٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
69
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما أمر بطاعة الله وطاعة الرسول بقوله: {أية : يـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ } تفسير : [النساء: 59] ثم زيف طريقة الذين تحاكموا إلى الطاغوت وصدوا عن الرسول، ثم أعاد الأمر بطاعة الرسول مرة أخرى فقال: {أية : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } تفسير : [النساء: 64] ثم رغب في تلك الطاعة بقوله: {أية : لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً وَإِذاً لاَتَيْنَـٰهُمْ مّن لَّدُنَّـا أَجْراً عَظِيماً وَلَهَدَيْنَـٰهُمْ صِرٰطاً مُّسْتَقِيماً } تفسير : [النساء: 66 ـ 68] أكد الأمر بطاعة الله وطاعة الرسول في هذه الآية مرة أخرى فقال: {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مّنَ ٱلنَّبِيّينَ وَٱلصّدّيقِينَ } إلى آخر الآية وههنا مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في سبب النزول وجوها: الأول: روى جمع من المفسرين أن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان شديد الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم قليل الصبر عنه، فأتاه يوما وقد تغير وجهه ونحل جسمه وعرف الحزن في وجهه، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حاله، فقال يا رسول الله ما بي وجع غير أني إذا لم أرك اشتقت اليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، فذكرت الآخرة فخفت أن لا أراك هناك، لأني إن أدخلت الجنة فأنت تكون في درجات النبيين وأنا في درجة العبيد فلا أراك، وإن أنا لم أدخل الجنة فحينئذ لا أراك أبدا، فنزلت هذه الآية. الثاني: قال السدي: إن ناسا من الانصار قالوا: يا رسول الله إنك تسكن الجنة في أعلاها، ونحن نشتاق اليك، فكيف نصنع؟ فنزلت الآية. الثالث: قال مقاتل: نزلت في رجل من الانصار قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله إذا خرجنا من عندك إلى أهالينا اشتقنا اليك، فما ينفعنا شيء حتى نرجع اليك، ثم ذكرت درجتك في الجنة، فكيف لنا برؤيتك إن دخلنا الجنة؟ فأنزل الله هذه الآية، فلما توفي النبي صلى الله عليه وسلم أتى الانصار ولده وهو في حديقة له فأخبره بموت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: اللهم أعمني حتى لا أرى شيئا بعده إلى أن ألقاه، فعمى مكانه، فكان يحب النبي حبا شديدا فجعله الله معه في الجنة. الرابع: قال الحسن: إن المؤمنين قالوا للنبي عليه السلام: مالنا منك إلا الدنيا، فاذا كانت الآخرة رفعت فى الأولى فحزن النبي صلى الله عليه وسلم وحزنوا، فنزلت هذه الآية. قال المحققون: لا ننكر صحة هذه الروايات إلا أن سبب نزول الآية يجب أن يكون شيئا أعظم من ذلك، وهو البعث على الطاعة والترغيب فيها، فانك تعلم أن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ، فهذه الآية عامة في حق جميع المكلفين، وهو أن كل من أطاع الله وأطاع الرسول فقد فاز بالدرجات العالية والمراتب الشريفة عند الله تعالى. المسألة الثانية: ظاهر قوله: {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ } يوجب الاكتفاء بالطاعة الواحدة. لأن اللفظ الدال على الصفة يكفي في العمل به في جانب الثبوت حصول ذلك المسمى مرة واحدة. قال القاضي: لا بد من حمل هذا على غير ظاهره، وأن تحمل الطاعة على فعل المأمورات وترك جميع المنهيات، إذ لو حملناه على الطاعة الواحدة لدخل فيه الفساق والكفار، لأنهم قد يأتون بالطاعة الواحدة. وعندي فيه وجه آخر، وهو أنه ثبت في أصول الفقه أن الحكم المذكور عقيب الصفة مشعر بكون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف، إذا ثبت هذا فنقول: قوله: {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ } أي ومن يطع الله في كونه إلها، وطاعة الله في كونه إلها هو معرفته والاقرار بجلاله وعزته وكبريائه وصمديته، فصارت هذه الآية تنبيها على أمرين عظيمين من أحوال المعاد، فالأول: هو أن منشأ جميع السعادات يوم القيامة إشراق الروح بأنوار معرفة الله، وكل من كانت هذه الأنوار في قلبه أكثر، وصفاؤها أقوى، وبعدها عن التكدر بمحبة عالم الاجسام أتم كان إلى السعادة أقرب وإلى الفوز بالنجاة أوصل. والثاني: انه تعالى ذكر في الآية المتقدمة وعد أهل الطاعة بالأجر العظيم والثواب الجزيل والهداية إلى الصراط المستقيم، ثم ذكر في هذه الآية وعدهم بكونهم مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وهذا الذي وقع به في الختم لا بد أن يكون أشرف وأعلى مما قبله، ومعلوم أنه ليس المراد من كون هؤلاء معهم هو أنهم يكونون في عين تلك الدرجات، لأن هذا ممتنع، فلا بد وأن يكون معناه أن الأرواح الناقصة إذا استكملت علائقها مع الأرواح الكاملة في الدنيا لسبب الحب الشديد، فاذا فارقت هذا العالم ووصلت إلى عالم الآخرة بقيت تلك العلائق الروحانية هناك، ثم تصير تلك الأرواح الصافية كالمرايا المجلوة المتقابلة، فكأن هذه المرايا ينعكس الشعاع من بعضها على بعض، وبسبب هذه الانعكاسات تصير أنوارها في غاية القوة، فكذا القول في تلك الأرواح فإنها لما كانت مجلوة بصقالة المجاهدة عن غبار حب ما سوى الله، وذلك هو المراد من طاعة الله وطاعة الرسول، ثم ارتفعت الحجب الجسدانية أشرقت عليها أنوار جلال الله، ثم انعكست تلك الأنوار من بعضها إلى بعض وصارت الأرواح الناقصة كاملة بسبب تلك العلائق الروحانية، فهذا الاحتمال خطر بالبال والله أعلم بأسرار كلامه. المسألة الثالثة: ليس المراد بكون من أطاع الله وأطاع الرسول مع النبيين والصديقين، كون الكل في درجة واحدة، لأن هذا يقتضي التسوية في الدرجة بين الفاضل والمفضول، وإنه لا يجوز. بل المراد كونهم في الجنة بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر، وإن بعد المكان، لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضا، وإذا أرادوا الزيارة والتلاقي قدروا عليه، فهذا هو المراد من هذه المعية. المسألة الرابعة: اعلم أنه تعالى ذكر النبيين، ثم ذكر أوصافا ثلاثة: الصديقين والشهداء والصالحين، واتفقوا على أن النبيين مغايرون للصديقين والشهداء والصالحين، فأما هذه الصفات الثلاثة فقد اختلفوا فيها، قال بعضهم: هذه الصفات كلها لموصوف واحد، وهي صفات متداخلة فإنه لا يمتنع في الشخص الواحد أن يكون صديقاً وشهيداً وصالحا. وقال الآخرون: بل المراد بكل وصف صنف من الناس، وهذا الوجه أقرب لأن المعطوف يجب أن يكون مغايرا للمعطوف عليه، وكما أن النبيين غير من ذكر بعدهم، فكذلك الصديقون يجب أن يكونوا غير من ذكر بعدهم وكذا القول في سائر الصفات، ولنبحث عن هذه الصفات الثلاث: الصفة الأولى: الصديق: وهو اسم لمن عادته الصدق، ومن غلب على عادته فعل إذا وصف بذلك الفعل قيل فيه فعيل، كما يقال: سكير وشريب وخمير، والصدق صفة كريمة فاضلة من صفات المؤمنين، وكفى الصدق فضيلة أن الايمان ليس إلا التصديق، وكفى الكذب مذمة أن الكفر ليس إلا التكذيب. إذا عرفت هذا فنقول: للمفسرين في الصديق وجوه: الأول: أن كل من صدق بكل الدين لا يتخالجه فيه شك فهو صديق، والدليل عليه قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصّدّيقُونَ } تفسير : [الحديد: 19]. الثاني: قال قوم: الصديقون أفاضل أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. الثالث: أن الصديق اسم لمن سبق إلى تصديق الرسول عليه الصلاة والسلام فصار في ذلك قدوة لسائر الناس، وإذا كان الأمر كذلك كان أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أولى الخلق بهذا الوصف أما بيان أنه سبق إلى تصديق الرسول عليه الصلاة والسلام فلأنه قد اشتهرت الرواية عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه قال: «حديث : ما عرضت الاسلام على أحد إلا وله كبوة غير أبي بكر فإنه لم يتلعثم» تفسير : دل هذا الحديث على أنه صلى الله عليه وسلم لما عرض الاسلام على أبي بكر قبله أبو بكر ولم يتوقف، فلو قدرنا أن اسلامه تأخر عن إسلام غيره لزم أن يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قصر حيث أخر عرض الاسلام عليه، وهذا لا يكون قدحا في أبي بكر، بل يكون قدحا في الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك كفر، ولما بطل نسبة هذا التقصير إلى الرسول علمنا أنه صلى الله عليه وسلم ما قصر في عرض الاسلام عليه، ولما بطل نسبة هذا التقصير إلى الرسول علمنا أنه صلى الله عليه وسلم ما قصر في عرض الاسلام عليه، والحديث دل على أن أبا بكر لم يتوقف ألبتة، فحصل من مجموع الأمرين أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه أسبق الناس إسلاما، أما بيان أنه كان قدوة لسائر الناس في ذلك فلأن بتقدير أن يقال: إن إسلام علي كان سابقا على إسلام أبي بكر، إلا أنه لا يشك عاقل أن عليا ما صار قدوة في ذلك الوقت، لأن عليا كان في ذلك الوقت صبياً صغيراً، وكان أيضا في تربية الرسول عليه الصلاة والسلام، وكان شديد القرب منه بالقرابة، وأبو بكر ما كان شديد القرب منه بالقرابة وإيمان من هذا شأنه يكون سببا لرغبة سائر الناس في الاسلام. وذلك لأنهم اتفقوا على أنه رضي الله تعالى عنه لما آمن جاء بعد ذلك بمدة قليلة بعثمان بن عفان رضي الله عنه، وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعثمان بن مظعون رضي الله تعالى عنهم أجمعين حتى أسلموا، فكان إسلامه سببا لاقتداء هؤلاء الأكابر به، فثبت بمجموع ما ذكرنا أنه رضوان الله عليه كان أسبق الناس إسلاما، وثبت أن إسلامه صار سببا لاقتداء أفاضل الصحابة في ذلك الاسلام، فثبت أن أحق الامة بهذه الصفة أبو بكر رضي الله عنه. إذا عرفت هذا فنقول: هذا الذي ذكرناه يقتضي انه كان أفضل الخلق بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، وبيانه من وجهين: الأول: أن إسلامه لما كان أسبق من غيره وجب أن يكون ثوابه أكثر؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» تفسير : الثاني: أنه بعد أن أسلم جاهد في الله وصار جهاده مفضيا إلى حصول الاسلام لأكابر الصحابة مثل عثمان وطلحة والزبير وسعد ابن أبي وقاص وعثمان بن مظعون وعلي رضي الله تعالى عنهم، وجاهد علي يوم أحد ويوم الأحزاب في قتل الكفار، ولكن جهاد أبي بكر رضي الله عنه أفضى إلى حصول الإسلام لمثل الذين هم أعيان الصحابة، وجهاد علي أفضى إلى قتل الكفار، ولا شك أن الأول أفضل، وأيضاً فأبو بكر جاهد في أول الإسلام حين كان النبي صلى الله عليه وسلم في غاية الضعف، وعلي إنما جاهد يوم أحد ويوم الأحزاب، وكان الاسلام قويا في هذه الأيام، ومعلوم أن الجهاد وقت الضعف أفضل من الجهاد وقت القوة، ولهذا المعنى قال تعالى: {أية : لاَ يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَـٰتَلَ أُوْلَـٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَـٰتَلُواْ } تفسير : [الحديد: 10] فبين أن نصرة الاسلام وقت ما كان ضعيفا أعظم ثواباً من نصرته وقت ما كان قويا، فثبت من مجموع ما ذكرنا أن أولى الناس بهذا الوصف هو الصديق، فلهذا أجمع المسلمون على تسليم هذا اللقب له إلا من لا يلتفت إليه فإنه ينكره، ودل تفسير الصديق بما ذكرناه على أنه لا مرتبة بعد النبوة في الفضل والعلم إلا هذا الوصف وهو كون الانسان صديقا، وكما دل الدليل عليه فقد دل لفظ القرآن عليه، فإنه أينما ذكر الصديق والنبي لم يجعل بينهما واسطة، فقال في وصف إسماعيل: {أية : إِنَّهُ كَانَ صَـٰدِقَ ٱلْوَعْدِ } تفسير : [مريم: 54] وفي صفة إدريس {أية : إِنَّهُ كَانَ صِدّيقاً نَّبِيّاً } تفسير : [مريم: 56] وقال في هذه الآية: {مّنَ ٱلنَّبِيّينَ وَٱلصّدّيقِينَ } يعني انك إن ترقيت من الصديقية وصلت إلى النبوة، وإن نزلت من النبوة وصلت إلى الصديقية، ولا متوسط بينهما، وقال في آية أخرى: {أية : وَٱلَّذِى جَاء بِٱلصّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ } تفسير : [الزمر: 33] فلم يجعل بينهما واسطة، وكما دلت هذه الدلائل على نفي الواسطة فقد وفق الله هذه الأمة الموصوفة بأنها خير أمة حتى جعلوا الامام بعد الرسول عليه الصلاة والسلام أبا بكر على سبيل الاجماع، ولما توفي رضوان الله عليه دفنوه إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما ذاك إلا أن الله تعالى رفع الواسطة بين النبيين والصديقين في هذه الآية، فلا جرم ارتفعت الواسطة بينهما في الوجوه التي عددناها. الصفة الثانية: الشهادة: والكلام في الشهداء قد مر في مواضع من هذا الكتاب، ولا بأس بأن نعيد البعض فنقول: لا يجوز أن تكون الشهادة مفسرة بكون الانسان مقتول الكافر، والذي يدل عليه وجوه: الأول: أن هذه الآية دالة على أن مرتبة الشهادة مرتبة عظيمة في الدين، وكون الانسان مقتول الكافر ليس فيه زيادة شرف، لأن هذا القتل قد يحصل في الفساق ومن لا منزلة له عند الله. الثاني: أن المؤمنين قد يقولون: اللهم ارزقنا الشهادة، فلو كانت الشهادة عبارة عن قتل الكافر إياه لكانوا قد طلبوا من الله ذلك القتل وأنه غير جائز، لأن طلب صدور ذلك القتل من الكافر كفر، فكيف يجوز أن يطلب من الله ما هو كفر، الثالث: روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: المبطون شهيد والغريق شهيد، فعلمنا أن الشهادة ليست عبارة عن القتل، بل نقول: الشهيد فعيل بمعنى الفاعل، وهو الذي يشهد بصحة دين الله تعالى تارة بالحجة والبيان، وأخرى بالسيف والسنان، فالشهداء هم القائمون بالقسط، وهم الذين ذكرهم الله في قوله:{أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَائِمَاً بِٱلْقِسْطِ } تفسير : [آل عمران: 18] ويقال للمقتول في سبيل الله شهيد من حيث أنه بذل نفسه في نصرة دين الله، وشهادته له بأنه هو الحق وما سواه هو الباطل، واذا كان من شهداء الله بهذا المعنى كان من شهداء الله في الآخرة، كما قال:{أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى ٱلنَّاسِ } تفسير : [البقرة: 143]. الصفة الثالثة: الصالحون: والصالح هو الذي يكون صالحا في اعتقاده وفي عمله، فإن الجهل فساد في الاعتقاد، والمعصية فساد في العمل، واذا عرفت تفسير الصديق والشهيد والصالح ظهر لك ما بين هذه الصفات من التفاوت، وذلك لأن كل من كان اعتقاده صوابا وكان عمله طاعة وغير معصية فهو صالح، ثم أن الصالح قد يكون بحيث يشهد لدين الله بأنه هو الحق وأن ما سواه هو الباطل، وهذه الشهادة تارة تكون بالحجة والدليل وأخرى بالسيف، وقد لا يكون الصالح موصوفا بكونه قائما بهذه الشهادة، فثبت أن كل من كان شهيدا كان صالحا، وليس كل من كان صالحا شهيدا، فالشهيد أشرف أنواع الصالح، ثم أن الشهيد قد يكون صديقا وقد لا يكون: ومعنى الصديق الذي كان أسبق إيمانا من غيره، وكان إيمانه قدوة لغيره، فثبت أن كل من كان صديقا كان شهيدا، وليس كل من كان شهيدا كان صديقا، فثبت أن أفضل الخلق هم الأنبياء عليهم السلام، وبعدهم الصديقون، وبعدهم من ليس له درجة إلا محض درجة الشهادة، وبعدهم من ليس له إلا محض درجة الصلاح. فالحاصل أن أكابر الملائكة يأخذون الدين الحق عن الله، والأنبياء يأخذون عن الملائكة، كما قال: {أية : يُنَزّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآء مِنْ عِبَادِهِ } تفسير : [النحل: 2] والصديقون يأخذونه عن الأنبياء. والشهداء يأخذونه عن الصديقين، لأنا بينا أن الصديق هو الذي يأخذ في المرة الأولى عن الأنبياء وصار قدوة لمن بعده، والصالحون يأخذونه عن الشهداء، فهذا هو تقرير هذه المراتب وإذا عرفت هذا ظهر لك أنه لا أحد يدخل الجنة إلا وهو داخل في بعض هذه النعوت والصفات. ثم قال تعالى: {وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رفيقاً} وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف»: فيه معنى التعجيب. كأنه قيل: ما أحسن أولئك رفيقاً. المسألة الثانية: الرفق في اللغة لين الجانب ولطافة الفعل، وصاحبه رفيق. هذا معناه في اللغة ثم الصاحب يسمّى رفيقا لارتفاق بعضهم ببعض. المسألة الثالثة: قال الواحدي: إنما وحد الرفيق وهو صفة لجمع، لأن الرفيق والرسول والبريد تذهب به العرب إلى الواحد والى الجمع قال تعالى: {أية : إِنَّا رَسُولُ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الشعراء: 16] ولا يجوز أن يقال: حسن أولئك رجلا، وبالجملة فهذا إنما يجوز في الاسم الذي يكون صفة، أما إذا كان اسما مصرحا مثل رجل وامرأة لم يجز، وجوز الزجاج ذلك في الاسم أيضا وزعم أنه مذهب سيبويه، وقيل: معنى قوله: {وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رفيقاً} أي حسن كل واحد منهم رفيقا، كما قال: {أية : يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً } تفسير : [غافر: 67]. المسألة الرابعة: {رَفِيقاً } نصب على التمييز، وقيل على الحال: أي حسن واحد منهم رفيقا. المسألة الخامسة: اعلم أنه تعالى بين فيمن أطاع الله ورسوله أنه يكون مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ثم لم يكترث بذلك، بل ذكر أنه يكون رفيقا له، وقد ذكرنا أن الرفيق هو الذي يرتفق به في الحضر والسفر، فبين أن هؤلاء المطيعين يرتفقون بهم، وإنما يرتفقون بهم إذا نالوا منهم رفقا وخيرا، ولقد ذكرنا مراراً كيفية هذا الارتفاق، وأما على حسب الظاهر فلأن الانسان قد يكون مع غيره ولا يكون رفيقاً له، فأما إذا كان عظيم الشفقة عظيم الاعتناء بشأنه كان رفيقا له، فبين تعالى أن الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين يكونون له كالرفقاء من شدة محبتهم له وسرورهم برؤيته. ثم قال تعالى: {ذٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: لا شك أن قوله تعالى: {ذٰلِكَ } إشارة إلى كل ما تقدم ذكره من وصف الثواب، فلما حكم على كل ذلك بأنه فضل من الله دل هذا على أن الثواب غير واجب على الله، ومما يدل عليه من جهة المعقول وجوه: الأول: القدرة على الطاعة إن كانت لا تصلح إلا للطاعة، فخالق تلك القدرة هو الذي أعطى الطاعة، فلا يكون فعله موجبا عليه شيئا، وإن كانت صالحة للمعصية أيضا لم يترجح جانب الطاعة على جانب المعصية إلا بخلق الداعي إلى الداعي، ويصير مجموع القدرة والداعي موجبا للفعل، فخالق هذا المجموع هو الذي أعطى الطاعة، فلا يكون فعله موجبا عليه شيئا. الثاني: نعم الله على العبد لا تحصى وهي موجبة للطاعة والشكر، واذا كانت الطاعات تقع في مقابلة النعم السالفة امتنع كونها موجبة للثواب في المستقبل. الثالث: أن الوجوب يستلزم استحقاق الذنب عند الترك، وهذا الاستحقاق ينافي الالهية، فيمتنع حصوله في حق الاله تعالى، فثبت أن ظاهر الآية كما دل على أن الثواب كله فضل من الله تعالى، فالبراهين العقلية القاطعة دالة على ذلك أيضا، وقالت المعتزلة: الثواب وإن كان واجبا لكن لا يمتنع إطلاق اسم الفضل عليه، وذلك أن العبد إنما استحق ذلك الثواب لأن الله تعالى كلفه والتكليف تفضل، ولأنه تعالى هو الذي أعطى العقل والقدرة وأزاح الأعذار والموانع حتى تمكن المكلف من فعل الطاعة، فصار ذلك بمنزلة من وهب لغيره ثوبا كي ينتفع به، فاذا باعه وانتفع بثمنه جاز أن يوصف ذلك الثمن بأنه فضل من الواهب فكذا ههنا: المسألة الثانية: قوله: {ذٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ } فيه احتمالان: أحدهما: أن يكون التقدير: ذلك هو الفضل من الله، ويكون المعنى أن ذلك الثواب لكمال درجته كأنه هو الفضل من الله وأن ما سواه فليس بشيء، والثاني: أن يكون التقدير: ذلك الفضل هو من الله، أي ذلك الفضل المذكور، والثواب المذكور هو من الله لا من غيره، ولا شك أن الاحتمال الأول أبلغ. ثم قال تعالى: {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيماً } وله موقع عظيم في توكيد ما تقدم من الترغيب في طاعة الله لأنه تعالى نبه بذلك على أنه يعلم كيفية الطاعة وكيفة الجزاء والتفضل، وذلك مما يرغب المكلف في كمال الطاعة والاحتراز عن التقصير فيه.
