٧٧ - ٱلْمُرْسَلَات
77 - Al-Mursalat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
41
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا هو النوع الثامن: من أنواع تهديد الكفار وتعذيبهم، وذلك لأن الخصومة الشديدة والنفرة العظيمة كانت في الدنيا قائمة بين الكفار والمؤمنين، فصارت تلك النفرة بحيث أن الموت كان أسهل على الكافر من أن يرى للمؤمن دولة وقوة، فلما بين الله تعالى في هذه السورة اجتماع أنواع العذاب والخزي والنكال على الكفار، بين في هذه الآية اجتماع أنواع السعادة والكرامة في حق المؤمن، حتى أن الكافر حال ما يرى نفسه في غاية الذل والهوان والخزي والخسران، ويرى خصمه في نهاية العز والكرامة والرفعة والمنقبة، تتضاعف حسرته وتتزايد غمومه وهمومه، وهذا أيضاً من جنس العذاب الروحاني، فلهذا قال في هذه الآية: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال مقاتل والكلبي: المراد من قوله: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ } الذين يتقون الشرك بالله، وأقول هذا القول عندي هو الصحيح الذي لا معدل عنه، ويدل عليه وجوه أحدها: أن المتقي عن الشرك يصدق عليه أنه متق، لأن المتقي عن الشرك ماهية مركبة من قيدين أحدهما: أنه متق والثاني: خصوص كونه عن الشرك، ومتى وجد المركب، فقد وجد كل واحد من مفرداته لا محالة، فثبت أن كل من صدق عليه أنه متق عن الشرك، فقد صدق عليه أنه متق أقصى ما في الباب، أن يقال: هذه الآية على هذا التقدير تتناول كل من كان متقياً لأي شيء كان، إلا أنا نقول كونه كذلك لا يقدح فيما قلناه، لأنه خص كل من لم يكن متقياً عن جميع أنواع الكفر فيبقى فيما عداه حجة لأن العام الذي دخل التخصيص يبقى حجة فيما عداه وثانيها: أن هذه السورة من أولها إلى آخرها مرتبة في تقريع الكفار على كفرهم وتخويفهم عليه، فهذه الآية يجب أن تكون مذكورة لهذا الغرض، وإلا لتفككت السورة في نظمها وترتيبها، والنظم إنما يبقى لو كان هذا الوعد حاصلاً للمؤمنين بسبب إيمانهم، لأنه لما تقدم وعيد الكافر بسبب كفره، وجب أن يقرن ذلك بوعد المؤمن بسبب إيمانه حتى يصير ذلك سبباً في الزجر عن الكفر، فأما أن يقرن به وعد المؤمن بسبب طاعته، فذلك غير لائق بهذا النظم والترتيب، فثبت بما ذكرنا أن المراد من قوله: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ } كل من كان متقياً عن الشرك والكفر وثالثها: أن حمل اللفظ على المسمى الكامل أولى، وأكمل أنواع التقوى هو التقوى عن الكفر والشرك، فكان حمل اللفظ عليه أولى. المسألة الثانية: أنه تعالى لما بعث الكفار إلى ظل ذي ثلاث شعب أعد في مقابلته للمؤمنين ثلاثة أنواع من النعمة أولها: قوله: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى ظِلَـٰلٍ وَعُيُونٍ } كأنه قيل: ظلالهم ما كانت ظليلة، وما كانت مغنية عن اللهب والعطش أما المتقون فظلالهم ظليلة، وفيها عيون عذبة مغنية لهم عن العطش وحاجزة بينهم وبين اللهب ومعهم الفواكه التي يشتهونها ويتمنونها، ولما قال للكفار: {ٱنطَلِقُواْ إِلَىٰ ظِلّ ذِى ثَلَـٰثِ شُعَبٍ } قال للمتقين: {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً } فإما أن يكون ذلك الإذن من جهة الله تعالى لا بواسطة، وما أعظمها، أو من جهة الملائكة على وجه الإكرام، ومعنى {هَنِيئَاً } أي خالص اللذة لا يشوبه سقم ولا تنغيص. المسألة الثالثة: اختلف العلماء في أن قوله: {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ } أمر أو إذن قال أبو هاشم: هو أمر، وأراد الله منهم الأكل والشرب، لأن سرورهم يعظم بذلك، وإذا علموا أن الله أراده منهم جزاء على عملهم فكما يزيد إجلالهم وإعظامهم بذلك، فكذلك يريد نفس الأكل والشرب معهم، وقال أبو علي: ذلك ليس بأمر، وإنما يريد بقوله: على وجه الإكرام، لأن الأمر والنهي إنما يحصلان في زمان التكليف، وليس هذا صفة الآخرة. المسألة الرابعة: تمسك من قال العمل يوجب الثواب بالباء في قوله: {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } وهذا ضعيف لأن الباء للإضافة، ولما جعل الله تعالى ذلك العمل علامة لهذا الثواب كان الإتيان بذلك العمل كالآلة الموصلة إلى تحصيل ذلك الثواب، وقوله: {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ } المقصود منه أن يذكر الكفار ما فاتهم من النعم العظيمة، ليعلموا أنهم لو كانوا من المتقين المحسنين لفازوا بمثل تلك الخيرات، وإذا لم يفعلوا ذلك لا جرم وقعوا فيما وقعوا فيه.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي ظِلاَلٍ وَعُيُونٍ} أخبر بما يصير إليه المتقون غداً، والمراد بالظلال ظلال الأشجار وظلال القصور مكان الظلّ في الشعب الثلاث. وفي سورة يۤس { أية : هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلاَلٍ عَلَى ٱلأَرَآئِكِ مُتَّكِئُونَ }. تفسير : [يۤس: 56] {وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ} أي يتمنون. وقراءة العامة «ظِلاَلٍ». وقرأ الأعرج والزهريّ وطلحة «ظُلَلٍ» جمع ظُلّة يعني في الجنة. {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ} أي يقال لهم غداً هذا بدل ما يقال للمشركين {فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ}. فـ «ـكُلُوا وَٱشْرَبُوا» في موضع الحال من ضمير «الْمُتَّقِينَ» في الظرف الذي هو «فِي ظِلاَلٍ» أي هم مستقرّون «فِي ظِلاَلٍ» مقولاً لهم ذلك. {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ} أي نثيب الذين أحسنوا في تصديقهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وأعمالهم في الدنيا.