Verse. 568 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُوْنَ فِيْ سَبِيْلِ اللہِ وَالْمُسْتَضْعَفِيْنَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاۗءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِيْنَ يَقُوْلُوْنَ رَبَّنَاۗ اَخْرِجْنَا مِنْ ھٰذِہِ الْقَرْيَۃِ الظَّالِمِ اَہْلُھَا۝۰ۚ وَاجْعَلْ لَّنَا مِنْ لَّدُنْكَ وَلِيًّا۝۰ۚۙ وَّاجْعَلْ لَّنَا مِنْ لَّدُنْكَ نَصِيْرًا۝۷۵ۭ
Wama lakum la tuqatiloona fee sabeeli Allahi waalmustadAAafeena mina alrrijali waalnnisai waalwildani allatheena yaqooloona rabbana akhrijna min hathihi alqaryati alththalimi ahluha waijAAal lana min ladunka waliyyan waijAAal lana min ladunka naseeran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وما لكم لا تقاتلون» إستفهام توبيخ، أي لا مانع لكم من القتال «في سبيل الله و» في تخليص «المستضعفين من الرجال والنساء والولدان» الذين حبسهم الكفار عن الهجرة وآذوهم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: كنت أنا وأمي منهم «الذين يقولون» داعين يا «ربنا أخرجنا من هذه القرية» مكة «الظالم أهلُها» بالكفر «واجعل لنا من لدنك» من عندك «وليّاً» يتولى أمورنا «واجعل لنا من لدنك نصيرا» يمنعنا منهم وقد استجاب الله دعاءهم فيَسَّر لبعضهم الخروج وبقي بعضهم إلى أن فتحت مكة ووَلَّى صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد فأنصف مظلومهم من ظالمهم.

75

Tafseer

الرازي

تفسير : اعمل أن المراد منه إنكاره تعالى لتركهم القتال، فصار ذلك توكيدا لما تقدم من الأمر بالجهاد وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: {وما لَكُمْ لاَ تُقَـٰتِلُونَ } يدل على أن الجهاد واجب، ومعناه أنه لا عذر لكم في ترك المقاتلة وقد بلغ حال المستضعفين من الرجال والنساء والولدان من المسلمين إلى ما بلغ في الضعف، فهذا حث شديد على القتال، وبيان العلة التي لها صار القتال واجبا، وهو ما في القتال من تخليص هؤلاء المؤمنين من أيدي الكفرة، لأن هذا الجمع إلى الجهاد يجري مجرى فكاك الأسير. المسألة الثانية: قالت المعتزلة قوله: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } انكار عليهم في ترك القتال وبيان أنه لا عذر لهم ألبتة في تركه، ولو كان فعل العبد بخلق الله لبطل هذا الكلام لأن من أعظم العذر أن الله ما خلقه وما أراده وما قضى به، وجوابه مذكور. المسألة الثالثة: اتفقوا على أن قوله: {وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرّجَالِ وَٱلنّسَاء وَٱلْوِلْدٰنِ } متصل بما قبله، وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون عطفا على السبيل، والمعنى: مالكم لا تقاتلون في سبيل الله وفي المستضعفين. والثاني: أن يكون معطوفا على اسم الله عز وجل، أي في سبيل الله وفي سبيل المستضعفين. المسألة الرابعة: المراد بالمستضعفين من الرجال والنساء والولدان قوم من المسلمين بقوا بمكة وعجزوا عن الهجرة إلى المدينة، وكانوا يلقون من كفار مكة أذى شديدا. قال ابن عباس: كنت أنا وأمي من المستضعفين من النساء والولدان. المسألة الخامسة: الولدان: جمع الولد، ونظيره مما جاء على فعل وفعلان، نحو حزب وحزبان، وورك ووركان، كذلك ولد وولدان. قال صاحب «الكشاف»: ويجوز أن يراد بالرجال والنساء الاحرار والحرائر، وبالولدان العبيد والإماء، لأن العبد والأمة يقال لهما الوليد والوليدة، وجمعهما الولدان والولائد، إلا أنه جعل ههنا الولدان جمعا للذكور والاناث تغليبا للذكور على الاناث، كما يقال آباء وإخوة والله أعلم. المسألة السادسة: إنما ذكر الله الولدان مبالغة في شرح ظلمهم حيث بلغ أذاهم الولدان غير المكلفين إرغاما لآبائهم وأمهاتهم، ومبغضة لهم بمكانهم، ولأن المستضعفين كانوا يشركون صبيانهم في دعائهم استنزالا لرحمة الله بدعاء صغارهم الذين لم يذنبوا، كما وردت السنة باخراجهم في الاستسقاء، ثم حكى تعالى عن هؤلاء المستضعفين أنهم كانوا يقولون: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّـٰلِمِ أَهْلُهَا وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: أجمعوا على أن المراد امن هذه القرية الظالم أهلها مكة، وكون أهلها موصوفين بالظلم يحتمل أن يكون لأنهم كانوا مشركين قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } تفسير : [لقمان: 13] وأن يكون لأجل أنهم كانوا يؤذون المسلمين ويوصلون إليهم أنواع المكاره. المسألة الثانية: لقائل أن يقول: القرية مؤنثة، وقوله: {ٱلظَّـٰلِمِ أَهْلُهَا } صفة للقرية ولذلك خفض، فكان ينبغي أن يقال: الظالمة أهلها، وجوابه أن النحويين يسمون مثل هذه الصفة الصفة المشبهة باسم الفاعل، والأصل في هذا الباب: أنك اذا أدخلت الألف واللام في الأخير أجريته على الأول في تذكيره وتأنيثه، نحو قولك: مررت بامرأة حسنة الزوج كريمة الأب، ومررت برجل جميل الجارية، واذا لم تدخل الألف واللام في الأخير حملته على الثاني في تذكيره وتأنيثه كقولك: مررت بامرأة كريم أبوها، ومن هذا قوله تعالى: {أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّـٰلِمِ أَهْلُهَا } ولو أدخلت الألف واللام على الأهل لقلت من هذه القرية الظالمة الأهل، وإنما جاز أن يكون الظالم نعتا للقرية لأنه صفة للأهل، والأهل منتسبون إلى القرية، وهذا القدر كاف في صحة الوصف كقولك مررت برجل قائم أبوه، فالقيام للأب وقد جعلته وصفا للرجل، وإنما كان هذا القدر كافيا في صحة الوصف لأن المقصود من الوصف التخصيص والتمييز، وهذا المقصود حاصل من مثل هذا الوصف، والله أعلم. المسألة الثانية: في قوله: {وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً } قولان: فالأول: قال ابن عباس: يريدون اجعل علينا رجلا من المؤمنين يوالينا ويقوم بمصالحنا ويحفظ علينا ديننا وشرعنا، فأجاب الله تعالى دعاءهم لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما فتح مكة جعل عتاب بن أسيد أميراً لهم، فكان الولي هو الرسول عليه الصلاة والسلام، وكان النصير عتاب بن أسيد، وكان عتاب ينصف الضعيف من القوي والذليل من العزيز. الثاني: المراد: واجعل لنا من لدنك ولاية ونصرة، والحاصل كن أنت لنا وليا وناصرا.

القرطبي

تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى ـ قوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} حَضٌّ على الجهاد. وهو يتضمّن تخليص المستضعَفين من أيدي الكَفَرة المشركين الذين يسومونهم سوء العذاب، ويفتنونهم عن الدّين؛ فأوجب تعالى الجهاد لإعلاء كلمته وإظهار دينه واستنقاذ المؤمنين الضّعفاء من عباده، وإن كان في ذلك تَلف النفوس. وتخليص الأسارى واجب على جماعة المسلمين إما بالقتال وإما بالأموال؛ وذلك أوجب لكونها دون النفوس إذ هي أهون منها. قال مالك: واجب على الناس أن يَفْدُوا الأسارى بجميع أموالهم. وهذا لا خلاف فيه؛ لقوله عليه السلام: « حديث : فُكوا العاني » تفسير : وقد مضى في «البقرة» وكذلك قالوا: عليهم أن يُواسُوهم فإن المواساة دون المفاداة. فإن كان الأسير غنياً فهل يرجع عليه الفادي أم لا؛ قولان للعلماء، أصحّهما الرجوع. الثانية ـ قوله تعالى: {وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ} عطف على اسم الله عزّ وجلّ، أي وفي سبيل المستضعفين، فإن خلاص المستضعفين من سبيل الله. وهذا اختيار الزَجّاج وقاله الزُّهري. وقال محمد بن يزيد: أختارُ أن يكون المعنى وفي المستضعفين فيكون عطفا على السبيل؛ أي وفي المستضعفين لاستنقاذهم؛ فالسبيلان مختلفان. ويعني بالمستضعفين من كان بمكة من المؤمنين تحت إذلال كفرة قريش وأذاهم وهم المعنيون بقوله عليه السلام: « حديث : اللهم أَنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعيّاش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين » تفسير : . وقال ٱبن عباس: كنت أنا وأمي من المستضعفين. في البخاري عنه {إلا المستضعَفين مِن الرجالِ والنساءِ والوِلدانِ} فقال: كنت أنا وأمي مِمن عَذَر الَّله، أنا من الولدان وأمي من النساء. الثالثة ـ قوله تعالى: {مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا} القرية هنا مكة بإجماع من المتأولين. ووصفها بالظلم وإن كان الفعل للأهل لعُلقة الضمير. وهذا كما تقول: مررت بالرجل الواسِعة دارُه، والكريم أبوه، والحسنة جاريتُه. وإنما وصف الرجل بها للعُلْقة اللفظية بينهما وهو الضمير، فلو قلت: مررت بالرجل الكريم عمرو لم تجز المسألة؛ لأن الكرم لعمرو فلا يجوز أن يجعل صفة لرجل إلا بعلقة وهي الهاء. ولا تثنى هذه الصفة ولا تجمع، لأنها تقوم مقام الفعل، فالمعنى أي التي ظلم أهلها ولهذا لم يقل الظالمين. وتقول: مررت برجلين كريم أبواهما حسنةٍ جاريتاهما، وبرجال كريم آباؤهم حسنةٍ جواريهم. {وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ} أي من عندك {وَلِيّاً} أي من يستنقذنا {وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً} أي ينصرنا عليهم.

