَرُونَ" لا ظرف، وصفه بالثقل على المجاز؛ لأنه من صفات الأعيان لا المعاني. وقيل: معناه يتركون الإيمان بيوم القيامة. وقيل: نزلت في اليهود فيما كتموه من صفة الرسول صلى الله عليه وسلم وصحة نبوته، وحبُّهم العاجلة: أخذهم الرّشا ما كتموه، وقيل: أراد المنافقين لاستبطانهم الكفر وطلب الدنيا، والآية تعُمّ، واليوم الثقيل: يوم القيامة، وسمي ثقيلاً لشدائده وأهواله وقيل: للقضاء فيه بين العباد. قوله تعالى: {نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ} أي من طين، {وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ} أي: خلقهم. قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة ومقاتل وغيرهم، والأسر: الخلق. قال أبو عبيد: يقال: فرس شديد الأسر، أي: الخلق، ويقال: أسره الله، إذا شدد خلقه؛ قال لبيدٌ [الرمل] شعر : 5051- سَاهِمُ الوجْهِ شَدِيدٌ أسْرهُ مُشْرِفُ الحَارِكِ مَحْبُوكُ الكَتِدْ تفسير : وقال الأخطل: [الكامل] شعر : 5052- مِنْ كُلِّ مُجْتَنِبٍ شَديدٍ أسْرهُ سَلِسُ القِيَادِ تخَالهُ مُخْتَالاً تفسير : وقال أبو هريرة والحسن والربيع رضي الله عنهم: شَددْنَا مفَاصِلهُمْ. قال أهل اللغة: الأسر: الرَّبْط، ومنه: أسِرَ الرجُل، إذا أوثق بالقيد، وفرس مأسورة الخلق وفرس مأسورة بالعقب، والإسار: هو القيد الذي يشد به الأقتاب، تقول: أسرت القتب أسراً، أي: شددته وربطته. فصل في معنى الأسر قال ابن زيد: الأسر القوة، والكلام خرج مخرج الامتنان عليهم بالنعم حين قابلوها بالمعصية، أي: سويت خلقك وأحكمته بالقوى ثم أنت تكفر بي. قال ابن لخطيب: وهذا الكلام يوجب عليهم طاعة الله تعالى من حيث الترغيب والترهيب؛ أما الترغيب فلأنه هو الذي خلقهم وأعطاهم الأعضاء السليمة التي بها يمكن الانتفاع باللذات العاجلة، وخلق لهم جميع ما يمكن الانتفاع به، فإذا أحبوا اللذات العاجلة، وتلك اللذات لا تحصل إلا بالمنتفع والمنتفع به، وهما لا يحصلان إلا بتكوين الله وإيجاده، وهذا مما يوجب عليهم الانقياد لله - تعالى - وترك التمرُّد. وأما الترهيب فإنه قادرٌ على أن يميتهم وأن يسلُب النعم عنهم، وأن يلقي بهم في كل محنة وبلية، فلأجل الخوف من فوت هذه اللذات العاجلة يجب عليهم الانقياد لله - تعالى - وترك التمرّد، فكأنه قيل: هبْ أن حبكم لهذه اللذات العاجلة طريقة حسنة إلا أن ذلك يوجب عليكم الإيمان بالله - تعالى - والانقياد له، فلم توسلتم به إلى الكفر بالله - تعالى - والإعراض عن حكمه. قوله تعالى: {وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً}. قال ابن عباس رضي الله عنهما: لو نشاء لأهلكناهم وجئنا بأطْوَعَ لله منهم. وقال ابن الخطيب: معناه: إذا شئنا أهلكناهم، وأتينا بأشباههم، فجعلناهم بدلاً منهم كقوله تعالى: {أية : عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ}تفسير : [الواقعة: 61]، والغرض منه: بيان الاستغناء التام عنهم، كأنه قيل: لا حاجة بنا إلى أحد من المخلوقين ألبتة، وبتقدير إن ثبتت الحاجة، فلا حاجة بنا إلى هؤلاء الأقوام؛ فإنا قادرون على إبدالهم وإيجاد أمثالهم، ونظيره قوله تعالى: {أية : إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ}تفسير : [إبراهيم: 19]، {أية : إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ}تفسير : [النساء: 133]. وروى الضحاك عن ابن عباس - رضي الله عنهم - معناه: لغيرنا محاسنهم إلى أقبح الصور. وقيل: أمثالهم في الكفر. فصل في نظم الآية قال الزمخشري في قوله تعالى: {وَإِذَا شِئْنَا}: وحقه