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن عباده المتقين الذين عبدوه بأداء الواجبات، وترك المحرمات: أنهم يوم القيامة يكونون في جنات وعيون، أي: بخلاف ما أولئك الأشقياء فيه من ظلل اليحموم، وهو الدخان الأسود المنتن، وقوله تعالى: { وَفَوَٰكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ} أي: ومن سائر أنواع الثمار مهما طلبوا وجدوا { كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي: يقال لهم ذلك على سبيل الإحسان إليهم. ثم قال تعالى مخبراً خبراً مستأنفاً: { إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ} أي: هذا جزاؤنا لمن أحسن العمل { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ}. وقوله تعالى: { كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ} خطاب للمكذبين بيوم الدين، وأمرهم أمر تهديد ووعيد، فقال تعالى: {كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ قَلِيلاً} أي: مدة قليلة قريبة قصيرة {إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ} أي: ثم تساقون إلى نار جهنم التي تقدم ذكرها { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} كما قال تعالى: {أية : نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ} تفسير : [لقمان: 24]، وقال تعالى: {أية : قُلْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ مَتَـٰعٌ فِى ٱلدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ ٱلْعَذَابَ ٱلشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ } تفسير : [يونس: 69 ــــ 70] وقوله تعالى: { وَإذَا قِيلَ لَهُمُ ٱرْكَعُواْ لاَ يَرْكَعُونَ} أي: إذا أمر هؤلاء الجهلة من الكفار أن يكونوا من المصلين مع الجماعة، امتنعوا من ذلك، واستكبروا عنه، ولهذا قال تعالى: { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} ثم قال تعالى: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} أي إذا لم يؤمنوا بهذا القرآن فبأي كلام يؤمنون به؟ كقوله تعالى {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ ٱللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ}. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان عن إسماعيل بن أمية: سمعت رجلاً أعرابياً بدوياً يقول: سمعت أبا هريرة يرويه: إذا قرأ: والمراسلات عرفاً ــــ فقرأ: ــــ فبأي حديث بعده يؤمنون؟ فليقل: آمنت بالله وبما أنزل. وقد تقدم هذا الحديث في سورة القيامة. آخر تفسير سورة المرسلات، ولله الحمد والمنة، وبه التوفيق والعصمة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى ظِلَٰلٍ } أي تكاثف أشجار إذ لا شمس يُظَلُّ من حرها {وَعُيُونٍ } نابعة من الماء.
الماوردي
تفسير : {وإذا قِيلَ لهم ارْكَعوا لا يَرْكَعون} أي صلّوا لا يصلّون، قال مقاتل. نزلت في ثقيف امتنعوا عن الصلاة فنزل ذلك فيهم، وقيل إنه قال ذلك لأهل الآخرة تقريعاً لهم. {فبأيِّ حديثٍ بَعْدَه يُؤْمنُون} أي فبأي كتاب بعد القرآن يصدّقون.
ابن عطية
تفسير : ذكر تعالى حالة {المتقين} بعقب ذكر حالة أهل النار ليبين الفرق، و " الظلال " في الجنة عبارة عن تكاثف الأشجار وجودة المباني وإلا فلا شمس تؤذي هنالك حتى يكون ظل يجير من حرها، وقرأ الجمهور " في ظلال " وقرأ الأعرج والأعمش " في ظُلل" بضم الظاء، و "العيون": الماء النافع، وقوله تعالى: {مما يشتهون} إعلام بأن المأكل والمشرب هنالك إنما يكون برسم شهواتهم بخلاف ما هي الدنيا عليه، فإن ذلك فيه شاذ ونادر، والعرف أن المرء يرد شهوته إلى ما يقتضيه وجده، وهنا محذوف يدل عليه اللفظ تقديره يقال لهم {كلوا} و {هنيئاً} نصب على الحال، ويجوز أن يكون نصبه على جهة الدعاء، والكاف في قوله {إنا كذلك} كاف تشبيه، والإشارة بذلك إلى ما ذكره من تنعيم أهل الجنة، وقوله تعالى: {كلوا وتمتعوا} مخاطبة لقريش على معنى قل لهم يا محمد، وهذه صيغة أمر معناها التهديد والوعيد، وقد بين ذلك قوله {قليلاً}، ثم قرر لهم الإجرام الموجب لتعذيبهم، وقال من جعل السورة كلها مكية: إن هذه الآية نزلت في المنافقين، وقال مقاتل: نزلت في ثقيف لأنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: حط عنا الصلاة فإنا لا ننحني فإنها سبة، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "حديث : لا خير في دين لا صلاة فيه" تفسير : وقوله تعالى: {وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون} قيل هي حكاية عن حال المنافقين في الآخرة إذا سجد الناس فأرادوا هم السجود فانصرفت أصلابهم إلى الأرض وصارت فقاراتهم كصياصي البقر، قاله ابن عباس وغيره، وقال قتادة في آخرين هذه حال كفار قريش في الدنيا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم وهم لا يجيبون، وذكر الركوع عبارة عن جميع الصلاة، هذا قول الجمهور، وقال بعض المتأولين عنى بالركوع التواضع كما قال الشاعر: [الطويل] شعر : ترى الأكم فيها سجداً للحوافر تفسير : أي متذللة، وتأول قتادة الآية قاصدة الركوع نفسه. وقال: عليكم بحسن الركوع، والذي أقول إن ذكر الركوع هنا وتخصيصه من بين سائر أحوال العبادة إنما كان لأن كثيراً من العرب كان يأنف من الركوع والسجود ويراها هيئة منكرة لما كان في أخلاقهم من العجرفة، ألا ترى أن بعضهم قد سئل فقيل له: كيف تقول؟ استخذأت أو استخذيت؟ فقال: كل لا أقول. فقيل له لم؟ قال: لأن العرب لا تستخذي، فظن أنه سئل عن المعنى ولم يفهم أنه سئل عن اللفظ. وفي كتاب السير حديث : عن بعض العرب أنه استعفى متكلماً عن قومه ونفسه رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة فلم يجبه رسول الله صلى الله عليه وسلم بل قال له: "لا بد من الصلاة" تفسير : ،فقال عند ذلك سنؤتيكها، وإن كانت دناءة، وقوله تعالى: {فبأي حديث بعده يؤمنون} يؤيد أن الآية كلها في قريش، والحديث الذي يقتضيه الضمير هو القرآن، وهذا توقيف وتوبيخ، وروي عن يعقوب أنه قرأ " تؤمنون " بالتاء من فوق على المواجهة ورويت عن ابن عامر (انتهى).