ابن كثير

تفسير : يحرض تعالى عباده المؤمنين على الجهاد في سبيله، وعلى السعي في استنقاذ المستضعفين بمكة من الرجال والنساء والصبيان المتبرمين من المقام بها، ولهذا قال تعالى: {ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ} يعني: مكة، كقوله تعالى: {أية : وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِىَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِىۤ أَخْرَجَتْكَ} تفسير : [محمد: 13]، ثم وصفها بقوله: {ٱلظَّـٰلِمِ أَهْلُهَا وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً} أي: سخر لنا من عندك ولياً وناصراً. قال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا سفيان عن عبيد الله، قال: سمعت ابن عباس قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين. حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد ابن زيد عن أيوب، عن ابن مليكة أن ابن عباس تلا: {إِلاَّ ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ} قال: كنت أنا وأمي ممن عذر الله عز وجل. ثم قال تعالى: {ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱلطَّـٰغُوتِ} أي: المؤمنون يقاتلون في طاعة الله ورضوانه، والكافرون يقاتلون في طاعة الشيطان، ثم هيج تعالى المؤمنين على قتال أعدائه بقوله: {فَقَـٰتِلُوۤاْ أَوْلِيَاءَ ٱلشَّيْطَـٰنِ إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَـٰنِ كَانَ ضَعِيفاً}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَٰتِلُونَ } استفهام توبيخ أي لا مانع لكم من القتال {فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } في تخليص {ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرّجَالِ وَٱلنّسَاءِ وَٱلْوِلْدٰنِ } الذين حبسهم الكفار عن الهجرة وآذوهم قال ابن عباس رضي الله عنهما: كنت أنا وأمي منهم {ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ } داعين يا {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ } مكة {الظَّالِمِ أَهْلُهَا } بالكفر {وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ } من عندك {وَلِيّاً } يتولى أمورنا {وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً } يمنعنا منهم وقد استجاب الله دعاءهم فيسر لبعضهم الخروج وبقي بعضهم إلى أن فتحت مكة وولى صلى الله عليه وسلم عتاب بن أُسيد فأنصف مظلومهم من ظالمهم.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {رَبَّنآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا} هي مكة في قول جميع المفسرين، لما كانواْ عليه، كما أخبر الله به عنهم، من استضعاف الرجال والنساء والولدان وإفتانهم عن دينهم بالعذاب والأذى.

ابن عبد السلام

تفسير : {الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا} مكة إجماعاً.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله} قال المفسرون: هذا حض من الله على الجهاد في سبيله لاستنقاذ المؤمنين المستضعفين من أيدي الكفار وفيه دليل على أن الجهاد واجب والمعنى لا عذر لكم في ترك الجهاد وقد بلغ حال المستضعفين ما بلغ من الضعف والأذى {والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان} قال ابن عباس يريد أن قوماً من المؤمنين استضعفوا فحبسوا وعذبوا وقيل كان هؤلاء بمكة يلقون من المشركين أذى شديداً. وكان أهل مكة قد اجتهدوا أن يفتنوا قوماً من المؤمنين عن دينهم بالأذى لهم وكانوا مستضعفين في أيديهم ولم يكن لهم بمكة قوة يمتنعون بها من المشركين فعلى هذا يكون معنى الآية: وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله وفي خلاص المستضعفين. وقال ابن عباس معناه وعن المستضعفين لأن المراد صرف الأذى عنهم (خ) عن ابن عباس في قوله: {وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين} الآية. قال كنت أنا وأمي من المستضعفين وفي رواية ابن أبي مليكة قال تلا ابن عباس {أية : إلاّ المستضعفين من الرجال والنساء والولدان}تفسير : [النساء: 98] قال كنت أنا وأمي ممن عذر الله أنا من الولدان وأمي من النساء فعلى هذه الرواية الثانية من حديث ابن عباس يكون معنى والمستضعفين إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان فإنهم ممن عذر الله في ترك القتال والولدان جمع وليد وهو الصبي الصغير {الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية} يعني مكة {الظالم أهلها} يعني الظالم أهلها أنفسهم بالشرك لقوله تعالى: {إن الشرك لظلم عظيم} وذلك أن المستضعفين لما منعهم المشركون من الهجرة من مكة إلى المدينة دعوا الله عز وجل فقالوا ربنا أخرجنا من هذه القرية يعني مكة الظالم أهلها بالشرك {واجعل لنا من لدنك ولياً} يعني ولياً يلي أمرنا {واجعل لنا من لدنك نصيراً} يعني يبصرنا ويمنعنا من العدو فاستجاب الله دعاءهم وجعل لهم من لدنه خير ولي وخير ناصر وهو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتولى أمرهم ونصرهم واستنقذهم من أيدي المشركين يوم فتح مكة واستعمل عليهم عتاب بن أسيد وكان ابن ثمان عشرة سنة فكان ينصر المظلمومين على الظالمين ويأخذ للضعيف من القوي. قوله عز وجل: {الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله} يعني في طاعة الله وإعلاء كلمته وابتغاء مرضاته {والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت} يعني في طاعة الشيطان {فقاتلوا أولياء الشيطان} أي فقاتلوا أيها المؤمنون حزب الشيطان وجنوده وهم الكفار {إن كيد الشيطان كان ضعيفاً} الكيد السعي في الفساد على جهة الاحتيال ويعني بكيده ما كاد المؤمنين به من تخويفه أولياءه الكفار يوم بدر وكونه ضعيفاً لأنه خذل أولياءه الكفار لما رأى الملائكة قد نزلت يوم بدر وكان النصر لأولياء الله وحزبه على أولياء الشيطان وإدخال كان في قوله ضعيفاً لتأكيد ضعف كيد الشيطان.

