٧٧ - ٱلْمُرْسَلَات
77 - Al-Mursalat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
20
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا هو النوع الثالث: من تخويف الكفار ووجه التخويف فيه من وجهين: الأول: أنه تعالى ذكرهم عظيم إنعامه عليهم، وكلما كانت نعمة الله عليهم أكثر كانت جنايتهم في حقه أقبح وأفحش، وكلما كان كذلك كان العقاب أعظم، فلهذا قال عقيب ذكر هذا الإنعام: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ }. الوجه الثاني: أنه تعالى ذكرهم كونه قادراً على الابتداء، وظاهر في العقل أن القادر على الابتداء قادر على الإعادة، فلما أنكروا هذه الدلالة الظاهرة، لا جرم قال في حقهم: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } وأما التفسير فهو أن قوله: {أَلَمْ نَخْلُقكُّم مّن مَّاء مَّهِينٍ } أي من النطفة، كقوله: {أية : ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مّن مَّاء مَّهِينٍ} تفسير : [السجدة:8] {فَجَعَلْنَـٰهُ فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ } وهو الرحم، لأن ما يخلق منه الولد لا بد وأن يثبت في الرحم ويتمكن بخلاف مالا يخلق منه الولد، ثم قال: {إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ } والمراد كونه في الرحم إلى وقت الولادة، وذلك الوقت معلوم لله تعالى لا لغيره كقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ } إلى قوله: {أية : وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلأَرْحَامِ } تفسير : [لقمان:34] {فَقَدَرْنَا } قرأ نافع وعبدالله بن عامر بالتشديد، وقرأ الباقون بالتخفيف، أما التشديد فالمعنى إنا قدرنا ذلك تقديراً فنعم المقدرون له نحن، ويتأكد هذا الوجه بقوله تعالى: {مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ } ولأن إيقاع الخلق على هذا التقدير والتحديد نعمة من المقدر على المخلوق فحسن ذكره في موضع ذكر المنة والنعمة، ومن طعن في هذه القراءة قال: لو صحت هذه القراءة لوجب أن يقال: فقدرنا فنعم المقدرون وأجيب عنه بأن العرب قد تجمع بين اللغتين، قال تعالى: {أية : فَمَهّلِ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً } تفسير : [الطارق:17] وأما القراءة بالتخفيف ففيها وجهان: الأول: أنه من القدرة أي فقدرنا على خلقه وتصويره كيف شئنا وأردنا {فَنِعْمَ ٱلْقَـٰدِرُونَ } حيث خلقناه في أحسن الصور والهيئات والثاني: أنه يقال: قدرت الشيء بالتخفيف على معنى قدرته، قال: الفراء العرب تقول: قدر عليه الموت، وقدر عليه الموت، وقدر عليه رزقه وقدر بالتخفيف والتشديد، قال تعالى: {أية : فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ }تفسير : [الفجر:16].
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ} أي ضعيف حقير وهو النطفة وقد تقدّم. وهذه الآية أصل لمن قال: إن خلق الجنين إنما هو من ماء الرجل وحده. وقد مضى القول فيه. {فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ} أي في مكان حريز وهو الرَّحم. {إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ} قال مجاهد: إلى أن نصوَّره. وقيل: إلى وقت الولادة. {فَقَدَرْنَا} وقرأ نافع والكسائيّ «فَقَدَّرْنَا» بالتشديد. وخفّف الباقون، وهما لغتان بمعنًى. قاله الكسائيّ والفراء والقُتَبي. قاله القُتَبي: قدرنا بمعنى قدّرنا مشدّدة: كما تقول: قدرت كذا وقدّرته؛ ومنه حديث : قول النبيّ صلى الله عليه وسلم في الهلال: «إذا غُمّ عليكم فاقدُروا له» تفسير : أي قدّروا له المسير والمنازل. وقال محمد ابن الجهم عن الفراء: «فَقَدَّرْنَا» قال: وذكر تشديدها عن عليّ رضي الله عنه وتخفيفها: قال: ولا يبعد أن يكون المعنى في التشديد والتخفيف واحداً؛ لأن العرب تقول: قَدَر عليه الموت وقَدَّر: قال الله تعالى: { أية : نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ } تفسير : [الواقعة: 60] قرىء بالتخفيف والتشديد، وقَدَر عليه رزقه وقَدّر. قال: وٱحتج الذين خَفّفوا فقالوا؛ لو كانت كذلك لكانت فنعم المقدّرون. قال الفراء: وتجمع العرب بين اللغتين؛ قال الله تعالى: { أية : فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً } تفسير : [الطارق: 17] قال الأعشى: شعر : وأنْكَرَتنِي وما كان الذي نَكِرَتْ من الحوادثِ إلا الشَّيْبَ والصَّلَعَا تفسير : وروي عن عكرمة {فَقَدَرْنَا} مخففة من القدرة، وهو ٱختيار أبي عبيد وأبي حاتم والكسائيّ لقوله: {فَنِعْمَ ٱلْقَادِرُونَ} ومن شدّد فهو من التقدير، أي فقدّرنا الشقي والسعيد فنعم المقدّرون. رواه ٱبن مسعود عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقيل: المعنى قدرنا قصيراً أو طويلاً. ونحوه عن ٱبن عباس: قدّرنا ملكنا. المهدوي: وهذا التفسير أشبه بقراءة التخفيف. قلت: هو صحيح فإن عِكرمة هو الذي قرأ {فَقَدَرْنَا} مخفّفاً قال: معناه فملكنا فنعم المالكون، فأفادت الكلمتان معنيين متغايرين؛ أي قدّرنا وقت الولادة وأحوال النطفة في التنقيل من حالة إلى حالة حتى صارت بشرًا سويًّا، أو الشقيّ والسعيد، أو الطويل والقصير، كله على قراءة التشديد. وقيل: هما بمعنى كما ذكرنا.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ } ضعيف؟ وهو المنيّ.