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأُولى ـ قوله تعالىٰ: {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ} لمّا ذكر تعالىٰ الأمرَ الذي لو فعله المنافقون حين وُعظوا به وأنابوا إليه لأنعم عليهم، ذَكَر بعد ذلك ثوابَ مَن يفعله. وهذه الآية تفسير قوله تعالىٰ: {ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} وهي المراد في قوله عليه السَّلام عند موته: « حديث : اللَّهُمَّ الرّفيقَ الأعلىٰ » تفسير : . وفي البخاريّ عن عائشة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « حديث : ما من نَبي يمرض إلا خُيّر بين الدنيا والآخرة » تفسير : كان في شكواه الذي مرض فيه أخذته بحة شديدة فسمعته يقول: {مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّالِحِينَ} فعلمت أنه خُيِّر. وقالت طائفة؛ إنما نزلت هذه الآية لما قال عبدالله ابن زيد بن عبدربّه الأنصاري ـ الذي أرى الأذان ـ: يا رسول الله، إذا مِتَّ ومِتْنا كنتَ في علِّيين لا نراك ولا نجتمع بك؛ وذكر حزنه على ذلك فنزلت هذه الآية. وذكر مَكِّي عن عبدالله هذا وأنه لما مات النبي صلى الله عليه وسلم قال: اللَّهُمَّ أعْمِني حتى لا أرى شيئاً بعده؛ فعَمِى مكانه. وحكاه القشيري فقال: اللهم أعميني فلا أرى شيئاً بعد حبيبي حتى ألقى حبيبي، فعمي مكانه. وحكى الثَّعْلبي. أنها نزلت في ثَوْبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان شديدَ الحُبّ له قليلَ الصبر عنه؛ فأتاه ذات يوم وقد تغيّر لونُه ونَحَل جسمه، يُعرف في وجهه الحزن؛ فقال له: حديث : «يا ثَوْبَان ما غيّر لونك» فقال: يا رسول الله ما بي ضرّ ولا وجع، غير أني أذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وَحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة وأخاف ألاّ أراك هناك؛ لأني عرفت أنك تُرفع مع النبييّن وأني إن دخلت الجنة كنتُ في منزلة هي أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل فذلك حِينٌ لا أراك أبداًتفسير : ؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية. ذكره الوَاحِدي عن الكَلْبي. وأسنِد عن مسروق قال: قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ينبغي لنا أن نفارقك في الدّنيا، فإنك إذا فارقتنا رُفعت فوقنا؛ فأنزل الله تعالى: {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ}. وفي طاعة الله طاعة رسوله ولكنه ذكره تشريفا لقَدره وتنوِيها باسمه صلى الله عليه وسلم وعلى آله. {فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم} أي هم معهم في دار واحدة ونعيم واحد يستمتعون برؤيتهم والحضور معهم، لا أنهم يساوونهم في الدّرجة؛ فإنهم يتفاوتون لكنهم يتزاورون للاتباع في الدّنيا والاقتداء. وكلّ مَن فيها قد رزق الرضا بحاله، وقد ذهب عنه اعتقاد أنه مفضول. قال الله تعالى: { أية : وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ } تفسير : [الأعرافُ: 43]. والصدِّيق فعيل، المبالغ في الصدق أو في التصديق، والصدّيق هو الذي يحقق بفعله ما يقوله بلسانه. وقيل: هم فضلاء أتباع الأنبياء الذين يسبقونهم إلى التصديق كأبي بكر الصدّيق. وقد تقدّم في البقرة اشتقاق الصدّيق ومعنى الشهيد. والمراد هنا بالشهداء عمر وعثمان وعلي، والصالحين سائر الصحابة رضي الله عنهم أجمعين. وقيل: {وَٱلشُّهَدَآءِ} القتلى في سبيل الله. {وَٱلصَّالِحِينَ} صالحي أمة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت: واللفظ يعم كل صالح وشهيد. والله أعلم. والرّفق لين الجانب. وسُمي الصاحب رفيقا لارتفاقك بصحبته؛ ومنه الرّفقة لارتفاق بعضهم ببعض. ويجوز «وحسن أولئك رفقاء». قال الأخفش؛ «رفيقا» منصوب على الحال وهو بمعنى رفقاء؛ وقال: انتصب على التمييز فوحِّد لذلك؛ فكأن المعنى وحسن كل واحد منهم رفيقا. كما قال تعالى: { أية : ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً } تفسير : [الحج: 5] أي نخرج كل واحد منكم طفلا. وقال تعالى: { أية : يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ } تفسير : [الشورى: 45] وينظر معنى هذه الآية قولُه صلى الله عليه وسلم: « حديث : خير الرّفقاء أربعة » تفسير : ولم يذكر الله تعالى هنا إلا أربعة فتأمله. الثانية ـ في هذه الآية دليل على خلافة أبي بكر رضي الله عنه؛ وذلك أن الله تعالى لما ذكر مراتب أوليائه في كتابه بدأ بالأعلى منهم وهم النبيّون، ثم ثَنّى بالصدّيقين ولم يجعل بينهما واسطة. وأجمع المسلمون على تسمية أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه صدّيقاً، كما أجمعوا على تسمية محمد عليه السلام رسولا، وإذا ثبت هذا وصح أنه الصديق وأنه ثاني رسولِ الله صلى الله عليه وسلم لم يجز أن يتقدّم بعده أحد. والله أعلم. الثالثة ـ قوله تعالى: {ذٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ} أخبر تعالى أنهم لم ينالوا الدرجة بطاعتهم بل نالوها بفضل الله تعالى وكرمه. خلافا لما قالت المعتزلة: إنما ينال العبد ذلك بفعله. فلما امتنّ الله سبحانه على أوليائه بما آتاهم من فضله، وكان لا يجوز لأحد أن يُثْني على نفسه بما لم يفعله دلّ ذلك على بطلان قولهم. والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ } فيما أمر به {فَأُوْلَئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مّنَ ٱلنَّبِيّينَ وَٱلصّدّيقِينَ } أفاضل أصحاب الأنبياء لمبالغتهم في الصدق والتصديق {وَٱلشُّهَدَاءِ } القتلى في سبيل الله {وَٱلصَّٰلِحِينَ } غير من ذكر {وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً } رفقاء في الجنة بأن يستمتع فيها برؤيتهم وزيارتهم والحضور معهم وإن كان مقرّهم في الدرجات العالية بالنسبة إلى غيرهم.
ابن عطية
تفسير : لما ذكر الله الأمر الذي لو فعلوه لأنعم عليهم، ذكر بعد ذلك ثواب من يفعله، وهذه الآية تفسير قوله تعالى: {أية : اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم} تفسير : [الفاتحة:5]، وقالت طائفة إنما نزلت هذه الآية لما قال عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري الذي أري الأذان، يا رسول الله إذا مت ومتنا كنت في عليين فلا نراك ولا نجتمع بك، وذكر حزنه على ذلك، فنزلت هذه الآية، وحكى مكي عن عبد الله هذا، أنه لما مات النبي عليه السلام، قال اللهم أعمني حتى لا أرى شيئاً بعده، فعمي، وذكر أن جماعة من الأنصار قالت ذلك أو نحوه، حكاه الطبري عن ابن جبير وقتادة والسدي. قال القاضي أبو محمد: ومعنى - أنهم معهم - أنهم في دار واحدة، ومتنعم واحد، وكل من فيها قد رزق الرضا بحاله، وذهب عنه أن يعتقد أنه مفضول، وإن كنا نحن قد علمنا من الشريعة أن أهل الجنة تختلف مراتبهم على قدر أعمالهم، وعلى قدر فضل الله على من شاء، و "الصدّيق" فعيل من الصدق، وقيل من الصدقة، وروي عن النبي عليه السلام، الصديقون المتصدقون، والشهداء المقتولون في سبيل الله، هم المخصوصون بفضل الميتة، وهم الذي فرق الشرع حكمهم في ترك الغسل والصلاة، لأنهم أكرم من أن يشفع لهم، وسمعوا بذلك لأن الله شهد لهم بالجنة، وقيل لأنهم شهدوا لله بالحق في موتهم ابتغاء مرضاته، ولكن لفظ، {الشهداء} في هذه الآية يعم أنواع الشهداء، و {رفيقاً} موحد في معنى الجمع، كما قال: {أية : ثم يخرجكم طفلاً} تفسير : [الحج:5] ونصبه على التمييز، وقيل على الحال، والأول أصوب، وقرأ أبو السمال، "وحسْن" بسكون السين، وذلك مثل شجر بينهم. وقوله تعالى: {ذلك الفضل من الله} رد على تقدير معترض يقول، وما الذي يوجب استواء أهل الطاعة والنبيين في الآخرة، والفرق بينهم في الدنيا بيّن؟ فذكر الله أن ذلك بفضله لا بوجوب عليه، والإشارة بـ {ذلك} إلى كون المطيعين مع المنعم عليهم، وأيضاً فلا نقرر الاستواء، بل هم معهم في دار والمنازل متبانية، ثم قال {وكفى بالله عليماً} وفيها معنى أن يقول، فسلموا فعل الله وتفضله من الأعتراض عليه، واكتفوا بعلمه في ذلك وغيره، ولذلك أدخلت الباء على اسم الله، لتدل على الأمر الذي في قوله: {وكفى}.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَالصِّدِّيقِينَ} أتباع الأنبياء صلوات الله تعالى عليهم وسلامه، [والصديق] "فعيل" من الصدق، أو من الصدقة، والشهيد لقيامه بشهادة الحق حتى قُتل، أو لأنه من شهيد الآخرة، والصالح: من صلح عمله، أو من صلحت سريرته وعلانيته، والرفيق: من الرفق في العمل أو من الرفق في السير. توهم قوم أنهم لا يرون الأنبياء في الجنة، لأنهم في أعلى عليين فحزنوا وسألوا الرسول صلى الله عليه وسلم فنزلت.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم} حديث : الآية نزلت في ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان شديد الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم قليل الصبر عنه فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه يعرف الحزن في وجهه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما غير لونك؟" فقال يا رسول الله ما بي مرض ولا وجع غير أني إذا لم أراك استوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك. ثم إني إذا ذكرت الآخرة أخاف أن لا أراك لأنك ترفع إلى عليين مع النبيين وإني أخاف إن دخلت الجنة كنت في منزلة هي أدنى من منزلتك وإن لم أدخل الجنة لا أراك أبداً فنزلت هذه الآية تفسير : وقيل إن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: كيف يكون الحال وأنت يا رسول الله في الدرجات العلى ونحن أسفل منك فكيف نراك؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية: {ومن يطع الله} يعني في أداء الفرائض واجتناب النواهي {والرسول} أي ويطع الرسول في السنن التي سنها فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم يعني بالهداية والتوفيق في الدنيا وبدخول الجنة في الآخرة {من النبيين} يعني أن المطيعين مع النبيين في الجنة لا تفوتهم رؤية الأنبياء في الجنة ومجالستهم لأنهم يكونون في درجتهم في الجنة لأن ذلك يقتضي التسوية في الدرجة بين الفاضل والمفضول {والصديقين} الصدّيق الكثير الصدق فعيل من الصدق بكل الدين والصديقون هم أتباع الرسل الذين اتبعوهم على مناهجهم بعدهم حتى لحقوا بهم وقيل الصديق هو الذي صدق بكل الدين حتى لا يخالطه فيه شك والمراد بالصديقين في هذه الآية أفاضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كأبي بكر فإنه هو الذي سمي بالصديق من هذه الأمة وهو أفضل أتباع الرسل {والشهداء} هم الذين استشهدوا في سبيل الله وقيل هم الذين استشهدوا يوم أّحد {والصالحين} جمع صالح وهو الذي استوت سريرته وعلانيته في الخير. وقيل الصالح من اعتقاده صواب وعمله في سنة وطاعة وقيل المراد بالنبيين هنا محمد صلى الله عليه وسلم وبالصديقين أبو بكر وبالشهداء عمر وعثمان وعلي وبالصالحين سائر الصحابة {وحسن أولئك} يعني المشار إليهم وهم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون وفيه معنى التعجب كأنه قال وما أحسن أولئك {رفيقاً} يعني في الجنة والرفيق الصاحب سمي رفيقاً لارتفاقك به وبصحبته وإنما وحد الرفيق وهو صفة الجمع لأن العرب تعبر به عن الواحد والجمع وقيل معناه وحسن كل واحد من أولئك رفيقاً (ق) عن أنس حديث : أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة: فقال متى الساعة قال: "وما أعددت لها"؟ قال لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله. فقال: "أنت مع من أحببت" تفسير : قال أنس فما فرحنا بشيء أشد فرحاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم أنت مع من أحببت قال أنس: فأنا أحب النبي وأبا بكر وعمر وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم وإن لم أعمل بأعمالهم. وقوله تعالى: {ذلك} إشارة إلى ما تقدم ذكره من وصف الثواب {الفضل من الله} يعني الذي أعطى الله المطيعين من الأجر العظيم {وكفى بالله عليماً} يعني بجزاء من أطاعه وقيل معناه وكفى بالله عليماً بعباده فهو يوفقهم لطاعته وفيه دليل على أنهم لم ينالوا تلك الدرجة بطاعتهم بل إنما نالوها بفضل الله تعالى ورحمته ويدل عليه ما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لن يدخل أحداً منكم عمله الجنة قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه بفضل ورحمة" تفسير : لفظ البخاري ولمسلم نحوه.
الثعالبي
تفسير : وقوله (جَلَّت عَظَمَتُهُ): {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم...} الآية: لما ذَكَر اللَّه سبحانه الأمر الذي لَوْ فَعَلُوه، لأَنعم علَيْهم، ذَكَر بعد ذلك ثَوَابَ مَنْ يفعله، وهذه الآيةُ تفسِّر قوله تعالى: {ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}، وقالتْ طائفة: إنما نزلَتْ هذه الآية لَمَّا قال عبدُ اللَّهِ بْنُ زيدٍ الأنصاريُّ ـــ الذي أُرِيَ الأَذَانَ ـــ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إذا مِتَّ، وَمِتْنَا، كُنْتَ في عِلِّيِّينَ، فَلاَ نَرَاكَ، ولا نَجْتَمِعُ بِكَ، وذكَر حُزْنَهُ علَىٰ ذلك، فنزلَتْ هذه الآية. قال * ع *: ومعنى أنهم مَعَهُمْ: في دارٍ واحدةٍ، ومُتَنَعَّمٍ واحدٍ، وكلُّ مَنْ فيها قَدْ رُزِقَ الرِّضَا بحالِهِ، وذهب عنه أنْ يعتقد أنه مفضُولٌ، وإن كنا نَحْنُ قد عَلِمْنَا من الشريعةِ أنَّ أهل الجَنَّة تختلفُ مراتبهم علَىٰ قَدْر أعمالهم، وعلَىٰ قَدْر فَضْل اللَّه علَىٰ مَنْ يشاء، والصِّدِّيقُ: فِعِّيلٌ مِنَ الصِّدْقِ، وقيل: من الصَّدَقَةِ، وروي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : الصِّدِّيقُونَ المُتَصَدِّقُونَ»تفسير : . ولفظ الشهداءِ في هذه الآية: يَعُمُّ أنواعَ الشهداءِ. قال * ص *: {وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً} فيه معنى التعجُّب؛ كأنَّه قال: وَمَا أَحْسَنَ أولئِكَ رفيقاً، وقد قدَّمنا في كلام ابْنِ الحَاجِّ ما يدلُّ علَىٰ أنَّ التعجُّب لازمٌ لـ «فَعُلَ» المستعْمَلِ للمدحِ والذمِّ، على كلِّ حالٍ، سواءٌ ٱستعملَتِ ٱستعمالَ نِعْمَ أو لا. انتهى. وقوله تعالى: {ذٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ}: الإشارةُ بـ «ذَلِكَ» إلى كون المُطِيعِينَ مَعَ المُنْعَمِ عَلَيْهم.
