٧٦ - ٱلْإِنْسَان
76 - Al-Insan (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
28
Tafseer
الرازي
تفسير : والمراد أن حبهم للعاجلة يوجب عليهم طاعة الله من حيث الرغبة ومن حيث الرهبة، أما من حيث الرغبة فلأنه هو الذي خلقهم وأعطاهم الأعضاء السليمة التي بها يمكن الانتفاع باللذات العاجلة، وخلق جميع ما يمكن الانتفاع به، فإذا أحبوا اللذات العاجلة، وتلك اللذات لا تحصل إلا عند حصول المنتفع وحصول المنتفع به، وهذان لا يحصلان إلا بتكوين الله وإيجاده، فهذا مما يوجب عليهم الانقياد لله ولتكاليفه وترك التمرد والإعراض، وأما من حيث الرهبة فلأنه قدر على أن يميتهم، وعلى أن يسلب النعمة عنهم، وعلى أن يلقيهم في كل محنة وبلية، فلأجل من فوت هذه اللذات العاجلة يجب عليهم أن ينقادوا لله، وأن يتركوا هذا التمرد، وحاصل الكلام كأنه قيل لهم: هب أن حبكم لهذه اللذات العاجلة طريقة مستحسنة، إلا أن ذلك يوجب عليكم الإيمان بالله والإنقياد له، فلو أنكم توسلتم به إلى الكفر بالله، والإعراض عن حكمه، لكنتم قد تمردتم، وهذا ترتيب حسن في السؤال والجواب، وطريقة لطيفة: وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال أهل اللغة: الأسر الربط والتوثيق، ومنه أسر الرجل إذا وثق بالقد وفرس مأسور الخلق وفرس مأسور بالعقب، والمعنى شددنا توصيل أعضائهم بعضاً ببعض وتوثيق مفاصلهم بالأعصاب. المسألة الثانية: {وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَـٰلَهُمْ } أي إذا شئنا أهلكناهم وآتينا بأشباههم فجعلناهم بدلاً منهم، وهو كقوله: {أية : عَلَىٰ أَن نُّبَدّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ } تفسير : [الواقعة:61] والغرض منه بيان الاستغناء التام عنهم كأنه قيل: لا حاجة بنا إلى أحد من المخلوقين ألبتة، وبتقدير أن تثبت الحاجة فلا حاجة إلى هؤلاء الأقوام، فإنا قادرون على إفنائهم، وعلى إيجاد أمثالهم، ونظيره قوله تعالى: {أية : إِن يَشأ * يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِـآخَرِينَ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذٰلِكَ قَدِيراً } تفسير : [النساء: 133] وقال: {أية : إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ } تفسير : [إبراهيم: 19، 20] ثم قيل: {بدلنا أمثالهم} أي في الخلقة، وإن كانوا أضدادهم في العمل، وقيل: أمثالهم في الكفر. المسألة الثالثة: قال صاحب الكشاف في قوله: {وَإِذَا شِئْنَا } إن حقه أن يجيء بأن لا بإذا كقوله: {أية : وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ } تفسير : [محمد: 38] {أية : إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ } تفسير : [النساء: 133] واعلم أن هذا الكلام كأنه طعن في لفظ القرآن، وهو ضعيف لأن كل واحد من إن وإذا حرف الشرط، إلا أن حرف إن لا يستعمل فيما يكون معلوم الوقوع، فلا يقال: إن طلعت الشمس أكرمتك، أما حرف إذا فإنه يستعمل فيما كان معلوم الوقوع، تقول: آتيك إذا طلعت الشمس، فههنا لما كان الله تعالى عالماً بأنه سيجيء وقت يبدل الله فيه أولئك الكفرة بأمثالهم في الخلقة وأضدادهم في الطاعة، لا جرم حسن استعمال حرف إذا.