ابن عبد السلام
تفسير : {مَّآءٍ مَّهِينٍ} صفوة الماء "ع" أو ضعيف أو سائل.
ابن عادل
تفسير : قوله: {أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ}. أي: ضعيف حقير وهو النُّطفة، وهذا نوع آخر من تخويف الكفار، وهو من وجهين: الأول: أنه - تعالى - ذكرهم عظيم إنعامه عليهم، وكلما كانت نعمه عليهم أكثر كانت جنايتهم في حقه أقبح وأفحش، فيكون العقاب أعظم، فلهذا قال جل ذكره عقيب هذه الأنعام: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ}. والثاني: أنه تعالى ذكرهم كونه تعالى قادراً على الابتداء، والظاهر في العقل أن القادر على الابتداء قادر على الإعادة، فلما أنكروا هذه الدلالة الظاهرة، لا جرم قال في حقهم: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ}، وهذه الآية نظير قوله تعالى: {أية : ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ} تفسير : [السجدة: 8]. {فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ}، أي: مكان حريز وهو الرَّحم. {إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ}، قال مجاهد: إلى أن نصوره، وقيل: إلى وقت الولادة، كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ} تفسير : [لقمان: 34] إلى قوله: {أية : وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ} تفسير : [لقمان: 34]. قوله تعالى: {فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَادِرُونَ}، قرأ نافع والكسائي: بالتشديد من التقدير، وهو موافق لقوله تعالى: {أية : مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ} تفسير : [عبس: 19]. والباقون: بالتخفيف، من القدرة، ويدل عليه {فَنِعْمَ ٱلْقَادِرُونَ}. ويجوزُ أن يكون المعنى على القراءة الأولى: فنعم القادرون على تقديره: وإن جعلت "القادرون" بمعنى "المقدرون" كان جمعاً بين اللَّفظين، ومعناهما واحد، ومنه قوله تعالى: {أية : فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً} تفسير : [الطارق: 17]؛ وقول الأعشى: [البسيط] شعر : 5057- وأنْكرَتْنِي وقَدْ كَانَ الَّذِي نَكرَتْ مِنَ الحَوادثِ إلاَّ الشَّيْبَ والصَّلْعَا تفسير : وقال الكسائي والفراء: هما لغتان بمعنى. قال القتيبي: "قَدَرْنَا" بمعنى "قَدَّرْنَا" مشددة، كما تقول: قدرت كذا وقدرته ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في الهلال: "حديث : إذَا غُمَّ عَليْكُمْ فاقْدُرُوا لَهُ" تفسير : أي: قدروا له المسير والمنازل. وقال محمد بن الجهم عن الفرَّاء: أنه ذكر تشديدها عن علي - رضي الله عنه - وتخفيفها. قال: ولا يبعُد أن يكون المعنى في التشديد والتخفيف واحداً، لأن العرب تقول: قدر عليه الموت وقدر، قال تعالى: {أية : نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ} تفسير : [الواقعة: 60] قرئ بالتخفيف والتشديد، وقدر عليه رزقه وقدر، واحتج الذين خففوا فقالوا: لو كانت كذلك لكانت "فنِعْمَ المُقدِّرُونَ". قال الفراء: والعرب تجمع بين اللُّغتين، واستدل بقوله: {أية : فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : الآية، [الطارق: 17] وذكر بيت الأعشى المتقدم. وقيل: المعنى قدَّرنا قصيراً وطويلاً، ونحوه عن ابن عبَّاس: قدرنا ملكنا. قال المهدوي: وهذا التفسير أشبه بقراءة التخفيف.
البقاعي
تفسير : ولما ذكر الإهلاك على ذلك الوجه الدال على القدرة التامة على البعث وعلى ما يوعد به بعد البعث، أتبعه الدلالة بابتداء الخلق وهو أدل فقال مقرراً ومنكراً على من يخالف علمه بذلك عمله: {ألم نخلقكم} أي أيها المكذبون بما لنا من العظمة التي لا تعشرها عظمة {من ماء مهين *} أي نطفة مذرة ذليلة، وهو من مهن بالفتح، قال في القاموس: والمهين: الحقير الضعيف والقليل {فجعلناه} أي بما لنا من العظمة بالإنزال لذلك الماء في الرحم {في قرار مكين *} أي محفوظ مما يفسده من الهواء وغيره ومددنا ذلك لأجل التطوير في أطوار الخلقة والتدوير في أدوار الصنعة {إلى قدر} أي مقدار من الزمان قدره الله تعالى للولادة {معلوم *} أي عندنا من تسعة أشهر للولادة إلى ما فوقها أو دونها لا يعلمه غيره. ولما كان هذا عظيماً ترجمه وبينه معظماً له بقوله: {فقدرنا} أي بعظمتنا على ذلك أو فجعلناه على مقدار معلوم من الأرزاق والآجال والأحوال والأعمال {فنعم القادرون *} نحن مطلقاً على ذلك وغيره، أو المقدرون في تلك المقادير لما لنا من كمال العظمة بحيث نجعل ذلك بمباشرة من أردناه منه بطوعه واختياره. ولعل التعبير بما قد يفيد مع العظمة الجمع لما أقام سبحانه في ذلك من الأسباب بالملائكة وغيرها، وفيه مع ذلك ابتلاء للعباد الموحد منهم والمشرك: {ويل يومئذ} أي إذ كان ذلك {للمكذبين *} أي بالناشرات التي نشرت تلك النفوس وكل ما يراد نشره وهم يعلمون قدرتنا على ما ذكر وتقديره من