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي ظِلاَلٍ وَعُيُونٍ}. قال مقاتل والكلبي: المراد بالمتقين: الذين يتقون الشرك بالله تعالى؛ لأن السورة من أولها إلى آخرها في تقريع الكفار على كفرهم وتخويفهم. قال ابن الخطيب: فيجب أن تكون هذه الآية مذكورة لهذا الغرضِ، وإلا لتفككت السورة في نظمها وترتيبها، وإنما يتم النظم بأن يكون الوعد للمؤمنين بسبب إيمانهم، فأما من جعله بسبب الطاعة فلا يليق بالنظم، وأيضاً فإن المتقي للشرك يصدق عليه أنه متَّقٍ؛ لأن غاية هذا أنه عام مخصوص، فتبقى حُجَّة فيما عدا محل التخصيص، وأيضاً فأن يحمل اللفظ على المعنى الكامل أولى وأكمل أنواع التقوى تقوى الشرك، فالحمل عليه أولى. وقال بعضهم: هذه الآية أيضاً من جملة التهديد، فإن الكفار في الدنيا يكون الموت عليهم أسهل من أن يكون للمؤمنين دولة، فإذا رأوا عاقبة الفريقين في الآخرة تضاعف خسرانهم وندمهم، ولما أوعد الكفار بظل ذي ثلاث شعب، وعد المؤمنين بظلال وعيون وفواكه. قوله: {فِي ظِلاَلٍ}. هذه قراءة العامة. والأعمش والزهري وطلحة والأعرج: "ظُلَل" جمع ظلة، يعني في الجنة. وتقدم في "يونس" مثل لها. قوله: {كُلُواْ}. معمولاً لقول ذلك المنصوب على الحال من الضمير المستكن في الظرف، أي كائنين في ظلال مقولاً لهم: وكذلك كلوا وتمتعوا قليلاً، فإن كان ذلك مقولاً لهم في الدنيا فواضح، وإن كان مقولاً في الآخرة فيكون تذكيراً بحالهم، أي حقاً بأن يقال لهم في دنياهم كذا؛ ومثله قوله: [المديد] شعر : 5066- إخوتِـي لا تَبعَـدُوا أبَــداً وبَلَـى، واللَّــهِ قَـدْ بَعِـدوا تفسير : أي هم أهل إن دعا لهم بذلك. قوله {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ}. أي: نثيب الذين أحسنوا في تصديقهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وأعمالهم في الدنيا. فصل في الكلام على الآية اختلفوا في قوله {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ} هل هو أمر أو إذن؟. فقال أبو هاشم: هو أمر، وأراد الله تعالى منهم الأكل والشرب لأن سرورهم يعظم بذلك إذا علموا أن الله تعالى أراده منهم جزاء على عملهم، فكما يريد إجلالهم وإعظامهم بذلك، فكذلك يريد نفس الأكل والشرب منهم. وقال أبو علي: ليس بأمر وإنما يقوله على وجه الإكرام، والأمر والنهي إنما يحصلان في زمان التكليف لا في الاخرة. فصل فيمن قال: العمل يوجب الثواب تمسّك من قال: العمل يوجب الثواب بالباء في قوله: {بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}. قال ابن الخطيب: وهذا ضعيف؛ لأن الباء للإلصاق، ولمَّا جعل هذا العمل علامة لهذا الثواب كان الإتيان بذلك كالآلة والصلة إلى تحصيل ذلك الثواب، وقوله تعالى: {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ} المقصود منه تذكير الكفار بما فاتهم من النعيم العظيم ليعلموا أنهم لو كانوا من المتقين المحسنين لفازوا بمثل تلك الخيرات، فلما لم يفعلوا وقعوا فيما وقعوا فيه. قوله تعالى: {كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ} هذا مردود إلى ما تقدم قبل المتقين وهو وعيد وتهديد، وهو حال من المكذبين، أي: الويل ثابت لهم في حال ما يقال لهم: {كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ} أي كافرون. وقيل: مكتسبون فعلاً يضركم في الآخرة من الشرك، فكأنه - تعالى - يقول للكافر: إنك في الدنيا عرضت نفسك لهذه الآفات التي وصفناها لمحبتك الدنيا، ورغبتك في طيباتها، إلا أن طيباتها قليلةٌ بالنسبة إلى تلك الآفات العظيمة، فالمشتغل بتعظيمها يجري مجرى لُقْمةٍ واحدة من الحلوى، وفيها السم المهلك، فإنه يقال لآكلها تذكيراً له ونصحاً: كُلْ هذا، وويلٌ لك منه بعدُ؛ فإنك من الهالكين بسببه، فهذا وإن كان في اللفظ أمر إلا أنه في المعنى نهيٌ بليغ وزجر عظيم. قوله تعالى: {وَإذَا قِيلَ لَهُمُ ٱرْكَعُواْ لاَ يَرْكَعُونَ} نزلت في ثقيف، حين امتنعوا من الصلاة فنزلت فيهم. قال مقاتل: قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: أسْلِمُوا وأمرهم بالصلاة، فقالوا: لا نَنْحَنِي، فإنها مَسبَّة علينا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا خَيْرَ فِي دِينٍ ليس فيهِ رُكوعٌ ولا سجُودٌ ". تفسير : وقال ابن عباس: إنما يقال لهم هذا في الآخرة حين يدعون إلى السجود فلا يستطيعون. وقال قتادة: هذا في الدنيا. فصل في وجوب الركوع قال ابن العربي: هذه الآية تدلّ على وجوب الركوع، وكونه ركناً في الصلاة، وقد انعقد الإجماع عليه. وقال قوم: إن هذا يكون في الآخرة، وليست بدار تكليف فيتوجه فيها أمر يكون عليه ويل وعقاب، وإنما يدعون إلى