Verse. 563 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

ذٰلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اؘ۝۰ۭ وَكَفٰى بِاللہِ عَلِــيْمًا۝۷۰ۧ
Thalika alfadlu mina Allahi wakafa biAllahi AAaleeman

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ذلك» أي كونهم مع ذكر مبتدأ خبره «الفضل من الله» تفضل به عليهم لا أنهم نالوه بطاعتهم «وكفى بالله عليما» بثواب الآخرة أي فثقوا بما أخبركم به (ولا ينبئك مثل خبير).

70

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {ذٰلِكَ } أي كونه مع مَنْ ذكر مبتدأ خبره {ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ } تفضل به عليهم لا أنهم نالوه بطاعتهم {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيماً } بثواب الآخرة أي فثقوا بما أخبركم به {وَلاَ يُنَبّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ }.

ابو السعود

تفسير : {ذٰلِكَ} إشارةٌ إلى ما للمطيعين من عظيم الأجرِ ومزيدِ الهدايةِ ومرافقةِ هؤلاءِ المُنعَمِ عليهم، أو إلى فضلهم ومزيَّتِهم، وما فيه من معنى البُعدِ للإشعار بعلو رتبتِه وبُعدِ منزلتِه في الشرف، وهو مبتدأ وقولُه تعالى: {ٱلْفَضْلِ} صفتُه وقوله تعالى: {مِنَ ٱللَّهِ} خبرُه أي ذلك الفضلُ العظيمُ من الله تعالى لا من غيره أو الفضلُ خبرُه و{مِنَ ٱللَّهِ} متعلق بمحذوف وقعَ حالاً منه والعاملُ فيه معنى الإشارةِ أي ذلك الذي ذُكر فضلٌ كائناً من الله تعالى، لا أن أعمالَ المكلفين موجِبةٌ له {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيماً} بجزاء من أطاعه وبمقادير الفضلِ واستحقاقِ أهلِه.

اسماعيل حقي

تفسير : {ذلك الفضل} مبتدأ والفضل صفته وهو اشارة الى ما للمطيعين من عظيم الاجر ومزيد الهداية ومرافقة هؤلاء المنعم عليهم {من الله} خبره اى لا من غيره {وكفى بالله عليما} بجزاء من اطاعه وبمقاديرالفضل واستحقاق اهله. وهذه الآية عامة فى جميع المكلفين اذ خصوص السبب لا يقدح فى عموم اللفظ فكل من اطاع الله واطاع الرسول فقد فاز بالدرجات والمراتب الشريفة عند الله تعالى ـ روى ـ عن بعض الصالحين انه قال اخذتنى ذات ليلة سنة فنمت فرأيت فى منامى كأن القيامة قد قامت وكأن الناس يحاسبون فقوم يمضى بهم الى الجنة وقوم يمضى بهم الى النار قال فاتيت الجنة فناديت يا اهل الجنة بماذا نلتم سكنى الجنان فى محل الرضوان فقالوا لى بطاعة الرحمان ومخالفة الشيطان ثم اتيت باب النار فناديت يا اهل النار بماذا نلتم النار قالوا بطاعة الشيطان ومخالفة الرحمان شعر : كجا سربر آريم ازين عاروننك كه با او بصلحيم وباحق بجنك نظر دوست نادر كند سوى تو جودر روى دشمن بودروى تو تفسير : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : "كل امتى يدخلون الجنة الا من ابى" قيل ومن ابى قال "من اطاعنى دخل الجنة ومن عصانى فقد ابى" .تفسير : فعلى المرء ان يتبع الرسول ويتبع اولياء الله فان الانبياء لهم وحى الهى والاولياء لهم الهام ربانى والاتباع لهم لا يخلو عن الاتباع للرسول قال عليه السلام "حديث : المرء مع من احب " .تفسير : فان احب الانبياء والصديقين والشهداء والصالحين كان معهم فى الجنة. وفى الآية تنبيه على انه ينبغى للعبد ان لا يتأخر من مرتبة الصلاح بل يسعى فى تكميل الصلاح ثم يترقى الى مرتبة الشهادة ثم الى الصديقية وليس بين النبوة وبين الصديقية واسطة رزقنا الله واياكم الفوز بهذا النعيم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يزال العبد يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا ولا يزال يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا " .تفسير : واقل الصدق استواء السر والعلانية والصادق من صدق فى اقواله والصديق من صدق فى جميع اقواله وافعاله واحواله. وكان جعفر الخواص يقول الصادق لا تراه الا فى فرض يؤديه او فضل يعمل فيه وثمرات الصدق كثيرة فمن بركاته فى الدنيا انه حكى عن ابى عمر الزجاجى انه قال ماتت امى فورثت دارا فبعتها بخمسين دينارا وخرجت الى الحج فلما بلغت بابل استقبلنى واحد من القافلة وقال أى شىء معك فقلت من نفسى الصدق ثم قلت خمسون دينارا فقال ناولنيها فناولته الصرة فحلها فاذا هى خمسون وقال لى خذها فلقد اخذنى صدقك ثم نزل عن الدابة وقال اركبها فقلت لا اريد فقال لا والح فركبتها فقال وانا على اثرك فلما كان العام القابل لحق بى ولازمنى حتى مات: قال الحافظ قدس سره شعر : بصدق كوش كه خورشيد زايد ازنفست كه از دروغ سيه روى كشت صبح نخست تفسير : يعنى ان الصبح الكاذب تعقبه الظلمة والصبح الصادق يعقبه النور فمن صدق فقد بهر منه النور.

