Verse. 567 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

فَلْيُقَاتِلْ فِيْ سَبِيْلِ اللہِ الَّذِيْنَ يَشْرُوْنَ الْحَيٰوۃَ الدُّنْيَا بِالْاٰخِرَۃِ۝۰ۭ وَمَنْ يُّقَاتِلْ فِيْ سَبِيْلِ اللہِ فَيُقْتَلْ اَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيْہِ اَجْرًا عَظِيْمًا۝۷۴
Falyuqatil fee sabeeli Allahi allatheena yashroona alhayata alddunya bialakhirati waman yuqatil fee sabeeli Allahi fayuqtal aw yaghlib fasawfa nuteehi ajran AAatheeman

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فليقاتل في سبيل الله» لإعلاء دينه «الذين يشرون» يبيعون «الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيُقتل» يستشهد «أو يَغلب» يظفر بعدوه «فسوف نؤتيه أجرا عظيما» ثوابا جزيلا.

74

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذم المبطئين في الجهاد عاد إلى الترغيب فيه فقال: {فَلْيُقَاتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } وللمفسرين في قوله: {يَشْرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا } وجهان: الأول: أن {يَشْرُونَ } معناه يبيعون قال ابن مفرغشعر : وشريت بردا ليتني من بعد برد كنت هامه تفسير : قال: وبرد هو غلامه، وشريته بمعنى بعته، وتمنى الموت بعد بيعه، فكان معنى الآية: فليقاتل في سبيل الله الذين يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة، وهو كقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوٰلَهُمْ } إلى قوله: {أية : فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِى بَايَعْتُمْ بِهِ }تفسير : [التوبة: 111]. والقول الثاني: معنى قوله: {يَشْرُونَ } أي يشرتون قالوا: والمخاطبون بهذا الخطاب هم المنافقون الذين تخلفوا عن أحد، وتقرير الكلام: فليقاتل الذين يختارون الحياة الدنيا على الآخرة، وعلى هذا التقدير فلا بد من حذف تقديره: آمنوا ثم قاتلوا لاستحالة حصول الأمر بشرائع الاسلام قبل حصول الاسلام. وعندي في الآية احتمالات أخرى: أحدها: أن الانسان لما أراد أن يبذل هذه الحياة الدنيا في سبيل الله بخلت نفسه بها، فاشتراها من نفسه بسعادة الآخرة ليقدر على بذلها في سبيل الله بطيبة النفس. وثانيها: أنه تعالى أمر بالقتال مقرونا ببيان فساد ما لأجله يترك الانسان القتال، فإن من ترك القتال فإنما يتركه رغبة في الحياة الدنيا، وذلك يوجب فوات سعادة الآخرة، فكأنه قيل له: اشتغل بالقتال واترك ترجيح الفاني على الباقي. وثالثها: كأنه قيل: الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة إنما رجحوا الحياة الدنيا على الآخرة إذا كانت مقرونة بالسعادة والغبطة والكرامة وإذا كان كذلك فليقاتلوا، فإنهم بالمقاتلة يفوزون بالغبطة والكرامة في الدنيا، لأنهم بالمقاتلة يستولون على الأعداء ويفوزون بالأموال، فهذه وجوه خطرت بالبال والله أعلم بمراده. ثم قال تعالى: {وَمَن يُقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً } والمعنى من يقاتل في سبيل الله فسواء صار مقتولا للكفار أو صار غالبا للكفار فسوف نؤتيه أجرا عظيما، وهو المنفعة الخالصة الدائمة المقرونة بالتعظيم، ومعلوم أنه لا واسطة بين هاتين الحالتين، فاذا كان الأجر حاصلا على كلا التقديرين لم يكن عمل أشرف من الجهاد. وهذا يدل على أن المجاهد لا بد وأن يوطن نفسه على أنه لا بد من أحد أمرين، إما أن يقتله العدو، وإما أن يغلب العدو ويقهره، فإنه إذا عزم على ذلك لم يفر عن الخصم ولم يحجم عن المحاربة، فأما إذا دخل لا على هذا العزم فما أسرع ما يقع في الفرار، فهذا معنى ما ذكره الله تعالى من التقسيم في قوله: {فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ }.

القرطبي

تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى ـ قوله تعالى: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} الخطاب للمؤمنين؛ أي فليقاتل في سبيل الله الكفار {ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ} أي يبيعون، أي يبذلون أنفسهم وأموالهم لله عز وجل {بِٱلآخِرَةِ} أي بثواب الآخرة. الثانية ـ قوله تعالى: {وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} شرط. {فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ} عطف عليه، والمجازاة {فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً}. ومعنى «فيقتل» فيستشهد. «أو يَغْلِبْ» يظفر فيغنم. وقرأت طائفة «ومن يقاتِلْ» «فلْيقاتِلْ» بسكون لام الأمر. وقرأت فرقة «فلِيقاتل» بكسر لام الأمر. فذكر تعالى غايتي حالة المقاتل واكتفى بالغايتين عّما بينهما؛ ذكره ابن عطية. الثالثة ـ ظاهر الآية يقتضي التسوية بين من قُتل شهيداً أو ٱنقلب غانما. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : تضمّن الله لمن خرج في سبيله لا يُخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمانٌ بي وتصديقٌ برسلي فهو علي ضامن أن أُدخِله الجنة أو أُرْجِعَه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة » تفسير : وذكر الحديث. وفيه عن عبد الله بن عمرو حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من غازية تَغْزُو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجّلوا ثلثي أجرِهم من الآخرة ويبقى لهم الثلث وإن لم يصيبوا غنيمة تمّ لهم أجرهم» تفسير : . فقوله: « حديث : نائلا ما نال من أجر أو غنيمة » تفسير : يقتضي أن لمن لم يستشهد من المجاهدين أحدَ الأمرين؛ إما الأجر إن لم يغنم، وإما الغنيمة ولا أجر، بخلاف حديث عبد الله بن عمرو، ولما كان هذا قال قوم: حديث عبد الله بن عمرو ليس بشيء؛ لأن في إسناده حُمَيْد بن هَانىء وليس بمشهور، ورجحّوا الحديث الأوّل عليه لشهرته. وقال آخرون: ليس بينهما تعارض ولا اختلاف. و «أو» في حديث أبي هريرة بمعنى الواو، كما يقوله الكوفيون وقد دلت عليه رواية أبي داود فإنه قال فيه: « حديث : من أجر وغنيمة » تفسير : بالواو الجامعة. وقد رواه بعض رواة مسلم بالواو الجامعة أيضاً. وحُمَيْد بن هانىء مصري سمع أبا عبد الرحمن الحُبْلى وعمرو بن مالك، ورَوَى عنه حَيْوة بن شُريح وابن وهب؛ فالحديث الأوّل محمول على مجرّد النيّة والإخلاص في الجهاد؛ فذلك الذي ضمن الِّله له إما الشهادة، وإما ردّه إلى أهله مأجوراً غانماً؛ ويُحمَل الثاني على ما إذا نَوَى الجهاد ولكن مع نيل المَغْنَم، فلما ٱنقسمت نيّته انحطّ أجره؛ فقد دلّت السنّة على أن للغانم أجراً كما دلّ عليه الكتاب فلا تعارض. ثم قيل: إن نقص أجر الغانم على من يغنم إنما هو بما فتح الله عليه من الدنيا فتمتَّع به وأزال عن نفسه شَظَف عيشه؛ ومن أخفق فلم يُصبِ شيئاً بقي على شَظَف عيشه والصّبر على حالته، فبقي أجره مُوَفَّراً بخلاف الأوّل. ومثله قوله في الحديث الآخر: « حديث : فمنا من مات لم يأكل من أجره شيئاً ـ منهم مِصْعَب بن عُمَير ـ ومنا من أَيْنَعَت له تمرته فهو يَهْدِبُها 2.

البيضاوي

تفسير : {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ} أي الذين يبيعونها بها، والمعنى إن بطأ هؤلاء عن القتال فليقاتل المخلصون الباذلون أنفسهم في طلب الآخرة، أو الذين يشترونها ويختارونها على الآخرة وهم المبطئون، والمعنى حثهم على ترك ما حكي عنهم. {وَمَن يُقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} وعد له الأجر العظيم غَلَبَ أو غُلِبَ، ترغيباً في القتال وتكذيباً لقولهم {قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَىَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً } وإنما قال {فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ} تنبيهاً على أن المجاهد ينبغي أن يثبت في المعركة حتى يعز نفسه بالشهادة أو الدين، بالظفر والغلبة وأن لا يكون قصده بالذات إلى القتل، بل إلى إعلاء الحق وإعزاز الدين. {وَمَا لَكُمْ} مبتدأ وخبر. {لاَ تُقَـٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} حال والعامل فيها ما في الظرف من معنى الفعل. {وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ } عطف على اسم الله تعالى أي وفي سبيل المستضعفين، وهو تخليصهم من الأسر وصونهم عن العدو، أو على سبيل بحذف المضاف أي وفي خلاص المستضعفين، ويجوز نصبه على الاختصاص فإن سبيل الله تعالى يعم أبواب الخير، وتخليص ضعفة المسلمين من أيدي الكفار أعظمها وأخصها. {مِنَ ٱلرّجَالِ وَٱلنّسَاء وَٱلْوِلْدٰنِ} بيان للمستضعفين وهم المسلمون الذين بقوا بمكة لصد المشركين، أو ضعفهم عن الهجرة مستذلين ممتحنين، وإنما ذكر الولدان مبالغة في الحث وتنبيهاً على تناهي ظلم المشركين بحيث بلغ أذاهم الصبيان، وأن دعوتهم أجيبت بسبب مشاركتهم في الدعاء حتى يشاركوا في استنزال الرحمة واستدفاع البلية. وقيل المراد به العبيد والإِماء وهو جمع وليد. {ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّـٰلِمِ أَهْلُهَا وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً} فاستجاب الله دعاءهم بأن يسر لبعضهم الخروج إلى المدينة وجعل لمن بقي منهم خير ولي وناصر بفتح مكة على نبيه صلى الله عليه وسلم، فتولاهم ونصرهم ثم استعمل عليهم عتاب بن أسيد فحماهم ونصرهم حتى صاروا أعز أهلها، والقرية مكة والظالم صفتها، وتذكيره لتذكير ما أسند إليه فإن اسم الفاعل أو المفعول إذا جرى على غير من هو له كان كالفعل يذكر ويؤنث على حسب ما عمل فيه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَلْيُقَاتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } لإِعلاء دينه {ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ } يبيعون {ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلاْخِرَةِ وَمَنْ يُقَٰتِلْ في سَبِيلِ ٱللهِ فَيُقْتَلْ} يستشهد {أَو يَغْلِبْ } يظفر بعدوّه {فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً } ثواباً جزيلاً.

ابن عطية

تفسير : هذا أمر من الله عز وجل للمؤمنين الذين وصفهم بالجهاد في سبيل الله، و {يشرون} معناه: يبيعون في هذا الموضع، وإن جاء في مواضع: يشترون، فالمعنى هاهنا يدل على أنه بمعنى "يبيعون" ثم وصف الله ثواب المقاتل في سبيل الله، فذكر غايتي حالتيه، واكتفى بالغايتين عما بينهما، وذلك أن غاية المغلوب في القتال أن يقتل، وغاية الذي يقتل ويغنم أن يتصف بأنه غالب على الإطلاق، "والأجر العظيم": الجنة، وقالت فرقة، "فلْيقاتل" بسكون لام الأمر، وقرأت فرقة "فلِيقاتل" بكسرها، وقرأ محارب بن دثار "فيقتل أو يَغلب" على بناء الفعلين للفاعل، وقرأ الجمهور {نؤتيه} بالنون، وقرأ الأعمش وطلحة بن مصرف "فسوف يؤتيه" بالياء. وقوله تعالى: {وما لكم} اللام متعلقة بما يتعلق بالمستفهم عنه من معنى الفعل، تقديره وأي شيء موجود أو كائن أن نحو ذلك لكم، و {لا تقاتلون} لفي موضع نصب على الحال، تقديره تاركين أو عطف على "السبيل" أي وفي المستضعفين لاستنقاذهم، ويعني بـ {المستضعفين} من كان بمكة من المؤمنين تحت إذلال كفرة قريش وأذاهم لا يستطيعون خروجاً، ولا يطيب لهم على الأذى إقامة، وفي هؤلاء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : اللهم أنج سلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين" تفسير : . و {الولدان} بابه أن يكون جمع وليد، وقد يكون جمع ولد كورل وورلان، فهي على الوجهين عبارة عن الصبيان، والقرية هاهنا مكة بإجماع من المتأولين. قال القاضي أبو محمد: والآية تتناول المؤمنين والأسرى وحواضر الشرك إلى يوم القيامة، ووحد الظالم لأنه موضع اتخاذ الفعل، ألا ترى أن الفعل إنما تقديره الذي ظلم أهلها، ولما لم يكن للمستضعفين حيلة إلا الدعاء، دعوا في الاستنقاذ وفيما يوالهيم من معونة الله تعالى وما ينصرهم على أولئك الظلمة من فتح الله تبارك وتعالى.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالَىٰ: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ...} الآية: هذا أمر من اللَّه سبحانه للمؤمنين بالجهادِ، ويَشْرُونَ هنا: معناه: يَبِيعُونَ، ثم وصف سبحانه ثوابَ المقاتِلِينَ، والأجْرُ العظيمُ: الجَنَّة. وقوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَـٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ...} الآية: «ما»: استفهامٌ، {وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ}: عطْفٌ على اسمِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ، أيْ: وفي سبيل المُسْتَضْعَفِينَ؛ لإستنقاذِهِمْ، ويعني بـ «المستضْعَفِينَ»: مَنْ كان بمكَّة تحْتَ إذلال كَفَرةِ قُرَيْشٍ، وفيهم كانَ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «حديث : اللَّهُمَّ أَنْجِ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينِ»تفسير : ، {وَٱلْوِلْدَٰنِ}: عبارةٌ عن الصبيانِ، و {ٱلقَرْيَةِ} هنا: مَكَّةٌ بإجماعٍ، والآيةُ تتناوَلُ المؤمنين والأسرَىٰ في حواضِرِ الشِّرْك إلَىٰ يوم القيامة. قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه»: قال علماؤُنَا (رحمهم اللَّه): أوجَبَ اللَّهُ تعالَىٰ في هذه الآيةِ القِتَالَ؛ لإستنقاذ الأسرَىٰ مِنْ يَدِ العدُوِّ، وقد رَوَى الأئمَّة أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حديث : أَطْعِمُوا الجَائِعَ، وَعُودُوا المَرِيضَ، وَفُكُّوا العَانِيَ»تفسير : . يعني: الأسيرَ، قال مالكٌ (رحمه اللَّه): علَى النَّاسِ أَنْ يَفُكُّوا الأسرَىٰ بجميعِ أموالِهِمْ؛ وكذلك قالُوا: عليهمْ أنْ يُوَاسُوهُمْ. انتهى. وقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقَـٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ...} الآية: هذه الآيةُ تقتضِي تقْويَةَ قُلُوبِ المؤمِنِينَ وتَحريضَهُمْ، وقَرِينَةُ ذِكْرِ الشيطانِ بَعْدُ تدُلُّ علَىٰ أَنَّ المرادَ بالطَّاغُوتِ هنا الشيطانُ، وإعلامُهُ تعالَىٰ بضَعْفِ كيدِ الشيطانِ فيه تقويةٌ لقلوب المؤمنِينَ، وتجرِئَةٌ لهم علَىٰ مُقَارَعَةِ الكيدِ الضعيفِ؛ فإنَّ العزم والحَزْم الذي يكُونُ عَلَىٰ حقائقِ الإيمان يَكْسِرُهُ ويهدُّه.