البيضاوي
تفسير : {نَّحْنُ خَلَقْنَـٰهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ } وأحكمنا ربط مفاصلهم بالأعصاب. {وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَـٰلَهُمْ تَبْدِيلاً } وإذا شئنا أهلكناهم و {بَدَّلْنَا أَمْثَـٰلَهُمْ تَبْدِيلاً } في الخلقة، وشدة الأسر يعني النشأة الثانية ولذلك جيء بـ {إِذَا } أو بدلنا غيرهم ممن يطيع {وَإِذَا } لتحقق القدرة وقوة الداعية. {إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ } الإِشارة إلى السورة أو الآيات القريبة، {فَمَن شَاءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبّهِ سَبِيلاً } تقرب إليه بالطاعة. {وَمَا تَشَاءونَ إِلاَّ أَن يَشَاءَ ٱللَّهُ } وما تشاءون ذلك إلا وقت أن يشاء الله مشيئتكم، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر «يَشَاءونَ » بالياء. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً } بما يستأهل كل أحد. {حَكِيماً } لا يشاء إلا ما تقتضيه حكمته. {يُدْخِلُ مَن يَشَاء فِى رَحْمَتِهِ } بالهداية والتوفيق للطاعة. {وَٱلظَّـٰلِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } نصب {ٱلْظَّـٰلِمِينَ } بفعل يفسره {أَعَدَّ لَهُمْ } مثل أوعد وكافأ ليطابق الجملة المعطوف عليها، وقرىء بالرفع على الابتداء. عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من قرأ سورة هل أتى كان جزاؤه على الله جنة وحريراً».
المحلي و السيوطي
تفسير : {نَّحْنُ خَلَقْنَٰهُمْ وَشَدَدْنَا } قوّينا {أَسْرَهُمْ } أعضاءهم ومفاصلهم {وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا } جعلنا {أَمْثَٰلَهُمْ } في الخلقة بدلاً منهم بأن نهلكهم {تَبْدِيلاً } تأكيد ووقعت إذا موقع إن، نحو { أية : إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ } تفسير : [19:14] لأنه تعالى لم يشأ ذلك وإذاً لم يقع.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَسْرَهُمْ} مفاصلهم أو خلقهم "ع" أو قوتهم.
البقاعي
تفسير : ولما كان تركهم لليوم الثقيل على وجه التكذيب الذي هو أقبح الترك، وكان تكذيبهم لاعتقادهم عدم القدرة عليه قال دالاً على الإعادة بالابتداء من باب الأولى: {نحن خلقناهم}، بما لنا من العظمة لا غيرنا {وشددنا أسرهم} أي قوينا وأتقنا ربط مفاصلهم الظاهرة والباطنة بالأعصاب على وجه الإحكام بعد كونهم نطفة أمشاجاً في غاية الضعف، وأصل الأسر، القد يشد به الأقتاب أو الربط والتوثيق، ولا شك أن من قدر على إنشاء شخص من نطفة قادر على أن يعيده كما كان لأن جسده الذي أنشأه إن كان محفوظاً فالأمر فيه واضح، وإن كان قد صار تراباً فإبداعه منه مثل إبداعه من النطفة، وأكثر ما فيه أن يكون كأبيه آدم عليه السلام بل هو أولى فإنه ترابه له أصل في الحياة بما كان حياً، وتراب آدم عليه السلام لم يكن له أصل قط في الحياة والإعادة أهون في مجاري عادات الخلق من الابتداء، ولذلك قال معبراً بأداة التحقق: {وإذا شئنا} أي بما لنا من العظمة أن نبدل ما نشاء من صفاتهم أو ذواتهم {بدلنا أمثالهم} أي بعد الموت في الخلقة وشدة الأسر {تبديلاً *} أو المعنى: جئنا بأمثالهم بدلاً منهم وخلائف لهم، أو يكون