Verse. 564 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

يٰۗاَيُّھَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا خُذُوْا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوْا ثُبَاتٍ اَوِ انْفِرُوْا جَمِيْعًا۝۷۱
Ya ayyuha allatheena amanoo khuthoo hithrakum fainfiroo thubatin awi infiroo jameeAAan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم» من عدوكم أي احترزوا منه وتيقظوا له «فانفروا» انهضوا إلى قتاله «ثُبَاتٍ» متفرقين سرية بعد أخرى «أو انفروا جميعا» مجتمعين.

71

Tafseer

الرازي

تفسير : واعلم أنه تعالى عاد بعد الترغيب في طاعة الله وطاعة رسوله إلى ذكر الجهاد الذي تقدم، لأنه أشق الطاعات، ولأنه أعظم الأمور التي بها يحصل تقوية الدين فقال: { يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: الحذر والحذر بمعنى واحد، كالاثر والاثر، والمثل والمثل، يقال: أخذ حذره إذا تيقظ واحترز من المخوف، كأنه جعل الحذر آلته التي يقي بها نفسه ويعصم بها روحه، والمعنى احذروا واحترزوا من العدو ولا تمكنوه من أنفسكم، هذا ما ذكره صاحب «الكشاف». وقال الواحدي رحمه الله فيه قولان: أحدهما: المراد بالحذر ههنا السلاح، والمعنى خذوا سلاحكم، والسلاح يسمى حذرا، أي خذوا سلاحكم وتحذروا، والثاني: أن يكون {خُذُواْ حِذْرَكُمْ } بمعنى احذروا عدوكم لأن هذا الأمر بالحذر يتضمن الامر بأخذ السلاح، لأن أخذ السلاح هو الحذر من العدو، فالتأويل أيضا يعود إلى الأول، فعلى القول الاول الأمر مصرح بأخذ السلاح، وعلى القول الثاني أخذ السلاح مدلول عليه بفحوى الكلام. المسألة الثانية: لقائل أن يقول: ذلك الذي أمر الله تعالى بالحذر عنه إن كان مقتضى الوجود لم ينفع الحذر، وإن كان مقتضى العدم لا حاجة إلى الحذر، فعلى التقديرين الامر بالحذر عبث وعنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : المقدور كائن والهم فضل»تفسير : وقيل أيضا: الحذر لا يغني من القدر فنقول: ان صح هذا الكلام بطل القول بالشرائع، فإنه يقال: إن كان الانسان من أهل السعادة في قضاء الله وقدره فلا حاجة إلى الايمان، وإن كان من أهل الشقاوة لم ينفعه الايمان والطاعة، فهذا يفضي إلى سقوط التكليف بالكلية، والتحقيق في الجواب أنه لما كان الكل بقدر كان الامر بالحذر أيضا داخلا في القدر، فكان قول القائل: أي فائدة في الحذر كلاما متناقضا، لأنه لما كان هذا الحذر مقدرا فأي فائدة في هذا السؤال الطاعن في الحذر. المسألة الثالثة: قوله: {فَٱنفِرُواْ } يقال: نفر القوم ينفرون نفرا ونفيرا إذا نهضوا لقتال عدو وخرجوا للحرب، واستنفر الامام الناس لجهاد العدو فنفروا ينفرون إذا حثهم على النفير ودعاهم اليه، ومثله قول النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : وإذا استنفرتم فانفروا»تفسير : والنفير اسم للقوم الذين ينفرون، ومنه يقال: فلان لا في العير ولا في النفير، وقال أصحاب العربية: أصل هذا الحرف من النفور والنفار وهو الفزع، يقال نفر اليه إذا فزع اليه، ونفر منه إذا فزع منه وكرهه، ومعنى الآية فانفروا إلى قتال عدوكم. المسألة الرابعة: قال جميع أهل اللغة: الثبات جماعات متفرقة واحدها ثبة، وأصلها من: ثبيت الشيء، أي جمعته، ويقال أيضاً: ثبيت على الرجل إذا أثنيت عليه، وتأويله جمع محاسنه، فقوله: {فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنْفِرُواْ جَمِيعاً } معناه: انفروا إلى العدو إما ثبات، أي جماعات متفرقة، سرية بعد سرية، وإما جميعا، أي مجتمعين كوكبة واحدة، وهذا المعنى أراد الشاعر في قوله:شعر : طاروا اليه زرافات ووحدانا تفسير : ومثله قوله تعالى: {أية : فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا } تفسير : [البقرة: 239] أي على أي الحالتين كنتم فصلوا.

القرطبي

تفسير : فيه خمس مسائل: الأولى ـ قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ} هذا خطاب للمؤمنين المخلصين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأمرٌ لهم بجهاد الكفار والخروج في سبيل الله وحماية الشرَع. ووجه النظم والاتصال بما قبلُ أنه لما ذكر طاعة الله وطاعة رسوله، أمر أهل الطاعة بالقيام بإحياء دينه وإعلاء دعوته، وأمرهم ألاّ يقتحموا على عدوّهم على جهالة حتى يتحسّسوا إلى ما عندهم، ويعلموا كيف يرِدُون عليهم، فذلك أثبت لهم فقال: {خُذُواْ حِذْرَكُمْ} فعلّمهم مباشرة الحروب. ولا ينافي هذا التوكُّلَ بل هو مقام عين التوكل كما تقدّم في «آل عمران» ويأتي. والحِذْر والحَذَر لغتان كالمِثْل والمَثَل. قال الفراء: أكثر الكلام الحَذَر، والحِذْر مسموع أيضاً؛ يقال: خذ حَذَرك، أي احذر. وقيل: خذوا السلاح حَذَرا؛ لأن به الحذر والحذر لا يدفع القدر. وهي: الثانية ـ خلافا للقدرية في قولهم: إن الحذر يدفع ويمنع من مكائد الأعداء، ولو لم يكن كذلك ما كان لأمرهم بالحذر معنى. فيقال لهم: ليس في الآية دليل على أن الحذر ينفع من القدر شيئاً، ولكنا تُعبِّدنا بألاَّ نُلْقي بأيدينا إلى التهلكة؛ ومنه الحديث: « حديث : اعقِلْها وتوكّل » تفسير : . وإن كان القدر جاريا على ما قضى، ويفعل الله ما يشاء؛ فالمراد منه طمأنينة النفس، لا أنّ ذلك ينفع من القدر وكذلك أخذ الحذر. والدليل على ذلك أن الله تعالى أثنى على أصحاب نبيّه صلى الله عليه وسلم بقوله: { أية : قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا } تفسير : [التوبة: 51] فلو كان يصيبهم غير ما قضى عليهم لم يكن لهذا الكلام معنى. الثالثة ـ قوله تعالى: {فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ} يقال: نَفر ينفِر بكسر الفاء نفيراً. ونفرت الدابة تنفُر (بضم الفاء) نفورا؛ المعنى: انهَضُوا لقتال العدو. واستنفر الإمامُ الناسَ دعاهم إلى النّفر أي للخروج إلى قتال العدّو. والنّفِير اسم للقوم الذين ينفرون، وأصله من النّفار والنّفور وهو الفزع؛ ومنه قوله تعالى: { أية : وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً } تفسير : [الإسراء: 46] أي نافرين. ومنه نَفَر الجلد أي وَرِم. وتخلّل رجل بالقَصَب فنَفَر فَمُه أي وَرِم. قال أبو عبيد: إنما هو من نِفار الشيء من الشيء وهو تجافيه عنه وتباعُدُه منه. قال ابن فارس: النَّفَر عِدَّة رجال من ثلاثة إلى عشرة. والنّفِير النّفَر أيضاً، وكذلك النَّفْر والنَّفْرة، حكاها الفراء بالهاء. ويوم النَّفْر: يوم ينْفِر الناس عن مِنّى. و «ثُبَاتٍ» معناه جماعات متفرّقات. ويقال: ثُبين يجمع جمع السلامة في التأنيث والتذكير. قال عمرو بن كلثوم: شعر : فأما يومَ خَشْيَتِنَا عليهم فتُصبح خيلُنا عُصَبا ثُبِيناً تفسير : فقوله تعالى: {ثُبَاتٍ} كناية عن السَّرايا، الواحدة ثُبَة وهي العصابة من الناس. وكانت في الأصل الثُّبَية. وقد ثَبّيت الجيشَ جعلتهم ثُبَةً ثُبَةً. والثُّبَة: وسط الحوض الذي يثوب إليه الماء أي يرجع. قال النحاس: وربما توهم الضعيف في العربية أنهما واحد، وأن أحدهما من الآخر؛ وبينهما فرق، فُثَبة الحوض يقال في تصغيرها: ثُوَيْبَة؛ لأنها من ثاب يثوب. ويقال في ثبة الجماعة: ثُبَيّة. قال غيره: فثبة الحوض محذوفة الواو وهو عين الفعل، وثبة الجماعة معتل اللام من ثَبَا يثبو مثل خلا يخلو. ويجوز أن يكون الثبة بمعنى الجماعة من ثبة الحوض؛ لأن الماء إذا ثاب اجتمع؛ فعلى هذا تصغّر به الجماعة ثُوَبْيَة فتدخل إحدى الياءين في الأخرى. وقد قيل: إن ثبة الجماعة إنما ٱشتقت من ثَبيّت على الرجل إذا أثنيت عليه في حياته وجمعت محاسن ذكره فيعود إلى الإجتماع. الرابعة ـ قوله تعالى: {أَوِ ٱنْفِرُواْ جَمِيعاً} معناه الجيش الكثيف مع الرسول عليه السلام؛ قاله ابن عباس وغيره. ولا تخرج السرايا إلا بإذن الإمام ليكون متجسسا لهم، عَضُداً من ورائهم، وربما احتاجوا إلى دَرْئه. وسيأتي حكم السّرايا وغنائمهم وأحكام الجيوش ووجوب النفير في «الأنفال» «وبراءة» إن شاء الله تعالى: الخامسة ـ ذكر ابن خُوَيْزِ مَنْدَاد؛ وقيل إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: { أية : ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً } تفسير : [التوبة:41] وبقوله: { أية : إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ } تفسير : [التوبة:39]؛ ولأن يكون { أية : ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً } تفسير : [التوبة:41] منسوخاً بقوله: {فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنْفِرُواْ جَمِيعاً} وبقوله: { أية : وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً } تفسير : [التوبة:122] أولى؛ لأن فرض الجهاد تقرر على الكفاية، فمتى سَدّ الثغور بعضُ المسلمين أسقط الفرض عن الباقين. والصحيح أن الآيتين جميعاً مُحكَمَتان، إحداهما في الوقت الذي يحتاج فيه إلى تعيّن الجميع، والأخرى عند الاكتفاء بطائفة دون غيرها.

ابن كثير

تفسير : يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بأخذ الحذر من عدوهم، وهذا يستلزم التأهب لهم بإعداد الأسلحة والعدد، وتكثير العدد بالنفير في سبيل الله {ثُبَاتٍ} أي: جماعة بعد جماعة، وفرقة بعد فرقة، وسرية بعد سرية، والثبات جمع ثبة، وقد تجمع الثبة على ثبين، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: قوله: {فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ} أي: عصباً، يعني: سرايا متفرقين {أَوِ ٱنْفِرُواْ جَمِيعاً} يعني: كلكم، وكذا روي عن مجاهد وعكرمة والسدي وقتادة والضحاك وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان وخصيف الجزري. وقوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ} قال مجاهد وغير واحد: نزلت في المنافقين. وقال مقاتل بن حيان: {لَّيُبَطِّئَنَّ} أي: ليتخلفن عن الجهاد. ويحتمل أن يكون المراد أنه يتباطأ هو في نفسه، ويبطىء غيره عن الجهاد، كما كان عبد الله بن أبي ابن سلول ـ قبحه الله ـ يفعل، يتأخر عن الجهاد، ويثبط الناس عن الخروج فيه. وهذا قول ابن جريج وابن جرير، ولهذا قال تعالى إخباراً عن المنافق أنه يقول إذا تأخر عن الجهاد: {فَإِنْ أَصَـٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ} أي: قتل وشهادة وغلب العدو لكم؛ لما لله في ذلك من الحكمة {قَالَ قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَىَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً} أي: إذ لم أحضر معهم وقعة القتال، يعد ذلك من نعم الله عليه، ولم يدر ما فاته من الأجر في الصبر أو الشهادة إن قتل. {وَلَئِنْ أَصَـٰبَكُمْ فَضْلٌ مِنَ الله} أي: نصر وظفر وغنيمة {لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ} أي: كأنه ليس من أهل دينكم {يٰلَيتَنِى كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً} أي: بأن يضرب لي بسهم معهم فأحصل عليه، وهو أكبر قصده وغاية مراده. ثم قال تعالى: {فَلْيُقَاتِلْ} أي: المؤمن النافر {فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ} أي: يبيعون دينهم بعرض قليل من الدنيا، وما ذلك إِلا لكفرهم وعدم إيمانهم، ثم قال تعالى: {وَمَن يُقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} أي: كل من قاتل في سبيل الله، سواء قتل أو غلب أو سُلِب، فله عند الله مثوبة عظيمة وأجر جزيل، كما ثبت في الصحيحين: «حديث : وتكفل الله للمجاهد في سبيله إن توفاه أن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه بما نال من أجر أو غنيمة».

المحلي و السيوطي

تفسير : { يَٱأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ } من عدوّكم أي احترزوا منه وتيقظوا له {فَٱنفِرُواْ } انهضوا إلى قتاله {ثُبَاتٍ } متفرّقين سرية بعد أخرى {أَوِ ٱنْفِرُواْ جَمِيعاً } مجتمعين.

الشوكاني

تفسير : قوله: {يا أيها الذين آمنوا} هذا خطاب لخلص المؤمنين، وأمر لهم بجهاد الكفار، والخروج في سبيل الله، والحذر، والحذر لغتان: كالمثل، والمثل. قال الفراء: أكثر الكلام الحذر، والحذر مسموع أيضاً، يقال: خذ حذرك أي: احذر، وقيل: معنى الآية: الأمر لهم بأخذ السلاح حذراً؛ لأن به الحذر. قوله: {فَٱنفِرُواْ } نفر ينفر بكسر الفاء نفيراً، ونفرت الدابة تنفر بضم الفاء نفوراً. والمعنى: انهضوا لقتال العدوّ. أو النفير اسم للقوم الذين ينفرون، وأصله من النفار، والنفور، وهو: الفزع، ومنه قوله تعالى: {أية : وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَـٰرِهِمْ نُفُوراً } تفسير : [الإسراء: 46] أي: نافرين، قوله: {ثُبَاتٍ } جمع ثبة، أي: جماعة، والمعنى: انفروا جماعات متفرقات. قوله: {أَوِ ٱنْفِرُواْ جَمِيعاً } أي: مجتمعين جيشاً واحداً. ومعنى الآية: الأمر لهم بأن ينفروا على أحد الوصفين؛ ليكون ذلك أشدّ على عدوّهم، وليأمنوا من أن يتخطفهم الأعداء، إذا نفر كل واحد منهم وحده أو نحو ذلك، وقيل: إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {أية : ٱنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً } تفسير : [التوبة: 41] وبقوله: {أية : إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذّبْكُمْ } تفسير : [التوبة: 39] والصحيح أن الآيتين جميعاً محكمتان: إحداهما في الوقت الذي يحتاج فيه إلى نفور الجميع، والأخرى عند الاكتفاء بنفور البعض دون البعض. قوله: {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطّئَنَّ } التبطئة والإبطاء التأخر، والمراد: المنافقون كانوا يقعدون عن الخروج، ويقعدون غيرهم. والمعنى: أن من دخلائكم وجنسكم ومن أظهر إيمانه لكم نفاقاً من يبطيء المؤمنين ويثبطهم، واللام في قوله: "لِمَنْ" لام توكيد، وفي قوله: {لَّيُبَطّئَنَّ } لام جواب القسم، و «من» في موضع نصب، وصلتها الجملة. وقرأ مجاهد، والنخعي، والكلبي {لَّيُبَطّئَنَّ } بالتخفيف {فَإِنْ أَصَـٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ } من قتل أو هزيمة أو ذهاب مال. قال هذا المنافق قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم حتى يصيبني ما أصابهم {وَلَئِنْ أَصَـٰبَكُمْ فَضْلٌ مِنَ } غنيمة أو فتح {لَّيَقُولَنَّ } هذا المنافق قول نادم حاسد {يٰلَيتَنِى كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً }. قوله: {كَأَن لَّمْ يَكُنِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ } جملة معترضة بين الفعل الذي هو {ليقولن} وبين مفعوله، وهو: {يا لَيْتَنِى} وقيل: إن في الكلام تقديماً وتأخيراً. وقيل: المعنى: ليقولنّ كأن لم تكن بينكم وبينه مودّة أي: كأن لم يعاقدكم على الجهاد. وقيل: هو في موضع نصب على الحال. وقرأ الحسن: "لَّيَقُولَنَّ" بضم اللام على معنى من. وقرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم "كَأَن لَّمْ تَكُنْ" بالتاء على الفظ المودّة. قوله: {فَأَفُوزَ} بالنصب على جواب التمني. وقرأ الحسن: "فَأَفُوزَ" بالرفع. قوله: {فَلْيُقَاتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } هذا أمر للمؤمنين، وقدّم الظرف على الفاعل للاهتمام به. و {ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ } معناه: يبيعون، وهم المؤمنون، والفاء في قوله: {فَلْيُقَاتِلْ } جواب الشرط مقدّر، أي: لم يقاتل هؤلاء المذكورون سابقاً الموصوفون بأن منهم لمن ليبطئن، فليقاتل المخلصون الباذلون أنفسهم البائعون للحياة الدنيا بالآخرة، ثم وعد المقاتلين في سبيل الله بأنه سيؤتيهم أجراً عظيماً لا يقادر قدره، وذلك أنه إذا قتل فاز بالشهادة التي هي أعلى درجات الأجور، وإن غلب، وظفر كان له أجر من قاتل في سبيل الله مع ما قد ناله من العلوّ في الدنيا والغنيمة، وظاهر هذا يقتضي التسوية بين من قتل شهيداً، أو انقلب غانماً، وربما يقال: إن التسوية بينهما إنما هي في إيتاء الأجر العظيم، ولا يلزم أن يكون أجرهما مستوياً، فإن كون الشيء عظيماً هو من الأمور النسبية التي يكون بعضها عظيماً بالنسبة إلى ما هو دونه، وحقيراً بالنسبة إلى ما هو فوقه. قوله: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } خطاب للمؤمنين المأمورين بالقتال على طريق الالتفات. قوله: {ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ} مجرور عطفاً على الاسم الشريف، أي: ما لكم لا تقاتلون في سبيل الله، وسبيل المستضعفين حتى تخلصوهم من الأسر، وتريحوهم مما هم فيه من الجهد. ويجوز أن يكون منصوباً على الاختصاص، أي: وأخص المستضعفين، فإنهم من أعظم ما يصدق عليه سبيل الله، واختار الأوّل الزجاج، والأزهري. وقال محمد بن يزيد: أختار أن يكون المعنى، وفي المستضعفين، فيكون عطفاً على السبيل، والمراد بالمستضعفين هنا: من كان بمكة من المؤمنين تحت إذلال الكفار، وهم: الذين كان يدعو لهم النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول: «حديث : اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعيّاش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين»تفسير : كما في الصحيح. ولا يبعد أن يقال: إن لفظ الآية أوسع، والاعتبار بعموم اللفظ لولا تقييده بقوله: {ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّـٰلِمِ أَهْلُهَا } فإنه يشعر باختصاص ذلك بالمستضعفين الكائنين في مكة؛ لأنه قد أجمع المفسرون على أن المراد بالقرية الظالم أهلها: مكة. وقوله: {مِنَ ٱلرّجَالِ وَٱلنّسَاء وَٱلْوِلْدٰنِ } بيان للمستضعفين. قوله: {ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } هذا ترغيب للمؤمنين، وتنشيط لهم بأن قتالهم لهذا المقصد لا لغيره {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱلطَّـٰغُوتِ } أي: سبيل الشيطان، أو الكهان، أو الأصنام، وتفسير الطاغوت هنا بالشيطان أولى لقوله: {فَقَـٰتِلُواْ أَوْلِيَاء ٱلشَّيْطَـٰنِ إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَـٰنِ كَانَ ضَعِيفاً } أي: مكره، ومكر من اتبعه من الكفار. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ } قال: عصباً، يعني سرايا متفرقين {أَوِ ٱنْفِرُواْ جَمِيعاً } يعني كلكم. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عنه قال في سورة النساء: {خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنْفِرُواْ جَمِيعاً } نسختها: {أية : وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً } تفسير : [التوبة: 122]. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد في قوله: {ثُبَاتٍ } أي: فرقاً قليلاً. وأخرج عن قتادة في قوله: {أَوِ ٱنْفِرُواْ جَمِيعاً } أي: إذا نفر نبي الله صلى الله عليه وسلم، فليس لأحد أن يتخلف عنه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطّئَنَّ } إلى قوله: {فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً } ما بين ذلك في المنافقين. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مقاتل بن حيان في الآية قال: هو فيما بلغنا عبد الله بن أبيّ بن سلول رأس المنافقين. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد ابن جبير {فَلْيُقَاتِلْ } يعني: يقاتل المشركين {فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } في طاعة الله {وَمَن يُقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ } يعني: يقتله العدوّ {أَو يَغْلِبْ } يعني: يغلب العدوّ من المشركين {فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً } يعني: جزاءً وافراً في الجنة، فجعل القاتل والمقتول من المسلمين في جهاد المشركين شريكين في الأجر. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله: {فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ } قال: وفي المستضعفين. وأخرج ابن جرير، عن الزهري قال: وسبيل المستضعفين. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه من طريق العوفي عن ابن عباس قال: المستضعفون أناس مسلمون كانوا بمكة لا يستطيعون أن يخرجوا منها. وأخرج البخاري، عنه قال: «حديث : أنا وأمي من المستضعفين»تفسير : . وأخرج ابن جرير، عنه قال: القرية الظالم أهلها مكة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عائشة مثله. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: إذا رأيتم الشيطان، فلا تخافوه، واحملوا عليه {إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَـٰنِ كَانَ ضَعِيفاً }. قال مجاهد: كان الشيطان يتراءى لي في الصلاة، فكنت أذكر قول ابن عباس، فأحمل عليه، فيذهب عني.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُم} فيه قولان: أحدهما: يعني احذرواْ عَدُوَّكم. والثاني: معناه خذواْ سلاحكم فسماه حذراً لأنه به يتقي الحذر. {فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرو جَمِيعاً} والثُّبات: جمع ثُبة، والثُبةُ العُصْبة، ومنه قول زهير: شعر : لقد أغدو على ثُبةٍ كرام… نشاوَى واجدين لما نشاء تفسير : فيكون معنى لآية فانفروا عُصَباً وفِرقاً أو جميعاً. قوله تعالى: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الْدُّنْيَا بِالأَخِرةِ} يعني يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة، فعبر عن البيع بالشراء. {وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} فإن قيل فالوعد من الله تعالى على القتال فكيف جعل على القتل أو الغلبة؟ قيل لأن القتال يفضي غالباً إلى القتل فصار الوعد على القتال وعداً على من يفضي إليه، والقتال على ما يستحقه من الوعد إذا أفضى إلى القتل والغلبة أعظم، وهكذا أخبر.

ابن عطية

تفسير : هذا خطاب للمخلصين من أمة محمد عليه السلام، وأمر لهم بجهاد الكفار، والخروج في سبيل الله، وحماية الشرع، و {خذوا حذركم} ، معناه: احزموا واستعدوا بأنواع الاستعداد، فهنا يدخل أخذ السلاح وغيره، و {انفروا} معناه: اخرجوا مجدين مصممين، يقال: نفر الرجل ينفِر بكسر الفاء نفيراً، ونفرت الدابة تنفُر بضم الفاء نفوراً، و {ثبات} معناه: جماعات متفرقات، فهي كناية عن السرايا و {جميعاً} ، معناه: الجيش الكثيف مع النبي صلى الله عليه وسلم، هكذا قال ابن عباس وغيره، والثبة: حكي أنها فوق العشيرة من الرجال، وزنها فعلة بفتح العين، أصلها ثبوة، وقيل: ثبية، حذفت لامها بعد أن تحركت وانقلبت ألفاً حذفاً غير مقبس، ولذلك جمعت ثبون، بالواو والنون عوضاً من المحذوف وكسر أولها في الجمع دلالة على خروجها عن بابها، لأن بابها أن تجمع بالتاء أبداً، فيقال: {ثبات}، وتصغر ثبية أصلها ثبيوة، وأما ثبة الحوض وهي وسطه الذي يثوب الماء إليه، فالمحذوف منها العين، وأصلها ثوبة وتصغيرها ثوبية، وهي من ثاب يثوب، وكذلك قال أبو علي الفارسي في بيت أبي ذؤيب: [الطويل] شعر : فَلَمَّا جَلاها بالأَيامِ تَحَيَّزَتْ ثَبَاتٌ عَلَيْهَا ذلُّهَا واْكِتئَابُها تفسير : انه اسم مفرد ليس يجمع سيق على الأصل، لأن أصل ثبة ثبوة، تحركت بالواو وانفتح ما قبلها فانقلبت ألفاً، فساقها أبو ذؤيب في هذه الحال. وقوله تعالى: {وإن منكم} {إن} إيجاب، والخطاب لجماعة المؤمنين، والمراد بـ "من" المنافقون, وعبر عنهم بـ {منكم} إذ هم في عداد المؤمنين، ومنتحلون دعوتهم، واللام الداخلة على "من" لام التأكيد، ودخلت على اسم {إن} لما كان الخبر متقدماً في المجرور، وذلك مهيع في كلامهم، كقولك: إن في الدار لزيداً، واللام الداخلة على {يبطئن} لام قسم عند الجمهور، تقديره {وإن منكم لمن} والله {ليبطئن} وقيل: هي لام تأكيد، و {يبطئن} معناه: يبطىء غيره أي يثبطه ويحمله على التخلف عن مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقرأ مجاهد "ليبطئن" بالتخفيف في الطاء، و {مصيبة} يعني من قتل واستشهاد، وإنما هي مصيبة بحسب اعتقاد المنافقين ونظرهم الفاسد، أو على أن الموت كله مصيبة كما شاءه الله تعالى، وإنما الشهادة في الحقيقة نعمة لحسن مآلها، و {شهيداً} معناه مشاهداً فالمعنى: أن المنافق يسره غيبه إذا كانت شدة وذلك يدل على أن تخلفه إنما هو فزع من القتال ونكول عن الجهاد. وقوله تعالى: {ولئن أصابكم فضل من الله} الآية، المعنى ولئن ظفرتم وغنمتم وكل ذلك من فضل الله، ندم المنافق إن لم يحضر ويصب الغنيمة، وقال: {يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً} متمنياً شيئاً قد كان عاهد أن يفعله ثم غدر في عهده، لأن المؤمن إنما يتمنى مثل هذا إذا كان المانع له من الحضور عذراً واضحاً، وأمراً لا قدرة له معه، فهو يتأسف بعد ذلك على فوات الخير، والمنافق يعاطي المؤمنين المودة، ويعاهد على التزام كلف الإسلام، ثم يتخلف نفاقاً وشكاً وكفراً بالله ورسوله، ثم يتمنى عندما يكشف الغيب الظفر للمؤمنين، فعلى هذا يجيء قوله تعالى: {كأن لم تكن بينكم وبينه مودة} التفاتة بليغة، واعتراضاً بين القائل والمقول بلفظ يظهر زيادة في قبح فعلهم. وحكى الطبري عن قتادة وابن جريج، أنهما كانا يتأولان قول المنافق {يا ليتني كنت معهم} على معنى الحسد منه للمؤمنين في نيل رغيبة، وقرأ الحسن {ليقولُن} بضم اللام على معنى "من" وضم اللام لتدل على الواو المحذوفة، ويدل مجموع هاتين الآيتين على أن خارج المنافقين فإنما كان يقصد الغنيمة، ومتخلفهم إنما كان يقصد الشك وتربص الدوائر بالمؤمنين و {كأن} مضمنة معنى التشبيه، ولكنها ليست كالثقيلة في الحاجة إلى الاسم والخبر, وإنما تجيء بعدها الجمل، وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية حفص "تكن" بتاء، وقرأ غيرهما "يكن" بياء، وذل حسن للفصل الواقع بين الفعل والفاعل، وقوله: {فأفوز} نصب بالفاء في جواب التمني، وقرأ الحسن ويزيد النحوي {فأفوز} بالرفع على القطع والاستئناف، التقدير: فأنا أفوز: قال روح: لم يجعل لـ " ليت" جواباً، وقال الزجّاج: إن قوله: {كأن لم يكن بينكم وبينه مودة} مؤخر. وإنما موضعه فإن أصابتكم مصيبة. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا ضعيف لأنه يفسد فصاحة الكلام.

ابن عبد السلام

تفسير : {حِذْرَكُمْ} احذروا عدوكم، أو خذوا سلاحكم، سماه حذراً لأنه يُتقى به الحذر. {ثُبَاتٍ} جمع ثُبَة، وهي العصبة، قال: شعر : لقد أغدو على ثُبَةٍ كرام نشاوى واجدين لما نشاء