ابن عادل

تفسير : فقوله: {ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَاةَ} فاعل، "فليقاتل" و "يشرون" يحتمل وَجهيْن: أحدهما: أن يكون بمعْنَى: يَشْتَرُون. فإن قيل: قد تقرّر أن البَاء إنما تَدْخُل على المَتْرُوك، والظَّاهرُ هنا أنها دخَلَتْ على المأخُوذ: فالجواب: أن المراد بـ "الذين يشترون" المُنَافقون المبطِّئون عن الجِهَادِ أمروا بأنْ يُغَيِّروا ما بهم من النفاقِ، ويُخْلِصُوا الإيمان باللَّه ورسُولِهِ ويُجَاهِدُوا في سَبِيل اللَّه، فلم نَدْخُل إلا على المَتْرُوك؛ لأن المُنَافِقِين تاركون للآخِرَةِ آخِذُون للدُّنْيَا، وتقدير الكَلاَمِ: فَلْيُقَاتِل الذين يَخْتَارُون الحياة الدُّنْيَا، وعلى هذا التقدير فلا، بل حَذْفٌ تقديره: آمِنُوا ثم قَاتِلُوا؛ لاستحالة حُصُول الأمْرِ بشَرَائِعِ الإسْلام قبل حُصُول الإسْلامِ. الثاني: أن "يشرون" بمعنى: يَبِيعُون. قال ابْنُ مُفَرِّعٍ: [مجزوء الكامل] شعر : 1829- وَشَرَيْتُ بُرْداً لَيْتَنِي مِنْ بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هَامَهْ تفسير : قالوا: وبَرْد هو غلامه، وشريتُه بمعنى: بِعْتُه، وتَمَنَّى الموت بعد [بَيْعِه] فيكُون المراد بالذين يَشْرُون: المؤمِنُون المُتَخَلِّفُون عن الجِهَادِ؛ المؤثِرُون الآجِلَة على العَاجِلَة، وتصير هذه الآية في كَوْنِ شَرَى تحتمل الاشْتِرَاء والبَيْعِ باعْتِبَارَيْنِ؛ قوله - تعالى -: {أية : وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ} تفسير : [يوسف: 20] على ما سَيَأتِي - إن شاء الله تعالى - وقد تقدم شيء من هذا أوَّل البقرة [الآية 16] والجمهور على سُكُون لام "فليقاتل" لأنها وَقَعَتْ بعد الفَاءِ [والواو] فأشبهَت اللفظة اكتفاءً، وقرئ بكسرها، وهو الأصل وأجاز إسْكانَها وكَسْرَهَا كهذه الآية، وقوله - تعالى -: {أية : وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ} تفسير : [الحج: 29] وقد قرئ بهما. والجمهور على بناء "فيقتل" للمفعُول، ومحارب بن دثار ببنائه للفاعل. والأوَّل أظهر؛ لقوله: {أَو يَغْلِبْ} ["ويقتل"] "ويغلب" عطف على شَرْط، والفَاءُ في "فسوف" جوابُهُ لا يجُوزُ حَذْفُهَا والمشهور [إظهار] هذه الباءِ عند الفَاءِ، وأدْغَمَها أبُو عمرو والكسائي، وهِشَام وخلاد بخلاف عَنْه. والجمهور على "نؤتيه" بنون العظمة، وطَلْحَة بن مصرف والأعمش: بياء الغَيْبَة، وهما ظَاهِرَتَانِ. وقدم قوله "فيقتل" لأنها دَرَجَة شهادة وهي أعْظَم من غَيْرِهَا، وثَنَّى بالغَلَبَة، وهي تَشْمَل نوعين: قتل أعْدَاء اللَّه، والظَّفَر بالغَنِيمَة، والأولى أعْظَم من الثَّانِية. انتهى. فصل المعنى: أن من قَاتَل في سَبيل اللَّهِ سواءٌ صار مَقْتُولاً لِلكُفَّار، أو غالباً، فسوف نُؤتيه أجْراً عظيماً، ولا واسطة بَيْن هَاتَيْن الحَالَتَيْنِ. [و] إذا كان الأجْر حَاصِلاً على كُلِّ تَقدِير، لم يكُن عملٌ أشْرَف من الجِهَادِ، وهذا يَدُلُّ على أن المُجاهِد لا بُدَّ وأنْ يُوَطِّن نَفْسَهُ على أنَّه لا بُدَّ مِنْ أحد أمْرَيْن: إمَّا أن يَقْتُله العَدُّوُّ، وإمّا أن يغلبَ، فإذا عَزَم على ذَلِك، لم يفرَّ عن خَصْمه، ولم يُحْجِم عن المُحَارَبة، وإن دخل على غَيْر هذا [العَزْم] فما أسْرَعَ فِرَارَهُ. روى أبو هُرَيْرَة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : تكَفَّل اللَّه لِمَن جَاهَد في سبيل اللَّه [لا يُخرِجُهُ إلا جِهَادٌ في سَبِيلِه] وتصدِيِق كلمته، بأن يُدخلَه الجَنَّة، أو يرجعه إلى مَسْكَنِه الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ مع ما نال من أجرٍ أو غَنِيمَةٍ ". تفسير : وعن أبي هُرَيْرَة - رضي الله عنه -؛ أن رسُول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : مثلُ المُجَاهِد في سَبِيل اللَّه؛ كمثل القَانِتِ الصَّائم الَّذي لا يَفْتُر من صلاةٍ ولا صيامٍ، حتى يُرجِعه الله إلى أهْلِهِ بما يرجعُه من غَنِيمَة وأجْرٍ، أو يتوفَّاه فَيَدْخُل الجَنَّة".

البقاعي

تفسير : ولما بين أن محط حال القاعد عن الجهاد الدنيا، علم أن قصد المجاهد الآخرة، فسبب عن ذلك قوله: {فليقاتل في سبيل الله} أي بسبب تسهيل طريق الملك الذي له الأمر كله وحفظ الناس عليه {الذين يشرون} أي يبيعون برغبة ولجاجة وهم المؤمنون، أو يأخذون وهم المنافقون - استعمالاً للمشترك في مدلوليه {الحياة الدنيا} فيتركونها {بالآخرة} ولما كان التقدير: فإنه من قعد عن الجهاد فقد رضي في الآخرة بالدنيا، عطف عليه قوله: {ومن يقاتل في سبيل الله} أي فيريد إعلاء كلمة الملك المحيط بصفات الجمال والجلال {فيقتل} أي في ذلك الوجه وهو على تلك النية بعد أن يغلب القضاء والقدر على نفسه {أو يغلب} أي الكفار فيسلم {فسوف نؤتيه} أي بوعد لا خلف فيه بما لنا من العظمة المحيطة بالخير والشر، والآية من الاحتباك: ذكرُ القتل أولاً دليل على السلامة ثانياً، وذكر الغالبية ثانياً دليل على المغلوبية أولاً؛ وربما دل التعبير بسوف على طول عمر المجاهد غالباً خلافاً لما يتوهمه كثير من الناس - إعلاماً بأن المدار على فعل الفاعل المختار، لا على الأسباب {أجراً عظيماً *} أي في الدارين على اجتهاده في إعزاز دين الله سبحانه وتعالى، واقتصاره على هذين القسمين حث على الثبات ولو كان العدو أكثر من الضعف {أية : فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة}تفسير : [البقرة: 249] {أية : والله يؤيد بنصره من يشاء}تفسير : [آل عمران: 13] والله مع الصابرين. ولما كان التقدير: فما لكم لا تقاتلون في سبيل الله لهذا الأجر الكثير ممن لا يخلف الميعاد، وكانوا يقولون: إنا لا نعطي الميراث إلا لمن يحمي الذمار، ويذب عن الجار، ويمنع الحوزة؛ قال عاطفاً على هذا المقدر ملهباً لهم ومهيجاً، ومبكتاً للقاعدين وموبخاً: {وما} أي وأي شيء {لكم} من دنيا آو آخره حال كونكم {لا تقاتلون} أي تجددون القتال في كل وقت، لا تملونه {في سبيل الله} أي بسبب تسهيل طريق الملك الذي له العظمة الكاملة والغنى المطلق وبسبب خلاص {والمستضعفين} أي المطلوب من الكفار ضعفهم حتى صار موجوداً، ويجوز - وهو أقعد - أي يكون منصوباً على الاختصاص تنبيهاً على أنه من أجل ما في سبيل الله. ولما كان الإنكاء من هذا ما لمن كان رجاء نفعه أعظم، ثم ما لمن يكون العار به أقوى وأحكم؛ رتبهم هذا الترتيب فقال: {من الرجال والنساء والولدان} أي المسلمين الذين حبسهم الكفار عن الهجرة، وكانوا يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم، وكل منهما كافٍ في بعث ذوي الهمم العالية والمكارم على القتال، ثم وصفهم بما يهيج إلى نصرهم ويحث على غياثهم فقال: {الذين يقولون} أي لا يفترون {ربنا} أي أيها المحسن إلينا بإخراجنا من الظلمات إلى النور {أخرجنا من هذه القرية} ثم وصفوها بالحامل على هذا الدعاء فقالوا: {الظالم أهلها} أي بما تيسره لنا من الأسباب {واجعل لنا من لدنك} أي من أمورك العجيبة في الأمور الخارقة للعادات {ولياً} يتولى مصالحنا. ولما كان الولي قد لا يكون فيه قوة النصر قالوا: {واجعل لنا} ولما كانوا يريدون أن يأتيهم خوارق كرروا قولهم: {من لدنك نصيراً *} أي بليغ النصر إلى حد تعجب منه المعتادون للخوارق، فكان بهذا الكلام كأنه سبحانه وتعالى قال: قد جعلت لكم الحظ الأوفر من الميراث، فما لكم لا تقاتلون في سبيلي شكراً لنعمتي وأين ما تدّعون من الحمية والحماية! ما لكم لا تقاتلون في نصر هؤلاء الضعفاء لتحقق حمايتكم للذمار ومنعكم للحوزة وذبكم عن الجار!. ولما أخبر عن افتقارهم إلى الأنصار وتظلمهم من الكفار، استأنف الإخبار عن الفريقين فقال مؤكداً للترغيب في الجهاد: {الذين آمنوا} أي صدقوا في دعواهم الإيمان {يقاتلون} أي تصديقاً لدعواهم من غير فترة أصلاً {في سبيل الله} أي الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال قاصدين وجهه بحماية الذمار وغيره، وأما من لم يصدق دعواه بهذا فما آمن {والذين كفروا يقاتلون} أي كذلك {في سبيل الطاغوت} فلا ولي لهم ولا ناصر. ولما كان الطاغوت الشيطان أو من زينه الشيطان، وكان كل من عصى الله منه وممن أغواه حقيراً؛ سبب عن ذلك قوله: {فقاتلوا أولياء الشيطان} ثم علل الجرأة عليهم بقوله: {إن كيد الشيطان} أي الذي هو رأس العصاة {كان} جبلة وطبعاً {ضعيفاً *} . ولما عرفهم هذه المفاوز الأخروية والمفاخر الدنيوية، وختم بما ينهض الجبان، ويقوي الجنان، ورغبهم بما شوق إليه من نعيم الجنان؛ عجب من حال من توانى بعد ذلك واستكان، فقال تعالى مقبلاً بالخطاب على أعبد خلقه وأطوعهم لأمره: {ألم تر} وأشار إلى أنهم بمحل بعد عن حضرته تنهيضاً لهم بقوله: {إلى الذين قيل لهم} أي جواباً لقولهم: إنا نريد أن نبسط ايدينا إلى الكفار بالقتال لأن امتحاننا بهم قد طال {كفوا أيديكم} أي ولا تبسطوها إليهم فإنا لم نأمر بهذا {وأقيموا الصلاة} أي صلة بالخالق واستنصاراً على المشاقق {وأتوا الزكاة} منماة للمال وطهرة للأخلاق وصلة للخلائق {فلما كتب عليهم القتال} أي الذي طلبوه وهم يؤمرون بالصفح، كتابة لا تنفك إلى آخر الدهر {إذا فريق منهم} أي ناس تلزم عن فعلهم الفرقة، فأحبوا هذه الكتب بأنهم {يخشون الناس} أي الذين هم مثلهم، أن يضروهم، والحال أنه يقبح عليهم أن يكونوا أجراً منهم وهم ناس مثلهم {كخشية الله} أي مثل ما يخشون الله الذي هو القادر لا غيره. ولما كان كفهم عن القتال شديداً يوجب لمن يراه منهم أن يظن بهم من الجبن ما يتردد به في الموازنة بين خوفهم من الناس وخوفهم من الله، عبر بأداة الشك فقال: {أو أشد خشية} أي أو كانت خشيتهم لهم عند الناظر لهم أشد من خشيتهم من الله، فقد أفاد هذا أن خوفهم من الناس ليس بأقل من خوفهم من الله جزماً بل إما مثله أو أشد منه؛ وقد يكون الإبهام لتفاوت بالنسبة إلى وقتين، فيكون خوفهم منه في وقت متساوياً، وفي آخر أزيد، فهو متردد بين هذين الحالين؛ ويجوز أن يكون ذلك كناية عن كراهتهم القتال في ذلك الوقت وتمنيهم لتأخيره إلى وقت ما. وأيد ما تقدم من الظن بقوله ما هو كالتعليل للكراهة: {وقالوا} جزعاً من الموت أو المتاعب - إن كانوا مؤمنين، أو اعتراضاً - إن كانوا منافقين، على تقدير صحة ما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم {ربنا} أي أيها المحسن إلينا القريب منا {لم كتبت علينا القتال} أي ونحن الضعفاء {لولا} أي هلا {أخرتنا} أي عن الأمر بالقتال {إلى أجل قريب} أي لنأخذ راحة مما كنا فيه من الجهد من الكفار بمكة، "حديث : وسبب نزولها أن عبد الرحمن بن عوف والمقداد بن الأسود الكندي وقدامة بن مظعون وسعد بن أبي وقاص وجماعة رضي الله عنهم كانوا يلقون من المشركين بمكة أذى كثيراً قبل أن يهاجروا، ويقولون: يا رسول الله! إئذن لنا في قتالهم فإنهم قد آذونا، فيقول لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: كفوا أيديكم، فإني لم أومر بقتالهم، وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، فلما هاجروا إلى المدينة وأمرهم الله سبحانه وتعالى بقتال المشركين شق ذلك على بعضهم" تفسير : حكاه البغوي عن الكلبي، وحكاه الواحدي عنه بنحوه، وروي بسنده عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما حديث : أن عبد الرحمن ابن عوف وأصحابه رضي الله تعالى عنهم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فقالوا: يا رسول الله! كنا في عز ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة، فقال: "إني أمرت بالعفو، فلا تقاتلوا القوم" فلما حوله الله تعالى إلى المدينة أمره بالقتال فكفوا، فأنزل الله عز وجل {ألم إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم} تفسير : الآية. وهذا يفهم أن نسبة القول إليهم إنما هي حالهم في التأخر عن المبادرة إلى القتال حال من يقول ذلك، فالمراد من الآية إلهابهم إلى القتال وتهييجهم، ليس غير. ولما عجب عليه الصلاة والسلام منهم إنكاراً عليهم كان كأنه قال: فما أقول لهم؟ أمره بوعظهم وتضليل عقولهم وتقييل أرائهم بقوله: {قل متاع الدنيا قليل} أي ولو فرض أنه مدّ في آجالكم إلى أن تملوا الحياة، فإن كل منقطع قليل، مع أن نعيمها غير محقق الحصول، وإن حصل كان منغصاً بالكدورات {والآخرة خير لمن اتقى} أي لأنها لا يفنى نعيمها مع أنه محقق ولا كدر فيه، وهي شر من الدنيا لمن لم يتق، لأن عذابها طويل لا يزول {ولا تظلمون فتيلاً *} أي لا في دنياكم بأن تنقص آجالكم بقتالكم، ولا أرزاقكم باشتغالكم، ولا في آخرتكم بأن يضيع شيء من ثوابكم على ما تنالونه من المشقة، لأنه سبحانه وتعالى حكيم لا يضع شيئاً في غير موضعه، ولا يفعل شيئاً إلا على قانون الحكمة، فما لكم تقولون قول المتهم: لم فعلت؟ أتخشون الظلم في إيجاب ما لم يجب عليكم وفي نقص الرزق والعمر؟ أتخشون الظلم في إيجاب العدل وله أن يفعل ما شاء، {أية : لا يسئل عما يفعل} تفسير : [الأنبياء: 23] يحسن ويعطي من تقبل إحسانه أتم الفضل.

