Verse. 5638 (AR)

٧٧ - ٱلْمُرْسَلَات

77 - Al-Mursalat (AR)

اَلَمْ نُہْلِكِ الْاَوَّلِيْنَ۝۱۶ۭ
Alam nuhliki alawwaleena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ألم نهلك الأولين» بتكذيبهم، أي أهلكناهم.

16

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن المقصود من هذه الصورة تخويف الكفار وتحذيرهم عن الكفر. فالنوع الأول: من التخويف أنه أقسم على أن اليوم الذي يوعدون به، وهو يوم الفصل واقع ثم هول فقال: {أية : وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ } تفسير : [المرسلات:14] ثم زاد في التهويل فقال: {أية : وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } تفسير : [المرسلات:15]. والنوع الثاني من التخويف: ما ذكر في هذه الآية. وهو أنه أهلك الكفرة المتقدمين بسبب كفرهم. فإذا كان الكفر حاصلاً في هؤلاء المتأخرين، فلا بد وأن يهلكهم أيضاً ثم قال: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } كأنه يقول، أما الدنيا فحاصلهم الهلاك، وأما الآخرة فالعذاب الشديد وإليه الإشارة بقوله: {أية : خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةَ ذٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرٰنُ ٱلْمُبِينُ } تفسير : [الحج:11] وفي الآية سؤالان الأول: ما المراد من الأولين والآخرين؟ الجواب: فيه قولان: الأول: أنه أهلك الأولين من قوم نوح وعاد وثمود ثم أتبعهم الآخرين قوم شعيب ولوط وموسى كذلك نفعل بالمجرمين وهم كفار قريش، وهذا القول ضعيف لأن قوله: {نُتْبِعُهُمُ ٱلأَخِرِينَ } بلفظ المضارع فهو يتناول الحال والاستقبال ولا يتناول الماضي ألبتة القول الثاني: أن المراد بالأولين جميع الكفار الذين كانوا قبل محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله: {ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلأَخِرِينَ } على الاستئناف على معنى سنفعل ذلك ونتبع الأول الآخر، ويدل على الاستئناف قراءة عبدالله {سنتبعهم}، فإن قيل: قرأ الأعرج ثم نتبعهم بالجزم وذلك يدل على الاشتراك في ألم، وحينئذ يكون المراد به الماضي لا المستقبل، قلنا: القراءة الثابتة بالتواتر نتبعهم بحركة العين، وذلك يقتضي المستقبل، فلو اقتضت القراءة بالجزم أن يكون المراد هو الماضي لوقع التنافي بين القراءتين، وإنه غير جائز. فعلمنا أن تسكين العين ليس للجزم للتخفيف كما روي في بيت امرىء القيس:شعر : واليـوم أشـرب غيـر مستحقـب تفسير : ثم إنه تعالى لما بين أنه يفعل بهؤلاء المتأخرين مثل ما يفعل بأولئك المتقدمين قال: {كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ } أي هذا الإهلاك إنما نفعله بهم لكونهم مجرمين، فلا جرم في جميع المجرمين، لأن عموم العلة يقتضي عموم الحكم. ثم قال تعالى: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } أي هؤلاء وإن أهلكوا وعذبوا في الدنيا، فالمصيبة العظمى والطامة الكبرى معدة لهم يوم القيامة. السؤال الثاني: المراد من الإهلاك في قوله: {أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ } هو مطلق الإماتة أو الإماتة بالعذاب؟ فإن كان ذلك هو الأول لم يكن تخويفاً للكفار، لأن ذلك أمر حاصل للمؤمن والكافر، فلا يصلح تحذيراً للكافر، وإن كان المراد هو الثاني وهو الإماتة بالعذاب، فقوله: {ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلأَخِرِينَ كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ } يقتضي أن يكون الله قد فعل بكفار قريش مثل ذلك، ومن المعلوم أنه لم يوجد ذلك، وأيضاً فلأنه تعالى قال: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ } تفسير : [الأنفال:33] الجواب: لم لا يجوز أن يكون المراد منه الإماتة بالتعذيب، وقد وقع ذلك في حق قريش وهو يوم بدر؟ سلمنا ذلك، فلم لا يجوز أن يكون المراد من الإهلاك معنى ثالثاً مغايراً للأمرين اللذين ذكروهما وهو الإماتة المستعقبة للذم واللعن؟ فكأنه قيل: إن أولئك المتقدمين لحرصهم على الدنيا عاندوا الأنبياء وخاصموهم، ثم ماتوا فقد فاتتهم الدنيا وبقي اللعن عليهم في الدنيا والعقوبة الأخروية دائماً سرمداً، فهكذا يكون حال هؤلاء الكفار الموجودين ومعلوم أن مثل هذا الكلام من أعظم وجوه الزجر.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ} أخبر عن إهلاك الكفار من الأمم الماضين من لدن آدم إلى محمد صلى الله عليه وسلم. {ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلآخِرِينَ} أي نلحق الآخرين بالأوّلين. {كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ} أي مثل ما فعلناه بمن تقدّم نفعل بمشركي قريش إما بالسيف: وإما بالهلاك. وقرأ العامة «ثُمَّ نُتْبِعُهُمْ» بالرفع على الاستئناف، وقرأ الأعرج «نُتْبِعْهُمْ» بالجزم عطفاً على {نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ} كما تقول: ألم تزرني ثم أكرمك. والمراد أنه أهلك قوماً بعد قوم على ٱختلاف أوقات المرسلين. ثم ٱستأنف بقوله: {كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ} يريد من يهلك فيما بعد. ويجوز أن يكون الإسكان تخفيفاً من «نُتْبِعُهُم» لتوالي الحركات. وروي عنه الإسكان للتخفيف. وفي قراءة ٱبن مسعود «ثُمَّ سَنُتْبِعُهُمْ» والكاف من {كَذَلِكَ} في موضع نصب، أي مثل ذلك الهلاك نفعله بكل مشرك. ثم قيل: معناه التهويل لهلاكهم في الدنيا ٱعتباراً. وقيل: هو إخبار بعذابهم في الآخرة.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: { أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ}؟ يعني: من المكذبين للرسل، المخالفين لما جاؤوهم به { ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلأَخِرِينَ} أي: ممن أشبههم، ولهذا قال تعالى: { كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ } قاله ابن جرير. ثم قال تعالى ممتناً على خلقه، ومحتجاً على الإعادة بالبداءة: { أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ} أي: ضعيف حقير بالنسبة إلى قدرة الباري عز وجل؛ كما تقدم في سورة يس في حديث بسر بن جحاش: «حديث : ابن آدم أنى تعجزني، وقد خلقتك من مثل هذه؟» تفسير : { فَجَعَلْنَـٰهُ فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ} يعني: جمعناه في الرحم، وهو قرار الماء، من الرجل والمرأة، والرحم معد لذلك، حافظ لما أودع فيه من الماء. وقوله تعالى: {إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ} يعني: إلى مدة معينة؛ من ستة أشهر، أو تسعة أشهر، ولهذا قال تعالى: { فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَـٰدِرُونَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ } ثم قال تعالى: { أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً } قال ابن عباس: كفاتاً: كِنّاً. وقال مجاهد: يكفت الميت، فلا يرى منه شيء. وقال الشعبي: بطنها لأمواتكم، وظهرها لأحيائكم، وكذا قال مجاهد وقتادة. {وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِىَ شَـٰمِخَـٰتٍ} يعني: الجبال، أرسى بها الأرض لئلا تميد وتضطرب {وَأَسْقَيْنَـٰكُم مَّآءً فُرَاتاً} أي: عذباً زلالاً؛ من السحاب، أو مما أنبعه من عيون الأرض { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} أي: ويل لمن تأمل هذه المخلوقات الدالة على عظمة خالقها، ثم بعد هذا يستمر على تكذيبه وكفره.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ } بتكذيبهم، أي أهلكناهم.