أن يجيء بـ "إن" لا بـ "إذا"، كقوله تعالى: {أية : وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ}تفسير : [محمد: 38]، {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} يعني: أنَّ "إذا" للمحقَّق، و "إن" للمحتمل، وهو تعالى لم يشأ ذلك، وجوابه أن "إذا" قد تقع موقع "إن" كالعكس. قال ابن الخطيب: فكأنه طعن في لفظ القرآن وهو ضعيف، لأن كل واحد من "إن" و "إذا" حرف شرط، إلا أن حرف "إن" لا يستعمل فيما هو معلوم الوقوع، فلا يقال: إن طلعت الشمس أكرمتك. أما حرف "إذا" فإنه يستعمل فيما يكون معلوم الوقوع تقول ابتداء: إذا طلعت الشمس - فهاهنا - لما كان الله تعالى عالماً أنه سيجيء وقت يبدل الله تعالى فيه أولئك الكفرة بأمقالهم في الخلقة وأضدادهم في الطاعة لا جرم حسن استعمال حرف "إذا". قوله تعالى: {إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ}. أي: هذه السورة موعظة، {فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً} أي: طريقاً موصِّلاً إلى طاعته. وقيل: "سبيلاً" أي وسيلة. وقيل: وجهة وطريقة إلى الخير والمعنى: أنّ هذه السورة لما فيها من الترتيب العجيب، والوعد الوعيد، والترغيب والترهيب تذكرة للمتأملين وتبصرة للمتبصرين. فصل في قول الجبرية قال ابن الخطيب: متى ضمت هذه الآية إلى الآية بعدها خرج منهما صريح مذهب الجبر، لأن قوله تعالى: {فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً} الآية يقتضي أن مشيئة العبد متى كانت خالصة، فإنها تكون مستلزمة للفعل، وقوله تعالى بعد ذلك: {وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} يقتضي كون مشيئة الله تعالى مستلزمة لمشيئة العبد، ومستلزم المستلزم مستلزم، فإن مشيئة الله - تعالى - مستلزمة لفعل العبد، وذلك هو الجبر، وكذا الاستدلال على الجبر بقوله تعالى: {أية : فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ}تفسير : [الكهف: 29]، لأن هذه الآية أيضاً تقتضي كون المشيئة مستلزمة للفعل، ثم التقدير ما تقدم. قال القاضي: المذكور هاهنا اتخاذ السبيل إلى الله - تعالى - وهو أمر قد شاءه؛ لأنه أمر به فلا بد وأن يكون قد شاءه، وهذا لا يقضي أن يقال: العبد لا يشاء إلاَّ ما قد شاء الله على الإطلاق إذ المراد بذلك الأمر المخصوص الذي قد ثبت أن الله تعالى أراده وشاءه. وهذا الكلام لا تعلق له بالاستدلال الذي ذكرناه، فحاصل ما ذكره القاضي تخصيص العام بالصُّور المتقدمة، وذلك ضعيف لأن خصوص ما قبل الآية لا يقتضي تخصيص هذا العام لاحتمال أن يكون الحكم في هذه الآية وارداً بحيث تعمّ تلك الصورة وغيرها. قوله: {إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} فيه وجهان: أحدهما: أنه حال، أي إلاَّ في حال مشيئة الله تعالى. قاله أبو البقاء. وفيه نظر: لأن هذا مقدر بالمعرفة إى أن يريد تفسير المعنى. والثاني: أنه ظرف. قال الزمخشري: "فإن قلت: ما محل أن يشاء الله؟. قلت: النصب على الظرف، وأصله: إلا وقت مشيئة الله تعالى، وكذلك قرأ ابن مسعود: إلا ما يشاء الله، لأن "ما" مع الفعل كـ "إن" معه". وردّ أبو حيان: بأنه لا يقوم مقام الظرف إلاَّ المصدر الصريح، لو قلت: أجيئك أن يصيح الديك، أو ما يصيح، لم يجز. قال شهاب الدين: قد تقدم الكلام في ذلك مراراً. وقرأ نافع والكوفيون: "تشاءون" خطاباً لسائر الخلق، أو على الالفتات من الغيبة في قوله تعالى: {نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ}، والباقون: بالغيبة جرياً على قوله: "خلقناهم" وما بعده. قوله: {وَمَا تَشَآءُونَ} أي الطاعة والاستقامة، واتخاذ السبيل إلى الله {إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} فأخبر أن الأمر إليه سبحانه، وليس لهم، وأنه لا ينفذ مشيئة أحد، ولا تقدّم إلا تقدّم مشيئة الله تعالى، قيل: إن الآية الأولى منسوخة بالثانية. قال القرطبي: والأشبه أنه ليس بنسخ، بل هو تبيين أن ذلك لا يكون إلا بمشيئته. قال الفراء: "ومَا تَشَاءُونَ إلاَّ أن يَشاءَ اللهُ" جواب لقوله تعالى: {فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً} ثم أخبرهم أن الأمر ليس إليهم، فقال: "ومَا تَشَاءُونَ" ذلك السبيل "إلاَّ أن يشَاءَ اللهُ" لكم، {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً} بأعمالكم "حَكِيماً" في أمره ونهيه لكم. قوله تعالى: {يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ}. أي: يدخله الجنة راحماً له. قال ابن الخطيب: إن فسرنا الرحمة بالإيمان فالآية صريحة في أن الإيمان من الله تعالى وإن فسرناها بالجنة كان دخول الجنة بسبب مشيئته بسبب مشيئة الله تعالى وفضله، وإحسانه لا بسبب الاستحقاق؛ لأنه لو ثبت الاستحقاق لكان تركه يفضي إلى الجَهْل أو الحاجة، وهما محالان على الله تعالى، والمفضي إلى المحال محال، فتركه محال، فوجوده واجبٌ عقلاً، وعدمه ممتنعٌ عقلاً، وما كان كذلك لا يكون معلقاً على المشيئة ألبتة. قوله: {وَٱلظَّالِمِينَ}، أي: ويعذّب الظالمين، وهو منصوب على الاشتغال بفعل يفسره "أعَدَّ لَهُمْ" من حيث المعنى لا من حيث اللفظ، تقديره: وعذب الظالمين، ونحوه: "زيداً مررت به" أي: جاوزت ولابست. وكان النصب هنا مختاراً لعطف جملة الاشتغال على جملة فعلية قبلها، وهو قوله "يُدْخِلُ". قال الزجاج: نصب "الظَّالمينَ" لأن قبله منصوباً، أي: يدخل من يشاء في رحمته ويعذب الظالمين، أي: المشركين، ويكون "أعَدَّ لَهُمْ" تفسيراً لهذا المضمر؛ قال الشاعر: [المنسرح] شعر : 5053- أصْبَحتُ لا أحْمِلُ السِّلاحَ ولا أمْلِكُ رَأسَ البَعيرِ إنْ نَفَرَا والذِّئْـب أخْشَـاهُ إنْ مَـررْتُ بِــهِ وحْدِي وأخْشَــى الرِّيَــاحَ والمَطَــرَا تفسير : أي: أخشى الذئب أخشاه. قال الزجاج: والاختيار النصب. وإن جاز الرفع. وقوله تعالى في "حَم عَسق": {أية : يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ وَٱلظَّالِمُونَ}تفسير : [الشورى: 8] ارتفع لأنه لم يذكر بعده فعل يقع عليه فنصب في المعنى، فلم يجز العطف على المنصوب قبله فارتفع بالابتداء، وهاهنا قوله: {أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً} يدل على "ويُعَذِّبُ" فجاز النصب. وقرأ الزبير، وأبان بن عثمان، وابن أبي عبلة: "والظَّالمُونَ" رفعاً على الابتداء، وما بعده الخبر، وهو أمر مرجوح لعدم المناسبة. وقرأ ابن مسعود: "ولِلظَّالِمينَ" بلام الجر، وفيه وجهان: أظهرهما: أن يكون "للظَّالمين" متعلقاً بـ "أعَدَّ" بعده، ويكون "لَهُمْ" تأكيداً. والثاني: وهو ضعيف، أن يكون من باب الاشتغال، على أن يقدر فعلاً مثل الظاهر، ويجر الاسم بحرف الجر، فتقول: "بزيد مررت به" أي: مررت بزيد مررت به، والمعروف في لغة العرب مذهب الجمهور، وهو إضمار فعل ناصب موافق لفعل الظاهر في المعنى، فإن ورد نحو "بزيد مررت به" عُدَّ من التوكيد لا من الاشتغال. والأليم: المؤلم. روى الثَّعلبيّ عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ قَرَأ سُورَة {هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ} كَانَ جَزَاؤهُ عَلى اللهِ تَعَالى جَنَّةً وحَرِيراً ".