ابو السعود

تفسير : {فَلْيُقَاتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} قدِّم الظرفُ على الفاعل للاهتمام به {ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ} أي يبـيعونها بها وهم المؤمنون فالفاءُ جوابُ شرطٍ مقدرٍ أي إن بطّأ هؤلاءِ عن القتال فليقاتِلِ المُخلِصون الباذلون أنفسَهم في طلب الآخرةِ أو الذين يشترونها ويختارونها على الآخرة، وهم المُبطِّئون فالفاءُ للتعقيب أي لِيترُكوا ما كانوا عليه من التثبُّط والنفاقِ ولْيُبدِّلوه بالقتال في سبـيل الله {وَمَن يُقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ} بنون العظمةِ التفاتاً {أَجْراً عَظِيماً} لا يقادَرُ قَدْرُه، وتعقيبُ القتالِ بأحد الأمرين للإشعار بأن المجاهدَ حقُّه أن يوطِّن نفسَه بإحدى الحسنيـين ولا يُخطِرَ بباله القسمَ الثالثَ أصلاً، وتقديمُ القتلِ للإيذان بتقدّمه في استتباع الأجرِ، روىٰ أبو هريرةَ رضي الله عنه أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : تكفّل الله تعالى لمن جاهد في سبـيله لا يُخرِجُه إلا جهادٌ في سبـيله وتصديقُ كلمتِه أن يُدخِلَه الجنةَ أو يُرجِعَه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر وغنيمة»تفسير : . {وَمَا لَكُمْ} خطابٌ للمأمورين بالقتال على طريقة الالتفاتِ مبالغةً في التحريض عليه وتأكيداً لوجوبه وهو مبتدأٌ وخبرٌ وقولُه عز وجل: {لاَ تُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} حالٌ عاملُها ما في الظرف من معنى الفعلِ، والاستفهامُ للإنكار والنفي، أي أيُّ شيءٍ لكم غيرَ مقاتِلين، أي لا عذرَ لكم في ترك المقاتلة {وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ} عطفٌ على اسم الله أي في سبـيل المستضعفين وهو تخليصُهم من الأسر وصونُهم عن العدو أو على السبـيل بحذف المضافِ أي في خلاص المستضعفين، ويجوز نصبُه على الاختصاص، فإن سبـيلَ الله يعُمّ أبوابَ الخيرِ وتخليصُ ضعفاءِ المؤمنين من أيدي الكفرةِ أعظمُها وأخصُّها {مِنَ ٱلرّجَالِ وَٱلنّسَاء وَٱلْوِلْدٰنِ} بـيانٌ للمستضعفين أو حالٌ منهم وهم المسلمون الذين بقُوا بمكةَ لصدّ المشركين أو لضعفهم عن الهجرة مستذَلّين ممتَهنين، وإنما ذُكر الوِلْدان معهم تكميلاً للاستعطاف واستجلاباً للرحمة وتنبـيهاً على تناهي ظلمِ المشركين بحيث بلغ أذاهم الصبـيانَ لإرغام آبائِهم وأمهاتِهم وإيذاناً بإجابة الدعاءِ الآتي واقترابِ زمانِ الخَلاصِ ببـيان شِرْكتِهم في التضرّع إلى الله تعالى، كلُّ ذلك للمبالغة في الحث على القتال، وقيل: المرادُ بالوِلدان العبـيدُ والإماءُ إذ يقال لهما: الوليدُ والوليدةُ وقد غلَب الذكورُ على الإناث فأُطلق الولدانُ على الولائد أيضاً {ٱلَّذِينَ} محلُّه الجرُّ على أنه صفةٌ للمستضعفين أو لما في حيز البـيانِ، أو النصبُ على الاختصاص {يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّـٰلِمِ أَهْلُهَا} بالشرك الذي هو ظلمٌ عظيمٌ، وبأذِيَّة المسلمين، وهي مكةُ والظالمِ صفتُها، وتذكيرُه لما أسند إليه فإن اسمَ الفاعلِ والمفعولِ إذا أُجريَ على غير مَنْ هُوَله كان كالفعل في التذكير والتأنيثِ بحسب ما عمِل فيه {وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً} كلا الجارَّيْنِ متعلقٌ باجْعل لاختلاف معنيـيهما، وتقديمُ المجرورين على المفعول الصريحِ لإظهار الاعتناءِ بهما وإبرازِ الرغبةِ في المؤخَّر بتقديمِ أحوالِه فإن تأخيرَ ما حقُّه التقديمُ عما هو من أحواله المُرَغّبة فيه ــ كما يورث شوقَ السامعِ إلى وروده ــ يُنبىء عن كمال رغبةِ المتكلّمِ فيه واعتنائِه بحصوله لا محالة، وتقديمُ اللامِ على مِنْ للمسارعة إلى إبراز كونِ المسؤولِ نافعاً لهم مرغوباً فيه لديهم، ويجوزُ أن تتعلقَ كلمةُ مِن بمحذوف وقع حالاً من ولياً قُدِّمت عليه لكونه نكرةً وكذا الكلامُ في قوله تعالى: {وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً} قال ابن عباس رضي الله عنهما: أي ولِّ علينا والياً من المؤمنين يوالينا ويقوم بمصالحنا ويحفَظ علينا دينَنا وشَرْعَنا وينصُرنا على أعدائنا ولقد استجاب الله عز وجل دعاءَهم حيث يسّر لبعضهم الخروجَ إلى المدينة وجعل لمن بقيَ منهم خيرَ وليَ وأعزَّ ناصِر، ففتح مكةَ على يدي نبـيِّه عليه الصلاة والسلام فتولاهم أيَّ تولَ ونصرهم أيةَ نُصرةٍ، ثم استعمل عليهم عتابَ بنَ أسيد ونصرهم حتى صاروا أعزَّ أهلِها، وقيل: المرادُ واجعل لنا من لدنك ولايةً ونُصرةً أي كن أنت وليَّنا وناصِرَنا، وتكريرُ الفعلِ ومتعلِّقَيْه للمبالغة في التضرع والابتهال.

القشيري

تفسير : مَن لم يَقْتُلْ نَفْسَه في نَفْسِه لا يصحُّ جهادُه بنفسِه؛ فأولا (إخراج خطر الروح) من القلب ثم تسليم النفس للقتل. وقوله: {فَسَوْفَ نُؤْتِيهَ أَجْرًا عَظِيمًا} يعني بقاؤنا بعده خيرٌ له من حياته بنفسه لنفسه، قال قائلهم: شعر : ألست لي عِوَضاً مني؟ كفى شَرَفاً فما وراءك لي قصدٌ ومطلوب

اسماعيل حقي

تفسير : {فليقاتل فى سبيل الله الذين يشرون الحيوة الدنيا بالآخرة} اى يبيعونها بها ويأخذون الآخرة بدلها وهم المؤمنون فالفاء جواب شرط مقدر اى ان بطأ هؤلاء عن القتاتل فليقاتل المخلصون الباذلون انفسهم فى طلب الذين يشترونها ويختارونها على الآخرة وهم المبطئون فالفاء للتعقيب اى ليتركوا ما كانوا عليه من التثبيط والنفاق والقعود عن القتال فى سبيل الله {ومن يقاتل فى سبيل الله فيقتل او يغلب فسوف نؤتيه اجرا عظيما} لا يقادر قدره وعدله الاجر العظيم غلب او غلب ترغيبا فى القتال او تكذيبا لقولهم قد انعم الله على اذ لم اكن معهم شهيدا وانما قال فيقتل او يغلب تنبيها على ان المجاهد ينبغى ان يثبت فى المعركة حتى يعز نفسه بالشهادة او الدين بالظفر والغلبة ولا يخطر بباله القسم الثالث اصلا وان لا يكون قصده بالذات الى القتل بل الى اعلاء الحق واعزاز الدين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : "تكفل الله لمن جاهد فى سبيله لا يخرجه الا جهاد فى سبيله وتصديق كلمته ان يدخله الجنة او يرجعه الى مسكنه الذى خرج منه" مع ما نال من اجر وغنيمة " .تفسير : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : جاهدوا المشركين باموالكم وانفسكم وألسنتكم " .تفسير : وذلك بان تدعوا عليهم بالخذلان والهزيمة وللمسلمين بالنصر والغنيمة وتحرضوا القادرين على الغزو وفى الحديث "حديث : من جهز غازيا فى سبيل الله فقد غزا ومن خلف غازيا فى سبيل الله بخير فقد غزا " .تفسير : اى كان خلفا لاهل بيته فى اقامة حوائجهم وتتميم مصالحهم وفضائل الجهاد لا تكاد تضبط. فعلى المؤمن ان يكون فى طاعة ربه بأى وجه كان من الوجوه التعبدية فان الآية الاولى وهى قوله {أية : يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم} تفسير : [النساء: 71]. الآية وان نزلت فى الحرب لكن يقتضى اطلاق لفظها وجوب المبادرة الى الخيرات كلها كيفما امكن قبل الفوات شعر : مكن عمر ضايع بافسوس وحيف كه فرصت عزيزست والوقت سيف تفسير : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : بادروا بالاعمال قبل ان تجيئ فتن كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسى كافرا او يمسى مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا " .تفسير : وعن الزبير بن عدى قال اتينا انس بن مالك فشكونا اليه ما نلقى من الحجاج فقال اصبروا فانه لا يأتى زمان الا والذى بعده اشد منه شرا حتى تتقوا ربكم سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم: قال الحافظ قدس سره شعر : روزى اكر غمى رسدت تنك دل مباش روشكركن مباد كه از بد بترشود تفسير : واعلم ان العدة والسلاح فى جهاد النفس والشيطان يعنى آلة قتالهما ذكر الله وبه يتخلص الانسان من كونه اسير الهوى النفسانى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يقعد قوم يذكرون الله الا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده " .تفسير : وعن ابى واقد الحارث بن عوف رضى الله عنه "حديث : ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس فى المسجد والناس معه اذا اقبل ثلاثة نفر فاقبل اثنان الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهب واحد فوقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فاما احدهما فرأى فرجة فى الحلقة فجلس فيها. واما الآخر فجلس خلفهم. واما الثالث فادبر ذاهبا فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "ألا اخبركم عن النفر الثلاثة اما احدهم فاوى الى الله فآواه الله واما الآخر فاستحيى فاستحيى الله منه واما الآخر فاعرض فاعرض الله عنه". شعر : بذكرش هرجه بينى درخروشست دلى داند درين معنى كه كوشست نه بلبل بركلش تسبيح خوانيست كه هر خارى بتوحيدش زبانيست

الطوسي

تفسير : لما أخبر الله تعالى في الآية الاولى ان قوماً من المنافقين يثبطون المؤمنين عن جهاد العدو والقتال في سبيل الله، حث في هذه الآية على الجهاد، بأن قال: لا تلتفتوا إلى تثبيط المنافقين، وقاتلوا في سبيل الله بائعين للدنيا بالآخرة، إذ لكم بذلك أعظم الأجر وأكبر الحظ. وقال الزجاج: فليكن من الذين يقاتلون في سبيل الله أو عمن كان بينه وبينكم عقد مودة. ومعنى {يشرون الحياة الدنيا بالآخرة} يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة. وبيعهم إياها بالآخرة هو استبدالهم إياها بالآخرة ببذلهم أنفسهم، وأموالهم في سبيل الله، وبتوطين أنفسهم على الجهاد في طاعة الله. يقال: شريت بمعنى بعت. واشتريت: ابتعت. ويشرون: يبيعون - في قول الحسن، والسدي، وابن زيد، وجميع أهل اللغة -. قال يزيد بن مفرغ: شعر : وشريت بردا ليتني من بعد برد كنت هامة تفسير : وبرد اسم غلامه. وشريته بمعنى بعته. وفي الآية حذف. والتقدير يشرون الحياة الدنيا بالحياة الآخرة. كأنه قال: يبيعون الحياة الفانية بالحياة الباقية. ويجوز يبيعون الحياة الدنيا بنعيم الآخرة، ثم قال: {ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب}. فالوعد على القتال، لا على القتل، والغلبة. وقوله: {فيقتل} عطف على يقاتل. ولذلك جزمه والجواب قوله: {فسوف نؤتيه} وإنما قال: أو يغلب، لأن الوعد على القتال حتى ينتهي إلى تلك الحال، لأنه أعظم الجهاد. وعليه أعظم الأجر. والاجر العظيم هو أعلى أثمان العمل. وذلك أن ثمن العمل على ثلاثة أوجه. ثمن أعلى، وثمن أدنى، وثمن أوسط بينهما فالله تعالى يثامن عليه بالثمن الاعظم الاعلى، فلذلك حسن وصف الاجر بالعظم من غير تقييد له، إذ كان لا ثمن أعظم مما يثامن الله عليه في ذلك العمل.