الماوردي

تفسير : {ألم نُهلِكِ الأوَّلينِ} يعني من العصاة، وفيمن أريد بهم وجهان: أحدهما: قوم نوح عليه السلام لعموم هلاكهم بالطوفان لأن هلاكهم أشهر وأعم. الثاني: أنه قوم كل نبي استؤصلوا، لأنه في خصوص الأمم أندر. {ثُمّ نُتْبِعُهُم الآخِرينَ} يعني في هلاكهم بالمعصية كالأولين، إما بالسيف وإما بالهلاك. {كذلك نَفْعَلُ بالمْجرمين} يحتمل وجهين: أحدهمأ: أنه تهويل لهلاكهم في الدنيا اعتباراً. الثاني: أنه إخبار بعذابهم في الآخرة استحقاقاً. {أَلمْ نَخْلُقْكُم مِنْ ماءٍ مَهينٍ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: من صفوة الماء، قاله ابن عباس. الثاني: من ماء ضعيف، قاله مجاهد وقتادة. الثالث: من مني سائل، قاله ابن كامل. {فَجَعَلْناه في قرارٍ مَكينٍ} فيه وجهان: أحدهما: قاله وهب بن منبّه في رحم أُمّه لا يؤذيه حَرّ ولا برد. الثاني: مكين حريز لا يعود فيخرج ولا يبث في الجسد فيدوم، قاله الكلبي. {إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍِ} إلى يوم ولادته. {فقدرنا فنِعْم القادِرون} في قراءة نافع مشددة، وقرأ الباقون مخففة، فمن قرأ بالتخفيف فتأويلها: فملكنا فنعم المالكون. ومن قرأ بالتشديد فتأويلها: فقضينا فنعم القاضون، وقال الفراء: هما لغتان ومعناهما واحد. {ألمْ نجْعَلِ الأرضَ كِفاتاً} فيه أربعة تأويلات: أحدها: يعني كِنّاً، قاله ابن عباس. الثاني: غطاء، قاله مجاهد. الثالث: مجمعاً، قاله المفضل. الرابع: وعاء قال الصمصامة بن الطرماح: شعر : فأنت اليومَ فوق الأرض حيٌّ وأنت غداً تَضُمُّكَ من كِفات. تفسير : {أحْياءً وأَمْواتاً} فيه وجهان: أحدهما: أن الأرض تجمع الناس أحياء على ظهرها وأمواتاً في بطنها، قاله قتادة والشعبي. الثاني: أن من الأرض أحياء بالعمارة والنبات، وأمواتاً بالجدب والجفاف، وهو أحد قولي مجاهد.