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم} الحذر احتراز من مخوف والمعنى احذرو واحترزوا من عدوكم. ولا تمكنوه من أنفسكم وقيل المراد بالحذر هنا السلاح يعني خذوا سلاحكم وعدتكم لقتال عدوكم وإنما سمي السلاح حذراً لأن به يتقى ويحذر. وقيل معناه احذروا عدوكم ولقائل أن يقول إذا كان المقدور كائناً فما يمنع الحذر فالجواب عنه بأنه لما كان الكل بقضاء الله وقدره كان الأمر بأخذ الحذر من قضاء الله وقدره {فانفروا ثبات} أي اخرجوا سرايا متفرقين سرية بعد سرية {أو انفروا جميعاً} يعني أو اخرجوا جميعاً كلكم مع نبيكم صلى الله عليه وسلم إلى جهاد عدوكم {وإن منكم لمن ليبطئن} نزلت في المنافقين. وإنما قال منكم لاجتماعهم مع أهل الإيمان في الجنسية والنسب وإظهار كلمة الإسلام لا في حقيقة الإيمان والمعنى وإن منكم لمن ليتأخرن وليتثاقلن عن الجهاد وهو عبدالله بن أبي ابن سلول المنافق وكان رأس المنافقين {فإن أصابتكم مصيبة} أي قتل وهزيمة {قال} يعني هذا المنافق {قد أنعم الله علي} يعني بالقعود {إذا لم أكن معهم} يعني مع المؤمنين {شهيداً} يعني حاضر الوقعة فيصيبني ما أصابهم {ولئن أصابكم فضل من الله} أي فتح وغنيمة {ليقولن} يعني هذا المنافق {كأن لم تكن بينكم وبينه مودة} أي معرفة ومودة في الدين والمعنى كأنه ليس من أهل دينكم وذلك أن المنافقين كانوا يوادّون المؤمنين في الظاهر {يا ليتني كنت معهم} في تلك الغزوة التي غنم فيها المؤمنون {فأفوز فوزاً عظيماً} أي فآخذ نصيباً وافراً من الغنيمة. قوله عز وجل: {فليقاتل في سبيل الله} هذا خطاب للمنافق أي فليخلص الإيمان وليقاتل في سبيل الله وقيل هو خطاب للمؤمنين المخلصين أي فليقاتل المؤمنون في سبيل الله {الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة} أي يبيعون يقال شريت بمعنى بعت لأنه استبدال عوض بعوض. والمعنى فليقاتل المؤمنون الكافرين الذين يبيعون حياتهم الدنيا بثواب الآخرة وما وعد الله فيها لأهل الإيمان والطاعة وقيل معناه فليقاتل في سبيل الله المؤمنون الذين يبيعون الحياة الدنيا ويختارون الآخرة وثوابها على الدنيا الفانية {ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل} أي فيستشهد {أو يغلب} يعني يظفر بعدوه من الكفار {فسوف نؤتيه} يعني في كلا الحالتين الشهادة أو الظفر نؤتيه فيهما {أجراً عظيماً} يعني ثواباً وافراً (ق) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان بي وتصديق برسلي فهو علي ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلاً ما نال من أجرٍ أو غنيمةٍ" تفسير : لفظ مسلم.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {ليبطئن} ونحوه مثل {فلننبئن} و{لنبوّئنهم} بالياء الخالصة: يزيد والشموني وحمزة في الوقف. {كأن لم تكن} بالتاء الفوقانية: ابن كثير وحفص والمفضل وسهل ويعقوب. الباقون بياء الغيبة {يغلب فسوف} وبابه نحو {أية : إن تعجب فعجب} تفسير : [الرعد:5] {أية : اذهب فمن تبعك} تفسير : [الإسراء:63] مدغماً: أبو بكر وحمزة غير خلف وعلي وهشام. {ولا يظلمون} بالياء التحتانية: ابن كثير، وعلي وحمزة وخلف وهشام ويزيد وابن مجاهد عن ابن ذكوان. الباقون بتاء الخطاب {بيت طائفة} مدغماً: أبو بكر وحمزة. الوقوف: {جميعاً} ه {ليبطئن} ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب {شهيداً} 5 {عظيماً} 5 {بالآخرة} ط {عظيماً} 5 {أهلها} ج {ولياً} كذلك للتفصيل بين الدعوات {نصيراً} ه {في سبيل الله} ج للفصل بين القصتين المتضادتين {أولياء الشيطان} ج لاحتمال الابتداء وتقدير الفاء واللام. {ضعيفاً} ه {الزكاة} ط لأنّ جواب "فلما" منتظر ولكن التعجب في قوله: {ألم تر} واقع على قوله: {إذا فريق منهم يخشون}. {خشية} ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى {القتال} ج لأنّ "لولا" أي "هلاّ" استفهام / آخر مع اتحاد المعمول. {قريب} ط {قليل} ج للفصل بين وصف الدارين. {فتيلا} ه {مشيدة} ط للعدول لفظاً ومعنى. {من عند الله} ط للفصل بين النقيضين {من عندك} ج. {من عند الله} ط. {حديثاً} ه. {فمن الله} ز فصلاً بين النقيضين {فمن نفسك} ط. {رسولاً} ه. {شهيداً} ه {أطاع الله} ج لحق العطف مع ابتداء بشرط آخر {حفيظاً} ط لاستئناف الفعل بعدها {طاعة} ز لابتداء بشرط مع أن المقصود من بيان نفاقهم لا يتم بعد. {يقول} ط {يبيتون} ج لاختلاف الجملتين مع الاتصال أي إذا كتب الله ما يبيتون فأعرض ولا تهتم. {على الله} ط {وكيلاً} ه. التفسير: إنه سبحانه عاد بعد الترغيب في طاعة الله وطاعة رسوله إلى ذكر الجهاد لأنه أشق الطاعات ولأنه أعظم الأمور التي بها تناط تقوية الدين فقال: {يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم} والحذر والحذر بمعنى كالأثر والإثر والمثل والمثل. يقال: أخذ حذره إذا تيقظ واحترز عن المخوف كأنه جعل الحذر آلته التي يقي بها نفسه ويعصم بها روحه. والمعنى احذروا واحترزوا من العدو و لاتمكنوه من أنفسكم. وقيل: المراد بالحذر السلاح لأنه مما يتقي به ويحذر. فإن قيل: أي فائدة في هذا الأمر والحذر لا يغني عن القدر والمقدور كائن والهم فضل؟ قلت: هذا من عالم الأسباب والوسائط المرتبطة ولا ريب أن الكل يقع على نحو ما قدّر، فمن امتثل وترتب عليه الأثر بقدر، ومن أهمل حتى فاتته السلامة كان أيضاً بقدر، وهكذا شأن جميع التكاليف إذا اعتبر. {فانفروا} إلى قتال عدوّكم انهضوا لذلك قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : وإذا استنفرتم فانفروا"تفسير : . {ثبات} جماعات متفرقة سرية بعد سرية واحدها ثبة محذوفة اللام وأصلها ثبى فعوضت الهاء عن الياء المحذوفة. والتركيب يدل على الاجتماع ومنه الثبة لوسط الحوض الذي يجتمع عنده الماء وصبيت الشيء جمعته. {أو انفروا جميعاً} مجتمعين كركبة واحدة وهذا قريب مما قاله الشاعر: شعر : طاروا إليه زرافات ووحداناً تفسير : والغرض النهي عن التخاذل وإلقاء النفس إلى التهلكة. {وإن منكم لمن ليبطئن} اللام الأولى هي الداخلة في خبر "إنّ" والثانية هي الداخلة في جواب القسم، وتقدير الكلام: لمن حلف بالله ليبطئن وهو إما متعد بسبب التشديد فيكون المفعول محذوفاً أي ليبطئن غيره وليثبطنه عن الغزو كما هو ديدن المنافق عبد الله بن أبي ثبَّط الناس يوم أحد، وإما لازم فقد جاء بطأ بالتشديد بمعنى أبطأ كعتم بمعنى أعتم أي ليتثاقلن وليختلفن عن الجهاد، وهذا / المعنى أوفق بقوله: {فإن أصابتكم مصيبة} من قتل أو هزيمة {قال قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم شهيداً ولئن أصابكم فضل من الله} فتح أو غنيمة ليقولن (قوله) {كأن لم تكن بينكم وبينه مودة} اعتراض بين الفعل الذي هو {ليقولن} وبين مفعوله وهو {يا ليتني} والمنادى محذوف أي يا قوم ليتني. وجوّز أبو علي إدخال حرف النداء في الفعل والحرف من غير إضمار المنادي. {كنت معهم فأفوز} منصوب بإضمار أن أي ليت لي كوناً معهم فافوز. والخطاب في قوله: {وإن منكم} للمذكورين في قوله: {يا أيها الذين آمنوا} والأظهر أن هذا المبطىء سواء جعل لازماً أو متعدياً كان منافقاً فلعله جعله من المؤمنين من حيث الجنس أو النسب أو الاختلاط أو لأنه كان حكمه حكم المؤمنين لظاهر الإيمان. والمراد يا أيها المؤمنون في زعمكم ودعواكم كقوله: {أية : يا أيها الذي نزل عليه الذكر} تفسير : [الحجر:6] ومعنى الاعتراض في البين أن المنافقين كانوا يوادون المؤمنين ويصادقونهم في الظاهر وإن كانوا يبغون لهم الغوائل في الباطن. وقال جمع من المفسرين: إنّ هؤلاء المبطئين كانوا ضعفة المسلمين. وعلى هذا فالتبطئة بمعنى الإبطاء ألبتة لأنّ المؤمن لا يثبط غيره ولكنه قد يتثاقل وهم المراد بقوله: {أية : يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم}تفسير : [التوبة:38] ثم لما ذم المبطئين رغب في الجهاد بقوله: {فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون} ومعناه يشترون أو يبيعون. وعلى الأول فهم المنافقون المبطئون وعظوا بأن يغيروا ما بهم من النفاق ويجاهدوا حق الجهاد ولا يختاروا الدنيا على المعاد. وعلى الثاني فهم المؤمنون الذين تركوا الدنيا لأجل الآخرة. والمراد إن أبطأ أهل النفاق وضعفة الإيمان عن القتال فليقاتل التائبون المخلصون. وقيل: يحتمل أن يراد المؤمنون على التقدير الأول أيضاً لأن الإنسان إذا أراد أن يبذل هذه الحياة الدنيا في سبيل الله بخلت نفسه فاشتراها من نفسه بسعادة الآخرة ليقدر على بذلها في سبيل الله، أو لعله أريد اشتغل بالقتال وترك ترجيح الفاني على الباقي، أو المراد أنهم كانوا يرجحون الحياة على الموت لاستيفاء السعادات البدنية فقيل لهم: قاتلوا فإنكم تستولون على الأعداء وتفوزون بالأموال. {ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب} وعد الأجر العظيم على تقديري المغلوبية والغالبية ليعلم أنه لا عمل أشرف من الجهاد، وليكون المجاهد على بصيرة من حاله على أي تقدير كان فيقدم ولا يحجم، ثم زاد في تحريضهم فقال: {وما لكم لا تقاتلون} ومعناه أنه لا عذر لكم في ترك المقاتلة وقد بلغ الحال إلى ما بلغ. وقوله: {والمستضعفين} إما مجرور أي في سبيل الله وفي خلاص المستضعفين، وإما منصوب على الاختصاص أي وأخص من سبيل الله الذي هو عام في كل خير خلاص المستضعفين وهم الذين أسلموا بمكة وصدهم المشركون والإعسار والضعف / عن الهجرة فبقوا بين أظهرهم أذلاء يلقون منهم أذى شديداً، فكانوا يدعون الله بالخلاص ويستنصرونه فيسر الله لبعضهم الخروج إلى المدينة وبقي بعضهم إلى الفتح. والولدان جمع ولد كخربان في خرب. وقيل: الرجال والنساء الأحرار والحرائر، والولدان العبيد والإماء لأنّ العبد والأمة يقال لهما الوليد والوليدة وجمعهما الولدان والولائد إلاّ أنه خص الولدان بالذكر تغليباً كالآباء والإخوة مع إرادة الأمهات والأخوات أيضاً. وعن ابن عباس: كنت أنا وأمي من المستضعفين من الولدان والنساء. والظالم صفة للقرية إلاّ أنه مسند إلى أهلها فتبع القرية في الإعراب، وهو مذكر لإسناده إلى الأهل. والأهل يذكر ويؤنث، ولو أنّث لا لتأنيث الموصوف بل لجواز تأنيث الأهل جاز. وإنما اشترك الولدان في الدعاء وإن كانوا غير مكلفين لأن المشركين كانوا يؤذونهم إرغاماً لآبائهم، أو لأن المستضعفين كانوا يشركون صبيانهم في دعائهم استنزالاً لرحمة الله بدعاء صغائرهم الذين لم يذنبوا كما فعل قوم يونس، ووردت السنة بإخراجهم في الاستسقاء. {واجعل لنا من لدنك وليّاً} أي كن أنت لنا ولياً وناصراً وولّ علينا رجلاً يوالينا ويقوم بمصالحنا. فاستجاب الله دعاءهم لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة جعل عتاب بن أسيد أميراً لهم فكان الولي هو الرسول، وكان النصير عتاب بن أسيد كما أرادوا. قال ابن عباس: كان ينصر الضعيف من القوي حتى كانوا أعزّ بها من الظلمة. ثم شجع المؤمنين تشجيعاً بأن أخبرهم أنهم يقاتلون في سبيل الله فهو وليّهم وناصرهم وأعداؤهم يقاتلون في سبيل غير الله وهو الطاغوت والشيطان فلا ولي لهم إلاّ الشيطان وإن كيده أوهن شيء وأضعفه. والكيد السعي في فساد الحال على جهة الاحتيال. وفائدة إدخال "كان" أن يعلم أنه منذ كان كان موصوفاً بالضعف والذلة. ألا ترى أن أهل الخير والدين يبقى ذكرهم الجميل على وجه الدهر وإن كانوا مدة حياتهم في غاية الخمول والفقر، وأما الملوك والجبابرة فإذا ماتوا انقرض أثرهم ولا يبقى في الدنيا رسمهم ولا ظلمهم؟ قول سبحانه: {ألم تر إلى الذين قيل لهم} فيه قولان: الأول أنها نزلت / في المؤمنين نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم عبد الرحمن بن عوف والمقداد بن الأسود وقدامة بن مظعون وسعد بن أبي وقاص؛ كانوا يلقون من المشركين أذى كثيراً ويقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ائذن لنا في قتال هؤلاء. فيقول لهم: حديث : كفوا أيديكم عنهم فإني لم أؤمر بقتالهم. فلما هاجر إلى المدينة وأمرهم الله بقتال المشركين كرهه بعضهم وشق عليهم. تفسير : الثاني قال ابن عباس في رواية أبي صالح: حديث : لما استشهد الله من المسلمين من استشهد يوم أُحد قال المنافقون الذين تخلّفوا عن الجهاد: لو كان إخواننا الذين قتلوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا تفسير : فنزلت. وقد يحتج للقول الأول بأن رغبتهم في القتال أوّلاً دليل الإيمان، ويمكن أن يجاب بأن المنافقين ايضاً كانوا يظهرون الرغبة في الجهاد إلى أن أمروا بالقتال فأحجموا. واحتج أصحاب القول الثاني بأنهم كانوا يخشون الناس كخشية الله أو أشد، وكانوا يعترضون على الله تعالى بقولهم: {لم كتبت علينا القتال} وكانوا يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة فلهذا قيل لهم {قل متاع الدنيا قليل} وكل هذه الأمور من نعوت المنافقين وأجيب بأن حب الحياة والنفرة عن القتل من لوازم الطباع وهو المعنى بالخشية والاعتراض محمول على تمني تخفيف التكليف لا على الإنكار وقوله: {قل متاع الدنيا قليل} إنما ذكر ليهون على قلبهم أمر هذه الحياة. والأقوى حمل الآية على المنافقين لأن ما بعدها وهو قوله: {وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله} في شأنهم بلا اختلاف. وفي الآية دلالة على أن إيجاب الصلاة والزكاة كان مقدماً على الجهاد وهو أيضاً ترتيب مطابق لما في المعقول، لانّ التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله مقدمان على الترهيب والقتل في سبيل الله. وإذا في {إذا فريق} للمفاجأة وهو مجرد عن الظرفية والعامل في لما معنى المفاجأة أي فاجأ وقت خشية فريق زمان كتبة القتال عليهم. وقوله: {كخشية الله} من إضافة المصدر إلى المفعول. ومحل الكاف النصب على الحال لما عطف عليه من قوله: {أو أشد} ثم نصب {خشية} على التمييز فالتقدير: يخشون الناس مشبهين لأهل خشية الله أو أشد خشية من خشية أهل الله. نعم لو قيل: أشد خشية بالإضافة انتصب خشية الله على المصدر ولا يمكن أن يقال أشد خشية بالنصب على إرادة المصدر، اللهم إلاّ أن تجعل الخشية خاشية أو ذات خشية مثل جد جده فيكون المعنى: خشية مثل خشية الله أو خشية أشد خشية من خشية الله وعلى هذا يجوز أن يكون محل {أشد} مجروراً عطفاً على خشية الله أي كخشية الله أو كخشية أشد خشية منها. وكلمة "أو" ليست للشك ههنا فإن ذلك على علام الغيوب محال ولكنها بمعنى الواو، أو المراد أن كل خوفين فإن أحدهما بالنسبة إلى الآخر إما أن يكون أنقص أو مساوياً أو أزيد، فبيَّن في الآية أن خوفهم من الناس ليس بأنقص من خوفهم من الله فيبقى إما أن يكون مساوياً أو أزيد فهذا لا يوجب كونه تعالى شاكاً فيه ولكنه يوجب إبقاء الإبهام في هذين القسمين على المخاطبين. أو هذا نظر قوله {أية : وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون} تفسير : [الصافات:117] يعني أن من يراهم يقول هذا الكلام. {أية : وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب} تفسير : [النساء:77] إن كانت الآية في المؤمنين فهم إنما قالوا ذلك لا اعتراضاً على الله ولكن جزعاً من الموت وحباً للحياة واستزادة في مدة الكف واستمهالاً إلى وقت آخر كقوله: {أية : لولا أخرتني إلى / أجل قريب فأصدق} تفسير : [المنافقون:10] وإن كان من كلام المنافقين فلا شك أنهم كانوا منكرين لكتبة القتال عليهم، فهم قالوا ذلك بناء على زعم الرسول ودعواه. ومعنى {لولا أخرتنا} هلا تركتنا حتى نموت بآجالنا، ثم أزال الشبهة وأزاح العلة بقوله: {قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير} لا لكل الناس بل {لن اتقى} فإن للكافر والفاسق هنالك نيراناً وأهوالاً ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم: " حديث : الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر"تفسير : وأما ترجيح الآخرة فلأن نعم الدنيا قليلة ونعم الآخرة كثيرة، ونعم الدنيا منقطعة ونعم الآخرة مؤبّدة، ونعم الدنيا مشوبة بالأقذار ونعم الآخرة صافية عن الأكدار، ونعم الدنيا مشكوكة التمتع بها ونعم الآخرة يقينية الانتفاع منها. ثم بكت الفريق الخائنين بأنهم يدركهم الموت أينما كانوا ولو كانوا في حصون مرتفعة. والبروج في كلام العرب القصور والحصون وأصلها من الظهور ومنه تبرجت المراة إذا أظهرت محاسنها. والغرض أنه لا خلاص لهم من الموت والجهاد موت مستعقب للسعادة الأبدية، وإذا كان لا بد من الموت فوقوعه على هذا الوجه أولى. قال المفسرون: كانت المدينة مملوءة من النعم وقت مقدم الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما ظهر عناد اليهود ونفاق المنافقين أمسك الله تعالى عنهم بعض الإمساك كما جرت عادته في جميع الأمم قال: {أية : وما أرسلنا في قرية من نبي إلاّ أخذنا أهلها بالبأساء والضراء } تفسير : [الأعراف:94] فعند هذا قالت اليهود والمنافقون: ما رأينا أعظم شؤماً من هذا الرجل؛ نقصت ثمارنا وغلت أسعارنا منذ قدم. فقوله تعالى: {وإن تصبهم حسنة} يعني الخصب والرخص وتتابع الأمطار قالوا هذا من عند الله، وإن تصبهم سيئة يعني الجدب وانقطاع الأمطار قالوا هذا من شؤم محمد وهذا كقوله: {أية : فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيّئة يطيروا بموسى ومن معه} تفسير : [الأعراف:131]. وقال قوم: الحسنة النصر على الأعداء والغنيمة، والسيئة القتل والهزيمة. وقال أهل التحقيق: خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ وكل ما ينتفع به فهو حسنة. فإن كان منتفعاً به في الدنيا فهو الخصب والغنيمة وأمثالهما، وإن كان منتفعاً به في الآخرة فهو الطاعة. فالحسنة تعم الحسنات، والسيئة تعم السيئات فلا جرم أجابهم الله تعالى بقوله: {قل كل من عند الله} وكيف لا وجميع الممكنات من الأفعال والذوات والصفات لا بد من استنادها إلى الواجب بالذات؟ ولهذا تعجب من حالهم وقال: {فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً} فنفى عنهم مقاربة الفقه والفهم فضلاً عن الفقه والفهم. قالت المعتزلة: بل هذه الآية حجة لنا لأنه لو كان حصول الفهم والمعرفة بتخليق الله تعالى لم يبق لهذا التعجب معنى ألبة أنه تعالى ما خلقها. والجواب: أنه تعالى لا يسأل عما يفعل. وأيضاً المعارضة بالعلم والداعي. وقالت المعتزلة أيضاً: الحديث "فعيل" بمعنى "مفعول" والمراد به الآيات المذكورة في هذه المواضع فيلزم منه كون القرآن محدثاً. والجواب بعد تسليم ما ذكروا أنه لا نزاع في حدوث العبارات إنما النزاع في الكلام النفسي. قوله عز من قائل: {ما أصابك من حسنة فمن الله} قال أبو علي الجبائي: السيئة تارة تقع على البلية والمحنة وتارة تقع على الذنب والمعصية. ثم إنه تعالى أضاف السيئة إلى نفسه على الآية الأولى بقوله: {قل كل من عند الله} وأضافها في هذه الآية إلى العبد بقوله: {وما أصابك} أي يا إنسان خطاباً عاماً {من سيئة فمن نفسك} فلا بد من التوفيق وإزالة التناقض، وما ذاك إلاّ بأن يجعل هناك بمعنى البلية وههنا بمعنى المعصية. قال: وإنما فصل بين الحسنة والسيئة في هذه الآية فأضاف الحسنة التي هي الطاعة إلى نفسه دون السيئة مع أن كليهما من فعل العبد عندنا، لأنّ الحسنة إنما تصل إلى العبد بتسهيل الله وألطافه فصحت إضافتها إليه، وأما السيئة فلا يصح إضافتها إلى الله تعالى لا بأنه فعلها ولا بأنه أرادها ولا بأنه أمر بها ولا بأنه رغب فيها. وقال في الكشاف: {وما أصابك من حسنة} أي من نعمة وإحسان {فمن الله} تفضلاً منه وأحساناً وامتناناً وامتحاناً {وما أصابك من سيئة} أي من بلية ومصيبة {فمن عندك} لأنك السبب فيها بما اكتسبت يداك كما روي عن عائشة: " حديث : ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب حتى الشوكة يشاكها وحتى انقطاع شسع نعله إلاّ بذنب وما يعفو الله أكثر منه " تفسير : . وقالت الأشاعرة: كل من الحسنة والسيئة بأي معنى فرض فإنها من الله تعالى لوجوب انتهاء جميع الحوادث إليه. لكنه قد يظن بعض الظاهريين أن إضافة السيّئة إلى الله تعالى خروج عن قانون الأدب فبين في الآية أن كل ما يصيب الإنسان من سيّئة حتى الكفر الذي هو أقبح القبائح فإن ذلك بتخليق الله تعالى. والوجه فيه أن يقدر الكلام استفهاماً على سبيل الإنكار ليفيد أن شيئاً من السيّئات ليست مضافة إلى الإنسان بل كلها بقضائه ومشيئته، ويؤيده ما يروى أنه قرىء {فمن نفسك} بصريح الاستفهام. ومما يدل دلالة ظاهرة على أن المراد من هذه الآيات إسناد جميع الأمور إلى الله تعالى قوله بعد ذلك: {وأرسلناك للناس رسولاً} أي ليس لك إلاّ الرسالة والتبليغ وقد فعلت ذلك وما قصرت {وكفى بالله شهيداً} على جدّك وعدم تقصيرك في أداء الرسالة وتبليغ الوحي، فأما / تحصيل الهداية فليس إليك بل إلى الله. قال علماء المعاني: قوله {رسولاً} حال من الكاف أي حال كونك ذا رسالة و{للناس} صفة {رسولاً} متعلق بـ {أرسلناك} وإلاّ لقيل إلى الناس. فأصل النظم وأرسلناك رسولاً للناس فلا بد للتقديم من خاصية هو التخصيص أعنى ثبوت الحكم للمقدم ونفيه عما يقابله حقيقة أو عرفاً لا عما عداه مطلقاً. وبعد تقديم هذه المقدمة فاللام في قوله: {للناس} إما أن يكون للعهد الخارجي أو للجنس أو للاستغراق. والأول باطل لأن المعهود الخارجي حصة معينة من الأفراد فيلزم اختصاص إرساله ببعض الإنس لوقوع بعض الناس في مقابلة كلهم عرفاً فيكون مناقضاً لما في الآيات الأخر كقوله: {أية : يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً} تفسير : [الأعراف:158] ولقوله: "حديث : بعثت إلى الخلق كافة" تفسير : والثاني وهو حمل اللام على تعريف الجنس أيضاً باطل لأنه يلزم اختصاص إرساله بالإنس دون الجن، لأنّ ثبوت الحكم لحقيقة الإنس بوساطة التقديم ينفي الحكم عما يقابلها عرفاً وهو حقيقة الجن، أو ينفي الحكم عما عداها من الحقائق فيشمل حقيقة الجن ضرورة. وعلى التقديرين يلزم الخلف لأنه صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى الثقلين لقوله تعالى: {أية : وإذا صرفنا إليك نفراً من الجن} تفسير : [الأحقاف:29] الآية. فتعين حمل اللام على الاستغراق ليثبت الحكم لكل فرد من أفراد الإنسان وتحصيل موجبة كلية وينفى نقيض هذا الحكم وهو ما كان يزعمه الضالة من سالبة جزئية هي أنه ليس مبعوثاً إلى بعض الناس كالعجم وأنه رسول العرب خاصة، وعلى هذا يكون الجن مسكوتاً عنهم بالنسبة إلى هذه الآية. فلدلالة دليل آخر على كونه مبعوثاً إلى الثقلين لا تكون منافية لدلالة هذه الآية، لأن التقديم قد استوفى حظه من الخاصية من غير تعرض للجن. ثم لما بين أنه لكل فرد من أفراد الناس رسول أوجب طاعته بقوله: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} لأنّ طاعة الرسول لكونه رسولاً فيما هو رسول لا تكون إلاّ طاعة لله. قال مقاتل في هذه الآية: إنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: "حديث : من أحبني فقد أحب الله ومن أطاعني فقد أطاع الله" فقال المنافقون: لقد قارف الرجل الشرك، هو ينهي أن يعبد غير الله ويريد أن نتخذه رباً كما اتخذت النصارى عيسى تفسير : فأنزل الله هذه الآية. وهي من أقوى الدلائل على أنه معصوم في جميع الأوامر والنواهي وفي تبليغه وفي أفعاله وإلاّ لم تكن طاعته فيما أخطأ طاعة لله. {ومن تولى} قيل: هو التولي بالقلب أي حكمك يا محمد على الظواهر، وأما البواطن فلا تتعرّض لها. وقيل هو التولي بالظاهر ومعناه فلا ينبغي أن تغتم بسبب ذلك التولّي. {فما أرسلناك} لتحفظ الناس عن المعاصي فإن من أضلّه الله لم يقدر أحد على إرشاده. والمعنى فما أرسلناك لتشتغل بزجرهم عند ذلك التولي كقوله: {أية : لا إكراه في الدين} تفسير : [البقرة:256] ثم نسخ بآية الجهاد. ثم حكى سيرة المنافقين بقوله: / {ويقولون} أي حين ما أمرتهم بشيء {طاعة} أي أمرنا وشأننا طاعة، والنصب في مثل هذا جائز بمعنى أطعناك طاعة، ولكن الرفع يدل على ثبات الطاعة واستقرارها فلهذا لم يقرأ بغيره {فإذا بروزا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول} أي دبرت خلاف ما أمرت به وما ضمنت من الطاعة. قال الزجاج: كل أمر تفكروا فيه كثيراً وتأملوا في مصالحه ومفاسده كثيراً قيل هذا أمر مبيت. وفي اشتقاقه وجهان: الأول أن أصلح الأوقات للفكر أن يجلس في بيته في الليل فهناك يكون الخاطر أصفى والشواغل أقل فلا جرم سمي الفكر المستقصي تبييتاً.. الثاني قال الاخفش: إذا أراد العرب قرض الشعر بالقوافي بالغوا في التفكر فيه فسمي الفكر البليغ تبييتاً، فاشتقاقه من أبيات الشعر. ثم إنه تعالى خص طائفة من المنافقين بالتبييت، وذكروا في التخصيص وجهين: أحدهما أنه ذكر من علم أنه يبقى على كفره ونفاقه، فأما من علم أنه يرجع عن ذلك فلم يذكرهم. وثانيهما أن هذه الطائفة كانوا قد سهروا ليلهم في التبييت وغيرهم سمعوا وسكتوا ولم يبيتوا فلا جرم لم يذكروا. قلت: ووجه ثالث وهو أن هذا النوع من الكلام أجلب للقلوب وأدخل في عدم الإنكار. {والله يكتب ما يبيتون} يثبته في صحائف أعمالهم ويجازيهم عليه أو يكتبه في جملة ما يوحى إليك فيطلعك على أسرارهم {فأعرض عنهم وتوكل على الله} في شأنهم فإنّ الله ينتقم لك منهم إذا قوي أمر الإسلام وعزت أنصاره. قال بعضهم: الأمر بالإعراض منسوخ بآية الجهاد. والأكثرون على أن الصفح مطلق فلا حاجة إلى التزام النسخ والله تعالى أعلم. التأويل: {خذوا حذركم} وهو ذكر الله {فانفروا ثبات} جاهدوا بالرياضات من عالم التفرقة وهو عالم الحيوانية {أو انفروا جميعاً} من عالم الجمعية وهو عالم الروحانية إلى عالم الوحدة {وإن منكم} أيها الصدّيقون {لمن ليبطئن} من المدعين المتكاسلين في السير، القانعين بالاسم، النازلين على الرسم مصيبة شدة ومجاهدة فضل من الله مواهب غيبية وعلوم لدنية ومرتبة عند الخواص وقبول عند العوام يشترون الحياة الدنيا يشترون حظوظ النفس بحقوق الرب فيقتل نفسه بسيف الصدق أو يغلب عليها بالظفر فتسلم على مدة. {والمستضعفين من الرجال} أي الأرواح الضعيفة استضعفتها النفوس باستيلائها عليها {والنساء} أي القلوب فإنّ القلب للروح كالزوجة للزوج لتصرف الروح والقلب كتصرف الزوج في الزوجة. {والولدان} الصفات الحميدة المتولّدة بين الروح والقلب {من هذه القرية} قرية البدن {الظالم أهلها} وهي النفس الأمارة بالسوء {نصيراً} شيخاً مربياً {ألم تر إلى الذين قيل لهم} من أهل السلامة {كفوا أيديكم} من الاعتصام بحبل أهل الملامة {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} فإنكم لستم أهل الغرام فاقنعوا بدار السلام والسلام لأرباب / الغرام من أهل الملام {إذا فريق منهم يخشون الناس} ويخافون لومة الناس ولو كان من شرطهم أن لا يخافوا لومة لائم ولا يناموا نومة نائم فنفروا عن فريقهم كالبهائم، وضلوا عن طريقهم كالهائم. {لولا أخرتنا إلى أجل قريب} فنموت بالآجال فإن لنا كل لحظة موتة في ترك حظوة. فيا أيها البطلة في زي الطلبة الذين غلب عليكم حب الدنيا فأقعدكم عن طلب المولى {أينما تكونوا يدرككم الموت} اضطراراً إن لم تموتوا قبل أن تموتوا اختياراً {ولو كنتم في بروج مشيدة} أجسام قوية مجسمة {وإن تصبهم} يعني أهل البطالة {حسنة} من فتوحات غيبية {يقولوا هذه من عند الله} لا يرون للشيخ فيما عليهم حقاً {وإن تصبهم سيّئة} من الرياضات والمجاهدات {يقولوا} للشيخ {هذه من عندك} أي بسببك وسعيك {قل كل من عند الله} القبض والبسط والفرح والترح {ما أصابك} من فتح وموهبة {فمن الله} فضلاً وكرماً {وما أصابك من سيّئة} بلاء وعناء {فمن} شؤم صفات {نفسك} الأمارة. والتحقيق فيه أن للأعمال أربع مراتب: التقدير والخلق وهاتان من الله تعالى، والكسب والفعل وهاتان من العبد، وإن كان العبد وكسبه وفعله كلها مخلوقة خلقها الله تعالى فافهم. {وأرسلناك للناس رسولاً} يهتدون بهداك ويتبعون خطاك، ويقولون إذا كانوا حاضرين في صحبتك، وتنعكس أشعة أنوار النبوة عليهم، ويصغون بآذانهم الواعية إلى الحكم والمواعظ الوافية السمع والطاعة. {فإذا برزوا من عندك} وهبت عليهم رياح الهوى عاد الطبع المشؤوم إلى أصله وهكذا حال أكثر مريدي هذا الزمان من مشايخهم والله يكتب بغير عليهم {ما يبيتون} لأنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم {فأعرض عنهم} واصبر معهم {وتوكّل على الله} فلعل الله يصلح بالهم.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ...} الآية: هذا خطابٌ للمُخْلِصِينَ من أُمَّة نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، وأمْر لهم بجهادِ الكفَّارِ، والخُرُوجِ فِي سَبيلِ اللَّهِ، وحمايةِ الإسلامِ، و {خُذُواْ حِذْرَكُمْ}: أي: ٱحزموا وٱستعدُّوا بأنواع الاِستعدادِ، و {ٱنْفِرُواْ}: معناه: ٱخْرُجُوا، و {ثُبَاتٍ}: معناه جماعاتٍ متفرِّقات، وهي السَّرَايَا، والثُّبَةُ: حُكِيَ أنها فوق العَشَرة، و {جَمِيعاً}: معناه: الجيش الكَثِير مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ هكذا قال ابنُ عبَّاس وغيره. وقوله تعالى: {وَإِنَّ مِنكُمْ} إيجابٌ، والخطابُ لجماعةِ المؤمنين، والمراد بـ «مَنْ»: المنافقُونَ، وعبَّر عنهم بـــ {مِنكُمْ} إذ في الظاهر في عِدَادِ المُؤْمنين، واللامُ الدَّاخلةُ علَىٰ «مَنْ»: لامُ التأكيدِ، والداخلةُ على: «يُبَطِّئَنَّ»: لامُ القَسَم؛ عند الجمهور، وتقديره: وإنَّ منكم لَمَنْ، وَاللَّهِ، لَيُبَطِّئَنَّ، ويِبَطِّئَنَّ: معناه: يبطِّىءُ غَيْرَهُ، أيْ: يثبِّطهُ،. ويحمِلُه على التخلُّف عن مغازِي رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، و{مُصِيبَة}، يعني: مِنْ قتالٍ، واستشهادٍ، وإنما هي مصيبةٌ بحَسَب ٱعتقاد المنافقين ونَظَرِهِمُ الفاسِدِ، وإنَّما الشهادةُ في الحقيقَةِ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّه سبحانه؛ لِحُسْنِ مآلها، و {شَهِيداً}: معناه: مُشَاهِداً. وقوله تعالى: {وَلَئِنْ أَصَـٰبَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ}، أي: ظَفِرْتم وغَنِمْتم، نَدِمَ المنافقُ، وقال: {يَـٰلَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً} متمنِّياً شيئاً قد كان عَاهَدَ أنْ يفعله، ثم غَدَرَ في عَهْدِهِ. وقوله تعالى: {كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ}: التفاتةٌ بليغةٌ، وٱعتراضٌ بَيْنَ القائلِ والمَقُولِ بِلفظ يُظْهِرُ زيادةً في قُبْحِ فعلهم، وقال الزَّجَّاج: قوله: «كأنْ لم يكُنْ بينكم وبينه مودة» مؤخَّر، وإنما موضعه: «فإنْ أصابَتْكُمْ مصيبةٌ»، قال * ع *: وهذا ضعيفٌ؛ لأنه يُفْسِدُ فصاحةَ الكَلاَم. قال * ص *: وقوله: {فَأَفُوزَ} بالنصبِ: هو جوابُ التمنِّي. انتهى.