الجنابذي

تفسير : {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} المؤمنون {ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ} اى يبيعون {ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ} اى الّذين باعوا على يد محمّد (ص) او علىّ (ع) انفسهم واموالهم بأنّ لهم الجنّة فصار حالهم ان يعطوا تدريجاً من المبيع ويأخذوا على حسبه من الثّمن {وَمَن يُقَاتِلْ} عطف على محذوف جواب لسؤال مقدّرٍ تقديره: من لم يقاتل فهو ملحق بالمبطّئين او حال عن الّذين يشرون {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} اى حال كونه فى سبيل الله او فى حفظ سبيل الله {فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} يعنى كلاهما له فلا ينبغى ان يطلب بجهاده الغلبة بل اعزاز نفسه بامتثال الامر واعزاز الدّين ببذل نفسه او غلبته، روى عن النّبىّ (ص) انّه قال: "حديث : للشّهيد سبع خصال من الله، اوّل قطرة مغفور له كلّ ذنبٍ، والثّانية يقع رأسه فى حجر زوجيه من الحور العين وتمسحان الغبار عن وجهه، الى ان قال: والثّالثة يكسى من كسوة الجنّة، والرّابعة يبتدر خزنة الجنّة بكلّ ريح طيّبة ايّهم يأخذه منه، والخامسة ان يرى منزله، والسّادسة يقال لروحه: اسرع فى الجنّة حيث شئت، والسّابعة ان ينظر فى وجه الله وانّها الرّاحة لكلّ نبىّ وشهيدٍ ".

اطفيش

تفسير : {فَليُقَاتِل فِى سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشرُونَ الحَيَاةَ الدُّنيَا بِالآخِرَةِ}: الذين فاعل يقاتل، وهو واقع على المنافقين، ويبشرون بمنى يشترون على ظاهره، أى يتركون الآخرة ويخذون الدنيا بدلا منها، وذلك أمر من الله للمنافقين أن يتركوا نفاقهم، ويقاتلوا فى سبيل الله مخلصين قتالهم، وذكرهم بلظ الذين يشرون الخ عيبا عليهم بشرائهم الدنيا بالآخرة وزجرا لهم فكأنه قال لهم: اتركوا هذا الشراء الذى هو نفاقهم، وقاتلوا فى سبيل الله مخلصين، هذا ما ظهر لى. ثم رأيت القاضى والحمد لله قال: والمعنى حثهم على ترك ما حكى عنهم، ويجوز أن يقع الذين على المؤمنين، فيكون يشرون بمعنى يبيعون، أى يتركون الدنيا ويأخذون الآخرة عوضا، والفاء للتفريع، فان تبطىء هؤلاء عن القتال يؤدى الى ترك القتال، فقاتلوا أيها المؤمنون ودعوهم، أو لمعنى ذلكم التبطىء مهلك لكم أيها المنافقون فاتركوه، وقاتلوا، أو للربط أى ترك هؤلاء القتال وبطئوا عنه فقاتلوا أنتم أيها المؤمنون. {وَمَن يُقَاتِل فِى سَبِيلِ اللهِ فَيُقتَل}: يقتله المشركون، ومثلهم المنافقون شهيدا. {أَو يَغلِب}: عدوه المشركين ومثلهم المنافقون. {فَسَوفَ نُؤتِيهِ أَجْرًا عَظِيماً}: هو الجنة كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ضمن الله لمن خرج فى سبيله لا يخرجه الا جهاد فى سبيله وايمان به وتصديق برسله أن يدخله الجنة أو أرجعه الى منزله الذى خرج منه نائلا ما نال من أجر وغنيمة " تفسير : ولم يذكر الله فى الآية من قاتل فلم يكن مقتولا ولا غالبا، بل ذكر من كان مقتولا أو غالبا اشارة الى أن المراد بالذات الثبات فى القتال، لاعزاز دين الله حتى يكون مقتولا فى سبيل الله، فينال أجزية الاعزاز وأجر الشهادة، أو حتى يكون غالبا قد عز به الدين، ولو كان أيضا الأجر لمن كان مغلوبا ولا نعمه أفضل من ذلك الأجر العظيم، ففى الآية رد على من قال: قد أنعم الله على اذ لم أكن معهم شهيدا. وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : أن فى الجنة لمائة درجة بين كل درجتين كما بين السماء والأرض أعدها الله للمجاهدين فى سبيل الله ".

اطفيش

تفسير : {فَلْيُقاتِلْ فِى سَبِيلِ اللهِ} لإعلاء دينه {الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيا} أخر المبطىء أو أخر غيره، فليقاتل المخلصون الذين يبيعون الحياة الدنيا {بِالأَخِرَةِ} أو قد تأخروا، أو أخروا غيرهم، فليتركوا ذلك ويقاتلوا، ويتركوا شراء الحياة الدنيا بالآخرة ويلتحقون بالمخلصين {وَمَن يُقَاتِلْ فِى سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ} شهيدا، مجزوم العطف والفتح نقل {أَوْ يَغلِبْ} عدوه فى الله عز وجل، فالواجب على المجاهد أن يقصد بجهاده إعلاء الدين، ويثبت حتى يقتله العدو شهيداً، أو يغلب عدوه، ولا يكون غرضه الغنيمة، ولا أن يكون مقتولا، وقى القتال إعزاز الدين، قتل أو غلب، وفى موته إعزاز نفسه بالشهادة {فَسَوفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} ترغيب فى الجهاد إذ كان فيه الأجر العظيم، سواء أكان مقتولا أو غالبا وتكذيب لقولهم قد أنعم الله علىَّ إذ لم أكن معهم شهيداً، وزاد تحريضا بقوله: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقاتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ} وفيه توبيخ لمن قصر {وَالْمُسْتَضْعَفِينَ} وفى تخليص المستضعفين، كقوله: علفتها تبناً وماء، أى وسقيتها ماء، فالعطف على سبيل، ولا مانع من ترك التقدير، لأن القتال سبيل الله، وسبيل للمستضعفين، لأن ما هو دين اله دين لهم، وشأن لهم، أو سبيلهم تخليصهم من أهل الشرك، فالعطف على لفظ الجلالة، والاستفعال فى المستضغفين للعد، أى المعدودين ضعفاء، أو للوجود، أى موجودين ضعفاء، أو للتعدية، أى صيرهم المشركين ضعفاء، وعلى كل حال لا يقدرون على الهجرة {مِنَ الرِّجَالِ وَالنِسَّآءِ وَالْوَالِدَانِ} النساء كلهن ضعاف إلا ما شذ، والولدان كلهم ضعاف، والرجال بعضهم ضعاف، فتجعل من البيان على تقدير مضاف، هو لفظ بعض، أى وهم بعض الرجال، وكل النساء والوالدان، ولك أن تقدر بعضاً مراعاة للعهد الذهنى، إذ عهدوا أن فى مكة رجالا ضعفاء ونساء وولدانا حبسهم المشركون عن الهجرة وآذوهم، وضعفوا عن الهجرة لمرض أو ذل، أو كبر سن أو خوف، أو جهل طريق، أو نحو ذلك، قال ابن عباس رضى الله عنهما: كنت أنا وأمى من المستضعفين، أمه من النساء وهو من الولدان، وهو جمع ولد، ويجوز أن يراد بالولدان الإماء والعبيد أطفالا أو بلغا، يقال للعبد والأمة وليد ووليدة، وغلب العبد فيراد بالرجال والنساء الأحرار، والحرائر الشاملون للبلغ والصبيان، والمتبادر أن الولدان الصبيان، وفى الآية ذم للمشركين إذ كانوا يضربون النساء والضعفاء والصبيان مع ضعفهم وعجزهم عن القتال، ومع أن الصبيان لا ذنب لهم، وقد كانوا فى الجاهلية يستقسون بهم وستدفعون البلاء بهم، وجاءت السنة بالاستسقاء بهم {الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا} ارزقنا خروجاً بوجه ما {مِنْ هَذَِهِ القَرْيَةِ} مكة {الظَّالِمَ أَهْلُهَا} أنفسهم بالشرك وغيرهم، بظلمة فى بدنه وماله وحبسه عن الخروج ودعائه إلى الشرك {وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيَّا} يتولى أمرنا لمجير {وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً} يمنعنا من السوء، فاستجاب الله عز وجل دعاءهم فيسر الله جل وعلا خير ولى وخير نصير، وهو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أو هو عتاب ابن أسيد بفتح فكسر، فتح مكة، وولاه عليهم، أو الناصر الذى أعطاهم الله رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنهم انتصروا بفتحه، والولى عتاب، وعلى كل حال تولاهم عتاب، وهو ابن ثماني عشرة سنة ونصرهم، فكانوا أعزاء أهلها، ويسر الله سبحانه الخروج لبعض قبل الفتح، وقيل نصيراً بمعنى حجة ثابتة.

الالوسي

تفسير : {فَلْيُقَٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلأَخِرَةِ} الموصول فاعل الفعل وقدم المفعول الغير الصريح عليه للاهتمام به، و {يَشْرُونَ} مضارع شرى، ويكون بمعنى باع واشترى من الأضداد، فإن كان بمعنى ـ يشترون ـ فالمراد من الموصول المنافقون أمروا بترك النفاق والمجاهدة مع المؤمنين، والفاء للتعقيب أي ينبغي بعد ما صدر منهم من التثبيط والنفاق تركه وتدارك ما فات من الجهاد بعد، وإن كان بمعنى ـ يبيعون ـ فالمراد منه المؤمنون الذين تركوا الدنيا واختاروا الآخرة أمروا بالثبات على القتال وعدم الالتفات إلى تثبيط المبطئين، والفاء جواب شرط مقدر أي إن صدهم المنافقون فليقاتلوا ولا يبالوا. {وَمَن يُقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ} ولا بدّ، وفي الالتفات مزيد التفات {أَجْراً عَظِيماً} لا يكاد يعلم كمية وكيفية؛ وفي تعقيب القتال بما ذكر تنبيه على أن المجاهد ينبغي أن يكون همه أحد الأمرين إما إكرام نفسه بالقتل والشهادة، أو إعزاز الدين وإعلاء كلمة الله تعالى بالنصر ولا يحدث نفسه بالهرب بوجه، ولذا لم يقل: فيغلب، {أَو يَغْلِبْ} وتقديم القتل للإيذان بتقدمه في استتباع الأجر، وفي الآية تكذيب للمبطىء بقوله: {أية : قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ} تفسير : [النساء: 72] الخ.