اسماعيل حقي
تفسير : {ان هؤلاء} اى كفار مكة عاد الى شرح احوال الكفار بعد شرح صدره عليه السلام بما ذكر من قوله انا نحن الخ {يحبون العاجلة} دوست ميدارند سراى شتا بنده را يعنى دنيارا وينهمكون فى لذاتها الفانية فهو الحاصل لهم على الكفر والاعراض عن الاتباع لا اشتباه الحق عليهم {ويذرون} يتركون {وراءهم} اى أمامهم لا يستعدون فهو حال من يوما او ينبذون ورآء ظهورهم فهو ظرف ليذرون فورآء يستعمل فى كل من أمام وخلف والظاهر فى وجه الاستعمالين ان ورآء اسم للجهة المتوارية اى المستترة المختفية عنك واستتار جهة الخلف عنك ظاهر وما فى جهة الامام قد يكون متواريا عنك غير مشاهد ومعاين لك فيشبه جهة الخلف فى ذلك فيستعار له اسم الورآء {يوما ثقيلا} لا يعبأون به ويوما مفعول يذرون وثقيلا صفته ووصفه بالثقل مع انه من صفات الاعيان الجسميه لا الامتدادات الوهمية لتشبيه شدته وهوله لثقل الحمل الثقيل ففيه استعارة تخييلية وفىالآية وعيد لاهل الدنيا ونعيمها خصوصا لاهل الظلم والرشوة.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ} المشركين او المنافقين الممتنعين من ولاية علىٍّ (ع) {يُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ} ولذلك لا يأتمرون بأمر الله ولا بأمر نبيّه (ص) ولا ينقادون لنبيّه (ص) ولا وصيّه {وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً} يعنى امامهم لكنّه تعالى عبّر بورائهم للاشعار بانّهم منكوسون مقبلون على الدّنيا الّتى هى مدبرة عنهم ومدبرون عن الآخرة الّتى هى مقبلة عليهم، والمراد بثقله ثقل حسابه وثقل شدائده وثقل حسّابه.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ هَؤُلاَءِ يُحِبُّونَ} يريد بهم كفار مكة. *{الْعَاجِلَةَ} الدنيا وحبها رأس كل خطيئة ومن زهد فيها أحبه الله ومن زهد فيما عند الناس يحبه الناس ويبعث على الزهد فيها كونها فانية شاغلة عن التفكير في امر الله وكونها تنقص درجات محبها وكون تركها قربة من الله وعلو مرتبة عند الله وكونها مطلية للحساب يوم القيامة والوقوف والسؤال عن الشكر، وكون تركها سببا لرضى الله وهو أكبر ومن سمي باسم الزهد فقد سمي بالف اسم ممدوح وهذا مع ما للزاهد من راحة القلب والبدن في الدنيا والآخرة فالزهاد هم الملوك في الحقيقة وهم العقلاء لايثارهم الباقي على الفاني. وعقلهم عن الله أمره ونهيه قال الشافعي وأصحابه أن أوصى رجل بثلث ماله لا عقل الناس صرف للزهاد *{وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً} يطرحونه خلفهم ويعرضون عنه ولا يستعدون له أو وراءهم بمعنى أمامهم فإنه مستقيل *{ثَقِيلاً} عسيرا استعار الثقل لعسر اليوم وشدته وهذا الثقل كالتعليل لما أمر به ونهى عنه.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ هَؤُلاء} الكفرة. {يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ} لأَنهم يفعلون فيها كل ما يشتهون إِلا ما لم يقدروا عليه ولا يزجرهم نقل ولا عقل. {وَيَذَرُونَ} يتركون، {وَرَاءهم} خلفهم {يَوْماً ثَقِيلاً} يوم القيامة وثقله استعارة لشدته لجامع عدم القدرة فإِنها عدمت فى الثقيل الذى اشتد أو لا يطاق وفى هول يوم القيامة وسمى وراء مع أن آت مستقبل لإِعراضهم عنه وقيل وراءهم أمامهم ووراء متعلق بيذرون أو بمحذوف حال من يوماً، والجملة الاسمية قيل تعليل للنهى عن إِطاعة الآثم والكفور ويذرون وراءهم يوماً ثقيلا تعليل للأَمر بالعبادة أو لا تطعهم لأَنهم يحبون العاجلة.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ هَـؤُلآء } الكفرة {يُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ } وينهمكون في لذاتها الفانية {وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ } أي أمامهم {يَوْماً ثَقِيلاً } هو يوم القيامة وكونه أمامهم ظاهر أو يذرون وراء ظهورهم يوماً ثقيلاً لا يعبؤن به، فالظرف قيل على الأول حال من {يَوْماً} وعلى هذا ظرف {وَيَذَرُونَ} ولو جعل على وتيرة واحدة في التعلق صح أيضاً. ووصف اليوم بالثقيل لتشبيه شدته وهوله بثقل شيء قادح باهظ لحامله بطريق الاستعارة، والجملة كالتعليل لما أمر به ونهى عنه كأنه قيل لا تطعهم واشتغل بالأهم من العبادة لأن هؤلاء تركوا الآخرة للدنيا فاترك أنت الدنيا وأهلها للآخرة. وقيل إن هذا يفيد ترهيب محل العاجل وترغيب محل الآجل والأول علة للنهي عن إطاعة الآثم والكفور والثاني علة للأمر بالعبادة.