ابن عادل

تفسير : هذا استِفْهام يرادُ به التَّحْرِيض، والأمر بالجِهَاد على سَبيلِ الوُجُوب، ومعناه: أنَّه لا عُذْر لَكُمْ في تَرْكِ المُقَاتلةِ، وقد بَلَغَ حال المُسْتَضْعَفِين من الرِّجَال والنِّسَاءِ والولْدَانِ من المُسْلِمِين إلى ما بلغ في الضَّعْفِ، فهذا الحَثُّ شديدٌ، وبيان العِلَّة التي صَار القِتَالُ لِهَا وَاجِباً، وهو مَا فِي القِتَال من تَخْلِيص هَؤلاء المُؤمِنين من أيْدِي الكَفَرَة؛ لأنَّ هذا يَجْمَعُ مع الجِهَادِ ما يَجْرِي مُجْرى فكاك الأَسِير. و "ما": مبتدأ، و"لكم" خَبَرُه، أي: أيّ شَيْءٍ استقرَّ لكم، وجُمْلَة قوله: "لا تقاتلون" فيها وجْهَانِ: أظهرُهُمَا: أنها في محلِّ نَصْبٍ على الحالِ، أي: مَا لَكُمْ غير مُقاتِلِين، أنكر عليهِمْ أن يكُونُوا على غير هذه الحَالَةِ، وقد صرَّح بالحَالِ بعد هذا التركيب في قوله: {أية : فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ} تفسير : [المدثر: 49] وقال في مثل هذه الحال: إنَّها لازمة؛ لأنَّ الكلام لا يتمُّ دونَها، وفيه نَظَرٌ، والعَامِل في هذه الحالِ، الاستقرار المقدَّر؛ كقولك: ما لك ضاحِكاً. والوجه الثاني: أن الأصل: "وما لكم في ألا تقاتلوا" فَحُذِفَت "في" فبقي "ألا تقاتلوا" فجرى فيها الخِلاف المَشْهُور، ثم حُذِفَت "أنْ" النَّاصِبَة، فارْتَفَعَ الفِعْل بَعْدَهَا؛ كقولهم: تَسْمعُ بالمُعَيْدِيِّ خَيرٌ من أنْ تَرَاهُ، وقوله: [الطويل] شعر : 1830- أيُّهَذَا الزَّاجِرِي أحْضُرُ الْوَغَى ............................ تفسير : في إحدى الروايتين، وهذا يؤيِّد كَوْنَ الحَالِ ليست بلازِمة. فصل قالت المُعتزلة: قوله: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} إنكار عليهم في تَرْك القِتَالِ، وبَيَان أن لا عُذْر ألْبَتَّة في تركه، ولو كان فِعْل العَبْد، بخلق الله - تعالى -، لبطل هذا الكلام؛ لأن من أعْظَم العُذْر أنَّ الله ما خَلَقَهُ وما أرادَهُ، وما قَضَى به، وجوابُه مذكورٌ. قوله: "والمستضعفين" فيه ثلاثة أوجه: أظهرها: أنه مَجْرورُ عطفاً [على اسْمِ اللَّه، أي: وفي سَبيلِ المُسْتَضْعَفِين. والثاني: وإليه ذَهَب الزجاج والمَبرِّد أن يكون مَجْرُوراً عطفاً] على نَفْسِ "سَبِيل". قال أبو البَقَاء بعد أن حَكَاهُ عن المُبَرِّد وحده: وليس بِشَيْءٍ كأنه لم يَظْهر لأبِي البَقَاء وجه ذلك، ووَجْهُه أنَّ تقديره: وفي خلاص المُسْتَضْعفِين. والثَّالِث: وإليه ذَهَب الزَّمَخْشَرِي، أن يكون مَنْصوباً على الاخْتِصَاصِ، تقديره: وأخُصُّ من سبيل اللَّهِ خلاص المُسْتَضْعَفين؛ لأن سَبِيل اللَّه عامٌّ في كل خير؛ وخلاص المُسْتَضْعَفِين من المسْلِمِين من أيدي الكُفَّار من أعْظَم الخيور. والجُمْهُورُ على: "والمستضعفين" بواو العَطْفِ. وقرأ ابن شهاب: {في سبيل الله المستضعفين} وفيها تخريجان: أحدهما: أن يكُونَ حَرْفُ العَطْفِ مقدراً؛ كقولهم: "أكلت لَحْمَاً تَمْراً سَمَكاً". والثاني: أن يكونَ بَدَلاً من "سبيل الله" أي: في سَبِيل الله سبيلِ المُسْتضْعَفِين؛ لأنَّ سَبِيلَهم سَبِيلُ الله - تعالى -. قوله: {مِنَ ٱلرِّجَالِ} فيه وجهان: أحدهما: أنه حالٌ من المُسْتضْعَفين. والثاني: أن "مِنْ" لِبَيَان الجنس، و "الولدان": قيل: جَمْع "وليد"؛ وهم المُسْلِمُون الَّذِين بَقُوا بمكَّة لصدِّ المُشْرِكين، أو ضعفهم عن الهِجْرَة مستنزلين ممتنعين. انتهى بيضاوي. فيكون المُرَاد بهم: العَبيد والإماءُ؛ لأن العَبْد والأمَةَ يقال لَهُما: الوَلِيدُ والوليدَةُ، وجمعهما: الوِلْدَان والوَلائِد، إلا أنَّه ههنا غلَّب الذكور، ويكون المُرادُ بالرِّجَال والنِّسَاء: الأحْرار، والحَرَائِر. وقيل: جَمْع وَلَد؛ كَوَرَل ووِرْلان وحَربٌ وحَرْبَان والمُرَاد بهم: الصِّبْيَان، [وقيل: العبيد والإمَاء، يقال للعبد: "وَليدٌ"، وللأمة: "وليدَةٌ"، فغلَّب المُذكَّر على المُؤنَّث؛ لاندراجه فيه]. و "الذين يقولون" فيه وَجْهَان: أحدهُما: أن يكُونَ مجروراً على أنَّه صفةٌ: إمَّا للمستَضعفِين، وإمَّا للرِّجَال ومن بعدهم، وغلَّب المُذَكَّرَ على المؤنَّثِ. وقال أبو البَقَاء: "الذين يقولون" في مَوْضِع جَرِّ صفة لِمَنْ عَقِل من المذكورين". كأنه تَوَهَّم أنَّ الولدَان الصبيانُ، والصبيانُ لا يعقلُون؛ فَجَعَله نعتاً لِمَنْ عقل من المذْكُورين وهُم الرِّجَال والنِّسَاء دونَ الولدان، لأنَّ جَمْعَ السَّلامَة في المُذَكَّر يُشْترط فيه العَقْلُ، و "الذين" جَارٍ مُجْرَاه. قال شهاب الدين: وهذه غَفْلةً؛ لأنَّ مرادَ النَّحْويين بالعَاقِلِ: ما كان من جنْس العُقَلاَء وإنْ كان مسلوبَ العَقْلِ؛ ويدُلُّ عليه قوله - تعالى -: {أية : أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرَاتِ ٱلنِّسَآءِ} تفسير : [النور: 31] فالمُرادُ بالطفل هنا: الصِّبْيَان الصِّغار، ومع ذلك وَصَفهم بالذين. والثاني: أن يكُونَ منصوباً على الاخْتِصَاصِ. فصل المُرَاد بالمُستضعفين من الرِّجال والنِّسَاء والولْدَان: قومٌ من المُسْلِمِين بقُوا بمكَّة، عَجَزُوا عن الهِجْرَة إلى المَدِينَةِ، وكانوا يَلْقُون من كُفَّار مكَّة أذى شَديداً. قال ابن عبَّاس: كنت أنَا وأمِّي من المُستضعَفِين من النِّسَاء والولدان، وكانُوا يدعُون ويقولُون في دُعائِهِم: "ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها" وكانوا يُشْرِكُون معهم صِغَارَهمُ في الدُّعَاء؛ لأن الصِّغَار لم يُذْنِبُوا؛ كما وَرَدَت السُّنَّة في إخْرَاجِهِم في الاسْتِسْقَاءِ، إنما ذكر الولدان؛ مُبَالَغةً في شَرْحِ ظُلْمِهِم. حيث بَلَغَ أذاهُم غير المُكَلَّفِين، وأجْمَعُوا على أنَّ المراد من هذه القرية الظَّالِمِ أهلها [مكة] وكون أهْلِهَا موصُوفِين بالظُّلْمِ: يُحْتَمل أن يكُون لأجْل لأنَّهُم مُشْرِكُون؛ قال - تعالى -: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تفسير : [لقمان: 13] ويحتمل أن يكون لأجْل أنَّهم كانوا يُؤذُون المُسْلِمين. قوله: "الظالم أهلها" "الظالم": صفةُ للقرية، و "أهلها": مرفوعٌ به على الفاعلية. و "أل" في "الظالم" موصولةٌ بمعنى التي، أي: التي ظَلَمَ أهْلُهَا. فالظلمُ جَارٍ على القَرْيَةِ لفظاً، وهو لِما بَعْدَها معنى، ومثلهُ: "مررْتُ برجلٍ حَسَنٍ غلامُه". قال الزمخشري: فإن قلت: لِمَ ذكَّر "الظالم" وموصُوفُه مؤنث؟ قلت: هو وصْفٌ للقرْية إلا أنَّه مستَنِدٌ إلى أهْلِها، فأعْطِي إعْرَاب "القرية" لأنها صفتها، وذُكِّر لإسناده إلى الأهْل؛ كما تقول: من هذه القرية التي ظلم أهلُها، ولو أنِّثَ فقيل: "الظَّالمةُ أهْلُها" لجَاز، لا لتأنيث الموصُوف؛ بل لأنَّ الأهلَ يُذَكَّرُ ويؤنَّثُ. فإن قلت: هل يجُوزُ: مِنْ هذه القريةِ الظَّالِمين أهْلُها؟. قلت: نَعَمْ، كما تقُول: "التي ظلموا أهلها" على لغة: "أكلوني البراغيث" ومنه: {أية : وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} تفسير : [الأنبياء: 3] انتهى. وهذه قاعدةٌ كُلية: أنَّ الصِّفة إذا جَرَتْ على غيرِ مَنْ هِيَ له سواءً كَانَتْ خبراً، أم نعتاً، أم حالاً يُنْعَتُ ما قَبْلَها في اثنين من خَمْسَة: واحدٍ من ألْقَابِ الإعْراب، وواحدٍ من التَّنْكير والتَّعْرِيف، وأمَّا بالنِّسْبَةِ إلى التَّذْكير، والتَّأنيث، والإفراد، وضدَّيه فَيُحْسَبُ المرفُوعُ بها كالفِعْلِ، وقد تقدَّم تحقيقُه، ويجبُ أيضاً إبرازُ الضَّمير منها مُطْلَقاً - أعني: سواءً ألْبس أم لم يُلْبِس - وأمَّا إذا كان المَرْفُوعُ بها اسْماً ظَاهِراً، فلا حاجة إلى رفعها الضَّمِيرَ، إلا أنه لا بُدَّ من رَاجِع يرْجع إلى الاسْمِ الموْصُوف بها لَفْظاً كهذه الآية، وهذا بِخِلافِ الفِعْلِ إذا وُصِف به، أو أُخْبِر به، أو وَقَعَ حالاً لِشَيْء لفظاً وهو لغيره مَعْنىً، فإن الضَّمِيرَ لا يُبْرَزُ منه بل يَسْتَتِرُ، نحو: "زيدٌ هِنْدٌ يَضْرِبُها" و "هند زيدٌ تَضْرِبُه" من غيرِ ضميرٍ بارزٍ، لقوة الفِعْل وضَعْفِ الاسم في العَمَلِ، وسواءً لم يُلْبِس - كما تقدَّم تَمْثِيله - أو ألْبَسَ، نحو: "زيدٌ عَمْرو يضربه" إذا قصدْتَ أن زيداً هو الضَّارِبُ لِعمْرو، هذا مُقْتَضَى مذهب البصْريِّين، نصَّ عليه مَكي وغيره، إلا أنَّه قال قبل ذَلِكَ: "إلا أنَّ اسْمَ الفَاعِل إذا كان خَبَراً أو صِفَةً لغير مَنْ هو له، لم يَسْتَتِرْ فيه ضَمِيرٌ، ولا بد من إظْهَارِهِ، وكذلك إنْ عُطِف على غَيْرِ مَنْ هُوَ لَهُ". قال شهاب الدين: هذه الزِّيادةُ لمْ يذكُرْها النَّحْويُّون وتمثيلُها عَسِرٌ، وأمَّا ابنُ مالِكٍ: فإنه سَوَّى بين الفِعْل والوَصْف، يعني: إنْ ألْبس، وجَب الإبْرازُ حتى في الفِعْل، نحو: زيدٌ عَمْرٌو يَضْرِبُه هو" وإن لم يُلْبس جَاز، نحو: "زَيْد هِنْدٌ يضْرِبُها" وهذا مقتضى مذهَبِ الكوفيين؛ فإنهم عَلَّلوا باللبس، وفي الجُمْلَة ففي المَسْألة خِلافٌ. قوله: {وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً} قال ابن عبَّاسٍ: يريدون: اجهل علينا رجُلاً من المُؤمنين يُوَالِينا، ويقوم بِمَصالِحِنا، ويحفظ عَلَيْنَا دِيننا وشرْعَنا؛ فأجَابَ اللَّهُ دعاءَهُم؛ لأن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، لما فَتَح مكَّة، جعل عتَّاب بن أسَيْد وَالِياً عليهم، فكان يُنْصِف الضَّعيفَ من القويِّ، والمَظْلوم مِنَ الظَّالِم. وقيل: المُرَاد: واجْعَل لَنَا من لدُنْك ولاية ونُصْرَة، أي: كُنْ أنْتَ لنا ولِيّاً.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً} [الآية: 75]. قيل: وليًا يدلنا منك عليك.