المراد - وهو أقعد - بالمثل الشخص أي بدلنا أشخاصهم لتصير بعد القوة إلى ضعف وبعد الطول إلى قصر وبعد البياض إلى سواد وغير ذلك من الصفات كما شوهد في بعض الأوقات في المسخ وغيره، وكل ذلك دال على تمام قدرتنا وشمول علمنا. ولما كان هذا دليلاً عظيماً على القدرة على البعث مخزياً لهم، قال مؤكداً لإنكارهم عناداً: {إن هذه} أي الفعلة البدائية، أو المواعظ التي ذكرناها في هذه السورة وفي جميع القرآن {تذكرة} أي موضع ذكر عظيم للقدرة على البعث وتذكر عظيم لما فعلت في الإنشاء أولاً، وموعظة عظيمة فإن في تصفحها تنبيهات عظيمة للغافلين، وفي تدبرها وتذكرها فوائد جمة للطالبين السالكين ممن ألقى سمعه وأحضر نفسه، وكانت نفسه مقبلة على ما ألقى إليه سمعه، فمن أقبل هذا الإقبال علم أنا آتيناه من الآلات والدلائل ما إن سلك معه مجتهداً وصل دون ضلال ولذلك سبب عن كونها تذكرة قوله من خطاب البسط: {فمن شاء} أي أن يجتهد في وصوله إلى الله سبحانه وتعالى {اتخذ} أي أخذ بجهده من مجاهدة نفسه ومغالبة هواه {إلى ربه} أي المحسن إليه الذي ينبغي له أن يحبه بجميع قلبه ويجتهد في القرب منه {سبيلاً *} أي طريقاً واسعاً واضحاً سهلاً بأفعال الطاعة التي أمر بها لأنا بينا الأمور غاية البيان وكشفنا اللبس وأزلنا جميع موانع أنفسهم عمن شئنا وركزنا ذلك في الطباع، ولم يبق مانع من استطراق أصلاً غير مشيئتنا، والفطرة الأولى أعدل شاهد بهذا. ولما أثبت لهم المشيئة التي هي مناط التكليف، وهي الكسب، وكان ربما ظن ظان أو ادعى مدع في خلق الأفعال كما قال أهل الاعتزال، قال نافياً عنهم الاستقلال، لافتاً القول إلى خطابهم، وهو مع كونه خطاب قبض استعطافاً بهم إلى التذكر في قراءة الجماعة وبالغيب على الأسلوب الماضي في قراءة ابن كثير وابن عامر: {وما تشاءون} أي في وقت من الأوقات مشيئة من المشيئات لهذا وغيره على سبيل الاختراع والاستقلال {إلا} وقت {أن يشاء الله} أي الملك الأعلى الذي له الأمر كله، ولا أمر لأحد معه، فيوجد المعاني في أنفسكم على حسب ما يريد ويقدر على ما يشاء من آثارها، وقد صح بهذا ما قال الأشعرية وسائر أهل السنة من أن للعبد مشيئة تسمى كسباً لا تؤثر إلا بمشيئة الله تعالى وتحريكها لقدرة العبد، وانتفى مذهب القدرية الذين يقولون: إنا نحن نخلق أفعالنا، ومذهب الجبرية القائلين: لا فعل لنا أصلا، ومثَّل الملوي ذلك بمن يريد قطع بطيخة فحدد سكيناً وهيأها وأوجد فيها أسباب القطع وأزال عنها موانعه ثم وضعها على البطيخة فهي لا تقطع دون أن يتحامل عليها التحامل المعروف لذلك، ولو وضع عليها ما لم يصلح للقطع كحطبة مثلاً لم تقطع ولو تحامل، فالعبد كالسكين خلقه الله وهيأه بما أعطاه من القدرة للفعل، فمن قال: أنا أخلق فعلي مستقلاً به، فهو كمن قال: السكين تقطع بمجرد وضعها من غير تحامل، ومن قال: الفاعل هو الله، من غير نظر إلى العبد أصلاً كان كمن قال: هو يقطع البطيخة بتحامل يده أو قصبة ملساء من غير سكين، والذي يقول: إنه باشر بقدرته المهيأة للفعل بخلق الله لها وتحريكها في ذلك الفعل كان كمن قال: إن السكين قطعت بالتحامل عليها، بهذا أجرى سبحانه عادته في الناس، ولو شاء غير ذلك فعل، ولا يخفى أن هذا هو الحق الذي لا مرية فيه، ثم علل ذلك