الجنابذي

تفسير : {ذٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ} ترغيب للنّاس وتحريص لهم على الولاية، وبشارة للمؤمنين بانّ الفضل الّذى ينبغى ان يتنافس فيه ولا فضل سواه هو ذلك التّرافق فمن طلب الفضل فليتولّ عليّاً (ع) وليدخل فى ولايته بالبيعة له {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيماً} بمقدار استحقاقكم وسلوككم فى طريق ولايته فيتفضّل عليكم بقدر طاعتكم وسلوككم فلا يكتف من بايع عليّاً (ع) بالبيعة الولويّة بمحض البيعة وليطلب زيادة الفضل والدّرجة العليا.

اطفيش

تفسير : {ذَلِكَ الفَضْلُ}: المذكور الذى هو كون من أطاع الله والرسول مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، كذا ظهر لى، ثم رأيته للسيوطى ذلك وما قبله من ايتاء الأجر العظيم، وهداية الصراط المستقيم، لأن الإيتاء والهداية لم يذكرا على الثبوت، بل على الامتناع عمن لم يفعل ما يوعظ به. وأجاز القاضى الاشارة الى ذلك كله، لأنهما ولو ذكرا على النفى فمن انتفى عنه فعل ما يوعظ به، لكنهما يثبتا لمن فعله، وأجاز عودها الى انعام الله على النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، والفصل نعت أو بيان أو بدل للمبتدأ الذى هو ذلك والخبر هو قوله: {مِنَ اللهُ}: أو الفضل خبر، ومن الله حال من الفضل، لأن المبتدأ اسم إشارة. {وَكَفَى بِاللهِ عَلِيمًا}: بثواب من أطاع الله والرسول، فثقوا به لا يخفى عنه المطيع المستحق للثواب، لأنه أطاع بتوفيقه تعالى، والتوفيق مخبرا أو كفى به عليما بمقادير الفضل، أو كفى به عليما بعباده، منة من الله تعالى. قال أبو هريرة: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لن يدخل أحدا منكم عمله الجنة" قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدنى الله بفضله ورحمته" أى ولا أنت يدخلك الجنة عملك، ويروى: "لن يدخل أحدكم الجنة بعمله" قالوا: ولا أنت؟ قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدنى الله برحمته ".

اطفيش

تفسير : {ذَلِكَ} أى المذكور من الأجر والهدى والكون مع الذين أنعم الله عليهم {الفَضْلُ} خير {مِنَ اللهِ} حال من الفضل لعمل اسم الإشارة فيه، أو خبر والفضل تابع {وكفَى بِاللهِ عَلِيماً} بكل شىء، ومنه جزاء من أطاعه ومقدار الفضل وأهله، فثقوا بعلمه ولا صادق خبره كالله، ولا ينبئك مثل خبير.