ابن عادل
تفسير : لما أمر اللَّه بطَاعَةِ اللَّهِ وطاعَةِ رسُولِهِ بقوله: {أية : أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} تفسير : [النساء: 59] ثم زيَّف طريقَةَ المُنَافِقِين، ثم أعَادَ الأمْر بطَاعَةِ الرَّسُول بقوله - [تعالى] -: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ أِلاَّ لِيُطَاعَ} تفسير : [النساء:64] ورغَّب في تِلْك الطَّاعَةِ بإيتَاءِ الأجْرِ العَظيمِ، وهداية الصِّرَاطِ المُسْتَقِيم، أكد الأمْرَ بالطَّاعَة في هَذِه الآيَةِ مَرَّة أخْرَى، فقال: {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ} الآية، وقال القُرْطبيّ: لما ذكر اللَّه - تعالى - الأمْر الذي لو فَعَلَهُ المُنافِقُون حِين وعظُوا به وأنَابُوا إليه، لأنْعَمَ عليهم، ذكر بعد ذَلِك ثَوابَ من يَفْعَلهُ. فصل: سبب نزول الآية قال جماعة من المفسِّرِين: حديث : إن ثَوبَان مَوْلى رسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم كانَ شَديد الحُبِّ لرسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم قليل الصَّبْر عن فِراقِهِ، فأتَاهُ يَوْماً وقد تَغَيَّر لَوْنُه، ونحلُ جسمُه، وعُرِف الحُزْن في وَجْهِه، فقال [له] رسُول الله صلى الله عليه وسلم [ما غيَّر لَوْنَك؟ فقال: يا رسول الله] مَا بِي من وَجَع غيْرَ أنِّي إذا لمْ أرَكَ، اسْتَوْحَشْتُ وحْشَةً شَديدةً حَتَّى ألقاك، فَذَكَرْتُ الآخِرَة فَخِفْتُ ألاَّ أرَاكَ هُنَاكَ؛ لأنك تُرفعَ مع النبييِّن [والصِّدِّيقين]، وإني إن أدخِلْتُ الجَنَّة، كنت في مَنْزَلةٍ أدْنَى من مَنْزِلَتِك، وإن لَمْ أدْخُلِ الجَنَّة، فلا أرَاكَ أبَداًتفسير : فنزلَتْ [هذه] الآيَةَ. وقال قَتَادة: إن بَعْض أصْحَاب النِّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَالُوا: كيف يَكُون الحَالُ في الجَنَّة وأنْتَ في الدِّرَجَات العُلَى ونَحْنُ أسْفَل مِنْك فَكَيْفَ نَرَاكَ، فَنَزَلَتْ هَذِه الآية. وقال مُقَاتل: نَزَلَتْ في رَجُلٍ من الأنْصَارِ، قال للنَّبِي صلى الله عليه وسلم يا رسُولَ اللَّه، إذا خَرَجْنَا من عِنْدِك إلى أهْلِينَا اشْتَقْنَا إليك، فما يَنْفَعُنَا شيء حتَّى نَرْجع إلَيْك، ثم ذَكَرْتُ درجَتَكَ في الجَنَّة، فكيف لَنَا بِرُؤْيَتك إن دَخَلْنَا الجَنَّة، فنزَلَتْ هذه الآيةُ، فلما تُوُفِّي النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: اللَّهُمَّ أعْمِنِي حّتَّى لا أرَى شَيْئاً بَعْدَهُ إلى أنْ ألقاه؛ فعَمِيَ مَكَانَهُ، فكان يُجِبُّ النبي حُبّاً شديداً، فجعله الله مَعَهُ في الجَنَّةِ. قال المُحَقِّقُون: لا تنكَرُ صحَّة هَذِهِ الرَّوَايَاتِ؛ إلا [أن] سَبَب النُّزُّول يجب أن يكون شَيْئاً أعْظَم من ذَلِك، وهو الحَثُّ على الطَّاعَةِ والتَّرغِيب فيهَا، فإن خُصُوصَ السَّبَبِ لا يَقْدَحُ في عُمُوم اللَّفَظِ، فالآيةُ عامَّةٌ في حَقِّ جميع المكلَّفين، والمَعْنَى: ومَنْ يُطِع اللَّه في أدَاءِ الفَرَائِضِ، والرَّسُولَ في السُّنَنِ. فصل ظاهر قوله: {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ} يوجب الأكْثَر بالطَّاعَة الوَاحِدَة، لأنَّ اللَّفْظَ الدالَّ على الصِّفَةِ يكفي في جَانِبِ الثُّبُوتِ حُصُول ذَلِكَ المُسَمَّى مَرَّة وَاحِدَة. قال القَاضِي: لا بد من حَمْلِ هَذَا على غير ظاهره، وأن تُحْمَل الطَّاعَة على فعل المأمُورَاتِ وتَرْك جَمِيع المنْهِيَّات؛ إذ لو حَمَلْنَاهُ على الطَّاعَةِ الوَاحِدَةِ، لدخل فيه الفُسَّاق والكُفَّار؛ لأنهم قد يأتُونَ الطَّاعَةَ الوَاحِدَة. قال ابن الخَطِيب: وعِنْدي فيه وَجْهٌ آخَر، وهو أنَّهُ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ، أن الحُكْمَ المَذْكُور عَقِيب الصِّفَةِ يُشْعِرُ بِكَوْنِ ذلك الحُكْمِ مُعَلِّلاً بذلك الوَصْفِ، وإذا ثَبَتَ هذا فَنَقُول: قوله: {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ} [أي: ومن يُطِع الله] في كَوْنِهِ إلهاً، وذَلِكَ هو مَعْرِفَتُه والإقْرَار بِجَلالِهِ وعِزَّتِه وكبْرِيَائِه [وقُدْرَته]، ففيها تَنْبِيهٌ على أمْرَيْن عظيمين مِنْ أمُور المَعَادِ: الأوّل: منشأ جَميع السَّعَاداتِ يوم القيامَة وهُو إشْرَاق الروح بأنْوَارِ معْرفته تعالى، وكل من كانت هذه الأنوار في قلبه أكْثَر، وصَفَاؤُهَا أقْوَى، وبُعْدُها عن التكَدُّر بعالم الأجْسَام، كان إلى الفَوْزِ بالنجاة أقرب. الثاني: قال ابن الخَطِيب: إنه - تعالى - وعد المُطيعين في الآيةِ المتقدِّمَة بالأجْر العَظِيم والهداية، ووعَدهُم هنا بِكَوْنِهِم مع النبِيِّين [كما ذكر في] الآية، وهَذَا الذي خَتَمَ به أشْرُف ممَّا قَبْلَهُ، فليس المُرادُ مَنْ أطَاعَ اللَّه وأطاعَ الرَّسُول مع النَّبِيِّين والصِّدِّيقين - كَوْن الكل في دَرَجَةٍ واحِدَةٍ؛ لأن هذا يقْتَضِي التسوية في الدَّرجة بين الفَاضِلِ والمَفْضُوُل، وإنَّه لا يجُوزُ، بل المُرادُ: كونُهم في الجَنَّةِ بحَيْثُ يتمكَّن كل واحدٍ مِنْهُم من رُؤيَة الأخَرَ، وإن بَعُد المَكَان؛ لأن الحِجَابِ إذَا زَالَ، شَاهدَ بَعْضُهم بَعْضاً، وإذا أرَادُوا الزِّيَارَة والتَّلاقِي قَدَرُوا عَلَيْهِ، فهذا هُو المُرادُ من هَذِه المَعيَّة. قوله: {مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ} فيه أربعة أوجه: أظهرها: أنه بَيَان لـ {الذين أنعم الله عليهم}. الثاني: أنه حالٌ من لضمير في "عليهم". الثالث: أنه حلٌ من الموصُولِ، وهو في المَعْنَى كالأوَّل، وعلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْن فيتعلَّق بمحْذُوف، لأي: كَائِنين من النَّبِيِّين. الرابع: أن يَتَعلَّق بـ "يُطِع" قال الرَّاغِب: [أي]: ومن يُطِع اللَّه والرَّسُول من النَّبِيِّين ومَنْ بَعْدَهُم، ويكون قوله: {فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم} إشارةٌ إلى الملإ الأعْلَى. ثم قال: {وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً} ويُبَيِّين ذلك قوله - عليه السلام - عند المَوْتِ: "حديث : اللهم ألحقني بالرفيق الأعلى" تفسير : وهذا ظاهِر، وقد أفْسَدَهُ أبو حَيَّان من جِهَةِ المَعْنَى، ومن جِهَةَ الصِّنَاعَة: أمَّا من جِهَة المَعْنَى: فلأن الرَّسُول هُنَا هو مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم، وقد أخْبَر- تعالى - أنَّه من يُطِع الله ورسُولَهُ، فهو مع مَنْ ذَكَرَهُ، ولو جَعَل "مع النبيين" متَعلِّقاً بـ "يُطِع"، لكان "من النبيين" تَفْسيراً لـ "مَنْ" الشَّرطيَّة، فَيَلْزَم أن يَكُونَ في زَمَانِهِ - عليه الصلاة والسلام - [أو بَعْدَهُ أنْبياء]. وأمَّا من جِهَةِ الصِّنَاعَةِ؛ فلأن ما قَبْلَ الفَاءِ [يُطيعُونَه، وهذا غَيْر ممْكِن؛ لقوله تعالى: {وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّينَ} وقوله] - عليه السلام -: "حديث : ولا نَبِيّ بَعْدِي" تفسير : الوَاقِعَة جَوابَاً للشَّرْطِ لا يعمل فيما بَعْدَهَا، لو قُلْت، إن تَضْرِب يَقُم عَمْرو وزَيْداً لم يَجُزْ: وهل هذه الأوْصَاف الأرْبَعة لِصِنْفٍ واحدٍ أو لأصنَافٍ مختلفة؟ قولان. فصل في تفسير المراد بالنبي والصديق والشهيد قيل: المُرَاد بالنَّبِيِّين والصِّدِّيقين والشُّهَداء والصَّالِحِين: صِنْفٌ واحد من النَّاس، وقيل: المراد أصْنَاف مُخْتَلِفَة؛ لأن المَعْطُوف يَجبُ أن يكُون مُغَايِراً للمعْطُوف عَلَيْهِ، وقيل: الاخْتِلاَف في الأصْنَافِ الثَّلاثة غير النَّبِيِّين، فالصِّدِّيقُون هُمْ أصْحَابُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، والصِّدِّيق: هو اسمٌ للمُبَالِغِ في الصِّدْقِ، ومن عَادَته الصِّدْقُ. وقيل: الصِّدِّيق: هو اسمٌ لمن سَبَقَ إلى تَصْديق النَّبي صلى الله عليه وسلم، [وعلى هذا فأبُو بكر أوْلَى الخَلق بهذا الاسْم؛ لأنَّهُ أول من سَبَقَ إلى تَصْديق النَّبي صلى الله عليه وسلم]؛ واشْتَهَرَت الرِّوَاية بذلك، وكان عَلَيَّ صَغِيراً واتَّفَقُوا على أنَّ أبا بَكْر لمَّا آمَنَ، جَاءَ بَعْدَ ذلك بِمُدَّة قَلِيلَة بِعُثْمَان بن عَفَّان - رضي الله عنه -، وطَلْحَة بن الزُّبَيْرِ، وسَعْد بن أبي وقَّاص، وعُثْمَان بن مَظْعُون - رضي الله عنهم - حتى أسْلَمُوا، فكان إسْلامُه سَبَباً لاقْتِدَاء هؤلاء الأكَابِرِ بِهِ؛ فثبت أنَّه - رضوان اللَّه عَلَيْه - كان أسْبَق النَّاس إسلاماً، وإن كان إسلامُه صَار سَبَباً لاقْتِدَاء الصَّحَابَةِ في ذَلِكَ، فَكَانَ أحَقَّ الأمَّة بهذا الاسْم أبو بكر، وإذا كان كَذَلِك، كان أفْضَل الخَلْقِ بعد الرَّسُول [عليه الصلاة والسلام]، وجَاهَد في إسْلامِ أعْيَان الصَّحَابةِ - رضي الله عنهم - في أوّل الإسْلام، حين كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في غَايَةِ الضَّعْفِ، وَعَلَيٌّ - رضي الله عنه - إنما جاهَد يَوْمَ أحُدٍ ويَوْمَ الأحْزَابِ، وكان الإسْلامُ قَوِيَّاً، والجهاد وَقْتَ الضَّعْفِ أفْضَلَ من الجِهَادِ وقت القُوَّة؛ لقوله - تعالى -: {أية : لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَـٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَاتَلُواْ وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ} تفسير : [الحديد: 10]، ودلَّ تَفْسِير الصِّدِّيق بما ذَكَرْنَا، على أنَّهُ لا مَرْتَبَةَ بعْد النُّبُوَّة [أشْرَف] في الفَضْلِ إلا الصِّدِّيق، فإنه أينما ذُكِر النَّبِيُّ والصِّدِّيق لَمْ يُجْعَل بينهما وَاسِطَةِ، قال - تعالى - في صفة اسْماعِيل: {أية : إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ} تفسير : [مريم: 54]، وفي صِفَةِ إدْرِيس: {أية : إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً} تفسير : [مريم: 41]، وقال هُنَا، {مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ} وقال: {أية : وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} تفسير : [الزمر: 33]، فلم يجْعَل بَيْنَهُمَا وَاسِطَة، وقد وفَّقَ الله الأمَّة التِي هي خَيْر أمَّةِ، حتى جَعَلُوا الإمام بعد الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام - أبا بَكْر على سبيل الإجْمَاع، ولما تُوُفي - رضي الله عنه - دُفِنَ إلى جَنْبِ رسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم، وهذا دَليلٌ على أنَّ اللَّهَ - تعالى- رفع الواسِطَة بين النَّبِيِّين والصِّدِّيقين. وأمَّا "الشهداء" قيل: هُمُ الذين استشهدُوا يوم أُحُد، وقيل: الَّذِين استشهدُوا في سَبيل اللَّه. وقال عكرمة - رضي الله عنه -: النَّبِيُّون هَهُنَا مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم، والصِّدِّيقُون أبُو بكر، والشُّهَدَاء، عُمَر وعُثْمَان وعَلِيّ، والصَّالِحُون: سائر الصَّحَابَةِ - رضي الله عنهم [أجْمَعِين]. قال ابن الخطيب: لا يجُوزُ أن تكون الشَّهَادَةُ مُقَيَّدة بكون الإنْسَانِ مَقْتُول الكَافِر؛ [لأن مَرْتَبَةَ الشَّهَادَةِ مَرْتَبَة عَظيِمة في الدِّين، وكون الإنْسَان مَقْتُول الكَافِر] ليس زيَادة شَرَفٍ، لأنّ هذا القَتْل قد يَحْصُلُ في الفُسَّاق، وفِيمَن لا مَنْزِلَة له عِنْدَ اللَّه. وأيضاً فإن المُؤمِن قد يَقُول: اللَّهُم ارْزُقْنِي الشَّهَادَة فلو كانت الشَّهَادَةُ عِبَارَة عن قَتْلِ الكَافِرِ إيَّاه، لكَان قد طَلَبَ من اللَّه ذَلِكَ القَتْل، وهو غَيْر جَائِزٍ؛ لأنَّ صُدُور [ذلك] القَتْلِ من الكَافِرِ كُفْرٌ، فَكَيْفَ يَجُوز أن يَطْلُب من الله ما هو كُفْرٌ، وأيضاً قال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : المَبْطُونُ شَهِيدٌ، والغَرِيقُ شَهِيدٌ"تفسير : فَعَلِمْنَا أن الشَّهَادَةَ لَيْسَت عِبَارَة عن القَتْل، بل نَقُول: الشَّهيدُ: "فَعِيلٌ" بمعنى "الفاعِل"، وهو الَّذي يَشْهَدُ بِصِحَّة دِيِن اللَّهِ تارةً بالحُجَّة والبَيَان، وأخْرَى بالسَّيْف والسِّنَان، فالشُّهَدَاءُ هم القَائِمُون بالقِسْطِ، وهم الَّذِين ذَكَرَهُم اللَّه - تعالى - في قوله: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ} تفسير : [آل عمران: 18] ويُقَال للمقتُول في سَبِيلِ الله: شَهِيدٌ؛ من حَيْثُ إنَّه بذل نَفْسَهُ في نُصْرَة دِين الله، وشَهَادَتهِ له بأنَّه هو الحَقُّ، وما سِوَاهُ هو البَاطِل. وأمّا الصَّالِحُون: فقد تَقَدَّم قول عِكْرِمَة: إنهم بَقِيَّة الصحابة وقيل: الصَّالِحُ من كان صَالِحاً في اعْتِقَادِه وفي علمه. قوله: {وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً} في نصب رَفيقاً قَوْلان: أحدُهُمَا: أنه تَمْيِيزٌ. والثاني: أنه حَالٌ، وعلى تَقْدِير كَوْنِهِ تَمْييزاً، فيه احْتِمَالاَن: أحدهما: أن يكون مَنْقُولاً من الفَاعِلِيَّة، وتَقْديره: وَحَسُن رَفيِقُ أولَئِك، فالرَّفِيقُ على هَذا هذا غير المُمَيَّز، ولا يجُوزُ دُخُولُ "مِنْ" عليه. والثاني: ألاَّّ يكون مَنْقُولاً، فيكون نَفْسُ المُمَيَّز، وتدخل عليه "مِنْ"، وإنَّمَا أتَى به هُنَا مفرداً؛ لأحَد مَعْنَيَيْن: إما لأن الرَّفِيق كالخَلِيطِ والصَّدِيقِ والرَّسُولِ والبريد، تذهب به العَرَب إلى الوَاحِدِ والمُثَنَّى والمَجْمُوع؛ قال - تعالى -: {أية : إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الشعراء: 16] وهذا إنَّما يَجُوز في الاسْم الّذي يكُون صِفَةً، أمَّا إذا كَانَ اسماً مُصَرَّحاً كرَجُلِ وامْرَأة لم يَجْزْ، وجوَّز الزَّجَّاج ذَلِك في الاسْمِ أيْضاً، وزعم أنه مَذْهَب سِيبَويْه. والمعنى الثَّاني: أن يكون اكْتَفَى بالوَاحِدِ عن الجَمْعِ لفهم المَعْنَى، وحَسَّن ذَلِكَ كَوْنه فَاصِلة، ويَجُوز في "أولئك" أن يكون إشَارَة إلى [النبيين ومن بَعْدَهُم، وأن يكُون إشارَةً إلى] مَنْ يُطِع الله وِرسُوله، وإنما جُمِعَ على مَعْنَاهَا؛ كقوله [تعالى]: {أية : نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً} تفسير : [الحج: 5] وعلى هذا فَيُحْتَمَل أن يُقال: إنه رَاعَى لَفْظُ ["مَنْ"] فأفْرَد في قوله: "رفيقاً"، ومَعْنَاها فجمع في قوله: "أولئك" إلا أن البَدَاءة في ذلك بالحَمْل على اللَّفْظِ أحسن، وعلى هذا فيكون قد جَمَعَ فِيهَا بين الحَمْل على اللَّفْظِ في "يَطِعْ" ثم على المَعْنَى في "أولئك" والجمهُور على فتح الحَاءِ وضمّ السّين من "حَسُنَ". وقرأ أبو السَّمَّال: بفتحها وسُكُون السِّين تَخْفِيفَاً، نحو: عَضْد في: عَضُد، وهي لُغَةُ تَمِيم، ويَجُوز "حُسْ"، بضم الحَاءِ وسُكُون السين، كأنهم نَقَلُوا حركة العَيْنِ إلى الفَاءِ بعد سَلْبِهَا حَرَكَتِها، وهذه لُغَة بَعْضِ "قَيْس"، وجعل الزَّمَخْشَرِيّ هذا من بَابِ التَّعَجُّبِّ؛ فإنه قال: فيه معنى التَّعَجُّب، كأنه قيل: وما أحْسَنُ أولَئِكَ رَفِيِقَاً، ولاسْتِقْلاَلَه بمعنى التَّعَجُّب. وقُرئ: "وحَسْن" بسُكون السِّين؛ يقول المتعجب: حَسْنَ الوَجْهِ وَجْهُك، وحَسْنُ الوَجْه وجْهك بالفَتْح والضَّمِّ مع التَّسْكِين. قال أبو حَيَّان: وهو تَخْلِيط وتَرْكِيبُ مذْهب على مَذْهَبٍ، فنقول اخْتَلَفُوا في فِعْلٍ المراد به المَدْح. فذهب [الفارسي] وأكثر النُّحَاةِ: إلى جَوازِ إلْحَاقه ببَابِ "نِعْم" و "بِئْسَ" [فقط، فلا يكُون فَاعِلُهِ إلا مَا يكُون فَاعِلاً لَهُمَا. وذهب الأخْفَش والمُبَرِّد إلى جَواز إلْحَاقِه بِبَابِ "نَعْمَ" و "بِئْسَ"]، فيُجْعَل فَاعِله كَفَاعِلَهمَا، وذلك إذا [لم] يَدْخُلُه مَعْنَى التَّعَجُّب [وإلى جَوَازَ إلْحَاقِه بفِعْل التَّعَجُّب] فلا يجري مُجْرَى "نعم" و "بِئْس" في الفَاعِل، ولا في بَقِيَّة أحْكَامِهما، فَتَقُول: لَضَرُبَتْ يدك ولضرُبَت اليَدُ، فأخذ التَّعَجُّبَ من مَذْهَب الأخْفَش، والتمثيل من مَذْهَب الفارسيّ، فلم يَتَّبع مَذْهَباً من المَذْهَبَيْن، وأما جَعْله [التَّسْكِين] والنَّقْل دلِيلاً على كَوْنِهِ مُسْتَقِلاً بالتَّعَجُّب، فغير مُسَلَّم؛ لأن الفَرَّاء حَكَى في ذلك لُغَةً في غير مَا يُرَادُ به التَّعَجُّب. و "الرَّفِيقُ" في اللُّغَة مأخُوذ من الرِّفْق، وهو لينُ الجَانِبِ ولطافة الفِعْل، وصَاحِبه رَفِيقٌ، ثم الصَّاحِبُ يسمى رَفِيقاً؛ لارْتفَاقِكَ به وبِصُحْبَتِه، ومن هذا قِيل للجَمَاعة في السَّفَر: رُفْقَة؛ لارتفاق بَعْضِهِم بِبَعْض، والمَعْنَى: أن هَؤلاَءِ رُفَقَاء في الجَنَّة. حديث : روى أنَس؛ أن رَجُلاً قال يَا رَسُولَ اللَّهِ: "الرَّجُل يُحبُّ قَوْماً ولَمَّا يَلْحَقْ بِهِم" قال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "المَرْءُ مَعَ مَنْ أحَبَّ ". تفسير : وعن أنَس بن مَالِك قال: حديث : قال رَجُل: يا رسُولَ الله مَتَى السَّاعة؟ قالَ ومَا أعْدَدْتَ لَهَا؛ فلم يَذْكُر كَثيراً إلا أنَّهُ يُحِبُّ الله ورسُوله. قال: فأنْتَ مع مَنْ أحْبَبْت . تفسير : قوله: {ذٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ} "ذَلِكَ" مُبْتَدأ، وفي الخَبَر وَجْهَان: أحدهما: أنه "الفضل" والجَار والمَجْرُور في مَحَلِّ نَصْبٍ على الحَالِ، والعَامِلُ فيها مَعْنَى الإشَارَة. والثاني: أنه الجَارُّ، و"الفضل" صِفَة لاسْم الإشَارَة، ويجوز أن يكُون "الفضل" والجار بَعْدَه خَبَرَيْن [لـ "ذَلِك"] على رَأي من يجيزُه. فصل: في دفع شُبه المعتزلة القائلين بوجوب الثواب "ذلك" [اسم] إشَارَة إلى ما تَقَدَّم ذكْرُه من الثَّوَابِ، وقد حكم عليه بأنَّه فَضْل من اللَّهِ، وهذا يَدُلُّ على أن الثواب غير وَاجِبٍ على اللَّهِ - تعالى -، وَيَدُلُّ عليه من جِهَة العَقْلِ أيْضاً وُجُوه: أحدها: أن القٌدْرَة على الطَّاعَةِ إن كَانَت لا تَصْلُح إلا للطَّاعَةِ، فَخَالِقُ تلك القُدْرَةِ هو الَّذِي أعْطَى الطَّاعَة، فلا يَكُون فعْلُه مُوجباً شَيْئاً، وإن كانت صالحة للمَعْصِيَة أيْضاً، لم يترجَّحْ جَانِب الطَّاعة [للَّه] على جَانِب المَعْصِيَة إلا بِخَلْقِ الدَّاعِي إلى الطَّاعَة، ويصِيرُ مَجْمُوع القُدْرَةِ والدَّاعِي موجِباً للفِعْل، فخالق هذا المَجْمُوعِ، هو الَّذِي أعْطَى الطَّاعة، فلا يَكُون فِعْلُه مُوجِباً عليه شَيْئاً. وثانيها: أنَّ نِعم اللَّه على العَبْدِ لا تُحْصَى، وهي مُوجِبةٌ للطَّاعَة والشُّكْر، فإذا وَقَعَتْ في مُقَابَلَة النِّعَم السَّالِفَة، امتنع كَوْنُها مُوجِبَة للثَّوَابِ في المُسْتَقْبَل. وثالثها: أن الوُجُوب يَسْتَلْزِم [اسْتِحْقاق] الذَّمِّ عند التَّرْك، وهذا الاسْتِحْقَاقُ يُنَافِي الإلَهِيَّة، فيمتنع حُصُولُه في حَقِّ الإلَه - [سبحانه وتعالى] -؛ فَثَبَت أنَّ ظاهر الآيَة كَمَا دَلَّ على أنَّ الثَّواب فَضْل من اللَّه - تعالى - فالبَرَاهيِنُ العقْلِيّة القَاطِعَة دَالَّةٌ على ذَلِكَ أيْضَاً. فصل يحتمل أن يكُون معنى الآية: ذَلِكَ الثَّوَاب لِكَمَالِ درجَتِه هو الفَضْلُ من اللَّه، وأن ما سِوَاهُ ليس بِشَيء، ويُحْتَمَلُ أن يكوُن ذلك الفَضْلُ المَذْكُور والثَّوَاب المَذكُور هو من اللَّهِ لا مِنْ غَيْرِه. {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ} أي: بثَوابِ الآخِرَة، وقيل: لمن أطاع الله ورسوله وأحبه وفيه بَيَان أنَّهُم لم ينالوا تلك الدَّرَجَة بطَاعَتِهم، إنَّما نالوها بِفَضْلِ اللَّه - عز وجل -. روى أبو هُريرة - رضي الله عنه -. قال: قال رسُول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : قَاربُوا وسَدِّدُوا واعْلَمُوا أنَّه لا يَنْجُو أحَدٌ مِنْكُم بِعَمَلِهِ" قالُوا: ولا أنْتَ يا رسُول اللَّه؟ قال: "ولا أنا إلاَّ أنْ يَتَغَمَّدَني اللَّه بِرَحْمَةٍ منه وفَضْل ".
البقاعي
تفسير : ولما رغب في العمل بمواعظه، وكان الوعد قد يكون لغلظ في الموعوظ، وكان ما قدمه في وعظه أمراً مجملاً؛ رغب بعد ترقيقه بالوعظ في مطلق الطاعة التي المقام كله لها، مفصلاً إجمال ما وعد عليها فقال: {ومن يطع الله} أي في امتثال أوامره والوقوف عند زواجره مستحضراً عظمته - طاعة هي على سبيل التجدد والاستمرار {والرسول} أي في كل ما أراده، فإن منصب الرسالة يقتضي ذلك، لا سيما من بلغ نهايتها {فأولئك} أي العالو الرتبة العظيمو الشرف {مع الذين أنعم} أي بما له من صفات الجلال والجمال {عليهم} أي معدود من حزبهم، فهو بحيث إذا أراد زيارتهم أو رؤيتهم وصل إليها بسهولة، لا أنه يلزم أن يكون في درجاتهم وإن كانت اعماله قاصرة. ثم بينهم بقوله: {من النبيين} أي الذين أنبأهم الله بدقائق الحكم، وأنبؤوا الناس بحلائل الكلم، بما لهم من طهارة الشيم والعلو والعظم {والصديقين} أي الذين صدقوا أول الناس ما أتاهم عن الله وصدقوا هم في أقوالهم وأفعالهم، فكانوا قدوة لمن بعدهم {والشهداء} أي الذين لم يغيبوا أصلاً عن حضرات القدس ومواطن الأنس طرفة عين، بل هم مع الناس بجسومهم ومع الله سبحانه وتعالى بحلومهم وعلومهم سواء شهدوا لدين الله بالحق، ولسواه بالبطلان بالحجة أو بالسيف، ثم قتلوا في سبيل الله {والصالحين} أي الذين لا يعتريهم في ظاهر ولا باطن بحول الله فساد أصلاً، وإلى هذا يشير كلام العارف الشيخ رسلان حيث قال: ما صلحت ما دامت فيك بقية لسواه، وقد تجتمع الصفات الأربع في شخص وقد لا تجتمع، وأبو بكر رضي الله تعالى عنه أحق الأمة بالصديقية وإن قلنا: إن علياً وزيداً رضي الله تعالى عنهما أسلما قبله، لأنه - لكبره وكونه لم يكن قبل الإسلام تابعاً للنبي صلى الله عليه وسلم - كان قدوة لغيره، ولذلك كان سبباً لإسلام ناس كثير وأولئك كانوا سبباً لإسلام غيرهم، فكان له مثل أجر الكل، وكان فيه حين إسلامه قوة الجهاد في الله سبحانه وتعالى بالمدافعة عن النبي صلى الله عليه وسلم - وغير ذلك من الأفعال الدالة على صدقه، ولملاحظة هذه الأمور كانت رتبتها تلي رتبة النبوة، ولرفع الواسطة بينهما وفق الله سبحانه وتعالى هذه الأمة التي اختارها بتولية الصديق رضي الله تعالى عنه بعد نبيهم صلى الله عليه وسلم ودفنه إلى جانبه، ومن عظيم رتبتهم تنويه النبي صلى الله عليه وسلم في آخر عمره بهم فقال: "حديث : مع الرفيق الأعلى "تفسير : روى البخاري في التفسير عن عائشة رضي الله عنهما قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : ما من نبي يمرض إلا خير بين الدنيا والآخرة " تفسير : ، وكان في شكواه الذي قبض فيه أخذته بحّة شديدة، فسمعته يقول: {مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين} فعلمت أنه خيّر. ولما أخبر أن المطيع مع هؤلاء، لم يكتف بما أفهم ذكرهم من جلالهم وجلال من معهم، بل زاد في بيان علو مقامهم ومقام كل من معهم بقوله: {وحسن} أي وما أحسن {أولئك} أي العالو الأخلاق السابقون يوم السباق {رفيقاً *} من الرفق، وهو لغة: لين الجانب ولطافة الفعل, وهو مما يستوي واحده وجمعه. ثم أشار إلى تعظيم ما منحهم به مرغباً في العمل بما يؤدي إليه بأداة البعد فقال: {ذلك الفضل} وزاد في الترغيب فيه بالإخبار عن هذا الابتداء بالاسم الأعظم فقال: {من الله}. ولما كان مدار التفضيل على العلم، قال - بانياً على تقديره: لما يعلم من صحة بواطنهم اللازم منها شرف ظواهرهم -: {وكفى بالله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {عليماً *} يعلم من الظواهر والضمائر ما يستحق به التفضيل من فضله على غيره. ولما دل على درجة الشهادة بعد ما ذكر من ثواب من قبل موعظته ولو في قتل نفسه، وذم من أبى ذلك بعد ما حذر من الأعداء من أهل الكتاب والمشركين والمنافقين المخادعين، فتوفرت دواعي الراغبين في المكارم على ارتقابها؛ التفت إلى المؤمنين ملذذاً لهم بحسن خطابه نادباً إلى الجهاد مع الإرشاد إلى الاستعداد له مما يروع الأضداد، فقال سبحانه وتعالى - منبهاً بأداة البعد وصيغة المضي إلى أن الراسخ لا ينبغي له أن يحتاج إلى تنبيه على مثل هذا -: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان. ولما كان سبحانه وتعالى قد خلق للإنسان عقلاً يحمله على التيقظ والتحرز من الخوف، فكان كالآلة له، وكان - لما عنده من السهو والنسيان في غالب الأوقات - مهملاً له، فكان كأنه قد ترك آلة كانت منه؛ قال سبحانه وتعالى: {خذوا حذركم} أي من الأعداء الذين ذكرتهم لكم وحذرتكم منهم: المشاققين منهم والمنافقين {فانفروا} أي اخرجوا تصديقاً لما ادعيتم إلى جهادهم مسرعين {ثبات} أي جماعات متفرقين سرية في إثر سرية. لا تملوا ذلك أصلاً {أو انفروا جميعاً *} أي عسكراً واحداً، ولا تخاذلوا تهلكوا، فكأنه قال: خففت عنكم قتل الأنفس على الصفة التي كتبتها على من قبلكم، ولم آمركم إلا بما تألفونه وتتمادحون به فيما بينكم وتذمون تاركه، من موارد القتال, الذي هو مناهج الأبطال، ومشارع فحول الرجال، وجعلت للباقي منكم المحبوبين من الظفر وحل المغنم، وللماضي أحب المحبوب، وهو الدرجة التي ما بعدها إلا درجة النبوة، مع أنه لم ينقص من أجله شيء، ولو لم يقتل في ذلك السبيل المرضى لقتل في غيره في ذلك الوقت. ولما كان التقدير: فإن منكم الخارج إلى الجهاد عن غير حزم ولا حذر، عطف عليه قوله - مبيناً لما هو من أجلّ مقاصد هذه الآيات من تبكيت المنافقين للتحذير منهم، ووصفهم ببعض ما يخفون، مؤكداً لأن كل ما ادعى الإيمان ينكر أن يكون كذلك -: {وإن منكم} أي يا أيها الذين آمنوا وعزتنا {لمن ليبطئن} أي يتثاقل في نفسه عن الجهاد لضعفه في الإيمان أو نفاقه، ويأمر غيره بذلك أمراً مؤكداً إظهاراً للشفقة عليكم وهو عين الغش فإنه يثمر الضعف المؤدي إلى جرأة العدو المفضي إلى التلاشي. ولما كان لمن يتثاقل عنهم حالتا نصر وكسر، وسبب عن تثاقله مقسماً لقوله فيهما: {فإن أصابتكم مصيبة} أي في وجهكم الذي قعدوا عنه {قال} ذلك القاعد جهلاً منه وغلظة {قد أنعم الله} أي الملك الأعظم، ذاكراً لهذا الاسم غير عارف بمعناه {عليّ إذ} أي حين، أو لأني {لم أكن معهم شهيداً *} أي حاضراً، ويجوز أن يريد الشهيد الشرعي، ويكون إطلاقه من باب التنزل، فكأنه يقول: هذا الذي هو أعلى ما عندهم أعدُّ فواته مني نعمة عظيمة {ولئن أصابكم فضل} أي فتح وظفر وغنيمة {من الله} أي الملك الأعلى الذي كل شيء بيده. ولما كان تحسره إنما هو على فوات الأغراض الدنيوية أكد قوله: {ليقولن} أي في غيبتكم، واعترض بين القول ومقوله تأكيداً لذمهم بقوله: {كأن} أي كأنه {لم} أي مشبهاً حاله حال من لم {يكن بينكم وبينه مودة} أي بسبب قوله: {يا ليتني كنت معهم فأفوز} أي بمشاركتهم في ذلك {فوزاً عظيماً *} وذلك لأنه لو كان ذا مودة لقال حال المصيبة: يا ليتها لم تصبهم! ولو كنت معهم لدافعت عنهم! وحال الظفر: لقد سرني عزهم، ولكنه لم يجعل محط همه في كلتا الحالتين غير المطلوب الدنيوي، ولعله خص الحالة الثانية بالتشبيه لأن ما نسب إليه فيها لا يقتصر عليه محب، وأما الحالة الأولى فربما اقتصر المحب فيها على ذلك قصداً للبقاء لأخذ الثأر ونكال الكفار، وذكر المودة لأن المنافقين كانوا يبالغون في إظهار الود والشفقة والنصيحة للمؤمنين.
السيوطي
تفسير : أخرج الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والضياء المقدسي في صفة الجنة وحسنه عن عائشة قالت: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا رسول الله إنك لأحب إليَّ من نفسي، وإنك لأحب إليَّ من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتي فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وأني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك. فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً حتى نزل جبريل بهذه الآية {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم...} الآية". وأخرج الطبراني وابن مردويه من طريق الشعبي عن ابن عباس "أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أحبك حتى إني أذكرك، فلولا أني أجيء فأنظر إليك ظننت أن نفسي تخرج، وأذكر أني إن دخلت الجنة صرت دونك في المنزلة فيشق عليَّ وأحب أن أكون معك في الدرجة. فلم يرد عليه شيئاً، فأنزل الله {ومن يطع الله والرسول...} الآية. فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلاها عليه". وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن الشعبي "حديث : أن رجلاً من الأنصار أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله والله لأنت أحب إليَّ من نفسي وولدي وأهلي ومالي، ولولا أني آتيك فأراك لظننت أني سأموت. وبكى الأنصاري فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما أبكاك؟ فقال: ذكرت أنك ستموت ونموت فترفع مع النبيين، ونحن إذا دخلنا الجنة كنا دونك. فلم يخبره النبي صلى الله عليه وسلم بشيء، فأنزل الله على رسوله {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم} إلى قوله {عليماً} فقال: أبشر يا أبا فلان ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير قال: "حديث : جاء رجل من الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو محزون، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا فلان ما لي أراك محزوناً؟ قال: يا نبي الله شيء فكرت فيه! فقال: ما هو؟ قال: نحن نغدو عليك ونروح ننظر في وجهك ونجالسك، غداً ترفع مع النبيين فلا نصل إليك. فلم يرد النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً، فأتاه جبريل بهذه الآية {ومن يطع الله والرسول} إلى قوله {رفيقاً} قال: فبعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم فبشره ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مسروق قال: "قال أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله ما ينبغي لنا أن نفارقك في الدنيا، فإنك لو قدمت رفعت فوقنا فلم نرك. فأنزل الله {ومن يطع الله والرسول...} الآية". وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: حديث : أتى فتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا نبي الله: إن لنا فيك نظرة في الدنيا، ويوم القيامة لا نراك لأنك في الجنة في الدرجات العلى. فأنزل الله {ومن يطع الله...} الآية. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنت معي في الجنة إن شاء الله" . تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجالاً قالوا: هذا نبي الله نراه في الدنيا فأما في الآخرة فيرفع بفضله فلا نراه. فأنزل الله {ومن يطع الله والرسول} إلى قوله {رفيقاً} . وأخرج ابن جرير عن السدي قال: قال ناس من الأنصار: يا رسول الله إذا أدخلك الله الجنة فكنت في أعلاها ونحن نشتاق إليك فكيف نصنع؟ فأنزل الله {ومن يطع الله والرسول...} الآية. وأخرج ابن جرير عن الربيع، أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: قد علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم له فضل على من آمن به في درجات الجنة ممن تبعه وصدقه، فكيف لهم إذا اجتمعوا في الجنة أن يرى بعضهم بعضاً؟ فأنزل الله هذه الآية في ذلك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الأعلين ينحدرون إلى من هو أسفل منهم فيجتمعون في رياضها، فيذكرون ما أنعم الله عليهم ويثنون عليه ". تفسير : وأخرج مسلم وأبو داود والنسائي حديث : عن ربيعة بن كعب الأسلمي قال: كنت أبيت عند النبي صلى الله عليه وسلم، فآتيه بوضوئه وحاجته فقال لي: "سل... فقلت: يا رسول الله أسالك مرافقتك في الجنة. قال: أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك. قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود" . تفسير : وأخرج أحمد عن عمرو بن مرة الجهني قال: "حديث : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وصليت الخمس، وأديت زكاة مالي، وصمت رمضان. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مات على هذا كان مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة هكذا - ونصب أصبعيه - ما لم يعق والديه ". تفسير : وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن معاذ بن أنس "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من قرأ ألف آية في سبيل الله كتب يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً إن شاء الله ". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم وابن ماجه عن عائشة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : ما من نبي يمرض إلا خُيِّرَ بين الدنيا والآخرة "تفسير : ، وكان في شكواه الذي قبض فيه أخذته بحة شديدة فسمعته يقول {مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين} فعلمت أنه خيِّر. وأخرج ابن جرير حديث : عن المقداد قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم قلت في أزواجك "إني لأرجو لهن من بعدي الصديقين. قال: من تعنون الصديقين؟ قلت: أولادنا الذين هلكوا صغاراً. قال: لا، ولكن الصديقين هم المصدقون" .