بإحاطته بمشيئتهم قائلاً: {إن الله} أي المحيط علماً وقدرة {كان} أي أزلاً وأبداً {عليماً حكيماً *} أي بالغ العلم والحكمة، فهو يمنع منعاً محكماً من أن يشاء غيره ما لم يأذن فيه، فمن علم في جبلته خيراً أعانه عليه، ومن علم منه الشر ساقه إليه وحمله عليه، وهو معنى {يدخل من يشاء} أي من علمه أهلاً للسعادة، ليس بظالم {في رحمته} بحكمته فييسر له اتخاذ السبيل الموصل إليه بأن يوفقه للعدل، ويعد له ثواباً جسيماً. ولما بشر أهل العدل بالفعل المضارع المؤذن بالاستمرار، ولم يجعله ماضياً لئلا يتعنت متعنت ممن هو متلبس بالضلال فيقول: أنا لا أصلح لأنه ما أدخلني، عطف عليه ما لأضدادهم في جملة فعلية بناها على الماضي إعلاماً بأن عذابهم موجود قد فرغ منه فقال: {والظالمين} أي وأهان العريقين في وصف المشي على غير سنن مرضى كالماشي في الظلام فهو يدخلهم في نقمته وقد {أعد لهم} أي إعداداً أمضاه بعظمته، فلا يزاد فيه ولا ينقص أبداً {عذاباً أليماً *} فالآية من الاحتباك: ذكر الإدخال والرحمة أولاً دلالة على الضد ثانياً، والعذاب ثانياً دلالة على الثواب أولاً، وسر ذلك أن ما ذكره أولى بترغيب أهل العدل فيه وإن ساءت حالهم في الدنيا، وبترهيب أهل الظلم منه وإن حسنت حالهم في الدنيا، فقد رجع هذا الآخر المفصل إلى السعادة والشقاوة على أولها المؤذن بأن الإنسان معتنى به غاية الاعتناء، وأنه ما خلق إلا للابتلاء، فهو إما كافر مغضوب عليه، وإما شاكر منظور بعين الرضى إليه - فسبحان من خلقنا ويميتنا ويحيينا بقدرته والله الهادي.
اسماعيل حقي
تفسير : {نحن} لا غيرنا {خلقناهم} من نطفة {وشددنا اسرهم} اى احكمنا ربط مفاصلهم بالاعصاب ليتمكنوا بذلك من القيام والقعود والاخذ والدفع والحركة وحق الخالق المنعم أن يشكر ولا يكفر ففيه ترغيب والاسر الربط ومنه اسر الرجل اذا أوثق بالقيد وقدر المضاف وهو المفاصل (وفى كشف الاسرار) وآفرينش انسان سخت بستيم تا آفرينش واندامان برجاى بود. فمعناه شددنا خلقهم وقال الراغب اشارة الى الحكمة فى تركيب الانسان المأمور بتدبرها وتأملها فى قوله وفى أنفسكم أفلا تبصرون وقيل وشددنا مخرج البول والغائط اذا خرج الأذى انقبض او معناه انه لا يسترخى قبل الارادة {واذا شئنا} تبديلهم {بدلنا امثالهم} اى بدلناهم بأمثالهم بعد اهلاكهم والتبديل يتعدى الى مفعولين غالبا كقوله تعالى يبدل الله سيئاتهم حسنات يعنى يذهب بها ويأتى بدلّها بحسنات {تبديلا} بديعا لا ريب فيه وهو البعث كما ينبغى ولا ينافيها الغيرية بحسب العوارض كاللطافة والكثافة وبالفارسية وجون خواستيم بدل كنيم ايشانرا بامثال ايشان در خلقت يعنى ايشانرا بمرانيم ودر نشأت ثانيه بمانند همين صورت وهيأت وز آريم. او المعنى واذا شئنا بدلنا غيرهم ممن يطيع كقوله تعالى يستبدل قوما غيركم ففيه ترهيب فالمثلية باعتبار الصورة ولا ينافيها الغيرية باعتبار العمل والطاعة واذا للدلالة على تحقق القدرة وقوة الداعية والا فالمناسب كلمة ان اذلا تحقق لهذا التبديل قال القاشانى نحن خلقناهم بتعيين استعداداتهم وقويناهم بالميثاق الازلى والاتصال الحقيقى واذا شئنا بدلنا امثالهم تبديلا بأن نسلب افعالهم بافعالنا ونمحو صفاتهم بصفاتنا ونفنى ذواتهم بذاتنا فيكونوا ابدالا.