ابتدائنا لخلقهم وغيره مما يفيد كمال القدرة وهم يكذبون بالبعث ولا يقيسونه بمثله. ولما دل بابتداء الخلق على تمام قدرته، أتبعه الدلالة بانتهاء أمره وأثنائه وما دبر فيهما من المصالح فقال: {ألم نجعل} أي نصير بما سببنا بما لنا من العظمة {الأرض كفاتاً *} أي وعاء قابلة لجمع ما يوضع فيها وضمه جمعاً فيه فتك وهدم، وهو اسم لما يكفت من الحديد مثلاً أي يغلف بالفضة ويضم ويجمع، كالضمام والجماع لما يضم ويجمع، أو هو مصدر نعت به أو جمع كافتة، كصائمة وصيام أو جمع كفت وهو الوعاء، ولو شئنا لجعلناها ناشرة لكم إذا وضعتم فيها كما تنشر النبات، وسنجعل ذلك إذا أردنا البعث، ولما كان من المعلوم أنه حذف المفعول وهو لكم، أبدى حالة دالة أيضاً عليه فقال: {أحياء} أي على ظهرها في الدور وغيرها {وأمواتاً *} أي في بطنها في القبور وغيرها كما كنتم قبل خلق آدم عليه السلام. ولما ذكر ما تغيبه من جبال العلم والملك وغيرهما، أتبعه ما تبرزه من الشواهق إعلاماً بأنه لو كان الفعل للطبيعة ما كان الأمر هكذا، فإنه لا يخرج هذه الجبال العظيمة على ما لها من الكبر والرسوخ والثقل والصلابة وغير ذلك من العظمة إلا الفاعل المختار، هذا إلى ما يحفظ في أعاليها من المياه التي تنبت الأشجار وتخرج العيون والأنهار، بل أكثر ما يخرج من المياه هو منها، وكذا غالب المنافع من المعادن وغيرها قال: {وجعلنا} أي بما لنا من العظمة {فيها} أي الأرض {رواسي} لولاها لمادت بأهلها، ومن العجائب أن مراسيها من فوقها خلافاً لمراسي السفن {شامخات} أي هي مع كونها ثوابت في أنفسها مثبتة لغيرها طوال جداً عظيمة الارتفاع كأنها قد تكبرت على بقية الأرض وعلى من يريد صعودها، وتنكيره للتعظيم. ولما كان من العجائب الخارقة للعوائد فوران الماء الذي من طبعه أن يغور لا أن يفور لما له من الثقل واللطافة التي أفادته قوة السريان في الأعماق وفي كون ذلك منه من موضع من الأرض دون آخر، وكونه من الجبال التي هي أصل الأرض ومن صخورها غالباً دلالة ظاهرة على أن الفعل للواحد المختار الجبال القهار لا للطبائع قال: {وأسقيناكم} أي جعلنا لكم بما لنا من العظمة شراباً لسقيكم وسقي ما تريدون سقيه من الأنعام والحرث وغير ذلك {ماء} من لأنهار والغدران والعيون والآبار وغيرها {فراتاً *} أي عظيماً عذباً سائغاً وقد كان حقيقاً بأن يكون ملحاً أجاجاً لما للأراضي الممسكة له من ذلك. ولما كان في هذا دلالة على ظاهرة على قدرته على البعث وغيره قال: {ويل يومئذ} أي يوم إذ تقوم الساعة ليكون الفصل بين العباد فساقها مساق ما هو ثابت لا نزاع فيه إشارة إلى أنه لا يكذب بها بعد ظهور الأدلة إلا من لا مسكة له {للمكذبين *} أي الذين هم في غاية الرسوخ في التكذيب حتى كذبوا بما لنا في هذا من الفرق الذي فرقنا به بين أرض وأخرى حتى جعلنا بعضها صالحاً لانفراق أرضه عن الماء، وبعضها غير صالح وجعلنا بعضها قابلاً للجبال وبعضها غير قابل - إلى غير ذلك من الفروق البديعة. ولما وصلت أدلة الساعة في الظهور إلى حد لا مزيد عليه، وحكم على المكذبين بالويل مرة، وأكد بثلاث، فكان من حق المخاطب أن يؤمن فلم يؤمن، أمر بما يدل على الغضب فقال تعالى معلماً لهم بما يقال لهم يوم القيامة إذ يحل بهم الويل: {انطلقوا} أي أيها المكذبون {إلى ما كنتم} أي بما هو لكم كالجبلة {به تكذبون *} عدماً، وتجددون ذلك التكذيب مستمرين عليه. ولما كان المراد زيادة تبكيتهم وتقريعهم والتهويل عليهم، كرر الأمر واصفاً ما أمروا بالانطلاق إليه فقال: {انطلقوا} هذا على قراءة الجماعة، وقراءة رويس عن يعقوب بصيغة الماضي للدلالة على تمام انقيادهم هناك، وأنه لا شيء من منعه عندهم أصلاً، وهي استئنافية لجواب من يقول: ما كان حالهم عند هذا الأمر الفظيع؟ {إلى ظل} أي من دخان جهنم الذي سمي باليحموم لما ذكر في الواقعة {ذي ثلاث شعب *} ينشعب من عظمه كما ترى الدخان العظيم يتفرق ذوائب، وخصوصية الثلاث لأن التكذيب بالله وكتبه ورسله، فتعذبهم كل واحدة منها عذاباً يعلمون هناك لأي تكذيبة منها هي، أو لأن الحاجب عن أنوار القدس الحس والخيال والوهم، أو لأن السبب فيه القوة الوهمية الحالة في الدماغ، والغضبية التي في عين القلب، والشهوية التي في يساره، وقيل: تخرج عنق من النار تكون ثلاث فرق: نار ونور ودخان، يقف النور على المؤمنين، واللهب الصافي على الكافرين، والدخان على المنافقين، تكون كذلك إلى حين الفراغ من الحساب، وقال الرازي: الشعب لهب وشرر ودخان. ولما كان المبتادر من الظل ما يستروح إليه فظنوا ذلك، أزال عنهم هذا التوهم على طريق التهكم بهم ليكون أشد في النكال فقال واصفاً لـ"ذي": {لا ظليل} أي من الحر بوجه من الوجوه. ولما كان ما انتفى عنه غزارة الظل التي أفهمتها صيغة المبالغة قد يكون فيه نفع ما قال: {ولا يغني} أي شيئاً من إغناء {من اللهب *} أي هذا الجنس.