ابن عادل

تفسير : قال القًرْطُبِي: إنه - تعالى - لمّا ذكر طاعة اللَّه وطَاعَة رسُولِهِ، أمر أهْل الطَّاعة بالقِيَام بإحْيَاء دينهِ وإعْلاءِ دَعْوَته، وأمَرَهُم ألاَّ يقْتَحِمُوا على عُدوِّهِم على جَهَالةٍ، حتى يَتَحَسَّسُوا إلى ما عِنْدَهُم ويَعْلَمُون كيف يَرُدُّون عَلَيْهم، لأن ذَلِكَ أثْبَت لَهُم. وقال ابن الخطيب: لما رغَّب في طاعة اللَّهِ وطاعةِ رسُوله، عَادَ إلى ذِكْرِ الجِهَاد؛ لأنه أشَقُّ الطَّاعَات، وأعْظَم الأمُور الَّتِي بها يَحْصُل تَقْوِية الدِّين، والحَذَر والحِذْر بمعنى؛ كالأثر والإثْر؛ والمَثَل والمِثْل، والشَّبَه والشِّبْه. قيل: ولم يُسْمَع في هذا التَّرْكِيب إلا خُذْ بالكَسْرِ لا حَذَرَك. يقال: أخَذَ حِذْرَهُ؛ إذا تَيَقَّظَ واحْتَرَزَ من المَخُوفِ؛ كأنه جَعَلَ الحِذْرَ آلَتَهُ التي يقي بها نَفْسَه، والمَعْنَى: احْذَرُوا واحْتَذِرُوا من العَدُّوِّ، ولا تمكِّنُوه من أنفُسِكم. وقال الوَاحِدِيُّ: فيه قَوْلاَنِ: أحدهما: المُرَاد بالحِذْرِ [ها] هُنَا السِّلاح، والمعنى: خُذُوا سِلاَحَكُم، والسِّلاح يسمى حِذْراً؛ لأنَّه يُتَّقَى ويُحْذَر. والثاني: "خذوا حذركم" بمعنى: احْذَرُوا عَدُوَّكم، فعلى الأوَّل: الأمْر بأخذ السِّلاح مُصَرَّحٌ به، وعلى الثَّانِي: أخذ السِّلاح مَدْلُول عليه بِفَحْوَى الكَلامِ. فإن قيل: إنَّ الَّذِي أمَر اللَّه - تعالى - بالحذْرِ عَنْهُ إن كان يُفْضي إلى الوُجُودِ، لم يَنْعَدِم، وإن كان الحذْر يُفْضِي إلى العَدَمِ، فلا حَاجَة إلى الحذْر، فعلى التَّقْديرَيْن الأمْر بالحذْر عَبَث، قال - عليه السلام -: "حديث : المَقْدُورُ كَائِنٌ" تفسير : وقيل: الحذر لا يُغْنِي عن القَدَر. فالجوابُ: أن هذا الكَلاَم يُبْطِل القَوْل بالشَّرَائِع؛ فإنه يُقَالُ: إن كان الإنْسَان من أهْلِ السَّعَادة في قَضَاءِ اللَّه وقدرِه، فلا حَاجَة إلى الإيمَانِ، وإن كان من أهْل الشَّقَاءِ، لم ينْفَعْه [الإيمانُ و] الطَّاعَة، فهذا يفضي إلى سُقُوط التَّكْلِيف بالكُلِّيّة. واعلم أنه لما كَان الكُلُّ بِقَضَاء اللَّه - تعالى - كان الأمْر بالحَذَرِ أيْضاً دَاخلاً بالقَدَر، وكان قَوْل القَائِل: أي فَائِدة بالحَذَر كَلاَماً مُتَنَاقِضاً؛ لأنه لما كان هذا الحَذَر مُقَدَّراً، فأيُّ فائدة في هَذَا السُّؤال الطَّاعِن في الحَذَرِ. قوله: "فانفروا [ثبات]" يقال: نَفَر القَوْم يَنْفِرُون نَفْراً ونَفِيراً، إذا نَهَضُوا لِقِتَال عَدُّوِّ، وخَرَجُوا للحَرْبِ، واستنْفَر الإمَامُ النَّاس لجِهَاد العَدُوّ، فَنَفَرُوا يَنْفِرُون: إذا حَثَّهُم على النَّفِير وَدَعَاهُم إلَيْه؛ ومنه قوله - عليه السلام -: "حديث : [و] إذا اسْتُنْفِرْتُم فانفرُوا" تفسير : والنَّفِير: اسم للقَوْمِ الَّذِين يَنْفِرُون؛ ومنه يُقال: فلان لاَ فِي العِيرِ ولا فِي النَّفِيرِ. وقال النُّحَاة: أصْلُ هذا الحَرْف من النُّفُور والنِّفَارِ؛ وهو الفَزَع، يقال: [نَفر] إليه؛ ونَفَر مِنْهُ؛ إذا فَزع منه وكَرِهَهُ، وفي مُضَارعه لُغَتَان: ضمُّ العَيْنِ وكَسْرِهَا، وقيل: يُقَال: نَفر الرَّجُل يَنْفِرُ بالكَسْرِ، ونَفَرَت الدَّابَّة تَنْفُر بالضَّمِّ [ففرَّقُوا بَيْنَهُما في المُضَارع، وهذا الفَرْق يردُّه قِرَاءَة الأعْمَش: "فانفُروا" "أو انفُروا" بالضم] فيهما، والمَصْدَر النَّفِير، والنُّفُور، والنَّفْر: الجماعة كالقَوْم والرَّهْط. [قوله]: "ثبات" نصب على الحَالِ، وكذا "جميعاً" والمَعْنَى" انْفِرُوا جَمَاعاتٍ [متفرِّقَة] [أي] سَرِيّة بعد سَرِيّة، أو مُجْتَمِعِين كَوْكَبَةً وَاحِدَة، وهذا المَعْنَى الَّذي أراد الشَّاعِر في قوله: [البسيط] شعر : 1821-......................... طَارُوا إلَيْه زَرَافاتٍ وَوُحْدَانَا تفسير : ومثله قوله: {أية : فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً} تفسير : أي: على أيّ الحَالَتَيْن كُنْتُم فَصَلُّوا. قال أبُو حَيَّان: ولم يُقْرَأ "ثبات" فيما عَلِمْت إلا بكَسْر التَّاء. انتهى. وهذه هي اللُّغَةُ الفَصيحَة، وبَعْض العَرَب يَنْصِب جَمْع المُؤنَّث السَّالم إذا كان مُعْتَلَّ اللام مُعوضاً منها تاء التأنيث بالفَتْحَة، وأنشد الفرَّاء: [الطويل] شعر : 1822- فَلَمَّا جَلاَهَا بالأيَّام تَحَيَّزَتْ ثُبَاتاً عَلَيْهَا ذُلُّهَا واكْتئابُهَا تفسير : وقرئ شاذاً:{وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ} [النحل: 57] [بالفتحة]، وحكي: سَمِعْتُ لغاتَهُم، وزعم الفَارِسي أن الوَارِدَ من ذلك مُفْردٌ لامهُ؛ لأن الأصْل "لُغَوَة"؛ فلما رُدَّت اللام، قُلِبَت ألفاً، وقد رُدَّ على الفَارِسي: بأنّه يلْزَمُهُ الجَمع بين العِوَض والمُعَوَّضِ مِنْه، ويَرُدُّ عليه أيْضاً القِرَاءة المتقَدِّمة في الثبات؛ لأن المُفْرَد منه مكْسُورُ الفَاءِ. ["وثبات" جَمْعُ ثُبَة، ووزنها في الأصْل: فُعَلَة، كَحُطَمة، و] إنما حُذِفَت لامُها وعُوض عنها تاءُ التَّأنِيثِ، وهل لامها واواً أو يَاءً؟ قولان: حُجَّة القَوْل الأول: أنها مُشتقَّة من [ثَبَا يُثْبُو؛ كَخَلا يَخْلُو، أي: اجْتَمع. وحُجَّةُ القول الثاني: أنها مُشْتَقة من] ثبيت على الرجل إذا أثْنيت عليه؛ كأنك جمعت مَحاسنه، وتجمع بالألفِ والتَّاءِ، وبالوَاوِ والنَّونِ، ويجوز في فَائِهَا حين تُجْمَع على "ثُبين" الضَّم والكَسْر، وكذا ما أشْبَهَهَا، نحو: قُلة، وبُرة، ما لم يُجْمَع جَمْع تكْسِير. والثُّبَة: الجَمَاعة من الرِّجَال تكُون فَوْقَ العَشرة، وقيل: الاثْنَانِ والثَّلاثة، وتُصَغَّر على "ثُبْيَة"، بردِّ المَحْذُوف، وأما "ثُبة الحَوْضِ" وهي وَسطُهُ، فالمحذُوفُ عَيْنُها، لأنَّها من باب المَاء، أي: يَرْجِع، تُصَغِّر على "ثُوَيْبَةٍ"؛ كقولك في تَصْغيرِ سَنَة: سُنَيْهَة. فصل قال القرطبي: قيل إن هذه الآية مَنْسُوخة بقوله: {أية : ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً} تفسير : [التوبة: 41] وبقوله {أية : إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً} تفسير : [التوبة: 39] [ولأن يكُون] {أية : ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً} تفسير : [التوبة: 41] مَنْسُوخاً بقوله: {فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنْفِرُواْ جَمِيعاً}، وبقوله: {أية : وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً} تفسير : [التوبة: 122] اولى؛ لأن فرض الجِهَادِ على الكِفْاية، فمتى سَدَّ الثُّغُورَ بَعْضُ المسْلِمِين، أسْقِطَ الفَرْضُ عن البَاقِينَ. قال: والصَّحِيحُ أن الآيَتَيْنِ محكْمَتَانِ، إحَدَاهما: في الوَقْتِ الذي يُحْتَاجُ فيه إلى تعيُّن الجَميع، والأخْرَى: عند الاكْتِفَاء بِطَائِفَةٍ دُون غَيْرِهَا. قوله: {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ} "منكم" خبر مُقَدَّم لـ "إنْ" واسمُها، و "لمَنْ" دخلت اللام على الاسْم تأكِيداً لما فَصَلَ بَيْنَه وبَيْنَهَا بالخَبَر، و "من" يجوزُ أن تكُونَ مَوْصُولة، [أو نكرة مَوْصُوفة] واللاّم في "ليبطئن" فيها قَوْلان: أصحهما: أنها جَوَابُ قَسَم مَحْذُوف، تقديره أُقْسِمُ بالله لَيُبَطِّئنَّ، والجُمْلَتَان - أعْنِي: القَسَم وجَوابُه - صِلَة لـ "مَنْ"، أو صِفَةٌ لَهَا على حَسَبِ القَوْلَيْن المُتَقَدِّمَيْن، والعَائِدُ على كِلاَ التَّقْدِيرَيْن هو الضَّمِير المرفُوع بـ "ليبطئن"، والتَّقْدِير: وإنْ مِنْكُم لِلَّذِي، أو لَفَرِيقاً واللَّه لَيُبَطِّئَنَّ. واسْتَدَلَّ بعض النُّحَاة بهذه الآيَةِ على أنَّه يجوز وَصْلُ المَوْصُولِ بجملة القَسَمِ وجوابه [إذا عَرِيَتْ جُمْلَةُ القَسَم من ضمير عَائِدٍ على الموصول نحو: "جاء الذي أحْلِفُ باللَّهِ لقد قام أبوه" وجعله] ردَّا على قدماء النحاة، حيث زَعَمُوا مَنْعَ ذلك [ولا دلالة على ذلك]، إذ لقائل أن يقُول: ذلك القَسَم المَحْذُوفُ لا أقَدِّرُهُ إلا مُشْتَمِلاً على ضَمِيرٍ يَعُود على المَوْصُول. والقول الثاني: نقله ابن عَطِيَّة عن بَعْضِهِم: أنَّها لام التَّأكِيد بَعْدَ تأكيد، وهذا خطَأٌ من قَائله، والجُمْهُور على "ليبطئن" بتشديد الطَّاءِ. ومُجَاهد بالتَّخفيف. و [على] كلتا القِرَاءَتيْن يُحْتَمل أن يكُون الفِعْل لازماً ومُتَعَدِّياً، يقال: أبْطَأَ وبَطَّأ أي تَكَاسَلَ وتَثَبَّط، والتَّبْطِئَة: التَّأخُّر عن الأمْرِ، فهذان لزِمَان، وإن قُدِّر أنهما مُتَعَدِّيانِ، فمعُمُولُهُمَا مَحْذُوفٌ، أي: ليُبَطِّئَنَّ غَيْرَه، أي: يُثَبِّطُه ويُجِبْنُه عن القَتَالِ، و "إذ لم أكن" ظرف، نَاصِبُهُ: "أنعم الله". فصل في تفسير "منكم" قوله: "منكم" اختَلَفُوا فيه: فقيل: المُرادَ منه: المُنافِقُون وهم عبدُ الله بن أبَيٍّ وأصحابه، كانوا يُثَبِّطُونَ النَّاس عن الجِهَادِ مع رسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم. فإن قيل: تَقْدِير الكَلاَمِ يأيُّهَا الَّذِين آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُم وأن مِنْكُم لمن ليُبَطِّئَنَّ، فإذا كان عَذا المُبَطِّئ مُنَافِقاً، فكيف يُجْعَلُ قِسْماً من المُؤمِن في قوله "إن منكم". فالجواب: أنه جعل المُنافقين من المُؤمنين من حَيْثُ الجِنْسِ والنَّسَبِ والاخْتِلاَطِ، أو من حيث الظَّاهِر؛ لتشبههم بالمُؤمنين، أو من حَيث زعمهم ودَعْواهُم، كقوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ} تفسير : [الحجر: 6]. وقيل: المراد ضَعَفَهُ المؤمنين، وهو اخْتِيَار جَمَاعَةٍ من المُفَسِّرين، قالُوا: والتَّبْطِئَةُ بمعنى الإبْطَاء، وفَائِدة هذا التِّشْديد تَكَرُّر الفِعْلِ مِنْهُ. حكى أهْل اللُّغَة أن العَرَبَ تَقُول: ما بَطأ بك يا فُلانُ عَنَّا، وإدْخَالهم البَاء يَدُلُّ على أنَّه في نَفْسِهِ غير مُتَعَدٍّ، فَعَلَى هذا مَعْنَى الآية: أن فيهم من يُبطئُ عن هذا الفَرْضِ ويتثاقل عن الجِهَادِ، وإذا ظَفِر المسْلِمُون، تَمنَّوْا أن يكُونُوا مَعَهُم ليَأخُذُوا الغَنِيمَة. قال: هؤلاء هُمُ الَّذِين أرادَ اللَّه بقوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلأَرْضِ أَرَضِيتُمْ} تفسير : [التوبة: 38]، قال: ويَدُلُّ على أنَّ المُرَاد بقوله: "ليبطئن" الإبْطَاء منهم لا تَثْبِيطَ غَيْرهم قوله: {يٰلَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ} عند الغنِيمة، ولو كان المُرادُ: تَثْبِيطَ الغَيْرِ، لم يَكُن لِهَذا الكَلاَمِ مَعْنًى. وطعن القَاضِي في هذا القَوْلِ: بأنه - تعالى - حَكَى أن هؤلاَء المُبَطِّئِين، يقولون عن مصيبة المؤمنين: {قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً} فيعدّ قُعُوده على القِتَالِ نِعْمة من اللَّه - تعالى -، وهذا إنما يَلِيقُ بالمُنَافِقين، وأيضاً لا يَليق بالمُؤمنين أن يُقال لهم: {كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ}، يعني الرَّسُول "مودة"، ثم قال: وإن حُمِلَ "ليبطئن" على أنه من الإبْطَاءِ والتَّثَاقُل، صح في المُنَافِقِين، لأنهم كانوا يَثَاقَلُون. قوله: {فإن أصابتكم [مصيبة]} أي: قَتْل وهَزيمَة "قال قد أنعم الله علي" بالقعود، و {إذ لم أكن معهم شهيداً}، أي: شَاهِداً حاضراً في تلك الغَزْوَةِ، فيُصِيبُنَي ما أصابَهُم، و "إذا لم أكن" طرف نَاصِبُه: "أنعم الله"، {ولئن أصابكم فضل من الله} أي: ظَفَرٌ وغَنِيمة، "ليقولن" هذا المنافق {كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ} [الآية] الجمهور على فَتْح لاَمِ "ليقولن" لأنَّه فِعْل مُسْنَد إلى ضَمِير "من" مبني على الفَتْحِ لأجل نُون التَّوْكِيد، وقرأ الحَسن بِضَمِّها، فأسْند الفِعْل إلى ضَمِير "من" أيضاً [لكن] حملاً له على مَعْنَاها؛ لأن قوله: "لمن ليبطئن" في معنى الجماعة والأصْلُ: لَيَقُولُونَنَّ وقد تقدَّم تَصْرِيفُه. قوله: {كَأَن لَّمْ تَكُنْ} هذه "كأن" المُخَفَّفَةُ [من الثَّقيلَة] وعملُها باقٍ عند البَصْرِيِّين، [وزعم الكُوفيُّون أنها حين تَخْفِيفها لا تَعْمَل كما لا تعملُ "لَكن" مُخَفَّفَة عند الجُمْهُور، وإعْمَالُها عند البَصْرِيِّين] غَالباً في ضَمِير الأمْرِ والشَّأن، وهو وَاجِبُ الحَذْفِ، ولا تَعْمَل عِنْدَهُم في ضَمِير غَيْره؛ ولا فِي اسْم ظَاهِر إلا ضَرُورةً، كقوله: [الهزج] شعر : 1823- وَصَدْرٍ مُشْرِقِ النَّحْر كَأنَّ ثَدْيَيْه حُقَّانِ تفسير : وقول الآخر: [الطويل] شعر : 1824- وَيَوْمَاً تُوَافِينَا بِوَجْهٍ مُقَسَّمٍ كأنْ ظَبْيَةً تَعْطُو إلَى وَارِقِ السُّلَمْ تفسير : في إحْدى الرِّوَايات، وظَاهِرِ كلام سَيَبويْه: أنَّها تَعْمَل في غير ضميرِ الشَّأنِ في غير الضَّرُورَة، والجُمْلَة المنْفِيَّة بعدها في مَحَلِّ رَفع خَبَراً لَهَا، والجملة بَعْدَهَا إن كانت فِعليَّة فتكون مُبْدوءَة بـِ "قَدْ"؛ كقوله: [الخفيف] شعر : 1825- لا يَهُولَنَّكَ اصْطِلاؤُكَ لِلْحَرْ بِ فَمَحْذُورُهَا كَأنْ قَدْ ألَمَّا تفسير : أو بـ "لَمْ" كهذه الآية، وقوله: {أية : كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلأَمْسِ} تفسير : [يونس: 24] وقد تُلُقِيتْ بـ "لَمَّا" في قول عمَّار الكلبي: [الرمل] شعر : 1826- بَدَّدَتْ مِنْهَا اللَِّيَالِي شَمْلَهُمْ فَكَأنْ لَمَّا يَكُونُوا قَبْلُ ثَمْ تفسير : قال أبو حيَّان: ويحتاج مِثْل هذا إلى سَمَاعِ من العَرَبِ، وقال ابن عَطِيَّة: "وكأن" مُضَمَّنة مَعْنَى التَّشْبيه، ولكنها لَيْسَتْ كالثَّقِيلَةَ في الإحْتِيَاج إلى الاسْم والخَبَر، وإنما تَجيءُ بعدها الجُمَل، وظَاهِرِ هذه العِبَارَة: أنها لا تَعْمَلُ عند تَخْفِيفها، وقد تقدَّم أن ذَلِك قَوْل الكُوفيين لا البَصْرِييِّن، ويُحْتَمل أنه أراد بذلك أن الجُمْلَة بعدها لا تَتَأثَّر بها لَفْظاً؛ لأن اسْمَهَا مَحْذُوف، والجُمْلَة خَبَرُها. وقرأ ابن كثير، وحفص من عاصم، ويعقوب: [يَكُنْ] بالياء؛ لأن المَوَدَّة في مَعْنَى الوُد [و] لأنه قد فُصِلَ بَيْنَها وبَيْن فِعْلِها، والبَاقُون: بالتَّاء اعْتِبَاراً بلَفْظِها. قال الواحدي: وكِلْتَا القراءَتَين قد جاءَ التَّنْزِيل به؛ قال {أية : قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} تفسير : [يونس: 57] وقال: {أية : فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ} تفسير : [البقرة: 275] فالتأنيث هو الأصْلُ، والتَّذْكِير يَحْسُن إذا كان التَّأنِيثُ غير حَقِيقيّ، لا سيِّما إذا وقع فَاصِل بين الفِعْل والفَاعِل، و "يكُون" يحتمل أن تكُون تَامَّةٌ، فيتعلق الظَّرْفُ بها، أو بِمَحْذُوفٍ، لأنَّه حالٌ من "مودة" إذ هو في الأصْلِ صِفَة نكرة قُدِّم عليها، وأن تكُون نَاقِصة، فيتَعَلَّق الظَّرْف بمحذُوفٍ على أنه خَبرَهَا، واخْتَلَفُوا في هَذِه الجُمْلَة على ثلاثةِ أقْوَالٍ: الأوّل: أنها اعْتِرَاضيَّة لا مَحَلَّ لها من الإعْرَابِ، وعلى هَذَا فما المُعْترض بَيْنَهما؟ فيه وجهان: أحدهما: أنَّهَا مُعْتَرِضَة بين جُمْلَة الشَّرْطِ التي هِيَ {فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ} وبين جُمْلَة القَسَم التي هي "وَلَئِنْ أصَابَكُمْ"، والتَّقْدير: {فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ} قال {قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً} كأن لم تكن بينكم [وبينه مودة، ولئن أصابكُم فَضْل. فأخرت الجُمْلَة المعترض بها أعني قوله] {كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ} والنية بها التوسط، وهذا قول الزجاج وتبعه الماتُريدي، وردَّ الرَّاغِب الأصْبَهاني هذا القَوْل بأنَّه مستَقْبَحٌ، لأنه لا يَفْصِل بين بَعْض الجملة [وبَعْض] ما يتعلَّق بِجُمْلة أخْرَى. قال شهاب الدين: وهَذَا من الزَّجَّاج كأنه تَفْسِير مَعْنَى لا إعْرَاب، على مَا يأتِي ذِكْرُه عَنْهُ في تفسير الإعْرَاب. الوجه الثاني: أنها مُعْتَرِضَة بين القَوْل ومَفْعُوله، والأصْل: ليقولنَّ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُم كأن لَمْ يكُن، وعلى هذا أكثر النَّاسِ، وقد اخْتَلَفَت عِبَاراتُهم في ذَلِك، ولا يَظْهَرُ المَعْنَى إلا بِنَقْل نصوصهم فَلْنَنْقُلْهَا. فقال الزَّمَخْشَري: اعْتِرَاضٌ بين الفِعْلِ الَّذي هو "ليقولن" وبين مَفْعُولِهِ وهو "يا ليتني" والمعنى: كأنَّه لم يتقدم له مَعَكُم مَوَدَّة؛ لأن المُنَافِقِين كانوا يُوَادُّون المؤمنين في الظَّاهِرِ، وإن كَانُوا يَبْغُونَ لهم الغَوَائِل في البَاطِنِ، والظَّاهر أنَّه تَهكُّم؛ لأنهم كَانُوا أعْدَى عَدُوٍّ للمؤمِنِين، وأشدَّهم حَسَداً لهم، فكيف يُوصَفُون بالمَوَدَّة إلا على وَجْهِ العَكْسِ والتَّهَكُّم. وقال الزَّجَّاج: هذه الجُمْلَة اعْتِرَاضٌ، أخبر - تعالى - بذلك؛ لأنَّهُم كانوا يُوادُّون المؤمنين. وقال ابن عَطيّة: المنافق يُعَاطِي المؤمنين المَوَدَّة، ويُعَاهِدُ على الْتِزَامٍ حِلْفِ الإسْلاَمِ، ثم يَتَحلَّف نِفَاقاً وشَكّاً وكُفْراً باللَّه ورسُوله، ثم يَتَمَنَّى عِنْدَما ينكشف الغَيْبُ الظَّفْر لَلمُؤمنينن فعلى هذا يَجِيءُ قَوْلُه: "كأن لم يكن" التفاتة بليغَة، واعْتِراضاً بين القَوْل والمَقُول بِلَفْظٍ يُظْهِر زيادَةً في قُبْحِ فِعْلِهِم. وقال الرازي: هو اعْتِراضٌ في غاية الحُسْنِ؛ لأن من أحَبَّ إنْسَاناً فَرح لِفَرَحِه، وحَزِنَ لحُزْنِهِ، فإذا قَلَبَ القَضِيَّة فذلك إظْهَارٌ للعَدَاوَة، فحكى - تعالى - سُرُور المُنَافِقِ عند نَكْبَةِ المُسْلِمِين، ثم أرَادَ أن يَحْكِي حُزْنه عِنْدَ دَوْلَة المسْلِمِينِ بسبب فَوَاته الغَنِيمَة ـ فقَبْل أن يَذْكُرَ الكَلاَم بتَمَامِهِ، ألْقَى قوله: {كَأَن لَّمْ تَكُنْ} والمراد التَّعَجُّب؛ كأنه يَقُول: انْظُرُوا إلى ما يَقُولُه هذا المُنَافِقُ كأن لَمْ تكن بَيْنَكُم وبَيْنَهُ مودَّة ولا مُخَالَطَة أصْلاً، والذي حَسَّن الاعتراض بهذه الجُمْلَة وإنْ كان محلها التَّأخِير، كوْنَ ما بَعْدَهَا فَاصِلَة وهيَ لَيْسَت بِفَاصِلَة. وقال الفَارِسِي: وهذه الجمْلَة من قَوْل المُنَافِقِين للَّذِين أقْعَدُوهُم عن الجِهَادِ؛ وخَرَجُوا هُمْ كأنْ لم تكُنْ بَيْنَكُم وبَيْنَه أي: وبَيْن الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام - مودَّة، فيخرجكم مَعَهُ لتأخذوا من الغنيمة ليُبَغّضُوا بذلك الرَّسُولَ إليْهم، فأعاد الضَّمِيرَ في "بَيْنَهُ" على النَّبي - عليه الصلاة والسلام -. وتبع الفارسي في ذَلِكَ مُقَاتِلاً؛ مَعْنَاه: كأنه لَيْسَ من أهل [مِلَّتكُم]، ولا مودَّة بَيْنَكُم يريد: أن المبطّئ قَالَ لمن تَخَلَّفَ عن الغَزْوِ من المُنَافِقِين وضَعَفَة المؤمنين: ومن تَخَلَّف بإذْنٍ كأن لَمْ تكُنْ بَيْنَكُم وبَيْن مُحَمَّدٍ مودَّة، فيُخْرِجَكُم إلى الجِهَادِ، فَتَفُوزُوا بما فَازَ. [القول الثاني: إنها في مَحَلِّ نَصْبٍ بالقَوْلِ، فيكون - تعالى - قد حَكَى بالقَوْلِ جملتين: جُمْلة التَّشْبيه، وجملة التَّمَنِّي، وهذا ظَاهِرٌ على قَوْلِ مُقاتِل والفَارسيٍّ: حيث زعَمَا أن الضَّمِير في "بَيْنَه" للرَّسُول - عليه الصلاة والسلام -]. القول الثالث: أنها في مَحَلِّ نَصْبٍ على الحَالِ من الضَّمِير المستَتِر في "ليقولن" كما تقول: مررْتُ بزَيْد وكأن لم يكن بينك وبينه معرفة فضلاً عن مودَّة، ونقل هذا عن الزَّجَّاج، وتَبِعَهُ أبو البَقاءِ في ذلك. و "يا" فيها قَوْلاَن: أحدهما: وهُوَ قول الفَارسيِّ إنها لمُجَرد، التَّنْبِيه، فلا يقدَّر مُنادَى مَحْذُوف، ولذلك باشَرَت الحَرْف. والثاني: أن المُنَادَى مَحْذُوف، تقديره: يا هؤلاء، لَيْتَنِي، وهذا الخلاف جَارٍ فيها إذا باشَرَت حَرْفاً أو فِعلاً؛ كقراء الكسائيّ {أية : أَلاَّ يَسْجُدُواْ} تفسير : [النمل: 25] وقوله: [الطويل] شعر : 1827- ألاَ يَا اسْقِيَانِي قَبْلَ غَارَة سِنْجَال ................................ تفسير : وقوله: [البسيط] شعر : 1828- يا حَبَّذَا جَبَلُ الرَّيَّانِ من جَبَلٍ ............................. تفسير : على القول بفعليّة "حَبَّذَا" ولا يُفعل ذَلِكَ إلاَّ بـ "يَا" خَاصَّة، دون سائر حُرُوف النِّدَاء، لأنَّها أمُّ البَابِ، وقد كثرت مُبَاشرَتُها لـ "لَيْتَ" دون سَائِرِ الحُرُوف. قوله: "فأفوز" الجمهور على نَصْبِه في جَوَاب التَّمَنِّي، والكُوفِيُّون يزْعمون نصبه بالخلافِ، والجرميّ يزعمُ نصبه بنفس الفَاءِ. والصحيح الأوَّل، لأن الفَاء تَعْطِف هذا المَصْدَر المؤوَّل من "أنْ" والفِعْل على مَصْدَر مُتوهَّم، لأن التَّقْدِير: يا لَيْتَ لي كَوْنَاً معهم - أو مُصَاحَبَتهم - فَفَوْزاً. وقرأ الحسن: فأفُوزُ رفعاً على [أحدِ وجهيْن: إما] الاستئناف، أي: فأنا أفوزُ. أو عَطْفاً على "كُنْتُ" فيكون داخِلاً في حَيِّز التَّمَني أيضاً، فيكون الكَوْن معهُم، والفَوْزُ العَظيم مُتَمنين جَميِعاً، والمُرَاد بالفَوْزِ العظيم: النَّصِيب الوَافِرُ من الغَنِيمَة.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان في قوله ‏ {‏خذوا حذركم‏} ‏ قال‏:‏ عدتكم من السلاح‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله ‏ {‏فانفروا ثبات‏} ‏ قال‏:‏ عصباً يعني سرايا متفرقين ‏ {‏أو انفروا جميعاً‏} ‏ يعني كلكم‏.‏ وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله عز وجل ‏ {‏فانفروا ثبات‏} ‏ قال‏:‏ عشرة فما فوق ذلك‏.‏ قال: وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم، أما سمعت عمرو بن كلثوم التغلبي وهو يقول‏: شعر : فأما يوم خشيتنا عليهم فتصبح خلينا عصباً ثباتا تفسير : وأخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه من طريق عطاء عن ابن عباس قي سورة النساء ‏{‏خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعاً‏} ‏ عصباً وفرقاً‏.‏ قال‏:‏ نسخها ‏{أية : ‏وما كان المؤمنون لينفروا كافة‏}‏ ‏تفسير : [‏التوبة: 122]‏ الآية‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله ‏ {‏ثبات‏} ‏ قال‏:‏ فرقاً قليلا‏ً.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي ‏ {‏فانفروا ثبات‏}‏ قال‏:‏ هي العصبة وهي الثبة ‏ {‏أو انفروا جميعا‏ً} ‏ مع النبي صلى الله عليه وسلم‏. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ‏ {‏أو انفروا جميعا‏ً} ‏ أي إذا نفر نبي الله صلى الله عليه وسلم، فليس لأحد أن يتخلف عنه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏{‏وإن منكم لمن ليبطئن‏} ‏ إلى قوله ‏ {‏فسوف يؤتيه أجراً عظيما‏ً} ‏ ما بين ذلك في المنافق‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان ‏ {‏وإن منكم لمن ليبطئن‏} ‏ قال‏:‏ هو فيما بلغنا عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين ‏ {‏ليبطئن‏} ‏ قال‏:‏ ليتخلفن عن الجهاد ‏ {‏فإن أصابتكم مصيبة‏} ‏ من العدو وجهد من العيش ‏ {‏قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا‏ً}‏ فيصيبني مثل الذي أصابهم من البلاء والشدة ‏ {‏ولئن أصابكم فضل من الله‏} ‏ يعني فتحاً وغنيمة وسعة في الرزق ‏ {‏ليقولن‏} ‏ المنافق وهو نادم في التخلف ‏ {‏كأن لم يكن بينكم وبينه مودة‏} ‏ يقول‏:‏ كأنه ليس من أهل دينكم في المودة فهذا من التقديم ‏ {‏يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً‏} ‏ يعني آخذ من الغنيمة نصيباً وافرا‏ً.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ‏ {‏وإن منكم لمن ليبطئن‏} ‏ عن الجهاد وعن الغزو في سبيل الله ‏ {‏فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا‏ً} ‏ قال‏:‏ هذا قول مكذب ‏ {‏ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ هذا قول حاسد‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج ‏ {‏وإن منكم لمن ليبطئن‏} ‏ قال‏:‏ المنافق يبطئ المسلمين عن الجهاد في سبيل الله ‏ {‏فإن أصابتكم مصيبة‏} ‏ قال‏:‏ بقتل العدو من المسلمين ‏ {‏قال قد أنعم الله عليَّ إذ لم أكن معهم شهيداً‏} ‏ قال‏:‏ هذا قول الشامت ‏{‏ولئن أصابكم فضل من الله‏} ‏ ظهر المسلمون على عدوهم وأصابوا منهم غنيمة ‏ {‏ليقولن‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ قول الحاسد‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي ‏{‏الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة‏} ‏ يقول‏:‏ يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ‏ {‏فليقاتل‏} ‏ يعني يقاتل المشركين ‏ {‏في سبيل الله‏} ‏ قال‏:‏ في طاعة الله ‏ {‏ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل‏}‏ يعني يقتله العدو ‏ {‏أو يغلب‏} ‏ يعني يغلب العدو من المشركين ‏ {‏فسوف نؤتيه أجراً عظيماً‏} ‏ يعني جزاء وافراً في الجنة، فجعل القاتل والمقتول من المسلمين في جهاد المشركين شريكين في الأجر‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ‏ {‏وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين‏}‏ قال‏:‏ وسبيل المستضعفين‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس قال‏:‏ المستضعفون.‏ أناس مسلمون كانوا بمكة لا يستطيعون أن يخرجوا منها‏. وأخرج البخاري عن ابن عباس قال‏:‏ كنت أنا وأمي من المستضعفين‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في الآية قال‏:‏ أمر المؤمنون أن يقاتلوا عن مستضعفين مؤمنين كانوا بمكة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة في قوله ‏{‏ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها‏} ‏ قال‏:‏ مكة‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس. مثله‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد وعكرمة ‏ {‏واجعل لنا من لدنك نصيرا‏ً} ‏ قالا‏:‏ حجة ثابتة‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن قتادة ‏ {‏والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت‏} ‏ يقول: في سبيل الشيطان‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق مجاهد عن ابن عباس قال‏:‏ إذا رأيتم الشيطان فلا تخافوه واحملوا عليه ‏ {‏إن كيد الشيطان كان ضعيفاً‏} ‏ قال مجاهد‏:‏ كان الشيطان يتراءى لي في الصلاة‏.‏ فكنت أذكر قول ابن عباس، فأحمل عليه، فيذهب عني‏.‏ ‏

ابو السعود

تفسير : {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ} الحِذْرُ والحذَرُ واحدٌ كالإثرْ والأثَرِ والشِبْهِ والشَّبَهِ أي تيقظوا واحترزوا من العدو ولا تُمْكِنوه من أنفسكم، يقال: أخذ حِذْرَه إذا تيقظ واحترز من المَخُوف، كأنه جعَلَ الحذَرَ آلتَه التي يقي بها نفسَه، وقيل: هو ما يُحذر به من السلاح والحزمِ، أي استعدوا للعدو {فَٱنفِرُواْ} بكسر الفاءِ وقرىء بضمها أي اخرُجوا إلى الجهاد عند خروجِكم {ثُبَاتٍ} جمعُ ثُبةٍ وهي الجماعةُ من الرجال فوق العشَرةِ ووزنها في الأصل فُعَلة كحُطَمة حُذفت لامُها وعوِّض عنها تاءُ التأنيثِ، وهل هي واوٌ أو ياء؟ فيه قولان، قيل: إنها مشتقةٌ من ثبا يثبو كحلا يحلو أي اجتمعَ، وقيل: من ثبَـيْتُ على الرجل إذا أثنيت عليه كأنك جمعتَ محاسنَه ويُجمع أيضاً على ثُبـينَ جبراً لما حُذف من عَجْزه، ومحلُّها النصبُ على الحالية أي انفِروا جماعاتٍ متفرقةً سَرِيةً بعد سرية {أَوِ ٱنْفِرُواْ جَمِيعاً} أي مجتمعين كوكبةً واحدةً ولا تتخاذلوا فتُلقوا بأنفسكم إلى التهلُكة. {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطّئَنَّ} أي ليتثاقَلَنّ وليتَخَلَّفَنَّ عن الجهاد من بطّأ بمعنى أبطأ كعتّم بمعنى أعتم، والخطابُ لعسكر رسولِ الله صلى الله عليه وسلم كلِّهم المؤمنين منهم والمنافقين، والمُبَطِّئون منافقوهم الذين تثاقلوا وتخلّفوا عن الجهاد، أو ليبطِّئن غيرَه ويُثَبِّطَنه، مِنْ بطَّأ منقولاً من بطُؤ كثقّل من ثقُل كما بطّأ ابنُ أُبـيَ ناساً يوم أُحُد. والأولُ أنسبُ لما بعده واللامُ الأولى للابتداء دخلت على اسم إنّ للفصل بالخبر، والثانيةُ جوابُ قسمٍ محذوفٍ والقسمُ بجوابه صلةُ مَنْ والراجعُ إليه ما استكنّ في ليبطِّئنَّ، والتقديرُ وإن منكم لمَنْ ــ أُقسم بالله ــ ليبطِّئن {فَإِنْ أَصَـٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ} كقتل وهزيمة {قَالَ} أي المُبَطِّىءُ فرحاً بصنعه وحامداً لرأيه {قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَىَّ} أي بالقعود {إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً} أي حاضراً في المعركة فيصيبني ما أصابهم والفاءُ في الشرطية لترتيب مضمونِها على ما قبلها، فإن ذِكرَ التبطئةِ مستتبِعٌ لذكر ما يترتب عليها كما أن نفسَ التبطئةِ مستدعِيةٌ لشيء ينتظر المُبطىءُ وقوعَه {وَلَئِنْ أَصَـٰبَكُمْ فَضْلٌ} كفتح وغنيمة {مِنَ ٱللَّهِ} متعلقٌ بأصابكم أو بمحذوف وقع صفةً لفضلٌ أي فضلٌ كائنٌ من الله تعالى، ونسبتُه إصابةِ الفضلِ إلى جناب الله تعالى دون إصابةِ المصيبةِ من العادات الشريفةِ التنزيليةِ كما في قوله سبحانه: {أية : وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ } تفسير : [الشعراء، الآية 80] وتقديمُ الشرطيةِ الأولى لِما أن مضمونَها لمقصِدهم أوفقُ وأَثرَ نفاقِهم فيها أظهرُ {لَّيَقُولَنَّ} ندامةً على تَنبُّطه وقعودِه وتهالُكاً على حُطام الدنيا وتحسُّراً على فواته، وقرىء ليقولُنَّ بضم اللام إعادةً للضمير إلى معنى مَنْ وقوله تعالى: {كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ} اعتراضٌ وُسِّط بـين الفعلِ ومفعولِه الذي هو {يٰلَيتَنِى كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً} لئلا يُفهمَ من مطلع كلامِه أن تمنِّيَهُ لمعيّة المؤمنين لنُصرتهم ومظاهَرتِهم حسبما يقتضيه ما في البـين من المودة، بل هو للحِرص على المال كما ينطِق به آخِرُه وليس إثباتُ المودةِ في البـين بطريق التحقيق بل بطريق التهكّمِ، وقيل: الجملةُ التشبـيهيةُ حالٌ من ضمير ليقولَن أي ليقولَنّ مُشَبَّهاً بمَنْ لا مودةَ بـينكم وبـينه، وقيل: هي داخلةٌ في المقول أي ليقولن المُثبِّط لمن يُثبِّطه من المنافقين وضَعَفة المؤمنين ــ كأن لم تكن بـينكم وبـين محمدٍ مودةٌ ــ حيث لم يستصحِبْكم في الغزو حتى تفوزوا بما فاز: يا ليتني كنتُ معهم، وغرضُه إلقاءُ العداوةِ بـينهم وبـينه عليه الصلاة والسلام وتأكيدُها، وكأنْ مخففةٌ من الثقيلة واسمُها ضميرُ الشأنِ وهو محذوفٌ، وقرىء لم يكن بالياء والمنادىٰ في يا ليتني محذوفٌ أي يا قومُ، وقيل: {يا} أُطلق للتنبـيه على الاتساع، وقولُه تعالى: {فَأَفُوزَ} نُصب على جواب التمني، وقرىء بالرفع على أنه خبرُ مبتدإٍ محذوفٍ أي فأنا أفوزُ في ذلك الوقت أو على أنه معطوفٌ على كنت داخلٌ معه تحت التمني.