الجنابذي
تفسير : {نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ} اى خلقهم او مفاصلهم بالاعصاب والاوتار او الياف المعدة والمثانة حتّى صارتا باختيار صاحبهما {وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَالَهُمْ} باذهابهم وجعل اولادهم اخلافهم، أتى باذا لتحقّق وقوعه {تَبْدِيلاً إِنَّ هَـٰذِهِ} اى ولاية علىٍّ (ع)، او قرآن ولايته، او هذه السّورة الّتى فيها ذكر الولاية {تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً وَمَا تَشَآءُونَ} لمّا اوهم قوله تعالى فمن شاء استقلالهم بالمشيّة رفع ذلك فقال وما تشاؤن {إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ}. اعلم، انّه لا يكون شيءٌ من المكوّنات ومن افعال العباد واخلاقهم واراداتهم ومشيّاتهم الاّ بمبادٍ سبعةٍ، بمشيّة من الله، وارادةٍ منه، وقدرٍ منه سبحانه وقضاءٍ واذنٍ واجلٍ وكتابٍ وانّ المشيّة هى اضافته الاشراقيّة الّتى هى فعله وكلمته، وانّ كلّ شيءٍ من المبدعات والمنشئات والمخترعات والمكوّنات قوام وجوده مشيّة الله، وانّ مشيّة الله غير محبّته ورضاه، وانّ الرّضا والسّخط بمنزلة صورة للمشيّة، والمشيّة كالمادّة وانّ مشيّة العباد هى مشيّة الله بضميمة خصوصيّة الاضافة الى العباد فمعنى ما تشاؤن الاّ ان يشاء الله الاّ فى حال ان يشاء الله، او بسبب ان يشاء الله، او لان يشاء الله، وامّا جعل ان يشاء الله مفعولاً لتشاؤن فبعيد بحسب الظّاهر وان كان له معنى صحيح بحسب دقيق النّظر، لانّ كلّ ما يشاؤه العباد فهو متقوّم بمشيّة الله بل هو عين مشيّة الله الّتى صارت بحسب الاضافة محدودة بحدود الممكنات، وقد مضى بيانٌ وافٍ لكون مشيّة الله وارادته عين مشيّة العباد واراداتهم من غير لزوم جبرٍ وتسخيرٍ عند قوله تعالى: ولكنّ الله يفعل ما يريد، من سورة البقرة {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً} فبعلمه بدقائق الصّنع ومصالح المصنوع جعل مشيّته عين مشيّة العباد {حَكِيماً} بحيث لطف فى هذا الصّنع لطفاً لا يدركه احدٌ بل يتوهّمون ضدّه ويقولون: انّ الله فوّض امور العباد وافعالهم اليهم.
الهواري
تفسير : قال: {نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ} أي: قوتهم، يعني شدة الخلق. وقال مجاهد: {أَسْرَهُمْ} أي: خلقهم، وبعضهم يقول: قوتهم، وبعضهم يقول: مفاصلهم وهذا كله قريب بعضه من بعض. قال: {وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً} [أي: أهلكناهم بالعذب وبدلنا أمثالهم] آدميين خيراً منهم. قال تعالى: {إِنَّ هَذِهِ} أي إن هذه السورة {تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً} أي: بطاعته. {وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللهُ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} أي: عليماً بخلقه، حكيماً في أمره. {يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ} أي: في دينه الإِسلام {وَالظَّالِمِينَ} أي: المشركين والمنافقين {أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيمَاً} أي: موجعاً شديداً، يعني بذلك النار.
اطفيش
تفسير : {نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا} أحكمنا *{أَسْرَهُمْ} ربط مفاصلهم بالاعصاب اسرت الشيء شددته وكل مشدوج مأسور وفسر مجاهد أسرهم بخلقهم وهو قريب من ذلك وقيل مخرج البول والغائط لانه إذا أخرج الأذى انقبض فانقباضه هو فرشد الله له *{وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً} أهلكناهم واتينا بمثلهم في الخلقة وشدة الاسر مطلقا أو نهلكهم فنحي بمن يطيع أو المراد النشأة الثانية وجييء باذا لاستقبال النشأة وتحققها بعد وعلى الاول والثاني جيء باذا لتحقق القدرة وللاشعار بوقوع التبديل ولا محالة.