القشيري
تفسير : جعل طاعة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - مفتاحَ الوصول إلى مقامات النبيين والصديقين والشهداء على الوجه الذي يصحُّ للأُمة وكفى له عليه السلام بذلك شرفاً. ثم قال: {ذٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ}: جرَّد عليهم محلّهم عن كل علة واستحقاق وسبب؛ فإن ما لاح لهم وأصابهم صرفُ فضله وابتداء كرمه.
البقلي
تفسير : {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّالِحِينَ} انهم ان طاعة الله لا تحصل بحقائها الا بعد مشاهدة الله لان حقيقة الطاعة لا يكون الا من المحبة ولا يكون المحبة الا بعد الرؤية والمشاهدة اى من اطاع اله محبه الله فى رؤية الله لقوله عليه الصلاة والسلام تعبد الله كانك تراه وطاعة الرسول بمعرفة الرسول ومعرفة الرسول من معرفة الله اى بلغ طاعته الى هذا المراتب فهو اهل الله وهو شبيه انبيائه وشهدائه ورسله واوليائه ويكون فى الدنيا والاخرة رفيقهم وهذا معى قوله فاولئك مع الذين انعم الله عليهم من النبيين انعام الله على النيين مداناتهم ومشاهداتهم وعلومهم بذاته وصفاته تعالى واستشرافهم على خزائن ملكه وملكوته وانعامه على الصديقين اعطاؤهم سنى الكرامات وفتح ابصارهم بانوار الصفات وانعامه على اشهداء كشف جماله هلم درية لدمائهم وانعامه على الصالحين ابرار لطائف بره لهم ليالفوه بها ويستقيموا فى الحضرة بالخدمة قوله تعالى {وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً} معناه حسن مرافقتهم مع المطيع لله وحسن مرافقة الله مطيع الله لهم لقرب منازلهم ودنو مقاماتهم بعضهم بعضا لان المرافقة الا يحسن الا بموافقة المقامات والانيباء هم الذين سمعوا ابناء الله بسمع الخاص والصديقون هم الذين هم الله بسحن الرضا ومشاهدة نور البقاء والشهداء المقتلون بسيوف محبته فى معارك سطوات عظمته والصالحون هم الذين خرجوا من محن الامتحان وظفروا بنعمة الجنان والروح والريحان ويترؤون هلال تجمال الرحمن ولم يذكر المرسلين لانهم فى الغيب غائبون ومن غيب الغيب غائبون اوهم الله فى ستره لا يطلع علهيم احد من خلقه الا عند بروزهم من الحضرة قال فارس ادنى منازل الانبياء على مرابت الصديقين وادنى مانزل اصديقين على مراتب الشهداء وادنى منازل الشهداء على مراتب الصالحين والصالحون فى ميدان الشهداء والشهداء فى ميدان الصديقين الصديقون فى ميدان الانبياء والانبياء فى ميدان المرسلين.
اسماعيل حقي
تفسير : {ومن يطع الله والرسول} والمراد بالطاعة هو الانقياد التام والامتثال الكامل بجميع الاوامر والنواهى "حديث : ـ روى ـ ان ثوبان مولى رسول الله اتاه يوما وقد تغير وجهه ونحل جسمه فسأله عن حاله فقال ما بى من وجع غير انى اذا لم ارك اشتقت اليك واستوحشت وحشة شديدة على لقائك ثم ذكرت الآخرة فخفت ان لا اراك هناك لانى عرفت انك ترفع مع النبيين وان ادخلت الجنة كنت فى منزل دون منزلتك وان لم ادخل فذاك حين لا اراك ابدا فنزلت فقال صلى الله عليه وسلم "والذى نفسى بيده لا يؤمن عبد حتى اكون احب اليه من نفسه وابويه واهله وولده والناس اجمعين" " .تفسير : {فاولئك} اشارة الى المطيعين {مع الذين انعم الله عليهم} اى اتم الله عليهم النعمة وهذا ترغيب للمؤمنين فى الطاعة حيث وعدوا مرافقة اقرب عباد الى الله وارفعهم درجات عنده {من النبيين} بيان للمنعم عليهم وهم الفائزون بكمال العلم والعمل المتجاوزون حد الكمال الى درجة التكميل {والصديقين} المبالغين فى الصدق والاخلاص فى الاقوال والافعال الذين صعدت نفوسهم تارة بمراقى النظر فى الحجج والآيات واخرى بمعارج التصفية والرياضات الى اوج العرفان حتى اطلعوا على الاشياء واخبروا عنها على ما هى عليها {والشهداء} الذين ادى بهم الحرص على الطاعة والجد فى اظهار الحق حتى بذلوا مهجهم فى اعلاء كلمة الله {والصالحين} الذين صرفوا اعمارهم فى طاعته واموالهم فى مرضاته وليس المراد بالمعية الاتحاد فى الدرجة لان التساوى بين الفاضل والمفضول لا يجوز ولا مطلق الاشتراك فى دخول الجنة بل كونهم فيها بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر وزيارته متى اراد وان بعد ما بينهما من المسافة {وحسن اولئك رفيقا} فى معنى التعجب كأنه قيل وما احسن اولئك رفيقا اى النبيين ومن بعدهم ورفيقا تمييز وافراده لما انه كالصديق والخليط والرسول يستوى فيه الواحد والمتعدد والرفيق الصاحب مأخوذ من الرفق وهو لين الجانب واللطافة فى المعاشرة قولا وفعلا.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {رفيقاً}: تمييز لما في {حَسُن} من معنى التعجب أو المدح، ولم يجمع؛ لأن فعيلا يُحمل على الواحد والجمع، أو لأنه أريد حسن كل واحد منهم. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ومن يطع الله والرسول} ويرضى بأحكامهما ويمتثل أمرهما ويجتنب نهيهما، {فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم}، وهم أكرم الخلق عند الله وأعظمهم قدرًا {من النبيين} والمرسلين {والصديقين} وهم من كثر صدقهم وتصديقهم وعظم يقينهم؛ وهم الأولياء العارفون بالله، {والشهداء} الذين ماتوا جهادًا في سبيل الله، {والصالحين} وهم العلماء الأتقياء، ومن صلح حاله من عامة المسلمين. قال البيضاوي: قسمهم أربعة أقسام، بحسب منازلهم في العلم والعمل، وحث كافة الناس على ألاَّ يتأخروا عنهم، وهم: الأنبياء الفائزون بكمال العلم والعمل، المتجاوزون حد الكمال إلى درجة التكميل. ثم الصديقون الذين صعِدت نفوسهم تارة بمراقي النظر في الحجج والآيات، وأخرى بمعارج التصفية والرياضات إلى أوج العرفان، حتى اطلعوا على الأشياء وأخبروا عنها على ما هي عليها. ثم الشهداء الذين أدى بهم الحرص على الطاعة والجد في إظهار الحق، حتى بذلوا مُهَجَهُم في أعلاء كلمة الله، ثم الصالحون الذين صرفوا أعمارهم في طاعته، وأحوالهم في مرضاته، ولك أن تقول: المُنعَمُ عليهم هم العارفون بالله، وهؤلاء إما أن يكونوا بالغين درجة العيان، أو واقفين في مقام الاستدلال والبرهان، والأولون إما أن ينالوا مع العيان القرب، بحيث يكونون كمن يرى الشيء قريبًا، وهم الأنبياء، أو لا، فيكونون كمن يرى الشيء بعيدًا، وهم الصديقون، والآخرون إما أن يكون عرفانهم بالبراهين القاطعة، وهم العلماء الراسخون الذين هم شهداء الله في أرضه، وإما أن يكون بأمارات وإقناعات تطمئن إليها نفوسهم، وهم الصالحون. انتهى كلامه. وفيه نظر من وجهين: أحدهما: أنه أطلق على أهل الاستدلال أنهم عارفون، ولا يقال عند الصوفية فيه عارف، حتى يترقى عن مقام الاستدلال، وإلا فهو عالم فقط، والثاني: أنه جعل الصديقين بمنزلة من يرى الشيء بعيدًا، وأهل الفناء لم يبق لهم بُعدٌ، بل غابوا في القرب حتى امتحى اسمهم ورسمهم. فأيُّ بينونة وأيُّ بُعد يبقى للعارف، لولا فقدان الذوق، ولكن لكلِّ فنِ أربابُه، وسيأتي في الإشارة تحقيق ذلك إن شاء الله. ثم قال جلّ جلاله: {وحسن أولئك رفيقًا} أي: ما أحسنهم رفقًا في الفراديس العُلى، فهم يتمتعون فيها برؤيتهم وزيارتهم والحضور معهم، وإن كانوا أعلى منهم، فلا يلزم من كونه معهم أن تستوي درجته معهم، قال في الحاشية: وتعقل مرافقة من دون النبي في المدانات من حاله وكشفه، بحيث لا يحجب عنه، وإن كان لا مطمع له في منزلته، واعتبر برؤية البصائر له وعدم غيبته عنهم وأنسهم به والاستفادة منه، رُوِي عنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه قال: " حديث : يزور الأعلَون من أهل الجنة الأسفلين، ولا يزور الأسفلون الأعلين، إلا من كان يزور في الله في الدنيا، فذلك يزور الجنة حيث شاء ". تفسير : رُوِيَ أن ثَوبَانَ مَولى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أتاه يومًا وَقَد تَغَيَّر وَجهُهُ وَنَحَلَ جِسمُهُ، فسأله عليه الصلاة والسلام عن حاله، فقال: ما بي وَجَعٌ، غَيرَ أنِّي إذَا لَمْ أرَكَ اشتقْتُ إليك، واستَوحَشتُ وَحشةً شَدِيدَةً حَتَى ألقَاكَ، ثمَّ ذَكَرتُ الآخِرَةَ فخفت ألا أرَاكَ هُنَاكَ؛ لأني عرفت أنكَ تُرفَعُ مَعَ النَّبِيِّينَ. وإن دخلتُ الجَنَّة، كُنتُ في مَنزلٍ أدون مِن مَنزِلكَ، وأن لَم أدخُلِ الجَنَّةَ فّذَلكَ حَرِيّ ألا أرَاكَ أبَدًا. فنزلت الآية {ومَن يطع الله والرسول...} الخ. {ذلك الفضل من الله} إشارة إلى ما للمطيعين من الأجور، ومزيد القرب والحضور، وأنه فضل تفضل على عباده، {وكفى بالله عليمًا} بمقادير الأعمال والمقامات. فيُجازى كُلاًّ على حسب مقامه. والله تعالى أعلم. الإشارة: اعلم أن الطاعة التي توجب المعية الحسية في النعيم الحسي الجسماني هي الطاعة الظاهرة الحسية. والطاعة التي توجب المعية المعنوية في النعيم الروحاني هي الطاعة الباطنية القلبية. فالمعية الحسية صاحبها مفروق، والمعية المعنوية صاحبها مجموع، لا يغيب عن حبيبه لحظة. هؤلاء هم الصديقون المقربون. وفوقهم الأنبياء، وتحتهم الشهداء والصالحون. وبيان ذلك أن العلم بالله تعالى: إما أن يكون عن كشف الحجاب وانقشاع السحاب، أعني سحاب الأثر، وهم أهل الشهود والعيان. وإما أن يكون من وراء الحجاب، يأخذون أجرهم من وراء الباب، يستدلون بالآثار على المؤثر. وهم أهل الدليل والبرهان. والأولون إما أن يرتقوا إلى مكافحة الوحي ورؤية الملائكة الكرام. وهم الأنبياء والرسل ـ عليه الصلاة والسلام -، وإما أن يقصروا عن درجة الوحي ويكون لهم وحي إلهام، وهم الصديقون؛ أهل الحال والمقام، فقد اشتركوا في مقام العيانِ. لكن مقام الحضرة فضاؤه واسع، والترقي في معارج أسرار التوحيد غير متناهٍ، فحيث انتهى قدم الولي ابتدأ ترقي النبي، وأما أهل الحجاب فإما أن يكون علمهم بالله بالبراهين القطعية والدلائل السمعية، وهم العلماء الراسخون، وهو مقام الشهداء، وإما أن يكون علمهم بالرياضات والمجاهدات وتواتر الكرامات، وهم العباد والزهاد. وهو مقام الصالحين، ويلتحق بهم عوام المسلمين، لأن كل مقام من هذه المقامات في درجات ومقامات لا يحصرها إلا العالم بها. والله تعالى أعلم.
الطوسي
تفسير : المعنى واللغة والنزول: لما جرى ذكر الطاعة فيما تقدم والحض عليها اقتضى ذكر طاعة الله، وطاعة الرسول، والوعد عليها. وقيل: إنه وعد بامر مخصوص على الطاعة من مرافقة النبيين ومن ذكر معهم وهو أعم فائدة. ومعنى قوله: {فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين} انه يستمتع برؤية النبيين وزيارتهم، والحضور معهم. فلا ينبغي أن يتوهم من أجل أنهم في أعلى عليين انه لا يراهم. وقال الحسن، وسعيد بن جبير، ومسروق، وقتادة، والربيع، والسدي، وعامر: إن سبب نزول هذه الآية ان بعض الناس توهم ذلك، فحزن له، وسأل النبي (صلى الله عليه وسلم) عن ذلك، فانزل الله الآية. وقيل في معنى الصدّيق قولان: أحدهما - المداوم على ما يوجبه التصديق بالحق. الثاني - ان الصديق هو المتصدق بما يخلص له من عمل البر. والاول أظهر. والشهداء جمع شهيد. وهو المقتول في سبيل الله. وفي تسميته شهيداً قولان: أحدهما - لأنه قام بشهادة الحق حتى قتل في سبيل الله. والآخر - انه من شهداء الآخرة بما ختم له من القتل في سبيل الله. وليست الشهادة هي القتل، لأنها معصية، ولكنها حال المقتول في اخلاص القيام بالحق لله مقراً به، وداعياً إليه. وقيل: الشهادة هي الصبر على ما أمره الله به من قتال عدوه والانقياد له. فأما الصبر على الألم بترك الأنين فليس بممنوع، بل هو مباح إذا لم يقل ما يكرهه الله. وقال الجبائي: الشهداء جمع شهيد. وهم الذين جعلهم الله شهداء في الآخرة. فهم عدول الآخرة. وهذا على مذهبه بعيد، لأن أهل الجنة كلهم عدول عنده، لأن من ليس بعدل لا يدخل الجنة. والله تعالى وعد من يطيعه ويطيع رسوله بأنه يحشره مع هؤلاء. فينبغي أن يكونوا غير الموعود لهم. وإلا يصير تقديره إنهم مع نفوسهم. والصالح: من استقامت نفسه بحسن عمله. والمصلح المقوم لعمل يحسنه. ويقال: الله يصلح في تدبير عباده. بمعنى أنه يحسن تدبير عباده. ولا يوصف بانه صالح. الاعراب وقوله: {وحسن أولئك رفيقاً} نصب على التمييز. ولذلك لا يجمع. وهو في موضع رفقاء وقيل إنه لم يجمع، لأن المعنى، حسن كل واحد منهم رفيقاً كما قال: {أية : يخرجكم طفلاً}تفسير : وقال الشاعر: شعر : نصبن الهوى ثم ارتمين قلوبنا باسهم أعداء وهن صديق تفسير : ومن قال: {رفيقاً} نصب على التمييز، قال: لأنه قد سمع حسن أولئك من رفقاء، وكرم زيد من رجل. وقال قوم: هو نصب على الحال، فانه قد تدخل (من) في مثله. فاذا سقطت (من) فالحال هو الاختيار، لأنه من أسماء الصفات كأسماء الاجناس. ويكون التوحيد لما دخله من معنى حسن كل واحد منهم مرافقاً. ونظيره: لله درهم فارساً، أي حال الفروسية. اللغة: والرفيق: مشتق من الرفق في العمل. وهو الارتفاق فيه. ومنه الترفق في السير، ونحوه. ومنه المرافقة. والمرفق من اليد - بكسر الميم - لأنه يرتفق به. ويقال أيضاً في العمل نحو قوله: {أية : ويهيئ لكم من أمركم مرفقاً } تفسير : أي رفقاً يصلح به أمركم. والمرفق: - بفتح الميم - من مرافق الدار. والرفقة: الجماعة في السفر، لارتفاق بعضهم ببعض. وقوله: {ذلك الفضل} اشارة إلى الثواب بالكون مع النبيين، والصديقين. والتقدير ذلك هو الفضل من الله. وهو وإن كان مستحقاً، فلم يخرج من أن يكون تفضلا، لأن سببه الذي هو التكليف، تفضل. والفضل: هو الزائد على المقدار إلا أنه قد كثر على ما زاد من الانتفاع. وكل ما يفعله تعالى فهو فضل، وتفضل، وافضال، لأنه زائد على مقدار الاستحقاق الذي يجري على طريق المساواة. وقوله: {وكفى بالله عليماً} انما ذكر، ليعلم انه لا يضيع عنده شيء من جزاء الاعمال. من حيث كان تعالى: عالماً به، وبما يستحق عليه. وتقديره، وكفى بالله عليما بكنه الجزاء على حقه، وتوفير الحظ فيه. ودخلت الباء في اسم الله زائدة للتوكيد. والمعنى كفى الله. ووجه التأكيد أن اتصال الاسم بالفعل من جهة بنائه عليه وجه من وجوه الاتصال واتصاله بالباء وجه آخر من وجوه الاتصال، فاذا اجتمعا كان أوكد. ووجه آخر هو أن معناه اكتفى العباد بالله. ووجه ثالث وهو أنه توطئة لباب سير بزيد وأكرم بزيد من جهة أن موضعه رفع، وفيه حرف من حروف الجر. والكفاية مقدار مقاوم للحاجة. ولا يخلو المقدار من أن يكون فاضلا أو مقصراً أو كافياً، فهذه الأقسام الثلاثة متقابلة.
الجنابذي
تفسير : {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ} بقبول امرهما فى علىّ (ع)، فاذا قبل ما قالا فى علىّ (ع) رجع اليه والتجأ اليه، ومن التجأ اليه عن صدق صار مقبولاً عنده، ومن صار مقبولاً عنده رحمه واخذ البيعة وميثاق الله منه وادخله فى ولايته، ومن ادخله علىّ (ع) فى ولايته {فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم} فانّ النّعمة الحقيقيّة هو علىّ (ع) وولايته فما بلغ من بلغ النّبوّة وكمالاتها الاّ بولاية علىّ (ع)، وما ابتلى من ابتلى منهم الا بالوقوف فى ولاية علىّ (ع) {مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً} والنّبىّ هو انسان اوحى اليه بشيء، والصّدّيق هو الّذى خرج عن الاعوجاج قولاً وفعلاً وعقيدةً وخلقاً بحيث لا يبقى فيه اعوجاج ويخرج غيره ايضاً عن الاعوجاج فانّ المبالغة تقتضى ذلك والمراد بهم الاوصياء الّذين صاروا كاملين فى أنفسهم مكمّلين لغيرهم، والشّهداء هم الّذين شهدوا الغيب بالسّلوك او بالجذب ووصلوا الى مقام القلب وحضروا عند ربّهم فى الولاية الّذى هو علىّ (ع)، او المراد بهم الّذين استشهدوا فى الجهاد، والصّالحين ههنا هم الّذين توسّلوا بالولاية ولم يبلغوا مقاماً فيها لكن سلكوا عن صدقٍ.