ابن عطية

تفسير : قرأ جمهور القراء " ثم نتبعُهم " بضم العين على استئناف الخبر، وقرأ أبو عمرو فيما روي عنه " ثم نتبعْهم " بجزم العين عطفاً على {نهلك} وهي قراءة الأعرج وبحسب هاتين القراءتين يجيء التأويل في {الأولين}، فمن قرأ الأولى جعل {الأولين} الأمم التي قدمت قريشاً بأجمعها، ثم أخبر أنه يتبع {الآخرين} من قريش وغيرهم سنن أولئك إذا كفروا وسلكوا سبيلهم. ومن قرأ الثانية جعل {الأولين} قوم نوح وإبراهيم ومن كان معهم، و {الآخرين} قوم فرعون وكل من تأخر وقرب من مدة محمد صلى الله عليه وسلم. وفي حرف عبد الله "وسنتبعهم" ثم قال {كذلك نفعل بالمجرمين} أي في المستقبل فتدخل هنا قريش وغيرها من الكفار، وأما تكرار {ويل يؤمئذ للمكذبين} في هذه السورة فقيل إن ذلك لمعنى التأكيد فقط، وقيل بل في كل آية منها ما يقتضي التصديق، فجاء الوعد على التكذيب بذلك الذي في الآية، ثم وقف تعالى على أصل الخلقة الذي يقتضي النظر فيها تجويز البعث و "الماء المهين": معناه الضعيف وهو المني من الرجل والمرأة. "والقرار المكين": الرحم أو بطن المرأة، و " القدر المعلوم ": وقت الولادة ومعلوم عند الله في شخص، فأما عند الآدميين فيختلف فليس بمعلوم قدر شخص بعينه، وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه ونافع والكسائي " فقدّرنا " بشد الدال، وقرأ الباقون " فقدَرنا " بتخفيف الدال، وهما بمعنى من القدرة، والقدر من التقدير والتوقيف وقوله {القادرون} يرجح قراءة الجماعة. أما أن ابن مسعود روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر القادرين بالمقدرين. وقدر ابن أبي عبلة " فقدّرنا " بشد الدال "فنعم المقتدرون" و "الكفات": الستر والوعاء الجامع للشيء بإجماع، تقول كفت الرجل شعره إذا جمعه بخرقة، فالأرض تكفت الأحياء على ظهرها، وتكفت الأموات في بطنها و{أحياء} على هذا التأويل مُعمول لقوله {كفاتاً} لأنه مصدر. وقال بعض المتأولين {أحياء وأمواتاً} إنما هو بمعنى أن الأرض فيها أقطار أحياء وأقطار أموات يراد ما ينبت وما لا ينبت، فنصب {أحياء} على هذا إنما هو على الحال من {الأرض} ، والتأويل الأولى أقوى. وقال بنان خرجنا مع الشعبي إلى جنازة فنظر إلى الجبانة فقال: هذه كفات الموتى، ثم نظر إلى البيوت فقال: هذه كفات الأحياء، وكانت العرب تسمي بقيع الغرقد كفتة لأنها مقبرة تضم الموتى، وفي الحديث "حديث : خمروا آنيتكم وأوكئوا أسقيتكم واكفتوا صبيانكم وأجيفوا أبوابكم وأطفئوا مصابيحكم". تفسير : ودفن ابن مسعود قملة في المسجد ثم قرأ {ألم نجعل الأرض كفاتاً}. قال القاضي أبو محمد: ولما كان القبر {كفاتاً} كالبيت قطع من سرق منه. و " الرواسي": الجبال: لأنه رست أي ثبتت، و " الشامخ ": المرتفع، ومنه شمخ بأنفه أي ارتفع واستعلى شبه المعنى بالشخص، و " أسقى" معناه: جعله سقياً للغلات والمنافع، وسقى معناه للشفة خاصة،هذا قول جماعة من أهل اللغة وقال آخرون هما بمعنى واحد، و "الفرات": الصافي العذب، ولا يقال للملح فرات وهي لفظة تجمع ماء المطر ومياه الأنهار وخص النهر المشهور بهذا تشريفاً له وهو نهر الكوفة، وسيحان هو نهر بلخ، وجيحان هو دجلة، والنيل نهر مصر، وحكي عن عكرمة أن كل ماء في الأرض فهو من هذه، وفي هذا بعد والله أعلم.

ابن عبد السلام

تفسير : {الأَوَّلِينَ} قوم نوح عليه الصلاة والسلام أو كل أمّة استؤصلت بالتكذيب.