القشيري

تفسير : أي شيء يمنعكم عن القتال في سبيل الله؟ وما الذي لا يُرَغِّبُكُم في بذل المهجة لله؟ وماذا عليكم لو بذلتم أرواحكم في الله ولله؟ أتخافون أن تخسِرُوا على الله؟ أم لا تعلمون أنكم تُحشَرُونَ إلى الله؟ فلم لا تكتفون ببقائه بعد فنائكم في الله؟

اسماعيل حقي

تفسير : {وما لكم} اى أى شىء حصل لكم من العلل ايها المؤمنون حال كونكم {لا تقاتلون فى سبيل الله} اى تاركين القتال يعنى لا عذر لكم فى ترك المقاتلة وهذا استفهام بمعنى التوبيخ ولا يقال ذلك الا عند سبق التفريط {والمستضعفين} عطف على السبيل بحذف المضاف لا على اسم الله وان كان اقرب لان خلاص المستضعفين سبيل الله لا سبيلهم والمعنى فى سبيل الله وفى خلاص الذين استضعفهم الكفار بالتعذيب والاسر وهم الذين اسلموا بمكة وصدهم المشركون عن الهجرة فبقوا بين اظهرهم مستذلين مستضعفين يلقون منهم الاذى الشديد وانما خصهم بالذكر مع ان سبيل الله عام فى كل خير لان تخليص ضعفة المسلمين من ايدى الكفار من اعظم الخير واخصه {من الرجال والنساء والولدان} بيان للمستضعفين والولدان الصبيان جمع ولد وانما ذكرهم معهم تسجيلا بافراط ظلمهم حيث بلغ اذاهم الولدان غير المكلفين ارغاما لآبائهم وامهاتهم ومبغضة لهم لمكانهم ولان المستضعفين كانوا يشركون صبيانهم فى دعائهم استنزالا لرحمة الله بدعاء صغارهم الذين لم يذنبوا كما فعل قوم يونس وكما وردت السنة باخراجهم فى الاستسقاء. ودلت الآية على ان استنقاذ الاسارى من المسلمين من ايدى الكفار واجب بما قدروا عليه من القتال واعطاء المال {الذين} صفة للمستضعفين {يقولون} يعنى لا حيلة لهؤلاء المستضعفين ولا ملجأ الا الله فيقولون داعين {ربنا اخرجنا من هذه القرية} مكة {الظالم اهلها} بالشرك الذى هو ظلم عظيم وباذية المسلمين {واجعل لنا من لدنك وليا} اى ول علينا واليا من المؤمنين يوالينا ويقوم بمصالحنا يحفظ علينا ديننا وشرعنا {واجعل لنا من لدنك نصيرا} ينصرنا على اعدائنا ولقد استجاب الله دعاءهم حيث يسر لبعضهم الخروج الى المدينة قبل الفتح وجعل لمن بقى منهم الى الفتح خير ولى واعز ناصر ففتح مكة على يدى نبيه صلى الله عليه وسلم فتولاهم أى تولية ونصرهم أى نصرة ثم استعمل عليهم عتاب بن اسيد فجعل يضعف قدر الضعيف للحق ويعز العزيز بالحق فرأوا منه الولاية والنصرة كما ارادوا حتى صاروا اعز اهلها.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {ما} مبتدأ. و {لكم} خبر. و {لا تقاتلون} حال، و {المستضعفين} عطف على اسم الجلالة، أي: أيَ شيء حصل لكم حال كونكم غير مجاهدين في سبيل الله وفي تخليص المستضعفين؟ و {الظالم} نعت للقرية، وإنما ذُكَّر ولم يؤنث، لأنه أسند إلى المذكر، واسم الفاعل إذا جرى على غير مَن هُوَ لَهُ أجرى مجرى الفعل، فيذكر ويؤنث باعتبار الفاعل. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وما لكم} يا معشر المسلمين {لا تقاتلون في سبيل الله}، وفي تخليص إخوانكم {المستضعفين} بمكة، الذين حبسهم العدو أو أسرهم ومنعهم من الهجرة؛ {من الرجال والنساء والولدان}، فهم في أيديهم مغللون ممتحنون. قال البيضاوي: وإنما ذكر الولدان مبالغة في الحث وتنبيهًا على تناهي ظلم المشركين بحيث بلغ أذاهم الصبيان، وأن دعوتهم أجيبت بسبب مشاركتهم في الدعاء، حتى تشاركوا في استنزال الرحمة واستدفاع البلية. هـ. ثم ذكر دعاءهم فقال: {الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية} أي: مكة {الظالم أهلها} بالشرك والطغيان حتى تعدى إلى النساء والصبيان. {واجعل لنا من لدنك وليًّا} يصوننا عن أذاهم، {ونصيرًا} يمنعنا من التخلف عن الهجرة إلى رسولك صلى الله عليه وسلم، فاستجاب الله دعاءهم بأن يسَّر لبعضهم الخروج إلى المدينة، وجعل لمن بقي منهم أعظم ولي وناصر، بفتح مكة على نبيه صلى الله عليه وسلم، فتولاهم ونصرهم، واستعمل عليهم عتَّاب بن أسيد، فحماهم وأعزهم حتى صارو أعزاء أهلها، كما هي عادته سبحانه في إجابة دعاء المضطرين. الإشارة: ما لكم يا معشر العِباد، وخصوصًا المريدين من أهل الجد والاجتهاد، لا تجاهدون نفوسكم في طريق الوصول إلى الله، كي تنالوا بذلك مشاهدة جماله وسناه، وتخلصوا ما كمن في نفوسكم من الأسرار، وما احتوت عليه من العلوم والأنوار. فإن قرية البشرية قد احتوت عليها وأسرتها بظلمات شهواتها، واستضعفتها بتراكم غفلتها وتكثيف حجاب حسها. فمن جاهدها استخلص جواهر تلك العلوم والأسرار مِن صَدَفِها. وفي ذلك يقول ابن البنا في مباحثه: شعر : ولم تزل كُلُّ النُّفُوسِ الأحيا عَلاَّمة درَّاكة للأشيَا وإنما تَعُوقُها الأبدَان والأنفس النزع والشَّيطَان فكلُّ مَن أذَاقَضهم جهادَه أظهرَ للقاعد خَرقَ العاده تفسير : وقال أيضًا: شعر : وَهِيَ مِن النفوس في كُمُون كما يكون الحَبُّ في الغُصُون تفسير : فالرجال: الأسرار والأنوار، والنساء: العلوم والأذكار، والولدان: الحكم بنات الأفكار. فكل هؤلاء مستضعفون تحت قهر البشرية الظالم أهلها. ومن الأنفس النزع والشياطين المغوية، فكل من جاهد هؤلاء القواطع أظهر تلك العلوم والأنوار السواطع، واستخلص رُوحه من أسر حجاب الأكوان، وأفضى إلى فضاء الشهود والعيان. وبالله التوفيق. وهو الهادي إلى سواء الطريق.

الطوسي

تفسير : المعنى والاعراب: معنى قوله: {وما لكم} أي شيء لكم. و {لا تقاتلون} في موضع الحال كأنه قال: أي شيء لكم تاركين، أي في حال القتال مع هذه الامور التي تقتضي الحرص على الجهاد، أي لا عذر لكم ألا تقاتلوا في سبيل الله، ومثله قوله: {أية : فما لهم عن التذكرة معرضين } تفسير : وقوله: {والمستضعفين} خفض بالعطف على ما عملت فيه (في) وتقديره في المستضعفين. وقيل في معناه قولان: أحدهما - وعن المستضعفين، فوقع (في) موقع (عن) فاذا ذكرت (عن) فلصرف الأذى عنهم إذ كانت لما عدا الشيء وإذا ذكرت (في) فلأن القتال مضمن بهم، لخلاصهم، إذا كانت في للوعاء. الثاني - ان يكون على محذوف، وتقديره وفي اعزاز المستضعفين، وقد قال المبرد: هو عطف على اسم الله بتقدير، وسبيل المستضعفين {من الرجاء والنساء والوالدان}. اللغة والمعنى: والوالدان جمع ولد على مثال خرب وخربان، وبرق وبرقان، وورل وورلان، مثل ولد وولدان، وهو من ابنية الكثير، والاغلب على بابه فعال نحو جبال وجمال. وقوله: {الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها} قال ابن عباس والحسن وابن أبي نجيح، والسدي ومجاهد وابن زيد: إنها مكة، لأن أهل مكة كانوا قد اجتهدوا أن يفتنوا قوماً من المؤمنين عن دينهم، والأذى لهم وكانوا مستضعفين في أيديهم. وقال تعالى {ما لكم} لا تسعون في خلاصهم. وهم يسمون كل مدينة قرية، وإنما جاز أن يجري صفة ظالم على الأول وهو في المعنى للثاني، لأنها قوية في العمل لقربها من الفعل متمكنة من الوصف بأنها تصرف تصرفه في التأنيث والتذكير والتثنية، والجمع، خلاف باب أفعل منك، فلذلك جاز مررت برجل ظالم أبوه، ولم يجز مررت برجل خير منه أبوه. والولي القيم بالأمر حتى يستنقذهم من أمر أعدائهم، لأنه يتولى الأمر بنفسه، ولا يكله إلى غيره. وحكى أبو علي ان منهم سلمة بن هشام، والوليد بن الوليد، وعياش بن أبي ربيعة وأبو جندل بن سهيل، وانما قال: {يقولون.. الظالم أهلها} وان كان فيهم الولدان لا ينطقون تغليباً للاكثر، كقولك قال أهل البصرة، وإن كان قولا لبعضهم.