ابن عاشور

تفسير : الفاء: إمّا للتفريع، تفريعِ الأمر على الآخرَ، أي فُرّع {فليقاتل} على {أية : خُذوا حذركم فانفروا}تفسير : [النساء: 71]، أو هي فاء فصيحة، أفصحت عمّا دلّ عليه ما تقدّم من قوله: {خذوا حذركم} وقوله: {أية : وإنَّ منكم لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ} تفسير : [النساء: 72] لأنّ جميع ذلك اقتضى الأمر بأخذ الحِذر، وهو مهيّء لطلب القتال والأمرِ بالنفير والإعلامِ بمن حالهم حال المتردّد المتقاعس، أي فإذا علمتم جميع ذلك، فالذين يقاتلون في سبيل الله هم الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة لا كلّ أحد. {ويشرون} معناه يبيعون، لأنّ شرى مقابل اشترى، مثل باع وابتاع وأكرى واكترى، وقد تقدّم تفصيله عند قوله تعالى: {أية : أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} تفسير : في سورة [البقرة: 16]. فالذين يشرون الحياة الدنيا هم الذين يبذلونها ويرغبون في حظّ الآخرة. وإسنادُ القتال المأمور به إلى أصحاب هذه الصلة وهي: {يشرون الحياة الدنيا بالآخرة} للتنويه بفضل المقاتلين في سبيل الله، لأنّ في الصلة إيماء إلى علّة الخبر، أي يبعثهم على القتال في سبيل الله بَذْلُهم حياتهم الدنيا لِطلب الحياة الأبدية، وفضيحة أمر المبطّئين حتى يرتدعوا عن التخلّف، وحتّى يُكشف المنافقون عن دخيلتهم، فكان معنى الكلام: فليقاتل في سبيل الله المؤمنون حقّاً فإنّهم يشرون الحياة الدنيا بالآخرة، ولا يفهم أحد من قوله: {فليقاتل في سبيل الذين يشرون} أنّ الأمر بالقتال مختصّ بفريق دون آخر، لأنّ بذل الحياة في الحصول على ثواب الآخرة شيء غير ظاهر حتّى يعلّق التكليف به، وإنّما هو ضمائر بين العباد وربّهم، فتعيّن أنّ إسناد الأمر إلى أصحاب هذه الصلة مقصود منه الثناء على المجاهدين، وتحقير المبطَّئين، كما يقول القائل «ليس بعُشِّكِ فادرُجي». فهذا تفسير الآية بوجه لا يعتريه إشكال. ودخل في قوله: {أو يغلب} أصناف الغلبة على العدوّ بقتلِهم أو أسرهم أو غنم أموالهم. وإنّما اقتصر على القتل والغلبة في قوله: {فيُقتل أو يَغْلِب} ولم يزد أو يؤسر إباية من أن يذكر لهم حالة ذميمة لا يرضاها الله للمؤمنين، وهي حالة الأسر؛ فسكت عنها لئلاّ يذكرها في معرض الترغيب وإن كان للمسلم عليها أجر عظيم أيضاً إذا بذل جهده في الحرب فعلب إذ الحرب لا تخلو من ذلك، وليس بمأمورٍ أن يلقي بيده إلى التهلكة إذا علم أنّه لا يجدي عنه الاستبسال، فإنّ من منافع الإسلام استبقاءَ رجاله لدفاع العدوّ. والخطاب في قوله: {ومالكم لا تقاتلون} التفات من طريق الغيبة، وهو طريق الموصول في قوله: {الذين يَشرون الحياة الدنيا بالآخرة} إلى طريق المخاطبة. ومعنى {ما لكم لا تقاتلون} ما يمنعكم من القتال، وأصل التركيب: أي شيء حقّ لكم في حال كونكم لا تقاتلون، فجملة {لا تقاتلون} حال من الضمير المجرور للدلالة على ما منه الاستفهام. والاستفهام إنكاري، أي لا شيء لكم في حال لا تقاتلون، والمراد أنّ الذي هو لكم هو أن تقاتلوا، فهو بمنزلة أمرٍ، أي قاتلوا في سبيل الله لا يصدّكم شيء عن القتال، وقد تقدّم قريب منه عند قوله تعالى: {أية : قالوا وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله}تفسير : في سورة [البقرة:246]. ومعنى {في سبيل الله} لأجل دينه ولمرضاته، فحرف (في) للتعليل، ولأجل المستضعفين، أي لنفعهم ودفع المشركين عنهم. و(المستضعفون) الذين يعدّهم الناس ضعفاء، فالسين والتاء للحسبان، وأراد بهم من بقي من المؤمنين بمكة من الرجال الذين منعهم المشركون من الهجرة بمقتضى الصلح الذي انعقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين سفير قريش سهيل بن عمرو؛ إذّ كان من الشروط التي انعقد عليها الصلح: أنّ من جاء إلى مكة من المسلمين مرتداً عن الإسلام لا يردّ إلى المسلمين، ومن جاء إلى المدينة فارّاً من مكة مؤمناً يردّ إلى مكة. ومن المستضعفين الوليد بن الوليد. وسلمة بن هشام. وعيّاش بن أبي ربيعة. وأمّا النساء فهنّ ذوات الأزواج أو ولايى الأولياء المشركين اللائي يمنعهنّ أزواجهنّ وأولياؤهنّ من الهجرة: مثل أمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي مُعَيط، وأمّ الفضل لبابَة بنت الحارث زوج العباس، فقد كنّ يؤذَيْن ويحقَّرْن. وأمّا الوِلدَانُ فهم الصغار من أولاد المؤمنين والمؤمنات، فإنّهم كانوا يألَمون من مشاهدة تعذيب آبائهم وذويهم وإيذاء أمّهاتهم وحاضناتهم، وعن ابن عباس أنّه قال: كنتُ أنا وأميّ من المستضعفين. والقتال في سبيل هؤلاء ظاهر، لإنقاذهم من فتنة المشركين، وإنقاذ الولدان من أن يشبّوا على أحوال الكفر أو جهل الإيمان. والقرية هي مكّة. وسألوا الخروج منها لِما كدّر قدسها من ظلم أهلها، أي ظلم الشرك وظلم المؤمنين، فكراهية المقام بها من جهة أنّها صارت يومئذٍ دار شرك ومناواة لدين الإسلام وأهلِه، ومن أجل ذلك أحلّها الله لرسوله أن يقاتل أهلها، وقد قال عباس بن مرداس يفتخر باقتحام خيل قومه في زمرة المسلمين يوم فتح مكة: شعر : شَهِدْنَ مع النبي مُسَوّمَاتٍ حُنَيْناً وهي دَامية الحَوامي وَوقْعَةَ خَالدٍ شَهِدَتْ وحَكَّتْ سَنَابِكَها على البَلَدِ الحرام تفسير : وقد سألوا من الله وليّاً ونصيراً، إذْ لم يكن لهم يومئذٍ وليّ ولا نصير فنصرهم الله بنبيئه والمؤمنين يوم الفتح. وأشارت الآية إلى أنّ الله استجاب دعوتهم وهيّأ لهم النصر بيد المؤمنين فقال: {الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت}، أي فجنّد الله لهم عاقبة النصر، ولذلك فرّع عليه الأمر بقوله: {فقاتلوا أولياء الشيطان إنّ كيد الشيطان كان ضعيفاً}. والطاغوت: الأصنام. وتقدّم تفسيره في قوله تعالى: {أية : ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبتِ والطاغوت} تفسير : في هذه السورة [النساء: 5]، وقوله: {أية : يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت}تفسير : [النساء: 60]. والمراد بكيد الشيطان تدبيره. وهو ما يظهر على أنصاره من الكيد للمسلمين والتدبير لتأليب الناس عليهم، وأكّد الجملة بمؤكّدين (إنّ) (وكان) الزائدة الدالة على تقرّر وصف الضعف لكيد الشيطان.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ} الآية. ذكر في هذه الآية الكريمة، أنه سوف يؤتى المجاهد في سبيله أجراً عظيماً سواء أقتل في سبيل الله، أم غلب عدوه، وظفر به. وبين في موضع آخر: أن كلتا الحالتين حسنى، وهو قوله: {أية : قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ} تفسير : [التوبة: 52] والحسنى صيغة تفضيل. لأنها تأنيث الأحسن.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: سبيل الله: الطريق الموصلة إلى إعلاء كلمة الله تعالى بأن يعبد وحده، ولا يضطهد مسلم في دينه، ولا من أجل دينه. يشرون: يبيعون، إذ يطلق الشراء على البيع أيضا. المستضعفين: المستضعف الذي قام به عجز فاستضعفه غيره فآذاه لضعفه. القرية: القرية في عرف القرآن المدينة الكبيرة والجامعة والمرد بها هنا مكة المكرمة. في سبيل الطاغوت: أي في نصرة الشرك ومساندة الظلم والعدوان، ونشر الفساد. معنى الآيتين: بعد ما أمر الله تعالى عباده المؤمنين بأخذ حذرهم وهو الأهبة للقتال أمرهم أن يقاتلوا فقال: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ} أي يبيعون الدنيا ليفوزوا بالآخرة وهم المؤمنون حقاً فيقدمون أموالهم وأرواحهم طلبا للفوز بالدار الآخرة تقاتلون من لا يؤمن بالله ولا بلقائه بعد أن يدعوه إلى الإِيمان بربه والتوبة إليه، ثم أخبرهم أن من يقاتل استجابة لأمره تعالى فيُقتل أي يستشهد أو يغلب العدو وينتصر على كلا الحالين فسوف يؤتيه الله تعالى أجراً عظيماً وهو النجاة من النار ودخول الجنة. هذا ما دلت عليه الآية الأولى [74]. أما الآية الثانية [75] فإن الله تعالى بعدما أمر عباده بالجهاد استحثهم على المبادرة وخوض المعركة بقوله: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} ليعبد وحده ويعز أولياؤه {وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ} الذين يضطهدون من قبل المشركين ويعذبون من أجل دينهم حتى صرخوا وجأروا بالدعاء إلى ربهم قائلين: {رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً} يلي أمرنا ويكفينا ما أهمنا، {وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً} ينصرنا على أعدائنا أي شيء يمنعكم أيها المؤمنون من قتال في سبيل الله، ليُعبد وحده، وليتخلص المستضعفون من فتنة المشركين لهم من أجل دينهم؟. ثم في الآية الثالثة [76] أخبر تعالى عبده المؤمنين حاضا لهم على جهاد أعدائه وأعدائهم بقوله: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} لأنهم يؤمنون به وبوعده ووعيده {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱلطَّٰغُوتِ} وهو الكفر والظلم لأنهم لا يؤمنون بالله تعالى ولا بما عنده من نعيم، ولا بما لديه من عذاب ونكال {فَقَٰتِلُوۤاْ أَوْلِيَاءَ ٱلشَّيْطَٰنِ} وهم الكفار، ولا ترهبوهم {إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَٰنِ كَانَ} وما زال {ضَعِيفاً}، فلا يثبت هو وأولياؤه من الكفرة، أمام جيش الإِيمان أولياء الرحمن. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- فرضية القتال في سبيل الله ولأجل إنقاذ المستضعفين من المؤمنين نصرة للحق وإبطالاً للباطل. 2- المقاتل في سبيل الله باع دنياه واعتاض عنها الآخرة، ولنعم البيع. 3- المجاهد يؤوب بأعظم صفقة سواء قتل، أو انتصر وغلب وهي الجنة. 4- لا يمنع المؤمنين من الجهاد خوف أعدائهم، لأن قوتهم من قوة الشيطان وكيد الشيطان ضعيف.

القطان

تفسير : يشرون: يبيعون. فليقاتل في سبيل الله من أراد أن يبيع الحياةَ الدنيا ويجعل الآخرة ثمناً لها وعوضا عنها، لإعلاء كلمة الله، ونصر دينه. ان من يقاتل في سبيل الله لن يعدم إحدى الحسنَيين: أن يُقتل فيكون شهيداً، وتلك منزلة عظمى عند الله، أو ينتصر فينال فضلَ الفوز في الدنيا، وأجره عند الله عظيم في كلتا الحالتين. أيُّ عذرٍ لكم في ألا تقاتلوا في سبيل الله لتقيموا التوحيد مكان الشِرك، والعدل مكان الشر والظلم! وكيف لا تقاتلون في سبيل المستضعَفين، إخوانكم في الدين، الذين استذلّهم أهل مكة المشركون وآذوهم فباتوا يستغيثون ويستنصرون ضارعين الى الله: ربنا أَخرِجنا من هذه البلدة ومن ولاية هؤلاء الظالمين، وفرّج علينا رحمتك وألحِقنا بأَهلنا وإخواننا في الدين، واجعل لنا من عندك نصيرا.

د. أسعد حومد

تفسير : {فَلْيُقَاتِلْ} {ٱلْحَيَاةَ} {بِٱلآخِرَةِ} {يُقَاتِلْ} (74) - فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ مَنْ أرَادَ أَنْ يَبِيعَ الحَيَاةَ الدُّنْيا، وَيَبْذُلَهَا، وَيَجْعَلَهَا ثَمَناً لِلآخِرَةِ، لأنَّهُ يَكُونُ قَدْ أعَزَّ دِينَ اللهِ، وَجَعَلَ كَلِمَةَ اللهِ هِيَ العُلْيا. وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَظْفَرْ بِهِ عَدُوُّهُ وَيَقْتُلْهُ، أَوْ يَظْفَرْ هُوَ بِعَدُوِّهِ، فَإنَّ اللهَ سَيُؤْتِيهِ أجْراً عَظِيماً مِنْ عِنْدِهِ. (وَفِي هَذِهِ الآيَةِ إشَارَةٌ إلى أنَّ هَمَّ المُقَاتِلِ المُسْلِمِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ الظَّفَرَ أوِ الشَّهَادَةَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَعَلَيْهِ أنْ لاَ يُفَكِّرَ فِي الهَرَبِ وَالنَّجَاةِ بِالنَّفْسِ، فَالهَرَبُ لاَ يُنَجِّي مِنْ قَدَرِ اللهِ، وَفِيهِ غَضَبُ اللهِ وَسَخَطُهُ).