السجود كشفاً لحال الناس في الدنيا، فمن كان يسجد لله تمكن من السجود، ومن كان يسجد رياء لغيره صار ظهره طبقاً واحداً. وقيل: إذا قيل لهم: اخضعوا للحق لا يخضعون، فهي عامّة في الصلاة وغيرها، وإنما ذكره الصلاة لأنها أصل الشرائع بعد التوحيد، والأمر بالصلاة أمر الإيمان لا يصح من غير إيمان. فصل في المراد بالآية حكى ابن الخطيب عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن المراد بقوله: {وإذا قيلَ لهم اركعُوا لا يَرْكعُونَ} هو الصلوات، قال: وهذا ظاهر، لأن الركوع من أركانها فبين أن هؤلاء الكفار من صفتهم أنهم إذا دعوا إلى الصلاة لا يصلون، وهذا يدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، وأنهم حال كفرهم يستحقُّون الذم والعقاب بترك الصلاة، لأن الله - تعالى - ذمهم حال كفرهم على ترك الصلاة. فصل في أن الأمر للوجوب استدلوا بهذه الآية على أن الأمر للوجوب، لأن الله - تعالى - ذمهم بمحمود ترك المأمور به، وهذا يدل على أن مجرد الأمر للوجوب. فإن قيل: إنما ذمهم لكفرهم. فالجواب: أنه - تعالى - ذمهم على كفرهم من وجوه، إلا أنه - تعالى - إنما ذمهم في هذه الآية لترك المأمور به؛ فدل على أن ترك المأمور به غير جائز. قوله: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ}. متعلق بقوله: {يُؤْمِنُونَ}. والعامة: على الغيبة، وقرأ ابن عامر في رواية ويعقوب: بالخطاب على الالتفات، أو على الانفصال. فصل في الكلام على الآية قال ابن الخطيب: اعلم أنه تعالى لما بالغ في زجر الكفار من أول هذه السورة إلى آخرها في الوجوه العشرة المذكورة، وحثَّ على التمسُّك بالنظر والاستدلال، والانقياد للدين الحق، ختم السورة بالتعجُّب من الكفار، وبين أنهم إذا لم يؤمنوا بهذه الدلائل العقلية بعد تجليتها ووضوحها، {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ}. قال القاضي: هذه الآية تدلّ على أن القرآن محدث؛ لأن الله - تعالى - وصفه بأنه حديث، والحديث ضد القديم، والضدان لا يجتمعان، فإذا كان حديثاً وجب ألاَّ يكون قديماً. وأجيب: بأن المراد منه هذه الألفاظ، ولا نزاع في أنها محدثة. روى الثعلبي عن أبيِّ بن كعبٍ - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ قَرَأ سُورةَ "المُرْسَلاتِ" كُتِبَ أنَّهُ لَيْسَ مِنَ المُشْرِكينَ".
القشيري
تفسير : اليومَ.. في ظلال العناية والحماية، وغداً.. هم في ظلال الرحمة والكلاءة. اليومَ.. في ظلال التوحيد، وغداً.. في ظلال حُسْن المزيد. اليومَ.. في ظلال المعارف، وغداً.. في ظلال اللطائف. اليومَ.. في ظلال التعريف، وغداً.. في ظلال التشريف.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان المتقين} من الكفر والتكذيب لانهم فى مقابلة المكذبين ففيه رد على المعتزلة {فى ظلال} جمع ظل كشعاب وشعب او ظلة كقباب وقبة اى فى ظلال ظليلة على الحقيقة كما يدل عليه الاطلاق يعنى لا كظل المكذبين وبالفارسية درسايهاى درختان بهشت باشند. قال بعضهم الظاهر انه اخبار عن كونهم تحت اشجار مثمرة لهم فى جنانهم. يقول الفقير الا ظهران كونهم فى ظلال كناية عن راحتهم العظمى لان الظل للراحة وكذا قوله تعالى وندخلهم ظلا ظليلا ونحوه وانما ذكر الله الظل تشويقا للقلوب لان من البلاد ما هى حارة قليلة المياه والاشجار والظلال {وعيون} عذبة دافعة عنهم العطش وبالفارسية وبركنار جشمهاى آب.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {إِنَّ المتقين} الكفرَ والتكذيب {في ظلالٍ} ممدودة {وعيون} جارية {وفواكهَ مما يشتهون}؛ مما يستلذون من فنون الترفُّه وأنواع التنعُّم. يقال لهم: {كُلوا واشربوا}، فالجملة: حال من الضمير المستقر في الظرف، أي: هم يستقرُّون في ظلالٍ مقولاً لهم: {كلوا واشربوا هنيئاً} لا تباعة عليه ولا عتاب، {بما كنتم تعملون} في الدنيا من الأعمال الصالحة، {إنَّا كذلك} أي: مثل هذا الجزاء العظيم {نجزي المحسنينَ} في عقائدهم وأعمالهم، فأحسِنوا تنالوا مثل هذا أو أعظم. {ويل يومئذ للمكذبين} بهذا، حيث نال المؤمنون هذا الجزاء الجزيل، وبقوا هم في العذاب المخلَّد الوبيل. ويُقال لهم في الدنيا على وجه التحذير: {كُلوا وتمتعوا} كقوله: {أية : اعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ } تفسير : [فصلت:40] أو: في الآخرة، أي: الويل ثابت لهم، مقولاً لهم ذلك، تذكيراً لهم بحالهم في الدنيا، بما جَنوا على أنفسهم من إيثارهم المتاع الفاني عن قريب على التمتُّع الخالد، أي: تمتّعوا زمناً {قليلاً} أو متاعاً قليلاً، لأنَّ متاع الدنيا كله قليل، {إِنكم مجرمون} أي: كافرون، أي: إنَّ كلّ مجرم يأكل ويتمتّع أياماً