الجنابذي

تفسير : {وَمَا لَكُمْ} اىّ منفعة لكم او اىّ مانع لكم والجملة عطف على قوله ليقاتل او حال او معطوف على مقدّرٍ تقديره: اذا كان القتال لكم مطلقاً فما لكم لا ترغبون؟! فيه وما لكم {لاَ تُقَاتِلُونَ} استيناف جواب لسؤال مقدّر او حال عن المجرور {فِي} تقوية {سَبِيلِ ٱللَّهِ} او حفظها وهى الولاية فانّها سبيل الله حقيقة وكلّما انشعب منها او اتّصل بها فهو سبيل الله بتبعها {وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ} عطف على الله او على سبيل الله سواء كان المراد بهم الائمّة واتباعهم واولادهم الّذين عدّهم اشباه النّاس ضعفاء او جعلوهم ضعفاء بمنع فيئهم وقتل انصارهم ام كان المراد بهم ضعفاء العقول من الشّيعة او غيرهم، والمعنى ما لكم لا تقاتلون الاعداء الظّاهرة للولاية فى تقوية الولاية واعلائها واعلانها بأيديكم والسنتكم واموالكم ببذلها للاعداء فى اسكاتهم او ببذلها لمن يدافعهم ويسكتهم والاعداء الباطنة لها بالسنتكم باذكارها وبجوارحكم باعمالها وبقواكم الّتى هى اموالكم الباطنة ببذلها حتّى تدفعوا اعداءها عنها وفى تقوية الّذين عدّهم الاعداء او جعلوهم ضعفاء من الائمّة واتباعهم وغى نصرتهم، او تقوية المعدودين من الضّعفاء بدفع الشّبه الواردة عليهم من الاعداء وهم شيعة ائمّة الهدى (ع)، او فى تقوية الضّعفاء من جنود وجودك الّتى عدّهم الشّيطان وجنوده او جعلوهم ضعفاء، او فى حفظ المعدودين من ضعفاء العقول عن الهلاك والضّياع {مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَانِ ٱلَّذِينَ} لا قوّة لهم على مدافعة الاعداء {يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا} ان كان النّزول فى ضعفاء مكّة فلا اختصاص لها بهم كما فى الخبر فالقرية مكّة وكلّ قرية لا يجد الشّيعة فيها وليّاً من الامام ومشايخهم وكلّ قرية وقع بها الائمّة بين منافقى الامّة وقرية النّفس الحيوانيّة الّتى لا يجد الجنود الانسانيّة فيها وليّاً ويطلبون الخروج منها الى قرية الصّدر ومدينة القلب ويسألون الحضور عند امامهم او مشايخهم فى بيت القلب خالياً عن مزاحمة الأغيار بقولهم {وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً} تكرار اجعل لانّ مقام التّضّرع والابتهال يناسبه التّطويل والالحاح فى السّؤال ولانّ المسؤل ليس شخصاً واحداً ولو كان واحداً لم يكن مسؤلاً من جهة واحدة بل المسؤل محمّد (ص) وعلىّ (ع)، او المسؤل محمّد (ص) من جهة هدايته ومن جهة نصرته، او علىّ (ع) كذلك وقد بقى بين الصّوفيّة ان يكون التّعليم والتّلقين بتعاضد نفسين متوافقتين يسمّى احد - الشّخصين هادياً والآخر دليلاً، والشّيخ الهادى له الهداية وتولّى امور السّالك فيما ينفعه ويجذبه والشّيخ الدّليل ينصره لمدافعة الاعداء ويخرجه من الجهل والرّدى بدلالته طريق التّوسّل الى شيخ الهدى، وفى الآية اشارة الى انّ السّالك ينبغى له ان يطلب دائماً حضوره عند شيخه بحسب مقام نورانيّته ومقام صدره وهو معنى انتظار ظهور الشّيخ فى عالمه الصّغير وامّا ظهور الشّيخ بحسب بشريّته على بشريّة السّالك فلا يصدق عليه انّه من لدن الله واذا ظهر الشّيخ بحسب النّورانيّة كان وليّاً من لدن الله ونصيراً من لدنه.

الأعقم

تفسير : {وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله} أي في دينه أي ليس لكم عذر في ترك القتال أيها المؤمنون {والمستضعفين من الرجال والنساء} هم الذين أسلموا بمكة وصدهم المشركون عن الهجرة فبقوا بين أظهرهم مستذلين يلقون منهم الأذى الشديد وكانوا يدعون الله بالإخلاص ويستنصرونه فيسر الله لبعضهم الخروج إلى المدينة وبقي بعضهم إلى الفتح حتى جعل الله لهم من لدنه خير ولي وهو محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فتولاهم أحسن التولي ونصرهم أقوى النصر ولما خرج استعمل على أهل مكة عياض بن أسد قال ابن عباس كان ينصر الضعيف من القوي حتى كانوا أعز بها من الظلمة {الذين يقولون} هؤلاء المستضعفين يقولون في دعائهم {ربنا أخرجنا من هذه القرية} أي سهّل لنا الخروج وانقذنا من أيدي الظلمة من هذه القرية يعني مكة {الظالم أهلها} الذين ظلموا المؤمنين وصدّوهم عن دينهم ومنعوهم من الهجرة {واجعل لنا من لدنك ولياً} قيل: اجعل لنا بألطافك {واجعل لنا من لدنك نصيراً} {الذين آمنوا} صدقوا الله ورسوله {يقاتلون} يجاهدون {في سبيل الله} أي في دينه وطاعته {والذين كفروا} كذبوا الله ورسوله {يقاتلون في سبيل الطاغوت} قيل: طريق الشيطان، وقيل: كلَّ ما عُبِد من دون الله فهو طاغوت، وقيل هو الكاهن، وقيل: في طاعة كبرائهم {فقاتلوا} جاهدوا أيها المؤمنون {أولياء الشيطان} يعني الذين يتولونه ويطيعونه، وقيل: حزب الشيطان {إن كيد الشيطان} مكره وتدبيره {كان ضعيفاً} قيل: تضعف نصرته لأوليائه وكيد الشيطان للمؤمنين إلى حيث كيد الله الكافرين أضعف شيء وأهونه، وقيل: انه أخبرهم بظهور المؤمنين عليهم فلذلك كان كيده ضعيف، وقيل: سمَّاه ضعيفاً لضعف دواعي أوليائه إلى القتال لأنه لا نصرة لهم وقوة دواعي المسلمين لأنه تعالى ناصرهم {ألم تر الى الذين قيل لهم كفوا أيديكم} الآية قيل: نزلت في ناس من الصحابة استأذنوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بمكة في قتال المشركين لما ينالهم من أذاهم فلم يأذن لهم فلما كتب عليهم القتال بالمدينة كعَّ فريق منهم لا شك في الدين ولا رغبة عنه ولكن نفوراً عن الاخطار بالروح وخوفاً من الموت وقال فريق منهم ما حكى الله تعالى: {لولا أخرتنا إلى أجل قريب} وقيل: نزلت في المنافقين {يخشون الناس} معناه: يخشون الناس مثل أهل خشية أي مشبهين لأهل خشية الله {أو أشدّ خشية} من أهل خشيته وأشد معطوف على الحال {لولا أخرتنا إلى أجل قريب} استزادة في مدة الكف واستمهال إلى وقت آخر كقوله: لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق {ولا تظلمون فتيلاً} ولا تنقصون أدنى شيء من أجوركم على ميثاق القتال، وقيل: لا تنقصون شيئاً مما كتب من آجالكم ثم رد عليهم فقال تعالى: {أينما تكونوا} في ملاحم حروب أو غيرها ثم ابتدأ قوله: {يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة} الوقف على هذا الوجه على أينما تكونوا والبروج: الحصون المشيدة مرتفعة، وقيل: مشيدة بكسر الياء {وإن تصبهم حسنة} والمعنى وان تصبهم نعمة من خصب ورخاء نسبوها إلى الله {وإن تصبهم سيئة} بلية من قحط وشك أضافوها إليك وقالوا: هي من عندك وما كانت إلا سوءتك كما قال الله عن موسى: {أية : وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه} تفسير : [الأعراف: 131] وعن قوم صالح {أية : قالوا اطّيرنا بك وبمن معك} تفسير : [النمل: 47] والسيئة تقع على البلاء والمعصية والحسنة تقع على الطاعة والنعمة قال تعالى: {أية : وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون} تفسير : [الأعراف: 168] وقال: {أية : إن الحسنات يذهبن السيئات} تفسير : [هود: 114] وقيل: إن الآية نزلت في اليهود تشاءموا برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والمنافقين وذلك أنهم لما قدم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة قالوا: ما زلنا نعرف النقصان في ثمارنا ومزارعنا مذ قدم الرجل علينا فنزلت الآية، وردّ الله عليهم {قل كل من عند الله} يبسط الأرزاق ويقبضها على حسب المصالح {فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً} فيعلمون أن الله هو القابض والباسط وكل ذلك عن حكمة وصواب ثم قال: {ما أصابك} يا إنسان خطاباً عاماً {من حسنة} أي من نعمة وإحسان {فمن الله} تفضلاً منه وإحساناً وامتناناً وإمتحاناً {وما أصابك من سيئة} أي: من بلية ومصيبة فمن عندك لأنك السبب فيها، وروي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: "حديث : ما يصيب ابن آدم خدش عود ولا عثرة قدم إلاّ بذنب وما يغفر الله أكثر" تفسير : {وأرسلناك للناس رسولاً} أي رسولاً للناس جميعاً العرب والعجم {وكفى بالله شهيداً} على ذلك، فما ينبغي لأحد أن يخرج عن طاعتك واتباعك".