فرات الكوفي
تفسير : فرات قال: حدثني عبيد بن كثير معنعناً: عن اصبغ [أ، ب: الأصبغ] بن نباتة قال: لمّا هزمنا أهل البصرة جاء علي بن أبي طالب عليه السلام حتى استند إلى حائط من حيطان البصرة فاجتمعنا [أ، ب: واجتمعنا] حوله وأمير المؤمنين راكب والناس نزول، فيدعو الرجل باسمه فيأتيه ثم يدعو الرجل باسمه فيأتيه ثم يدعو الرجل باسمه فيأتيه حتى وافاه بها [أ: لها. ب: منا] ستون [أ، ر: ستين] شيخاً كلهم قد صفروا اللحى وعقصوها وأكثرهم يومئذٍ من همدان، فأخذ أمير المؤمنين طريقاً من طريق [ب: طرق] البصرة ونحن معه وعلينا الدروع والمغافر، متقلدي السيوف متنكبي الأترسة، حتى انتهى إلى دار قوراء عظيمة [ن: فوراً عظيماً] فدخلنا فاذا فيها نسوة يبكين، فلمّا رأينه صحن صيحةً واحدة وقلن: هذا قاتل الأحبة فأسكت [ب(خ ل): فأمسك] عنهن [ر: عنهم] ثم قال: أين منزل عائشة فأومؤوا [أ:فاموا. ر.فارملوا] إلى حجرة في الدار فحملنا علياً [عليه السلام. أ] عن [أ، ب: من] دابته فأنزلناه فدخل عليها فلم أسمع من قول علي شيئاً إلا أنّ عائشة امرأة كانت عالية الصوت فسمعت [أ (خ ل)،ب:فسمعنا] كهيئة المعاذير: إنى لم أفعل. ثم خرج علينا أمير المؤمنين [علي عليه السلام. ر] فحملناه على [ر، أ: فحملنا علياً على] دابته فعارضته امرأة من قبل الدار فقال [أ: ثم قال]: أين صفية؟ قالت: لبيك يا أمير المؤمنين. قال: ألا تكفين [ر، أ: تكفينى] عني هؤلاء الكلبات اللاتي [ر، أ: التي] يزعمن أني قتلت الأحبة لو قتلت الأحبة لقتلت من في تلك الدار - وأومى بيده إلى ثلاث حجر في الدار-. فضربنا بأيدينا على [أ: إلى] قوائم السيوف وضربنا بأبصارنا إلى الحجر التي أومى إليها، فوالله ما بقيت في الدار باكية إلاّ سكنت [أ، ب: سكتت] ولا قائمة إلا جلست. قلت: يا أبا القاسم فمن كان في تلك الثلاث حجر قال: أما واحدة فكان فيها مروان بن الحكم جريحاً ومعه شباب قريش جرحى، وأما الثانية فكان فيها عبد الله بن الزبير ومعه آل الزبير جرحى، وأما الثالثة فكان فيها رئيس أهل البصرة يدور مع عائشة أين ما دارت. قلت: يا أبا القاسم هؤلاء أصحاب القرحة هلا [ر: فلا] ملتم عليهم بهذه [ب: بحد] السيوف؟ قال: [يا. ب] ابن أخي أمير المؤمنين كان أعلم منك وسعهم أمانه، إنا لمّا هزمنا القوم نادى مناديه: لا يدفف على جريح، ولا يتبع مدبر، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، سنة يستن بها بعد يومكم هذا. ثم مضى ومضينا معه حتى انتهينا إلى العسكر فقام إليه ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم منهم أبو أيوب الأنصاري وقيس بن سعد وعمار بن ياسر وزيد بن حارثة وأبو ليلى فقال: ألا أخبركم بسبعة من أفضل الخلق يوم يجمعهم الله [تعالى. ر]؟ قال أبو أيوب: بلى والله فأخبرنا يا أمير المؤمنين فإنك كنت تشهد ونغيب قال: فإن أفضل الخلق يوم يجمعهم الله سبعة من بني عبد المطلب لا ينكر فضلهم إلا كافر ولا يجحد إلا جاحد. قال عمار بن ياسر [رضي الله عنه. ر]: سمّهم يا أمير المؤمنين لنعرفهم؟ قال: إن أفضل الخلق يوم يجمع الله: الرسل، وإن من أفضل الرسل محمد صلى الله عليه وآله وسلم [ر: عليهم الصلاة والسلام]، ثم إن أفضل كل أمة بعد نبيها وصي نبيها حتى يدركه نبي وإن أفضل الأوصياء وصي محمد [عليهما الصلاة والسلام. ر]، ثم ان أفضل الناس بعد الأوصياء الشهداء وإن أفضل الشهداء [حمزة.خ سيد الشهداء] وجعفر بن أبي طالب [رحمه الله. ر] ذا الجناحين [ر: ذا جناحين] [يطيربهما.ب] مع الملائكة لم يحلا بحليته أحدٌ من الآدميين في الجنة شيءٌ شرفه الله به، والسبطان الحسن والحسين [ر: الحسنين] سيدي شباب أهل الجنة [و. ب] من ولدت اياهما [ر: ولادته اباؤهما. ب: أمهما] والمهدي يجعله [أ: يجعل] الله من أحب منا أهل البيت. ثم قال: أبشروا- ثلاثاً - {من يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليماً}. فرات قال: حدثني الحسن بن علي بن بزيع معنعناً: عن أصبغ [أ، ب: الأصبغ] بن نباتة قال: قال [أ: لي] [إن. ر] علي بن أبي طالب عليه السلام: إني أريد أن أذكر حديثاً [فقال عمار بن ياسر فاذكره، قال: إني أريد أن أذكر حديثاً قال أبو أيوب الأنصاري. أ، ب] [ر: قلت]: فما يمنعك يا أمير المؤمنين أن تذكره؟ فقال: ما قلت هذا إلا وأنا أريد أن أذكره، ثم قال: إذا جمع الله الأولين والآخرين كان أفضلهم سبعة منا بني عبد المطلب، الأنبياء أكرم الخلق [ب: خلق الله] [على الله.أ، ب] ونبينا أفضل [أ: أكرم] الأنبياء [عليهم الصلاة والسلام. ر]، ثم الأوصياء أفضل الأمم بعد الأنبياء ووصيه أفضل الأوصياء [عليهم السلام. ر]، ثم الشهداء أفضل الأمم بعد [الأنبياء و. أ، ب] الأوصياء وحمزة سيد الشهداء وجعفر ذو الجناحين يطير مع الملائكة لم ينحله شهيد قط قبله [ر، ب: قبلهما. رحمة الله عليهم أجمعين. ر] وإنما ذلك شيء أكرم الله به وجه محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال أولئك {الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليماً} ثم [أ، ب: و] السبطان حسناً وحسيناً والمهدي [عليهم السلام. أ، ر. والتحية والإكرام. ر] جعله [ر: جعلهم] الله ممن يشاء من أهل البيت. فرات قال: حدثنا محمد بن القاسم بن عبيد معنعناً: عن سليمان الديلمي قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام إذ دخل عليه أبو بصير وقد أخذه النفس فلما أن أخذ مجلسه قال أبو عبد الله عليه السلام: يا أبا محمد ما هذا النفس العالي [ر:العالية]؟ قال جعلت فداك يا ابن رسول الله كبر [ت.أ،ر] سني ودق عظمي واقترب أجلي ولست أدري ما أرد عليه من أمر آخرتي. فقال أبو عبد الله [عليه السلام. ب]: يا أبا محمد وإنك لتقول هذا؟! فقال: وكيف لا أقول هذا؟! وذكر كلاماً ثم قال: يا أبا محمد لقد ذكركم الله في كتابه المبين [بقوله. أ]: {أولئك [مع. ب] الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً} فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الآية النبيين ونحن في هذا الموضع {الصديقين والشهداء} وأنتم الصالحون، فسموا بالصلاح كما سماكم الله يا أبا محمد.
الأعقم
تفسير : {ومن يطع الله والرسول} حديث : الآية نزلت في ثوبان مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان شديد الحب لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قيل: قليل الصبر عنه فأتاه ثوبان وقد تغير وجهه ونحل جسمه فسأله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن حاله فقال: يا رسول الله ما بي من وجع غير أني إذا لم أراك اشتقت إليك فاستوحشت حتى ألقاك فذكرت الآخرة فخفت ألا أراك لأني عرفت أنك تُرفع مع النبيين وإني إذا دخلت الجنة كنت في منزل دون منزلتك فإن لم أدخل فذاك حين لا أراك فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "والذي نفسي بيده لا يؤمن عبدٌ حتى أكون أحب إليه من نفسه وأبويه وولده والناس أجمعين" ثم قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "أبشر يا ثوبان فإن المرء مع من أحب" تفسير : {والصديقين} قال جار الله: هم أفاضل صحابة الأنبياء الذين تقدموا في تصديقهم {وحسن أولئك رفيقاً} فيه معنى التعجب عليهم كأنه قيل: وما أحسن أولئك رفيقاً {ذلك الفضل من الله} والمعنى إنما أعطى المطيعون من الأجر العظيم ومرافقة المنعم عليهم من الله لأنه تفضل به عليهم تبعاً لثوابهم {وكفى بالله عليماً} يجزي من أطاعه {يأيها الذين آمنوا خذو حذركم} يعني إحذروا من العدوّ ولا تمكنوه من أنفسكم وإذا نفرتم إلى العدوّ {فانفروا ثبات} جماعات متفرقة سريَّة بعد سريَّة وأما مجتمعين {وإن منكم لمن ليبطئن} الآية نزلت في المنافقين كانوا يبطئون الناس عن الجهاد فإذا أصابتهم مصيبة قالوا قول الشامت بهم لأنهم كانوا يفرُّون معهم نفاقاً ومعنى ليبطئن ليتثاقلن وليتخلَّفن عن الجهاد كما فعل عبد الله بن أُبي وهو الذي شط الناس يوم أُحد لعنه الله وأخزاه {فإن أصابتكم مصيبة} من قتل أو هزيمة، قال: {قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيداً} {ولئن أصابكم فضل من الله} فتح أو غنيمة {ليقولن كأن لم يكن بينكم وبينه مودَّة} لأن المنافقين كانوا يوادّون المؤمنين ويصادقوهم في الظاهر {فليقاتل في سبيل الله} الآية، قيل: نزلت في المنافقين الذين تخلّفوا عن أُحد، وقيل: نزلت في المؤمنين المخلصين {الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة} هم المبطئون وعظوا بأن يغيروا ما بهم من النفاق ويخلصوا الإيمان لله ورسوله ويجاهدوا في سبيل الله حق الجهاد والذين يتبعونهم هم المؤمنون الذين يستحبون الآجلة عن العاجلة.
اطفيش
تفسير : {وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِينَ وَالصِدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءَ وَالصَّالِحِينَ}: استئناف ترغيب فى طاعة الله ورسوله، بكونه خيرا لهم وأشد تثبيتا، وايتاء الأجر العظيم، وبهداية الصراط المستقيم، وزاد بمرافقة الذين أنعم الله عليهم فى الجنة، وكأنه قيل: ولرافقوا النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ومن النبيين الخ بيان لهاء عليهم حال منها. والمراد بالانعام عليهم التوفيق للايمان توحيدا وعبادة، وانما لم أجعل من النبيين حالا من الذين، لان الذين مضاف اليه، ليس معه شروط مجىء الحال من المضاف اليه، نعم أجاز بعض مجىء الحال من المضاف اليه بلا شرط، والصديق المبالغ فى الصدق بحيث لا يقول بلسانه شيئا من الخير إلا حققته جوارحه وقلبه، سواء أطلعه الله على ما لم يطلع عليه غيره أولا. وعلى كل حال فهو أخبر بشىء فصدق به، بخلاف النبى فكمن يرى ويخبر عما يرى، والشهيد الموفى بدين الله المقتول بالجهاد فى سبيل الله، والصالح من خلا عن فساد اعتقاد وعمل وقول من أول مرة أو بالتوبة، فمن الناس من لم يعص الله قط، وليس نبى، ومنهم من مات كما بلغ أو بعده قبل أن يعصى، ومنهم من مات بعد التوحيد وقبل المعصية. وقيل: من استوت علانيته وسريرته فى الخير، ويكفى فى صدق الكون مع هؤلاء أن يكون الانسان فى الجنة كما هم فيها، ولو تفاوتت الدرجات، ويؤذن له فى زيارة من فوقه، ثم يرجع الى منزله، ومن يطع الله والرسول، ولم يكن شهيدا، ولم يبالغ فى الصدق، شملته وهؤلاء الجنة، ولو لم يبلغ درجتهم، كان أيضا مع جملة الصالحين السابقين بالموت قبله، مساويا من ساواه بعمله، وفائقا من دونه منهم ودون من فاقه منهم والرسول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. وأجيز أن يكون الشهداء العلماء الراسخون الذين هم شهداء الله فى أرضه، وأنا أعوذ بالله من تفسير الصوفية، وكان الصواب إذ مالوا الى ما مالوا أن يقولوا: ان آية كذا، أو حديث كذا يتضمن بالمعنى كذا وكذا، والآية على العموم. وقيل: الصديقون أفاضل الصحابة، كأبى بكر وعمر، والشهداء شهداء أحد، وقيل: الصديقون من الصدقة، وقد قيل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصديقون المتصدقون. قال عبد الله بن زيد الأنصارى، الذى روى عنه أنه رأى الأذان فى المنام قيل: ان كانوا يؤذنون يا رسول الله اذا مت ومتنا كنت في عليين، فلا نراك ولا نجتمع بك، وذكر حزنه على ذلك، فنزلت الآية. وعن الكلبى قال رجل: حديث : يا رسول الله لقد أحببتك حبا ما أحببته شيئا قط، ولأنت أحب الى من والدى والناس اجمعين، فكيف لى برؤيتك، إن أنا دخلت الجنة، ولم يرد اليه شيئا، فأنزل الله: {وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ} الآية فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاها عليه . تفسير : وروىحديث : أن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان شديد الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قليل الصبر عنه صلى الله عليه وسلم، فأتاه يوما وقد تغير وجهه، ونحل جسمه، وعرف الحزن فى وجهه، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حاله فقال: يا رسول الله ما بى من وجع، غير أنى اذا لم أرك اشتقت اليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، وذكرت الآخرة فعرفت أن لا أراك هناك ان دخلت الجنة، لأنى عرفت أنك ترفع من النبيين، وان دخلت الجنة وكنت فى منزل هو دون منزلك، وان لم أدخل فذاك حين لا أراك أبدا، فنزلت الآية، فقال صلى الله عليه وسلم: "والذى نفسى بيده لا يؤمن عبد حتى أكون أحب اليه من نفسه وأبويه وأهله وولده والناس أجمعين". وروى أن رجلا من الأنصار، لعله عبد الله بن زيد الأنصارى، جاء النبى صلى الله عليه وسلم فقال: لأنت أحب الى من نفسى وأهلى ومالى وولدى، ولولا أنى آتيك فأراك لظننت أنى سأموت، أى حزنا وبكى، فقال صلى الله عليه وسلم: "ما يبكيك؟" قال: ذكرت أنك ستموت ونموت، فترفع مع الأنبياء، ونحن ان دخلنا الجنة كنا دونك، فلم يخبره النبى صلى الله عليه وسلم بشىء، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقرأها عليه وقال: "أبشر" ولما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى الى ذلك الأنصارى رجل وهو فى حديقة له، فأخبره بموت النبى صلى الله عليه وسلم فقال: اللهم أعمنى فلا أرى شيئا بعد حبيبى حتى ألقى حبيبى فعمى مكانه رضى الله عنه . تفسير : {وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا}: تمييز محول عن الفاعل، لأنه لو قيل: وحسن رفيق هم أولئك لصح وهو جامد أو حال، لأنه ولو جمد لكن صح تأويله بمرافقين، وهو يطلق على الواحد فصاعدا، ولذلك أفرد فى الوجهين، أو أفرد على معنى: وحسن كل واحد من النبيين، وكل واحد من الصديقين، وكل واحد من الشهداء، وكل واحد من الصالحين رفيقا، أعنى أن المراد حسن كل واحد من أفراد هؤلاء رفيقا، أو هو تعجيب كأنه قيل: ما أحسنهم أى تعجبوا أيها المؤمنون من حسنهم. وقرىء باسكان السين تخفيفا من الضم مع بقاء فتح الحاء، وجاز فى الكلام أيضا ضم الحاء واسكان السين نقلا للضم منها الى الحاء. وروى محمد بن اسماعيل، وأبو الحجاج المحدثان، عن أنس: حديث : أن رجلا سأل النبى صلى الله عليه وسلم عن الساعة فقال: متى الساعة؟ قال: "وما أعددت لها؟" قال: لا شىء إلا أنى أحب الله ورسوله، فقال: "أنت مع من أحببت" قال لنا فما فرحنا بشىء أشد منه بقول النبى صلى الله عليه وسلم: "أنت مع من أحببت" تفسير : قال أنس: فأنا أحب النبى صلى عليه وسلم وأبو بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبى اياهم، وان لم أعمل بأعمالهم.