الثعلبي

تفسير : {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ} أي انهم يختارون الحياة الدنيا على الآخرة ومعنى يشرون يشترون، يقال شريت الشيء أي اشتريت، وحينئذ يكون حكم الآية: آمنوا ثم قاتلوا، لأنه لايجوز ان يكون الكافر مأموراً بشيء مقدم على الإيمان. وقال بعضهم: نزلت هذه الآية في المؤمنين المخلفين ومعناه (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يبتغون الحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ). ثم قال: {وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ} أو من يستشهد أو يعذب أو يظفر {أَجْراً عَظِيماً} في كلا الوجهين {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ} يعني الجنة ثم حضَّ المؤمنين على السعي في تخليص المستضعفين مثل {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ} أي تجاهدون {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} يعني في طاعة الله {وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ} في موضع الخفض. قال الكلبي: عن أبي صالح عن ابن عباس ومعناه عن المستضعفين وكانوا بمكة يلقون من المشركين أذى كثيراً وكانوا يدعون ويقولون: ربنا أخرجنا من هذه القرية يعني مكة الظالم أهلها أي التي من صفتها إن أهلها ظالمون مشركون وإنّما خفض الظالم لأنه نعت الأهل فلما عاد الأهل إلى القرية كان فعل ما أضيف إليها بمنزلة فعلها كقوله: مررت بالرجل الواسعة داره، ومررت برجل حسنة عينه. {وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً} يمنعنا من المشركين فأجاب الله دعاءهم. فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة جعل الله لهم النبي ولياً فاستعمل عليها عتّاب بن أُسيد. فجعله الله لهم نصيراً وكان ينصف للضعيف من الشديد فنصرهم الله به وأعانهم وكانوا أعز بها من الظلمة قبل ذلك. وفي هذه الأُية دليل على إبطال قول من زعم أنّ العبد لايستفيد بالدعاء معنى لأن الله تعالى حكى عنهم إنّهم دعوه وأجابهم وآتاهم ماسألوه ولولا أنّه أجابهم إلى دعائهم لما كان لذكر دعائهم معنى، والله اعلم. {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي طاعته {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱلطَّاغُوتِ} أي في طاعة الشيطان {فَقَاتِلُوۤاْ} أيها المؤمنين {أَوْلِيَاءَ ٱلشَّيْطَانِ} أي حزبه وجنده {إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَانِ} ومكره وصنيعه ومكر من اتّبعه {كَانَ ضَعِيفاً} كما خذلهم يوم بدر. {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوۤاْ أَيْدِيَكُمْ}. قال الكلبي: حديث : نزلت في عبد الرحمن بن عوف الزهري والمقداد بن الأسود الكندي وقدامة بن مظعون الجهني وسعد بن أبي وقاص الزهري وكانوا يلقون من المشركين أذى كثيراً وهم بمكة قبل أن يهاجروا إلى المدينة فيشكون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون يا رسول الله أئذن لنا في قتال هؤلاء فإنّهم آذونا فيقول لهم: "كفّوا أيديكم (عنهم) فإني لم أُومَر بقتالهم ". تفسير : فلما هاجروا إلى المدينة وأمرهم الله بقتال المشركين وأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم المسير إلى بدر فلما عرفوا إنه القتال كرهه بعضهم وشق عليهم فأنزل الله تعالى {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوۤاْ أَيْدِيَكُمْ} بمكة عن القتال {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ} بالمدينة أي فرض {إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ} يعني مشركي مكة {كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ} أي أكبر {خَشْيَةً}. وقيل: وأشد خشية كقوله آية {وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ} لَمِ فرضت علينا القتال {لَوْلاۤ أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ} يعني الموت ألا تركتنا إلى أن نموت بآجالنا. واختلفوا في قوله تعالى {إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ} فقال قوم: نزلت في المنافقين لأن قوله {لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ} أي لِمَ فرضت، لايليق بالمؤمنين، وكذلك الخشية من غير الله. وقال بعضهم: بل نزلت في قوم من المؤمنين لم يكونوا راسخين في العلم، وأهل الإيمان يتفاضلون في الإيمان منهم الكامل الذي لايخرجه إيمانه من غلبة الطبع عليه. ومنهم من ينقص عن تلك الحالة فينفّر نفسه عمّا يؤمر به فيما يلحقه فيه الشدة. وقيل: نزلت في قوم كانوا مؤمنين فلما فرض عليهم الجهاد نافقوا عن الجهاد من الجبن، وتخلفوا عن الجهاد. ويدلّ عليه إن الله لايتعبد الكافر والمنافق بالشرائع بل يتعبدهم أولاً بالإيمان ثم بالشرائع فلما نافقوا نبّه الله على أحوالهم. وقد قال الله مخبراً عن المنافقين {أية : بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا} تفسير : [المنافقون: 3]. {قُلْ} يا محمّد لهم {مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا} أي منفعتها والاستمتاع بها {قَلِيلٌ وَٱلآخِرَةُ} يعني وثواب الآخرة {خَيْرٌ} أفضل {لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ} الشرك بالله ونبوة الرسول {وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً}. قال ابن عباس وعلي بن الحكم: الفتيل الشق الذي في بطن النواة. {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ} أي ينزل بكم {ٱلْمَوْتُ} نزلت في قول المنافقين لما أُصيب أهل أحد، {أية : لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ} تفسير : [آل عمران: 156] فردَّ الله عليهم بقوله: { أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ}. قتادة: في قصور محصنة، عكرمة: مجصّصة مشيّدة مُزيّنة، القتيبي: مطولة. الضحاك عن ابن عباس البروج: الحصون والآطام والقلاع. وفي هذه الآية ردّ على أهل القدر، وذلك أنّ الله حكى عن الكفار أنهم قالوا: {أية : لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ} تفسير : [آل عمران: 156] وقال: {قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً} ردَّ على الفريقين بقوله: {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ} فعرّفهم بذلك أن الآجال متى انقضت فلابد من زوال الروح، ومفارقتها الأجسام. فإن كان ذلك بالقتل، وإلاّ فبالموت. خلافاً لما قالت المعتزلة من أن هذا المقتول لو لم يقتله هذا القاتل لعاش، فوافق قولهم هذا الكفار، فردَّ الله عليهم جميعاً {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ} الآية. نزلت في المنافقين واليهود، وذلك أنهم قالوا لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة: ما زلنا نعرف النقص في ثمارنا، ومزارعنا، منذ قدم علينا هذا الرجل وأصحابه، فأنزل الله تعالى {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ} يعني اليهود والمنافقين، أي خصب [وريف] ورخص في السعر {يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} يعني الجدب وغلاء السعر وقحط المطر {يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ} أي من قوم محمد واصحابه. وقال بعضهم: معناه إن تصبهم حسنة يعني الظفر والغنيمة، يقولوا هذه من عند الله فإن تصبهم سيئة يعني بالقتل والهزيمة، يقولوا هذه من جندك، نزلت الذي حملتنا عليه يا محمد {كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} أي الحسنة والسيئة كلها من عند الله. ثم عيّرهم بالجهل. فقال: {فَمَالِ هَـٰؤُلاۤءِ ٱلْقَوْمِ} يعني المنافقين واليهود {لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً} أي ليسوا يفقهون قولاً إلاّ التكذيب بالنعمة. قال الفراء: قوله فما لهؤلاء القوم كذبوا في الكلام، حتى توهّموا إن اللام متصلة بها، وإنهما حرف واحد، ففصلوا اللام في هؤلاء في بعض المصاحف، ووصلوها في بعضها والاتصال بالقراءة، ولا يجوز الوقوف على اللام لأنّها لام خافضة.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ومادة: "شرى" ومادة "اشترى" كلها تدل على التبادل والتقايض، فأنت تقول: أنا اشتريت هذا الثوب بدرهم؛ أي أنك أخذت الثوب ودفعت الدرهم، وشرى تأتي أيضا بمعنى باع مثل قول الحق: {أية : وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّاهِدِينَ} تفسير : [يوسف: 20]. فالجماعة الذين وجدوا سيدنا يوسف عليه السلام في الجب كانوا فيه من الزاهدين. وبعد ذلك باعوه بثمن بخس، إذن فـ "شرى" من الأفعال التي تأتي بمعنى البيع وبمعنى الشراء؛ لأن المبيع والمشتري يتماثلان في القيمة، وكان الناس قديماً يعتمدون على المقايضة في السلع، فلم يكن هناك نقد متداول، كان هناك من يعطي بعض الحب ويأخذ بعض التمر، فواحد يشتري التمر وآخر يشتري الحب، والذي جعل المسألة تأخذ صورة شراء وبيع هو وجود سلع تباع بالمال. وما الفرق بين السلع والمال؟. السلعة هي رزق مباشر والمال رزق غير مباشر. فأنت مثلاً تأكل رغيف الخبز وثمنه خمسة قروش، لكن لو عندك جبل من ذهب وتحتاج رغيفا ولا تجده؛ أينفعك جبل الذهب؟ لا. إذن فالرغيف رزق مباشر؛ لأنك ستأكله، أما الذهب فهو رزق غير مباشر؛ لأنك تشتري به ما تنتفع به. وبذلك نستطيع أن نحدد المسألة؛ فالسلعة المستفاد منها مباشرة هي رزق مباشر، ندفع ثمنها مما لا ننتفع به مباشرة، والحق سبحانه وتعالى يريد أن يعقد مع المؤمن به صفقة فيها بيع وشراء. وأنتم تعلمون أن البائع يعطي سلعة ويأخذ ثمنا، والشارى يعطي ثمنا ويأخذ سلعة، والحق يقول هنا: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ} [النساء: 74]. فالمؤمن هنا يعطي الدنيا ليأخذ الآخرة التي تتمثل في الجنة والجزاء، ومنزلة الشهداء؛ ولذلك يقول الحق في آية أخرى: {أية : فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ} تفسير : [التوبة: 111]. تلك هي الصفقة التي يعقدها الحق مع المؤمنين، وهو سبحانه يريد أن يعطينا ما نتعرف به على الصفقات المربحة، فكل منا في حياته يحب أن يعقد صفقة مربحة بأن يعطي شيئاً ويأخذ شيئاً أكبر منه، ولذلك يقول في آية أخرى: {أية : يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ} تفسير : [فاطر: 29]. هنا أيضاً تجارة، وأنت حين تريد أن تعقد صفقة عليك أن تقارن الشيء الذي تعطيه بالشيء الذي تأخذه ثم افرق بينهما، ما الذي يجب أن يضحي به في سبيل الآخر؟. والحق قد وصف الحياة بأنها "الدنيا" ولا يوجد وصف أدنى من هذا، فأوضح المسألة: إنك ستعطي الدنيا وتأخذه الآخرة، فإذا كان الذي تأخذه فوق الذي تعطيه فالصفقة - إذن - رابحة، فالدنيا مهما طالت فإلى نهاية، ولا تقل كم عمر الدنيا، لأنه لا يعنيك أن يكون عمر الدنيا ألف قرن، وإنما عمر الدنيا بالنسبة لكل فرد: هو مقدار حياته فيها، وإلا فإن دامت لغيري فما نفعي أنا؟. إذن فقيمة الدنيا هي: مقدار عمرك فيها، ومقدار عمرك فيها مظنون، وعلى الرغم من ارتفاع متوسطات الأعمار في القرن العشرين، لكن ذلك لا يمنع الموت من أن يأخذ طفلاً، أو فتى، أو رجلاً، أو شيخاً. إن عمر الدنيا بالنسبة لكل إنسان هو: مقدار حياته فيها، فلا تقارنها بوجودها مع الآخرين، إنما قارنها بوجودها معك أنت، وهب أنه متيقن ولكنه محدود بسبعين عاماً على سبيل المثال، ستجد أن تنعمك خلالها مهما كبر وعظم فهو محدود. والإنسان منا يظل يُربَّى إلى أن يبلغ الحُلُم. فإذا ما بلغ الحُلُم وأصبحت له حياة ذاتية، أي أن إرادته لم تعد تابعة للأب أو للأم، بينما في طفولته كان كل اعتماده على أسرته، أبوه يأتي له بالملبس فيلبسه؛ وبالمطعم فيأكله، ويوجهه فيتوجه، لكن حينما توجد له ذاتية خاصة يقول لأبيه: هذا اللون لا يعجبني! والأكل هذا لا يعجبني!! هذه الكلية لن أذهب إليها. ولا توجد للإنسان ذاتية لا إذا وصل إلى مرحلة من العمر يستطيع أن ينسل مثله، فإذا ما أصبح كذلك نقول له: هذا هو النضج، وهو الذي يجعل لك قيمة ذاتية. إنك إذا زرعت شجيرة بطيخ. فأنت ترعاها سقياً وتنظيماً وتسميداً، وهي مازالت صغيرة وتتعهدها كي لا تخرج مشوهة، حتى تنضج، وساعة تنضج يكون الشغل الشاغل قد انتقل من الشجيرة إلى الثمرة "البطيخة" فيقال صار لها ذاتية؛ لأنك إن شققتها لتأكلها تجد "اللب" قد نضج، وإن زرعته تأتي منه شجيرة أخرى. ولكن إذا ما قطفت الثمرة قبل النضج فأنت قد تجد "اللب" أبيض لم ينضج بعد، فلا تصلح تلك البذور لأن تأتي وتثمر مثلها، وإذا كان "اللب" نصفه أبيض ونصفه أسود، فهي لم تنضج تماما، أما إذا وجدت "لبّها" أسمر اللون داكناً فهو صالح للزراعة والإثمار، وتجد الحلاوة متمشية مع نضج البذرة. فلو كانت الثمار تنضج قبل البذور لتعجل الخلق أكل الثمرة قبل أن تُربى وتنضج البذور ولانْقَطَعَ النوع؛ لذلك لم يجعل ربنا حلاوة الثمرة إلا بعد أن تنضج البذور، وكذلك الإنسان، والحق يقول: {أية : وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُواْ كَمَا ٱسْتَأْذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} تفسير : [النور: 59]. وعندما يكون الإنسان طفلاً فنحن نتركه يلهو ويرتع في البيت ويرى هذه وهذه، لكن إذا كان قادراً على نسل مثله واكتملت رجولته فعليه أن يستأذن، وحين يكون الإنسان بهذا الشكل تصير له ذاتية، ولنفترض أنه سيعيش عدداً من السنين تبلغ حوالي الخمسة والخمسين عاماً بعدما صارت له ذاتية ويستطيع النسل إنّه سيقضي مراهقته في التعلم إلى أن يصبح صالحاً لأن يكسب ويعيش ويتمتع، ثم لنسأل: كم سنة سيتمتع؟ سنجدها عدداً قليلاً من السنوات. إذن فالحياة محدودة، والمتعة فيها على قدر إمكاناته، فقد يسكن في شقة من حجرتين أو في شقة مكونة من ثلاث حجرات، أو في منزل خاص صغيراً أو حتى في قصر، وقد يركب أو يمشي على قدميه، باختصار على قدر إمكاناته، أما في الأخرة فالموقف مختلف تماماً، سيسلم نفسه إلى حياة عمرها غير محدود، فإن قارنت المحدود بغير المحدود ستجد الغلبة للآخرة لأنها متيقنة والنعيم فيها على قدر سعة فضل الله وقدرته، فالأحسن لنا أن نبيع الدنيا ونأخذ الآخرة، فتكون هذه هي الصفقة الرابحة التي لا تبور. ولماذا يدخل الله العبد في عملية البيع هذه؟؛ لأن الحق سبحانه وتعالى قبل أن يعرض عليك الصفقة لتدخل في عملية البيع التي تجهدك إن لم تَقْتُل أو تُقْتَل في سبيل الله لا بد أن يوضح لك كيفية الغاية التي تأخذ بها الفوز في الآخرة، ولن تأخذ هذا الفوز بالكلام فقط، ولكن انظر إلى المنهج الذي ستقاتل من أجله، إنّه تأسيس المجتمع الذي يؤدي كل امريء فيه الأمانة، وهذا الأمر لا يحزن منه إلا من يريد أن يأخذ عرق الناس ويبني جسمه من كدهم وتعبهم، وهات مجتمعاً لا يؤمن بالله وقل: يأيها الناس نريد أن يؤدي كل واحد منكم الأمانة التي عنده، نريد أن نحكم بالعدل، فسيفرح أهل هذا المجتمع. إذن فلكي نحمي المجتمع لا بد أن نؤدي الأمانة وأن نقيم العدالة. ومن قبل ذلك أمرنا أن نعبد إلهاً واحداً فلا نتشتت، ثم أوصانا بالوالدين والأقربين، واليتامى والمساكين. قل لي بالله عليك: لو لم يكن هذا دينا من السماء، وكان تشريعاً من أهل الأرض، أهناك أعدل من هذا؟ إن مثل هذا المنهج الذي يكفل أمان الجميع يستحق أن يدافع الإنسان عن تطبيقه. وقبل أن يفرض علينا القتال أوضح سبحانه: هذا هو المجتمع الذي ستقاتلون من أجله، واعلم أنك ساعة تذهب إلى القتال، أقصى ما فيها أن تُقتل، فستأخذ صفقة الآخرة، وقصرت مسافة غاياتك؛ لأن كل شيء إنما يقاس بزمن الغاية له، فإن قتلت فقد قصرت المدة للوصول إلى الغاية، فتصل إلى الجنة، والحمق هو الذي يصيب الناس عندما يموت عزيز أو حبيب فيغرقون في الحزن. نقول لهم: ألسنا جميعاً سائرين إلى هذه الغاية، فلماذا الغرق في الحزن إذن؟. والحق سبحانه وتعالى يكافئ من يقتل في سبيل الله بحياة في عالم الغيب وفيها رزق أيضاً. وبعض من الناس يظنون أنهم إن فتحوا قبر الشهيد فسيجدونه حياً يُرزق. ونقول لهم: إن الحق لم يقل: إن الشهداء أحياء عندكم، بل أحياء عنده في غالم الغيب. والحق سبحانه يطلب من الذي اقتنع بالإسلام أن ينشره، وأن يعدل المسلمون بين أنفسهم لتنصلح أمورهم، وأن يواجهوا أصحاب الشرّ الذي لا يعلمون إلا ظاهراً من الحياة. ولم تأمر السماء بقتال قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان الرسول من السابقين على محمد صلى الله عليه وسلم يبلغ قومه برسالته، فإن آمنوا فبها ونعمت وإن لم يؤمنوا تتدخل السماء بالعقاب، بريح صرصر، رجفة، صيحة، خسف الأرض بهم، إغراق، فالرسول قبل محمد صلى الله عليه وسلم كان يبلغ، والسماء تعاقب من لم يؤمن. وما وجد قتال إلا إذا اقترحوا هم القتال، مثل بني إسرائيل، قال الحق: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلإِ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىۤ إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 246]. هم الذين اقترحوا، لكن القتال الذي يُثَبِّت المبدأ وينشر المنهج لإعلاء كلمة الله، وسيطرة الخلافة الأمنية الإيمانية على الأرض، لم يشرع إلا على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكأن الله لم يأمن خلقاً على خلق إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقد جعلها أمينة. فأنتم أمناء أن تتولوا عن السماء تأديب المخالف، وبذلك أخذتم المستوى العالي في المنهج والمستوى العالي في الرسالة. وأكرم الله نبيّه فقال: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ} تفسير : [الأنفال: 33]. فجاء القتال وحارب المسلمون - وهم ضعاف - المجتمعات الفاسدة القوية. والشاعر يقول: شعر : فقوى على الضلال مقيم وقطيع من الضعاف يُجارِي تفسير : هذا القتال لو لم يجيء به الدين، أَلاَ تقوم به الأمم التي لا دين لها لإصلاح أمرها؟ إنها تقاتل، فلماذا يكون مباحاً منهم أن يقاتلوا كي يقرروا مبادئهم، وعندما يأتي الدين ليشرع القتال يقولون: لا. هذا دين سيف. نقول لهم: بالله لماذا إذن تحارب الشعوب؟ أنت تجد شعوبا تتحارب وتجد ظلما يحارب ظلما آخر، فإذا ما وجد عدل ليزحزح ظلما نقف في طريقه؟ لا. وذلك حتى نعرف أن المسألة مسألة رسالة من السماء لا طغيان ذوات اجتمعوا أو بيتوا مؤامرة لصنع انقلاب يسيطرون به على الناس. لقد جاء الإسلام وآمن به الضعاف الذين لا يملكون أن يقاتلوا، فلم يكن باستطاعتهم أن يحموا حتى أنفسهم؛ ذلك حتى نعرف أن الحق ساعة يأتي، يأتي عادة لا من قوي بل يأتي من ضعيف تعب كثيراً كي يثبت الإيمان، والإسلام نادى ودعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة لكنه لم ينتصر كدين ولم يسطع إلا من المدينة. فمكة بلد محمد وفيها قبيلته قريش التي ألفت السيادة على الجزيرة كلها ولا أحد يستطيع أن يقرب منها بعدوان، ولم تكن هناك قوة تستطيع أن تعترض قوافلها بالتجارة إلى الجنوب أو إلى الشمال. إن أي قبيلة تخاف أن تتعرض لها في الطريق؛ لأن القبائل ستأتي إلى قريش في موسم الحج، وتخاف كل قبيلة من انتقام قريش، فلو أن الإسلام الذي صاح به رسول الله صلى الله عليه وسلم انتصر في مكة ربما قالوا: قبيلة عشقت السيادة، ودانت لها أمة العرب فما المانع من أن تطمح في أن يدين لها العالم كله؟ وأراد الحق أن تكون قريش هي أول من يضطهد رسول الله ويحاربه، والضعاف هم الذين يتبعونه، وبعد ذلك يأتي النصر لدين الله من مكان بعيد عن مكة من "المدينة" لتشهد الدنيا كلها أن الإيمان بمحمد هو الذي خلق العصبية لمحمد، ولم تخلق العصبية لمحمد الإيمان بمحمد، وها هوذا سيدنا عمر كان يسمع قول الله سبحانه: {أية : سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ} تفسير : [القمر: 45]. فيقول: أي جمع هذا ونحن لا نقدر أن نحمي أنفسنا؟ ويقول الحق: {أية : سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ} تفسير : [القلم: 16]. فيقول عمر: كيف ونحن لا نقدر أن ندافع عن أنفسنا؟ وبعد ذلك تأتي موقعة "بدر" فتُثْبِت له صدق هذا، والعجيب أن الآية تنزل وهم لا يستطيعون أن يدافعوا عن أنفسهم، فلا يمكن أن يقال: إن هناك مقدمات لذلك بحيث تستنتج النتيجة؛ فالمقدمات لا توحي بأي نصر، لكن ربنا هو الذي قال، ورأوا صحيحاً أن الوليد بن المغيرة ضرُب على أنفه وتركت الضربة علامة على أنفه؛ لأن الذي قال ذلك من قبل قادر على إنفاذ ما يقول بدون قوة تحول دون ذلك أبداً، وهذا يدلنا على اختبار المبادئ. إنك تجد أنّ الذي يؤمن بالمبادئ هو الذي يضحي أولاً، يدفع ماله وقد يدفع دياره، بأن يخرج منها، وقد يدفع نفسه فيقتل، كل ذلك من أجل المبدأ، لكن الأمر يختلف مع المبادئ الباطلة؛ فقبل أن يدخلها واحد نجده يأخذ الثمن. ومن يروجون للمبادئ الباطلة يقولون لمن يغررون به: خذا مالاً وعش واستمتع، واشتر أحسن الثياب. أما أصحاب مبدأ الحق فهم الفقراء الذين يدفعون الثمن، ولهم الحق أن يدفعوا الثمن لأن المثمن غال، لكن في الباطل لا يعرفون مثمناً. والذي ينظر لمبدأ من المبادئ الهدامة، يرى كيف يعيش قادتها، بينما الرعية تحيا في بؤس، فيقول: أنا آخذ الثمن مقدماً؛ والأمر يختلف مع المؤمنين، فهم الذين يدفعون الثمن. لينعموا بالجزاء في الآخرة. والحق سبحانه وتعالى حين يشرع القتال لأمة محمد صلى الله عليه وسلم يشرعه أولا دفاعا، كانوا يطلبون من رسول الله، يقولون: يا رسول الله، إئذن لنا نقاتل على قدر جهدنا، فيقول: "حديث : اصبروا فإني لم أومر بالقتال ". تفسير : وبعد ذلك يؤمر بالقتال كي يدافع عن الخلية الإيمانية بعدما ذهبوا إلى المدينة، ونعلم أن القتال عملية ضرورية في الحياة. فالحق سبحانه هو القائل: {أية : وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ} تفسير : [البقرة: 251]. وهو القائل: {أية : وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسمُ ٱللَّهِ كَثِيراً} تفسير : [الحج: 40]. إذن فدفع الله بعض الخلق بالخلق أمر ضروري واقعي. وحين يعاب على الإسلام أمر القتال، نقول لهم: إن الحق سبحانه وتعالى حينما شرع هذا القتال فقد شرعه لأن قوى البغي هي التي تحول دون تطبيق منهج من مناهج العدالة المعروفة، ولا يستطيع أحد أن يجادل فيها. ولو لم يكن العدل قادمً من السماء لما كان هناك منهج صالح يحكم الناس، فإذا أراد الله أن يصنع العدل بمنهج أنزله هو، فلماذا يأتي من يقف في الطريق ويقول للرسول: أنت جئت لكي ترغم الناس أن يؤمنوا بمنهجك؟! ويوضح الحق مسيرة الرسول أنه جاء لكي يثبت كرامة الإنسان فهو سيد الأجناس التي تحيط به، فالجماد مسخر، والنبات مسخر، والحيوان مسخر، وليس لأي منهم حرية في أن يقول: افعل ولا تفعل، فلا توجد إرادة ولا اختيار عند كل الأجناس إلا عند الإنسان؛ فالحق هو القائل عن أمانة الاختيار. {أية : فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا} تفسير : [الأحزاب: 72]. إذن فبأي شيء تميز الإنسان على هؤلاء الأجناس؟ تميز عليهم بالعقل، ومهمة العقل أن يختار بين البديلات، أما إذا كان هناك أمر ليس له بديل، فليس للعقل عمل فيه. ومثال ذلك: هناك مكان نريد أن نذهب إليه، فيوضح لك إنسان: لا يوجد إلا هذا الطريق، فهل تفكر أن تذهب عن طريق آخر؟ طبعا لا، إذن فالعقل لا عمل له إلا الاختيار بين البديلات، فإن لم يكن هناك بديل فلا عمل له. وإذا أراد العقل أن يختار بين البديلات ألا نضمن له حرية الاختيار أم نقيد حرية الاختيار لديه؟ إنك إن قيدت حرية الاختيار بالإكراه فقد أخذت النعمة التي أعطيتها له، وجعلته مقهوراً مسخراً مكرهاً؛ ولذلك فالمكره لا يكون له حكم على الأشياء بل هو مجبر ومسخر. وما دمت تقول: إن العقل هو الذي يختار بين البديلات، فلا بد أن يكون حق الاختيار موجوداً، فإن كان في الإنسان عطب كأن يكون مجنونا، فلا اختيار له، وإن كان العقل موجودا لكنه لم ينضج بعد نقول أيضاً: لا اختيار. إذن فلا بد أن يكون العقل موجوداً وناضجا للاختيار بين البديلات، ويكون للإنسان حرية أن يختار، فإن لم يكن العقل موجودا فهو مجنون فلا تكليف له. والمجنون قد سلبه الله أعز ما أعطى للإنسان وهو العقل، لكن أعفاه الله أن يسأله أحد عن شيء، فيفعل دون سؤال، فلا تكليف لمجنون، فالتكليف إذن لصاحب العقل الناضج، وكذلك لا تكليف من قبل البلوغ. إذن فالإسلام جاء ليحمي كرامة الإنسان في حرية الاختيار، ويعرض عليك أمر الإيمان، فالذي حمل السيف، لم يحمله ليجبر أحداً على الإيمان، إنما ليرد كيد من أرادوا قهر الناس، والجزية إنما فرضت لإعفاء غير المسلمين من مسئولية القتال، ولو كان الإسلام يفرض الإيمان على الناس في البلاد التي فتحها لما وجدنا أتباع أي دين في البلاد التي دخلها الإسلام. وهذه شهادة للمسلمين. إن الإسلام لم يجيء ليفرض دينا وإنما جاء ليحمي حرية اختيار الدين؛ والَّذين يقولون: إن الإسلام جاء بالسيف نقول لهم: افهموا جيدا، لقد كان المؤمنون الأوائل ضعافا وظلوا على الضعف مدة طويلة، والبلاد التي فتحت بالإسلام مازال فيها أناس غير المسلمين، وهذا دليل أن الإسلام جاء ليحمي حرية الاختيار: {أية : فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} تفسير : [الكهف: 29]. ثم نأتي لنقطة أخرى وهي أن الإسلام لم يأخذ الجزية إلا لأن غير المسلم سيستمتع بكل خيرات بلاد الإسلام، والمسلم يدافع وأيضا يدفع الزكاة والخراج. إذن فالمسألة عدالة منهج، وعلى ذلك يجب أن نفهم أن قول الحق: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} [النساء: 74]. فالقتال إنما جاء حتى تسيطر مناهج السماء، وسبحانه حينما يقول: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} فهذا يدلنا على أن هناك قتالاً في غير سبيل الله، كأن يقاتل الرجل حمية، أو ليعلم مكانه من الشجاعة، فقال الرجل دائماً حسب نيته، ولذلك تساءل بعض الناس: من الشهيد؟ قال العلماء: هو من قتال لتكون كلمة الله هي العليا فيكون شهيدا. إذن فالقتال مرة يكون في سبيل الله، ومرة يكون في سبيل النفس، ومرة يكون في سبيل الشيطان. يقول الحق: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ}أي يبيعون الدنيا ليأخذوا الآخرة، {وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً}. إذن فالذي يدخل القتال هو أمام أمرين اثنين: إما أن يُقْتل من الأعداء، وإما إن ينتصر، وهذه هي القضية الجدلية التي تنشأ بين معسكر الإيمان ومعسكر الكفر، والمقاتل من معسكر الإيمان يقول لمعسكر الكفر: أنا أقاتل لإحدى الحسنين: إما أن أُقْتل فأصبح شهيداً آخذ حياة أفضل من هذه الحياة، وإما أن أنتصر عليك، فلماذا تتربصون بنا أيها الكفار؟ إن المؤمن يثق أنه فائز بكل شيء؛ فإن قُتل ذهب إلى الجنة وإلى حياة أفضل من حياتكم، وإما أن ينتصر، والحالتان على سواء من الخير. وهذا للاستدلال بأن هذا المنهج يراق فيه الدم، وشهادة لهذا الدين بأنه صحيح، وإلا فلن يذهب أحد للقتال إن لم يكن مقتنعاً بالدين، فكل واحد يعمل لحياته ونفسه، فكل الأمور بالنسبة للإنسان نفعيه حتى في الدين، ولذلك يقولون: لا تكن أنانيا رخيصا بل عليك أن تكون أنانيا غاليا، والدين هو ممارسة لأنانية عليا. ونضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - الذي ليس معه إلا جنيه وهو يحتاج إليه ثم رأى واحدا في حاجة ماسة، فيقول المؤمن لنفسه: لقد أكلت، وقد يكون هذا الإنسان لم يأكل بعد فلأعطه الجنية. بالله أهو يحب الذي أخذ الجنيه عن نفسه؟ لا، بل هو يحب نفسه، لكنها أنانية عليا؛ أنانية معلاة. وسبق أن قلنا: إن الذي يجلس ويرى امرأة جميلة فغض عينه أمره يختلف عن واحدٍ آخر "يبحلق" ويحدّق وينظر إليها بشدة، فايهما يحب الجمال أكثر؟ إن الذي غضَّ بصره هو من يحب الجمال أكثر؛ لأنه لا يريدها لحظة فقط، بل يريدها مستديمة. فما بالنا بالذي يبيع الدنيا ويقتل في سبيل الله ويأخذ الآخرة التي ليس فيها قتل أو أي شيء مكدر؟ إذن فهذه أنانية عليا، والحق سبحانه وتعالى يعاملنا بقانون النفعية، لكنها نفعية عليا وليست نفعية رخيصة أو قصيرة المدى، فيجعلنا نبيع الرخيص بالثمن الغالي. ولقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين يقاتلون في سبيل الله وعرض عليه منظرهم وهو في ليلة الإسراء والمعراج؛ رأى صلى الله عليه وسلم جماعة يزرعون ويحصدون بعد البذر مباشرة؛ لأن الذي قتل في سبيل الله إنما فعل ذلك إعلاء لكلمة الله، فلا ينتهي قطفه أبدا للخير الذي بذله، وحياته مستمرة في حياة الملايين. {وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} وعرفنا أن كل مؤمن يقاتل في سبيل الله إنما يقول لمعسكر الكفر ما جاء به الحق في قوله: {أية : قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ} تفسير : [التوبة: 52]. فالمؤمن يعلم أنه إما أن يُقتل ويكون شهيداً، وإما أن يَغلب معسكر الكفر. وهو يتربص بالكافرين أن يُصيبهم الله بعذاب من عنده أو بأيدي المؤمنين، إذن فالمؤمنون رابحون على كل حال، والكافرون خاسرون على كل حال. و "المعرى" قبل أن يهديه الله وكان متشككاً قال: شعر : تُحطمنا الأيام حتى كأننا زجاج ولكن لا يُعاد لنا سبك تفسير : فقالوا: إنه ينكر البعث، فما دام قد جاء بمثل يقول فيه إن الإنسان كالزجاج إن تحطم فلن يستطيع أحد أن يعيده إلى سيرته الأولى، قال ذلك أيام تكبر الفكر، وهذه تأتي في أيام الغرور، ثم جاءت الأحداث لتلويه وتضرب في فكره وينتهي إلى الإيمان، لكن أكان ضامناً أن يعيش حتى يؤمن؟ فلماذا لم يخلص نفسه من مرارة تجربة الشك؟ ولكنه بعد أن آمن قال: "هأنذا أموت على عقيدة عجائز أهل نيسابور. ربنا حَقُّ وربنا سميع وربنا بصير وقال: شعر : زعم المنجم والطبيب كلاهما لا تحشر الأجساد قلت إليكما إن صحّ قولكما فلست بخاسر أو صحّ قولي فالخسار عليكما تفسير : أي إن صحّ قولكما على أنه لا بعث وقمت أنا بالأعمال الطيبة في الدنيا، فماذا أكون قد خسرت؟ إنني لن أخسر شيئاً، وإن صحّ قولي وفوجئتم بالآخرة والبعث فأنا الذي يكسب والخسران والبوار والعذاب عليكما، إذن فإيماني إن لم ينفعني فلن يضرني، وكلامكما حتى لو صح - وهو غير صحيح ولا سديد - فلن يضرني. والحق يقول: {وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} وسبحانه هنا يطيل أمد العطاء. انظروا دقة الأداء القرآني، لأن الذي يتكلم هو الله، ولنر كيفية ترتيب فعل على فعل، فحين أقول لك: "احضر لي أكرمك"، فبمجرد الحضور يحدث الإكرام، ولكن إن قلت لك: "إن حضرت إليّ فسأكرمك"، فهذا يعني أن الزمن يمتد قليلاً، فلن تكرم من فور أن تأتي بل أن تحضر عندي وبعد ذلك تأخذ تحيتك، ويأتيك الإكرام بعد قليل. وإن أردت أنا أن أطيل الزمن أكثر فإني أقول: "إن حضرت إليّ فسوف أكرمك". إذن فنحن أمام ثلاث مراحل لترتيب الجزاء على الفعل: جزاء يأتي بعد فور حصول الشرط، وجزاء يأتي بعد زمن يسير تؤديه "السين"، وجزاء يأتي بعد زمن أطول تؤديه. "سوف". ولم يقل الحق: من يقاتل في سبيل الله نؤتيه أجراً عظيماً، ولم يقل: فسنؤتيه أجراً عظيما، ولكنه قال: {فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً}وهذا القول سيبقى ليوم القيامة؛ لذلك كان لا بد أن تأتي "سوف" هنا، وهذا دليل على أنه جزاء موصول لا مقطوع ولا ممنوع. وهكذا نرى إحكام الأداء القرآني، والحق سبحانه وتعالى حين يتكلم عن نفسه وذاته، يأتي بأساليب كثيرة: فمرة يأتي بأسلوب الجمع، ونحن نقول، كما علمونا في النحو: "النون للتعظيم" كما في قوله: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} تفسير : [الحجر: 9]. لم يقل: أنا أنزلت.. فكل شيء يكون نتيجة فعل من أفعال الله. تأتيه "نون التعظيم"؛ لأنه سبحانه حين يصنع شيئاً لخلقه من متعة أو من نعيم، يريد صفات كثيرة: قدرة للإبراز، وعلما لترتيب النعمة، وتدبيرا وحكمة، وبسطا، فيقول هنا: "نؤتيه"، لأن الصفات تتكاتف لتعمل الخير، لكنه حين يتكلم عن ذاته مجرداً عن الفعل. فسبحانه يتكلم بالوحدانية مثل قوله الحق: {أية : إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ فَٱعْبُدْنِي} تفسير : [طه: 14]. وكذلك قوله الحق: {أية : وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىۤ} تفسير : [طه: 13]. فساعة يتكلم سبحانه عن ذاته فهو يتكلم بالوحدانية، ولا تقل بالإفراد تأدباً مع الله فليس له شريك أو مثيل، وحينما يتكلم سبحانه عن فعله يأتي بالجمع فيقول: "نحن" وهذه حلت لنا إشكالات كثيرة، مثلما حدث عند قراءة قول الله سبحانه وتعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا} تفسير : [فاطر: 27]. لقد جاء سبحانه في صدر الآية: بـ "أنزل" وكان يناسبها أن يأتي بعدها "أخرج"، لكنه قال: {فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا} فلماذا هذه "مفردة" وتلك "جمع"؟؛ لأنه ساعة قال: "أنزلنا من السماء ماءٌ" لم يكن لأحد من خلقه ولو بالأسباب فعل في إنزال المطر، لكن ساعة أن أنزل المطر، نجد واحداً قد حرث الأرض، وثانياً بذر، وثالثاً روى الأرض، وكل ذلك من أسباب خلقه، فلم يهضم الله خلقه فقال: {أنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} ثم بعد ذلك: أنا وخلقي بما أمددتهم ومنحتهم {فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا}. إذن فلا بد أن ننتبه إلى دلالة الكلمة حين تأتي بالمفرد وحين تأتي بالجمع. وقوله سبحانه: {نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} يلفتنا إلى أن كل فعل إنما هو حدث يتناسب مع فاعله أثراً وقوة. فالطفل عندما يصفع آخر لا تكون صفعته في قوة الشاب أو قوة الرجل، فإذا كان الذي يعطي الأجر مثيلاً لك فسيعطيك أجراً على قدره، لكن إذا كان من يعطي هو ربنا، فسيعطي الأجر على قدره، ولا بد أن يكون عظيماً. والأجر هو الشيء المقابل للمنفعة. وهناك فرق بين الأجر والثمن؛ فالثمن مقابل العين، أما الأجر فهو مقابل المنفعة، أنا اشتريت هذه، فهذا يعني أني دفعت ثمناً، لكن إن استأجرت شيئاً فهو لصاحبه ولكن أخذته لأنتفع به فقط، وجزاء الحق لمن يقتل في سبيل الله أهو أجر أم ثمن؟، ونلتفت هنا أن الحق قد أوضح: أنا لم أثمن مَن قتل، بل نظرت لعمله، فأخذت أثر عمله، وأعطيته {أَجْراً عَظِيماً}. وبعد ذلك يقول الحق: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ...}.