اطفيش
تفسير : {نَّحْنُ} وحدنا، {خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا} أحكمنا إِحكاماً حسناً، {أسْرَهُمْ} ربط مفاصلهم بالعروق والأَعصاب الشبيهة بالحبال المربوط بها والأَسر الربط أطلق على ما يربط به، {وَإِذا شِئْنَا} إِحياءهم بعد الموت. {بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً} أنشأْناهم مثل ما كانوا أولاً وهذا هو الظاهر، والمراد نفس أجسادهم لا بدلها وأخطأَ من قال بدلها لقوله تعالى {أية : قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأَها أول مرة} تفسير : [يس: 78 - 79] وقيل إِذا شئنَا بدلناهم فى الدنيا بمن يطيع بعد إِهلاكهم وفيه أن هذا لم يتحقق وقوعه فإِنما يعبر عنه بأَن لا بإِذا الموضوعة للتحقيق اللهم إِلا أن يقال هددهم بصورة ما يقع مع أنه لا يقع للقدرة عليه ولا يعترض بقوله تعالى: وإِن تتولوا ... الخ... لأَن النكات لا تتزاحم ولا تطرد.
الالوسي
تفسير : {نَّحْنُ خَلَقْنَـٰهُمْ } لا غيرنا {وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ } أي أحكمنا ربط مفاصلهم بالأعصاب والعروق. والأسر في الأصل الشد والربط وأطلق على ما يشد به ويربط كما هنا وإرادة الأعصاب والعروق لشبهها بالحبال المربوط بها ووجه الشبه ظاهر ومن هنا قد يقول العارف من كان أسره من ذاته وسجنه دنياه في حياته فليشك مدة عمره وليتأسف على وجوده بأسره والمراد شدة الخلق وكونه موثقاً / حسناً ومنه فرس مأسور الخلق إذا كان موثقه حسناً. وعن مجاهد الأسر الشرج وفسر بمجرى الفضلة وشد ذلك جعله بحيث إذا خرج الأذى انقبض ولا يخفى أن هذا داخل في شدة الخلق وكونه موثقاً حسناً. {وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَـٰلَهُمْ } أي أهلكناهم وبدلنا أمثالهم في شدة الخلق {تَبْدِيلاً } بديعاً لا ريب فيه يعني البعث والنشأة الأخرى فالتبديل في الصفات لأن المعاد هو المبتدأ ولكون الأمر محققاً كائناً جيء بإذا وذكر المشيئة لإبهام وقته ومثله شائع كما يقول العظيم لمن يسأله الأنعام إذا شئت أحسن إليه ويجوز أن يكون المعنى وإذا شئنا أهلكناهم وبدلنا غيرهم ممن يطيع فالتبديل في الذوات و(إذا) لتحقق قدرته تعالى عليه وتحقق ما يقتضيه من كفرهم المقتضي لاستئصالهم فجعل ذلك المقدور المهدد به كالمحقق وعبر عنه بما يعبر به عنه ولعله الذي أراده الزمخشري بما نقل عنه من قوله إنما جاز ذلك لأنه وعيد جيء به على سبيل المبالغة كان له وقتاً معيناً ولا يعترض عليه بقوله تعالى: {أية : وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ }تفسير : [محمد: 38] لأن النكات لا يلزم اطرادها فافهم والوجه الأول أوفق بسياق النظم الجليل.