قلائل، ثم يبقى في الهلاك الدائم. {ويل يومئذ للمكذِّبين}، زيادة توبيخ وتقريع، أو: ويل يومئذ للمكذِّبين الذين كذَّبوا. {وإِذا قيل لهم اركعوا} أي: أطيعوا الله واخشعوا وتواضعوا للّه، بقبول وحيه واتباع رسوله، وارفضوا هذا الاستكبار والنخوة، {لا يركعون}؛ لا يخشعون ولا يقبلون ذلك، ويُصرون على ماهم عليه من الاستكبار. وقيل: وإذا أُمروا بالصلاة لا يفعلون، إذ رُوي أنها نزلت حين أمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ثقيفاً بالصلاة، فقالوا: لا ننحني، فإنها خسّة علينا، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود "تفسير : . وقيل: هو يوم القيامة، حين يُدْعَوْن إلى السجود فلا يستطيعون. {ويل يومئذ للمكذِّبين} بأمره ونهيه. وفيه دلالة على أنَّ الكفار مخاطبون بالفروع. {فبأيِّ حديث بعده} أي: بعد القرآن الناطق بأحاديث الدارين، وأخبار النشأتين، على نمط بديع، ولفظ بليغ مُعجِز، مؤسس على حُجج قاطعة، وأنوار ساطعة، فإذا لم يؤمنوا به {فبأي حديثٍ بعده يؤمنون} أي: إن لم يؤمنوا بالقرآن، مع أنه آية مبصرة، ومعجزة باهرة، من بين الكتب السماوية، فبأي كتاب بعده يؤمنون؟ فينبغي للقارىء أن يقول: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. الإشارة: إنَّ المتقين ما سوى الله في ظلال التقريب، وبرد التسليم، ونسيم الوصال، فما أطيب نسيمهم, وما ألذ مشربهم، كما قال الشاعر: شعر : يا نسيمَ القُرب ما أطيبكا ذاق طعم الأُنس مَن حَلَّ بكا أيُّ عيشٍ لأناس قُرِّبوا قد سُقوا بالقدس من مشربكا تفسير : {وعيون} أي: مناهل الشرب من رحيق الوجدان، وفواكه النظر، مما يشتهون، أي: وقت يشتهون، كُلوا من رزق أرواحكم وأسراركم، وهو الترقي في معاريج العرفان، وأشربوا من رحيق أذواقكم، هنيئاً بما كنتم تعملون أيام مجاهدتكم، إنَّا كذلك نجزي المحسنين المتقين علومَهم وأعمالَهم. ويل يومئذ للمكذِّبين بطريق هذا المقام الرفيع، يُقال لهم: كُلوا وتمتّعوا وانهمكوا في الشهوات أياماً قلائل، إنكم مجرمون، وسيندم المفرّط إذا حان وقت الحصاد. وإذا قيل لهم: اخضعوا لمَن يُربيكم ويُرقيكم إلى تلك المراتب العلية المتقدمة للمتقين، لا يخضعون، فالويل لهم على تكذيبهم، فبأي حديث وأيّ طريق بعد هذا يؤمنون، وأيّ طريق يسلكون، وبأيّ كتاب يهتدون؟ إن حادوا عن طريق السلوك على أيدي الرجال، فماذا بعد الحق إلاّ الضلال. وبالله التوفيق، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلّم.
الطوسي
تفسير : لما ذكر الله تعالى الكفار وما أعدّ لهم من ضروب العقاب وانواع العذاب ترهيباً وتزهيداً فى مثله، ذكر المؤمنين المتقين للمعاصي وبين ما أعده لهم من أنواع النعيم وضروب اللذات فقال {إن المتقين} ومعناه الذين اتقوا عقاب الله باجتناب معاصيه وطلبوا ثوابه بفعل طاعاته {في ظلال} وهو جمع ظل، وهو الحجاب العالي المانع من كل أذى، فلأهل الجنة حجاب من كل أذى لان هواء الجنة مناف لكل أذى، فهم من طيبه على خلاصة. وقيل فى ظلال من قصور الجنة وأشجارها {وعيون} وهي ينابيع الماء التي تجري فى ظل الاشجار. وقيل: ان تلك العيون جارية فى غير أخدود، لأن ذلك امتع بما يرى من حسنه وصفائه على كنهه من غير ملابسة شيء له، وليس هناك شيء إلا على أحسن صفاته، لان الله تعالى قد شوق اليه أشد التشويق ورغب فيه أتم الترغيب {وفواكه} وهي جمع فاكهة، وهي ثمار الاشجار التي من شأنها أن تؤكل، وقد يكون من الثمر ما ليس كذلك كالثمر المر، فانه ليس من الفاكهة. وقوله {مما يشتهون} يعني لهم فاكهة من جنس ما يشتهونه. ثم قال تعالى {كلوا واشربوا هنيئاً بما كنتم تعملون} صورته صورة الأمر والمراد به الاباحة. وقال قوم: هو أمر على الحقيقة، لان الله تعالى يريد منهم الأكل والشرب فى الجنة، وإنهم إذا علموا ذلك زاد فى سرورهم، فلا تكون إرادته لذلك عبثاً، والهنيء هو الذي لا أذى فيه فيما بعد. وقيل: الهنيء النفع الخالص من شائب الأذى. والشهوة معنى فى القلب إذا صادفت المشتهى كان لذة، وضده النفار إذا صادفه كان ألماً، وجاء الكلام على التقابل للكافرين من قوله {في ظل ذي ثلاث شعب لا ظليل ولا يغني من اللهب} مقابل أهل الجنة فى ظلال قصور الجنة واشجارها. وقوله {إنا كذلك نجزي المحسنين} اخبار منه تعالى أنه كما جازى هؤلاء المتقين بما ذكره من النعيم مثل ذلك يجازي كل محسن عامل بطاعة الله. وفى ذلك دلالة على أن كل احسان خالص للعبد فله به الثواب والحمد، وانه طاعة لله، وإن ما ليس باحسان من فعل خارج عن هذا الحكم. وقوله {ويل يومئذ للمكذبين} قد مضى تفسيره. ثم عاد الى خطاب الكفار فقال لهم على وجه التهديد والوعيد {كلوا وتمتعوا} فى