القشيري

تفسير : الفرار إلى الله من صفات القاصدين، والفرار مع الله من صفات الواصلين؛ فلا يجد القرار مع الله إلا من صدق في الفرار إلى الله. والفرارُ من كل غَيْرٍ شأنُ كل مُوَحِّد. قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ} الآية: أي لم تستقر عقائدهم على وصفٍ واحد، فكانوا مرتبطين بالحظوظ؛ فإذا رأوا مكروهاً يظِلُّ المسلمين شكروا وقالوا: الحمد لله الذي حفظنا من متابعتهم فكان يصيبنا ما أصابهم، وإن كانت لكم نعمة وخير سكنوا إليكم، وتمنوا أن لو كانوا معكم، خسروا في الدنيا والآخرة: فَهُمْ لا كافرٌ قبيحٌ ولا مؤمنٌ مخلصٌ. قوله: {كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ}: يعني طرحوا حشمة الحياة فلم يراعوا حرمتكم.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم} اى تيقظوا واحترزوا من العدو ولا تمكنوه من انفسكم يقال اخذ حذره اذا تيقظ واحترز من المخوف كأنه جعل الحذر آلته التى يقى بها نفسه ويعصم بها روحه {فانفروا} فاخرجوا الى جهاد العدو {ثبات} جماعات متفرقة سرية بعد سرية الى جهات شتى وذلك اذا لم يخرج النبى عليه السلام. جمع ثبة وهى جماعة من الرجال فوق العشرة ومحلها النصب على الحالية {او انفروا جميعا} مجتمعين كوكبة واحدة ولا تتخاذلوا فتلقوا بانفسكم الى التهلكة وذلك اذا خرج النبى عليه السلام.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: الحِذر والحَذَر واحد، كالشِّبه والشِّبَه، وبَطًأ يستعمل لازمًا بمعنى ثقل، ومتعديًا ـ بالتضعيف ـ أي: بطَّأ غيره، و {لَمَن ليبطئن} اللام الأولى للابتداء، والثانية للقسم، أي: وإنَّ منكم ـ أُقسم بالله ـ لمن ليبطئن. وجملة: {كأن لم يكن}: اعتراضية بين القول والمقول، تنبيهًا على ضعف عقيدتهم، وأن قولهم هذا قولُ من لا مواصلة بينكم وبينه. يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا} تأهبوا واستعدوا لجهاد الأعداء، و {خذوا حذركم} منهم؛ بالعُدَّةِ والعَدَد، ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، ولا حجة فيه للقدرية؛ لأن هذا من الأسباب التي ستر الله بها أسرار القدرة. وقد قال لنبيِّه ـ عليه الصلاة والسلام ـ: {أية : قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا} تفسير : [التوبة:51] وقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: " حديث : اعقلها وتوكل"تفسير : . وفي ذلك طمأنينة للقلوب التي لم تطمئن وتشريعًا للضعفاء، فإذا تأهبتم واستعددتم {فأنفروا} أي: اخرجوا إلى الجهاد {ثُباتٍ} أي: جماعات متفرقة، سرية بعد سرية، {أو انفروا جميعًا} أي: مجتمعين مع نبيكم، أو مع أميركم. {وإن منكم} يا معشر المسلمين {لمن ليبطئن} الناس عن الجهاد، أول ليتثاقلن ويتخلفن عنه، وهو عبدالله بن أُبُيّ المنافق، وأشباهه من المنافقين، {فإن أصابتكم مصيبة}؛ كقتل أو هزيمة {قال قد أنعم الله عليّ} حين تخلفت {إذا لم أكن معهم شهيدًا} فيصيبني ما أصابهم. {ولئن أصابكم فضل من الله}، كنصر وغنيمة، {ليقولن} لفرط عداوته: {يا ليتني كنتُ معهم فأفوز فوزًا عظيمًا}، بالمال والعز. كأن ذلك المنافق، لم يكن بينكم وبينه مودة ولا مواصلة أصلاً، حيث يتربص الدوائر، يفرح بمصيبتكم ويتحسر بعزكم ونصركم. فإن تثاقل هذا عن القتال أو بطَّأ غيره، {فليقاتل في سبيل الله} أهلُ الإخلاص والإيمان {الذين يشرون}، أي: يبيعون {الحياة الدنيا بالآخرة}، فيؤثرون الآخرة الباقية على الدنيا الفانية، {ومن يقاتل في سبيل الله} لإعلاء كلمة الله {فيُقتل} شهيدًا {أو يَغلب} عدوه وينصره الله {فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا}، وإنما قال تعالى: {فيُقتل أو يَغلب} تنبيهًا على أن المجاهد ينبغي أن يثبت في المعركة، حتى يعز نفسه بالشهادة، أو الدين بالظفر والنصر. وألا يكون قصده بالذات القتل، بل إعلاء الحق وإعزاز الدين. قاله البيضاوي. الإشارة: يا أيها الذين آمنوا إيمان الخصوص؛ خذوا حذركم من خدع النفوس، لئلا تعوقكم عن حضرة القدوس، فانفروا إلى جهادها ثُباتٍ أو جماعة؛ " فإن يد الله مع الجماعة، فالصحبة عند الصوفية شرط مؤكد وأمر محتم. والله ما أفلح من أفلح إلا بصحبة من أفلح، فالنفس الحية لا تموت مع الأحياء، وإنما تموت مع الأموات، فهي كالحوت ما دامت في البحر مع الحيتان لا تموت أبدًا، فإذا أخرجتها وعزلتها عن أبناء جنسها ماتت سريعًا. كما قال شيخنا رضي الله عنه. وإن من نفوسكم لمن لِيبطئنكم عن السير إلى حضرة قدسكم، تفر من مواطن الشدة والمحن، وفي ذلك حياتها لو تعقل وتفطن، فإن أصابتكم ـ أهلَ النسبة ـ نكبة، أو تعرف من التعرفات، ولم يصادفها في ذلك الوقت شيء من تلك النكبات، قال: قد أنعم الله عليَّ إذ لم أكن معهم شهيدًا، ولئن أصابكم بعد ذلك فضل من الله كنفحات ربانية وخمرات أزلية، قالت: يا ليتني كنتُ معهم فأفوز كما فازوا، فليجاهد نفسَه في سبيل الله مَنْ أراد الظفر بحضرة الله، يقدمها إلى المكاره، وهو كُلُّ ما يثقل عليها، ويجنبها الشهوات، وهو كل ما يخف عليها، هكذا يسير معها ويقاتلها، حتى يموت أو يغلبها ويظفر بها. قال بضع المشايخ: انتهى سير السائرين إلى الظفر بنفوسهم. فإن ظفروا بها وصلوا.هـ. وحينئٍذ تذهب عنه المتاعب والأنكاد، وتصير الأزمنة كلها عنده مواسم وأعياد، ويقال له حينئٍذ: شعر : لك الدهرُ طوعٌ والأنامُ عبِيدُ فعِش كلٌّ يومٍ مِن أَيَّامك عِيدُ تفسير : ويقال له أيضًا: شعر : بَدَا لكَ سِرٌّ طَالَ عنكَ اكتِتَامُهُ ولآحَ صَباحٌ كُنتَ أنتَ ظَلاَله فأنتَ حِجابُ القلبِ عن سِرًّ غيبِه ولَولاكَ لم يُطبع علَيهِ خِتَامُهُ إذا غبتَ عَنه حَلَّ فِيهِ وطَنَّبت على موكبِ الكَشفِ المَصُون خِيامُهُ وجاءَ حديثٌ لا يُملُ سَماعُهُ شَهيٌّ إلينا نَثرُهُ ونِطَامُهُ إذا سَمِعتهُ النفسُ طابَ نعيمُهَا وزالَ عَنِ القلبِ المُعَنَّى غَرَامُهُ

الطوسي

تفسير : المعنى واللغة: هذا خطاب للمؤمنين الذين صدقوا بالله، وبرسوله. ومعناه أيقنوا بالله، ورسوله. أمرهم الله أن يأخذوا حذرهم. وقيل في معناه: قولان: أحدهما - قال أبو جعفر (ع) وغيره: خذوا سلاحكم، فسمي السلاح حذراً لأن به يقى الحذر. الثاني - احذروا عدوكم باخذ السلاح، كما يقال للانسان خذ حذرك. بمعنى احذر. والحذر والحذر لغتان. مثل الاذن والاذن. والمثل المثل. ثم أمرهم بان ينفروا. والنفور: الفزع نفر ينفر نفوراً: إذا فزع. ونفر إليه: إذا فزع من أمر إليه. والمعنى انفروا إلى قتال عدوكم. ومنه النفر: جماعة تفزع إلى مثلها. والنفير إلى قتال العدو. ونفر الحاج يوم الثاني والثالث من التشريق، لأنهم يفزعون إلى الاجتماع للرجوع إلى الاوطان. والمنافرة: المحاكمة للفزع إليها فيما يختلف فيه وقيل: إنما كانت، لأنهم يسألون الحاكم أينا أعز نفراً. ونفره تنفيراً. ونافره منافرة. وتنافروا تنافراً. واستنفره استنفاراً. وقوله: {ثبات} قال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، والسدي: إن معناه انفروا فرقة بعد فرقة، أو فرقة في جهة وفرقة في جهة. أو انفروا جميعاً من غير تفرق بالاوقات، والجهات. والثبات جمع ثبة وهي جماعات في تفرقة أي يأتون متفرقين. وقال أبو جعفر: الثبات: السرايا والجميع العسكر. قال أبو ذؤيب: شعر : فلما اجتلاها بالايام تحيرت ثبات عليها ذلها واكتئابها تفسير : يصف العاسل، وتدخينه على النحل. والايام - بكسر الهمزة على وزن لجام - الدخان ويجمع ثبة على ثبتين، أيضاً. قال زهير: شعر : وقد اغدوا على ثبة كرام نشاوى واجدين لما نشاء تفسير : وانما جاز أن يجع ثبة ثبون - وان كان هذا الجمع يختص ما يعقل - للعوض من النقص الذي لحقه، لأن أصله ثبوة. ومثله عضين وسنين وعرين. فان صغرت قلت ثبيات وسنيات، لأن النقص قد زال. وقيل: ان الثبة عصبة منفردة من (عصب). وتقول ثبيت على الرجل اثبي تثبية: إذا اثنيت عليه. وذكرت محاسنه في حال حياته. وتصغير ثبة ثبية. فأما ثبة الحوض، فهي وسطه. الذي يثوب إليه الماء. وهي من ثاب يثوب، لأن تصغيرها ثويبة. [وقوله: {أو انفروا جميعاً} وقد مضى معناه].

الجنابذي

تفسير : {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ} بعد ما ذكر المنافقين وحالهم ومآلهم والموافقين وحالهم ومآلهم، نادى المؤمنين شفقة بهم وحذّرهم عن صدّ المنافقين ايّاهم فأمرهم باخذ الحذر وهو التّيقّظ والتّهيّوء للعدّو وقد يستعمل فى السّلاح وهو ما به التّيقّظ والاستعداد، فان كان المراد بالمؤمنين الّذين بايعوا البيعة العامّة الّتى هى الاسلام فالمراد بالحذر الظّاهر الاسلحة للجهاد الصّورىّ وبالحذر الباطن التّمسّك بقول محمّد (ص) فى علىّ (ع) والتّذكّر له مداماً كما قال (ص) فى خطبته قبل القاء ولاية علىّ (ع) عليهم توصيةً لهم: رحم الله امرءً سمع فوعى فوصّاهم بالحفظ وان كان المراد بهم الّذين بايعوا عليّاً (ع) وتابوا على يده ودخل بنفخته الايمان فى قلوبهم وهو الايمان حقيقة فالمراد بالحذر الصّورىّ الاسلحة ايضاً والمراد بالحذر الباطنىّ الصّلوة الّتى علّمها ايّاهم فانّها تنهى عن الفحشاء والمنكر. وانّها السّلاح الّذى تردع الشّياطين الجنّيّة والانسيّة عن باب الله الّذى هو الولاية {فَٱنفِرُواْ} الى الجهاد الصّورىّ الجلىّ مع الكفرة او الصّورىّ الخفىّ مع المنافقين المبطّئين، او الى الجهاد الباطنىّ مع اعدائكم الباطنيّة المبطئين لكم عن سلوككم ورجوعكم الى باب القلب والحضور عند علىّ (ع) فى بيت القلب {ثُبَاتٍ} جمع الثّبة بضمّ الثّاء بمعنى الجماعة والمعنى انفروا متدّرجين كما هو شأن الحازمين فى الغزو الظّاهرىّ وشأن السّالكين فى الغزو الباطنىّ {أَوِ ٱنْفِرُواْ جَمِيعاً} مجتمعين كما هو شأن المتجلّدين المتجرّئين فى الغزو الصّورىّ وشأن المجذوبين فى النّفور الباطنىّ ولمّا كان المناسب بيان حالهم من السّلوك والتّرغيب فيه والتّبطئة منه قال تعالى فى ذلك: {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ}.

اطفيش

تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذرَكُمْ}: أى استعملوا حذركم، ولا تهملوا الحذر، شبه من استعمل الحذر بمن أخذ شيئا بيده، فأمر بأخذ الحذر تشبيها بأخذ السيف أو نحوه، يتقى به عن نفسه العدو، أو شبه الحر بالسيف مثلا لحصول السلامة بكل، وقيل: الحذر بمعنى السلاح، وذلك مجاز وجهة أن السلاح آلة للحذر. {فَانفِرُوا ثُبَاتٍ}: اخرجوا الى جهاد العدو حال كونكم جماعات، كل جماعة بعد الأخرى، فان ذلك يرهب العدو اذا كان يسمع بالمدد، أو يراه شيئا فشيئا، ولا سيما اذا حصل الالتقاء مع جماعة، ثم تزايدت الجماعات جماعة بجماعة، وأخرجوا جماعات متفرقات مقدرة أن تغير على العدو، من ها هنا ومن ها هنا. والثبات الجماعات، والنصب على الحال، والثبتة الجماعة وهى السرية قيل: فوق العشرة، وأصله ثبتى فالتاء عوض عن بدل لام الفعل المحذوفة لالتقاء الساكنين، وهما الألف المبدل عن لام الفعل والتنوين، كذا تقول: ثبت الرجل أى مدحته وجمعت محاسنه المتفرقة، قال الفارسى، ويأتى ان شاء الله الكلام عليه فى سورة التوبة. {أَوِ انفِرُوا جَمِيعاً}: كلكم بمرة مع نبيكم صلى الله عليه وسلم، هكذا قال ابن عباس رضى الله عنه، ومقابلة انفروا ثبات يرسل الرسول ثبة بعد ثبة، أو انفروا بنية واحدة خالصة، لا يخذل بعضكم بعضا بالقعود عن الخروج، أو بالتقصير فيه، والآية فى القتال ويلتحق به التعاون على الطاعة مطلقا.

اطفيش

تفسير : {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ} استعملوا الحذر الذى فى طاقتكم من العدو بضبط أنفسكم وإعداد السلاح، أو شبه الحذر بالسلاح وآلة الوقاية، على طريق الكناية ورمز إليه بالأخذ، أو الحذر بكسر وإسكان هو نفس ما يحذر به، كسلاح ودرع وترس، ويضعفه الجمع بينهما فى قوله: {وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم}، وذلك فى أن لا يفاجئكم العدو على غفلة، وفى أن تقعوا عليهم وأنتم عارفون بأحوالهم {فَانفِروا} انهضوا، وأصله الفزع {ثُبَات} جماعات متفرقين،جماعة بعد جماعة، من العشرة أو من الاثنيين قولان، قد يستعمل فى غير الرجال كقوله: شعر : فَأَمَّا يَوْمَ خَشْْيَتَنَا عَلَيْهِمْ فَتُصْبِحُ خَيْلُنَا عُصُباً ثُباتاً تفسير : والسرية من خمسة إلى أربعمائة، أو من مائة إلى ثلثمائة أو أربعمائة، أو من مائة إلى خمسمائة، والجيش العظيم خميس، وما افترق من السرية بعث، وقد تطلق السرية على مطلق الجماعة، وخصها بعضهم بالليل، والمنسر بكسر الميم وفتح السين أو بفتحها وكسر السين من أربعمائة إلى ثمانمائة، والجيش من ثمانمائة إلى أربعة آلاف، والجحفل ما زاد على ذلك، والمفرد ثبة، واوى اللام، محذوفة معوض عنها التاء، من ثبا يثبو، أى اجتمع، أو يائى معوض عنها التاء كذلك من ثنيت على الرجل أثنيت عليه كأنك جمعت محاسنه {أَوِ انفِرُوا جَمِيعاً} مجتمعين، والآية دليل على أن القتال فرض كفاية، وذلك إن كان زيادة فى الإسلام، وأباحت الآية قتال كل جماعة على حدة، وجماعة قبل الأخرى، والقتال بمرة، وإِن وقع العدو على بلد إسلام وجب على كل من أمكنه من أهل الإسلام، إن علم، أن يقاتلهم، ولو كانوا مخالفين، لأنهم يقاتلونهم على الإسلام، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا استنفرتم فانفروا"تفسير : ، وفى الآية المبادرة إلى الجهاد أولا، وبالذات، وإلى سائر الخيرات ثانياً، وبالعوض كيفما أمكنت قبل الفوت.

الالوسي

تفسير : {يَٰـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ} أي عدتكم من السلاح ـ قاله مقاتل ـ وهو المروي عن أبـي جعفر رضي الله تعالى عنه، وقيل: الحذر مصدر كالحذر، وهو الاحتراز عما يخاف فهناك الكناية والتخييل بتشبيه الحذر بالسلاح وآلة الوقاية، وليس الأخذ مجازاً ليلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز في قوله سبحانه: {أية : وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} تفسير : [النساء: 102] إذ التجوز في الإيقاع، وقد صرح المحققون بجواز الجمع فيه، والمعنى استعدوا لأعدائكم أو تيقظوا واحترزوا منهم ولا تمكنوهم من أنفسكم {فَٱنفِرُواْ} بكسر الفاء، وقرىء بضمها أي: أخرجوا إلى قتال عدوكم والجهاد معه عند خروجكم، وأصل معنى النفر الفزع كالنفرة، ثم استعمل فيما ذكر {ثُبَاتٍ} جمع ـ ثبة ـ وهي الجماعة من الرجال فوق العشرة، وقيل: فوق الاثنين، وقد تطلق على غير الرجال ومنه قول عمرو بن كلثوم:شعر : فأما يوم خشيتنا عليهم فتصبح خيلنا عصباً (ثباتاً) تفسير : ووزنها في الأصل فعلة ـ كحطمة ـ حذفت لامها وعوض عنها هاء التأنيث وهل هي واو من ـ ثبا يثبو، كعدى يعدو ـ أي اجتمع، أو ياء من ـ ثبيت ـ على فلان بمعنى أثنيت عليه بذكر محاسنه وجمعها؟ قولان، وثبة الحوض وسطه واوية، وهي من ثاب يثوب إذا رجع، وقد جمع جمع المؤنث، وأعرب إعرابه على اللغة الفصيحة، وفي لغة ينصب بالفتح، وقد جمع أيضاً جمع المذكر السالم فيقال: ثبون، وقد اطرد ذلك فيما حذف آخره وإن لم يستوف الشروط جبراً له، وفي ثائه حينئذٍ لغتان: الضم والكسر، والجمع هنا في موضع الحال أي انفروا جماعات متفرقة جماعة بعد جماعة {أَوِ ٱنْفِرُواْ جَمِيعاً} أي مجتمعين جماعة واحدة، ويسمى الجيش إذا اجتمع ولم ينتشر كتيبة، وللقطعة المنتخبة المقتطعة منه سرية، وعن بعضهم أنها التي تخرج ليلاً وتعود إليه وهي من مائة إلى خمسمائة، أو من خمسة أنفس إلى ثلثمائة وأربعمائة، وما زاد على السرية ـ منسر ـ كمجلس ومنبر إلى الثمانمائة فإن زاد يقال له: جيش إلى أربعة آلاف، فإن زاد يسمى ـ جحفلاً ـ ويسمى الجيش العظيم ـ خميساً ـ وما افترق من السرية ـ بعثاً ـ وقد تطلق السرية على مطلق الجماعة، والآية وإن نزلت في الحرب لكن فيها إشارة إلى الحث / على المبادرة إلى الخيرات كلها كيفما أمكن قبل الفوات.