الثعالبي

تفسير : وقوله عز وجل: {أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ * ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلأَخِرِينَ...} الآية، قرأ الجمهور: «نُتْبِعُهُمُ» ـــ بضم العين ـــ على استئناف الخبر، ورُوِيَ عن أبي عمرو: «نُتْبِعْهُمُ» بجزم العين؛ عطفاً على «نهلك» وهي قراءة الأعرج، فَمَنْ قرأ الأولى جعل الأولين الأُمَمَ التي تقدمت قريشاً بأجمعها، ثم أخبر أَنَّهُ يتبع الآخرين من قريش وغيرهم سنن أولٰئك إذا كفروا وسلكوا سبيلهم، ومَنْ قرأ الثانية جعل الأَوَّلِينَ قومَ نوحٍ وإبراهيمَ ومَنْ كان معهم، والآخرين قوم فرعونَ وكُلَّ مَنْ تأخَّرَ وقَرُبَ من مُدَّةِ النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: {كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ} أي: في المستقبل، فيدخل هنا قريش وغيرها، وأَمَّا تكرار قوله تعالى: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} في هذه السورة فقيل: ذلك لمعنى التأكيد فقط، وقيل: بل في كل آية منها ما يقتضي التصديقَ، فجاء الوعيد على التكذيب بذلك الذي في الآية، والماء المهين: معناه الضعيف، والقرار المكين: الرَّحِمُ وبَطْنُ المرأة، والقدر المعلوم: هو وقت الولادة [ومعناه] معلوم عند اللَّه، وقرأ نافع والكسائيُّ: «فَقَدَّرْنَا» ـــ بتشديد الدال ـــ، والباقون بتخفيفها، وهما بمعنى من القدرة والقدر ومن التقدير والتوقيت. * ت *: وفي كلام * ع *: تلفيف، وقال غيره: فَقَدَّرْنَا بالتشديد من التقدير وبالتخفيف من القدرة، وهو حسن. وقوله: {ٱلْقَـٰدِرُونَ} يُرَجِّحُ قراءة الجماعة إلاَّ أَنَّ ابن مسعود رَوَى عنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ فَسَّرَ «القادرون» بالمقدرين، والكِفَاتُ: الستر والوعاء الجامع للشيء بإجماع؛ تقول: كفت الرجلُ شعره إذا جمعه بخرقة، والأرضُ تكفت الأحياءَ على ظهرها، وتكفِتُ الأموات في بطنها، وخَرَجَ الشَّعْبِيُّ إلى جنازة فنظر إلى الجبَّانة فقال: هذه كفات الموتى، ثم نظر إلى البيوت فقال: وهذه كفات الأحياء. قال * ع *: ولما كان القبر كفاتاً كالبيت، قُطِعَ من سَرَقَ منه، والرواسي: الجبال، والشوامخ: المرتفعة، والفرات: الصافي العَذْبُ، والضمير في قوله: {ٱنطَلِقُواْ} هو للمُكَذِّبِينَ الذين لهم الويل، ثم بَيَّنَ المُنْطَلَقَ إليه؛ قال عطاء: الظل الذي له ثلاث شعب هو دُخَانُ جهنم، وقال ابن عباس: هذه المخاطبة تقال يومئذ لِعَبَدَةِ الصليب إذا اتَّبَعَ كُلُّ أحد ما كان يعبد، فيكون المؤمنون في ظل اللَّه ولا ظل إلاَّ ظله، ويقال لعَبَدَةِ الصليب: انطلقوا إلى ظِلِّ معبودكم، وهو الصليب له ثلاث شعب، ثم نفى تعالى عنه محاسن الظل، والضميرُ في {إِنَّهَا} لجهنم {تَرْمِى بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ} أي: مثل القصور من البنيان؛ قاله ابن عباس وجماعة من المفسرين، وقال ابن عباس أيضاً: القصر خشب كُنَّا في الجاهلية نَدَّخِرُه للشتاء، وقرأ ابن عباس: «كالْقَصَر» ـــ بفتح الصاد ـــ جمع قَصَرَةِ وهي أعناق النخل والإبل، وقال ابن عباس: جذور النخل، واخْتُلِفَ في الجَمَالاَتِ: فقال جمهور من المفسرين: هي جمع جِمَالٍ؛ كرجال ورِجالات، وقال آخرون: أراد بالصُّفْرِ السود، وقال جمهور الناس: بل الصفر: الفاقعة؛ لأَنَّها أشبه بلون الشَّرَرِ، وقال ابن عباس: الجمالات: حبال السفن، وهي الحبال العظام إذا جُمِعَتْ مستديرةً بعضها إلى بعض، وقرأ ابن عباس: «جُمَالَةً» ـــ بضم الجيم ـــ من الجملة لا من الجمل، ثم خاطب تعالى نبيه ـــ عليه السلام ـــ بقوله: {هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ...} الآية، وهذا في موطنٍ خاص إذ يومُ القيامَة هو مواطِنُ.