دار الدنيا وتلذذوا بما تريدون وانتفعوا بما تشتهون {قليلاً} لان أيام الدنيا قليلة، فالتمتع الحصول فى أحوال تلذ، تمتع تمتعاً واستمتع استمتاعاً وأمتعه غيره امتاعاً والتمتع والتلذذ واحد ونقيضه التألم. وقوله {إنكم مجرمون} اخبار منه تعالى للكفار بأنكم وإن تمتعتم قليلا في الدنيا فانكم عصاة وكفار ومآلكم الى النار وعذابها. والاجرام فعل ما يقطع المدح ويحصل بدله الذم، يقال: أجرم إجراماً واجترم اجتراماً وتجرم عليه أي تطلب له الجرم {ويل يومئذ للمكذبين} بينا معناه. وقوله {وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون} فالركوع هو الانخفاض على وجه الخضوع، ويعبر به عن نفس الصلاة ويقال: قد ركعت وبقي على ركوع أي صلاة والمراد به - ها هنا - الصلاة، والمعنى إن هؤلاء الكفار إذا دعوا إلى الصلاة لا يصلون لجهلهم بما في الصلاة من الخير والبركة. وقيل: انه يقال لهم ذلك في الآخرة كما قال {يدعون إلى السجود فلا يستطيعون} ذكره ابن عباس. وقال قتادة، يقال لهم ذلك في الدنيا، فان الصلاة من الله بمكان. وقال مجاهد: عنى بالركوع - هنا - الصلاة وقوله {ويل يومئذ للمكذبين} قد فسرناه، فكأنه قيل لهم يجب عليكم الركوع بالخضوع لله فاركعوا فأخبر عنهم أنهم لا يركعون تكذيباً بهذا الخبر، فلذلك قال عقيب ذلك {ويل يومئذ للمكذبين} وإلا فقوله {اركعوا} أمر من الله تعالى، ولا يقال فيمن أمر بالشيء فلم يفعل انه كذّب، وقيل: إنّ ما تكرر في هذه السورة من قول {ويل يومئذ للمكذبين} ليس على وجه التكرار في المعنى، لان معناه ويل للمكذبين بما ذكره قبله من الاخبار، وقيل يريد أنه كذب بالمخبر الذي يليه، وهو وجه القول الثاني والثالث والرابع إلى آخر السورة، على هذا المنهاج من أنه يلزمه الويل بالتكذيب بالذي يليه والذي قبله على التفصيل لا على الاجمال في أنه لا يلزمه حتى يكذب بالجميع. وقوله {فبأي حديث بعده يؤمنون} معناه إنه اذا أتى القرآن باظهر البرهان وكفروا به فليس ممن يفلح بالايمان بكلام غيره، لان من لم يؤمن بما فيه المعجزة الظاهرة والآية الباهرة لايؤمن بغيره.
اطفيش
تفسير : {إنَّ المُتَّقِينَ} للشرك تصديقا بالله وكتابه ونبيه *{فِي ظِلاَلٍ} جمع ظل وهو ظل الشجر والبناء وهذا كنايه عن البرد السليم النافع وتكاثف الاشجار والبناء لانه لا شمس تظلل الاشجار والبناء من حرها إذ ليس في الجنة ما يؤذي {وَعُيُونٍ وَفَوَاكِهَ} الظرفية باعتبار العيون والفواكه مجازية بخلافها باعتبار الظلال ففي الآية دليل على جواز الجمع بين الحقيقة والمجاز فان العيون والفواكه ليست اوعية لهم ولكنها قريبة منهم لا تمتنع حيث ارادوها فجاءت الآية على طريق المبالغة حتى كأنهم فيها ومانع الجمع يجعل في بمعنى عند أو يقدر في التي للظرفية المجازية قيل العيون. *{مِمَّا يَشْتَهُونَ} والمراد أنهم في أنواع الترفه وإن مأكل الجنة ومشاربها بحسب شهواتهم بخلاف الدنيا فبحسب ما يجد الناس في الأغلب.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ الْمُتَّقِينَ} بالتصديق والعمل. {فِي ظِلاَلٍ} حيث لم يكن الشمس فإِن الظل يطلق على ما لم تسبقه شمس كما هنا ولكن هنا مجاز وعلى ما كانت قبله وهذا مخصوص بالفئ بمعنى الرجوع كان ظل فزال بالشمس فزالت فرجع وذلك هنا على ظاهره قابل به حال الكفرة من الإِحراق ومن ظل ذى ثلاث شعب، ويجوز أن يراد بالظل التنعم والعزة وانتفاء السوء والأَول أظهر للمناسبة واشتماله على هذا المعنى أيضا لكن قوله. {وَعُيَونٍ وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ} ينافى ما ذكر فإِنهم لا يكونون فى داخل عيون وفى داخل الفواكه فترجح جانب أن المراد بالظل التنعم وما ذكر معه وإِلا لزم استعمال فى على ظاهرها فى جانب الظلال وعلى غير ظاهرها فى العيون والفواكه فيكون من استعمال الكلمة فى حقيقتها أو مجازها أو من عموم المجاز.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ } من الكفر والتكذيب لوقوعه في مقابلة المكذبين بيوم الدين فيشمل عصاة المؤمنين {فِى ظِلَـٰلٍ } جمع ظل ضد الضح وهو أعم من الفيء فإنه يقال ظل الليل وظل الجنة ويقال لكل موضع لم تصل إليه الشمس ظل ولا يقال الفىء إلا لما زال عنه الشمس ويعبر / به أيضاً عن الرفاهة وعن العزة والمناعة وعلى هذا المعنى حمل الراغب ما في الآية والمتبادر منه ما هو المعروف ويؤيده ما تقدم في المقابل {أية : ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ}تفسير : [المرسلات: 30] الخ وقراءة الأعمش (في ظلل) جمع ظلة وأياً ما كان فالمراد من قوله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى ظِلَـٰلٍ وَعُيُونٍ }.