سيد قطب

تفسير : نرجح أن تكون مجموعة هذه الآيات الواردة في هذا الدرس، نزلت في وقت مبكر.. ربما كان ذلك بعد غزوة أحد، وقبل الخندق. فصورة الصف المسلم التي تبدو من خلال هذه الآيات توحي بهذا. توحي بوجود جماعات منوعة في داخل الصف، لم تنضج بعد؛ أو لم تؤمن إنما هي تنافق! وتوحي بأن الصف كان في حاجة إلى جهود ضخمة من التربية والتوجيه، ومن الاستنهاض والتشجيع، لينهض بالمهمة الضخمة الملقاة على عاتق الجماعة المسلمة؛ والارتفاع إلى مستوى هذه المهمة. سواء في التصورات الاعتقادية؛ أو في خوض المعركة مع المعسكرات المعادية. وهذا الذي نقرره لا يطعن في الحقيقة الأخرى. حقيقة أنه كان في هذا الصف من النماذج المسلمة من استوى على القمة السامقة؛ وصعد المرتقى إلى هذه القمة.. ووصل.. ولكننا إنما نتحدث عن "الصف المسلم" ككل. وكبناء مختلط ولكنه غير متجانس؛ وهو في هذه الحالة يحتاج إلى الجهد الجاهد لتسويته وتنسيقه؛ مما هو ظاهر في هذه التوجيهات القرآنية الكثيرة. والتدقيق في الملامح التي تبدو من خلال هذه التوجيهات، يجعلنا نعيش مع الجماعة المسلمة، في صورتها البشرية التي كثيراً ما ننساها! ونرى فيها مواضع الضعف ومواضع القوة. ونرى كيف كان القرآن يخوض المعركة مع الضعف البشري ومع رواسب الجاهلية ومع المعسكرات المعادية في وقت واحد. ونرى منهج القرآن في التربية - وهو يعمل في النفوس الحية في عالم الواقع - ونرى طرفاً من الجهد الموصول الذي بذله هذا المنهج، حتى انتهى بهذه المجموعة - المختلفة الدرجات، المختلفة السمات، الملتقطة ابتداء من سفح الجاهلية - إلى ذلك التناسق والتكامل والارتفاع، الذي نشهده في أواخر أيام الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقدر ما تسمح به الفطرة البشرية كذلك! وهذا يفيدنا.. يفيدنا كثيراً.. يفيدنا في إدراك طبيعة النفس البشرية، وما تحمله من استعدادات الضعف واستعدادات القوة. متمثلة في خير الجماعات.. الجماعة التي رباها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمنهج القرآني.. ويفيدنا في إدراك طبيعة المنهج القرآني في التربية؛ وكيف كان يأخذ هذه النفوس؛ وكيف كان يتلطف لها؛ وكيف كان ينسق الصف، الذي يحتوي على نماذج شتى. من مستويات شتى حيث نراه وهو يعمل في عالم الواقع.. على الطبيعة..! ويفيدنا في أن نقيس حالنا وحال المجموعات البشرية؛ على واقع النفس البشرية، ممثلة في تلك الجماعة المختارة.. كي لا نيأس من أنفسنا حين نطلع على مواضع الضعف، فنترك العلاج والمحاولة! وكي لا تبقى الجماعة الأولى - على كل فضلها - مجرد حلم طائر في خيالنا، لا مطمع لنا في محاولة السير على خطاها. من السفح الهابط، في المرتقى الصاعد، إلى القمة السامقة! وكل هذه ذخيرة، حين نخرج بها - من الحياة في ظلال القرآن - نكون قد جنينا خيراً كثيراً إن شاء الله.. إن من خلال هذه المجموعة من آيات هذا الدرس يبدو لنا أنه كان في الصف المسلم يومذاك: "أ" من يبطىء نفسه عن الجهاد في سبيل الله، ومن يبطىء غيره. ثم يحسبها غنيمة إذا لم يخرج فسلم، على حين أصابت المسلمين مصيبة! كما يعدها خسارة إذا لم يخرج فغنم المسلمون، لأنه لم يكن له سهم في الغنيمة! وبذلك يشتري الدنيا بالآخرة! "ب" وكان فيه من المهاجرين أنفسهم - وممن كانت تأخذهم الحماسة للقتال ودفع العدوان وهم في مكة، مكفوفون عن القتال - من يأخذهم الجزع حينما كتب عليهم القتال في المدينة؛ ويتمنى لو أن الله أمهلهم إلى أجل، ولم يكتب عليهم القتال الآن! "ج" ومن كان يرجع الحسنة - حين تصيبه - إلى الله؛ ويرجع السيئة - حين تصيبه - إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لا لشدة إيمانه بالله طبعاً ; ولكن لتجريح القيادة والتطير بها! "د" ومن كان يقول: طاعة، في حضرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فإذا خرج بيت هو ومن لف لفه غير الذي يقول! "هـ" ومن كان يتناول الشائعات، فيذيع بها في الصف؛ محدثاً بها ما يحدثه من البلبة، قبل أن يتثبت منها، من القيادة التي يتبعها! "و" ومن كان يشك في أن مصدر هذه الأوامر والتوجيهات كلها هو الله سبحانه. ويظن أن بعضها من عند النبي - صلى الله عليه وسلم - لا مما أوحي له به! "ز" ومن كان يدافع عن بعض المنافقين - كما سيأتي في مطلع الدرس التالي - حتى لتنقسم الجماعة المسلمة في أمرهم فئتين.. مما يوحي بعدم التناسق في التصور الإيماني وفي التنظيم القيادي (من ناحية عدم فهم المجموع لوظيفة القيادة وعلاقتهم بها في مثل هذه الشؤون).. وقد يكون هؤلاء جميعاً مجموعة واحدة من المنافقين؛ أو مجموعتين: المنافقين. وضعاف الإيمان، الذين لم تنضج شخصيتهم الإيمانية - ولو كان بعضهم من المهاجرين.. ولكن وجود تلك المجموعة أو هاتين المجموعتين في الصف المسلم - وهو يواجه العداوات المحيطة به في المدينة من اليهود، وفي مكة من المشركين، وفي الجزيرة العربية كلها من المتربصين.. من شأنه أن يحدث خلخلة في الصف؛ تحتاج إلى تربية طويلة، وإلى جهاد طويل! ونحن نرى في هذا الدرس نماذج من هذا الجهاد، ومن هذه التربية. وعلاجاً لكل خبيئة في النفس أو في الصف. في دقة، وفي عمق، وفي صبر كذلك، يتمثل في صبر النبي - صلى الله عليه وسلم - قائد هذا الصف، الذي يتولى تربيته بالمنهج القرآني: "أ" نرى الأمر بالحذر، فلا يخرج المجاهدون المؤمنون فرادى، للسرايا أو المهام الجهادية. بل يخرجون "ثُباتٍ" أي سرايا أو فصائل.. أو يخرجون جميعاً في جيش متكامل. لأن الأرض حولهم ملغمة! والعداوات حولهم شتى، والكمين قد يكون كامناً بينهم من المنافقين، أو ممن يؤويهم المنافقون واليهود من عيون الأعداء المتربصين! "ب" ونرى تصويراً منفراً للمبطئين يبدو فيه سقوط الهمة؛ وحب المنفعة القريبة؛ والتلون من حال إلى حال، حسب اختلاف الأحوال! وكذلك نرى التعجيب من حال أولئك الذين كانوا شديدي التحمس في مكة للقتال، فلما كتب عليهم في المدينة عراهم الجزع. "جـ" ونرى وعد الله لمن يقاتلون في سبيل الله، بالأجر العظيم، وإحدى الحسنيين: {ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجراً عظيماً}.. "د" ونرى تصوير القرآن لشرف القصد، وارتفاع الهدف، ونبل الغاية، في القتال الذي يدفعهم إليه.. {في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان، الذين يقولون: ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها، واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً}.. "هـ" كما نرى تصوير القرآن لأحقية الغاية التي يجاهد لها الذين آمنوا وقوة السند؛ إلى جانب بطلان غاية الذين كفروا وضعف سندهم فيها: {الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله، والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت. فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفاً}.. "و" ونرى معالجة المنهج القرآني للتصورات الفاسدة، التي تنشأ عنها المشاعر الفاسدة والسلوك الضعيف. وذلك بتصحيح هذه التصورات الاعتقادية.. مرة في بيان حقيقة الدنيا وحقيقة الآخرة: {قل: متاع الدنيا قليل، والآخرة خير لمن اتقى، ولا تظلمون فتيلاً}.. ومرة في تقرير حتمية الموت ونفاذ المقدر فيه؛ مهما يتخذ المرء من الاحتياط، ومهما ينكل عن الجهاد: {أينما تكونوا يدرككم الموت، ولو كنتم في بروج مشيدة}.. ومرة في تقرير حقيقة قدر الله وعمل الإنسان: {وإن تصبهم حسنة يقولوا: هذه من عند الله. وإن تصبهم سيئة يقولوا: هذه من عندك. قل: كل من عند الله. فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً؟ ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك}.. "ز" ونرى القرآن يؤكد حقيقة الصلة بين الله - سبحانه - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وأن طاعته من طاعته. ويقرر أن هذا القرآن كله من عنده؛ ويدعوهم إلى تدبر الوحدة الكاملة فيه، الدالة على وحدة مصدره: {من يطع الرسول فقد أطاع الله}.. {أفلا يتدبرون القرآن؟ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً}. "ح" ثم نراه - بعد أن يصف حال المرجفين بالأنباء - يوجههم إلى الطريق الأسلم، المتفق مع قاعدة التنظيم القيادي للجماعة: {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، لعلمه الذين يستنبطونه منهم}. "ط" ويحذرهم من عاقبة هذا الطريق، وهو يذكرهم فضل الله عليهم في هدايتهم: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً}.. ونستطيع أن ندرك مدى الخلخلة التي كانت تنشئها هذه الظواهر في الجماعة المسلمة؛ والتي كانت تحتاج إلى مثل هذا الجهد الموصول، المنوع الأساليب.. حين نسمع الله - سبحانه - يأمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - بأن يجاهد - ولو كان وحيداً - وأن يحرض المؤمنين على القتال. فيكون مسئولاً عن نفسه فحسب: والله يتولى المعركة: {فقاتل في سبيل الله - لا تكلف إلا نفسك - وحرض المؤمنين، عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأساً وأشد تنكيلاً}.. وفي هذا الأسلوب ما فيه من استجاشة القلوب، واستثارة الهمم؛ بقدر ما فيه من استجاشة الأمل في النصر، والثقة ببأس الله وقوته.. لقد كان القرآن يخوض المعركة بالجماعة المسلمة في ميادين كثيرة. وكان أولها ميدان النفس ضد الهواجس والوساوس وسوء التصور ورواسب الجاهلية، والضعف البشري - حتى ولو لم يكن صادراً عن نفاق أو انحراف - وكان يسوسها بمنهجه الرباني لتصل إلى مرتبة القوة، ثم إلى مرتبة التناسق في الصف المسلم. وهذه غاية أبعد وأطول أمداً. فالجماعة حين يوجد فيها الأقوياء كل القوة، لا يغنيها هذا، إذا وجدت اللبنات المخلخلة في الصف بكثرة.. ولا بد من التناسق مع اختلاف المستويات.. وهي تواجه المعارك الكبيرة. والآن نأخذ في مواجهة النصوص مواجهة تفصيلية: {يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم. فانفروا ثبات، أو انفروا جميعاً. وإن منكم لمن ليبطئن. فإن أصابتكم مصيبة قال: قد أنعم الله عليّ، إذ لم أكن معهم شهيداً. ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن - كأن لم تكن بينكم وبينه مودة - يا ليتني كنت معهم، فأفوز فوزاً عظيماً}.. إنها الوصية للذين آمنوا: الوصية من القيادة العليا، التي ترسم لهم المنهج، وتبين لهم الطريق. وإن الإنسان ليعجب، وهو يراجع القرآن الكريم؛ فيجد هذا الكتاب يرسم للمسلمين - بصفة عامة طبعاً - الخطة العامة للمعركة وهي ما يعرف باسم "استراتيجية المعركة". ففي الآية الأخرى يقول للذين أمنوا: {أية : يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة}تفسير : . فيرسم الخطة العامة للحركة الإسلامية. وفي هذه الآية يقول للذين آمنوا: {خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعاً} وهي تبين ناحية من الخطة التنفيذية أو ما يسمى "التاكتيك". وفي سورة الأنفال جوانب كذلك في الآيات: {أية : فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون}تفسير : ... الآيات. وهكذا نجد هذا الكتاب لا يعلم المسلمين العبادات والشعائر فحسب؛ ولا يعلمهم الآداب والأخلاق فحسب - كما يتصور الناس الدين ذلك التصور المسكين! إنما هو يأخذ حياتهم كلها جملة. ويعرض لكل ما تتعرض له حياة الناس من ملابسات واقعية.. ومن ثم يطلب - بحق - الوصاية التامة على الحياة البشرية؛ ولا يقبل من الفرد المسلم ولا من المجتمع المسلم، أقل من أن تكون حياته بجملتها من صنع هذا المنهج، وتحت تصرفه وتوجيهه. وعلى وجه التحديد لا يقبل من الفرد المسلم، ولا من المجتمع المسلم أن يجعل لحياته مناهج متعددة المصادر: منهجاً للحياة الشخصية، وللشعائر والعبادات، والأخلاق والآداب، مستمداً من كتاب الله. ومنهجاً للمعاملات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدولية، مستمداً من كتاب أحد آخر؛ أو من تفكير بشري على الإطلاق! إن مهمة التفكير البشري أن تستنبط من كتاب الله ومنهجه أحكاماً تفصيلية تطبيقية لأحداث الحياة المتجددة، وأقضيتها المتطورة - بالطريقة التي رسمها الله في الدرس السابق من هذه السورة - ولا شيء وراء ذلك. وإلا فلا إيمان أصلاً ولا إسلام. لا إيمان ابتداء ولا إسلام، لأن الذين يفعلون ذلك لم يدخلوا بعد في الإيمان، ولم يعترفوا بعد بأركان الإسلام. وفي أولها: شهادة أن لا إله إلا الله، التي ينشأ منها أن لا حاكم إلا الله، وأن لا مشرع إلا الله. وها هو ذا كتاب الله يرسم للمسلمين جانباً من الخطة التنفيذية للمعركة؛ المناسبة لموقفهم حينذاك. ولوجودهم بين العداوات الكثيرة في الخارج. والمنافقين وحلفائهم اليهود في الداخل. وهو يحذرهم ابتداء: {يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم}.. خذو حذركم من عدوكم جميعاً. وبخاصة المندسين في الصفوف من المبطئين، الذين سيرد ذكرهم في الآية: {فانفروا ثباتٍ أو انفروا جميعاً}.. ثُباتٍ. جميع ثُبة: أي مجموعة.. والمقصود لا تخرجوا للجهاد فرادى. ولكن اخرجوا مجموعات صغيرة، أو الجيش كله.. حسب طبيعة المعركة.. ذلك أن الآحاد قد يتصيدهم الأعداء، المبثوثون في كل مكان. وبخاصة إذا كان هؤلاء الأعداء منبثين في قلب المعسكر الإسلامي.. وهم كانوا كذلك؛ ممثلين في المنافقين، وفي اليهود، في قلب المدينة. {وإن منكم لمن ليبطئن. فإن أصابتكم مصيبة قال: قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم شهيداً. ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن - كأن لم تكن بينكم وبينه مودة - يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً}.. انفروا جماعات نظامية. أو انفروا جميعاً. ولا ينفر بعضكم ويتثاقل بعضكم - كما هو واقع - وخذوا حذركم. لا من العدو الخارجي وحده؛ ولكن كذلك من المعوقين المبطئين المخذلين؛ سواء كانوا يبطئون أنفسهم - أي يقعدون متثاقلين - أو يبطئون غيرهم معهم؛ وهو الذي يقع عادة من المخذّلين المثبطين! ولفظة "ليبطئن" مختارة هنا بكل ما فيها من ثقل وتعثر؛ وإن اللسان ليتعثر في حروفها وجرسها، حتى يأتي على آخرها، وهو يشدها شداً؛ وإنها لتصور الحركة النفسية المصاحبة لها تصويراً كاملاً بهذا التعثر والتثاقل في جرسها. وذلك من بدائع التصوير الفني في القرآن، الذي يرسم حالة كاملة بلفظة واحدة. وكذلك يشي تركيب الجملة كلها: {وإن منكم لمن ليبطئن}، بأن هؤلاء المبطئين - وهم معدودون من المسلمين - {منكم} يزاولون عملية التبطئة كاملة، ويصرون عليها إصراراً، ويجتهدون فيها اجتهاداً.. وذلك بأسلوب التوكيد بشتى المؤكدات في الجملة! مما يوحي بشدة إصرار هذه المجموعة على التبطئة، وشدة أثرها في الصف المسلم؛ وشدة ما يلقاه منها! ومن ثم يسلط السياق الأضواء الكاشفة عليهم، وعلى دخيلة نفوسهم؛ ويرسم حقيقتهم المنفرة، على طريقة القرآن التصويرية العجيبة: فها هم أولاء، بكل بواعثهم، وبكل طبيعتهم وبكل أعمالهم وأقوالهم.. ها هم أولاء مكشوفين للأعين، كما لو كانوا قد وضعوا تحت مجهر، يكشف النوايا والسرائر؛ ويكشف البواعث والدوافع. ها هم أولاء - كما كانوا على عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وكما يكونون في كل زمان وكل مكان. ها هم أولاء. ضعافاً منافقين ملتوين؛ صغار الاهتمامات أيضاً: لا يعرفون غاية أعلى من صالحهم الشخصي المباشر، ولا أفقاً أعلى من ذواتهم المحدودة الصغيرة. فهم يديرون الدنيا كلها على محور واحد. وهم هم هذا المحور الذي لا ينسونه لحظة! إنهم يبطئون ويتلكأون، ولا يصارحون، ليمسكوا العصا من وسطها كما يقال! وتصورهم للربح والخسارة هو التصور الذي يليق بالمنافقين الضعاف الصغار: يتخلفون عن المعركة.. فإن أصابت المجاهدين محنة، وابتلوا الابتلاء الذي يصيب المجاهدين - في بعض الأحايين - فرح المتخلفون؛ وحسبوا أن فرارهم من الجهاد، ونجاتهم من الابتلاء نعمة: {فإن أصابتكم مصيبة قال: قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم شهيداً}.. إنهم لا يخجلون - وهم يعدون هذه النجاة مع التخلف نعمة - أن ينسبوها لله. الله الذي خالفوا عن أمره فقعدوا! والنجاة في هذه الملابسة لا تكون من نعمة الله أبداً. فنعمة الله لا تنال بالمخالفة. ولو كان ظاهرها نجاة! إنها نعمة! ولكن عند الذين لا يتعاملون مع الله. عند من لا يدركون لماذا خلقهم الله. ولا يعبدون الله بالطاعة والجهاد لتحقيق منهجه في الحياة. نعمة عند من لا يتطلعون إلى آفاق أعلى من مواطىء الأقدام في هذه الأرض.. كالنمال.. نعمة عند من لا يحسون أن البلاء - في سبيل الله وفي الجهاد لتحقيق منهج الله وإعلاء كلمة الله - هو فضل واختيار من الله، يختص به من يشاء من عباده؛ ليرفعهم في الحياة الدنيا على ضعفهم البشري، ويطلقهم من إسار الأرض يستشرفون حياة رفيعة، يملكونها ولا تملكهم. وليؤهلهم بهذا الانطلاق وذلك الارتفاع للقرب منه في الآخرة.. في منازل الشهداء.. إن الناس كلهم يموتون! ولكن الشهداء في - سبيل الله - هم وحدهم الذين "يستشهدون".. وهذا فضل من الله عظيم. فأما إذا كانت الأخرى.. فانتصر المجاهدون؛ الذين خرجوا مستعدين لقبول كل ما يأتيهم به الله.. ونالهم فضل من الله بالنصر والغنيمة.. ندم المتخلفون أن لم يكونوا شركاء في معركة رابحة! رابحة بحسب مفهومهم القريب الصغير للربح والخسارة! {ولئن أصابكم فضل من الله، ليقولن - كأن لم تكن بينكم وبينه مودة - يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً}. إنها أمنية الفوز الصغير بالغنيمة والإياب، هي التي يقولون عنها: {فوزاً عظيماً} والمؤمن لا يكره الفوز بالإياب والغنيمة؛ بل مطلوب منه أن يرجوه من الله. والمؤمن لا يتمنى وقوع البلاء بل مطلوب منه أن يسأل الله العافية.. ولكن التصور الكلي للمؤمن غير هذا التصور، الذي يرسمه التعبير القرآني لهذه الفئة رسماً مستنكراً منفراً.. إن المؤمن لا يتمنى البلاء بل يسأل الله العافية. ولكنه إذا ندب للجهاد خرج - غير متثاقل - خرج يسأل الله إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة.. وكلاهما فضل من الله؛ وكلاهما فوز عظيم. فيقسم له الله الشهادة، فإذا هو راض بما قسم الله؛ أو فرح بمقام الشهادة عند الله. ويقسم له الله الغنيمة والإياب، فيشكر الله على فضله، ويفرح بنصر الله. لا لمجرد النجاة! وهذا هو الأفق الذي أراد الله أن يرفع المسلمين إليه؛ وهو يرسم لهم هذه الصورة المنفرة لذلك الفريق "منهم" وهو يكشف لهم عن المندسين في الصف من المعوقين، ليأخذوا منهم حذرهم؛ ; كما يأخذون حذرهم من أعدائهم! ومن وراء التحذير والاستنهاض للجماعة المسلمة في ذلك الزمان، يرتسم نموذج إنساني متكرر في بني الإنسان، في كل زمان ومكان، في هذه الكلمات المعدودة من كلمات القرآن! ثم تبقى هذه الحقيقة تتملاها الجماعة المسلمة أبداً. وهي أن الصف قد يوجد فيه أمثال هؤلاء. فلا ييئس من نفسه. ولكن يأخذ حذره ويمضي. ويحاول بالتربية والتوجيه والجهد، أن يكمل النقص، ويعالج الضعف، وينسق الخطى والمشاعر والحركات! ثم يمضي السياق يحاول أن يرفع ويطلق هؤلاء المبطئين المثقلين بالطين! وأن يوقظ في حسهم التطلع إلى ما هو خير وأبقى.. الآخرة.. وأن يدفعهم إلى بيع الدنيا وشراء الآخرة. ويعدهم على ذلك فضل الله في الحالتين، وإحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة: {فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة. ومن يقاتل في سبيل الله، فيقتل أو يَغلب، فسوف نؤتيه أجراً عظيماً}.. فليقاتل - في سبيل الله - فالإسلام لا يعرف قتالاً إلا في هذا السبيل. لا يعرف القتال للغنيمة ولا يعرف القتال للسيطرة. ولا يعرف القتال للمجد الشخصي أو القومي! إنه لا يقاتل للاستيلاء على الأرض؛ ولا للاستيلاء على السكان.. لا يقاتل ليجد الخامات للصناعات، والأسواق للمنتجات؛ أو لرؤوس الأموال يستثمرها في المستعمرات وشبه المستعمرات! إنه لا يقاتل لمجد شخص. ولا لمجد بيت. ولا لمجد طبقة. ولا لمجد دولة، ولا لمجد أمة، ولا لمجد جنس. إنما يقاتل في سبيل الله. لإعلاء كلمة الله في الأرض. ولتمكين منهجه من تصريف الحياة. ولتمتيع البشرية بخيرات هذا المنهج، وعدله المطلق "بين الناس" مع ترك كل فرد حراً في اختيار العقيدة التي يقتنع بها.. في ظل هذا المنهج الرباني الإنساني العالمي العام.. وحين يخرج المسلم ليقاتل في سبيل الله، بقصد إعلاء كلمة الله، وتمكين منهجه في الحياة. ثم يقتل.. يكون شهيداً. وينال مقام الشهداء عند الله.. وحين يخرج لأي هدف آخر - غير هذا الهدف - لا يسمى "شهيداً" ولا ينتظر أجره عند الله، بل عند صاحب الهدف الأخر الذي خرج له.. والذين يصفونه حينئذ بأنه "شهيد" يفترون على الله الكذب؛ ويزكون أنفسهم أو غيرهم بغير ما يزكي به الله الناس. افتراء على الله! فليقاتل في سبيل الله - بهذا التحديد.. من يريدون أن يبيعوا الدنيا ليشتروا بها الآخرة. ولهم - حينئذ - فضل من الله عظيم؛ في كلتا الحالتين: سواء من يُقتل في سبيل الله؛ ومن يَغلب في سبيل الله أيضاً: {ومن يقاتل في - سبيل الله - فيقتل أو يغلب، فسوف نؤتيه أجراً عظيماً}.. بهذه اللمسة يتجه المنهج القرآني إلى رفع هذه النفوس؛ وإلى تعليقها بالرجاء في فضل الله العظيم؛ في كلتا الحالتين. وأن يهوّن عليها ما تخشاه من القتل، وما ترجوه من الغنيمة كذلك! فالحياة أو الغنيمة لا تساوي شيئاً إلى جانب الفضل العظيم من الله. كما يتجه إلى تنفيرها من الصفقة الخاسرة إذا هي اشترت الدنيا بالآخرة ولم تشتر الآخرة بالدنيا (ولفظ يشري من ألفاظ الضد فهي غالباً بمعنى يبيع) فهي خاسرة سواء غنموا أو لم يغنموا في معارك الأرض. وأين الدنيا من الآخرة؟ وأين غنيمة المال من فضل الله؟ وهو يحتوي المال - فيما يحتويه - ويحتوي سواه؟! ثم يلتفت السياق إلى المسلمين. يلتفت من أسلوب الحكاية والتصوير عن أولئك المبطئين؛ إلى أسلوب الخطاب للجماعة المسلمة كلها. يلتفت إليها لاستجاشة مروءة النفوس، وحساسية القلوب؛ تجاه المستضعفين من الرجال والنساء والولدان؛ الذين كانوا يقاسون في مكة ما يقاسون على أيدي المشركين غير قادرين على الهجرة إلى دار الإسلام والفرار بدينهم وعقيدتهم؛ وهم يتطلعون إلى الخلاص، ويدعون الله أن يجعل لهم مخرجاً من دار الظلم والعدوان.. يلتفت هذه الالتفاتة ليوحي إليهم بسمو المقصد، وشرف الغاية، ونبل الهدف، في هذا القتال، الذي يدعوهم أن ينفروا إليه، غير متثاقلين ولا مبطئين. وذلك في أسلوب تحضيضي؛ يستنكر البطء والقعود: {وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله، والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان. الذين يقولون: ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها، واجعل لنا من لدنك ولياً، واجعل لنا من لدنك نصيراً؟}.. وكيف تقعدون عن القتال في سبيل الله؛ واستنقاذ هؤلاء المستضعفين من الرجال والنساء والولدان؟ هؤلاء الذين ترتسم صورهم في مشهد مثير لحمية المسلم، وكرامة المؤمن، ولعاطفة الرحمة الإنسانية على الإطلاق؟ هؤلاء الذين يعانون أشد المحنة والفتنة؛ لأنهم يعانون المحنة في عقيدتهم، والفتنة في دينهم. والمحنة في العقيدة أشد من المحنة في المال والأرض والنفس والعرض، لأنها محنة في أخص خصائص الوجود الإنساني، الذي تتبعه كرامة النفس والعرض، وحق المال والأرض! ومشهد المرأة الكسيرة والولد الضعيف، مشهد مؤثر مثير. لا يقل عنه مشهد الشيوخ الذين لا يملكون أن يدفعوا - وبخاصة حين يكون الدفع عن الدين والعقيدة - وهذا المشهد كله معروض في مجال الدعوة إلى الجهاد. وهو وحده يكفي. لذلك يستنكر القعود عن الاستجابة لهذه الصرخات.. وهو أسلوب عميق الوقع، بعيد الغور في مسارب الشعور والإحساس. ولا بد من لفتة هنا إلى التصور الإسلامي للبلد والأرض والوطن: إن {هذه القرية الظالم أهلها} التي يعدها الإسلام - في موضعها ذاك - دار حرب، يجب أن يقاتل المسلمون لاستنقاذ المسلمين المستضعفين منها، هي "مكة" وطن المهاجرين، الذين يُدعون هذه الدعوة الحارة إلى قتال المشركين فيها. ويدعو المسلمون المستضعفون هذه الدعوة الحادة للخروج منه! إن كونها بلدهم لم يغير وضعها في نظر الإسلام - حين لم تقم فيها شريعة الله ومنهجه؛ وحين فتن فيها المؤمنون عن دينهم، وعذبوا في عقيدتهم.. بل اعتبرت بالنسبة لهم هم أنفسهم "دار حرب".. دار حرب، هم لا يدافعون عنها، وليس هذا فحسب بل هم يحاربونها لإنقاذ إخوتهم المسلمين منها.. إن راية المسلم التي يحامي عنها هي عقيدته. ووطنه الذي يجاهد من أجله هو البلد الذي تقام شريعة الله فيه؛ وأرضه التي يدفع عنها هي "دار الإسلام" التي تتخذ المنهج الإسلامي منهجاً للحياة.. وكل تصور آخر للوطن هو تصور غير إسلامي، تنضح به الجاهليات، ولا يعرفه الإسلام. ثم لمسة نفسية أخرى، لاستنهاض الهمم، واستجاشة العزائم، وإنارة الطريق، وتحديد القيم والغايات والأهداف، التي يعمل لها كل فريق: {الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله؛ والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت. فقاتلوا أولياء الشيطان. إن كيد الشيطان كان ضعيفاً}.. وفي لمسة واحدة يقف الناس على مفرق الطريق. وفي لحظة ترتسم الأهداف، وتتضح الخطوط. وينقسم الناس إلى فريقين اثنين؛ تحت رايتين متميزتين: {الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله}.. {والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت}.. الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله؛ لتحقيق منهجه، وإقرار شريعته، وإقامة العدل "بين الناس" باسم الله. لا تحت أي عنوان آخر. اعترافاً بأن الله وحده هو الإله ومن ثم فهو الحاكم: والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت، لتحقيق مناهج شتى - غير منهج الله - وإقرار شرائع شتى - غير شريعة الله - وإقامة قيم شتى - غير التي أذن بها الله - ونصب موازين شتى غير ميزان الله! ويقف الذين آمنوا مستندين الى ولاية الله وحمايته ورعايته. ويقف الذين كفروا مستندين إلى ولاية الشيطان بشتى راياتهم، وشتى مناهجهم، وشتى شرائعهم، وشتى طرائقهم، وشتى قيمهم، وشتى موازينهم... فكلهم أولياء الشيطان. ويأمر الله الذين أمنوا أن يقاتلوا أولياء الشيطان؛ ولا يخشوا مكرهم ولا مكر الشيطان: {فقاتلوا أولياء الشيطان، إن كيد الشيطان كان ضعيفاً}. وهكذا يقف المسلمون على أرض صلبة، مسندين ظهورهم إلى ركن شديد. مقتنعي الوجدان بأنهم يخوضون معركة لله، ليس لأنفسهم منها نصيب، ولا لذواتهم منها حظ. وليست لقومهم، ولا لجنسهم، ولا لقرابتهم وعشيرتهم منها شيء.. إنما هي لله وحده، ولمنهجه وشريعته. وأنهم يواجهون قوماً أهل باطل؛ يقاتلون لتغليب الباطل على الحق. لأنهم يقاتلون لتغليب مناهج البشر الجاهلية - وكل مناهج البشر جاهلية - على شريعة منهج الله؛ ولتغليب شرائع البشر الجاهلية - وكل شرائع البشر جاهلية - على الله؛ ولتغليب ظلم البشر- وكل حكم للبشر من دون الله ظلم - على عدل الله، الذي هم مأمورون أن يحكموا به بين الناس.. كذلك يخوضون المعركة، وهم يوقنون أن الله وليهم فيها. وأنهم يواجهون قوماً، الشيطان وليهم فهم إذن ضعاف.. إن كيد الشيطان كان ضعيفاً.. ومن هنا يتقرر مصير المعركة في حس المؤمنين، وتتحدد نهايتها. قبل أن يدخلوها. وسواء بعد ذلك استشهد المؤمن في المعركة - فهو واثق من النتيجة - أم بقي حتى غلب، ورأى بعينيه النصر؛ فهو واثق من الأجر العظيم. من هذا التصور الحقيقي للأمر في كلتا حالتيه، انبثقت تلك الخوارق الكثيرة التي حفظها تاريخ الجهاد في سبيل الله في حياة الجماعة المسلمة الأولى؛ والتي تناثرت على مدى التاريخ في أجيال كثيرة. وما بنا أن نضرب لها هنا الأمثال؛ فهي كثيرة مشهورة.. ومن هذا التصور كان ذلك المد الإسلامي العجيب، في أقصر فترة عرفت في التاريخ؛ فقد كان هذا التصور جانباً من جوانب التفوق الذي حققه المنهج الرباني للجماعة المسلمة، على المعسكرات المعادية.. ذلك التفوق الذي أشرنا إليه من قبل في هذا الجزء. وبناء هذا التصور ذاته كان طرفاً من المعركة الكلية الشاملة التي خاضها القرآن في نفوس المؤمنين، وهو يخوض بهم المعركة مع أعدائهم المتفوقين في العدد والعدة والمال؛ ولكنهم في هذا الجانب كانوا متخلفين؛ فأمسوا مهزومين! وها نحن أولاء نرى الجهد الذي بذله المنهج في إنشاء هذا التصور وتثبيته. فلم يكن الأمر هيناً. ولم يكن مجرد كلمة تقال. ولكنه كان جهداً موصولاً، لمعالجة شح النفس، وحرصها على الحياة - بأي ثمن - وسوء التصور لحقيقة الربح والخسارة.. وفي الدرس بقية من هذا العلاج، وذلك الجهد الموصول. إن السياق يمضي - بعد هذا - إلى التعجيب من أمر طائفة أو أكثر من المسلمين - قيل إن بعضهم من المهاجرين، الذين كانت تشتد بهم الحماسة - وهم في مكة يلقون الأذى والاضطهاد - ليؤذن لهم في قتال المشركين. حيث لم يكن مأذوناً لهم - بعد - في قتال، للحكمة التي يعلمها الله؛ والتي قد نصيب طرفاً من معرفتها فيما سنذكره بعد.. فلما كتب عليهم القتال، بعد أن قامت للإسلام دولة في المدينة، وعلم الله أن في هذا الإذن خيراً لهم وللبشرية.. إذا هم - كما يصورهم القرآن - {يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية! وقالوا: ربنا لم كتبت علينا القتال! لولا أخرتنا إلى أجل قريب!} ممن إذا أصابتهم الحسنة قالوا: هذه من عند الله. وإن أصابتهم السيئة قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: هذه من عندك. وممن يقولون: طاعة حتى إذا خرجوا من عند الرسول - صلى الله عليه وسلم - بيت طائفة منهم غير الذي تقول. وممن إذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به... يمضي السياق ليعجب من شأن هؤلاء، في الأسلوب القرآني؛ الذي يصور حالة النفس، كما لو كانت مشهداً يرى ويحس! ويصحح لهم - ولغيرهم - سوء التصور والإدراك لحقائق الموت والحياة، والأجل والقدر، والخير والشر، والنفع والضرر، والكسب والخسارة، والموازين والقيم؛ ويبين لهم حقائقها في أسلوب يصور الحقائق في صورتها الموحية المؤثرة: {ألم تر إلى الذين قيل لهم: كفوا أيديكم، وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة. فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية. وقالوا: ربنا لم كتبت علينا القتال؟ لولا أخرتنا إلى أجل قريب! قل: متاع الدنيا قليل، والآخرة خير لمن اتقى، ولا تظلمون فتيلاً. أينما تكونوا يدرككم الموت. ولو كنتم في بروج مشيدة}. {وإن تصبهم حسنة يقولوا: هذه من عند الله. وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك. قل: كل من عندالله. فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً؟ ما أصابك من حسنة فمن الله. وما أصابك من سيئة فمن نفسك. وأرسلناك للناس رسولاً، وكفى بالله شهيداً. من يطع الرسول فقد أطاع الله؛ ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً}. {ويقولون: طاعة. فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول - والله يكتب ما يبيتون - فأعرض عنهم، وتوكل على الله، وكفى بالله وكيلاً. أفلا يتدبرون القرآن؟ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً}. {وأذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به. ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم.. ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً}.. هؤلاء الذين تتحدث عنهم هذه المجموعات الأربع من الآيات؛ قد يكونون هم أنفسهم الذين تحدثت عنهم مجموعة سابقة في هذا الدرس: {وإن منكم لمن ليبطئن}... الآيات... ويكون الحديث كله عن تلك الطائفة من المنافقين؛ التي تصدر منها هذه الأعمال وهذه الأقوال كلها. وقد كدنا نرجح هذا الرأي؛ لأن ملامح النفاق واضحة، فيما تصفه هذه المجموعات كلها. وصدور هذه الأعمال وهذا الأقوال عن طوائف المنافقين في الصف المسلم، أمر أقرب إلى طبيعتهم، وإلى سوابقهم كذلك. وطبيعة السياق القرآني شديدة الالتحام بين الآيات جميعا.. ولكن المجموعة الأولى من هذه المجموعات التي تتحدث عن الذين: {قيل لهم: كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة. فلما كتب عليهم القتال}... الآيات هي التي جعلتنا نتردد في اعتبار الآيات كلها حديثاً عن المنافقين - وإن بدت فيها صفات المنافقين وبدت فيها لحمة السياق واستطراده - وجعلتنا نميل إلى اعتبار هذه المجموعة واردة في طائفة من المهاجرين - ضعاف الإيمان غير منافقين - والضعف قريب الملامح من النفاق - وأن كل مجموعة أخرى من هذه المجموعات الأربع ربما كانت تصف طائفة بعينها من طوائف المنافقين، المندسين في الصف المسلم. وربما كانت كلها وصفاً للمنافقين عامة؛ وهي تعدد ما يصدر عنهم من أقوال وأفعال. والسبب في وقوفنا هذا الموقف أمام آيات المجموعة الأولى؛ وظننا أنها تصف طائفة من المهاجرين الضعاف الإيمان؛ أو الذين لم ينضج بعد تصورهم الإيماني؛ ولم تتضح معالم الاعتقاد في قلوبهم وعقولهم.. السبب هو أن المهاجرين هم الذين كان بعضهم تأخذه الحماسة والاندفاع، لدفع أذى المشركين - وهم في مكة - في وقت لم يكن مأذوناً لهم في القتال - فقيل لهم: {كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة}.. وحتى لو أخذنا في الاعتبار ما عرضه أصحاب بيعة العقبة الثانية الاثنان والسبعون على النبي - صلى الله عليه وسلم - من ميلهم على أهل منى - أي قتلهم - لو أمرهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - ورده عليهم: "حديث : إننا لم نؤمر بقتال"تفسير : .. فإن هذا لا يجعلنا ندمج هذه المجموعة من السابقين من الأنصار - أصحاب بيعه العقبة - في المنافقين، الذين تتحدث عنهم بقية الآيات. ولا في الضعاف الذين تصفهم المجموعة الأولى. فإنه لم يعرف عن هؤلاء الصفوة نفاق ولا ضعف؛ رضي الله عنهم جميعاً. فأقرب الاحتمالات هو أن تكون هذه المجموعة واردة في بعض من المهاجرين، الذين ضعفت نفوسهم - وقد أمنوا في المدينة وذهب عنهم الأذى - عن تكاليف القتال.. وألا تكون بقية الأوصاف واردة فيهم، بل في المنافقين. لأنه يصعب علينا - مهما عرفنا من ظواهر الضعف البشري - أن نسم أي مهاجر من هؤلاء السابقين بسمة رد السيئة إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - دون الحسنة! أو قول الطاعة وتبييت غيرها.. وإن كنا لا نستبعد أن توجد فيهم صفة الإذاعة بالأمر من الأمن أو الخوف. لأن هذه قد تدل على عدم الدربة على النظام، ولا تدل على النفاق.. والحق.. أننا نجد أنفسنا - أمام هذه الآيات كلها - في موفق لا نملك الجزم فيه بشيء. والروايات الواردة عنها ليس فيها جزم كذلك بشيء.. حتى في آيات المجموعة الأولى. التي ورد أنها في طائفة من المهاجرين؛ كما ورد أنها في طائفة من المنافقين! ومن ثم نأخذ بالأحوط؛ في تبرئة المهاجرين من سمات التبطئة والانخلاع مما يصيب المؤمنين من الخير والشر. التي وردت في الآيات السابقة. ومن سمة إسناد السيئة للرسول - صلى الله عليه وسلم - دون الحسنة، ورد هذه وحدها إلى الله! ومن سمة تبييت غير الطاعة.. وإن كانت تجزئة سياق الآيات على هذا النحو ليست سهلة على من يتابع السياق القرآني، ويدرك - بطول الصحبة - طريقة التعبير القرآنية!!! والله المعين. {ألم تر إلى الذين قيل لهم: كفوا أيديكم، وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاه.. فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية. وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال؟ لولا أخرتنا إلى أجل قريب! قل: متاع الدنيا قليل. والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلاً. أينما تكونوا يدرككم الموت، ولو كنتم في بروج مشيدة...} يعجب الله - سبحانه - من أمر هؤلاء الناس؛ الذين كانوا يتدافعون حماسة إلى القتال ويستعجلونه وهم في مكة، يتلقون الأذى والاضطهاد والفتنة من المشركين. حين لم يكن مأذونا لهم في القتال للحكمة التي يريدها الله. فلما أن جاء الوقت المناسب الذي قدره الله؛ وتهيأت الظروف المناسبة وكتب عليهم القتال - في سبيل الله - إذا فريق منهم شديد الجزع، شديد الفزع، حتى ليخشى الناس الذين أمروا بقتالهم - وهم ناس من البشر - كخشية الله ; القهار الجبار، الذي لا يعذب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد.. {أو أشد خشية}!! وإذا هم يقولون - في حسرة وخوف وجزع - {ربنا لم كتبت علينا القتال؟}.. وهو سؤال غريب من مؤمن. وهو دلالة على عدم وضوح تصوره لتكاليف هذا الدين؛ ولوظيفة هذا الدين أيضاً.. ويتبعون ذلك التساؤل، بأمنية حسيرة مسكينة! {لولا أخرتنا إلى أجل قريب!} وأمهلتنا بعض الوقت، قبل ملاقاة هذا التكليف الثقيل المخيف! إن أشد الناس حماسة واندفاعاً وتهوراً، قد يكونون هم أشد الناس جزعاً وانهياراً وهزيمة عندما يجد الجد، وتقع الواقعة.. بل إن هذه قد تكون القاعدة! ذلك أن الاندفاع والتهور والحماسة الفائقة غالباً ما تكون منبعثة عن عدم التقدير لحقيقة التكاليف. لا عن شجاعة واحتمال وإصرار. كما أنها قد تكون منبعثة عن قلة الاحتمال. قلة احتمال الضيق والأذى والهزيمة؛ فتدفعهم قلة الاحتمال، إلى طلب الحركة والدفع والانتصار بأي شكل. دون تقدير لتكاليف الحركة والدفع والانتصار.. حتى إذا ووجهوا بهذه التكاليف كانت أثقل مما قدروا، وأشق مما تصوروا. فكانوا أول الصف جزعاً ونكولاً وانهياراً.. على حين يثبت أولئك الذين كانوا يمسكون أنفسهم، ويحتملون الضيق والأذى بعض الوقت؛ ويعدون للأمر عدته، ويعرفون حقيقة تكاليف الحركة، ومدى احتمال النفوس لهذه التكاليف. فيصبرون ويتمهلون ويعدون للأمر عدته.. والمتهورون المندفعون المستحمسون يحسبونهم إذا ذاك ضعافاً، ولا يعجبهم تمهلهم ووزنهم للأمور! وفي المعركة يتبين أي الفريقين أكثر احتمالاً؛ وأي الفريقين أبعد نظراً كذلك! وأغلب الظن أن هذا الفريق الذي تعنيه هذه الآيات كان من ذلك الصنف، الذي يلذعه الأذى في مكة فلا يطيقه؛ ولا يطيق الهوان وهو ذو عزة. فيندفع يطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يأذن له بدفع الأذى، أو حفظ الكرامة. والرسول - صلى الله عليه وسلم - يتبع في هذا أمر ربه بالتريث والانتظار، والتربية والإعداد، وارتقاب الأمر في الوقت المقدر المناسب. فلما أن أمن هذا الفريق في المدينة؛ ولم يعد هناك أذى ولا إذلال، وبعد لسع الحوادث عن الذوات والأشخاص؛ لم يعد يرى للقتال مبرراً؛ أو على الأقل لم يعد يرى للمسارعة به ضرورة! {فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية، وقالوا: ربنا لم كتبت علينا القتال؟ لولا أخرتنا إلى أجل قريب!}. وقد يكون هذا الفريق مؤمناً فعلا. بدليل اتجاههم إلى الله في ضراعة وأسى! وهذه الصورة ينبغي أن تكون في حسابنا. فالإيمان الذي لم ينضج بعد؛ والتصور الذي لم تتضح معالمه؛ ولم يتبين صاحبه وظيفة هذا الدين في الأرض - وأنها أكبر من حماية الأشخاص، وحماية الأقوام، وحماية الأوطان، إذ أنها في صميمها إقرار منهج الله في الأرض، وإقامة نظامه العادل في ربوع العالم؛ وإنشاء قوة عليا في هذه الأرض ذات سلطان، يمنع أن تغلق الحدود دون دعوة الله؛ ويمنع أن يحال بين الأفراد والاستماع للدعوة في أي مكان على سطح الأرض؛ ويمنع أن يفتن أحد من الأفراد عن دينه إذا هو اختاره بكامل حريته - بأي لون من ألوان الفتنة - ومنها أن يطارد في رزقه أو في نشاطه حيث هو - وهذه كلها مهام خارجة عن وقوع أذى على أشخاص بعينهم أو عدم وقوعه.. وإذن فلم يكن الأمن في المدينة - حتى على فرض وجوده كاملاً غير مهدد - لينهي مهمة المسلمين هناك؛ وينهى عن الجهاد! الإيمان الذي لم ينضج بعد ليبلغ بالنفس إلى إخراج ذاتها من الأمر؛ والاستماع فقط إلى أمر الله واعتباره هو العلة والمعلول، والسبب والمسبب، والكلمة الأخيرة - سواء عرف المكلف حكمتها أم لم تتضح له - والتصور الذي لم تتضح معالمه بعد ليعرف المؤمن مهمة هذا الدين في الأرض؛ ومهمته هو - المؤمن - بوصفه قدراً من قدر الله، ينفذ به الله ما يشاؤه في هذه الحياة.. لا جرم ينشأ عنه مثل هذا الموقف، الذي يصوره السياق القرآني هذا التصوير؛ ويعجب منه هذا التعجيب! وينفر منه هذا التنفير. فأما لماذا لم يأذن الله للمسلمين - في مكة - بالانتصار من الظلم؛ والرد على العدوان؛ ودفع الأذى بالقوة.. وكثيرون منهم كان يملك هذا؛ فلم يكن ضعيفاً ولا مستضعفاً؛ ولم يكن عاجزاً عن رد الصاع صاعين.. مهما يكن المسلمون في ذلك الوقت قلة.. أما حكمة هذا، والأمر بالكف عن القتال، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والصبر والاحتمال.. حتى وبعض المسلمين يلقى من الأذى والعذاب ما لا يطاق، وبعضهم يتجاوز العذاب طاقته؛ فيفتن عن دينه. وبعضهم لا يحتمل الاستمرار في العذاب فيموت تحت وطأته.. أما حكمة هذا فلسنا في حل من الجزم بها. لأننا حينئذ نتألى على الله ما لم يبين لنا من حكمة؛ ونفرض على أوامره أسباباً وعللاً، قد لا تكون هي الأسباب والعلل الحقيقية. أو قد تكون، ولكن يكون وراءها أسباب وعلل أخرى لم يكشف لنا عنها، ويعلم - سبحانه - أن فيها الخير والمصلحة.. وهذا هو شأن المؤمن أمام أي تكليف. أو أي حكم في شريعة الله - لم يبين الله سببه محدداً جازماً حاسماً - فمهما خطر له من الأسباب والعلل لهذا الحكم أو لذلك التكليف؛ أو لكيفية تنفيذ هذا الحكم أو طريقة أداء ذلك التكليف، مما يدركه عقله ويحسن فيه.. فينبغي أن يعتبر هذا كله مجرد احتمال. ولا يجزم - مهما بلغت ثقته بعلمه وعقله وتدبره لأحكام الله - بأن ما رآه هو حكمة؛ هو الحكمة التي أرادها الله.. نصاً.. وليس وراءها شيء، وليس من دونها شيء! فذلك التحرج هو مقتضى الأدب الواجب مع الله. ومقتضى ما بين علم الله ومعرفة الإنسان من اختلاف في الطبيعة والحقيقة. وبهذا الأدب الواجب نتناول حكمة عدم فرض الجهاد في مكة وفرضيته في المدينة.. نذكر ما يتراءى لنا من حكمة وسبب.. على أنه مجرد احتمال.. وندع ما وراءه لله. لا نفرض على أمره أسباباً وعللاً، لا يعلمها إلا هو.. ولم يحددها هو لنا ويطلعنا عليها بنص صريح! إنها أسباب.. اجتهادية.. تخطىء وتصيب. وتنقص وتزيد. ولا نبغي بها إلا مجرد تدبر أحكام الله. وفق ما تظهره لنا الأحداث في مجرى الزمان: "أ" ربما كان ذلك لأن الفترة المكية كانت فترة تربية وإعداد؛ في بيئة معينة، لقوم معينين، وسط ظروف معينة. ومن أهداف التربية والإعداد في مثل هذه البيئة بالذات، تربية نفس الفرد العربي على الصبر على ما لا يصبر عليه عادة من الضيم يقع على شخصه أو على من يلوذون به. ليخلص من شخصه، ويتجرد من ذاته، ولا تعود ذاته ولا من يلوذون به، محوراً لحياة في نظره، ودافع الحركة في حياته.. وتربيته كذلك على ضبط أعصابه؛ فلا يندفع لأول مؤثر - كما هي طبيعته - ولا يهتاج لأول مهيج. ليتم الاعتدال في طبيعته وحركته.. وتربيته على أن يتبع مجتمعاً منظماً له قيادة يرجع إليها في كل أمر من أمور حياته؛ ولا يتصرف إلا وفق ما تأمره - مهما يكن مخالفاً لمألوفه وعادته - وقد كان هذا هو حجر الأساس في إعداد شخصية العربي، لإنشاء "المجتمع المسلم" الخاضع لقيادة موجهة؛ المترقي المتحضر، غير الهمجي أو القبلي. "ب" وربما كان ذلك أيضاً، لأن الدعوة السلمية أشد أثراً وأنفذ، في مثل بيئة قريش؛ ذات العنجهية والشرف؛ والتي قد يدفعها القتال معها - في مثل هذه الفترة - إلى زيادة العناد وإلى نشأة ثارات دموية جديدة، كثارات العرب المعروفة، التي أثارت حرب داحس والغبراء، وحرب البسوس - أعواماً طويلة، تفانت فيها قبائل برمتها - وتكون هذه الثارات الجديدة مرتبطة في أذهانهم وذكرياتهم بالإسلام. فلا تهدأ بعد ذلك أبداً. ويتحول الإسلام من دعوة، إلى ثارات وذحول تنسى معها فكرته الأساسية، وهو في مبدئه، فلا تذكر أبداً! "جـ" وربما كان ذلك أيضاً، اجتناباً لإنشاء معركة ومقتلة في داخل كل بيت. فلم تكن هناك سلطة نظامية عامة، هي التي تعذب المؤمنين وتفتنهم. إنما كان ذلك موكولاً إلى أولياء كل فرد، يعذبونه هم ويفتنونه و "يؤدبونه"! ومعنى الإذن بالقتال - في مثل هذه البيئة - أن تقع معركة ومقتلة في كل بيت.. ثم يقال: هذا هو الإسلام! ولقد قيلت حتى والإسلام يأمر بالكف عن القتال! فقد كانت دعاية قريش في الموسم، في أوساط العرب القادمين للحج والتجارة: إن محمداً يفرق بين الوالد وولده؛ فوق تفريقه لقومه وعشيرته! فكيف لو كان كذلك يأمر الولد بقتل الوالد، والمولى بقتل الولي.. في كل بيت وكل محلة؟ "د" وربما كان ذلك أيضاً، لما يعلمه الله من أن كثيرين من المعاندين الذين يفتنون أوائل المسلمين عن دينهم، ويعذبونهم ويؤذونهم؛ هم بأنفسهم سيكونون من جند الإسلام المخلص، بل من قادته.. ألم يكن عمر بن الخطاب من بين هؤلاء؟! "هـ" وربما كان ذلك، أيضاً، لأن النخوة العربية، في بيئة قبلية، من عادتها أن تثور للمظلوم، الذي يحتمل الأذى، ولا يتراجع! وبخاصة إذا كان الأذى واقعاً على كرام الناس فيهم.. وقد وقعت ظواهر كثيرة تثبت صحة هذه النظرة - في هذه البيئة - فابن الدغنة لم يرض أن يترك أبا بكر - وهو رجل كريم - يهاجر ويخرج من مكة، ورأى في ذلك عاراً على العرب! وعرض عليه جواره وحمايته... وآخر هذه الظواهر نقض صحيفة الحصار لبني هاشم في شعب أبي طالب، بعدما طال عليهم الجوع واشتدت المحنة.. بينما في بيئة أخرى من البيئات ذات الحضارة القديمة التي مردت على الذل، قد يكون السكوت على الأذى مدعاة للهزء والسخرية والاحتقار من البيئة؛ وتعظيم المؤذي الظالم المعتدي! "و" وربما كان ذلك أيضاً، لقلة عدد المسلمين حينذاك، وانحصارهم في مكة. حيث لم تبلغ الدعوة إلى بقية الجزيرة. أو بلغت أخبارها متناثرة؛ حيث كانت القبائل تقف على الحياد، من معركة داخلية بين قريش وبعض أبنائها، حتى ترى ماذا يكون مصير الموقف.. ففي مثل هذه الحالة قد تنتهي المعركة المحدودة، إلى قتل المجموعة المسلمة القليلة - حتى ولو قتلوا هم أضعاف من سيقتل منهم - ويبقى الشرك، وتنمحي الجماعة المسلمة. ولم يقم في الأرض للإسلام نظام، ولا وجد له كيان واقعي.. وهو دين جاء ليكون منهج حياة، وليكون نظاماً واقعياً عملياً للحياة. "ز" في الوقت ذاته لم يكن هناك ضرورة قاهرة ملحة، لتجاوز هذه الاعتبارات كلها، والأمر بالقتال ودفع الأذى. لأن الأمر الأساسي في هذه الدعوة كان قائماً - وقتها - ومحققاً.. هذا الأمر الأساسي هو "وجود الدعوة".. وجودها في شخص الداعية - صلى الله عليه وسلم - وشخصه في حماية سيوف بني هاشم، فلا تمتد إليه يد إلا وهي مهددة بالقطع! والنظام القبلي السائد يجعل كل قبيلة تخشى أن تقع في حرب مع بني هاشم، إذا هي امتدت يدها إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - فكان شخص الداعية من ثم محمياً حماية كافية.. وكان الداعية يبلغ دعوته - إذن - في حماية سيوف بني هاشم ومقتضيات النظام القبلي، ولا يكتمها، ولا يخفيها، ولا يجرؤ أحد على منعه من إبلاغها وإعلانها، في ندوات قريش في الكعبة، ومن فوق جبل الصفا؛ وفي اجتماعات عامة.. ولا يجرؤ أحد على سد فمه؛ ولا يجرؤ أحد على خطفه وسجنه أو قتله! ولا يجرؤ أحد على أن يفرض عليه كلاماً بعينه يقوله؛ يعلن فيه بعض حقيقة دينه؛ ويسكت عن بعضها. وحين طلبوا إليه أن يكف عن سب آلهتهم وعيبها لم يكف. وحين طلبوا إليه أن يسكت عن عيب دين آبائهم وأجدادهم وكونهم في جهنم لم يسكت. وحين طلبوا إليه أن يدهن فيدهنوا. أي أن يجاملهم فيجاملوه؛ بأن يتبع بعض تقاليدهم ليتبعوا هم بعض عبادته، لم يدهن... وعلى الجملة كان للدعوة "وجودها" الكامل، في شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محروساً بسيوف بني هاشم - وفي إبلاغه لدعوة ربه كاملة في كل مكان وفي كل صورة.. ومن ثم لم تكن هنالك الضرورة القاهرة لاستعجال المعركة، والتغاضي عن كل هذه الاعتبارات البيئية التي هي في مجموعها، مساندة للدعوة ومساعدة في مثل هذه البيئة. هذه الاعتبارات - كلها - فيما نحسب - كانت بعض ما اقتضت حكمة الله - معه - أن يأمر المسلمين بكف أيديهم. وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.. لتتم تربيتهم وإعدادهم، ولينتفع بكل إمكانيات الخطة في هذه البيئة؛ وليقف المسلمون في انتظار أمر القيادة، في الوقت المناسب. وليخرجوا أنفسهم من المسألة كلها، فلا يكون لذواتهم فيها حظ. لتكون خالصة لله. وفي سبيل الله.. والدعوة لها "وجودها" وهي قائمة ومؤداة ومحمية ومحروسة... وأياً ما كانت حكمة الله من وراء هذه الخطة، فقد كان هناك المتحمسون يبدون لهفتهم على اللحظة التي يؤذن لهم فيها بالقتال: {فلما كتب عليهم القتال، إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية. وقالوا: ربنا لم كتبت علينا القتال؟ لولا أخرتنا إلى أجل قريب!}. وكان وجود هذه الطائفة في الصف المسلم ينشىء فيه حالة من الخلخلة وينشى ء فيه حالة من عدم التناسق بين هذه الطائفة الجزوع الهلوع، وبين الرجال المؤمنين، ذوي القلوب الثابتة المطمئنة؛ المستقبلة لتكاليف الجهاد - على كل ما فيها من مشقة - بالطمأنينة والثقة والعزم والحماسة أيضاً. ولكن في موضعها المناسب. فالحماسة في تنفيذ الأمر حين يصدر هي الحماسة الحقيقية. أما الحماسة قبل الأمر، فقد تكون مجرد اندفاع وتهور؛ يتبخر عند مواجهة الخطر! وكان القرآن يعالج هذه الحالة بمنهجه الرباني: {قل: متاع الدنيا قليل، والآخرة خير لمن اتقى، ولا تظلمون فتيلاً. أينما تكونوا يدرككم الموت، ولو كنتم في بروج مشيدة}.. إنهم يخشون الموت، ويريدون الحياة. ويتمنون في حسرة مسكينة! لو كان الله قد أمهلهم بعض الوقت؛ ومد لهم - شيئاً - في المتاع بالحياة! والقرآن يعالج هذه المشاعر في منابتها؛ ويجلو غبش التصور لحقيقة الموت والأجل.. {قل متاع الدنيا قليل}.. متاع الدنيا كله. والدنيا كلها. فما بال أيام، أو أسابيع، أو شهور، أو سنين؟ ما قيمة هذا الإمهال لأجل قصير. إذا كان متاع الحياة الدنيا بطولها في جملته قليلا؟! ما الذي يملكون تحقيقه من المتاع في أيام، أو أسابيع، أو شهور، أو سنين. ومتاع الدنيا كله والدنيا بطولها قليل!؟ {والآخرة خير لمن اتقى}.. فالدنيا - أولاً - ليست نهاية المطاف ولا نهاية الرحلة.. إنها مرحلة.. ووراءها الآخرة والمتاع فيها هو المتاع - فضلاً على أن المتاع فيها طويل كثير - فهي {خير}.. {خير لمن اتقى}.. وتذكر التقوى هنا والخشية والخوف في موضعها. التقوى لله. فهو الذي يتقى، وهو الذي يخشى. وليس الناس الناس.. الذين سبق أن قال: إنهم يخشونهم كخشية الله - أو أشد خشية! - والذي يتقي الله لا يتقي الناس. والذي يعمر قلبه الخوف من الله لا يخاف أحداً. فماذا يملك له إذا كان الله لا يريد؟ {ولا تظلمون فتيلاً} فلا غبن ولا ضير ولا بخس؛ إذا فاتهم شيء من متاع الدنيا. فهناك الآخرة. وهناك الجزاء الأوفى؛ الذي لا يبقى معه ظلم ولا بخس في الحساب الختامي للدنيا والآخرة جميعاً! ولكن بعض الناس قد تهفو نفسه - مع هذا كله - إلى أيام تطول به في هذه الأرض! حتى وهو يؤمن بالآخرة، وهو ينتظر جزاءها الخير.. وبخاصة حين يكون في المرحلة الإيمانية التي كانت فيها هذه الطائفة! هنا تجيء اللمسة الأخرى. اللمسة التي تصحح التصور عن حقيقة الموت والحياة، والأجل والقدر؛ وعلاقة هذا كله بتكليف القتال، الذي جزعوا له هذا الجزع، وخشوا الناس فيه هذه الخشية! {أينما تكونوا يدرككم الموت، ولو كنتم في بروج مشيدة}.. فالموت حتم في موعده المقدر. ولا علاقة له بالحرب والسلم. ولا علاقة له بحصانة المكان الذي يحتمي به الفرد أو قلة حصانته. ولا يؤخره أن يؤخر عنهم تكليف القتال إذن؛ ولا هذا التكليف والتعرض للناس في الجهاد يعجله عن موعده.. هذا أمر وذاك أمر؛ ولا علاقة بينهما.. إنما العلاقة هناك بين الموت والأجل. بين الموعد الذي قدره الله وحلول ذلك الموعد.. وليست هنالك علاقة أخرى.. ولا معنى إذن لتمني تأجيل القتال. ولا معنى إذن لخشية الناس في قتال أو في غير قتال! وبهذه اللمسة الثانية يعالج المنهج القرآني كل ما يهجس في الخاطر عن هذا الأمر؛ وكل ما ينشئه التصور المضطرب من خوف ومن ذعر.. إنه ليس معنى هذا ألا يأخذ الإنسان حذره وحيطته وكل ما يدخل في طوقه من استعداد وأهبة ووقاية.. فقد سبق أن أمرهم الله بأخذ الحذر. وفي مواضع أخرى أمرهم بالاحتياط في صلاة الخوف. وفي سور أخرى أمرهم باستكمال العدة والأهبة.. ولكن هذا كله شيء، وتعليق الموت والأجل به شيء آخر.. إن أخذ الحذر واستكمال العدة أمر يجب أن يطاع، وله حكمته الظاهرة والخفية، ووراءه تدبير الله.. وإن التصور الصحيح لحقيقة العلاقة بين الموت والأجل المضروب - رغم كل استعداد واحتياط - أمر آخر يجب أن يطاع؛ وله حكمته الظاهرة والخفية، ووراءه تدبير الله.. توازن واعتدال. وإلمام بجميع الأطراف. وتناسق بين جميع الأطراف.. هذا هو الإسلام. وهذا هو منهج التربية الإسلامي، للأفراد والجماعات.. وبهذا ربما ينتهي الحديث عن تلك الطائفة من المهاجرين. ويبدأ الحديث عن طائفة أخرى من الطوائف المنبثة في المجتمع الإسلامي، والتي يتألف منها الصف المسلم ومن سواها.. هذا وإن كان السياق لا انقطاع فيه، ولا فصل، ولا وقفة تنبىء بأن الحديث الآتي عن طائفة أخرى، وأن الحديث عن هذه الطائفة قد انتهى.. ولكننا نمضي مع الاعتبارات التي أسلفناها: {وإن تصبهم حسنة يقولوا: هذه من عند الله. وإن تصبهم سيئة يقولوا: هذه من عندك! قل: كل من عند الله. فمال هؤلاء القول لا يكادون يفقهون حديثاً؟! ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك. وأرسلناك للناس رسولاً. وكفى بالله شهيداً. من يطع الرسول فقد أطاع الله، ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً}.. إن الذين يقولون هذا القول، وينسبون ما يصيبهم من الخير إلى الله، وما يصيبهم من الضر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يحتمل فيهم وجوه: الوجه الأول: أنهم يتطيرون بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فيظنونه - حاشاه - شؤماً عليهم. يأتيهم السوء من قبله. فإن أجدبت السنة، ولم تنسل الماشية، أو إذا أصيبوا في موقعة؛ تطيروا بالرسول - صلى الله عليه وسلم - فأما حين يصيبهم الخير فينسبون هذا إلى الله! الوجه الثاني: أنهم يريدون عامدين تجريح قيادة الرسول - صلى الله عليه وسلم - تخلصاً من التكاليف التي يأمرهم بها. وقد يكون تكليف القتال منها - أو أخصها - فبدلاً من أن يقولوا: إنهم ضعاف يخشون مواجهة القتال، يتخذون ذلك الطريق الملتوي الآخر! ويقولون: إن الخير يأتيهم من الله، وإن السوء لا يجيئهم إلا من قبل الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومن أوامره. وهم يعنون بالخير أو السوء النفع أو الضر القريب الظاهر! والوجه الثالث: هو سوء التصور فعلاً لحقيقة ما يجري لهم وللناس في هذه الحياة، وعلاقته بمشيئة الله. وطبيعة أوامر النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم؛ وحقيقة صلة الرسول بالله سبحانه وتعالى.. وهذا الوجه الثالث - إذا صح - ربما يكون قابلاً لأن يوسم به ذلك الفريق من المهاجرين الذين كان سوء تصورهم لحقيقة الموت والأجل، يجعلهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية. ويقولون: {ربنا لم كتبت علينا القتال؟ لولا أخرتنا إلى أجل قريب!}.. غير أننا ما نزال نميل إلى اعتبار المتحدث عنهم هنا طائفة أخرى.. تجتمع فيها تلك الأوجه كلها أو بعضها. وهذا الوجه الثالث منها.. إن القضية التي تتناولها هذه الآيات، هي جانب من قضية كبيرة.. القضية المعروفة في تاريخ الجدل والفلسفة في العالم كله باسم "قضية القضاء والقدر" أو "الجبر والاختيار".. وقد وردت في أثناء حكاية ذلك الفريق من الناس؛ ثم في الرد عليهم، وتصحيح تصورهم. والقرآن يتناولها ببساطة واضحة لا تعقيد فيها ولا غموض.. فلنعرضها كما وردت وكما رد عليها القرآن الكريم: {وإن تصبهم حسنة يقولوا: هذه من عندالله. وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك. قل: كل من عند الله. فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً؟}.. إن الله هو الفاعل الأول، والفاعل الواحد، لكل ما يقع في الكون، وما يقع للناس، وما يقع من الناس. فالناس يملكون أن يتجهوا وأن يحاولوا. ولكن تحقق الفعل - أي فعل - لا يكون إلا بإرادة من الله وقدر. فنسبة إنشاء الحسنة أو إنشاء السيئة، وإيقاعها بهم، للرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو بشر منهم مخلوق مثلهم - نسبة غير حقيقية؛ تدل على عدم فقههم لشيء ما في هذا الموضوع. إن الإنسان قد يتجه ويحاول تحقيق الخير؛ بالوسائل التي أرشد الله إلى أنها تحقق الخير. ولكن تحقق الخير فعلاً يتم بإرادة الله وقدره. لأنه ليست هناك قدرة - غير قدرة الله - تنشىء الأشياء والأحداث وتحقق ما يقع في هذا الكون من وقائع. وإذن يكون تحقق الخير - بوسائله التي اتخذها الإنسان وباتجاه الإنسان وجهده - عملاً من أعمال القدرة الإلهية. وإن الإنسان قد يتجه إلى تحقيق السوء. أو يفعل ما من شأنه إيقاع السوء. ولكن وقوع السوء فعلاً، ووجوده أصلاً، لا يتم إلا بقدرة الله وقدر الله. لأنه ليس هناك قدرة منشئة للأشياء والأحداث في هذا الكون غير قوة الله. وفي الحالتين يكون وجود الحدث وتحققه من عند الله.. وهذا ما تقرره الآية الأولى.. أما الآية الثانية: {ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك...} فإنها تقرر حقيقة أخرى. ليست داخلة ولا متداخلة مع مجال الحقيقة الأولى.. إنها في واد آخر.. والنظرة فيها من زاوية أخرى: إن الله - سبحانه - قد سن منهجاً، وشرع طريقاً، ودل على الخير، وحذر من الشر. فحين يتبع الإنسان هذا المنهج، ويسير في هذا الطريق، ويحاول الخير، ويحذر الشر.. فإن الله يعينه على الهدى كما قال: {أية : والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}تفسير : .. ويظفر الإنسان بالحسنة.. ولا يهم أن تكون من الظواهر التي يحسبها الناس من الخارج كسباً.. إنما هي الحسنة فعلاً في ميزان الله تعالى.. وتكون من عند الله. لأن الله هو الذي سن المنهج وشرع الطريق ودل على الخير وحذر من الشر.. وحين لا يتبع الإنسان منهج الله الذي سنه، ولا يسلك طريقه الذي شرعه، ولا يحاول الخير الذي دله عليه، ولا يحذر الشر الذي حذره منه.. حينئذ تصيبه السيئة. السيئة الحقيقية. سواء في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معاً.. ويكون هذا من عند نفسه. لأنه هو الذي لم يتبع منهج الله وطريقه.. وهذا معنى غير المعنى الأول، ومجال غير المجال الأول.. كما هو واضح فيما نحسب.. ولا يغير هذا من الحقيقة الأولى شيئاً. وهي أن تحقق الحسنة، وتحقق السيئة ووقوعهما لا يتم إلا بقدرة الله وقدره. لأنه المنشىء لكل ما ينشأ. المحدث لكل ما يحدث. الخالق لكل ما يكون.. أياً كانت ملابسة إرادة الناس وعملهم في هذا الذي يحدث، وهذا الذي يكون. ثم يبين لهم حدود وظيفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعمله وموقف الناس منه، وموقفه من الناس. ويرد الأمر كله إلى الله في النهاية: {وأرسلناك للناس رسولاً. وكفى بالله شهيداً. من يطع الرسول فقد أطاع الله. ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً}.. إن وظيفة الرسول هي أداء الرسالة. لا إحداث الخير ولا إحداث السوء. فهذا من أمر الله - كما سلف - والله شهيد على أنه أرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - لأداء هذه الوظيفة {وكفى بالله شهيداً}.. وأمُر الناس مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن من أطاعه فقد أطاع الله. فلا تفرقة بين الله ورسوله. ولا بين قول الله وقول رسوله.. ومن تولى معرضاً مكذباً فأمره إلى الله من ناحية حسابه وجزائه. ولم يرسل الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليجبره على الهدى، ويكرهه على الدين، وليس موكلاً بحفظه من العصيان والضلال. فهذا ليس داخلاً في وظيفة الرسول؛ ولا داخلاً في قدرة الرسول. بهذا البيان يصحح تصورهم عن حقيقة ما يقع لهم.. فكله لا ينشأ ولا يتحقق إلا بإرادة الله وقدره. وما يصيبهم من حسنة أو سيئة - بأي معنى من معاني الحسنة أو السيئة، سواء حسب ما يرونه هم في الظاهر، أو ما هو في حقيقة الأمر والواقع - فهو من عند الله. لأنه لا ينشىء شيئاً ولا يحدثه ولا يخلقه ويوجده إلا الله.. وما يصيبهم من حسنة حقيقية - في ميزان الله - فهو من عند الله، لأنه بسبب منهجه وهدايته. وما يصيبهم من سيئة حقيقية - في ميزان الله - فهو من عند أنفسهم، لأنه بسبب تنكبهم عن منهج الله والإعراض عن هدايته.. والرسول وظيفته الأولى والأخيرة أنه رسول. لا ينشىء ولا يحدث ولا يخلق. ولا يشارك الله تعالى في خاصية الألوهية هذه: وهي الخلق والإنشاء والإحداث. وهو يبلغ ما جاء به من عند الله، فطاعته فيما يأمر به إذن هي طاعة لله. وليس هناك طريق آخر لطاعة الله غير طاعة الرسول. والرسول ليس مكلفاً أن يحدث الهدى للمعرضين المتولين، ولا أن يحفظهم من الإعراض والتولي. بعد البلاغ والبيان.. حقائق - هكذا - واضحة مريحة، بينة صريحة؛ تبني التصور، وتريح الشعور؛ وتمضي شوطاً مع تعليم الله لهذه الجماعة، وإعدادها لدورها الكبير الخطير.. بعد ذلك يحكي السياق عن حال طائفة أخرى - في الصف المسلم - أم لعلها هي طائفة المنافقين يذكر عنها فعلاً جديداً، وفصلاً جديداً! ومع الحكاية التنفير من الفعلة؛ ومع التنفير التعليم والتوجيه والتنظيم.. كل ذلك في آيات قليلة، وعبارات معدودة: {ويقولون: طاعة. فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول - والله يكتب ما يبيتون - فأعرض عنهم، وتوكل على الله, وكفى بالله وكيلاً. أفلا يتدبرون القرآن؟ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً}.. إن هذا الفريق من الناس إذا كان عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسمع منه القرآن وما فيه من التكاليف.. قالوا: {طاعة}.. قالوها هكذا جامعة شاملة. طاعة مطلقة. لا اعتراض ولا استفهام ولا استيضاح ولا استثناء! ولكن ما إن يخرجوا من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى تبيت طائفة منهم غير الذي تقول؛ وتروح في ما بينها تتآمر على عدم التنفيذ؛ وعلى اتخاذ خطة للتخلص من التكليف. أم لعل النص يصور حال الجماعة المسلمة كلها؛ ويستثني منها هذه الطائفة ذات الشأن الخاص، والتصرف الخاص.. ويكون المعنى أن المسلمين يقولون: طاعة. بجملتهم. ولكن طائفة منهم - وهي هذه الطائفة المنافقة - إذا خرجت بيت أفرادها غير ما قالوا.. وهي صورة ترسم تلك الخلخلة بعينها في الصف المسلم. فإن هؤلاء مندسون فيه على كل حال. وتصرفهم على هذا النحو يؤذي الصف ويخلخله؛ والجماعة المسلمة تخوض المعركة في كل ميادينها وبكل قوتها! والله - سبحانه - يطمئن النبي - صلى الله عليه وسلم - والمخلصين في الصف. يطمئنهم بأن عينه على هذه الطائفة التي تبيت وتمكر، وشعور المسلمين بأن عين الله على المبيتين الماكرين يثبت قلوبهم، ويسكب فيها الطمأنينة إلى أن هذه الطائفة لن تضرهم شيئاً بتآمرها وتبيتها. ثم هي تهديد ووعيد للمتآمرين المبيتين؛ فلن يذهبوا مفلحين، ولن يذهبوا ناجين: {والله يكتب ما يبيتون}.. وكانت الخطة التي وجه الله إليها نبيه - صلى الله عليه وسلم - في معاملة المنافقين، هي أخذهم بظاهرهم - لا بحقيقة نواياهم - والإعراض والتغاضي عما يبدر منهم.. وهي خطة فتلتهم في النهاية، وأضعفتهم، وجعلت بقاياهم تتوارى ضعفاً وخجلاً.. وهنا طرف من هذه الخطة: {فأعرض عنهم}. ومع هذا التوجيه بالإغضاء عنهم، التطمين بكلاءة الله وحفظه مما يبيتون: {وتوكل على الله.. وكفى بالله وكيلاً}.. نعم.. وكفى بالله وكيلاً. لا يضار من كان وكيله؛ ولا يناله تآمر ولا تبيت ولا مكيدة.. وكأنما كان الذي يدفع هذه الطائفة إلى أن تقول في حضرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع القائلين: {طاعة} فإذا خرجت بيتت غير الذي تقول.. كأنما كان هذا بسبب شكهم في مصدر ما يأمرهم به الرسول - صلى الله عليه وسلم - وظنهم أن هذا القرآن من عنده! وحين يوجد مثل هذا الشك لحظة يتوارى سلطان الأمر والتكليف جملة. فهذا السلطان مستمد كله من الاعتقاد الجازم الكامل، بأن هذا كلام الله، وبأنه - صلى الله عليه وسلم - لا ينطق عن الهوى.. ومن ثم كان هذا التوكيد الشديد الجازم المكرر على هذه الحقيقة.. وهنا يعرض عليهم القرآن خطة، هي غاية ما يبلغه المنهج الرباني من تكريم الإنسان والعقل الإنساني، واحترام هذا الكائن البشري وإدراكه، الذي وهبه له الخالق المنان. يعرض عليهم الاحتكام في أمر القرآن إلى إدراكهم هم وتدبر عقولهم.. ويعين لهم منهج النظر الصحيح؛ كما يعين لهم الظاهرة التي لا تخطىء إذا اتبعها ذلك المنهج. وهي ظاهرة واضحة كل الوضوح في القرآن من جهة؛ ويمكن للعقل البشري إدراكها من جهة أخرى.. ودلالتها على أنه من عند الله دلالة لا تمارى: {أفلا يتدبرون القرآن؟ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً}.. وفي هذا العرض، وهذا التوجيه، منتهى الإكرام للإنسان وإدراكه وشخصيته - كما قلنا - كما أن فيه منتهى النصفة في الاحتكام إلى هذا الإدراك في ظاهرة لا يعييه إدراكها. وهي في الوقت ذاته ذات دلالة - كما أسلفنا - لا تمارى! والتناسق المطلق الشامل الكامل هو الظاهرة التي لا يخطئها من يتدبر هذا القرآن أبداً.. ومستوياتها ومجالاتها، مما تختلف العقول والأجيال في إدراك مداها. ولكن كل عقل وكل جيل يجد منها - بحسب قدرته وثقافته وتجربته وتقواه - ما يملك إدراكه، في محيط يتكيف بمدى القدرة والثقافة والتجربة والتقوى. ومن ثم فإن كل أحد، وكل جيل، مخاطب بهذه الآية. ومستطيع - عند التدبر وفق منهج مستقيم - أن يدرك من هذه الظاهرة - ظاهرة عدم الاختلاف، أو ظاهرة التناسق - ما تهيئه له قدرته وثقافته وتجربته وتقواه.. وتلك الطائفة في ذلك الجيل كانت تخاطب بشيء تدركه، وتملك التحقق منه بإدراكها في حدودها الخاصة. تتجلى هذه الظاهرة ظاهرة. عدم الاختلاف.. أو ظاهرة التناسق.. ابتداء في التعبير القرآني من ناحية الأداء وطرائقه الفنية.. ففي كلام البشر تبدو القمم والسفوح؛ التوفيق والتعثر. القوة والضعف. التحليق والهبوط. الرفرفة والثقلة. الإشراق والانطفاء.. إلى آخر الظواهر التي تتجلى معها سمات البشر. وأخصها سمة "التغير" والاختلاف المستمر الدائم من حال إلى حال. يبدو ذلك في كلام البشر، واضحاً عندما تستعرض أعمال الأديب الواحد، أو المفكر الواحد، أو الفنان الواحد، أو السياسي الواحد، أو القائد العسكري الواحد.. أو أيٍّ كان في صناعته؛ التي يبدو فيها الوسم البشري واضحاً.. وهو: التغير، والاختلاف.. هذه الظاهرة واضح كل الوضوح أن عكسها وهو: الثبات، والتناسق، هو الظاهرة الملحوظة في القرآن - ونحن نتحدث فقط عن ناحية التعبير اللفظي والأداء الأسلوبي - فهناك مستوى واحد في هذا الكتاب المعجز - تختلف ألوانه باختلاف الموضوعات التي يتناولها - ولكن يتحد مستواه وأفقه، والكمال في الأداء بلا تغير ولا اختلاف من مستوى إلى مستوى.. كما هو الحال في كل ما يصنع الإنسان.. إنه يحمل طابع الصنعة الإلهية؛ ويدل على الصانع. يدل على الموجود الذي لا يتغير من حال إلى حال، ولا تتوالى عليه الأحوال!. وتتجلى ظاهرة عدم الاختلاف.. والتناسق المطلق الشامل الكامل.. بعد ذلك في ذات المنهج الذي تحمله العبارات. ويؤديه الأداء.. منهج التربية للنفس البشرية - والمجتمعات البشرية - ومحتويات هذا المنهج وجوانبه الكثيرة - ومنهج التنظيم للنشاط الإنساني للأفراد - وللمجتمع الذي يضم الأفراد وشتى الجوانب والملابسات التي تطرأ في حياة المجتمعات البشرية على توالي الأجيال - ومنهج التقويم للإدراك البشري ذاته وتناول شتى قواه وطاقاته وإعمالها معاً في عملية الإدراك! - ومنهج التنسيق بين الكائن الإنساني بجملته - في جميع مجتمعاته وأجياله ومستوياته - وبين هذا الكون الذي يعيش فيه؛ ثم بين دنياه وآخرته؛ وما يشتجر في العلاقة بينهما من ملابسات لا تحصى في عالم كل فرد؛ وفي عالم "الإنسان" وهو يعيش في هذا الكون بشكل عام.. وإذا كان الفارق بين صنعة الله وصنعة الإنسان واضحاً كل الوضوح في جانب التعبير اللفظي والأداء الفني، فإنه أوضح من ذلك في جانب التفكير والتنظيم والتشريع. فما من نظرية بشرية، وما من مذهب بشري، إلا وهو يحمل الطابع البشري.. جزئية النظر والرؤية.. والتأثر الوقتي بالمشكلات الوقتية.. وعدم رؤية المتناقضات في النظرية أو المذهب أو الخطة؛ التي تؤدي إلى الاصطدام بين مكوّناتها - إن عاجلاً وإن آجلاً - كما تؤدي إلى إيذاء بعض الخصائص في الشخصية البشرية الواحدة التي لم يحسب حساب بعضها؛ أو في مجموعة الشخصيات الذين لم يحسب حساب كل واحدة منها.. إلى عشرات ومئات من النقائص والاختلاف، الناشئة من طبيعة الإدراك البشري المحدود، ومن الجهل البشري بما وراء اللحظة الحاضرة، فوق جهله بكل مكونات اللحظة الحاضرة - في أية لحظة حاضرة! - وعكس ذلك كله هو ما يتسم به المنهج القرآني الشامل المتكامل، الثابت الأصول؛ ثبات النواميس الكونية؛ الذي يسمح بالحركة الدائمة - مع ثباته - كما تسمح بها النواميس الكونية! وتدبر هذه الظاهرة، في آفاقها هذه، قد لا يتسنى لكل إدراك، ولا يتسنى لكل جيل. بل المؤكد أن كل إدراك سيتفاوت مع الآخر في إدراكها؛ وكل جيل سيأخذ بنصيبه في إدراكها ويدع آفاقاً منها للأجيال المترقية، في جانب من جوانب المعرفة أو التجربة.. إلا أنه يتبقى من وراء كل الاختلاف البشري الكثير في إدراك هذه الظاهرة - كاختلافه الكثير في كل شيء آخر! - بقية يلتقي عليها كل إدراك، ويلتقي عليها كل جيل.. وهي أن هذه الصنعة شيء وصنعة البشر شيء آخر. وأنه لا اختلاف في هذه الصنعة ولا تفاوت، وإنما وحدة وتناسق.. ثم يختلف الناس بعد ذلك ما يختلفون في إدراك آماد وآفاق وأبعاد وأنواع ذلك التناسق! وإلى هذا القدر الذي لا يخطئه متدبر - حين يتدبر - يكل الله تلك الطائفة، كما يكل كل أحد، وكل جماعة، وكل جيل. وإلى هذا القدر من الإدراك المشترك يكل إليهم الحكم على هذا القرآن؛ وبناء اعتقادهم في أنه من عند الله. ولا يمكن أن يكون من عند غير الله. ويحسن أن نقف هنا وقفة قصيرة، لتحديد مجال الإدراك البشري في هذا الأمر وفي أمر الدين كله. فلا يكون هذا التكريم الذي كرمه الله للإنسان بهذا التحكيم، سبيلاً إلى الغرور، وتجاوز الحد المأمون؛ والانطلاق من السياج الحافظ من المضي في التيه بلا دليل! إن مثل هذه التوجيهات في القرآن الكريم يساء إدراكها، وإدراك مداها. فيذهب بها جماعة من المفكرين الإسلاميين - قديماً وحديثاً - إلى إعطاء الإدراك البشري سلطة الحكم النهائية في أمر الدين كله. ويجعلون منه نداً لشرع الله. بل يجعلونه هو المسيطر على شرع الله! الأمر ليس كذلك.. الأمر أن هذه الأداة العظيمة - أداة الإدراك البشري - هي بلا شك موضع التكريم من الله - ومن ثم يكل إليها إدراك الحقيقة الأولى: حقيقة أن هذا الدين من عند الله. لأن هناك ظواهر يسهل إدراكها؛ وهي كافية بذاتها للدلالة - دلالة هذا الإدراك البشري ذاته - على أن هذا الدين من عند الله.. ومتى أصبحت هذه القاعدة الكبيرة مسلماً بها، أصبح من منطق هذا الإدراك ذاته أن يسلم - بعد ذلك -تلقائياً بكل ما ورد في هذا الدين - لا يهم عندئذ أن يدرك حكمته الخفية أو لا يدركها. فالحكمة متحققة حتماً ما دام من عند الله. ولا يهم عندئذ أن يرى "المصلحة" متحققة فيه في اللحظة الحاضرة. فالمصلحة متحققة حتماً ما دام من عندالله.. والعقل البشري ليس نداً لشريعة الله - فضلاً على أن يكون الحاكم عليها - لأنه لا يدرك إلا إدراكاً ناقصاً في المدى المحدود؛ ويستحيل أن ينظر من جميع الزوايا وإلى جميع المصالح - لا في اللحظة الواحدة ولا في التاريخ كله - بينما شريعة الله تنظر هذه النظرة؛ فلا ينبغي أن يكون الحكم فيها، أو في حكم ثابت قطعي من أحكامها موكولاً إلى الإدراك البشري.. وأقصى ما يتطلب من الإدراك البشري أن يتحرى إدراك دلالة النص وانطباقه؛ لا أن يتحرى المصلحة أو عدم المصلحة فيه! فالمصلحة متحققة أصلاً بوجود النص من قبل الله تعالى.. إنما يكون هذا فيما لا نص فيه، مما يجدّ من الأقضية؛ وهذا سبق بيان المنهج فيه، وهو رده إلى الله والرسول.. وهذا هو مجال الاجتهاد الحقيقي. إلى جانب الاجتهاد في فهم النص، والوقوف عنده، لا تحكيم العقل البشري في أن مدلوله يحمل المصلحة أو لا يحملها!!! إن مجال العقل البشري الأكبر في معرفة نواميس الكون والإبداع في عالم المادة.. وهو ملك عريض!!! يجب أن نحترم الإدراك البشري بالقدر الذي أراده الله له من التكريم في مجاله الذي يحسنه - ثم لا نتجاوز به هذا المجال. كي لا نمضي في التيه بلا دليل. إلا دليلاً يهجم على ما لا يعرف من مجاهل الطريق.. وهو عندئذ أخطر من المضي بلا دليل!!! ويمضي السياق يصور حال طائفة أخرى. أو يصف فعلة أخرى لطائفة في المجتمع المسلم: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به. ولوردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، لعلمه الذين يستنبطونه منهم. ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً}.. والصورة التي يرسمها هذا النص، هي صورة جماعة في المعسكر الإسلامي، لم تألف نفوسهم النظام؛ ولم يدركوا قيمة الإشاعة في خلخلة المعسكر؛ وفي النتائج التي تترتب عليها، وقد تكون قاصمة؛ لأنهم لم يرتفعوا إلى مستوى الأحداث؛ ولم يدركوا جدية الموقف؛ وأن كلمة عابرة وفلتة لسان، قد تجر من العواقب على الشخص ذاته، وعلى جماعته كلها ما لا يخطر له ببال؛ وما لا يتدارك بعد وقوعه بحال! أو - ربما - لأنهم لا يشعرون بالولاء الحقيقي الكامل لهذا المعسكر؛ وهكذا لا يعنيهم ما يقع له من جراء أخذ كل شائعة والجري بها هنا وهناك، وإذاعتها، حين يتلقاها لسان عن لسان. سواء كانت إشاعة أمن أو إشاعة خوف.. فكلتاهما قد يكون لإشاعتها خطورة مدمرة! - فإن إشاعة أمر الأمن مثلاً في معسكر متأهب مستيقظ متوقع لحركة من العدو.. إشاعة أمر الأمن في مثل هذا المعسكر تحدث نوعاً من التراخي - مهما تكن الأوامر باليقظة - لأن اليقظة النابعة من التحفز للخطر غير اليقظة النابعة من مجرد الأوامر! وفي ذلك التراخي قد تكون القاضية! كذلك إشاعة أمر الخوف في معسكر مطمئن لقوته، ثابت الأقدام بسبب هذه الطمأنينة. وقد تحدث إشاعة أمر الخوف فيه خلخلة وارتباكاً، وحركات لا ضرورة لها لاتقاء مظان الخوف.. وقد تكون كذلك القاضية! وعلى أية حال فهي سمة المعسكر الذي لم يكتمل نظامه؛ أو لم يكتمل ولاؤه لقيادته. أو هما معاً.. ويبدو أن هذه السمة وتلك كانتا واقعتين في المجتمع المسلم حينذاك؛ باحتوائه على طوائف مختلفة المستويات في الإيمان، ومختلفة المستويات في الإدراك، ومختلفة المستويات في الولاء... وهذه الخلخلة هي التي كان يعالجها القرآن بمنهجه الرباني. والقرآن يدل الجماعة المسلمة على الطريق الصحيح: {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، لعلمه الذين يستنبطونه منهم}. أي لو أنهم ردوا ما يبلغهم من أنباء الأمن أو الخوف إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - إن كان معهم، أو إلى أمرائهم المؤمنين، لعلم حقيقته القادرون على استنباط هذه الحقيقة؛ واستخراجها من ثنايا الأنباء المتناقضة، والملابسات المتراكمة. فمهمة الجندي الطيب في الجيش المسلم، الذي يقوده أمير مؤمن - بشرط الإيمان ذاك وحدّه - حين يبلغ إلى أذنيه خبر، أن يسارع فيخبر به نبيه أو أميره. لا أن ينقله ويذيعه بين زملائه؛ أو بين من لا شأن لهم به. لأن قيادته المؤمنة هي التي تملك استنباط الحقيقة، كما تملك تقدير المصلحة في إذاعة الخبر - حتى بعد ثبوته - أو عدم إذاعته.. وهكذا كان القرآن يربي.. فيغرس الإيمان والولاء للقيادة المؤمنة؛ ويعلم نظام الجندية في آية واحدة.. بل بعض آية.. فصدر الآية يرسم صورة منفرة للجندي وهو يتلقى نبأ الأمن أو الخوف، فيحمله ويجري متنقلاً، مذيعاً له، من غير تثبت، ومن غير تمحيص، ومن غير رجعة إلى القيادة.. ووسطها يعلم ذلك التعليم.. وآخرها يربط القلوب بالله في هذا، ويذكرها بفضله، ويحركها إلى الشكر على هذا الفضل، ويحذرها من اتباع الشيطان الواقف بالمرصاد؛ الكفيل بإفساد القلوب لولا فضل الله ورحمته: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً}.. آية واحدة تحمل هذه الشحنة كلها؛ وتتناول القضية من أطرافها؛ وتتعمق السريرة والضمير؛ وهي تضع التوجيه والتعليم!!! ذلك أنه من عند الله.. {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً}.. وحين يصل السياق إلى هذا الحد من تقويم عيوب الصف؛ التي تؤثر في موقفه في الجهاد وفي الحياة - ومنذ أول الدرس وهذا التقويم مطرد لهذه العيوب - عندئذ ينتهي إلى قمة التحضيض على القتال الذي جاء ذكره في ثنايا الدرس. قمة التكليف الشخصي، الذي لا يقعد الفرد عنه تبطئة ولا تخذيل، ولا خلل في الصف، ولا وعورة في الطريق. حيث يوجه الخطاب إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأن يقاتل - ولو كان وحيداً - فإنه لا يحمل في الجهاد إلا تبعة شخصه - صلى الله عليه وسلم - وفي الوقت ذاته يحرض المؤمنين على القتال.. وكذلك يوحي إلى النفوس بالطمأنينة ورجاء النصر: فالله هو الذي يتولى المعركة. والله أشد بأساً وأشد تنكيلاً: {فقاتل في سبيل الله - لا تكلف إلا نفسك - وحرض المؤمنين. عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا. والله أشد بأساً وأشد تنكيلاً}.. ومن خلال هذه الآية - بالإضافة إلى ما قبلها - تبرز لنا ملامح كثيرة في الجماعة المسلمة يومذاك. كما تبرز لنا ملامح كثيرة في النفس البشرية في كل حين: "أ" يبرز لنا مدى الخلخلة في الصف المسلم؛ وعمق آثار التبطئة والتعويق والتثبيط فيه؛ حتى لتكون وسيلة الاستنهاض والاستجاشة، هي تكليف النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقاتل في سبيل الله - ولو كان وحده - ليس عليه إلا نفسه؛ مع تحريض المؤمنين. غير متوقف مضيه في الجهاد على استجابتهم أو عدم استجابتهم! ولو أن عدم استجابتهم - جملة - أمر لا يكون. ولكن وضع المسألة هذا الوضع يدل على ضرورة إبراز هذا التكليف على هذا النحو؛ واستجاشة النفوس له هذه الاستجاشة. فوق ما يحمله النص - طبعاً - من حقيقة أساسية ثابتة في التصور الإسلامي. وهي أن كل فرد لا يكلف إلا نفسه.. "ب" كما يبرز لنا مدى المخاوف والمتاعب في التعرض لقتال المشركين يومذاك.. حتى ليكون أقصى ما يعلق الله به رجاء المؤمنين: أن يتولى هو سبحانه كف بأس الذين كفروا؛ فيكون المسلمون ستاراً لقدرته في كف بأسهم عن المسلمين.. مع إبراز قوة الله - سبحانه - وأنه أشد بأساً وأشد تنكيلاً.. وإيحاء هذه الكلمات واضح عن قوة بأس الذين كفروا يومذاك؛ والمخاوف المبثوثة في الصف المسلم.. وربما كان هذا بين أحد والخندق. فهذه أحرج الأوقات التي مرت بها الجماعة المسلمة في المدينة؛ بين المنافقين، وكيد اليهود، وتحفز المشركين! وعدم اكتمال التصور الإسلامي ووضوحه وتناسقه بين المسلمين! "ج" كذلك تبرز لنا حاجة النفس البشرية؛ وهي تدفع إلى التكاليف التي تشق عليها، إلى شدة الارتباط بالله؛ وشدة الطمأنينة إليه؛ وشدة الاستعانة به؛ وشدة الثقة بقدرته وقوته.. فكل وسائل التقوية غير هذه لا تجدي حين يبلغ الخطر قمته. وهذه كلها حقائق يستخدمها المنهج الرباني؛ والله هو الذي خلق هذه النفوس. وهو الذي يعلم كيف تربى وكيف تُقّوى وكيف تستجاش وكيف تستجيب.. وبمناسبة تحريض الرسول - صلى الله عليه وسلم - للمؤمنين على القتال الذي ورد الأمر به في آخر الدرس، وذكر المبطئين المثبطين في أوله، يقرر قاعدة عامة في الشفاعة - وهي تشمل التوجيه والنصح والتعاون: {من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها، ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها، وكان الله على كل شيء مقيتاً}.. فالذي يشجع ويحرض ويعاون على القتال في سبيل الله، يكون له نصيب من أجر هذه الدعوة وآثارها. والذي يبطىء ويثبط تكون له تبعة فيها وفي آثارها.. وكلمة {كفل} توحي بأنه متكفل بجرائرها. والمبدأ عام في كل شفاعة خير، أو شفاعة سوء. وقد ذكر المبدأ العام بمناسبة الملابسة الخاصة، على طريقة المنهج القرآني، في إعطاء القاعدة الكلية من خلال الحادثة الجزئية، وربط الواقعة المفردة بالمبدأ العام كذلك. وربط الأمر كله بالله، الذي يرزق بكل شيء. أو الذي يمنح القدرة على كل شيء. وهو ما يفسر كلمة "مقيت" في قوله تعالى في التعقيب: {وكان الله على كل شيء مقيتاً}. ثم استطرد السياق بعد ذكر الشفاعة إلى الأمر برد التحية بخير منها أو بمثلها. والتحية في المجتمع علاقة من العلاقات التي تدور بها عجلة الحياة في يسر، إذا اتبع الأدب الواجب فيها.. والمناسبة قريبة بينها - في جو المجتمع - وبين الشفاعة التي سبق التوجيه فيها: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها، أو ردوها، إن الله كان على كل شيء حسيباً}.. وقد جاء الإسلام بتحيته الخاصة، التي تميز المجتمع المسلم؛ وتجعل كل سمة فيه - حتى السمات اليومية العادية - متفردة متميزة؛ لا تندغم ولا تضيع في سمات المجتمعات الأخرى ومعالمها.. جعل الإسلام تحيته: "السلام عليكم" أو "السلام عليكم ورحمة الله" أو "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته".. والرد عليها بأحسن منها - بالزيادة على كل منها ما عدا الثالثة فلم تبق زيادة لمستزيد - فالرد على الأولى (وعليكم السلام ورحمة الله) والرد على الثانية (وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته). والرد على الثالثة (وعليكم..) إذ أنها استوفت كل الزيادات، فترد بمثلها... وهكذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم.. ونقف أمام اللمسات الكامنة في آية التحية هذه: إنها - أولاً - تلك السمة المتفردة، التي يحرص المنهج الإسلامي على أن يطبع بها المجتمع المسلم بحيث تكون له ملامحه الخاصة، وتقاليده الخاصة - كما أن له شرائعه الخاصة ونظامه الخاص - وقد سبق أن تحدثنا عن هذه الخاصية بالتفصيل عند الكلام عن تحويل القبلة، وتميز الجماعة المسلمة بقبلتها، كتميزها بعقيدتها. وذلك في سورة البقرة من قبل في الظلال. وهي - ثانياً - المحاولة الدائمة لتوثيق علاقات المودة والقربى بين أفراد الجماعة المسلمة.. وإفشاء السلام؛ والرد على التحية بأحسن منها، من خير الوسائل لإنشاء هذه العلاقات وتوثيقها. "حديث : وقد سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أي العمل خير؟ قال: تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف"تفسير : ..هذا في إفشاء السلام بين الجماعة المسلمة ابتداء. وهو سنة. أما الرد عليها فهو فريضة بهذه الآية.. والعناية بهذا الأمر تبدو قيمتها عند الملاحظة الواقعية لآثار هذا التقليد في إصفاء القلوب، وتعارف غير المتعارفين؛ وتوثيق الصلة بين المتصلين.. وهي ظاهرة يدركها كل من يلاحظ آثار مثل هذا التقليد في المجتمعات، ويتدبر نتائجها العجيبة! وهي - ثالثاً - نسمة رخية في وسط آيات القتال قبلها وبعدها.. لعل المراد منها أن يشار إلى قاعدة الإسلام الأساسية.. السلام.. فالإسلام دين السلام. وهو لا يقاتل إلا لإقرار السلام في الأرض، بمعناه الواسع الشامل. السلام الناشىء من استقامة الفطرة على منهج الله.