اسماعيل حقي

تفسير : {ألم نهلك الاولين} كقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم ممن هلكوا قبل بعثة سيد المرسلين عليه السلام وذلك لتكذيبهم بيوم الفصل وهو استئناف انكار لعدم الاهلاك اثباتا وتقريرا له لان نفى النفى يثبت الاثبات ويحقق الاهلاك فكأنه قيل لم يكن عدم الاهلاك بل قد اهلكناهم.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {ألم نُهلِكِ الأولينَ} كقوم نوح وعاد وثمود، لتكذيبهم بذلك اليوم، وقُرىءَ بفتح النون، من: هلكه بمعنى أهلكه، {ثم نُتبِعُهم الآخِرِين} أي: ثم نفعل بأمثالهم من الآخرين مثل ما فعلنا بهم، لأنهم كذّبوا مثل تكذيبهم. و"ثم" وما بعده: استئناف، تهديد لأهل مكة، وقُرىءَ بالجزم عطف على "نُهلك" فيكون المراد بالآخرين المتأخرين هلاكاً من المذكورين، كقوم لوط وشعيب وموسى عليه السلام, {كذلك} أي: مثل ذلك الفعل الفظيع {نفعل بالمجرمين} أي: بكل مَن أجرم من كل أمة، {ويل يومئذٍ} أي: يوم وقوع الهلاك بهم {للمكذِّبين} بما أوعدنا. {ألم نَخْلُقْكُمْ من ماءٍ مهينٍ}؛ حقير، وهو النطفة، {فجعلناه في قرارٍ مكينٍ} أي: مقرّ يتمكّن فيه، وهو الرحم، {إِلى قَدَرٍ معلوم}؛ إلى مقدار معلوم من الوقت، قدّره اللهُ تعالى في أزله، لا يتقدّم عليه ولا يتأخر عنه، وهو تسعة أشهر في الغالب، أو أكثر أو أقل على حسب المشيئة، {فقدّرنا} ذلك تقديراً لا يتبدل, أو: فَقَدرْنا على ذلك {فَنِعْمَ القادرون} أي: المقدِّرون له نحن، أو: فنعم القادرون على أمثال ذلك، {ويل يومئذ للمُكذِّبين} لقدرتنا على ذلك، أو: على الإعادة، أو: بنعمة الفطرة من النشأة الدالة على صدق الوعيد بالبعث. {ألم نجعل الأرضَ كِفَاتاً}؛... وجامعة، والكِفَات: اسم ما يَجمع ويضم، من: كَفَتَ شعره: إذا ضمه بخرقة، كالضمام والجماع لما يَضُمّ ويجمع، أي: ألم نجعلها كفاتاً تكفت {أحياءً} كثيرة في ظهرها {وأمواتاً} غير محصورة في بطنها. ونظر الشعبي إلى الجبانة فقال: هذه كِفَاتُ الموتى، ثم نظر إلى البيوت فقال: هذه كِفَات الأحياء. هـ. ولمّا كان القبر كفاتاً كالبيت قُطع مَن سَرق منه. و"أحياء وأمواتاً" منصوبان بـ"كِفاتاً" لأنه في معنى اسم الفاعل، أي: كافتة أحياء وأمواتاً، أو: بفعل محذوف، أي: تكفت على الحال، أي: تكفتهم في حال حياتهم ومماتهم. {وجعلنا فيها رواسيَ}، أي: جبالاً ثوابت {شامخاتٍ}؛ طوالاً شواهق، ووصْفُ جمع المذكر بجمع المؤنث في غير العقلاء مطرد، وتنكيرها للتفخيم، وللإشعار بأنَّ فيها ما لم يُعرف، {وأسقيانكم ماءً} بأن خلقنا فيها أنهاراً ومنابع {فُراتاً}؛ عذباً صافياً {ويل يومئذ للمُكذِّبين} بأمثال هذه النِعم العظيمة. الإشارة: ألم نُهلك الجبابرة الأولين، المتكبرين على الضعفاء والمساكين، ثم نُتبعهم الآخرين, كذلك نفعل بالمجرمين في كل زمان، أو: ألم نُهلك الغافلين المتقدمين والمتأخرين، بموت قلوبهم وأرواحهم، بالانهماك في الشهوات، كذلك نفعل بالطغاة المتكبرين، ويل يومئذ للمكذِّبين الشاكّين في وقوع هذا الوعيد. ألم نخلقكم من ماء مهين حقير؟ فكيف تتكبّرون وأصلكم حقير، وآخركم لحم منتن عقير؟ ولعليّ كرّم الله وجهه: ما لابن آدم والفخر، وأوله نطفة مذرة، وآخره جيفة قذرة، وهو فيما بينهما يحمل العذرة. هـ. هذا في الصورة البشرية, وأمّا الروح السارية فيها، فأصلها عز وشرف، فمَن غلبت روحُه على بشريته، وعقله على هواه، التحق بالملائكة الكرام في الشرف والنزاهة، ومَن غلبت بشريتُه على روحانيته، وهواه على عقله، التحق بالبهائم في الخسة والدناءة. ألم نجعل أرض البشرية جامعة للقلوب والأرواح والأحياء بالعلم والمعرفة، حين غلبت الروح والعقل على البشرية والهوى، وللنفوس والقلوب الميتة، حين غلب الهوى. وجعلنا فيها رواسي من العقول الثابتة، لتميز بين النافع الضار، وأسقيانكم من ماء العلوم التي تحيا به القلوب والأرواح، ماءً عذباً لمَن وفّقه اللهُ لشُربه على أيدي الرجال. ويل يومئذ للمكذِّبين بها، فإنه يعيش ظمآناً، ويموت عطشاناً، والعياذ بالله. ثم ذكر مآل المكذّبين، فقال: {ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ}.