ابن عاشور
تفسير : تعليل للنهي عن إطاعتهم في قوله: { أية : ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً}تفسير : [الإنسان: 24]، أي لأن خلقهم الانصباب على الدنيا مع الإِعراض عن الآخرة إذ هم لا يؤمنون بالبعث فلو أعطاهم لتخلق بخلقهم قال تعالى: {أية : ودّوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء} تفسير : الآية [النساء: 89]. فموقع {إنّ} موقع التعليل وهي بمنزلة فاء السببية كما نبه عليه الشيخ عبد القاهر. و {هؤلاء} إشارة إلى حاضرين في ذهن المخاطب لكثرة الحديث عنهم، وقد استقريْتُ من القرآن أنه إذا أطلق {هؤلاء} دون سبْقِ ما يكون مشاراً إليه فالمقصود به المشركون، وقد ذكرتُ ذلك في تفسير قوله تعالى: { أية : فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكَّلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين }تفسير : في سورة الأنعام (89) وقوله تعالى: {أية : فلا تكُ في مرية مما يعبد هؤلاء} تفسير : في سورة هود (109). وقد تنزه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن محبة الدنيا فقال: "حديث : ما لي وللدنيا"تفسير : فليس له محبة لأمورها عدا النساء والطيب كما قال: "حديث : حُبِّب إليّ مِن دنياكم النساء والطيب"تفسير : . فأما النساء فالميل إليهن مركوز في طبع الذكور، وما بالطبع لا يتخلف، وفي الأنس بهن انتعاش للروح فتناوله محمود إذا وقع على الوجه المبَرَّأ من الإِيقاع في فساد ومَا هو الأمثل تناول الطعام وشرب الماء قال تعالى: {أية : ولقد أرسلنا رُسُلاً مِن قبلك وجعلْنا لهم أزواجاً وذُرِّية}تفسير : [الرعد: 38]. وأما الطيب فلأنه مناسب للتزكية النفسية. وصيغة المضارع في {يحبّون} تدل على تكرر ذلك، أي أن ذلك دأبهم وديدنهم لا يشاركون مع حب العاجلة حب الآخرة. و {العاجلة}: صفة لموصوف محذوف معلوم من المقام تقديره: الحياة العاجلة، أو الدار العاجلة. والمراد بها مدة الحياة الدنيا. وكثر في القرآن إطلاق العاجلة على الدنيا كقوله: {أية : كلا بل تُحِبُّون العاجلة وتَذرُون الآخرة}تفسير : [القيامة: 20، 21] فشاع بين المسلمين تسمية الدنيا بالعاجلة. ومتعلّق {يحبّون} مضافٌ محذوف، تقديره: نعيمَ أو منافعَ لأن الحب لا يتعلق بذات الدنيا. وفي إيثار ذكر الدنيا بوصف العاجلة توطئة للمقصود من الذم لأن وصف العاجلة يؤذن بأنهم آثروها لأنها عاجلة. وفي ذلك تعريض بتحميقهم إذ رضُوا بالدون لأنه عاجل وليس ذلك من شيم أهل التبصر، فقوله: {ويذرون ورآءهم يوماً ثقيلاً} واقع موقع التكميل لمناط ذمهم وتحميقهم لأنهم لوْ أحبُّوا الدنيا مع الاستعداد للآخرة لما كانوا مذمومين قال تعالى حكاية لقول الناصحين لقارون: {أية : وابتغ فيما ءاتاك الله الدار الآخرة ولا تنسَ نصيبك من الدنيا}تفسير : [القصص: 77]. وهذا نظير قوله تعالى: {أية : يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون}تفسير : [الروم: 7] إذ كان مناط الذم فيه هو أن قصروا أنفسهم على علم أمور الدنيا مع الإِعراض عن العلم بالآخرة. ومُثلوا بحال من يترك شيئاً وراءه فهو لا يسعى إليه وإنما يسعى إلى ما بين يديه. وإنما أعرضوا عنه لأنهم لا يؤمنون بحلوله فكيف يسعون إليه. وصيغة المضارع في {يذرون} تقتضي أنهم مستمرون على ذلك وأن ذلك متجدد فيهم ومتكرر لا