ابن عاشور
تفسير : يجوز أن يكون هذا ختام الكلام الذي هو تقريع للمشركين حكي لهم فيه نعيم المؤمنين الذي لا يشاهده المشركون لبعدهم عن مكانه فيحكى لهم يومئذٍ فيما يقال لهم ليكون ذلك أشد حسرة عليهم وتنديماً لهم على ما فرطوا فيه مِمَا بَادر إليه المتقون المؤمنون ففازوا، فيكون هذا من جملة القول الذي حذف فعله عند قوله: {أية : انطلقوا}تفسير : [المرسلات: 29] الخ. ويجوز أن يكون هذا ابتداء كلام مستأنف انتقل به إلى ذكر نعيم المؤمنين المتقين تنويهاً بشأنهم وتعريضاً بترغيب من المشركين الموجودين في الإقلاع عنه لينالوا كرامة المتقين. و {ظِلال}: جمع ظِلّ، وهي ظلال كثيرة لكثرة شجر الجنة وكثرة المستظلّين بظلها، ولأن لكل واحد منهم ظلاً يتمتع فيه هو ومَن إليه، وذلك أوقع في النعيم. والتعريف في {المتقين} للاستغراق فلكل واحد من المتقين كون في ظلال. و {في} للظرفية وهي ظرفية حقيقية بالنسبة للظلال لأن المستظل يكون مظروفاً في الظل، وظرفية مجازية بالنسبة للعيون والفواكه تشبيهاً لكثرة مَا حولهم من العيون والفواكه بإحاطة الظروف، وقوله: {مما يشتهون} صفة {فواكه}. وجمع {فواكه} الفواكه وغيرها، فالتبعيض الذي دلّ عليه حرف (من) تبعيض من أصناف الشهوات لا من أصناف الفواكه فأفاد أن تلك الفواكه مضمومة إلى ملاذ أخرى ممّا اشتهوه. وجملة {كلوا واشربوا} مقول قول محذوف، وذلك المحذوف في موقع الحال من {المتقين}، والتقدير: مقولاً لهم كلوا واشربوا. والمقصود من ذلك القول كرامتهم بعرض تناول النعيم عليهم كما يفعله المضيف لضيوفه فالأمر في {كلوا واشربوا} مستعمل في العَرض. و {هنيئاً} دُعاء تكريم كما يقال للشارب أو الطعام في الدنيا: هَنيئاً مريئاً، كقوله تعالى: {أية : فكلوه هنيئاً مريئاً }تفسير : في سورة النساء (4). و {هنيئاً} وصف لموصوف غيرِ مذكور دل عليه فعل {كلوا واشربوا} وذلك الموصوف مفعول مطلق من {كلوا واشربوا} مُبيّن للنوع لقصد الدعاء مثل: سَقْياً ورَعياً، في الدعاء بالخير، وتَبّاً وسُحْقاً في ضده. والباء في {بما كنتم تعملون} للسببية، أي لإِفادة تسبب ما بعدها في وقوع متعلَّقه، أي كلوا واشربوا بسبب ما كنتم تعملون في الدنيا من الأعمال الصالحة وذلك من إكرامهم بأنْ جعل ذلك الإِنعام حقاً لهم. وجملة {إنا كذلك نجزي المحسنين} يجوز أن تكون مما يقال للمتقين بعد أن قيل لهم {كلوا واشربوا} الخ مسوقة إليهم مساق زيادة الكرامة بالثناء عليهم، أي هذا النعيم الذي أنعمتُ به عليكم هو سُنتنا في جزاء المُحسنين فإذْ قد كنتم من المحسنين فذلك جزاء لكم نِلتموه بأنكم من أصحاب الحق في مثله، ففي هذا هَزٌّ من أعطاف المنعم عليهم. والمعنى عليه: أن هذه الجملة تقال لكل متّق منهم، أو لكل جماعة منهم مجتمعة على نعيم الجنة، وليعلموا أيضاً أن أمثالهم في الجنات الأخرى لهم من الجزاء مثل ما هم ينعمون به. ويجوز أن تكون الجملة موجهة إلى المكذبين الموجودين بعد أن وصف لهم ما ينعم به المتقون إثر قوله {إن المتقين في ظلال وعيون} الخ، قصد منها التعريض بأنّ حرمانهم من مثل ذلك النعيم هم الذين قضوا به على أنفسهم إذ أبوا أنْ يكونوا من المحسنين تكملة لتنديمهم وتحسيرهم الذي بودئوا به من قوله: {إنّ المتقين في ظلال وعيون} إلى آخره، أي إنا كذلك نجزي المحسنين دون أمثالكم المسيئين. وموقع الجملة على كلا الاعتبارين موقع التعليل لما قبلها على كلا التقديرين فيما قبلها، ومن أجْل الإِشعار بهذا التعليل افتُتحت بـ {إنَّ} مع خلو المقام عن التردد في الخبر إذ الموقف يومئذٍ موقف الصدق والحقيقة، فلذلك كانت {إنَّ} متمحضة لإِفادة الاهتمام بالخبر وحينئذٍ تصير مُغنية غناء فَاء التسبب وتفيد مُفاد التعليل والربط كما تقدمت الإِشارة إليه عند قوله تعالى: {أية : إن البَقر تشابه علينا}تفسير : [البقرة: 70] وتفصيلَه عند قوله: {أية : إنَّ أول بيت وُضِع للنَّاس للذي ببكة}تفسير : في سورة آل عمران (96). والإِشارة بقوله: {كذلك} إلى النعيم المشاهد إن كانت الجملة التي فيها إشارة موجهة إلى {المتقين}، أو الإِشارة إلى النعيم الموصوف في قوله: {في ظِلال وعيون} إن كانت الجملة المشتملة على اسم الإِشارة موجهة إلى المكذبين. والجملة على كل تقدير تفيد معنى التذييل بما اشتملت عليه من شبه عموم كذلك، ومن عموم المحسنين، فاجتمع فيها التعليل والتذييل.