الالوسي
تفسير : {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ} بالانقياد لأمره ونهيه {وَٱلرَّسُولَ} المبلغ ما أوحي إليه منه باتباع شريعته والرضا بحكمه، والكلام مستأنف فيه فضل ترغيب في الطاعة ومزيد تشويق إليها ببيان أن نتيجتها أقصى ما تنتهي إليه همم الأمم، وأرفع ما تمتد إليه أعناق أمانيهم، وتشرأب إليه أعين عزائمهم من مجاورة أعظم الخلائق مقداراً وأرفعهم مناراً، ومتضمن لتفسير ما أبهم وتفصيل ما أجمل في جواب الشرطية السابقة و {مَنْ} شرطية وإفراد ضمير {يُطِعِ} مراعاة للفظ، والجمع في قوله سبحانه: {فَأُوْلَـئِكَ} مراعاة للمعنى أي فالمطيعون الذين علت درجتهم وبعدت منزلتهم شرفاً وفضلاً. {مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم} بما تقصر العبارة عن تفصيله وبيانه {مّنَ ٱلنَّبِيّيْنَ} بيان للمنعم عليهم فهو حال إما من {ٱلَّذِينَ} أي مقارنيهم حال كونهم من النبيين وإما من ضميره والتعرض لمعية الأنبياء دون نبينا صلى الله عليه وسلم خاصة مع أن الكلام في بيان حكم طاعته عليه الصلاة والسلام لجريان ذكرهم في سبب النزول مع الإشارة إلى أن طاعته متضمنة لطاعتهم، أخرج الطبراني وأبو نعيم والضياء المقدسي وحسنه قال: «جاء رجل إلى النبـي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنك لأحب إليّ من نفسي وإنك لأحب إليّ من ولدي وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتي فأنظر إليك وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين وإني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك فلم يرد عليه النبـي صلى الله عليه وسلم شيئاً حتى نزل جبريل بهذه الآية {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ}» الخ، وروي مثله عن ابن عباس. وقال الكلبـي: إن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان شديد الحب له عليه الصلاة والسلام قليل الصبر عنه، وقد نحل جسمه وتغير لونه خوف عدم رؤيته صلى الله عليه وسلم بعد الموت فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية، وعن مسروق «إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: ما ينبغي لنا أن نفارقك في الدنيا فإنك إذا فارقتنا رفعت فوقنا فنزلت» وبدأ بذكر النبيين لعلو درجتهم وارتفاعهم على من عداهم، وقد نقل الشعراني عن مولانا الشيخ الأكبر قدس سره أنه قال: «فتح لي قدر خرم إبرة من مقام النبوة تجلياً لا دخولاً فكدت أحترق» ثم عطف (عليهم) على سبيل التدلي قوله سبحانه: {وَٱلصَّـدِّيِْقِيْنَ وَٱلشُّهَدَاءِ وَٱلصَّـٰلِحِينَ} فالمنازل أربعة بعضها دون بعض: الأول: منازل الأنبياء وهم الذين تمدهم قوة / إلهية وتصحبهم نفس في أعلى مراتب القدسية ومثلهم كمن يرى الشيء عياناً من قريب، ولذلك قال تعالى في صفة نبينا صلى الله عليه وسلم: {أية : أَفَتُمَـٰرُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ} تفسير : [النجم: 12]، والثاني: منازل الصديقين وهم الذين يتأخرون على الأنبياء عليهم السلام في المعرفة، ومثلهم كمن يرى الشيء عياناً من بعيد، وإياه عنى علي كرم الله تعالى وجهه حيث قيل له: هل رأيت الله تعالى؟ فقال: ما كنت لأعبد رباً لم أره، ثم قال: لم تره العيون بشواهد العيان ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان، والثالث: منازل الشهداء وهم الذين يعرفون الشيء بالبراهين، ومثلهم كمن يرى الشيء في المرآة من مكان قريب كحال من قال: كأني أنظر إلى عرش ربـي بارزاً، وإياه قصد النبـي صلى الله عليه وسلم بقوله: «حديث : أعبد الله تعالى كأنك تراه»تفسير : ، والرابع: منازل الصالحين وهم الذين يعلمون الشيء بالتقليد الجازم، ومثلهم كمن يرى الشيء من بعيد في مرآة وإياه قصد النبـي صلى الله عليه وسلم بقوله: «حديث : فإن لم تكن تراه فإنه يراك»تفسير : قاله الراغب ونقله الطيبـي وغيره، ونقل بعض تلامذة مولانا الشيخ خالد النقشبندي قدس سره عنه «أنه قرر يوماً أن مراتب الكمل أربعة: نبوة وقطب مدارها نبينا صلى الله عليه وسلم، ثم صديقية وقطب مدارها أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، ثم شهادة وقطب مدارها عمر الفاروق رضي الله تعالى عنه، ثم ولاية وقطب مدارها علي كرم الله تعالى وجهه، وأن الصلاح في الآية إشارة إلى الولاية فسأله بعض الحاضرين عن عثمان رضي الله تعالى عنه في أي مرتبة هو من مراتب الثلاثة بعد النبوة فقال: إنه رضي الله تعالى عنه قد نال حظاً من رتبة الشهادة وحظاً من رتبة الولاية، وأن معنى كونه ذا النورين هو ذلك عند العارفين انتهى. وأنا مستعيناً بالله تعالى ومستمداً من القوم قدس الله تعالى أسرارهم أقول: إن الولاية هي المحيطة العامة والفلك الدائر والدائرة الكبرى، وأن الولي من كان على بينة من ربه في حاله فعرف ما له بإخبار الحق إياه على الوجه الذي يقع به التصديق عنده ويصدق على أصناف كثيرة إلا أن المذكور منها في هذه الآية أربعة: الصنف الأول: الأنبياء، والمراد بهم هنا الرسل أهل الشرع سواء بعثوا أو لم يبعثوا أعني بطريق الوجوب عليهم ولا بحث لأهل الله تعالى عن مقاماتهم وأحوالهم إذ لا ذوق لهم فيها وكلهم معترفون بذلك غير أنهم يقولون: إن النبوة عامة وخاصة والتي لا ذوق لهم فيها هي الخاصة أعني نبوة التشريع وهي مقام خاص في الولاية. وأما النبوة العامة فهي مستمرة سارية في أكابر الرجال غير منقطعة دنيا وأخرى لكن باب الإطلاق قد انسد، وعلى هذا يخرج ما رواه البدر التماسكي البغدادي عن الشيخ بشير عن القطب عبد القادر الجيلي قدس سره أنه قال: ـ معاشر الأنبياء أوتيتم اللقب وأوتينا ما لم تؤتوا ـ فإن معنى قوله: ـ أوتيتم اللقب ـ أنه حجر علينا إطلاق لفظ النبـي، وإن كانت النبوة العامة أبدية، وقوله: وأوتينا ما لم تؤتوا ـ على حدّ قول الخضر لموسى عليه السلام ـ وهو أفضل منه ـ يا موسى أنا على علم علمنيه الله تعالى لا تعلمه أنت، وهذا وجه آخر غير ما أسلفنا من قبل في توجيه هذا الكلام. والصنف الثاني: الصديقون وهم المؤمنون بالله تعالى ورسله عن قول المخبر لا عن دليل سوى النور الإيماني الذي أعد في قلوبهم قبل وجود المصدق به المانع لها من تردد أو شك يدخلها في قول المخبر الرسول ومتعلقه في الحقيقة الإيمان بالرسول ويكون الإيمان بالله تعالى على جهة القربة لا على إثباته إذ كان بعض الصديقين قد ثبت عندهم وجود الحق جل وعلا ضرورة أو نظراً لكن ما ثبت كونه قربة وليس بين النبوة والصديقية ـ كما قال حجة الإسلام وغيره ـ مقام، ومن تخطى رقاب الصديقين وقع في النبوة وهي باب مغلق، وأثبت الشيخ الأكبر قدس سره مقاماً بينهما سماه مقام القربة، وهو السر الذي وقر في قلب أبـي بكر رضي الله تعالى عنه المشار إليه في الحديث «فليس بين النبـي صلى الله عليه وسلم وأبـي بكر رضي الله تعالى عنه رجل أصلاً» لا أنه ليس بين الصديقية والنبوة / مقام ولها أجزاء على عدد شعب الإيمان، وفسرها بعضهم بأنها نور أخضر بين نورين يحصل به شهود عين ما جاء به المخبر من خلف حجاب الغيب بنور الكرم وبين ذلك بما يطول. والصنف الثالث: الشهداء تولاهم الله تعالى بالشهادة وجعلهم من المقربين، وهم أهل الحضور مع الله تعالى على بساط العلم به فقد قال سبحانه: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ} تفسير : [آل عمران: 18] فجمعهم مع الملائكة في بساط الشهادة فهم موحدون عن حضور إلهيّ وعناية أزلية فإن بعث الله تعالى رسولاً وآمنوا به فهم المؤمنون العلماء ولهم الأجر التام يوم القيامة وإلا فليس هم الشهداء المنعم عليهم وإيمانهم بعد العلم بما قاله الله سبحانه: إن ذلك قربة إليه من حيث ـ قاله الله سبحانه، أو قاله الرسول الذي جاء من عنده ـ فقدم الصديق على الشهيد وجعل بإزاء النبـي فإنه لا واسطة بينهما لاتصال نور الإيمان بنور الرسالة، والشهداء لهم نور العلم مساوق لنور الرسول من حيث هو شاهد لله تعالى بتوحيده لا من حيث هو رسول فلا يصح أن يكون بعده مع المساوقة لئلا تبطل ولا أن يكون معه لكونه رسولاً، والشاهد ليس به فلا بد أن يتأخر فلم يبق إلا أن يكون في الرتبة التي تلي الصديقية فإن الصديق أتم نوراً منه في الصديقية لأنه صديق من وجهين: وجه التوحيد ووجه القربة، والشهيد من وجه القربة خاصة لأن توحيده عن علم لا عن إيمان فنزل عن الصديق في مرتبة الإيمان وهو فوقه في مرتبة العلم فهو المتقدم في مرتبة العلم المتأخر برتبة الإيمان والتصديق فإنه لا يصح من العالم أن يكون صديقاً، وقد تقدم العلم مرتبة الخبر فهو يعلم أنه صادق في توحيد الله تعالى إذا بلغ رسالة الله تعالى والصديق لم يعلم ذلك إلا بنور الإيمان المعد في قلبه فعندما جاء الرسول اتبعه من غير دليل ظاهر. والصنف الرابع: الصالحون تولاهم الله تعالى بالصلاح وهم الذين لا يدخل في علمهم بالله تعالى ولا إيمانهم به وبما جاء من عنده سبحانه خلل فإذا دخله بطل كونه صالحاً وكل من لم يدخله خلل في صديقيته فهو صالح، ولا في شهادته فهو صالح، ولا في توبته فهو صالح، ولكل أحد أن يدعو بتحصيل الصلاح له في المقام الذي يكون فيه لجواز دخول الخلل عليه في مقامه لأن الأمر اختصاص إلهي وليس بذاتي فيجوز دخول الخلل فيه، ويجوز رفعه، فصح أن يدعو الصالح بأن يجعل من الصالحين أي الذين لا يدخل صلاحهم خلل في زمان مّا، وقد ذكر أنه ما من نبـي إلا وذكر أنه صالح أو أنه دعا أن يكون من الصالحين مع كونه نبياً، ومن هنا قيل: إن مرتبة الصلاح خصوص في النبوة وقد تحصل لمن ليس بنبـي ولا صديق ولا شهيد. هذا ما وقفت عليه من كلام القوم قدس الله تعالى أسرارهم، ولم أظفر بالتفصيل الذي ذكره مولانا الشيخ قدس سره فتدبر، وقد ذكر أصحابنا الرسميون أن الصديق صيغة مبالغة ـ كالسكير ـ بمعنى المتقدم في التصديق المبالغ في الصدق والإخلاص في الأقوال والأفعال، ويطلق على كل من أفاضل أصحاب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأماثل خواصهم كأبـي بكر رضي الله تعالى عنه، وأن الشهداء جمع شهيد، والمراد بهم الذين بذلوا أرواحهم في طاعة الله تعالى وإعلاء كلمته وهم المقتولون بسيف الكفار من المسلمين، وقيل: المراد بهم هٰهنا ما هو أعم من ذلك، فعن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تعدون الشهيد فيكم؟ قالوا: يا رسول الله من قتل في سبيل الله تعالى فقال صلى الله عليه وسلم: إن شهداء أمتي إذاً لقليل من قتل في سبيل الله تعالى فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات مبطوناً فهو شهيد»تفسير : وعد بعضهم الشهداء أكثر من ذلك بكثير، وقيل: الشهيد هو الذي يشهد لدين الله تعالى تارة بالحجة والبيان، وأخرى / بالسيف والسنان، وزعم النيسابوري أنه لا يبعد أن يدخل كل هذه الأمة في الشهداء لقوله تعالى: {أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى ٱلنَّاسِ} تفسير : [البقرة: 143] وليس بشيء كما لا يخفى، وأن المراد بالصالحين الصارفين أعمارهم في طاعة الله تعالى وأموالهم في مرضاته سبحانه، ويقال: الصالح هو الذي صلحت حاله واستقامت طريقته. «والمصلح هو الفاعل لما فيه (الصلاح) قال الطبرسي: ولذا يجوز أن يقال: مصلح في حق الله تعالى دون صالح»، وليس المراد بالمعية اتحاد الدرجة ولا مطلق الاشتراك في دخول الجنة بل كونهم فيها بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر وزيارته متى أراد وإن بعدت المسافة بينهما، وذكر غير واحد أنه لا مانع من أن يرفع الأدنى إلى منزلة الأعلى متى شاء تكرمة له ثم يعود ولا يرى أنه أرغد منه عيشاً ولا أكمل لذة لئلا يكون ذلك حسرة في قلبه، وكذا لا مانع من أن ينحدر الأعلى إلى منزلة الأدنى ثم يعود من غير أن يرى ذلك نقصاً في ملكه أو حطاً من قدره. وقد ثبت في غير ما حديث أن أهل الجنة يتزاورون، وادعى بعضهم أن لا تزاور مع رؤية كل واحد الآخر، وذلك لأن عالم الأنوار لا تمانع فيها ولا تدافع فينعكس بعضها على بعض كالمرايا المجلوة المتقابلة، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: {أية : إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ} تفسير : [الحجر: 47] وزعم أنه التحقيق وهو بعيد عنه، وأبعد من ذلك بمراحل ما قيل: يحتمل أن يكون المراد أن معنى كون المطيع مع هؤلاء أنه معهم في سلوك طريق الآخرة فيكون مأموناً من قطاع الطريق محفوظ الطاعة عن النهب. {وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً} أي صاحباً، وهو مشتق من الرفق، وهو لين الجانب واللطافة في المعاشرة قولاً وفعلاً، والإشارة يحتمل أن تكون إلى النبيين ومن بعدهم وما فيها من معنى البعد لما مرّ مراراً و {رَفِيقاً} حينئذٍ إما تمييز أو حال على معنى أنهم وصفوا بالحسن من جهة كونهم رفقاء للمطيعين، أو حال كونهم رفقاء لهم ولم يجمع لأن فعيلاً يستوي فيه الواحد وغيره أو اكتفاءاً بالواحد عن الجمع في باب التمييز لفهم المعنى، وحسنه وقوعه في الفاصلة؛ أو لأنه بتأويل حسن كل واحد منهم أو لأنه قصد بيان الجنس مع قطع النظر عن الأنواع، ويحتمل أن تكون إلى ـ من يطع ـ والجمع على المعنى فـ {رَفِيقاً} حينئذٍ تمييز على معنى أنهم وصفوا بحسن الرفيق من الفرق الأربع لا بنفس الحسن، فلا يجوز دخول ـ من ـ عليه كما يجوز في الوجه الأول. والجملة على الاحتمالين تذييل مقرر لما قبله مؤكد للترغيب والتشويق، وفي «الكشاف» «فيه معنى التعجب كأنه قيل: وما أحسن أولئك رفيقاً ولاستقلاله بمعنى التعجيب قرىء {وَحَسُنَ} بسكون السين يقول المتعجب: حسن الوجه وجهك، وحسن الوجه وجهك بالفتح والضم مع التسكين» انتهى. وفي «الصحاح» يقال: حسن الشيء وإن شئت خففت الضمة فقلت: حسن الشيء، ولا يجوز أن تنقل الضمة إلى الحاء لأنه خبر، وإنما يجوز النقل إذا كان بمعنى المدح أو الذم لأنه يشبه في جواز النقل بنعم وبئس، وذلك أن الأصل فيهما نعم وبئس فسكن ثانيهما، ونقلت حركته إلى ما قبله وكذلك كل ما كان في معناهما قال الشاعر:شعر : لم يمنع الناس مني ما أردت وما أعطيهم ما أرادوا (حسن ذا أدبا) تفسير : أراد حسن هذا أدباً فخفف ونقل، وأراد أنه لما نقل إلى الإنشاء حسن أن يغير تنبيهاً على مكان النقل، وفي «الإرتشاف»: إن فعل المحول ذهب الفارسي. وأكثر النحويين إلى إلحاقه بباب نعم وبئس فقط، وإجراء / أحكامه عليه، وذهب الأخفش والمبرد إلى إلحاقه بباب التعجب، وحكى الأخفش الاستعمالين عن العرب، ويجوز فيه ضم العين وتسكينها ونقل حركتها إلى الفاء، وظاهره تغاير المذهبين، وفي «التسهيل» إنه من باب نعم وبئس وفيه معنى التعجب، وهو يقتضي أن لا تغاير بينهما وإليه يميل كلام الشيخين فافهم، والحسن عبارة عن كل مبهج مرغوب إما عقلاً أو هوى أو حساً، وأكثر ما يقال في متعارف العامة في المستحسن بالبصر، وقد جاء في القرآن له وللمستحسن من جهة البصيرة.
ابن عاشور
تفسير : تذييل لجملة: {أية : وإذن لآتيناهم من لدنّا أجراً عظيماً}تفسير : [النساء: 67] وإنّما عطفت باعتبار إلحاقها بجملة: {ومن يطع الله والرسول} على جملة {أية : ولو أنّهم فعلوا ما يوعظون به}تفسير : [النساء: 66]. وجيء باسم الإشارة في جملة جواب الشرط للتنبيه على جدارتهم بمضمون الخبر عن اسم الإشارة لأجل مضمون الكلام الذي قبل اسم الإشارة. والمعيّة معيّة المنزلة في الجنة وإن كانت الدرجات متفاوتة. ومعنى {من يطع} من يتّصف بتمام معنى الطاعة، أي أن لا يعصي الله ورسوله. ودلّت (مع) على أنّ مكانة مدخولها أرسخ وأعرف، وفي الحديث الصحيح «حديث : أنت مع من أحببت»تفسير : . والصديّقون هم الذين صدَّقوا الأنبياء ابتداء، مثل الحواريين والسابقين الأوّلين من المؤمنين. وأمّا الشهداء فهم من قُتلوا في سبيل إعلاء كلمة الله. والصالحون الذين لزمتهم الاستقامة. و(حَسُنَ) فعل مراد به المدح ملحق بنعم ومضمّن معنى التعجّب من حسنهم، وذلك شأن فَعُل ــــ بضم العين ــــ من الثلاثي أن يدلَّ على مدح أو ذمّ بحسب مادّته مع التعجّب. وأصل الفعل حَسَنَ ــــ بفتحتين ــــ فحوّل إلى فعُل ــــ بضمّ العين ــــ لقصد المدح والتعجّب. و{أولئك} فاعل {حسن}. و{رفيقا} تمييز، أي ما أحسنهم حسنوا من جنس الرفقاء. والرفيق يستوي فيه الواحد والجمع، وفي حديث الوفاة «الرفيقَ الأعلى». وتعريف الجزأين في قوله: {ذلك الفضل من الله} يفيد الحصر وهو حصر إدعائيُّ لأنّ فضل الله أنواع، وأصناف، ولكنّه أريد المبالغة في قوّة هذا الفضل، فهو كقولهم: أنت الرجل. والتذييل بقوله: {وكفى بالله عليماً} للإشارة إلى أنّ الذين تلبّسوا بهذه المنقبة، وإن لم يعلمهم الناس، فإنّ الله يعلمهم والجزاء بيده فهو يوفيّهم الجزاء على قدر ما علم منهم، وقد تقدّم نظيره في هذه السورة.
القطان
تفسير : الصّدِّيِق: هو الذي لا يكذب قط. والذي صدق في قوله واعتقاده وحقق صدقه بفعله. كل من يطيع االله والرسول ويقوم بما أَمر به وتركِ ما نهى عنه، يكون يوم القيامة مع الذين أنعم الله عليهم بالهداية والتوفيق، من الأنبياء الكرام، وأتباعهم الذين صدّقوهم واتبعوا مناهجهم، والشهداءِ في سبيل الله الذين ضحّوا بأنفسهم، والصالحين الذين صلَحت سريرتهم وعلانيتهم. وما أحسنَ هؤلاء من رفقاء! {ذٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ} هذا الذي ذُكر من الجزاء لمن يطيع الله ورسوله هو الفضلُ الذي لا يعلوه فضل، والمنزلة العظمى التي يتبؤّأُها ذلك المؤمن في دار النعيم، ويكفي المؤمنَ ان الله عالم بحاله فيما هو يقوم بطاعته وطلب مرضاته. أخرج البخاري عن ابن مسعود قال: جاء رجل الى رسول الله فقال: يا رسو الله كيف تقول في رجل أحبَّ قوما ولم يلحق بهم؟ فقال رسول الله عليه السلام: "حديث : المرءُ مع من أحب ".