يتخلفون عن ذلك الترك لأنهم لا يؤمنون بحلول ذلك اليوم، فالمسلمون لا يذرون وراءهم هذا اليوم لأنهم لا يَخلُون من عمل له على تفاوت بينهم في التقوى. واليومُ الثقيل: هو يوم القيامة، وُصف بالثقيل على وجه الاستعارة لشدة ما يحصل فيه من المتاعب والكروب فهو كالشيء الثقيل الذي لا يستطاع حمله. والثقل: يستعار للشدة والعسر قال تعالى: {أية : ثقُلت في السماوات والأرض}تفسير : [الأعراف: 187] وقال: {أية : إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً}تفسير : [المزمل: 5].
د. أسعد حومد
تفسير : (27) - إِنَّ هَؤُلاَءِ المُشْرِكِينَ يُحِبُّونَ الدُّنْيَا العَاجِلَةَ، وَتُعْجِبُهُمْ زِينَتُهَا وَفِتْنَتُهَا وَلَذَّاتُهَا، وَيَتْرُكُونَ وَرَاءِ ظُهُورِهِم العَمَلَ لِليَوْمِ الآخِرِ، وَهُوَ يَوْمٌ ثَقِيلٌ عَلَى الكَافِرِينَ. يَوْماً ثَقِيلاً - هُوَ يَوْمُ القِيَامَةِ الشَّدِيدُ الأَهْوَالِ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ يُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ} [الإنسان: 27]؛ يعني: القوى الآثمة والكافرة يحبون الشهوات الدنيوية القريبة إليهم {وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً} [الإنسان: 27]؛ يعني: يوم الجزاء والحساب ليثقل عليهم لتركهم العمل لأجله {نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ} [الإنسان: 28]؛ يعني: خلقنا القوى وقوينا أصولها كفروا بنعمتنا {وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً} [الإنسان: 28]؛ يعني: إذا شئنا أهلكنا القوى الآثمة والكافرة بالتحليل وبدلنا قوى أمثالهم أحسن وأقوى منهم {إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ} [الإنسان: 29]؛ يعني: إن هذه السورة موعظة وذكرى لمن يريد سلوك سبيل الهدى {فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً} [الإنسان: 29]؛ أي: وسيلة بهذه الموعظة إلى طاعة الحق وترك طاعة الآثم والكفور ثم يذكر بعد التأديب بالترهيب والترغيب أمر التوحيد لئلا يغفل السالك عن حقيقة سر الوحدة ويقول {وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} [الإنسان: 30] أي: ليس المشيئة إلا مشيئة الله ومشيئتكم مربوطة بمشيئة {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً} [الإنسان: 30] بأحوال مظاهر لطفه وقهره {حَكِيماً} [الإنسان: 30] فيما أودع في كل مظهر من الاستعداد والقوى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعد عمله بالاستعدادات {يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ} [الإنسان: 31] ممن كان مظهر اللطف {وَٱلظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} [الإنسان: 31]؛ لأنهم كانوا مظاهر لطيفة قهره يفعل ما شاء ويحكم ما يريد {أية : لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ}تفسير : [الأنبياء: 23] بحكمه وحكمته وإرادته وقدرته. اللهم اجعلنا مظاهر لطفك بحق محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليماً كثيراً وهذه سورة مختصة بسيد الأولياء أمر المؤمنين علي رضي الله عنه فينبغي للسالكين سبيله أن يقتدوا بسنته ويفهموا ما في سورته ليكونوا من شيعته.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):