ابن عاشور
تفسير : لما كان الإِخبار عنهم بأنهم {أية : يذرون ورآءهم يوماً ثقيلاً}تفسير : [الإنسان: 27] يتضمن أنهم ينكرون وقوع ذلك اليوم كما قدمناه وكان الباعث لهم على إنكاره شبهةُ استحالة إعادة الأجسادِ بعد بِلاها وفنائها، وكان الكلام السابق مسوقاً مساق الذم لهم والإِنكار عليهم جيء هنا بما هو دليل للإِنكار عليهم وإبطال لشبهتهم ببيان إمكان إعادة خلقهم يُعيده الذي خلقهم أول مرّة كما قال تعالى: {أية : فسيقولون من يُعيدنا قُلِ الذي فطركم أول مرة}تفسير : [الإسراء: 51] وغيرِ ذلك من الآيات الحائمة حول هذا المعنى. وافتتاح الجملة بالمبتدإ المخبر عنه بالخبر الفِعلي دون أن تفتتح بـ {خلقناهم} أو نحن خالقون، لإِفادة تقوّي الخبر وتحقيقه بالنظر إلى المعنِيِّينَ بهذا الكلام وإن لم يكن خطاباً لهم ولكنهم هم المقصود منه. وتقويةُ الحكم بناءٌ على تنزيل أولئك المخلوقين منزلة من يشك في أن الله خلقهم حيث لم يجْرُؤوا على موجِب العلم فأنكروا أن الله يعيد الخلق بعد البِلَى، فكأنهم يسندون الخلق الأول لغيره. وتقوِّي الحكم يترتب عليه أنه إذا شاء بدَّل أمثالهم بإعادة أجسادهم فلذلك لم يُحتج إلى تأكيد جملة: {وإذا شئنا بدّلنا أمثالهم}، استغناء بتولد معناها عن معنى التي قبلها وإن كان هو أولى بالتقوية على مقتضى الظاهر. وهذا التقوّي هنا مشعر بأن كلاماً يعقبه هو مصب التقوِّي، ونظيره في التقوِّي والتفريع قوله تعالى: {نحن خلقناكم فلولا تصدقون أفرأيتم ما تُمْنُون} إلى قوله: {وما نحن بمسبوقين على أن نبدِّل أمثالكم} فإن المفرع هو {أفرأيتم ما تمنون} وما اتصل به. وجملة{أية : فلولا تُصَدِّقون}تفسير : معترضة وقد مضى في سورة الواقعة (57 - 61). فأمثالهم: هي الأجساد الثانية إذ هي أمثال لأجسادهم الموجودةِ حين التنزيل. والشدّ: الإِحكام وإتقان ارتباط أجزاء الجسد بعضها ببعض بواسطة العظام والأعصاب والعروق إذ بذلك يستقلّ الجسم. والأسر: الربط، وأطلق هنا على الإِحكام والإِتقان على وجه الاستعارة. والمعنى: أحْكمنا ربط أجزاء أجسامهم فكانت مشدوداً بعضها إلى بعض. وقوله: {وإذا شئنا بَدَّلْنا أمثالهم} إخبار بأن الله قادر على أن يُبدلهم بناس آخرين. فحذف مفعول {شئنا} لدلالة جواب {إذَا} عليه كما هو الشأن في فعل المشيئة غالباً. واجتلاب {إذا} في هذا التعليق لأن شأن {إذا} أن تفيد اليقين بوقوع ما قُيد بها بخلاف حرف (إنْ) فهو إيماء إلى أن حصول هذه المشيئة مستقرب الوقوع. فيجوز أن يَكون هذا بمنزلة النتيجة لقوله: {نحن خلقناهم} الخ، ويُحمل الشرط على التحقق قال تعالى: {أية : وإن الدين لَوَاقع}تفسير : [الذاريات: 6]. ويجوز أن يكون قوله: {وإذا شئنا بدلنا أمثالهم} تهديداً لهم على إعراضهم وجحودهم للبعث، أي لو شئنا لأهلكناهم وخلقنا خلقاً آخر مثلهم كقوله تعالى: {أية : إنْ يشأ يُذْهِبْكُم ويَأتِ بخَلْق جديد}تفسير : [إبراهيم: 19]. ويكون {إذا} مراداً به تحقق التلازم بين شرط {إذا} وجوابها، أي الجملةِ المضافِ إليها، والجملةِ المتعلَّق بها. وفعل التبديل يقتضي مبدَّلاً ومبدَّلاً به وأيُّهما اعتبرتَه في موضع الآخر صح لأن كل مُبَدَّل بشيء هو أيضاً مُبدَّلٌ به ذلك الشيءُ، ولا سيما إذا لم يكن في المقام غرض ببيان المرغوب في اقتِنَائه والمسموح ببذله من الشيئين المستبدَلين، فحُذف من الكلام هنا متعلِّق {بدَّلنا} وهو المجرور بالباء لأنه أولى بالحذف، وأُبقي المفعول. وقد تقدم نظيره في سورة الواقعة (61) في قوله: {أية : على أنْ نُبَدل أمثالكم} تفسير : ، ومنه قوله تعالى: {أية : إِنا لقادرون على أن نبدّلَ خيراً منهم}تفسير : في سورة المعارج (40، 41) فالتقدير: بَدَّلْنا منهم. والأمثال: جمع مِثْل وهو المماثل في ذاتٍ أو صفة، فيجوز أن يراد أمثالهم في أشكال أجسادهم وهو التبديل الذي سيكون في المعاد. ويجوز أن يراد أمثالهم في أنهم أُمم، وعلى الوجه الأول فهو يدل على أن البعث يحصل بخلق أجسام على مِثال الأجساد التي كانت في الحياة الدنيا للأرواح التي كانت فيها. وانتصب {تبديلاً} على المفعول المطلق المؤكِّد لعامله للدلالة على أنه تبديل حقيقي، وللتوصل بالتنوين إلى تعظيمه وعجوبته.