الالوسي

تفسير : {ذٰلِكَ} إشارة إلى ما ثبت للمطيعين من جميع ما تقدم، أو إلى فضل هؤلاء المنعم عليهم ومزيتهم وهو مبتدأ، وقوله سبحانه: {ٱلْفَضْلُ} صفة، وقوله تعالى: {مِنَ ٱللَّهِ} خبره أي ذلك الفضل العظيم كائن من الله تعالى لا من غيره، وجوز أبو البقاء أن يكون {ٱلْفَضْلُ} هو الخبر، و {مِنَ ٱللَّهِ} متعلق بمحذوف وقع حالاً منه؛ والعامل فيه معنى الإشارة، ويجوز أن يكون خبراً ثانياً أي ذلك الذي ذكر الفضل كائناً، أو كائن من الله تعالى لا أن أعمال العباد توجبه {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيماً} بثواب من أطاعه وبمقادير الفضل واستحقاق أهله بمقتضى الوعد فثقوا بما أخبركم به {أية : وَلاَ يُنَبّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} تفسير : [فاطر: 14]. وقيل: وكفى به سبحانه عليماً بالعصاة والمطيعين والمنافقين والمخلصين ومن يصلح لمرافقة هؤلاء ومن لا يصلح.

الواحدي

تفسير : {ذلك} أَيْ: ذلك الثَّواب، وهو الكون مع النَّبييِّن {الفضل من الله} تفضَّل به على مَنْ أطاعه {وكفى بالله عليماً} بخلقه، أَيْ: إنَّه علامٌ لا يخفى عليه شيء، ولا يضيع عنده عمل، ثمَّ حثَّ عباده المؤمنين على الجهاد، فقال: {يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم} سلاحكم عند لقاء العدوِّ {فانفروا} أَيْ: فانهضوا إلى لقاء العدوِّ {ثباتٍ} جماعاتٍ مُتفرِّقين إذا لم يكن معكم الرَّسول {أو انفروا جميعاً} إذا خرج الرَّسول إلى الجهاد. {وإنَّ منكم لَمَنْ ليُبطئنَّ} أَيْ: ليتخلفنَّ ويتثاقلنَّ عن الجهاد، وهم المنافقون، وجعلهم من المؤمنين من حيث إنَّهم أظهروا كلمة الإِسلام، فدخلوا تحت حكمهم في الظَّاهر {فإن أصابتكم مصيبةٌ} من العدوِّ، وجهدٌ من العيش {قال قد أنعم الله عليَّ} بالقعود حيث لم أحضر فيصيبني ما أصابكم. {ولئن أصابكم فضلٌ من الله} فتحٌ وغنيمة {ليقولنَّ} هذا المنافق قولَ نادمٍ حاسدٍ: {يا ليتني كنتُ معهم فأفوز فوزاً عظيماً} أَيْ: لأسعدَ مثل ما سعدوا به من الغنيمة، وقوله: {كأن لم تكن بينكم وبينه مودَّة} متصلٌ في المعنى بقوله: {قد أنعم الله عليَّ إذا لم أكن معهم} ، {كأن لم تكن بينكم وبينه مودَّة} . أَيْ: كأنْ لم يعاقدكم على الإِسلام ويعاضدكم على قتال عدوٍّكم، ولم يكن بينكم وبينه مودة في الظَّاهر، ثمَّ أمر المؤمنين بالقتال فقال: {فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون} أَيْ: يبيعون {الحياة الدُّنيا بالآخرة} أَيْ: بالجنَّة، أَيْ: يختارون الجنَّة على البقاء في الدُّنيا {ومَنْ يُقاتل في سبيل الله فيقتل} فيستشهد {أو يغلب} فيظفر، فكلاهما سواءٌ، وهو معنى قوله: {فسوف نؤتيه أجراً عظيماً} ثواباً لا صفة له، ثمَّ حضَّ المؤمنين على الجهاد في سبيله لاستنقاذ ضعفة المؤمنين من أيدي المشركين، فقال: {وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والوِلدان} وهم قومٌ بمكَّة استُضعفوا فَحُبسوا وعُذِّبوا {الذين يقولون ربنا أخرجنا} إلى دار الهجرة {من هذه القرية} مكَّة {الظالم أهلها} أَيْ: جعلوا لله شركاء {واجعل لنا من لَدُنْكَ ولياً} أَيْ: ولِّ علينا رجلاً من المؤمنين يوالينا {واجعل لنا من لدنك نصيراً} ينصرنا على عدوِّك، فاستجاب الله دعاءَهم، وولَّى عليهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عتَّابَ بن أسيد، وأعانهم [الله] به، فكانوا أعزَّ بها من الظَّلمة قبل ذلك. {الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله} في طاعة الله {والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت} أَيْ: في طاعة الشَّيطان {فقاتلوا أولياء الشيطان} عبدة الأصنام {إنَّ كيد الشيطان كان ضعيفاً} يعني: خذلانه إيَّاهم يوم قُتلوا ببدرٍ.