ابن عاشور

تفسير : استئناف وانتقال إلى التحريض على الجهاد بمناسبة لطيفة، فإنّه انتقل من طاعة الرسول إلى ذكر أشدّ التكاليف، ثمّ ذكر الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، وكان الحال أدعى إلى التنويه بشأن الشهادة دون بقية الخلال المذكورة معها الممكنة النوال. وهذه الآية تشير لا محالة إلى تهيئة غزوة من غزوات المسلمين، وليس في كلام السلفِ ذكر سبب نزولها، ولا شكّ أنّها لم تكن أوّل غزوة لأنّ غزوة بدر وقعت قبل نزول هذه السورة، وكذلك غزوة أحد التي نزلت فيها سورة آل عمران، وليست نازلة في غزوة الأحزاب لأنّ قوله: {فانفِروا ثبات} يقتضي أنّهم غازون لا مغزوّون، ولعلّها نزلت لمجرّد التنبيه إلى قواعد الاستعداد لغزو العدوّ، والتحذير من العدوّ الكاشح، ومن العدوّ الكائد، ولعلّها إعداد لغزوة الفتح، فإنّ هذه السورة نزلت في سنة ستّ، وكان فتح مكة في سنة ثمان، ولا شكّ أنّ تلك المدّة كانت مدّة اشتداد التألّب من العرب كلّهم لنصرة مشركي قريش والذبّ عن آلهتهم، ويدلّ لذلك قوله بعد {أية : ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين}تفسير : [النساء: 75] الخ، وقوله: {أية : فإن كان لكم فتح من الله}تفسير : [النساء: 141] فإنّ اسم الفتح أريد به فتح مكة في مواضع كثيرة كقوله: {أية : فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً}تفسير : [الفتح: 27]. وابتدأ بالأمر بأخذ الحذر. وهي أكبر قواعد القتال لاتّقاء خدع الأعداء. والحِذْرُ: هو توقّي المكروه. ومعنى ذلك أن لا يغترّوا بما بيَّنهم وبين العدوّ من هدنة صلح الحديبية، فإنّ العدوّ وأنصاره يتربّصون بهم الدوائر، ومن بينهم منافقون هم أعداء في صورة أولياء، وهم الذين عنوا بقوله: {وإنَّ منكم لمن ليُبطئنّ} ــــ إلى ــــ {فوزاً عظيماً}. ولفظ {خذوا} استعارة لمعنى شدّة الحذر وملازمته، لأنّ حقيقة الأخذ تناول الشيء الذي كان بعيداً عنك. ولما كان النسيان والغفلة يشبهان البعد والإلقاء كان التذكّر والتيقّظ يشبهان أخذ الشيء بعد إلقائه، كقوله: {أية : خذ العفو}تفسير : [الأعراف: 199]، وقولهم: أخذ عليه عهداً وميثاقاً. وليس الحذر مجازاً في السلاح كما توهمّه كثير، فإنّ الله تعالى قال في الآية الأخرى {أية : وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم}تفسير : [النساء: 102]. فعطف السلاح عليه. وقوله: {فانفروا ثُبات أو انفروا جميعاً} تفريع عن أخذ الحذر لأنّهم إذا أخذوا حذرهم تخيّروا أساليب القتال بحسب حال العدّو. و{انفروا} بمعنى أخرجوا للحرب، ومصدره النفَّر، بخلاف نفر ينفُر ــــ بضمّ العين ــــ في المضارع فمصدره النفور. و(ثُباتٍ) بضمّ الثاء جمع ثُبة ــــ بضمّ الثاء أيضاً ــــ وهي الجماعة، وأصلها ثُبَية أو ثُبَوَة بالياء أو بالواو، والأظهر أنّها بالواو، لأنّ الكلمات التي بقي من أصولها حرفان وفي آخرها هاء للتأنيث أصلها الواو نحو عِزة وعضة فوزنها فعة، وأمّا ثُبة الحوض، وهي وسطه الذي يجتمع فيه الماء فهي من ثَاب يثوب إذا رجع، وأصلها ثُوَبَة فخفّفت فصارت بوزن فُلة، واستدلّوا على ذلك بأنّها تصغّر على ثويبة، وأنّ الثبة بمعنى الجماعة تصغّر على ثُبَيَّة. قال النحّاس: «ربّما توهّم الضعيف في اللغة أنّهما واحد مع أنّ بينهما فرقا» ومع هذا فقد جعلهما صاحب «القاموس» من واد واحد وهو حَسَن، إذ قد تكون ثبة الحوض مأخوذة من الاجتماع إلاّ إذا ثبت اختلاف التصغير بسماع صحيح. وانتصب {ثُبات} على الحال، لأنّه في تأويل: متفرّقين، ومعنى {جميعاً} جيشاً واحداً. وقوله: {وإنَّ مِنكم لمن ليبطّئنّ} أي من جماعتكم وعدادكم، والخبر الوارد فيهم ظاهر منه أنَّهم ليسوا بمؤمنين في خلوتهم، لأنّ المؤمن إن أبطأ عن الجهاد لا يقول: «قد أنعم الله عليَّ إذ لم أكن معهم شهيداً»، فهؤلاء منافقون، وقد أخبر الله عنهم بمثل هذا صراحة في آخر هذه السورة بقوله: {بشّر المنافقين بأنّ لهم عذاباً أليماً} إلى قوله: {أية : الذين يتربّصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين}تفسير : [النساء: 138 ـــ 141]. وعلى كون المراد بــــ{من ليبطّئنّ} المنافقين حمَل الآية مجاهد، وقتادة، وابن جريج. وقيل: أريد بهم ضعفة المؤمنين يتثاقلون عن الخروج إلى أن يتّضح أمر النصر. قال الفخر «وهذا اختيار جماعة من المفسرين» وعلى هذا فمعنى و{منكم} أي من أهل دينكم. وعلى كلا القولين فقد أكّد الخبر بأقوى المؤكّدات لأنّ هذا الخبر من شأنه أن يتلقى بالاستغراب. وبَطَّأ ــــ بالتضعيف ــــ قاصر، بمعنى تثاقل في نفسه عن أمر، وهو الإبطاء عن الخروج إبطاء بداعي النفاق أو الجبْن. والإخبار بذلك يستتبع الإنكار عليه، والتعريض به، مع كون الخبر باقياً على حقيقته لأنّ مستتبعات التراكيب لا توصف بالمجاز. وقوله: {فإن أصابتكم مصيبة} تفريع عن {ليَبطّئنّ}، إذ هذا الإبطاء تارة يجرّ له الابتهاج بالسلامة، وتارة يجرّ له الحسرة والندامة. و(المصيبَة) اسم لما أصاب الإنسان من شرّ، والمراد هنا مصيبة الحرب أعني الهزيمة من قتل وأسر. ومعنى {أنعم الله عليّ} الإنعام بالسلامة: فإن كان من المنافقين فوصف ذلك بالنعمة ظاهر؛ لأنّ القتل عندهم مصيبة محْضة إذ لا يرجون منه ثواباً؛ وإن كان من ضعفة المؤمنين فهو قد عَدَّ نعمة البقاء أولى من نعمة فضل الشهادة لشدّة الجبن، وهذا من تغليب الداعي الجبليّ على الداعي الشرعي. والشهيد على الوجه الأوّل: إمّا بمعنى الحاضر المشاهد للقتال، وإمّا تهكّم منه على المؤمنين مثل قوله: {أية : هم الذين يقولون لا تنفقوا على مَنْ عندَ رسول الله}تفسير : [المنافقون: 7]؛ وعلى الوجه الثاني الشهيد بمعناه الشرعي وهو القتيل في الجهاد. وأكّد قوله: {ولئن أصابكم فضل من الله ليَقولنّ}، باللام الموطّئة للقسم وبلام جواب القسم وبنون التوكيد، تنبيهاً على غريب حالته حتّى ينزَّل سامعها منزلة المنكر لوقوع ذلك منه. والمراد من الفضل الفتح والغنيمة. وهذا المبطّىء يتمنّى أن لو كان مع الجيش ليفوز فوزاً عظيماً، وهو الفوز بالغنيمة والفوْز بأجر الجهاد، حيث وقعت السلامة والفوز برضا الرسول، ولذلك أتبع {أفوز} بالمصدر والوصف بعظيم. ووجه غريب حاله أنّه أصبح متلهّفاً على ما فاته بنفسه، وأنّه يودّ أن تجري المقادير على وفق مراده، فإذا قعَد عن الخروج لا يصيبُ المسلمين فضل من الله. وجملة {كَأنْ لم يكن بينكم وبينه مودة} معترضة بين فعل القول ومَقُولِه. والمودّة الصحبة والمحبّة؛ وإمّا أن يكون إطلاق المودّة على سبيل الاستعارة الصورية إن كان المراد به المنافق، وإمّا أن تكون حقيقة إن أريد ضعفة المؤمنين. وشبّه حالهم في حين هذا القول بحال من لم تسبق بينه وبين المخاطبين مودّة حقيقية أو صوريّة، فاقتضى التشبيه أنّه كان بينه وبينهم مودّة من قبل هذا القول. ووجه هذا التشبيه أنّه لمّا تمنّى أن لو كان معهم وتحسّر على فوات فوزه لو حضر معهم، كان حاله في تفريطه رفقتهم يشبه حال من لم يكن له اتّصال بهم بحيث لا يشهد ما أزمَعوا عليه من الخروج للجهاد، فهذا التشبيه مسوق مساق زيادة تنديمه وتحسيره، أي أنّه الذي أضاع على نفسه سببَ الانتفاع بما حصل لرفقته من الخير، أي أنّه قد كان له من الخلطة مع الغانمين ما شأنه أن يكون سبباً في خروجه معهم، وانتفاعه بثواب النصر وفخره ونعمة الغنيمة. وقرأ الجمهور {لم يكن} ــــ بياء الغيبة ــــ وهو طريقة في إسناد الفعل لما لفظه مؤنّث غير حقيقيّ التأنيث، مثل لفظ {مودَّة} هنا، ولا سيما إذا كان فصْل بين الفعل وفاعله. وقرأ ابن كثير، وحفص، ورويس عن يعقوب ــــ بالتاء الفوقية ــــ علامة المضارع المسند إلى المؤنّث اعتباراً بتأنيث لفظ مودّة.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: خذوا حذركم: الحِذْر والحَذَر: الاحتراس والاستعداد لدفع المكروه بحسبه. فانفروا ثبات: النفور: الخروج في اندفاع وانزعاج، والثبات: جمع ثبة وهي الجماعة. ليبطّئن: أي يتباطأ في الخروج فلا يخرج. مصيبة: قتل أو جراحات وهزيمة. شهيداً: أي حاضراً الغزوة معهم. فضل: نصر وغنيمة. مودة: صحبة ومعرفة مستلزمة للمودة. فوزا عظيماً: نجاة من معرة التخلف عن الجهاد، والظفر بالسلامة والغنيمة. معنى الآيات: قوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنْفِرُواْ جَمِيعاً} ينادي الله تعالى عباده المؤمنين وهم في فترة يستعدون فيها لفتح مكة وإدخالها في حضيرة الإِسلام خذوا الأهبة والاستعداد حتى لا تلاقوا عدوكم وأنتم ضعفاء، قوته أشد من قوتكم {فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ} عصابة بعد عصابة وجماعة بعد أخرى {أَوِ ٱنْفِرُواْ جَمِيعاً} بقيادتكم المحمدية وذلك بحسب ما يتطلبه الموقف وتراه القيادة ثم أخبرهم وهو العليم أن منهم أي من عدادهم وأفراد مواطينهم لمن والله ليبطئن عن الخروج إلى الجهاد نفسه وغيره معاً لأنه لا يريد لكم نصراً لأنه منافق كافر الباطن وإن كان مسلم الظاهر ويكشف عن حال هذا النوع من الرجال الرخيص فيقول: {فَإِنْ أَصَٰبَتْكُمْ} أيها المؤمنون الصادقون {مُّصِيبَةٌ} قتل أو جراح أو هزيمة قال في فرح بما أصابكم وما نجا منه: لقد أنعم الله علي إذا لم أكن معهم حاضراً فيصبني ما أصابهم، {وَلَئِنْ أَصَٰبَكُمْ فَضْلٌ مِنَ الله} أي نصر وغنيمة {لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ} أي معرفة ولا صلة يا ليتني متمنياً حاسداً - كنت معهم في الغزاة {فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً} بالنجاة من معرة التخلف والظفر بالغنائم والعودة سالماً. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- وجوب أخذ الأهبة والاستعداد التام على أمة الإِسلام في السلم والحرب سواء. 2- وجوب وجود خبرة عسكرية كاملة وقيادة رشيدة مؤمنة حكيمة عليمة. 3- وجود منهزمين روحياً مبطئين حسدة بين المسلمين وهم ضعاف الإِيمان فلا يؤبه لهم ولا يلتفت إليهم.

القطان

تفسير : الحِذر والحَذَر: الاحتراس والاستعداد لأتقاء شر العدو. ثُبات: جماعات، جمع ثُبة. انفروا: اخرجوا للجهاد. بَطَّأ: تأخر، او حمل غيره على التأخر. في هذه الآيات والتي تليها يرسم لنا سبحانه الهيئة الحربية التي يجب ان نتحلّى بها. ومن أهّمِ خططها الحذرُ والاستعداد واستكمال العدة، وهو ينبّهنا الى الحذر ممن يدّعون أنهم مسلمون وما هم كذلك، وانما هم ضعاف الإيمان لم يرسخ الايمان في قلوبهم بعد. يا أيها الذين آمنوا كونوا على حذَر دائماً من أعدائكم، واحترسوا واستعدّوا وخذوا الأُهبة لاتقاء شر العدو، واخرجوا للقتال جماعاتٍ متتابعة او اخرجوا جميعا. وهذه كلّها مبادىء حربية عامة، فهي ثابتة لعموميتها. اما الخاص فإنه يتحور ويتغير. وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام دائم الحذر، له عيون وجواسيس في أرض العدو، كي يظل على علم تام بأرض عدوه وتحركاته. اما نحن اليوم فإننا نائمون عن عدّونا وهو منتبه متيقظ، جواسيسه منتشرة بيننا، ويسخّر منا من تتفق مصالحه مع مصالحهم طمعاً في المنصب او الثروة. لقد استعدّ عدُّونا استعداداً كاملاً وأخذ حذره التام، ونحن غير مستعدين، ولا أرى عندنا اي عزم على القتال، وكل همنا ان نتباهى بالمظاهر الجوفاء من العظمة التافهة، وفي سبيلها يهدم بعضنا بعضا، ويكيد بعضُنا لبعض، مدّعياً الحفاظ على مصلحة الأمة زوراً وبُهتاناً، ومسخّراً في خدمته كل مرتزق وحقير. {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ} ان بينكم من يتثاقل ويتأخر عن الجهاد، فاحذَروا هؤلاء المثبِّطين والمعوِّقين ونقّوا صفوفكم منهم. وهذا لعمري اليومَ أكبر داءٍ بيننا وفي صفوفنا فإن كثيراً من الذين لا يخافون الله ولا يراعون حرمة الوطن والدين منبثّون في صفوفنا يخذّلون، طمعاً في بقاء منصب او استدرار مال. وكان حال أمثال هؤلاء في الماضي أنهم إذا أصاب المسلمين نكبةٌ في الجهاد، قالوا شامتين: قد أنعم الله علينا إذ لم نكن معهم ولم نشهد القتال، وقد سلّمنا الله من هذه المصيبة. أما إذا منّ الله عليكم بالنصر والغنائم، فإنهم يقولون متحسّرين: يا ليتنا كنّا معهم في القتال فنفوز بعظيم الغنائم. وهم بقولهم هذا لم يُبقوا لهم بكُم رابطة، فقد خسروا الدنيا والآخرة.