الطوسي

تفسير : قرأ أهل المدينة والكسائي {فقدرنا} مشددة. الباقون بالتخفيف وهما لغتان. ومن اختار التخفيف فلقوله {فنعم القادرون}. يقول الله تعالى على وجه التهديد للكفار {ألم نهلك الأولين} يعني قوم نوح وعاد وثمود، والآخرون قوم لوط وابراهيم إلى فرعون ومن معه من الجنود أهلكهم الله تعالى بأنواع الهلاك جزاء على كفرهم لنعم الله وجحدهم لتوحيده واخلاص عبادته. وقوله {ثم نتبعهم الآخرين} إنما رفعه عطفاً على موضع {ألم} كأنه قال: لكنا نهلك الاولين ثم نتبعهم الاخرين. وقال المبرد تقديره ثم نحن نتبعهم لا يجوز غيره. لان قوله {ألم نهلك} ماض، وقوله {ثم نتبعهم} مستقبل فلا يكون عطفاً على الاول ولا على موضعه. والاهلاك إبطال الشيء بتصييره الى حيث لا يدرى اين هو إما باعدامه او باخفاء مكانه. وقد يكون الاهلاك بالاماتة، وقد يكون بالنقل إلى حال الجمادية. والاول هو الكائن قبل غيره. والثاني هو الكائن بعد غيره. والاول قبل كل شيء هو الله تعالى الذي لم يزل. {والأولين} فى الآية هم الذين تقدموا على أهل العصر الثاني، والاخر الكائن بعد الاول من غير بقية منه، وبهذا ينفصل عن الثاني، لأن الثاني قد يكون بعد بقية من الشيء ثالثاً ورابعاً وخامساً إلى حيث انتهى، فاذا صار الى الآخر فليس بعده شيء كالكتاب الذي هو أجزاء كثيرة وقوله {كذلك نفعل بالمجرمين} أي مثل ما فعلنا بأولئك نفعل مثله بالعصاة ثم قال {ويل يومئذ} يعني يوم الجزاء والثواب والعقاب {للمكذبين} فانهم يجازون بأليم العقاب. والاتباع الحاق الثاني بالأول بدعائه اليه، والتبع الحاق الثاني بالاول باقتضائه له، تبع تبعاً فهو تابع وأتبع اتباعاً. وقوله {ألم نخلقكم من ماء مهين} والمهين القليل الغناء، ومثله الحقير الذليل وفى خلق الانسان على هذا الكمال من الحواس الصحيحة والعقل والتميز من ماء مهين أعظم الاعتبار وأبين الحجة على ان له مدبراً وصانعاً وخالقاً خلقه وصنعه فمن جحده كان كالمكابر لما هو من دلائل العقول. ثم قال الله تعالى مبيناً انه جعل ذلك الماء المهين الحقير {في قرار مكين} فالقرار المكان الذي يمكن أن يطول فيه مكث الشيء، ومنه قولهم: قر فى المكان إذا ثبت على طول المكث فيه يقر قراراً، ولا قرار لفلان فى هذا المكان أي لا ثبات له. وقوله {إلى قدر معلوم} فالقدر المقدار المعلوم الذي لا زيادة فيه ولا نقصان وكأنه قال إلى مقدار من الوقت المعلوم، والقدر مصدر من قولهم: قدر يقدر قدراً وقدر يقدّر - بالتخفيف، والتشديد - إلا أن التشديد للتكثير. وقوله {فقدرنا فنعم القادرون} معناه فى قول من خفف فقدرنا من القدرة، فنعم القادرون على تدبيره. ومن شدد أراد فقدرنا، فنعم المقدرون لاحوال النطفة ونقلها من حال الى حال حتى صارت إلى حال الانسان. والعرب تقول: قدر عليه الموت وقدر: بالتخفيف والتشديد. ومن شدد وقرأ القادرون جمع بين اللغتين كما قال الاعشى: شعر : وانكرتني وما كان الذي نكرت من الحوادث إلا الشيب والصلعا تفسير : وقوله {ألم نجعل الأرض كفاتاً} نصب {كفاتاً} على الحال، وتقديره ألم نجعل الأرض لكم ولهم كفاتاً، والكفات الضمام فقد جعل الله الارض للعباد تكفتهم {أحياء وأمواتاً} أي تضمهم فى الحالين كفت الشيء يكفته كفتاً وكفاتاً إذا ضمه وقيل {كفاتاً} وعاء وهذا كفته أي وعاؤه، ويقال كفيته أيضاً، وقال الشعبي ومجاهد: فظهرها للاحياء وبطنها للأموات، وهو قول قتادة ونصب أحياء وامواتاً على الحال، ويجوز على المفعول به، قال ابو عبيدة وغيره {كفاتاً} أي اوعية يقال: هذا النحى كفت هذا وكفيته. وقوله {أحياء وأمواتاً} أي منه ما ينبت، ومنه ما لا ينبت. وقوله {وجعلنا فيها رواسي شامخات} أي وجعلنا فى الأرض جبالا ثابتة عالية، فالشامخات العاليات، شمخ يشمخ شمخاً، فهو شامخ، ومنه شمخ بأنفه إذا رفعه كبراً، وجبل شامخ وشاهق وبازخ كله بمعنى واحد والرواسي الثوابت. وقوله {وأسقيناكم ماء فراتاً} أي وجعلنا لكم شراباً من الماء الفرات، وهو العذب وهو صفة يقال: ماء فرات وماء زلال وماء غدق وماء نمير كله من العذوبة والطيب، وبه سمي النهر العظيم المعروف بالفرات قال الشاعر: شعر : إذا غاب عنا غاب عنا فراتنا وإن شهد أجدى فضله وجداوله تفسير : وقال ابن عباس أصول الانهار العذبة أربعة: جيحان ومنه دجلة، وسيحان نهر بلخ، وفرات الكوفة، ونيل مصر. وقوله {ويل يومئذ للمكذبين} قد فسرناه.