السيوطي
تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {ألم نخلقكم من ماء مهين} يعني بالمهين الضعيف. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: {من ماء مهين} قال: ضعيف في قرار مكين. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج {فقدرنا فنعم القادرون} قال: فملكنا فنعم المالكون. وأخرج ابن جرير عن الضحاك {فقدرنا فنعم القادرون} قال: فخلقنا فنعم المالكون. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عليّ عن ابن عباس {كفاتاً} قال: كنا. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد {ألم نجعل الأرض كفاتاً} قال: تكفتهم أمواتاً وتكف إذا هم أحياء. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه عن ابن مسعود أنه أخذ قملة فدفنها في المسجد، ثم قرأ {ألم نجعل الأرض كفاتاً أحياء وأمواتاً} . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد {كفاتاً} قال: تكفت الميت ولا يرى منه شيء، وقوله: {أحياء} الرجل في بيته لا يرى من عمله شيء. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس {رواسي} جبالاً شامخات مشرفات {فراتاً} عذباً {بشرر كالقصر} قال: كالقصر العظيم {جمالات صفر} قال: قطع النحاس. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد {ظل ذي ثلاث شعب} دخان جهنم. وأخرج عبد الرزاق عن الكلبي في قوله: {ظل ذي ثلاث شعب} قال: هو كقوله: {أية : ناراً أحاط بهم سرادقها}تفسير : [الكهف: 29] والسرادق الدخان، دخان النار، فأحاط بهم سرادقها، ثم تفرق فكان ثلاث شعب، شعبة ههنا، وشعبة ههنا، وشعبة ههنا. وأخرج ابن جرير عن قتادة مثله. وأخرج عبد الرزاق والفريابي والبخاري وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والحاكم من طريق عبد الرحمن بن عابس قال: سمعت ابن عباس يسأل عن قوله: {إنها ترمي بشرر كالقصر} قال: كنا نرفع الخشب بقصر ثلاثة أذرع أو أقل، فنرفعه للشتاء فنسميه القصر. قال: وسمعته يسأل عن قوله تعالى: {جمالات صفر} قال: حبال السفن يجمع بعضها إلى بعض حتى تكون كأوساط الرجال. وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قرأها {كالقصر} بفتح القاف والصاد. قال: قصر النخل يعني الأعناق، وكان يقرأ {جمالات} بضم الجيم. وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس {كالقصر} قال: كجذور الشجر. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: كانت العرب تقول في الجاهلية: اقصروا لنا الحطب، فيقطع على قدر الذراع والذراعين. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط عن ابن مسعود في قوله: {ترمي بشرر كالقصر} قال: إنها ليست كالشجر والجبال، ولكنها مثل المدائن والحصون. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {كالقصر} قال: هو القصر {كأنه جملات صفر} قال: الإِبل. وأخرج ابن الأنباري في كتاب الأضداد عن الحسن في قوله: {كأنه جمالات صفر} قال: الصفر السود، وفي قوله: {جمالات صفر} قال: هو الجسر، وفي لفظ قال: الجبال. وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله: {كالقصر} قال: مثل قصر النخلة. وأخرج ابن جرير عن الضحاك في الآية، قال: القصر أصول الشجر العظام كأنها أجواز الإِبل الصفر. قال ابن جرير: وسط كل شيء جوزة. وأخرج ابن جرير عن هارون قال: قرأها الحسن {القصر} بجزم الصاد، وقال: هو الجزل من الخشب. وأخرج ابن جرير عن الحسن {كأنه جمالات صفر} قال: كالنوق السود. وأخرج ابن جرير من طريق علي عن ابن عباس {كأنه جمالات صفر} يقول: قطع النحاس. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: {كالقصر} قال: حزم الشجر وقطع النخل {كأنه جمالات صفر} قال: جبال الجسور. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة {كالقصر} قال: أصول الشجر وأصول النخل {كأنه جمالات صفر} قال: كأنه نوق سود. وأخرج عبد حميد عن عكرمة أنه كان يقرأ {كالقصر} قال: كقطعة النخلة الجادرة {كأنه جمالات صفر} قال: القلوص. وأخرج ابن مردويه عن عبدالله بن الصامت قال: قلت لعبدالله بن عمرو بن العاص أرأيت قول الله: {هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون} قال: إن يوم القيامة يوم له حالات وتارات في حال لا ينطقون، وفي حال ينطقون، وفي حال يعتذرون، لا أحدثكم إلا ما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا كان يوم القيامة ينزل الجبار في ظلل من الغمام، وكل أمة جاثية في ثلاث حجب مسيرة كل حجاب خمسون ألف سنة، حجاب من نور، وحجاب بن ظلمة، وحجاب من ماء، لا يرى لذلك فيأمر بذلك الماء فيعود في تلك الظلمة، ولا تسمع نفس ذلك القول إلا ذهبت فعند ذلك لا ينطقون ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه من طريق عكرمة قال: سأل نافع بن الأزرق ابن عباس عن قوله تعالى: {هذا يوم لا ينطقون} و {أية : فلا تسمع إلا همساً}تفسير : [طه: 108] و {أية : وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون} تفسير : [الصافات: 27] و {أية : هاؤم اقرءوا كتابيه}تفسير : [الحاقة: 19] فما هذا؟ قال: ويحك هل سألت عن هذا أحداً قبلي؟ قال: لا. قال: إنك لو كنت سألت هلكت، أليس قال الله تعالى: {أية : وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون} تفسير : [الحج: 47] قال: بلى. قال: وإن لكل مقدار يوم من الأيام لوناً من الألوان. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة أنه سئل عن قوله: {يوم كان مقداره خمسين ألف سنة} قال: ألا أخبركم بأشد مما تسألون عنه؟ قال ابن عباس، وذكر {أية : لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان} تفسير : [الرحمن: 39] {أية : فوربك لنسألنهم أجمعين}تفسير : [الحجر: 92] و {هذا يوم لا ينطقون} قال ابن عباس: إنها أيام كثيرة في يوم واحد فيصنع الله فيها ما يشاء، فمنها يوم لا ينطقون، ومنها يوم عبوساً قمطريراً. وأخرج عبد بن حميد عن أبي الضحى أن نافع بن الأزرق وعطية أتيا ابن عباس فقالا: يا ابن عباس أخبرنا عن قول الله: {هذا يوم لا ينطقون} وقوله: {أية : ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون}تفسير : [الزمر: 31] وقوله: {أية : والله ربنا ما كنا مشركين} تفسير : [الأنعام: 6] وقوله: {أية : ولا يكتمون الله حديثاً} تفسير : [النساء: 42] قال: ويحك يا ابن الأزرق إنه يوم طويل وفيه مواقف تأتي عليهم: ساعة لا ينطقون، ثم يؤذن لهم فيختصمون، ثم يمكثون ما شاء الله يحلفون ويجهدون، فإذا فعلوا ذلك ختم الله على أفواههم ويأمر جوارحهم فتشهد على أعمالهم بما صنعوا، ثم تنطق ألسنتهم فيشهدون على أنفسهم بما صنعوا. قال: ذلك قوله: {ولا يكتمون الله حديثاً} . وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر عن أبي عبد الله الجدلي قال: أتيت بيت المقدس فإذا عبادة بن الصامت، وعبدالله بن عمرو، وكعب الأحبار يتحدثون في بيت المقدس فقال عبادة: إذا كان يوم القيامة جمع الناس في صعيد واحد فينفذهم البصر ويسمعهم الداعي ويقول الله {هذا يوم لا ينطقون} {هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين فإن كان لكم كيد فكيدون} اليوم لا ينجو مني جبار ولا شيطان مريد، فقال عبدالله بن عمرو: إنا نجد في الكتاب أنه يخرج يومئذ عنق من النار فينطلق معنقاً حتى إذا كان بين ظهراني الناس قال: يا أيها الناس إني بعثت إلى ثلاثة أنا أعرف بهم من الوالد بولده ومن الأخ بأخيه، لا يغنيهم مني وزر، ولا تخفيهم مني خافية: الذي يجعل مع الله إلهاً آخر، وكل جبار عنيد، وكل شيطان مريد. قال: فينطوي عليهم فيقذفهم في النار قبل الحساب بأربعين. إما قال يوماً وإما عاماً. قال: ويهرع قوم إلى الجنة فتقول لهم الملائكة: قفوا للحساب. فيقولون: والله ما كانت لنا أموال، وما كنا بعمال. فيقول الله: صدق عبادي أنا أحق من أوفى بعهده ادخلوا الجنة. فيدخلون قبل الحساب بأربعين. إما قال يوماً وإما عاماً. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله: {كلوا واشربوا هنيئاً} أي: لا موت. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: {كلوا وتمتعوا قليلاً} قال: عنى بذلك أهل الكفر. وأخرج عبد حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون} قال: نزلت في ثقيف. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد {وإذا قيل لهم اركعوا} قال: صلوا. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة {وإذا قيل لهم اركعوا} قال: عليكم بإحسان الركوع فإن الصلاة من الله بمكان. قال: وذكر لنا أن حذيفة رأى رجلاً يصلي ولا يركع كأنه بعير نافر. قال: لو مات هذا ما مات على شيء من سنة الإِسلام. قال: وحدثنا أن ابن مسعود رأى رجلاً يصلي ولا يركع وآخر يجر إزاره، فضحك، قالوا: ما يضحكك يا ابن مسعود؟ قال: أضحكني رجلان أحدهما لا ينظر الله إليه، والآخر لا يقبل الله صلاته. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس {وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون} يقول: يدعون يوم القيامة إلى السجود فلا يستطيعون السجود من أجل أنهم لم يكونوا يسجدون لله في الدنيا والله أعلم.
اسماعيل حقي
تفسير : {الم نخلقكم} اى ألم نحدثكم واتفق القرآء على ادغام القاف فى الكاف فى هذا الحرف وذكر النقاش انه فى قرآءة ابن كثير ونافع برواية قالون وعاصم فى رواية حفص بالاظهار قاله فى الايضاح {من ماء مهين} بهوان الحدوث والامكان والابتذال اى من نطفة قذرة مهينة يعنى خوار وبى مقدار. والميم اصلية ومهانته قلته وخسته وكل شئ ابتذلته فلم تصنه فقد امتهنته اى خلقناكم منه ولذا عطف عليه قوله {فجلعناه} اى الماء وبالفارسية بس نكاه داشتيم آن آب را {فى قرار مكين} وهو الرحم بكسر الحاء المهملة اى وعاء الولد فى بطن الام يعنى درقرار كاه استواركه رحم است. فالقرار موضع الاستقرار والمكين الحصين اى جعلنا ذلك الماء فى مقر حصين يتمكن فيه الماء محفوظا سالما من التعرض له فمكين من المكانة بمعنى التمكن لا منها بمعنى المنزلة والمرتبة من الكون يقال رجل مكين فى مكة اى متمكن فيها ومكين عند الامير اى ذو منزلة ومرتبة عنده فيكون فعيلا لا مفيلا.
الجنابذي
تفسير : {أَلَمْ نَخْلُقكُّم} تعدادٌ للنّعم الّتى تدلّ على كمال الاهتمام بهم وعدم اهمالهم من غير ثوابٍ وعقابٍ {مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ} قذرٍ.