الهواري

تفسير : قوله: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالمُسْتَضْعَفِينَ} قال الحسن: يعني وعن المستضعفين من أهل مكة من المسلمين. {مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ}. قال مجاهد: أمر الله المؤمنين أن يقاتلوا عن مستضعفين كانوا بمكة {الذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ القَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا} وهم مشركو أهل مكة {وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً} أي على أعدائنا في تفسير الحسن. قال الكلبي: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عتّاب بن أسيد أميراً على مكة فاشتد على الظالمين من أهلها، ولان للمسلمين حتى أنصف الضعيف من الشديد. قوله: {الذِينَ ءَامَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ} والطاغوت الشيطان. قال الله: {فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ} وهم المشركون {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً} أخبرهم أنهم يظهرون عليهم في تفسير الحسن.

اطفيش

تفسير : {وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ}: هذه الجملة حال من المستتر فى لكم. {فِى سَبِيلِ اللهِ} يعم أبواب الخير. {وَالمُسْتَضعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ}: بيان للمستضعفين حال منه. {وَالنِّسَاءِ وَالوِلْدَانِ}: أى فى شأن سبيل الله، وشأن المستضعفين، فشأن سبيل الله اعلاء دين الله، وشأن المستضعفين تخليصهم من المشركين يصدونهم عن دين الله، ويؤذونهم، والظرفية مجازية، ويجوز أن تكون فى معنى لام التعليل، أى لسبيل الله على حذف مضاف، أى لاعلاء دين الله وتخليص المستضعفين. ويجوز أن لا يقدر مضاف اكتفاء بالأول، على أن المعنى وسبيل المستضعفين وسبيلهم هو تخليصهم من المشركين فى مكة، فان تخليصهم من أعظم الخير وأخصه حتى أنه يجوز نصب المستضعفين، أى وأخص المستضعفين من عموم سبيل الله لعظم تخليصهم، ودخل فى المستضعفين المقيمون فى مكة والأسارى فيها قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : أطعموا الجائع وعودوا المريض وفكوا العانى ". تفسير : قال ابن عباس فى هذه الآية: كنت أنا وأمى من المستضعفين الذين عذر الله، من الولدان، وأمى من النساء، والولدان جمع ولد وهو الصبى، وقيل: جمع وليد، فالمراد بهم العبيد والإماء لا يقال للعبد وليد، وللأمة وليدة، والجمع فيهما الولدان للوليد، وغلب الذكور هنا فسمى الذكور والاناث معا الولدان، وكلام ابن عباس يدل على الأول، ويكون الرجال والنساء وبمعنى الأحرار والحرائر البالغين، والأطفال والولدان العبيد، والاماء ولو بلغوا على هذا. وكذا كان العرف عند الناس، وذكر الولدان مع أنهم ليسوا ممن يقصد فى العادة بالأذى، سواء بمعنى الصبيان أو بمعنى العبيد والاماء للمبالغة فى الحث على قتال من يضر من ليس من شأنه أن يقصده الناس بالأذى، وكان مشركو مكة حينئذ يضرون الصبيان والعبيد، اما بالكلام أو الضرب ارغاما لآبائهم وأمهاتهم وساداتهم، وللتنبيه على تناهى ظلمهم اذ كانوا يضرون هؤلاء، لأن الدعوة أجيبت بسبب مشاركة الأضعفين فيها الصبى، والعبد والأمة، إذ قلوبهم قد ترق للصغر وامتهان العبودية، ولأنه لا ذنب للصبى، ولعظم مشقة العبادة على العبيد، لأن عليهم طاعة الله جل وعلا وطاعة ساداتهم، وقد وردت السنة باخراج الصبيان فى الاستسقاء. وكان المستضعفون البلغ يشركونهم فى الدعاء، وكذا قوم يونس شركوهم فيه فأجيبوا بهم مع نصوح التوبة. {الَّذِينَ}: نعت للمستضعفين أو للرجال وما بعده على تغليب الرجال والولدان فى تذكير ضمير الصلة التى هى قوله: {يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجنَا مِنْ القَرْيَةِ}: مكة، وهذا نص فى أن الولدان دعوا، وقد علمت أن الولدان معطوف على الرجال أو على النساء، وأنهم من جملة المستضعفين، فلا حاجة الى أن يقال: انهم ليسوا من المستضعفين، وانهم وعطفوا على المستضعفين وذلك أنهم يؤذون كما يؤذى غيره فذلك استضعاف. {الظَّالِمِ}: نعت للقرية، ولم يؤنث لأنه سببى، وذلك أن القرية ليست ظالمة، بل أهلها، واهلها مذكر، وهو الفاعل، كما قال: {أَهْلُهَا}: بالرفع، ولو قيل: الظالمة أهلها بالتأنيث لكن الجوار تأنيث الأهل، لا لكون القرية مؤنثا، والظلم المذكور هو الشرك ومضرة الناس. {وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا}: يلى أمرنا بجلب الخير والمصالح الينا. {وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنك نَصِيراً}: يدفع عنا العدو ومضرته أما أن يسأل الله أن يجعل لهم انسانا أو غيره وليا، وآخر ناصرا كملك يليهم بالخير، ويدفع عنهم الضر، واما أن يبالغوا فى سؤال الله أن يكون لهم وليا ونصيرا على طريق التجريد، تعالى الله عن كل نقص. ولكن ولاية الله ونصره بما يشاء من واسطة وعدمها، وقد أجاب الله عز وجل وتعالى وتقدس دعاءهم بأن ييسر لبعضهم الخروج الى المدينة قبل الفتح، وجعل لمن بقى منهم خير ولى ونصير من الخلق، وهو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، إذ فتح مكة ونصرهم، ثم استعمل عليهم عتاب بن أسيد، وسعى فى جلب الخير لهم، ودفع الضر والعدو، فصاروا أعزة أهلها، وكان صغير السن ابن ثمانى عشرة سنة، ومع ذلك ينصر الضعيف والمظلوم، حتى يصلا الى حقهما.