د. أسعد حومد
تفسير : {فَأُوْلَـٰئِكَ} {ٱلنَّبِيِّينَ} {وَٱلصَّالِحِينَ} {أُولَـٰئِكَ} (69) - وَمَنْ أطَاعَ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَعَمِلَ بِمَا أمَرا بِهِ، وَانْتَهَى عَمَّا نَهَيَا عَنْهُ، فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُسْكِنُهُ دَارَ كَرَامَتِهِ، وَيَجْعَلُهُ مُرَافِقاً لِلأنْبِيَاءِ، ثُمَّ لِمَنْ بَعْدَهُمْ فِي الرُّتْبَةِ، وَهُمُ الصِّدِّيقُونَ، ثُمَّ الشُّهَدَاءُ، ثُمَّ عُمُومُ المُؤْمِنينَ الصَّالِحِينَ الذِينَ صَلُحَتْ سَرَائِرُهُمْ وَعَلاَنِيَتُهُمْ وَمَا أَحْسَنَ رِفْقَةَ هَؤُلاءِ الذِينَ لاَ يَشْقَى جَلِيسُهُمْ. (وَيُذْكَرُ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: حديث : أنَّ رَجُلاً مِنَ الأنْصَارِ جَاءَ إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَحْزُوناً، فَسَأَلَهُ النَّبِيُّ عَنْ سَبَبِ حُزْنِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ شَيءٌ فَكَّرْتُ فِيهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: نَحْنُ نَغْدُو وَنَرُوحُ، وَنَنْظُرُ إلَى وَجْهِكَ وَنُجَالِسُكَ، وَغَداً تُرْفَعُ مَعَ النَّبِيِّينَ فَلا نَصِلُ إلَيْكَ. فَلَمْ يَرُدَّ النَّبِيُّ عَلَيْهِ بِشَيءٍ، فَجَاءَهُ جِبْريلُ عَلَيهِ السَّلاَمُ بِهَذِهِ الآيَةِتفسير : ) . (وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ: "حديث : مَنْ أَحَبَّ قَوْماً حُشِرَ مَعَهُمْ"تفسير : ). (وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ أيضاً: "حديث : المَرْءُ مَعَ مَنْ أحَبَّ"تفسير : )
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والفعل هنا: "يطع" والمطاع هو: الله والرسول، أي أن هذا الأمر تشريع الله مع تطبيق رسوله، أي بالكتاب والسنة، وساعة تجد الرسول معطوفاً على الحق بدون تكرير الفعل فاعلم أن المسألة واحدة.. أي ليس لكل واحد منهما أمر، بل هو أمر واحد، قول من الله وتطبيق من الرسول لأنه القدوة والأسوة؛ ولذلك يقول الحق في الفعل الواحد: {أية : وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُوۤاْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ} تفسير : [التوبة: 74]. فما أغناهم الله غنىً يناسبه وأغناهم الرسول غنىً يناسبه فالفعل هنا واحد. فالغنى هنا من الله ورسوله؛ لأن الرسول لا يعمل إلا بإذن ربه وامتثالا لأمره، فتكون المسألة واحدة. هناك قضية تعرض لها الكتاب وهي قضية قد تشغل كثيراً من الناس الذين عاصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان مجلسه صلى الله عليه وسلم لا يُصد عنه قادم، يأتي فيجلس حيث ينتهي به المجلس، فالذي يريد النبي دائما يستمر في جلوسه، والذي يريد أن يراه كل فترة يأتي كلما أراد ذلك فثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان شديد الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قليل الصبر عنه، فأتاه يوما ووجهه متغير وقد نحل وهزل جسمه، وعُرِف الحزن في وجهه، فسأله النبي قائلا: ما بك يا ثوبان؟ فقال والله ما بي مرض ولا علة، ولكني أحبك وأشتاق إليك، وقد علمت أني في الدنيا أراك وقتما أريد، لكنك في الآخرة ستذهب أنت في عليين مع النبيين، وإن دخلت الجنة كنت في منزل دون منزلك، وإن لم أدخل فذاك حين لا أراك أبدا. ونص الحديث كما رواه ابن جرير - بسنده - عن سعيد بن جبير قال: "جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو محزون - فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "يا فلان مالي أراك محزوناً"؟ فقال: يا نبي الله شيء فكرت فيه فقال: "ما هو"؟ قال: نحن نغدو عليك ونروح ننظر إلى وجهك ونجالسك، وغدا تُرفع مع النبيين فلا نصل إليك، فلم يرد عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئاً فأتاه جبريل بهذه الآية: "ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين".. فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إليه فبشره. وكيف يأتى هذه على البال؟! إنه إنسان مشغول بمحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وفكر: هل ستدوم له هذه النعمة؟ وتفكر في الجنة ومنازلها وكيف أن منزلة الرسول ستعلو كل المنازل. وثوبان يريد أن يطمئن على أن نعمة مشاهدته للنبي صلى الله عليه وسلم لن تنتهي ولن تزول منه، إنه يراه في الدنيا، وبعد ذلك ماذا يحدث في الآخرة: فإما أن يدخل الجنة أو لا يدخلها، إن لم يدخل الجنة فلن يراه أبداً. وإن دخل الجنة والنبي في مرتبة ومكانة عالية. فماذا يفعل؟ انظر كيف يكون الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فالله سبحانه وتعالى يلطف بمثل هذا المحب الذي شغل ذهنه بأمر قد لا يطرأ على بال الكثيرين، فيقول الحق سبحانه وتعالى تطمينا لهؤلاء: {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ} أي المطيعون لله والرسول {مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً} والمسألة جاءت خاصة بثوبان، بعد أن نبه الأذهان إلى قضية قد تشغل بال المحبين لرسول الله، فأنت مع من أحببت، ولكن الأمر لا يقتصر على ثوبان. لقد كان كلام ثوبان سبباً في الفتح والتطمين لكل الصديقين والشهداء والصالحين. وهي أصناف تستوعب كل المؤمنين، فأبو بكر الصديق صِدِّيقٌ لماذا؟ لأنه هو: المبالغ في تصديق كل ما يقوله سيدنا رسول الله، ولا يعرض هذا القول للنقاش أو للتساؤل: أي هذه تنفع أو لا تنفع؟ فعندما قالوا لسيدنا أبي بكر: إن صاحبك يدعى أنه أتى بيت المقدس وعاد في ليلة ونحن نضرب إليها أكباد الإبل، ماذا قال أبو بكر؟قال: إن كان قال ذلك لقد صدق. لم يعلل صدقه إلا بـ "إن كان قد قال ذلك"، فهذا هو الصديق الحق، فكلما قال محمد شيئا صدقه أبو بكر، وأبو بكر - رضوان الله عليه - لم ينتظر حتى ينزل القرآن مصدقا للرسول - صلى الله عليه وسلم - بل بمجرد أن قال صلى الله عليه وسلم: إني رسول. قال أبو بكر: نعم. إذن فهو صديق. لقد كانت هناك تمهيدات لأناس سَبَقوا إلى الإسلام؛ لأن أدلتهم على الإيمان سبقت بعثة الرسول، هم جربوا النبي عليه الصلاة والسلام، وعرفوه، فَلَمَّا تحدث بالرسالة، صدقوه على الفور؛ لأن التجارب السابقة والمقدمات دلت على أنه رسول، ومثال ذلك: سيدتنا خديجة - رضوان الله عليها - ماذا قالت عندما قال لها النبي: إنه يأتيني كذا وكذا وأخاف أن يكون هذا رَئِيّاً ومَسّاً من الجن يصيبني. فقالت خديجة: "كلا والله ما يُخزيك الله أبدا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق". وهذا أول استنباط فقهي في الإسلام. هذا هو معنى "مع النبيين والصديقين"، {وَٱلشُّهَدَآءِ} هم الذين قتلوا في سبيل الله، لكن على المؤمن حين يقاتل في سبيل الله ألا يقول: أنا أريد أن أموت شهيداً. ويلقي بنفسه إلى التهلكة، إياك أن تفهمها هكذا، فأنت تدافع عن رسالة ولا بد أن تقاتل عدوك بدون أنك تمكنه من أن يقتلك؛ لأن تمكينه من قتلك، يفقد المسلمين مقاتلاً. فكما أن الشهداء لهم فضل؛ فالذين بقوا بدون استشهاد لهم فضل. فالإسلام يريد أدلة صدق على أن دعوته حق، وهذه لا يثبتها إلا الشهداء. لكن هل يمكن أن نصبح جميعاً شهداء؟ ومن يحمل منهج الله إلى الباقين؟ إذن فنحن نريد من يبقى ومن يذهب للحرب، فهذاله مهمة وهذا له مهمة، ولذلك كانت "التقية" وهي أن يظهر رغبته عن الإسلام ويوالي الكفار ظاهرا وقلبه مطئمن بالعداوة لهم انتظاراً لزوال المانع وذلك استبقاء لحياته كي يدافع ويجاهد في سبيل الله.؟ وسببها أن الإسلام يريد من يؤكد صدق اليقين في أن الإنسان إذا قتل في سبيل الله ذهب إلى حياة أفضل وإلى عيش خير، هذا يثبته الشهيد. ولذلك فالحق سبحانه وتعالى عندما تأتيهم غرغرة الشهادة يريهم ما هم مقبلون عليه، فيتلفظون بألفاظ يسمعها من لم يقبل على الشهادة؛ فهناك من يقول: هبي يا رياح الجنة، ويقول كلمة يتبين منها أن ينظر إلى الجنة كي يسمع من خلفه، ومفرد شهداء، إما شهيد وهو الذي قتل في سبيل الله، وإمّا هي جمع شاهد، فيكون الشهداء هم الذين يشهدون عند الله أنهم بلغوا من بعدهم كما شهد رسول الله أنه بلغهم. والمعاني كلها تدور حول معنى أن يشهد شيئاً يقول به وبذلك نعرف أننا نحتاج إلى الاثنين: من يقتل في سبيل الله، ومن يبقى بدون قتل في سبيل الله؛ لأن الأول يؤكد صدق اليقين بما يصير إليه الشهيد، والثاني يُعطينا بقاء تبليغ الدعوة فهو شاهد أيضاً: {أية : لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ} تفسير : [البقرة: 143]. و "الصالحين" والصالح هو المؤهل لأن يتحمل لأن يتحمل مهمة الخلافة الإيمانية في الأرض. فكل شيء يؤدي نفعاً يتركه على حاله، وإن أراد أن يزيد في النافع فليرق النفع منه، فمثلاً: الماء ينزل من السماء، وبعد ذلك يكون جداول، ويسير في الوديان، وتمتصه الأرض فيخرج عيوناً، فعندما يرى عيناً للمياه فهو يتركها ولا يردمها فيكون قد ترك الصالح على صلاحه، وهناك آخر يرقى النفع من تلك النعمة فيبني حولها كي يحافظ عليها. إذن فهذا قد أصلح بأن زاد في صلاحه. وهناك ثالث يقول: بدلاً من أن يأتي الناس من أماكنهم متعبين بدوابهم ليحملوا الماء في القِرَب أو على رءوس الحاملين، لماذا لا أستخدم العقل البشري في الارتقاء بخدمة الناس لينتقل الماء إلى الناس في أماكنهم، وهنا يصنع الصهاريج العالية ويصلها بمواسير وأنابيب إلى كل من يريد ماء فيفتح الصنبور ليجد ما يريد. ومن فعل ذلك يسَّر على الناس، فيكون مصلحاً بأن جاء إلى الصالح في ذاته فزاده صلاحاً. ويختم الحق الآية بقوله: {وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً}. و "أولئك" تعني النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ولا توجد رفقة أفضل من هذه، والرفيق هو: المرافق لك دائما في الإقامة وفي السفر، ولذلك يقولون: خذ الرفيق قبل الطريق، فقد تتعرض في الطريق لمتاعب وعراقيل؛ لأنك خرجت عن رتابة عادتك فخد الرفيق قبل الطريق. ونعرف أن الأصل في المسائل المعنوية: كلها منقولة من الحسيات، وفي يد الإنسان يوجد المرفق.. يقول الحق: {أية : فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ} تفسير : [المائدة: 6]. وساعة يكون الواحد مرهقاً ورأسه متعباً يتكئ على مرفقه ليستريح، وساعة يريد أن ينام ولم يجد وسادة يتكئ على مرفقه أيضاً. إذن فالمادة كلها مأخوذة من الرفق، فالرفيق مأخوذ من الرفقو "المرافق" مأخوذة من الرفق لأنها ترفق بالجسم وتريحه، وفي كل بيت توجد المرافق وهي مكان إعداد الطعام وكذلك دورة المياه، وفي الريف تزيد المرافق ليوجد مكان لمبيت الحيوانات التي تخدم الفلاح، وبيوت الفقراء قد تكون حجرة واحدة فيها مكان للنوم، ومكان للأكل، وقد يربط الفقير حماره في زاوية من الحجرة، لكن عندما يكون ميسور الحال فهو يمد بيته بالمرافق المكتملة. أي يكون في المنزل مطبخ مستقل، ومحل لقضاء الحاجة، وحظيرة مستقلة للمواشي، وكذلك يكون هناك مخزن مستقل، وهذه كلها اسمها "مرافق" لأنها تريح كل الناس. إذن فقوله: "وحسن أولئك رفيقاً" مأخوذة من الرفق وهو: إدخال اليسر، والأنس، والراحة، ويكون هذا الإنسان الذي أطاع الله ورسوله بصحبة النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين. وقد يقول قائل: كيف يجتمع كل هؤلاء في منزلة واحدة؛ على الرغم من اختلاف أعمالهم في الدنيا، أليس الله هو القائل: {أية : وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ} تفسير : [النجم: 39]. ونقول: ما دام المؤمن أطاع الله وأطاع الرسول، أليس ذلك في سعيه؟ فهذه الطاعة والمحبة لله ولرسوله هي من سعي العبد؛ وعلى ذلك فلا تناقض بين الآيتين، لأن عمل الإنسان هو سعيه، ويصبح من حقه أن يكون في معية الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين. وقد تكون الصحبة تكريما لهم جميعاً ليأنسوا بالصحبة، وهذه المسألة ستشرح لنا قوله: {أية : وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ}تفسير : [الأعراف: 43]. فساعة يرى واحد منزلته في الآخرة أعلى من آخر، إياك أن تظن أنه سيقول: منزلتي أعلى من هذا؛ لأنه ما دام قد ترك الأسباب في الدنيا وعاش مع مسبب الأسباب، فهو من حبه لله يحب كل من سمع كلام ربنا في الدنيا فيقول لكل محب لله: أنت تستحق منزلتك، ويفرح لمن منزلته أعلى منه. وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - لنفرض أن هناك فصلاً فيه تلاميذ كثيرة، بعضهم يحب أن ينجح فقط، وبعضهم يحب العلم لذات العلم، وعندما يجد عشاق العلم تلميذاً نجيباً، أيكرهونه أم يحبونه؟ إنهم يحبونه ويسألونه ويفرحون به ويقولون: هذا هو الأول علينا؛ لأنه لا يحب نفسه بل يحب الآخرين، فكذلك المؤمن الذي يكون في منزلة بالجنة ويرى غيره في منزلة أعلى، إياك أن تقول إن نفسه تتحرك عليه بالغيرة، لا. لأنه من حبه لربه وتقديره له يحب من كان طائعاً لله ويفرح له، مثله مثل التلميذ الذي ينال مرتبة عالية فيحب التفوق للآخرين من غير حقد. وهكذا نجد أن الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها لا تخدش قول الحق: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ}. وهناك بحث آخر في قوله الحق: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ}. فـ "اللام" تفيد الملك والحق، كقولنا: ليس لك عندي إلا كذا، أي أن هذا حقك، فقوله: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ} أي هي حق للمؤمن وقد حددت العدل في الحق ولم تحدد الفضل، ولذلك قال بعدها: {ذٰلِكَ ٱلْفَضْلُ...}.
الجيلاني
تفسير : {وَ} واعلموا أيها المؤمنون {مَن يُطِعِ ٱللَّهَ} حق إطاعته {وَ} حق إطاعته أن يطيعوا {ٱلرَّسُولَ} المستخلف منه {فَأُوْلَـٰئِكَ} المطيعون لله ولرسوله مصاحبون {مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ} الذين يجمعون بين مرتبتي الكمال والتكميل، الفائزون بمقام الكشف والشهود، لا يرون غير الله في الوجود، ولذلك يدبرون الظاهر والباطن {وَٱلصِّدِّيقِينَ} وهم الذين يصلون إلى مقام المشاهدة، ويتحيرون بمطالعة وجه الله الكريم إلى حيث لا يلتفتون إلى الكمال والتكميل، بل يهيمون ويستغرقون {وَٱلشُّهَدَآءِ} وهم الذين يرفعون مزاحمة هويتهم عن البين مطلقاً {وَٱلصَّالِحِينَ} وهم الذين يستعدون نفوسهم لنقصان المراتب السابقة، ويترصدون لها إيماناً واحتساباً {وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ} المقربون المجتهدون في طريق التوحيد مقدورهم {رَفِيقاً} [النساء: 69] شفيقاً للساكنين المتوجهين نحوه. {ذٰلِكَ ٱلْفَضْلُ} والهداية والرفاقة مع هؤلاء العظماء وللإنعام تفضلاً {مِنَ ٱللَّهِ} وامتناناً منه لا صنع للعبد فيه، ولا علم لأحد في كيفيته وكيمته {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيماً} [النساء: 70] في مقدوراته وهوهوبته. هب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب. ومن أجلّ أسباب المرافقة مع هؤلاء المقربين: الجهاد؛ لذلك أمرهم سبحانه بتهيئة أسبابه ليتهيئوا له، فقال منادياً اهتماماً لشأنه: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} مقتضى إيمانكم ترويج دينكم، ونصرة نبيكم {خُذُواْ حِذْرَكُمْ} أي: عدتكم التي بها تحذرون عن العدو واستعدوا للقتال، وبعدما تم استعدادكم {فَٱنفِرُواْ} اخرجوا قبل العدو {ثُبَاتٍ} فرقة بعد فرقة {أَوِ ٱنْفِرُواْ جَمِيعاً} [النساء: 71] مجتمعين مختلطين؛ لأنه أدخل في المهابة. {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ} أي: وإن أناساً منكم والله ليتكاسلن، ويتثاقلن لنفاقهم ومرض قلوبهم {فَإِنْ أَصَٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ} قتل وهزيمة {قَالَ} المنافق المتكاسل {قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيَّ} بسبب هذا البطء والتأخير {إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً} النساء: 72] حاضراً فيصيبني ما أصابهم. {وَلَئِنْ أَصَٰبَكُمْ فَضْلٌ مِنَ الله لَيَقُولَنَّ} متمنياً من فرط تحسره وتحسده بكم {كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ} أي: كتحسر الأعداء للأعداء: {يٰلَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً} [النساء: 73] مثل ما فازوا. وإن أبطأ المنافقون في أمر القتال، وتكاسلوا نفاقاً.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: كل مَنْ أطاع الله ورسوله على حسب حاله وقدر الواجب عليه من ذكر وأنثى وصغير وكبير، { فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ } أي: النعمة العظيمة التي تقتضي الكمال والفلاح والسعادة { مِنَ النَّبِيِّينَ } الذين فضلهم الله بوحيه، واختصهم بتفضيلهم بإرسالهم إلى الخلق، ودعوتهم إلى الله تعالى { وَالصِّدِّيقِينَ } وهم: الذين كمل تصديقهم بما جاءت به الرسل، فعلموا الحق وصدقوه بيقينهم، وبالقيام به قولا وعملا وحالا ودعوة إلى الله، { وَالشُّهَدَاءِ } الذين قاتلوا في سبيل الله لإعلاء كلمة الله فقتلوا، { وَالصَّالِحِينَ } الذين صلح ظاهرهم وباطنهم فصلحت أعمالهم، فكل من أطاع الله تعالى كان مع هؤلاء في صحبتهم { وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا } بالاجتماع بهم في جنات النعيم والأنْس بقربهم في جوار رب العالمين. { ذَلِكَ الْفَضْلُ } الذي نالوه { مِنَ اللَّهِ } فهو الذي وفقهم لذلك، وأعانهم عليه، وأعطاهم من الثواب ما لا تبلغه أعمالهم. { وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا } يعلم أحوال عباده ومن يستحق منهم الثواب الجزيل، بما قام به من الأعمال الصالحة التي تواطأ عليها القلب والجوارح.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ} [69] 131- أنا محمد بن عبد الله بن المبارك، نا وكيع، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن عروة، عن عائشة قالت: حديث : كُنتُ أسمع أن رسول الله صلى الله عليه وسم لا يموت حتى يُخيَّر بين الدنيا والآخرة، فأخذَتْه بُحَّة في مرضه الذي مات فيه، فسمعته يقول: {مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً} فظننت أنه خُيِّر .
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):