الأعقم
تفسير : {ألم نخلقكم من ماء مهين} كما فعلنا بأولئك نفعل بالعصاة {ويل يومئذ للمكذبين} السالكين سبيلهم في التكذيب، وقيل: {كذلك نفعل} بهؤلاء يوم بدر {فجعلناه في قرار مكين} أي مكان يقر فيه ويثبت {إلى قدر معلوم} قيل: إلى وقت معلوم وهو وقت الولادة، والقرار المكين أرحام الأمهات {فقدرنا} التقدير معناه قدرنا خلقه ذكراً أو أنثى طويلاً أو قصيراً، وقيل: قدرنا أحوال النطفة من تقلبة من حال إلى حال حتى يصير حياً {فنعم القادرون} لذلك، ومن قرأ بالتخفيف قدرنا على جميع ذلك وهي رواية عاصم {ويل يومئذ للمكذبين} {ألم نجعل الأرض كفاتاً} قيل: ذات كفت أي ضم وجمع والأرض كافتة، وقيل: كافتة للخلق {أحياء وأمواتاً} {وجعلنا فيها رواسي} في الأرض رواسي جبال ثوابت {شامخات} عاليات {وأسقيناكم ماء فراتاً} عذباً {ويل يومئذ للمكذبين} وعن ابن عباس: أموال الأنهار أربعة: جيحان وفيه دجلة، وسيحان نهر بلخ، وفرات الكوفة، ونيل مصر {ويل يومئذ للمكذبين} هذه النعم {انطلقوا} أي يقال لهم انطلقوا اذهبوا قبل هذه {انطلقوا إلى ظل} دخان جهنم ينقسم {ثلاث شعب} شعبة عن يمينه وشعبة عن يساره وشعبة أمامه، وقيل: هو الترادف {لا ظليل} يرد {ولا يغني من اللهب} ولا ينفع منه {إنها} يعني جهنم {ترمي بشررٍ} أي من شدة غليانها وهو ما يطاير من النار {كالقصر} جمع القصور التي هي البنيان {كأنه جمالات صفر} شبهت بالقصور ثم بالجمال جمع جمالات ما جمع من الجمال، والصفر جمع أصفر، وقد يسمَّى الأسود من الابل أصفر لأنه يشرب بسواده بشيء من صفرته {ويل يومئذ للمكذبين} {هذا يوم لا ينطقون} بشيء ينفعهم، وقيل: يختم على أفواههم {ولا يؤذن لهم فيعتذرون} قيل: لا يسمع لهم عذر حتى يعتذروا، وقيل: أي عذر لمن أعرض من خالقه {ويل يومئذ للمكذبين} بهذا الخبر {هذا يوم الفصل} أي الحكم والقضاء بين الخلق {جمعناكم والأولين} يعني كفار هذه الأمة تحشر مع كفار الأمم قبلهم {فإن كان لكم كيدٌ فكيدون} أي ان كان لكم حيلة فتخلصون بها من العقاب فاحتالوا {ويلٌ يومئذ للمكذبين} بيوم الفصل {إن المتقين} الذين يجتنبون الكبائر {في ظلال} الجنة، وقيل: ظلال الأشجار والقصور {وعيون} أنهار جارية {وفواكه مما يشتهون} ويقال لهم على وجه الإِكرام: {كلوا واشربوا هنيئاً بما كنتم تعملون} القائلون ذلك الملائكة {إنا كذلك نجزي المحسنين} {ويل يومئذ للمكذبين} بهذا الوعد، ثم عاد إلى المكذبين فقال سبحانه: {كلوا} أي يقال لهم {كلوا وتمتعوا} في الدنيا فإنه لا ينفعكم ولا يغني عنكم من العذاب شيء، وهذا وعيد لهم {قليلاً} قيل: مدة قليلة فإن المؤمن كائن لا محالة {إنكم مجرمون} قيل: مشركون، وقيل: مذنبون، وقيل: من كانت همته بطنه وفرجه فهو خاسر محروم {ويل يومئذ للمكذبين} بهذا الوعيد {وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون} قيل: يقال لهم اركعوا في الدنيا إذا أمروا بالصلاة، وقيل: في الآخرة {ويل يومئذ للمكذبين} {فبأي حديث بعده يؤمنون} أي بأي حديث بعد القرآن يؤمنون.
اطفيش
تفسير : {أَلَمْ نَخْلُقُكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ} ضعيف مستقذر وهو المني.
اطفيش
تفسير : قذر محتقر هو النطفة فاعرفوا حقارة شأْنكم ولا تتكبروا عن عبادة الله واشكروا نعمة الايجاد والإِبقاء واعلموا أنه كما خلقكم يبعثكم.
الالوسي
تفسير : من نطفة قذرة مهينة. وليس فيه دليل على نجاسة المني. {فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ} هو الرحم. {إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ } أي مقدار معلوم عند الله تعالى من الوقت قدره سبحانه للولادة تسعة أشهر أو أقل منها أو أكثر.