الالوسي

تفسير : {وَمَا لَكُمْ} خطاب للمأمورين بالقتال على طريقة الالتفات مبالغة في التحريض والحث عليه وهو المقصود من الاستفهام، و {مَا} مبتدأ و {لَكُمْ} خبره، وقوله تعالى: {لاَ تُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} في موضع الحال والعامل فيها الاستقرار، أو الظرف لتضمنه معنى الفعل [والاستفهام للإنكار والنفي] أي أيّ شيء لكم غير مقاتلين والمراد لا عذر لكم في ترك المقاتلة {وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ} إما عطف على الاسم الجليل أي في سبيل المستضعفين وهو تخليصهم عن الأسر وصونهم عن العدو ـ وهو المروي عن ابن شهاب ـ واستبعد بأن تخليصهم سبيل الله تعالى لا سبيلهم، وفيه أنه وإن كان سبيل الله عز اسمه له نوع اختصاص بهم فلا مانع من إضافته إليهم؛ واحتمال أن يراد بالمقاتلة في سبيلهم ـ المقاتلة في فتح طريق مكة إلى المدينة ودفع سد المشركين إياه ليتهيأ خروج المستضعفين ـ مستضعف جداً، وإما عطف على (سبيل) بحذف مضاف، وإليه ذهب المبرد أي وفي خلاص المستضعفين، ويجوز نصبه بتقدير أعني أو أخص فإن سبيل الله تعالى يعم أبواب الخير وتخليص المستضعفين من أيدي المشركين من أعظمها وأخصها، ومعنى المستضعفين الذين طلب المشركون ضعفهم وذلهم أو الضعفاء منهم والسين للمبالغة. {مِنَ ٱلرّجَالِ وَٱلنّسَاء وَٱلْوِلْدٰنِ} بيان للمستضعفين وهم المسلمون الذين / بقوا بمكة لمنع المشركين لهم من الخروج، أو ضعفهم عن الهجرة، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كنت أنا وأمي من المستضعفين، وقد ذكر أن منهم سلمة بن هشام، والوليد بن الوليد وأبا جندل بن سهيل، وإنما ذكر الولدان تكميلاً للاستعطاف والتنبيه على تناهي ظلم المشركين، والإيذان بإجابة الدعاء الآتي واقتراب زمان الخلاص وفي ذلك مبالغة في الحث على القتال. ومن هنا يعلم أن الآية لا تصلح دليلاً على صحة إسلام الصبـي بناءاً على أنه لولا ذلك لما وجب تخليصهم على أن في انحصار وجوب التخليص في المسلم نظراً لأن صبـي المسلم يتوقع إسلامه فلا يبعد وجوب تخليصه لينال مرتبة السعداء، وقيل: المراد ـ بالولدان العبيد والإماء وهو على الأول: جمع وليد ووليدة بمعنى صبـي وصبية وقيل: إنه جمع ولد كورل وورلال، وعلى الثاني: كذلك أيضاً إلا أن الوليد والوليدة بمعنى العبد والجارية. وفي «الصحاح»: الوليد الصبـي والعبد والجمع ولدان، والوليدة الصبية والأمة والجمع ولائد، فالتعبير ـ بالولدان ـ على طريق التغليب ليشمل الذكور والإناث. {ٱلَّذِينَ} في محل جر على أنه صفة للمستضعفين، أو لما في حيز البيان، وجوز أن يكون نصباً بإضمار فعل أي أعني أو أخص الذين. {يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّـٰلِمِ أَهْلُهَا} بالشرك الذي هو ظلم عظيم، وبأذية المؤمنين ومنعهم عن الهجرة والوصف صفة قرية وتذكيره لتذكير ما أسند إليه فإن اسم الفاعل والمفعول إذا أجري على غير من هو له فتذكيره وتأنيثه على حسب الاسم الظاهر الذي عمل فيه، ولم ينسب الظلم إليها مجازاً كما في قوله تعالى: {أية : وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا} تفسير : [القصص: 58] وقوله سبحانه: {وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً} إلى قوله عز وجل: {أية : فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ} تفسير : [النحل: 112] لأن المراد بها مكة كما قال ابن عباس والحسن والسدي وغيرهم، فوُقرت عن نسبة الظلم إليها تشريفاً لها شرفها الله تعالى. {وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً} يلي أمرنا حتى يخلصنا من أيدي الظلمة، وكلا الجارين متعلق ـ باجعل ـ لاختلاف معنييهما. وتقديمهما على المفعول الصريح لإظهار الاعتناء بهما وإبراز الرغبة في المؤخر بتقديم أحواله، وتقديم اللام على {مِنْ} للمسارعة إلى إبراز كون المسؤول نافعاً لهم مرغوباً فيه لديهم، وجوز أن يكون {مِن لَّدُنْكَ} متعلقاً بمحذوف وقع حالاً من {وَلِيّاً} وكذا الكلام في قوله تعالى: {وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً} أي حجة ثابتة قاله عكرمة ومجاهد، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: المراد وَلّ علينا والياً من المؤمنين يوالينا ويقوم بمصالحنا ويحفظ علينا ديننا وشرعنا وينصرنا على أعدائنا، ولقد استجاب الله تعالى شأنه دعاءهم حيث يسر لبعضهم الخروج إلى المدينة وجعل لمن بقي منهم خير وليّ وأعز ناصر، ففتح مكة على يدي نبيه صلى الله عليه وسلم فتولاهم أي تولّ، ونصرهم أيّ نصرة، ثم استعمل عليهم عتاب ابن أسيد وكان ابن ثماني عشرة سنة فحماهم ونصرهم حتى صاروا أعز أهلها، وقيل: المراد اجعل لنا من لدنك ولاية ونصرة أي كن أنت ولينا وناصرنا. وتكرير الفعل ومتعلقيه للمبالغة في التضرع والابتهال. هذا ومن باب الإشارة في الآيات: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَـٰنَـٰتِ إِلَى أَهْلِهَا} أمر للعارفين أن يظهروا ما كوشفوا به من الأسرار الإلهية لأمثالهم ويكتموا ذلك عن الجاهلين، أو أن يؤدوا حق كل ذي حق إليه فيعطوا الاستعداد حقه وألقوا حقها وآخر الآمانات أداء أمانة الوجود فليؤده العبد إلى سيده سبحانه وليفن فيه عز وجل: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ} بالإرشاد ولا يكون إلا بعد الفناء والرجوع إلى البقاء {أية : أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ} تفسير : [النساء: 58] وهو الإفاضة حسب الاستعداد {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ} بتطهير كعبة تجليه ـ وهو القلب ـ عن / أصنام السوى {وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} بالمجاهدة وإتعاب البدن بأداء رسوم العبادة التي شرعها لكم {وَأُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ} وهم المشايخ المرشدون بامتثال أمرهم فيما يرونه صلاحاً لكم وتهذيباً لأخلاقكم. وربما يقال: إنه سبحانه جعل الطاعة على ثلاث مراتب، وهي في الأصل ترجع إلى واحدة: فمن كان أهلاً لبساط القربة وفهم خطاب الحق بلا واسطة كالقائل أخذتم علمكم ميتاً عن ميت، ونحن أخدناه من الحي الذي لا يموت، فليطلع الله تعالى بمراده وليتمثل ما فهمه منه، ومن لم يبلغ هذه الدرجة فليرجع إلى بيان الواسطة العظمى وهو الرسول صلى الله عليه وسلم إن فهم بيانه، أو استطاع الأخذ منه كبعض أهل الله تعالى، وليطعه فيما أمر ونهى، ومن لم يبلغ إلى هذه الدرجة فليرجع إلى بيان أكابر علماء الأمة وليتقيد بمذهب من المذاهب وليقف عنده في الأوامر والنواهي {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْء} أنتم والمشايخ، وذلك في مبادي السلوك حيث النفس قوية {فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ} تعالى {أية : وَٱلرَّسُولِ} تفسير : [النساء: 59] فارجعوا إلى الكتاب والسنة فإن فيهما ما يزيل النزاع عبارة أو إشارة، أو إذا وقع عليكم حكم من أحكام الغيب المتشابهة، وظهر في أسراركم معارضات الامتحان فارجعوا إلى خطاب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فإن فيه بحار علوم الحقائق، فكل خاطر لا يوافق خطاب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فهو مردود {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءامَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ} من علم التوحيد {وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ} من علم المبدأ والمعاد {يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى ٱلطَّـٰغُوتِ} وهو النفس الأمارة الحاكمة بما تؤدي إليه أفكارها الغير المستندة إلى الكتاب والسنة {وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ} ويخالفوه إن النفس لأمارة بالسوء إلا من رحم ربـي {وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَـٰنُ} وهو الطاغوت {أية : أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَـٰلاً بَعِيداً} تفسير : [النساء: 60] وهو الانحراف عن الحق {فَكَيْفَ إِذَا أَصَـٰبَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ} وهي مصيبة التحير وفقد الطريق الموصل {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} من تقديم أفكارهم الفاسدة وعدم رجوعهم إليك {ثُمَّ جَاءوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً} بأنفسنا لتمرنها على التفكر حتى يكون لها ملكة استنباط الأسرار والدقائق من عباراتك وإشاراتك {أية : وَتَوْفِيقاً} تفسير : [النساء: 62] أي جمعاً بين العقل والنقل أو بين الخصمين بما يقرب من عقولهم ولم نرد مخالفتك {أُولَـئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِى قُلُوبِهِمْ} من رين الشكوك فيجازيهم على ذلك يوم القيامة {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} ولا تقبل عذرهم {أية : وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِى أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً} تفسير : [النساء: 63] مؤثراً ليرتدعوا أو كلمهم على مقادير عقولهم ومتحمل طاقتهم {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ} باشتغالهم بحظوظها {جَاءوكَ فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ} طلبوا منه ستر صفات نفوسهم التي هي مصادر تلك الأفعال {وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ} بإمداده إياهم بأنوار صفاته {أية : لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً} تفسير : [النساء: 64] مطهراً لنفوسهم مفيضاً عليها الكمال اللائق بها. وقال ابن عطاء في هذه الآية: أي لو جعلوك الوسيلة لدي لوصلوا إليَّ {أية : فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً} تفسير : [النساء: 65] قال بعضهم: أظهر الله تعالى في هذه الآية على حبيبه خلعة من خلع الربوبية فجعل الرضا بحكمه ساء أم ستر سبباً لإيمان المؤمنين كما جعل الرضا بقضائه سبباً لإيقان الموقنين فأسقط عنهم اسم الواسطة لأنه صلى الله عليه وسلم متصف بأوصاف الحق متخلق بأخلاقه، ألا ترى كيف قال حسان:شعر : وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد تفسير : وقال آخرون: سد سبحانه الطريق إلى نفسه على الكافة إلا بعد الإيمان بحبيبه صلى الله عليه وسلم فمن لم يمش تحت قبابه فليس من الله تعالى في شيء، ثم جعل جل شأنه من شرط الإيمان زوال المعارضة / بالكلية فلا بد للمؤمن من تلقي المهالك بقلب راض ووجه ضاحك {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ} بسيف المجاهدة لتحيـى حياة طيبة {أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَـٰرِكُمْ} وهي الملاذ التي ركنتم إليها وخيمتم فيها وعكفتم عليها، أو لو فرضنا عليهم أن اقمعوا الهوى أو اخرجوا من مقاماتكم التي حجبتم بها عن التوحيد الصرف كالصبر والتوكل مثلاً {مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مّنْهُمْ} وهم أهل التوفيق والهمم العالية، وأيد الاحتمال الثاني بما حكي عن بعض العارفين أنه سئل إبراهيم بن أدهم عن حاله فقال إبراهيم: أدور في الصحاري وأطوف في البراري حيث لا ماء ولا شجر ولا روض ولا مطر فهل يصح حالي في التوكل فقال له: إذا أفنيت عمرك في عمران باطنك فأين الفناء في التوحيد» {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ} لما فيه من الحياة الطيبة {أية : وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً} تفسير : [النساء: 66] بالاستقامة بالدين {أية : وَإِذاً لأَتَيْنَـٰهُمْ مّن لَّدُنَّـا أَجْراً عَظِيماً} تفسير : [النساء: 67] وهو كشف الجمال {أية : وَلَهَدَيْنَـٰهُمْ صِرٰطاً مُّسْتَقِيماً} تفسير : [النساء: 68] وهو التوحيد {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَٰـئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم} بما لا يدخل في حيطة الفكر {مّنَ ٱلنَّبِيّيْنَ} أرباب التشريع الذين ارتفعوا قدراً فلا يدرك شأواهم {وَٱلصّدّيقِينَ} الذين قادهم نورهم إلى الانخلاع عن أنواع الربوب والشكوك فصدقوا بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من غير دليل ولا توقف {وَٱلشُّهَدَاء} أهل الحضور {أية : وَٱلصَّـٰلِحِينَ} تفسير : [النساء: 69] أهل الاستقامة في الدين {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ} من أنفسكم فإنها أعدى أعدائكم {فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ} أسلكوا في سبيل الله تعالى جماعات كل فرقة على طريقة شيخ كامل {أية : أَوِ ٱنْفِرُواْ جَمِيعاً} تفسير : [النساء: 71] في طريق التوحيد والإسلام واتبعوا أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتخلقوا بأخلاقه {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ} أي ليثبطن المجاهدين المرتاضين {فَإِنْ أَصَـٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ} شدة في السير {أية : قَالَ قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيَّ} تفسير : [النساء: 72] حيث لم أفعل كما فعلوا {وَلَئِنْ أَصَـٰبَكُمْ فَضْلٌ مِنَ الله} مواهب غيبية وعلوم لدنية ومراتب سنية وقبول عند الخواص والعوام {لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ} أي حسداً لكم {يٰلَيتَنِى كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ} دونهم {أية : فَوْزاً عَظِيماً} تفسير : [النساء: 73] وأنال ذلك وحدي {وَمَن يُقَـٰتِلْ} نفسه {فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ} بسيف الصدق {أَو يَغْلِبْ} عليها بالظفر لتسلم على يده {أية : فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} تفسير : [النساء: 74] وهو الوصول إلينا {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} وخلاص {ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرّجَالِ} العقول {وَٱلنّسَاء} الأرواح {وَٱلْوِلْدٰنِ} القوى الروحانية {ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ} وهي قرية البدن {ٱلظَّـٰلِمِ أَهْلُهَا} وهي النفس الأمارة {وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً} يلي أمورنا ويرشدنا {وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً} [النساء: 75] ينصرنا على من ظلمنا وهو الفيض الأقدس، نسأل الله تعالى ذلك بمنه وكرمه.