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: إن المتقين: أي الذين اتقوا ربهم فآمنوا به وأطاعوه بفعل ما يحب وترك ما يكره. في ظلال: أي في ظلال الأشجار الوارفة. وعيون: أي من ماء ولبن وخمر وعسل. مما يشتهون: لا مما يجدون كما هي الحال في الدنيا. إنا كذلك نجري المحسنين: أي كما جزينا المتقين نجزي المحسنين. كلوا وتمتعوا: أي في هذه الحياة الدنيا. وإذا قيل لهم اركعوا: أي صلوا لا يصلون. بعده يؤمنون: أي بعد القرآن إذ الكتب غيره ليست معجزة والقرآن هو المعجز بألفاظه ومعانيه فمن لم يؤمن بالقرآن ما آمن بغيره بحال من الأحوال. معنى الآيات: من باب الترغيب والترهيب وهو أسلوب أمتاز به القرآن الكريم ذكر تعالى ما للمتقين من نعيم مقيم بعد ذكر ما للمكذبين الضالين من عذاب الجحيم فقال تعالى {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ} وهم الذين اجتنبوا الشركَ والمعاصيَ {فِي ظِلاَلٍ وَعُيُونٍ} في ظلال أشجار الجنة وعيونها من ماء ولبن وخمر وعسل وفواكه كثيرة منوعة مما يشتهون على خلاف الدنيا إذ الناس يأكلون مما يجدون فلوا اشتهوا شيئا ولم يجدوه ما أكلوه وأما دار النعيم فإِن المرء ما اشتهى شيئا إلا وجده وأكله وهذا هو السر في التعبير في غير موضع بكلمة مما يشتهون. ومن إتمام النعيم أن يقال لهم تطييبا لخواطرهم كلوا واشربوا هنيئا أي متهنئين بما كنتم تعملون من الصالحات وتتركون من السيئات. وقوله تعالى إنا كذلك نجزي المحسنين أي كهذا الجزاء الذي جزينا به المتقين نجزي به المحسنين. ويل يومئذ للمكذبين أي بهذا الوعد الكريم. قوله تعالى {كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ}. هذا قول الله تعالى لمشركي قريش وكفارها يهددهم الرب تبارك وتعالى ناعيا عليهم إجرامهم حتى يحين وقتهم وقد حان حيث أعلمهم أنهم لا يتمتعون إلا قليلا وقد أهلكوا في بدر. وقوله {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} هو توعد بالعذاب الأليم لمن يكذب بوعيد الله هذا ووعده ذاك. وقوله تعالى {وَإذَا قِيلَ لَهُمُ ٱرْكَعُواْ} أي صلوا {لاَ يَرْكَعُونَ} أي لا يصلون ولا يخشعون ولا يتواضعون فيقبلون الحق ويؤمنون به، ويل يومئذ للمكذبين بشرائع الله وهداه التاركين للصلاة وقوله تعالى {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} أي فبأي كتاب يؤمن هؤلاء المكذبون إذا لم يؤمنوا بالقرآن وذلك لما فيه من الخير والهدى ولما يدعو إليه من السعادة والكمال كما أنه معجز بألفاظه ومعانيه بخلاف الكتب غيره فمن لم يؤمن به لا يرجى له أن يؤمن بغيره بحال من الأحوال. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر ما أعد الله تعالى لأوليائه المؤمنين المتقين المحسنين. 2- بيان نعيم أهل التقوى والاحسان وفضلهما أي فضل التقوى والإِحسان. 3- صدق القرآن في أخباره إذ وعيد الله لأكابر مجرمي مكة نفذ بعد أقل من خمس سنوات. 4- من دخل مسجدا وأهله يصلون فليدخل معهم في صلاتهم وإن كان قد صلى حتى لا يكون غيره راكعا لله وهو غير راكع وقد جاء في الصحيح هذا المعنى.
د. أسعد حومد
تفسير : {ظِلاَلٍ} (41) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ مُقَامِ المُتَّقِينَ الأَبْرَارِ فِي يَوْمِ القِيَامَةِ، فَيَذْكُرُ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ فِي الجَنَّاتِ فِي ظِلاَلٍ كَرِيمَةٍ، وَعُيُونِ مَاءٍ جَارِيَةٍ، وَيَنْعَمُونَ بِمَا أَكْرَمَهُمْ بِهِ رَبُّهُمْ جَزَاءً لَهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِم الصَّالِحَاتِ وَإِيْمَانِهِمْ بِرَبِّهِمْ، وَبِمَا أَنْزَلَ عَلَى رُسُلِهِ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما ذكر عقوبة المكذبين، ذكر ثواب المحسنين، فقال: { إِنَّ الْمُتَّقِينَ } [أي:] للتكذيب، المتصفين بالتصديق في أقوالهم وأفعالهم وأعمالهم، ولا يكونون كذلك إلا بأدائهم الواجبات، وتركهم المحرمات. { فِي ظِلالٍ } من كثرة الأشجار المتنوعة، الزاهية البهية. { وَعُيُونٍ } جارية من السلسبيل، والرحيق وغيرهما، { وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ } أي: من خيار الفواكه وطيبها، ويقال لهم: { كُلُوا وَاشْرَبُوا } من المآكل الشهية، والأشربة اللذيذة { هَنِيئًا } أي: من غير منغص ولا مكدر، ولا يتم هناؤه حتى يسلم الطعام والشراب من كل آفة ونقص، وحتى يجزموا أنه غير منقطع ولا زائل، { بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } فأعمالكم هي السبب الموصل لكم إلى هذا النعيم المقيم، وهكذا كل من أحسن في عبادة الله وأحسن إلى عباد الله، ولهذا قال: { إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ } ولو لم يكن لهم من هذا الويل إلا فوات هذا النعيم، لكفى به حرمانا وخسرانا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):