الأندلسي

تفسير : {يَشْرُونَ} يبتغون غرض. {ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا} وهو الفاني بنعيم الآخرة وهو الباقي. {فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ} عطف على فعل الشرط وبدأ بالأكثر ثواباً وهو القتل وجواب الشرط فسوف نؤتيه والأجر العظيم هنا زيادة الثواب. وقيل: الجنة. {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} هذا الاستفهام فيه حث وتحريض على الجهاد في سبيل الله، وعلى تخليص المستضعفين لا تقاتلون في موضع الحال. {وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ} معطوف على الجلالة تقديره وفي سبيل المستضعفين. {مِنَ ٱلرِّجَالِ} منهم عبد الله بن عباس. {وَٱلنِّسَآءِ} منهم أم عبد الله، ومن جرى مجراها. {وَٱلْوِلْدَٰنِ} هم الصبيان واحدهم وليد ويجوز أن يكون واحدهم ولدا كقول العرب: وَرَل وَوُرْلان. ثم ذكر تعالى حالة استضعافهم بقولهم في دعائهم: {رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ} وهي مكة. {ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا} هم من كان بها من صناديد قريش المانعين لهم من الهجرة ومن ظهور الإِسلام. {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} لما أمر الله تعالى المؤمنين أولاً بالنفر إلى الجهاد ثم ثانياً بقوله: فليقاتل في سبيل الله، ثم بالثالث على طريق الحث والحض بقوله: وما لكم لا تقاتلون، أخبر في هذه الآية بالتقسيم إن المؤمن هو الذي يقاتل في سبيل الله وإن الكافر هو الذي يقاتل في سبيل الطاغوت ليتبين للمؤمنين فرق ما بينهم وبين الكفار ويقويهم بذلك ويشجعهم ويحرضهم وإن من قاتل في سبيل الله هو الذي يغلب. لأن الله هو وليه وناصره ومن قاتل في سبيل الطاغوت فهو المخذول المغلوب. والطاغوت هنا الشيطان لقوله: {فَقَٰتِلُوۤاْ أَوْلِيَاءَ ٱلشَّيْطَٰنِ}، وهنا محذوف التقدير فإِنكم تغلبونهم لقوتكم بالله ثم علل هذا المحذوف وهو غلبتكم إياهم بأن كيد الشيطان ضعيف فلا يقاوم نصر الله وتأييده.

الجيلاني

تفسير : {فَلْيُقَاتِلْ} المخلصون المبادرون إلى الفناء {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} مع المشركين {ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ} ويختارون {ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ} أي: بدلها، ويبيعونها بها {وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} ترويجاً لتوحيده مع هؤلاء المشركون المصرين على الشرك {فَيُقْتَلْ} في أيديهم {أَو يَغْلِبْ} عليهم {فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ} من لدنا {أَجْراً عَظِيماً} [النساء: 74] لا كأجر الدنيا ولا كأجر الآخرة المتربتة على الأعمال الصالحة، بل الشهداء منهم أحياء عند الله يرزقون، فرحين بما آتاهم الله من فضله، والغزاة فهم في حمى الله وكنف حفظه وجواره. {وَمَا} عرض ولحق {لَكُمْ} أيها المؤمنون المبشرون بهذه البشارة العظمى {لاَ تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} مع أعداء الله {وَ} لا تنقذون {ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ} منكم من أيديهم {مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ} الذين بقوا في مكة بعد الهجرة، فآذوهم واستذلوهم إلى أن استعبدوهم، وهم {ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ} من غاية حزوننهم، ونهاية مذلتهم متضرعاً إلى الله مستشكياً إليه: { رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا} إذ لا طقاة لنا بظلمهم {وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً} يولي أمرنا، وينقذنا من أيديهم، ويخرجنا من بينهم {وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً} [النساء: 75] ينصرنا عليهم لينتقم عنهم، فاستجاب الله دعاءهم بأن ألحق بعضهم إلى المهاجرين، ونصر بعضهم بالنبي والمؤمنين حين فتحوا مكة - شرفها الله - فوصلوا إلى ما طلبوا من الله. {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} تقرباً إليه وطلباً لرضاه، وترويجاً لدينه ونصرة نبيه المبعوث لإعلاء كلمة توحيده {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱلطَّٰغُوتِ} المضل عن طريق الحق، وسبيل الهداية إلى متابعة الشيطان وموالاته {فَقَٰتِلُوۤاْ} أيها المؤمنون المخلصون {أَوْلِيَاءَ ٱلشَّيْطَٰنِ} ولا تبالوا بعددهم وعددهم {إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَٰنِ} بالنسبة إلى كيد الله ومكره {كَانَ ضَعِيفاً} [النساء: 76] لا عبرة له ولا تأثير.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {فَلْيُقَاتِلْ} [النساء: 74]، هذا الحاسد النادم {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [النساء: 74]؛ أي: في طلب الله، فليجاهد نفسه هو وأمثاله {ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ} [النساء: 74]، يشترون حظوظ النفس بحقوق الرب، ويختارون الفاني على الباقي، {وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [النساء: 74] يجاهد نفسه في طلب الحق، {فَيُقْتَلْ} [النساء: 74] نفسه بسيف الصدق والحق، {أَو يَغْلِبْ} [النساء: 74] بالظفر فسلم على بدنه، {فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ} [النساء: 74] بجذبات العناية {أَجْراً عَظِيماً} [النساء: 74]، وهو الفوز العظيم. ثم أخبر عن المستضعفين وحث على تخليصهم من المشركين بقوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [النساء: 75]، إلى قوله: {كَانَ ضَعِيفاً} [النساء: 76]، والإشارة فيهما: إن ما لكم أيها المدعون الإسلام والدين، ألاَّ تقاتلون في سبيل الله؟ لا تجاهدون أنفسكم في سلوك السبيل إلى الله، وهو تحريض على طلب الحق والسير إلى الله؛ لكيلا تقنعوا بمجرد الاسم والرسم، وتستمروا على ساق الحد والاجتهاد في طلب المقصود والمراد، فإن المجاهدة تورث المشاهدة في قوله تعالى: {وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ} [النساء: 75]، إشارة إلى تقوية الأرواح الضعيفة التي استضعفتها النفوس باستيلائها عليها، {وَٱلنِّسَآءِ} [النساء: 75]؛ أي: القلوب، فإن القلب للروح كالزوجة؛ لتصرف الروح في القلب كتصرف الزوج في الزوجة، {وَٱلْوِلْدَٰنِ} [النساء: 75]؛ وهي الصفات الحميدة التي تتولد من ازدواج الروح والقلب، يستعينون إلى ربهم {ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ} [النساء: 75]؛ أي: قرية البدن، {ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا} [النساء: 75]؛ وهي النفس الأمارة بالسوء، {وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً} [النساء: 75]؛ أي: كن لنا من فضلك وكرمك ولياً تخرجنا من ظلمات البشرية والخلقية إلى نور الربوبية والإلهية، {وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً} [النساء: 75]، من ولاية النبوة شيخاً مرشداً ينصرنا على النفس والهوى والشيطان والدنيا. وفي قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [النساء: 76]، يشير إلى: إنه إنما أمر بجهاد النفس؛ لأن إمارة الذين آمنوا إيماناً حقيقياً لا اسمياً ومجازياً، أن يقاتلوا أو يجاهدوا أنفسهم في سلوك السبيل إلى تعالى، وإمارة {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [النساء: 76]، كفران النعمة {يُقَٰتِلُونَ} [النساء: 76] القلوب {فِي سَبِيلِ ٱلطَّٰغُوتِ} [النساء: 76] طاغوت الهوى، {فَقَٰتِلُوۤاْ} [النساء: 76]، فجاهدوا {أَوْلِيَاءَ ٱلشَّيْطَٰنِ} [النساء: 76]؛ وهم النفس والدنيا والهوى، {إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَٰنِ} [النساء: 76]، ومكره ومكر أوليائه {كَانَ ضَعِيفاً} [النساء: 76] في جنب مكر الله تعالى معهم، كقوله تعالى: {أية : وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ} تفسير : [آل عمران: 54]؛ أي: غالب عليهم.