د. أسعد حومد

تفسير : (70) - وَالفَوْزُ بِتِلْكَ المَنْزِلَةِ العَظِيمَةِ، مِنْ مُرَافَقَةِ النَّبِيِّينَ، وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، هُوَ فَضْلٌ مِنَ اللهِ، وَهُوَ الذِي أهَّلَهُمْ لِذَلِكَ، وَلَمْ يَصِلُوا إلَيْهِ بِأعْمَالِهِمْ، وَكَفَى بِاللهِ عَلِيماً بِالمُخْلِصِينَ وَبِالمُنَافِقِينَ، وَبِمَنْ يَسْتَحِقُّ الهِدَايَةَ وَالتَّوْفِيقَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : فالفضل من الله يستمّد حيثيته من سعى الإنسان، فقوله: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ} حددت الحق الذي لك والذي توجبه عدالة التكليف، لكن ربنا لم يقل: إن هذا العطاء لله من الحق والعدل. بل هو من الفضل، والفضل من الله هو مناط فرح المؤمن؛ لأنك مهما عملت في التكليف فلن تؤديه كما يجب بالنسبة لله، ولذلك أوضح سبحانه لنا: تنبهوا.. أنا كلفتكم وقد تعملون وتجتهدون، لكن لا تفرحوا مما سيجمعه هذا العمل من حسنات، ولكن سيكون فرحكم بما يعطيكم ربكم من فضله قال سبحانه: {أية : قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} تفسير : [يونس: 58]. وذلك الفضل من الله يرد على من يقول: كيف يجيء "ثوبان" أو مَن دون "ثوبان" ويكون في الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء ومع الصالحين، ونقول: لو لم تكن منزلته أدنى لما كان في ذلك تفضل، إنه ينال الفضل بأن كانت طاعته لله ولرسوله فوق كل طاعة، أما حبه لله وللرسول، فهذا من سعيه وعمله بتوفيق الله له - وما توفيقي إلا بالله - والفضل هو مناط فرح المؤمن {ذٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيماً}. ونحن نرضى ونفرح ونكتفي بعلم الله؛ لأنه سبحانه يرتب أحكامه على علم شامل ومحيط، ويعرف صدق الحب القلبي وصدق الودادة، وصدق تقدير المؤمن لمن زاد عنه في المنزلة. وبعد أن أمّن الحق لنا داخلية وطننا الإيماني، وتجمعنا الإسلامي بالأصول التي ذكرها، وهي: أن نؤدي الأمانات، وإذا أدينا الأمانات فلن نحتاج إلى أن نتقاضى، فإذا غفل بعضنا ولم يؤد أمانة، وحدث نزاع فسيأتي الحكم بالعدل. وبعد ذلك نحتكم في كل أمورنا إلى الله وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نحتكم إلى الطواغيت، وهات لي مجتمعا إيمانيا واحدا يؤدي الأمانة ولا يشعر بالاطمئنان. وعرفنا أن الأمانة هي: حق لغيرك في ذمتك أنت تؤديه، وكل ما عداك غير. وأنت غير بالنسبة لكل ما عداك، فتكون كلها مسألة في الخير المستطرق للناس جميعا، وإذا حدثت غفلة يأتي العدل. والعدل يحتاج حكما، وعندما نأتي لنحكم نحتكم لله وللرسول، وإياك أن تتحاكم إلى الطاغوت. وكان "كعب بن الأشرف" يمثل الطاغوت سابقا، والآن أيضاً يوجد من هم مثل كعب بن الأشرف. بل هناك طواغيت كثيرة. إنك إذا رأيت خللاً في العالم الإسلامي فأعلم أن هناك خللاً في تطبيق التكليف الإسلامي، فكيف تستقيم لنا الأمور ونحن بعيدون عن منهج تكاليف الإسلام المكتملة؟ ولو استقامت الأمور لكانت شهادة بأن هذا المنهج لا ضرورة له. لكن إذا حدث شيء فهذا دليل صدق التكليف. وبعد أن طمأننا على المصير الأخروي مع النبيين والصديقين والشهداء أوضح سبحانه: لاحظوا أن كل رسالة خير تأتي من السماء إلى الأرض ما جاءت إلا لمحاربة فساد وقضاء على فساد طام في الأرض؛ لأن النفس البشرية إما أن يكون لها وازع من نفسها بحيث إنها قد تهم مرة بمعصية ثم توبخ نفسها وتعود إلى المنهج، فتكون مناعتها ذاتية، وإما أن المناعة ليست ذاتية في النفس بل ذاتية في البيئة، فمثلاً نجد واحداً لا يقدر على نفسه. لكنه يجد واحداً آخر يقول له: "هذا عيب". وهذا يعني أن البيئة مازال فيها خير، وكانت الأمم السابقة قد خلت من المناعة وصارت على هيئة ومسلك واحد وهو ما يصوره الحق بقوله: {أية : كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ} تفسير : [المائدة: 79]. إذن فقد فسدت مناعة الذات، ولا توجد مناعة في المجتمع، فتتدخل - إذن - السماء. لكن الحق فضل أمة محمد صلى الله عليه وسلم وميزها على غيرها من الأمم لأن مناعتها دائماً في ذوات أفرادها. فإن لم تكن في ذوات الأفراد ففي المجموع، فلا يمكن أن يخلو المجتمع الإيماني من فرد يقول: لا. ولذلك لن يأتي رسول بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلو كانت ستحدث طامة وفسد بها المجتمع ولا نجد فيه من يقول: لا.. لكان ولا بد أن يأتي رسول، لكن محمدا كان خاتم النبيين؛ لأن الله سبحانه وتعالى فضل أمة محمد بأن جعل وازعها دائماً أما من ذاتها بحيث يرد كل فرد نفسه وتكون نفسه لوّامة، وإمّا مناعة في المجتمع وكل واحد فيه يوصِي، وكل واحد يوصيَ، واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ} تفسير : [العصر: 1-3]. تواصوا لماذا؟ لأن النفس البشرية أغيار، فقد تهيج نفسي لأخرج عن المنهج مرة؛ فواحد آخر ينهاني، وأنا أردها له وأهديه وأرشده إلى الصراط المستقيم، وواحد آخر أخطأ فأنا أقول له وأنهاه. إذن فقوله: "وتواصوا" يعني: ليكن كل واحد منكم موصيا وموصى. فكلنا يَنظر بعضنا ويلاحظه؛ مَن ضعف في شيء يجد من يقوِّمه، فلا ينعدم أن يوجد في الأمة المحمدية موصٍ بالخير ومُوصى أيضا بالخير، وتوجد في النفس الواحدة أنه موصٍ في موقف ومُوصىً في موقف آخر؛ بحيث لا يتأبى إن وصاه غيره؛ لأنه كان يوصى بالأمس، وكما قالوا: "رحم الله امرأ أهدى إلى عيوبي". وبعد أن استكمل الحق بناء البيئة الإيمانية برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وصرتم أنتم آخر الأمم. فهو سبحانه يطمئننا على أن الشر لا يطم عندنا وستبقى فينا مناعة إيمانية حتى وإن لم يلتزم قوم فسيلتزم آخرون. وإن لم يلتزم الإنسان في كل تصرفاته، فسيلتزم في البعض ويترك البعض، ولو لم تتدخل المساء بمنهج قويم لصار العالم متعبا. وكيف يتعب العالم؟ إن العالم يتعب إذا تعطلت فيه مناهج الحق الذي استخلفنا في الأرض. فتطغى مظاهر الجبروت والقوة على مظاهر الضعف. ويتحكم في كل إنسان هواه. وفي عالمنا المعاصر نرى حتى في الأمم التي لا تؤمن بدين لا تترك شعوبها لهوى أفرادها، بل ينظمون الحياة بتشريعات قد تتعبهم، ووضعت الأمم غير المتدينة لنفسها نظاما يحجز هوى النفس، ونقول لهم: أنتم عملتم على قدر فكركم، وعلى قدر علمكم بخصال البشر، وعلى قدر علمكم بالطبائع وأنتم تجنيتم في هذه؛ لأنكم تقننون لشيء لم تخلقوه بشيء لم تصنعوه. وأصل التقنين: أن تقنن لشيء صنعته، كما قلنا: إن الذي يضع برنامج الصيانة لأي آلة هو من صنع الآلة، فالذي صَنَع التليفزيون أيترك الجزار يضع قانون للتليفزيون برنامج الصيانة؟ لا، فمن صنع التليفزيون هو الذي يضع قانون صيانته، فما بالنا بالذي خلقنا؟ إنه هو الذي يضع قانون صيانتي: بـ "افعل ولا تفعل"، فأنتم يا بشر تتحكمون في أشياء بأهواء بعض الناس وتقولون: افعل هذه ولا تفعل هذه، فعلى أي أساس عرفتم شرور المخالفات؟ هل خلقتم أنتم النفس وتعرفون ملكاتها؟ لا. بدليل أنكم تعدلون قوانينكم، ويحدث التعديل - كما قلنا - لأن المشرع يتبين خطأ فيستدرك الخطأ، والمشرع البشرى يخطيء لأنه يقنن لما لم يصنع، فإذا كنا لا نريد أن يظهر خطأ فلنترك التقنين لمن صنع وهو الله. والتاريخ البشرى يؤكد أن الفساد يطم عندما يتعطل منهج السماء، والسماء تتخل برسالة، وكل رسالة جاءت كان لها خصوم وهم المنتفعون بالشر، وهؤلاء لن يتركوا منهج الله يسيطر ليسلبهم هذه الهيمنة والسيطرة والقهر والجبروت والانتفاع بالشر، بل يحاربون رسالات السماء، ويلفتنا الحق إلى أن أهل الشر والناس المنفلتين من مناهج السماء وغير المتدينين، سيسببون لكم متاعب، فبعدما توطنون أنفسكم التوطين الإيماني انتبهوا إلى خصومكم وإلى أعدائكم في الله لقد قال الحق سبحانه وتعالى في هذه القضية: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {ذٰلِكَ} [النساء: 70]، الرفق والرفاقة إنما هي {ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ} [النساء: 70] لا من أحد غيره، {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيماً} [النساء: 70]، بمن استعداده لهذه الرفاقة فيوفقه لتحصيل هذه السعادة، فيطيع الرسول صلى الله عليه وسلم ويحب جميع الصحابة، وتدل هذه الآية على خلافة أبي بكر رضي الله عنه، وذلك أن الله تعالى ذكر مراتب أوليائه وأنبيائه على الترتيب فقدم الأنبياء على الأولياء، فليس لأحد أن يؤخر الأنبياء على الأولياء، وجعل مراتب الأولياء ثلثاً: الأخص وهم الصديقون، والخواص وهم الشهداء، والعوام وهم الصالحون، فكما لا يجوز أن يقدم الأولياء على الأنبياء، فكذلك لا يجوز أن يقدم الشهداء على الصديقين، فلا يجوز أن يقدم الشهداء وهم: عمر وعثمان وعلي - رضي الله عنهم - على أبي بكر رضي الله عنه؛ لأنه أول من صدق النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء به، يدل عليه قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ}تفسير : [الزمر: 33]؛ يعني: محمد صلى الله عليه وسلم، وصدق به أبي بكر رضي الله عنه، فلما صح أنه الصديق وأنه ثاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وجب أن يكون خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز أن يتقدم عليه أحد بعده، كما يجوز في عهده واجمعوا على خلافته بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده صارت الخلافة إلى الشهداء كما رتبهم الله تعالى بالذكر، فلا يكون من علامة السعادة تغيير هذه المراتب وتقديم بعضهم على بعض في هذا الزمان، وهذا مما لا يمكن؛ لأن الله تعالى أجرى كما قدره في الأزل فلا راد لحكمه، لا سيما بعد وقوع الأمر، {أية : لِّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً}تفسير : [الأنفال: 42]، وقال تعالى: {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيماً} [النساء: 70]، فلم يبق لمجوز تغيير تلك المراتب، إلا الاعتراض على الله تعالى فيما جعله مخصوصاً بهذا الفضل، لقوله تعالى: {ذٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيماً} [النساء: 70]؛ أي: من يعطيه فضله والاعتراض على النبي صلى الله عليه وسلم حيث اختص أبا بكر رضي الله عنه بهذا الفضل، وقال: "حديث : أفضلكم أبو بكر"تفسير : ، والاعتراض على جميع الصحابة فإنهم أجمعوا على فضيلة أبي بكر وخلافته، فافهم جيداً وتفكر في هذا التقرير بلا تعصب ولا تكن من أهل التغير. ثم أخبر عن أهل الفضل وأهل العدل بقوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ} [النساء: 71]، الإشارة فيها: إن الله تعالى بفضله وكرمه يعلم الذين آمنوا أن يأخذوا عدتهم وأسلحتهم في جهاد كافر النفس والشيطان لفلاح الروحاني عن أسير الهوى النفساني بقوله تعالى: {خُذُواْ حِذْرَكُمْ} [النساء: 71]، هو ذكر الله عز وجل لقوله تعالى: {أية : وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ}تفسير : [الأنفال: 45]، قال تعالى: {فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ} [النساء: 71]؛ أي: جاهدوا أنفسكم بالرياضة وقمع الهوى متفرقين؛ أي: وإن كنتم بوصف التفرقة ولا جمعية لكم، فإن بالرياضة يحصل الجمعية، {أَوِ ٱنْفِرُواْ جَمِيعاً} [النساء: 71]؛ يعني: جاهدوا على الجمعية والحضور، فإن الجهاد ماض مع النفس مدة العمر في كل قتلة لها حياة أخرى أطيب وأعز من الأولى بقوله تعالى: {خُذُواْ حِذْرَكُمْ} [النساء: 71] إلى الخروج من عالم الحيوانية إلى عالم الروحانية ومن التفرقة إلى الجمعية، {فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ} [النساء: 71] على الخروج من عالم الروحانية إلى عالم الوحدانية الربانية، ومن الجمعية إلى الوحدة. {وَإِنَّ مِنْكُمْ} [النساء: 72] أيها الصديقون {لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ} [النساء: 72]، من المدعين المتكاسلين في السير، القانعين بالاسم النازلين على الرسم، {فَإِنْ أَصَٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ} [النساء: 72] شدة وبلاء وجهد وعناء، قال: {قَالَ قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً} [النساء: 72] من المحنة والشقاوة والشدة والعناء، {وَلَئِنْ أَصَٰبَكُمْ فَضْلٌ مِنَ الله} [النساء: 73]، فتوحات ومواهب غيبية وعلوم لدنية، ومرتبة رفيعة عند الخواص ومحبة وقبول عند العوام، {لَيَقُولَنَّ} [النساء: 73]، هذا المرائي قول حاسد كاسد، {كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ} [النساء: 73]؛ أي: كمن لم يكن بينكم وبينه صحبة ونسبة في هذا الشأن، ولم يكن له انتماء إلى هذا الفرق إذا انقطع في الطريق، {يٰلَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ} [النساء: 73] في جهاد النفس وتزكيتها، وتربية القلب وتصفية وتنقية الروح، وتحليته وتحلية السر وتقويته، {فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً} [النساء: 73]؛ أي: فالفوز العظيم؛ وهو الله جل ثناؤه.