ابن عاشور
تفسير : تقرير أيضاً يجري فيه ما تقدم في قوله: {ألم نهلك الأولين}، جيء به على طريقة تعداد الخطاب في مقام التوبيخ والتقريع. وكل من التقرير والتقريع من مقتضيات ترك العطف لشَبَهه بالتكرير في أنه تكرير معنى وإن لم يكن تكرير لفظ، والتكرير شبيه بالأعداد المسرودة فكان حقه ترك العطف فيه. وقد جاء هنا التقرير على ثبوت الإِيجاد بعد العدم إيجاداً متقناً دالاً على كمال الحكمة والقدرة ليفضَى بذلك التقرير إلى التوبيخ على إنكار البعث والإِعادة وإلى إثبات البعث بإمكانه بإعادة الخلق كما بُدىء أول مرة وكفى بذلك مرجحاً لوقوع هذا الممكن لأن القدرة تجري على وفق الإِرادة بترجيح جانب إيجاد الممكن على عدمه. والماء: هو ماء الرجُل. والمَهين: الضعيف فعيل من مَهُنَ، إذا ضعُف، وميمه أصلية وليس هو من مادة هَان. وهذا الوصف كناية رمزية عن عظيم قدرة الله تعالى إذ خلق من هذا الماء الضعيف إنساناً شديد القوة عقلاً وجسماً. وحرف (مِن) للابتداء لأن تكوين الإِنسان نشأ من ذلك الماء، كما تقول: هذه النخلة مِن نواة تَوْزَرِيَّة. وجعل خلق الإِنسان من ماء الرجل لأنه لا يتم تخلقه إلاّ بذلك الماء إذا لاقى بويضات الدم في الرحم، فاقتصرت الآية على ما هو مشهور بين الناس لأنهم لا يعلمون أكثر من ذلك، وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم تكوينَ الجنين من ماء المرأة وماء الرجل. وقوله: {فجعلناه في قرار مكين} تفصيل لكيفية الخلق على سبيل الإِدماج مع مناسبته لأن له دخلاً في تبيين إمكان الإِعادة إذ شديد القدرة لا يعجزه شيء، ولذلك ذيله بقوله {فنعم القادرون} على التفسيرين الآتيين. والقرار: محل القرور والمكث. و {مَكين}: صفة لـ {قرار}، أي مكان متمكن في ذلك فهو فعيل من مكُن مَكانة، إذا ثبت ورسخ. ووُصف القرارُ بالمكين على طريقة المجاز العقلي، أي مكين الحالُّ والمستقرّ فيه. فالتقدير: مكين فيه. والمراد بالقرار المكين: الرحم. والقدَر: بفتح الدال المقدار المعيّن المضبوط، والمراد مقدار من الزمان وهو مدة الحمل. وقرأ نافع والكسائي وأبو جعفر {فقدَّرنا} بتشديد الدال. وقرأه الباقون بتخفيف الدال من قَدر المتعدي وهما بمعنى واحد، يقال: قَدَّر بالتشديد تقديراً فهو مُقدِّر، وقدَر بالتخفيف قَدْراً فهو قادر، إذا جعل الشيء على مقدار مناسب لما جُعل له. والمعنى: فقدرنا الخلق كقوله تعالى: {أية : من نطفة خلقه فقدَّره}تفسير : [عبس: 19] وقوله: {أية : وخلق كل شيء فقدره تقديراً}تفسير : [الفرقان: 2]. والفاء في قوله: {فقدّرنا} للتفريع على قوله: {فجعلناه في قرار مكين إلى قدر معلوم}، أي جعلناه في الرحم إلى انتهاء أمد الحمل فقدرنا أطوار خلقكم حتى أخرجناكم أطفالاً. والفاء في {فنعم القادرون} للتفريع على (قدّرنا) أي تفريع إنشاءٍ ثناء، أي فدل تقديرُنا على أننا نعم القادرون، أي كان تقديرنا تقدير أفضل قادر، وهذا تنويه بذلك الخلق العجيب بالقدرة. و {القادرون}: اسم فاعل من قدَر اللازم إذا كان ذا قُدرة وبذلك يكون الكلام تأسيساً لا تأكيداً، أي فنعم القادرون على الأشياء. وعلامة الجمع للتعظيم مثل نون (قَدّرنا) فإن القدرة لما أتت بما هو مقتضى الحكمة كانت قدرة جديرة بالمدح.
الشنقيطي
تفسير : الماء المهين: هو النطفة الأمشاج، والقرار المكين: هو الرحم، وقد مكنه الله وصانه حتّى من نسمة الهواء. والآيات الباهرات في هذا القرار فوق أن توصف، وقد بين تعالى أنه الرحم بقوله تعالى: {أية : وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى}تفسير : [الحج: 5] والقدر المعلوم هو مدة الحمل إلى السقط أو الولادة. وتقدم للشيخ التنويه عن ذلك في أول سورة الحج، وأنها أقدار مختلفة وآجال مسماة.
د. أسعد حومد
تفسير : (20) - وَيَلْفِتُ اللهُ تَعَالَى أَنْظَارَ هَؤُلاَءِ المُكَذِّبِينَ إِلَى أَنَّهُ خَلَقَهُمْ مِنْ مَاءٍ ضَعِيفٍ حَقِيرٍ (مَهِينٍ)، هُوَ المَنِيُّ الذِي يَقْذِفُهُ الرَّجُلُ فِي رَحِمِ الأُنْثَى.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ} معناه ضَعيفٌ. {فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ} معناه في الرَّحمِ.