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ}. الأسر: الربط بقوة مأخوذ من الأسر هو جلد البعير رطباً، وهو القد، وسمي الأسير أسيراً لشد قيده بقوة بجلد البعير الرطب، وهو هنا تقويه بشد ربط الأعضاء المتحركة في الإنسان في مفاصله بالعصب، وهو كناية عن الاتقان والقوة في الخلق. وقد بين تعالى ذلك في قوله: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}تفسير : [التين: 4]، وقوله: {أية : ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ}تفسير : [السجدة: 7].
د. أسعد حومد
تفسير : {خَلَقْنَاهُمْ} {أَمْثَالَهُمْ} (28) - وَكَيْفَ يَغْفُلُ هَؤُلاَءِ المُشْرِكُونَ عَنْ رَبِّهِمْ، وَهُوَ الذِي خَلَقَهُمْ، وَأَحْكَمَ خَلْقَهُمْ، وَشَدَّ بَعْضَهُمْ إِلَى بَعْضٍ بِأَرْبِطَةٍ وَعَضَلاَتٍ وَأَعْصَابٍ.. وَإِذَا شَاءَ اللهُ أَهْلَكَهُمْ وَاسْتَبْدَلَ غَيْرَهُمْ مِنَ الخَلْقِ بِهِمْ. شَدَدْنَا أَسْرَهُمْ - أَحْكَمْنَا خَلْقَهُمْ.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ} معناه خَلقُهُم والأَسْرُ: المَفاصِلُ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : ثم استدل عليهم وعلى بعثهم بدليل عقلي، وهو دليل الابتداء، فقال: { { نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ } أي: أوجدناهم من العدم، { وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ } أي: أحكمنا خلقتهم بالأعصاب، والعروق، والأوتار، والقوى الظاهرة والباطنة، حتى تم الجسم واستكمل، وتمكن من كل ما يريده، فالذي أوجدهم على هذه الحالة، قادر على أن يعيدهم بعد موتهم لجزائهم، والذي نقلهم في هذه الدار إلى هذه الأطوار، لا يليق به أن يتركهم سدى، لا يؤمرون، ولا ينهون، ولا يثابون، ولا يعاقبون، ولهذا قال: { بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلا } أي: أنشأناكم للبعث نشأة أخرى، وأعدناكم بأعيانكم، وهم بأنفسهم أمثالهم. { إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ } أي: يتذكر بها المؤمن، فينتفع بما فيها من التخويف والترغيب. { فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا } أي: طريقا موصلا إليه، فالله يبين الحق والهدى، ثم يخير الناس بين الاهتداء بها أو النفور عنها، مع قيام الحجة عليهم (1) ، { وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } فإن مشيئة الله نافذة، { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا } فله الحكمة في هداية المهتدي، وإضلال الضال. { يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ } فيختصه بعنايته، ويوفقه لأسباب السعادة ويهديه لطرقها. { وَالظَّالِمِينَ } الذين اختاروا الشقاء على الهدى { أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } [بظلمهم وعدوانهم]. تم تفسير سورة الإنسان - ولله الحمد والمنة.
همام الصنعاني
تفسير : 3443- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَشَدَدْنَآ (أَسْرَهُمْ)}: [الآية: 28]، قال: أي خلقهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):