د. أسعد حومد

تفسير : {يَا أَيُّهَا} {آمَنُواْ} (71) - يَأمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِأخْذِ الحَذَرِ مِنَ الأعْدَاءِ، وَهَذَا يَسْتَلْزِمُ التَّعَرُّفَ عَلَى أحْوَالِ هَؤُلاءِ الأعْدَاءِ، وَمَعْرِفَةِ أرْضِهِمْ، وَعَدَدِهِمْ، وَسِلاَحِهِمْ، وَأحْلاَفِهِمْ، وَثَرْوَتِهِمْ، كَمَا يَسْتَلْزِمُ التَّأهُّبَ لَهُمْ، وَإِعْدَادَ الرِّجَالِ لِلْحَرْبِ وَتَدْرِيبَهُمْ وَتَسْلِيحَهُمْ، وَجَمْعَ السِّلاَحِ وَالمُؤَنِ وَوَسَائِلِ النَّقْلِ وَالرُّكُوبِ، وَالاسْتِعْدَادَ لِلنَّفِيرِ لِلقِتَالِ، حِينَمَا يَدْعُو دَاعِيَ الجِهَادِ، وَالخُرُوجَ جَمَاعَاتٍ مُتَلاَحِقَةً (ثُبَاتٍ)، أَوْ خُرُوجَ المُؤْمِنِينَ كُلِّهِمْ جَمِيعاً، حَسْبَ حَالِ العَدُوِّ، وَخَطَرِهِ وَقُوَّتِهِ، وَالخَطَرِ الذِي يَتَهَدَّدُ الأمَّةَ. ثُبَاتٍ - جَمَاعَاتٍ مُتَلاَحِقَةً يَتْلُو بَعْضُهَا بَعْضاً. خُذُوا حِذْرَكُمْ - تَيَقَّظُوا لِعَدُوِّكُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : لا يقال لك: خذ حذرك إلا إذا كان هناك عدو يتربص بك؛ فكلمة: خذ حذرك" هذه دليل على أن هذا الحذر مثل السلاح، مثلما يقولون: خذ بندقيتك خذ سيفك، خذ عصاك، فكأن هذه آلة تستعد بها في مواجهة خصومك وتحتاط لمكائدهم، ولا تنتظر إلى أن تغير عليك المكائد، بل عليك أن تجهز نفسك قبل ذلك على احتمال أن توجد غفلة منك، هذا هو معنى أخذ الحذر، ولذلك يقول الحق: {أية : وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} تفسير : [الأنفال: 60]. وهذا يعني: إياك أن تنتظر حتى يترجموا عداءهم لك إلى عدوان؛ لأنهم سيعجلونك فلا توجد عندك فرصة زمنية كي تواجههم. فلا بد لكم أيها المؤمنون من أخذ الحذر لأن لكم أعداء، وهؤلاء الأعداء هم الذين لا يحبون لمنهج السماء أن يسيطر على الأرض. فحين يسيطر منهج السماء على الأرض فلن يوجد أمام أهواء الناس فرصة للتلاعب بأقدار الناس. ومن ينتفعون بسيطرتهم وبأهوائهم على البشر فلن يجدوا لهم فرصة سيادة. {فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنْفِرُواْ جَمِيعاً} أي لتكن النفرة منكم على مقدار ما لديكم من الحذر، و"ثبات" جمع ثُبَة وهي الطائفة أي انفروا سَرِيّة بعد سَرِيَّة و "جميعا" أي اخرجوا كلكم لمواجهة العدو، وعلى ذلك يجب أن نكون على مستوى ما يهيج من الشر. فإن هاجمتنا فصيلة أو سرية، نفعل كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد كان يرسل سرية على قدر المسألة التي تهددنا، وإن كان الأمر أكبر من ذلك ويحتاج لتعبئة عامة فنحن ننفر جميعا. ولاحظوا أن الحق يخاطب المؤمنين ويعلم أن لهم أغياراً قد تأتي في نفوسهم مع كونهم مؤمنين. فقد تخور النفس عند مواجهة الواقع على الرغم من وجود الإيمان. ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى في سورة البقرة: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلإِ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىۤ إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 246]. لقد كانوا هم الذين يطلبون القتال، وما داموا هم الذين قد طلبوا القتال فلا بد أن يفرحوا حين يأتي لهم الأمر من الله بذلك القتال؛ لكن الله أعلم بعباده لذلك قال لهم: {أية : هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ} تفسير : [البقرة: 246]. فأوضح لهم الحق أن فكروا جيدا في أنكم طلبتم القتال وإياكم ألا تقاتلوا عندما نكتب عليكم هذا القتال لأنني لم أفرضه ابتداء، ولكنكم أنتم الذين طلبتم، ولأن الكلام مازال نظريا فقد قالوا متسائلين: {أية : وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا} تفسير : [البقرة: 246]. لقد تعجبوا واستنكروا ألا يقاتلوا في سبيل الله، خصوصاً أنهم يملكون السبب الذي يستوجب القتال وهو الإخراج من الديار وترك الأبناء، لكن ماذا حدث عندما كتب الحق عليهم القتال؟: {أية : تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [البقرة: 246]. لقد هربت الكثرة من القتال وبقيت القلة المؤمنة. وكانت مقدمات هؤلاء المتهربين من القتال هي قولهم رداً على نبيهم عندما أخبرهم أن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً فقالوا: {أية : أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ ٱلْمَالِ} تفسير : [البقرة: 247]. كانت تلك أول ذبذبة في استقبال الحكم، فأوضح لهم الحق السرّ في اصطفاء طالوت، فهو قوي والحرب تحتاج إلى قوة، وهو عالم، والحرب تحتاج إلى تخطيط دقيق؛ فقال سبحانه: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ} تفسير : [البقرة: 247]. وعندما جاءوا القتال أراد الحق أن يمحصهم ليختبر القوي من الضعيف فقال لهم طالوت: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّيۤ إِلاَّ مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ} تفسير : [البقرة: 249]. والتمحيص هنا ليعرف من منهم يقدر على نفسه وليختبر قوة التحمل عند كل فرد مقاتل، فليس مسموحاً بالشرب من ذلك النهر إلا غرفة يد. فشربوا من النهر إلا قليلاً منهم، هكذا أراد الحق أن يصفيهم تصفية جديدة، وعندما رأوا جيش جالوت {أية : لاَ طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ}تفسير : [البقرة: 249]. وما الضرورة في كل هذه التصفيات؟ لقد أراد الله ألاَّ يَحْمِلَ الدفاع عن منهجه إلا المؤمنون حقاً، وهم مَنْ قالوا: {أية : كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 249]. وقوله تعالى: {أية : فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 251]. لماذا أعطانا ربنا هذه الصورة من التصفيات؟ كي نفهم أن النفس البشرية حين تواجه بالحكم نظرياً لها موقف، وحين تواجه به تطبيقياً لها موقف ولو بالكلام، وحين تواجه به فعليا يكون لها موقف، وعلى كل حال فقليل من قليل من قليل هم الذين ينصرهم الله. إذن فيريد سبحانه أن يربي في نفسونا أنه جل وعلا هو الذي يهزِم، وهو الذي يَغْلِب مصداقاً لقوله الحق: {أية : قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ}تفسير : [التوبة: 14]. إذن فالحق سبحانه وتعالى يوضح لنا: أنا قلت لكم انفروا ثبات أو انفروا جميعاً واعلموا أن النفس البشرية هي بعينها النفس البشرية، وستتعرض للذبذبة حين تواجه الحكم للتطبيق، ولذلك يأتي هنا بقوله الحق: {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ.....}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما حذّر تعالى من النفاق والمنافقين وأوصى بطاعة الله وطاعة رسوله، أمر هنا بأعظم الطاعات والقربات وهو الجهاد في سبيل الله لإِعلاء كلمته وإِحياء دينه، وأمر بالاستعداد والتأهب حذراً من مباغتة الكفار، ثم بيّن حال المتخلفين عن الجهاد المثبطين للعزائم من المنافقين وحذّر المؤمنين من شرهم. اللغَة: {ثُبَاتٍ} جمع ثُبتة وهي الجماعة أي جماعة بعد جماعة {بُرُوجٍ} جمع برج وهو البناء المرتفع والقصر العظيم والمراد به هنا الحصون {مُّشَيَّدَةٍ} مرتفعة البناء {بَيَّتَ} دبَّر الأمر ليلاً، والبَيَاتُ أن يأتي العدو ليلاً ومنه قول العرب: أمرٌ بُيِّتَ بليل {أَذَاعُواْ بِهِ} أشاعوه ونشروه {يَسْتَنْبِطُونَهُ} يستخرجونه مأخوذ من استنبطت الماء إِذا استخرجته ومنه استنباط الأحكام من الكتاب والسنة {حَرِّضِ} التحريض: الحث على الشيء {تَنكِيلاً} تعذيباً والنكالُ: العذابُ {كِفْلٌ} نصيب وأكثر ما يستعمل الكفل في الشر {مُّقِيتاً} مقتدراً من أقات على الشيء قدر عليه قال الشاعر: شعر : وذي ضِعْنٍ كففتُ النفس عنه وكنتُ على مساءته مُقيتاً تفسير : سَبَبُ النّزول: عن ابن عباس أن عبد الرحمن بن عوف وأصحاباً له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فقالوا: يا نبيَّ الله لقد كنا في عزٍ ونحن مشركون فلما آمنا صرنا أذلة؟ فقال: إِني أُمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم، فلما حوله الله تعالى إِلى المدينة أمره بالقتال فكفّوا فأنزل الله {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوۤاْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ...} الآية. التفسِير: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ} أي يا معشر المؤمنين احترزوا من عدوكم واستعدوا له {فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنْفِرُواْ جَمِيعاً} أي اخرجوا إِلى الجهاد جماعات متفرقين، سريةً بعد سرية أو اخرجوا مجتمعين في الجيش الكثيف، فخيَّرهم تعالى في الخروج إِلى الجهاد متفرقين ومجتمعين {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ} أي ليتثاقلنَّ ويتخلفنَّ عن الجهاد، والمراد بهم المنافقون وجعلوا من المؤمنين باعتبار زعمهم وباعتبار الظاهر {فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ} أي قتلٌ وهزيمة {قَالَ قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً} أي قال ذلك المنافق قد تفضَّل الله عليَّ إِذ لم أشهد الحرب معهم فأُقتل ضمن من قتلوا {وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ الله} أي ولئن أصابكم أيها المؤمنون نصر وظفر وغنيمة {لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يٰلَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً} أي ليقولنَّ هذا المنافق قول نادم متحسر كأن لم يكن بينكم وبينه معرفة وصداقة يا ليتني كنتُ معهم في الغزو لأنال حظاً وافراً من الغنيمة، وجملة {كَأَن لَّمْ تَكُنْ} اعتراضية للتنبيه على ضعف إِيمانهم، وهذه المودة في ظاهر المنافق لا في اعتقاده فهو يتمنى أن لو كان مع المؤمنين لا من أجل عزة الإِسلام بل طلباً للمال وتحصيلاً للحطام، ولما ذم تعالى المبطئين عن القتال في سبيل الله رغب المؤمنين فيه فقال {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ} أي فليقاتل المخلصون الباذلون أنفسهم وأموالهم في سبيل الله الذين يبيعون الحياة الفانية بالحياة الباقية {وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} وهذا وعدٌ منه سبحانه بالأجر العظيم لمن قاتل في سبيل الله سواءً غَلَب أو غُلِب أي من يقاتل في سبيل الله لإِعلاء كلمة الله فيُستشهد أو يظفر على الأعداء فسوف نعطيه ثواباً جزيلاً فهو فائز بإِحدى الحسنيين: الشهادة أو الغنيمة كما في الحديث "حديث : تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يُخرجه إِلا جهادٌ في سبيلي، وإِيمانٌ وتصديقٌ برسلي فهو عليَّ ضامن أن أُدخله الجنة أو أرجعه إِلى مسكنه الذي خرج منه نائلاً ما نال من أجر أو غنيمة" تفسير : {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَانِ} الاستفهام للحث والتحريض على الجهاد أي وما لكم أيها المؤمنون لا تقاتلون في سبيل الله وفي سبيل خلاص المستضعفين من إِخوانكم الذين صدَّهم المشركون عن الهجرة فبقوا مستذلين مستضعفين يلقون أنواع الأذى الشديد؟! وقوله {مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَانِ} بيانٌ للمستضعفين قال ابن عباس: كنتُ أنا وأمي من المستضعفين، وهم الذين كان يدعو لهم الرسول صلى الله عليه وسلم فيقول: اللهم أنْج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام الخ كما في الصحيح {ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ} أي الذين يدعون ربهم لكشف الضُرّ عنهم قائلين: ربنا أخرجنا من هذه القرية وهي مكة إِذ أنها كانت موطن الكفر ولذا هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم منها {ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا} بالكفر وهم صناديد قريش الذين منعوا المؤمنين من الهجرة ومنعوا من ظهور الإِسلام فيها {وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً} أي اجعل لنا من هذا الضيق فرجاً ومخرجاً وسخّر لنا من عندك وليّاً وناصراً، وقد استجاب الله دعاءهم فجعل لهم خير وليّ وناصر وهو محمد صلى الله عليه وسلم حين فتح مكة ولما خرج منها ولّى عليهم "عتّاب بن أسيد" فأنصف مظلومهم من ظالمهم، ثم شجع تعالى المجاهدين ورغبهم في الجهاد فقال {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي المؤمنون يقاتلون لهدف سامٍ وغاية نبيلة وهي نصرة دين الله وإِعلاء كلمته ابتغاء مرضاته فهو تعالى وليهم وناصرهم {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱلطَّاغُوتِ} أي وأما الكافرون فيقاتلون في سبيل الشيطان الداعي إِلى الكفر والطغيان {فَقَاتِلُوۤاْ أَوْلِيَاءَ ٱلشَّيْطَانِ} أي قاتلوا يا أولياء الله أنصار واعوان الشيطان فإِنكم تغلبونهم، فشتان بين من يقاتل لإِعلاء كلمة الله وبين من يقاتل في سبيل الشيطان، فمن قاتل في سبيل الله فهو الذي يَغْلب لأن الله وليُّه وناصرُه، ومن قاتل في سبيل الطاغوت فهو المخذول المغلوب ولهذا قال {إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً} أي سعيُ الشيطان في حد ذاته ضعيف فكيف بالقياس إِلى قدرة الله؟! قال الزمخشري: كيدُ الشيطان للمؤمنين إِلى جنب كيد الله للكافرين أضعف شيء وأوهنه {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوۤاْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ} أي أَلا تعجب يا محمد من قوم طلبوا القتال وهم بمكة فقيل لهم: أمسكوا عن قتال الكفار فلم يحن وقته وأعدّوا نفوسكم بإِقامة الصلاة وإِيتاء الزكاة {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً} أي فلما فرض عليهم قتال المشركين إِذا جماعة منهم يخافون ويجبنون ويفزعون من الموت كخشيتهم من عذاب الله أو أشد من ذلك، قال ابن كثير: كان المؤمنون في إِبتداء الإِسلام وهم بمكة مأمورين بالصلاة والزكاة والصبر على أذى المشركين وكانوا يتحرقون لو أُمروا بالقتال ليشتفوا من أعدائهم فلما أمروا بما كانوا يودونه جزع بعضهم وخاف من مواجهة الناس خوفاً شديداً {وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ} أي وقالوا جزعاً من الموت ربنا لم فرضت علينا القتال؟ {لَوْلاۤ أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ} لولا للتحضيض بمعنى هلاّ أي هلاّ أخرتنا إِلى أجل قريب حتى نموتَ بآجالنا ولا نقتل فيفرح بنا الأعداء! {قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ} أي قل لهم يا محمد إِن نعيم الدنيا فانٍ ونعيم الآخرة باقٍ فهو خير من ذلك المتاع الفاني لمن اتقى الله وامتثل أمره {وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً} أي لا تُنقصون من أجور أعمالكم أدنى شيء ولو كان فتيلاً وهو الخيط الذي في شق النواة قال في التسهيل: إِن الآية في قومٍ من الصحابة كانوا قد أُمروا بالكف عن القتال فتمنوا أن يؤمروا به، فلما أُمروا به كرهوه لا شكاً في دينهم ولكن خوفاً من الموت، وقيل هي في المنافقين وهو أليق في سياق الكلام {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} أي في أي مكانٍ وجدتم فلا بدّ أن يدرككم الموت عند انتهاء الأجل ويفاجئكم ولو تحصنتم منه بالحصون المنيعة فلا تخشوا القتال خوف الموت {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} أي إِن تصب هؤلاء المنافقين حسنةٌ من نصر وغنيمة وشبه ذلك يقولوا هذه من جهة الله ومن تقديره لما علم فينا من الخير {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ} أي وإِن تنلهم سيئة من هزيمة وجوع وشبه ذلك يقولوا هذه بسبب اتباعنا لمحمد ودخولنا في دينه يعنون بشؤم محمد ودينه قال السدي: يقولون هذا بسبب تركنا ديننا واتباعنا محمداً أصابنا هذا البلاء كما قال تعالى عن قوم فرعون {أية : وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ} تفسير : [الأعراف: 131] {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} أُمر صلى الله عليه وسلم بأن يرد زعمهم الباطل ويلقمهم الحجر ببيان أن الخير والشر بتقدير الله أي قل يا محمد لهؤلاء السفهاء: الحسنةُ والسيئة والنعمةُ والنقمة كلُّ ذلك من عند الله خلقاً وإِيجاداً لا خالق سواه فهو وحده النافع الضار وعن إِرادته تصدر جميع الكائنات {فَمَالِ هَـٰؤُلاۤءِ ٱلْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً} أي ما شأنهم لا يفقهون أن الأشياء كلها بتقدير الله؟ وهو توبيخ لهم على قلة الفهم.. ثم قال تعالى مبيناً حقيقة الإِيمان {مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} الخطاب لكل سامع أي ما أصابك يا إِنسان من نعمة وإِحسان فمن الله تفضلاً منه وإِحساناً وامتناناً وامتحاناً، وما أصابك من بلية ومصيبة فمن عندك لأنك السبب فيها بما ارتكبت يداك كقوله {أية : وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} تفسير : [الشورى: 30].. ثم قال تعالى مخاطباً الرسول {وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً} أي وأرسلناك يا محمد رسولاً للناس أجمعين تبلغهم شرائع الله وحسبك أن يكون الله شاهداً على رسالتك، ثم رغب تعالى في طاعة الرسول فقال {مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ} أي من أطاع أمر الرسول فقد أطاع الله لأنه مبلّغٌ عن الله {وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} أي ومن أعرض عن طاعتك فما أرسلناك يا محمد حافظاً لأعمالهم ومحاسباً لهم عليها إِن عليك إلا البلاغ {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِي تَقُولُ} أي ويقول المنافقون: أمرك يا محمد طاعة كقول القائل "سمعاً وطاعةً" فإِذا خرجوا من عندك دبّر جماعة منهم غير الذي تقوله لهم وهو الخلاف والعصيان لأمرك {وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ} أي يأمر الحفظة بكتابته في صحائف أعمالهم ليجازوا عليه {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} أي اصفح عنهم وفوّض أمرك إِلى الله وثق به {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً} أي فهو سبحانه ينتقم لك منهم وكفى به ناصراً ومعيناً لمن توكل عليه، ثم عاب تعالى المنافقين بالإِعراض عن التدبر في القرآن في فهم معانيه المحكمة وألفاظه البليغة ففي تدبره يظهر برهانه ويسطع نوره وبيانه {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً} أي لو كان هذا القرآن مختلقاً كما يزعم المشركون والمنافقون لوجدوا فيه تناقضاً كبيراً في أخباره ونظمه ومعانيه ولكنه منزه عن ذلك فأخباره صدق، ونظمه بليغ، ومعانيه محكمة، فدلَّ على أنه تنزيل الحكيم الحميد {وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ} أي إِذا جاء المنافقين خبرٌ من الأخبار عن المؤمنين بالظفر والغنيمة أو النكبة والهزيمة أذاعوا به أي أفشوه وأظهروه وتحدثوا به قبل أن يقفوا على حقيقته وكان في إِذاعتهم له مفسدة على المسلمين {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} أي لو ترك هؤلاء الكلام بذلك الأمر الذي بلغهم وردوه إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإِلى كبراء الصحابة وأهل البصائر منهم لعلمه الذين يستخرجونه منهم أي من الرسول وأولي الأمر {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً} أي لولا فضل الله عليكم أيها المؤمنون بإِرسال الرسول ورحمته بإِنزال القرآن لاتبعتم الشيطان فيما يأمركم به من الفواحش إِلا قليلاً منكم، ثم أمر الرسول بالجهاد فقال {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ} أي قاتل يا محمد لإِعلاء كلمة الله ولو وحدك فإِنك موعود بالنصر ولا تهتم بتخلف المنافقين عنك {وَحَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي شجِّعهم على القتال ورغبْهم فيه {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} هذا وعدٌ من الله بكفهم و{عَسَى} من الله تفيد التحقيق أي بتحريضك المؤمنين يكف الله شرّ الكفرة الفجار، وقد كفهم الله بهزيمتهم في بدر وبفتح مكة {وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً} أي هو سبحانه أشد قوة وسطوة، وأعظم عقوبة وعذاباً {مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا} أي من يشفع بين الناس شفاعة موافقة للشرع يكن له نصيب من الأجر {وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا} أي ومن يشفع شفاعة مخالفة للشرع يكن له نصيب من الوزر بسببها {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً} أي مقتدراً فيجازي كل أحدٍ بعمله {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ} أي إِذا سلّم عليكم المسلم فردوا عليه بأفضل مما سلّم أو رُدُّوا عليه بمثل ما سلّم {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً} أي يحاسب العباد على كل شيء من أعمالهم الصغيرة والكبيرة {ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ} هذا قسم من الله بجمع الخلائق يوم المعاد أي الله الواحد الذي لا معبود سواه ليحشرنكم من قبوركم إِلى حساب يوم القيامة الذي لا شك فيه وسيجمع الأولين والآخرين في صعيد واحدٍ للجزاء والحساب {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثاً} لفظه استفهام ومعناه النفي أي لا أحد أصدق في الحديث والوعد من الله رب العالمين. البَلاَغَة: تضمنت هذه الآيات أنواعاً من الفصاحة والبيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الاستعارة في قوله {يَشْرُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ} أي يبيعون الفانية بالباقية فاستعار لفظ الشراء للمبادلة وهو من لطيف الاستعارة. 2- الاعتراض في {كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ}. 3- التشبيه المرسل المجمل في {يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ}. 4- الطباق بين {ٱلأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ}. 5- جناس الاشتقاق في {أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ} وفي {حُيِّيتُم فَحَيُّواْ} وفي {يَشْفَعْ شَفَاعَةً} وفي {بَيَّتَ..و.. يُبَيِّتُونَ}. 6- الاستفهام الذي يراد به الإِنكار في {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ}؟ 7- المقابلة في قوله {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱلطَّاغُوتِ} وكذلك في قوله {مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا} وهذه من المحسنات البديعية وهي أي يؤتى بمعنيين أو أكثر ثم يؤتى بما يقابل ذلك على الترتيب. تنبيه: لا تعَارض بين قوله تعالى {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} أي كلٌ من الحسنة والسيئة وبين قوله {وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} إِذ الأولى على الحقيقة أي خلقاً وإِيجاداً والثانية تسبباً وكسباً بسبب الذنوب {أية : وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} تفسير : [الشورى: 30] أو نقول: نسبة الحسنة إِلى الله، والسيئة إِلى العبد هو من باب الأدب مع الله في الكلام وإِن كان كل شيء منه في الحقيقة كقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : الخير كلُّه بيديك والشرُّ ليس إِليك" تفسير : والله أعلم.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ} معناهُ جماعاتٌ. واحدُها ثُبةٌ.

الأندلسي

تفسير : {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ} الآية، مناسبتها لما قبلها هو أنه تعالى لما ذكر طاعة رسوله وكان من أهم الطاعات إحياء دين الله أمر بالقيام بإِحياء دينه وإعلاء دعوته وأمرهم أن لا يقتحموا على عدوهم على جهالة فقال: {خُذُواْ حِذْرَكُمْ} فعلمهم مباشرة الحروب ولما تقدم ذكر المنافقين في هذه الآية تحذير المؤمنين من قبول مقالاتهم وتثبيطهم عن الجهاد فنادى أولاً باسم الإِيمان على عادته إذا أراد أن يأمر المؤمنين أو ينهاهم. والحذر بمعنى واحد قالوا: ولم يسمع في هذا التركيب لأخذُ حذرك لأخذ حذرك. ومعنى خذوا حذركم أي استعدوا بأنواع ما يستعد به للقاء من تلقونه فيدخل فيه أخذ السلاح وغيره. ويقال: أخذ حذره إذا احترز من المخوف كأنه جعل الحذر آلته التي يتقي بها ويعتصم، والمعنى احترزوا من العدو ثم أمر تعالى بالخروج إلى الجهاد جماعة بعد جماعة وسرية بعد سرية أو كتيبة واحدة مجتمعة. وقرأ الجمهور: {فَٱنفِرُواْ} بكسر الفاء فيهما. وقرأ الأعمش بضمها فيهما وانتصاب ثبات وجميعاً على الحال، ولم يقرأ ثبات فيما علمناه إلا بكسر التاء وحكى الفراء فيها الفتح والكسر أيضاً والثبة الجماعة الاثنان والثلاثة في كلام العرب. وقيل: هي فوق العشرة من الرجال وزنها فعلة ولامها، قيل: واو، وقيل: ياء مشتقة من ثبيت على الرجل إذا أثنيت عليه كأنك جمعت محاسنة، ومن قال: إن لامها واو جعلها من ثبا يثبو، مثل: حلا يحلو. {وَإِنَّ مِنْكُمْ} الخطاب لعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم. {لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ} هم المنافقون وجعلوا من المؤمنين باعتبار الجنس أو النسب أو إلى الانتماء إلى الإِيمان ظاهراً ومن موصولة وليبطئن جواب قسم محذوف والقسم المحذوف وجوابه صلة لمن وقد ذهب أحمد بن يحيى إلى أن القسم وجوابه لا يكون صلة للموصول وهو محجوج بهذه الآية. ومعنى ليبطئن: ليثبطن المجاهدين عن الجهاد، والمصيبة الهزيمة، وما يلحق المؤمن من القتل، أو تولى الادبار، والشهيد الحاضر والفضل هنا الظفر بالعدو والغنيمة. {كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ} هذه الجملة اعتراض بين قوله ليقولن ومعمول القول وهو قوله: {يٰلَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ} واختلف المفسرون في معنى هذه الجملة ودخولها بين القول ومعموله. قال الزمخشري: والمعنى كأن لم يتقدم له ومعكم مودة لأن المنافقين كانوا يوادون المؤمنين ويصادقونهم في الظاهر وإن كانوا يبغون لهم الغوائل في الباطن. والظاهر أنه تهكم لأنهم كانوا أعدى عدو للمؤمنين وأشدهم حسداً لهم فكيف يوصفون بالمودة إلا على وجه العكس تهكماً بحالهم. وقال ابن عطية: المنافق يعاطي المؤمنين المودة ويعاهد على التزام كلف الاسلام ثم يتخلف نفاقاً وشكاً وكفراً بالله ورسوله ثم يتمنى عندما يكشف الغيب الظفر للمؤمنين. فعلى هذا يجيء قوله تعالى: {كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ} التفاتة بليغة واعتراضاً بين القول والمقول، بلفظ يظهر زيادة ف يقبح فعلهم، ولغير هذين كلام في الآية مذكور في البحر. وملخص ما قالوا: أن هذه الجملة التشبيهية إما أن يكون لهذا موضع من الإِعراب نصب على الحال من الضمير المستكن في ليقولن أو نصب على المفعول بقولن على الحكاية فيكون من جملة المقول، وجملة المقول هو مجموع الجملتين جملة التشبيه وجملة التمني وضمير الخطاب للمتخلفين عن الجهاد وضمير الغيبة وبينه للرسول. وعلى الوجه الأول ضمير الخطاب للمؤمنين وضمير الغيبة للقائل، وإما أن لا يكون لها موضع من الإِعراب لكونها اعتراضاً في الأصل بين جملة الشرط وجملة القسم وأخّرت، والنية بها التوسط بين الجملتين أو لكونها اعتراضاً بين ليقولن ومعموله الذي هو جملة التمني وليس اعتراضاً يتعلق بمضمون هذه الجملة المتأخرة بل يتعلق بمضمون الجملتين والضمير الذي للخطاب هو للمؤمنين وفي بينه للقائل واعترض به بين اثناء الجملة الأخيرة فلم تتأخر بعدها وإن كان من حيث المعنى متأخراً إذ معناه متعلق بمضمون الجملتين لأن معمول القول النية به التقديم لكنه حسن تأخيره كونه وقع فاصلة ولو تأخرت جملة الاعتراض لم يحسن لكونها ليست فاصلة والتقدير ليقولن يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً، كأن لم يكن بينكم وبينه مودة إذ صدر منه قوله: وقت المصيبة قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم شهيداً. وقوله: وقت الغنيمة يا ليتني كنت معهم، وهذا قول ومن لم تسبق منه مودة لكم. قال ابن عطية: وكأن مضمنة معنى التشبيه ولكنها ليست كالثقيلة في الحاجة إلى الاسم والخبر وإنما تجيء بعدها الجمل. "انتهى". وهذا الذي ذكره غير محرر ولا على إطلاقه اما إذا خففت ووليها ما كان يليها وهي ثقيلة فالأكثر والأفصح أن ترتفع تلك الجملة على الابتداء والخبر ويكون اسم كان ضمير شأن محذوفاً وتكون تلك الجملة في موضع خبر كأن وإذا لم ينو ضمير الشأن جاز لها أن تنصب الاسم إذا كان مظهراً وترفع الخبر هذا ظاهر كلام سيبويه، ولا يخص ذلك بالشعر فتقول: كأنْ زيداً قائم. قال سيبويه: وحدثنا من يوثق به أنه سمع من العرب من يقول أن عمر المنطلق وأهل المدينة يقرؤن وإنْ كلاً لما يخففون وينصبون كما قالوا: شعر : كأنْ ثدييه خفان تفسير : وذلك لأن الحرف بمنزلة الفعل فلما حذف من نفسه شيء لم يغير عمله كما لم يغيّر عمل لم يك ولم ابل حين حذف. "انتهى". فظاهر تشبيه سيبويه أن عمر المنطلق بقوله: كأنْ ثدييه خفان جواز ذلك في الكلام وانه لا يختص بالشعر وقد نقل صاحب رؤوس المسائل إن كأن إذا خففت لا يجوز إعمالها عند الكوفيين وان البصريين أجازوا ذلك فعلى مذهب الكوفيين قد يتمشى قول ابن عطية في انّ كأنْ المخففة ليست كالثقيلة في الحاجة إلى الاسم والخبر. واما على مذهب البصريين فلا لأنها لا بد لها عندهم من اسم وخبر وفي الآيتين تنبيه على أنهم لا يعدون في المنح إلا أعراض الدنيا يفرحون بما ينالون منها، ولا من المحن إلا مصائبها فيتألمون لما يصيبهم منها، كقوله تعالى: {أية : فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ}تفسير : [الفجر: 15]. الآية.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يأمر تعالى عباده المؤمنين بأخذ حذرهم من أعدائهم الكافرين. وهذا يشمل الأخذ بجميع الأسباب، التي بها يستعان على قتالهم ويستدفع مكرهم وقوتهم، من استعمال الحصون والخنادق، وتعلم الرمي والركوب، وتعلم الصناعات التي تعين على ذلك، وما به يعرف مداخلهم، ومخارجهم، ومكرهم، والنفير في سبيل الله. ولهذا قال: { فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ } أي: متفرقين بأن تنفر سرية أو جيش، ويقيم غيرهم { أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا } وكل هذا تبع للمصلحة والنكاية، والراحة للمسلمين في دينهم، وهذه الآية نظير قوله تعالى: {أية : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ } . تفسير : ثم أخبر عن ضعفاء الإيمان المتكاسلين عن الجهاد فقال: { وَإِنَّ مِنْكُمْ } أي: أيها المؤمنون { لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ } أي: يتثاقل عن الجهاد في سبيل الله ضعفا وخورا وجبنا، هذا الصحيح. وقيل معناه: ليبطئن غيرَه أي: يزهده عن القتال، وهؤلاء هم المنافقون، ولكن الأول أَولى لوجهين: أحدهما: قوله { مِنْكُمْ } والخطاب للمؤمنين. والثاني: قوله في آخر الآية: { كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ } فإن الكفار من المشركين والمنافقين قد قطع الله بينهم وبين المؤمنين المودة. وأيضا فإن هذا هو الواقع، فإن المؤمنين على قسمين: صادقون في إيمانهم أوجب لهم ذلك كمال التصديق والجهاد. وضعفاء دخلوا في الإسلام فصار معهم إيمان ضعيف لا يقوى على الجهاد. كما قال تعالى: {أية : قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا } تفسير : إلى آخر الآيات. ثم ذكر غايات هؤلاء المتثاقلين ونهاية مقاصدهم، وأن معظم قصدهم الدنيا وحطامها فقال: { فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ } أي: هزيمة وقتل، وظفر الأعداء عليكم في بعض الأحوال لما لله في ذلك من الحكم. { قَالَ } ذلك المتخلف { قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا } رأى من ضعف عقله وإيمانه أن التقاعد عن الجهاد الذي فيه تلك المصيبة نعمة. ولم يدر أن النعمة الحقيقية هي التوفيق لهذه الطاعة الكبيرة، التي بها يقوى الإيمان، ويسلم بها العبد من العقوبة والخسران، ويحصل له فيها عظيم الثواب ورضا الكريم الوهاب. وأما القعود فإنه وإن استراح قليلا فإنه يعقبه تعب طويل وآلام عظيمة، ويفوته ما يحصل للمجاهدين. ثم قال: { وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ } أي: نصر وغنيمة { لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا } أي: يتمنى أنه حاضر لينال من المغانم، ليس له رغبة ولا قصد في غير ذلك، كأنه ليس منكم يا معشر المؤمنين ولا بينكم وبينه المودة الإيمانية التي من مقتضاها أن المؤمنين مشتركون في جميع مصالحهم ودفع مضارهم، يفرحون بحصولها ولو على يد غيرهم من إخوانهم المؤمنين ويألمون بفقدها، ويسعون جميعا في كل أمر يصلحون به دينهم ودنياهم، فهذا الذي يتمنى الدنيا فقط، ليست معه الروح الإيمانية المذكورة. ومن لطف الله بعباده أن لا يقطع عنهم رحمته، ولا يغلق عنهم أبوابها. بل من حصل منه غير ما يليق أمره ودعاه إلى جبر نقصه وتكميل نفسه، فلهذا أمر هؤلاء بالإخلاص والخروج في سبيله فقال: { فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ } هذا أحد الأقوال في هذه الآية وهو أصحها. وقيل: إن معناه: فليقاتل في سبيل الله المؤمنون الكاملو الإيمان، الصادقون في إيمانهم { الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ } أي: يبيعون الدنيا رغبة عنها بالآخرة رغبة فيها. فإن هؤلاء الذين يوجه إليهم الخطاب لأنهم الذين قد أعدوا أنفسهم ووطَّنوها على جهاد الأعداء، لما معهم من الإيمان التام المقتضي لذلك. وأما أولئك المتثاقلون، فلا يعبأ بهم خرجوا أو قعدوا، فيكون هذا نظير قوله تعالى: {أية : قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ سُجَّدًا } تفسير : إلى آخر الآيات. وقوله: {أية : فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ } تفسير : وقيل: إن معنى الآية: فليقاتل المقاتل والمجاهد للكفار الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة، فيكون على هذا الوجه "الذين" في محل نصب على المفعولية. { وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } بأن يكون جهادا قد أمر الله به ورسوله، ويكون العبد مخلصا لله فيه قاصدا وجه الله. { فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا } زيادة في إيمانه ودينه، وغنيمة، وثناء حسنا، وثواب المجاهدين في سبيل الله الذين أعد الله لهم في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.