الجيلاني
تفسير : وكيف تكذبون أيها المكذبون بما أُمرتم بتصديقه من لدنَّا، مع أنكم قد عرفتم قدرتنا عليه وعلى أمثاله؟! {أَلَمْ نَخْلُقكُّم} أيها المجبولون على النسيان {مِّن مَّآءٍ} مسترذل مستنزل {مَّهِينٍ} [المرسلات: 20] في غاية المهانة والخباثة؟! وبعد نزوله {فَجَعَلْنَاهُ} مستقراً {فِي قَرَارٍ} يعني: مقر الرحم {مَّكِينٍ} [المرسلات: 21] مستقر. {إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ} [المرسلات: 22] وأجل معين، قدَّره الله العليم الحكيم للولادة، وتسوية الخلق، والخروج إلى عالم الشهادة. وبالجملة: {فَقَدَرْنَا} على خلقكم من النطفة المهينة، المكينة في ظلمة الرحم، وعلى إخراجكم منها إلى فضاء العالم، وتربيتكم فيها إلى أن صار كل منكم شخصاً ذا رأي ورشد، قابلاً لحمل التكاليف المثمرة للمعرفة والإيمان. {فَنِعْمَ ٱلْقَادِرُونَ} [المرسلات: 23] المقتدرون نحن على إخراجكم من قبوركم أحياءً كما كنتم في يوم البعث والجزاء. فلمَ تكذبون به أيها المكذبون، مع أنه {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} [المرسلات: 24] بقدرتنا على الإعادة؟! وكيف تنكرون قدرتنا الكاملة الشاملة على مطلق المقدورات؟! {أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ} اليابسة {كِفَاتاً} [المرسلات: 25] جامعة كافية. ضامة {أَحْيَآءً} مرة {وَأَمْوٰتاً} [المرسلات: 26] أخرى؛ أي: كيف تكف وتجمع الأحياء والأموات من الإنسان على التعاقب والتوالي تارة فيها، وتارة عليها؟! {وَجَعَلْنَا فِيهَا} وعليها من نوع الإنسان {رَوَاسِيَ} أوتاداً وأقطاباً {شَامِخَاتٍ} عاليات متعاليت عن أن ينال بكنه معارفهم وشهوداتهم إدراك أحد {وَأَسْقَيْنَاكُم} من لدنيَّات أولئك الأوتاد المتعالية أعذار أطوارهم العالية عن إدراك الأنام وإفهامهم {مَّآءً} حياتاً {فُرَاتاً} [المرسلات: 27] سائغاً شرابه لأولي العزائم الصحيحة، والمشارب الصافية. وبالجملة: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} [المرسلات: 28] لقدرتنا واقتدارنا على إظهار هذه البدائع التي كلَّت دونها وصف الألسن والأحلام، ودرك العقول الأفهام، وكيف يكذبونه إذا عيانوه؟! ويقال لهم حينئذٍ زجراً عليهم وتوبيخاً: {ٱنطَلِقُوۤاْ} وادخلوا أيها المكذبون {إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} [المرسلات: 29] من العذاب والنكال، وأنواع العقوبات والمكروهات. ثمَّ قبل لهم تأكيداً وتشديداً على توبيخهم وتقريعهم: {ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ} وأيّ ظل، ظل {ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ} [المرسلات: 30] متشعبة من القوى البهيمية الوهمية الشهوية، والغضبية؛ إذ بها تقترف المعاصي، وتُكسب جميع الآثام الموجبة لدخول النار. {لاَّ ظَلِيلٍ} إذ لا يدفع ضرر الحرارة، كسائر الأظلال {وَلاَ يُغْنِي} ويدفع {مِنَ} حر {ٱللَّهَبِ} [المرسلات: 31] الجهنمية، وإحراق النيرانز وكيف يمكن أن يدفع حر جهنم {إِنَّهَا} أي: جهنم الطرد والخذلان، وجحيم اللعن والحرمان {تَرْمِي بِشَرَرٍ} وهي ما تطايرت من النار حين التهابها وسوادتها، وأيّ شرر، كل شرر {كَٱلْقَصْرِ} [المرسلات: 32] الرفيع في الكبر وعظم المقدار؟! {كَأَنَّهُ} في التتابع والتوالي {جِمَٰلَتٌ} إيل متسلسلة، مترادفة متتابعة {صُفْرٌ} [المرسلات: 33] لونها، شبَّهها بها في عظم أجرامها وتتابعها، ولونها. {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} [المرسلات: 34] بتكذيبهم بهذا العذاب الهائل بعدما أُمروا بتصديقه على ألسنة الرسل والكتب.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ} [المرسلات: 20] عنصري منفعل {فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ} [المرسلات: 21]؛ أي: في رحم القالب {إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ} [المرسلات: 22]؛ أي: مقدار معين {فَقَدَرْنَا} [المرسلات: 23] كما شئنا {فَنِعْمَ ٱلْقَادِرُونَ} [المرسلات: 23]؛ أي: نعم المقدرون قدر قدره ومقداره وقدره من القوى العلوية والسفلية تقديراً تاماً {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} [المرسلات: 24] بالقدر خيره وشره منا {أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً} [المرسلات: 25]؛ يعني: ألم نجعل أرض البشرية صاحبة جمع وضم تضم وتجمع القوى المتفرقة العنصرية {أَحْيَآءً} [المرسلات: 26] عارفين بمقدارها {وَأَمْوٰتاً} [المرسلات: 26] جامعين بموجدها {وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ} [المرسلات: 27]؛ يعني: جعلنا في أرض البشرية القوى المعدنية كالجبال الراسيات العاليات لئلا تتزلزل {وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً} [المرسلات: 27]؛ أي: ماء الحياة الباقية الروحانية التي يبقى شاربها في دار البقاء أبداً {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ}[المرسلات: 28] بالخلود في دار القرار {ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} [المرسلات: 29] يعني: تكذبون الدار الآخرة في الدنيا تقول اللطيفة المنذرة للقوى إذا نجومها طمست ظهور علامات أخرى {ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ} [المرسلات: 30] وهي ظل القالب ذي شعب ثلاث وهي القوة المعدنية والنباتية والحيوانية الباقية له ماء الحياة الباقية التي سقاه في الدنيا وهو المتاع القليل {لاَّ ظَلِيلٍ} [المرسلات: 31] ظله لأنه ظل الباطل الذي كسبه القالب {وَلاَ يُغْنِي مِنَ ٱللَّهَبِ} [المرسلات: 31] لأنه اشتعل في الظلال الثلاثة ناراً ذات لهب.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: أما خلقناكم أيها الآدميون { مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ } أي: في غاية الحقارة، خرج من بين الصلب والترائب، حتى جعله الله { فِي قَرَارٍ مَكِينٍ } وهو الرحم، به يستقر وينمو. { إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ } ووقت مقدر. { فَقَدَرْنَا } أي: قدرنا ودبرنا ذلك الجنين، في تلك الظلمات، ونقلناه من النطفة إلى العلقة، إلى المضغة، إلى أن جعله الله جسدا، ثم نفخ فيه الروح، ومنهم من يموت قبل ذلك. { فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ } [يعني بذلك نفسه المقدسة] حيث كان قدرا تابعا للحكمة، موافقا للحمد. { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ } بعدما بين الله لهم الآيات، وأراهم العبر والبينات.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):