د. أسعد حومد

تفسير : {تُقَاتِلُونَ} {وَٱلْوِلْدَانِ} (75) - يُحَرِّضُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ عَلَى القِتَالِ فِي سَبِيلِ إعْلاءِ كَلِمَتِهِ، وَفِي سَبيلِ إنْقَاذِ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ المَوْجُودِينَ في مَكَّةَ، مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالصِّبيانِ، المُتَبَرِّمِينَ بِالمُقَامِ فِيهَا، وَيَقُولُ لَهُمْ: أيُّ عُذْرٍ لَكُمْ يَمْنَعُكُمْ مِنْ أنْ تُقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ لِتُقِيمُوا التَّوْحِيدَ، وَتَنْصُرُوا العَدْلَ وَالحَقَّ، وَفِي سَبيلِ إنْقَاذِ إخْوَانِكُمُ المُسْتَضْعَفِينَ الذِينَ يَسْتَذِلُّهُمُ الطُّغَاةُ الكَفَرَةُ فِي مَكَّةَ، وَهُمْ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ أَنْ يُخْرِجَهُمْ مِنْ تِلْكَ البَلْدةِ (القَرْيَةِ) الظَّالِمِ أهْلُها، وَأنْ يُسَخِّرَ لَهُمْ مِنْ عِنْدِهِ مَنْ يَنْصُرُهُمْ، وَيُنْقِذُهُمْ مِمَّا هُمْ فِيهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والآية تبدأ بالتعجيب، ذلك أنه بعد إيضاح لون الجزاء على القتال في سبيل الله كان لا بد أن يصير هذا القتال متسقاً مع الفطرة الإنسانية، ونحن نقول في حياتنا العادية: وما لك لا تفعل كذا؟ كأننا نتساءل عن سبب التوقف عن فعل يوحي به الطبع، والعقل. فإن لم يفعله الإنسان صار عدم الفعل مستغرباً وعجيباً. فالقتال في سبيل الله بعد أن أوضح الله أنه يعطي نتائج رائعة، فالذي لا يفعله يصبح مثاراً للتعجب منه، ولذلك يقول الحق: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي لإعلاء كلمة الله، ومرة يأتي القتال وذلك بأن يقف الإنسان المؤمن بجانب المستضعف الذي أوذي بسبب دينه. ويكون ذلك أيضا لإعلاء كلمة الله. يقول سبحانه: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ} أي أن القتال يكون في سبيل الله وفي خلاص المستضعفين، وفي ذلك استثارة للهمم الإنسانية حتى يقف المقاتل في سبيل رفع العذاب عن المستضعفين، بل إننا نقاتل ولو من باب الإنسانية لأجل الناس المستضعفين في سبيل تخليصهم من العذاب؛ لأنهم ما داموا صابرين على الإيمان مع هذا العذاب، فهذا دليل على قوة الإيمان، وهم أولى أن ندافع عنهم ونخلصهم من العذاب. ويعطينا سبحانه ذلك في أسلوب تعجب: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ} فكأن منطق العقل والعاطفة والدين يحكم أن نقاتل، فإذا لم نقاتل، فهذه المسألة تحتاج إلى بحث. وساعة يطرح ربنا مثل هذه القضية يطرحها على أساس أن كل الناس يستوون عند رؤيتها في أنها تكون مثاراً للعجب لديهم، مثلها مثل قوله الحق: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 28]. يعني كيف تكفرون بربنا أيها الكفار؟ إن هذه مسألة عجيبة لا تدخل في العقل، فليقولوا لنا إذن: كيف يكفرون بربنا؟ {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ} وكلمة "والمستضعفين" يأتي بعدها "من الرجال" والمفروض في الرجل القوة، وهذا يلفتنا إلى الظرف الذي جعل الرجل مستضعفاً، ومَنْ يأتي بعده أشد ضعفاً. {وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَانِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً} فقد بلغ من اضطهاد الكفار لهم أن يدعوا الله أن يخرجهم من هذه القرية الظالم أهلها، والقرية هي "مكة". وقصة هؤلاء تحكي عن أناس من المؤمنين كانوا بمكة وليست لهم عصبية تمكنهم من الهجرة بعد أن هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم ممنوعون من أن يهاجروا، وظلوا على دينهم، فصاروا مسضعفين: رجالاً ونساءً وولداناً، فالاضطهاد الذي أصابهم اضطهاد شرس لم يرحم حتى الولدان، فيقول الحق للمؤمنين: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَانِ}: وهؤلاء عندما استضعفوا ماذا قالوا؟. قالوا: {رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً} وعبارة الدعاء تدل على أنهم لن يخرجوا بل سيظل منهم أناس وثقوا في أنه سوف يأتيهم وليّ يلي أمرهم من المسلمين، فكأنها أوحت لنا بأنه سيوجد فتح لمكة. وقد كان. لقد جعل الله لهم من لدنه خير وليّ وخير ناصر وهو محمد - صلى الله عليه وسلم - فتولاهم أحسن التولي ونصرهم أقوى النصر. هذه الجماعة من المستضعفين منهم "سلمة بن هشام" لم يستطع الهجرة، ومنهم "الوليد بن الوليد" و "عياش بن أبي ربيعة"، و "أبو جندل بن سهيل بن عمرو". وسيدنا ابن عباس - رضي الله عنه - قال: لقد كنت أنا وأمي من هؤلاء المستضعفين من النساء والولدان، وكانوا يضيقون علينا فلا نقدر أن نخرج، فمثل هؤلاء كان يجب نصرتهم، لذلك يحنن الله عليهم قلوب إخوانهم المؤمنين ويهيج الحمية فيهم ليقاتلوا في سبيلهم؛ فظلم الكافرين لهم شرس لا يفرق بين الرجال والنساء والولدان في العذاب. {ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً} وكان رسول الله والمسلمون نصراء لهم. ويقول الحق بعد ذلك: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا حث من الله لعباده المؤمنين وتهييج لهم على القتال في سبيله، وأن ذلك قد تعين عليهم، وتوجه اللوم العظيم عليهم بتركه، فقال: { وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } والحال أن المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ومع هذا فقد نالهم أعظم الظلم من أعدائهم، فهم يدعون الله أن يخرجهم من هذه القرية الظالم أهلها لأنفسهم بالكفر والشرك، وللمؤمنين بالأذى والصد عن سبيل الله، ومنعهم من الدعوة لدينهم والهجرة. ويدعون الله أن يجعل لهم وليًّا ونصيرًا يستنقذهم من هذه القرية الظالم أهلها، فصار جهادكم على هذا الوجه من باب القتال والذب عن عيلاتكم وأولادكم ومحارمكم، لا من باب الجهاد الذي هو الطمع في الكفار، فإنه وإن كان فيه فضل عظيم ويلام المتخلف عنه أعظم اللوم، فالجهاد الذي فيه استنقاذ المستضعفين منكم أعظم أجرًا وأكبر فائدة، بحيث يكون من باب دفع الأعداء.

همام الصنعاني

تفسير : 611- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر عن الحسن وقتاة قالا في قوله تعالى: {أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا}: [الآية: 75]، أن رجلاً خَرَجَ من قرية ظالِمَة إلى قرية صالحة فأدركه الموت في الطريق، فَنَأَى بصدره إلى القرية الصالحة قالا: فما تلافاه إلاَّ ذلك، فاحتجت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فَأُمِرُوا أن يُقَدِّرُوا بين أقرب القريتين إليه، فوجدوه أقرب إلى القرية الصالحة بشبرٍ وقال بعضهم: قَرَّب الله إليه القرية الصالحة فَتَوَفَّاهُ ملائكة الرحمة.