الجنابذي

تفسير : {أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ} جوابُ سؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: ما تفعل بهم فى الدّنيا؟ - فقال: نفعل بهم ما فعلنا بالاوّلين الم نهلك الاوّلين كقوم نوحٍ وعادٍ وثمود وغيرهم.

اطفيش

تفسير : {ألَمْ نُهْلِكِ الأَوَّلِينَ} كقوم نوح وعاد وثمود بتكذيب الرسل وقرأ قتادة نهلك بفتح النون من هلك الثلاثي المتعدي كاهلك والاستفهام إنكار أو تقرير.

اطفيش

تفسير : لتكذيبهم بالرسل والبعث كقوم نوح وقوم هود وقوم صالح.

الالوسي

تفسير : كقوم نوح وعاد وثمود. وقرأ قتادة (نهلك) بفتح النون على أنه من هلكه بمعنى أهلكه ومنه هالك بمعنى مهلك كما هو الظاهر في قول العجاج: شعر : ومهمه هالك من تعرجا هائلة أهواله من أدرجا تفسير : / لئلا يلزم حذف الضمير مع حرف الجر أعني به أو فيه وليناسب ما في الشطر الثاني.

ابن عاشور

تفسير : استئناف بخطاب موجه إلى المشركين الموجودين الذين أنكروا البعث معترض بين أجزاء الكلام المخاطبِ به أهل الشرك في المحشر. ويتضمن استدلالاً على المشركين الذين في الدنيا، بأن الله انتقم من الذين كفروا بيوم البعث من الأمم سابقهم ولاحِقهم ليحذروا أن يحلّ بهم ما حلّ بأولئك الأولين والآخِرين. والاستفهام للتقرير استدلالاً على إمكان البعث بطريقة قياس التمثيل. والمراد بالأولين الموصوفون بالأولية أي السبق في الزمان، وهذا يقِرُّ به كل جيل منهم مسبوق بجيل كفروا. فالتعريف في {الأولين} تعريف العهد، والمراد بالأولين جميع أمم الشرك الذين كانوا قبل مشركي عصر النبوة. والإِهلاك: الإِعدام والإِماتة. وإهلاك الأولين له حالتان: حالة غير اعتيادية تنشأ عن غضب الله تعالى، وهو إهلاك الاستئصال مثل إهلاك عاد وثمود، وحالة اعتيادية وهي ما سَن الله عليه نظام هذا العالم من حياة وموت. وكلتا الحالتين يصح أن تكون مراداً هنا، فأما الحالة غير الاعتيادية فهي تذكير بالنظر الدال على أن الله لا يرضى عن الذين كذبوا بالبعث. وأما الحالة الاعتيادية فدليل على أن الذي أحيا الناس يميتهم فلا يتعذر أن يعيد إحياءهم.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 16، 17، 18- ألم نُهلك الأولين من الأمم المكذبة، ثم نُتبع الأولين الآخرين فى الهلاك مثل ذلك الفعل نفعل بكل من أجرم وكفر بالله. 19- هلاك يومئذٍ للمكذبين بما أوعدناهم. 20، 21، 22، 23، 24- ألم نخلقكم من ماء حقير وهو النطفة، فجعلنا هذا الماء فى مقر يتمكن فيه، فيتم خلقه وتصويره مؤخراً إلى وقت قد علمه الله، فقدرنا على خلقه وتصويره وإخراجه، فنعم المقدرون الخالقون له نحن؟ ويل يومئذٍ للمكذبين بنعمة الخلق والتقدير. 25، 26، 27، 28- ألم نجعل الأرض ضامَّة على ظهرها أحياء لا يعدون، وفى بطنها أمواتٌ لا يحصرون، وجعلنا فيها جبالاً ثوابت عاليات، وأسقيناكم ماء عذباً سائغاً؟ هلاك يومئذٍ للمكذبين بهذه النعمة. 29، 30، 31- يُقال للكافرين يوم الفصل: سيروا إلى النار التى كنتم بها تكذِّبون. سيروا إلى حرارة دخان من جهنم يتشعب لعِظمه ثلاث شعب. لا مظل من حر ذلك اليوم، ولا يغنى ذلك الظل من حر اللهب شيئاً. 32، 33، 34- إن النار ترمى بما تطاير منها كالقَصْرِ فى العِظم. كأن الشرر جِمَالٌ سودٌ تضرب إلى الصفرة. هلاك يومئذ للمكذبين بأن هذه صفتها.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ألم نهلك الأولين: أي كقوم نوح وعاد وثمود ومن بعدهم إلى البعثة النبوية وذلك بتكذيبهم. ثم نتبعهم الآخرين: أي إن أصروا على التكذيب ككفار مكة. كذلك نفعل بالمجرمين: أي مثل ذلك الهلاك نهلك المجرمين. ويل يومئذ للمكذبين: أي إذا جاء وقت الهلاك ويل فيه للمكذبين. من ماء مهين: أي المنيّ والمهين الضعيف. في قرار مكين: أي حريز وهو الرحم. إلى قدر معلوم: أي إلى وقت الولادة. فقدرنا: أي خلقه. فنعم القادرون: أي نحن على الخلق والتقدير. كفاتا: أي تكفت الناس أي تضمهم أحياء فوق ظهرها وأمواتا في بطنها. رواسي شامخات: أي جبال عاليات. فُراتا: أي عذبا. معنى الآيات: قوله تعالى {أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلآخِرِينَ كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ} إنه لما أقسم تعالى على وقوع ما أوعد به المكذبين من عذاب يوم القيامة وذكر وقت مجيئه وعلامات ذلك وذكر أن الرسل أقتت ليوم الفصل وهو اليوم الذي يفصل فيه تعالى بين الخلائق فيقتص من الظالم للمظلوم، ويجزي المحسن بإِحسانه والمسيء بإِساءته وتوعد المكذبين بذلك فقال ويل يومئذ للمكذبين دلل هنا على قدرته على إهلاك المكذبين بما سبق له أن فعله بالمكذبين فقال في استفهام تقريري لا ينكر {أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ} من الأمم السابقة كعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط إلى زمن البعثة النبوية {ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلآخِرِينَ} فقد أهلك أكابر مجرمي قريش في بدر وقوله {كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ} وهو وعيد صريح وحقا والله لقد أهلك المجرمين ولو ينج من الهلاك مجرم وويل يومئذ للمكذبين وقوله تعالى {أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَادِرُونَ}. هذا استدلال آخر على قدرة الله وعلمه اللذين لا يتم البعث والجزاء إلا عليهما قدرة لا يعجزها شيء وعلم لا يخفى معه شيء فقال مستفهما استفهاما تقريريا {أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ} أي ضعيف هو المني {فَجَعَلْنَاهُ} أي الماء {فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ} أي حريز حصين وهو الرحم {إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ} وهو زمن الولادة {فَقَدَرْنَا} أي خلق الجنين على أحسن صورة أدق تركيب المسافات بين الأعضاء كما بين العينين كما بين اليدين والرجلين كما بين الأذنين كلها مقدرة تقديرا عجيبا لا تزيد ولا تنقص {فَنِعْمَ ٱلْقَادِرُونَ} على الخلق والتقدير معا والجواب بلى ولم إذاً تكفرون وتكذبون؟ {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} وقوله {أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً}؟ هذا استدلال آخر على قدرة الله على البعث والجزاء والاستفهام فيه للتقرير أيضا {أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً} أي مكان كفاية مأخوذ من كفت الشيء إذا ضمه إلى بعضه بعضا والأرض ضامة للناس كافية لهم كافتة الأحياء على ظهرها يسكنون ويأكلون ويشربون والأموات في بطنها لا تضيق بهم أبدا كما لم تضق بالأحياء {وَجَعَلْنَا فِيهَا} أي في الأرض {رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ} أي جبال عاليات {وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً} أي عذبا وهو ماء السماء ناقعا في الأرض وجاريا في الأودية والأنهار والجواب بلى، بلى إذاً مالكم أيها المشركون كيف تكذبون؟ {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} أي ويل لهم إذا حان وقت هلاكهم أي {أية : لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ} تفسير : [المرسلات: 13-14]. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة البعث والجزاء. 2- الاستدلال على البعث والجزاء بالقدرة والعلم إذ هما أساس البعث والجزاء. 3- بيان انعام الله تعالى على عباده في خلقهم ورزقهم وتدبير حياتهم أحياء وأمواتا. 4- بيان أن الناس أكثرهم لا يشكرون. 5- الوعيد الشديد للمكذبين الكافرين.

د. أسعد حومد

تفسير : (16) - كَيْفَ تَكْفُرُونَ يَا أَيُّهَا المُشْرِكُونَ، وَكَيْفَ تُكَذِّبُونَ بِالرُّسُلِ، وَالآيَاتِ، وَبِيَوْمِ المَعَادِ؟ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّنَا أَهْلَكْنَا المُكَذِّبِينَ مِنَ الأُمَمِ السَّالِفَةِ؟ وَأَنَّ سُنَتَّنَا جَرَتْ بِذَلِكَ؟.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: أما أهلكنا المكذبين السابقين، ثم نتبعهم بإهلاك من كذب من الآخرين، وهذه سنته السابقة واللاحقة في كل مجرم لا بد من عذابه، فلم لا تعتبرون بما ترون وتسمعون؟ { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ } بعدما شاهدوا من الآيات البينات، والعقوبات والمثلات.