Verse. 569 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

اَلَّذِيْنَ اٰمَنُوْا يُقَاتِلُوْنَ فِيْ سَبِيْلِ اؘ۝۰ۚ وَالَّذِيْنَ كَفَرُوْا يُقَاتِلُوْنَ فِيْ سَبِيْلِ الطَّاغُوْتِ فَقَاتِلُوْۗا اَوْلِيَاۗءَ الشَّيْطٰنِ۝۰ۚ اِنَّ كَيْدَ الشَّيْطٰنِ كَانَ ضَعِيْفًا۝۷۶ۧ
Allatheena amanoo yuqatiloona fee sabeeli Allahi waallatheena kafaroo yuqatiloona fee sabeeli alttaghooti faqatiloo awliyaa alshshaytani inna kayda alshshaytani kana daAAeefan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت» الشيطان «فقاتلوا أولياء الشيطان» أنصار دينه تغلبوهم لقوتكم بالله «إن كيد الشيطان» بالمؤمنين «كان ضعيفا» واهيا لا يقاوم كيد الله بالكافرين

76

Tafseer

الرازي

تفسير : واعلم أنه تعالى لما بين وجوب الجهاد بين أنه لا عبرة بصورة الجهاد. بل العبرة بالقصد والداعي، فالمؤمنون يقاتلون لغرض نصرة دين الله وإعلاء كلمته، والكافرون يقاتلون في سبيل الطاغوت، وهذه الآية كالدلالة على أن كل من كان غرضه في فعله رضا غير الله فهو في سبيل الطاغوت، لأنه تعالى لما ذكر هذه القسمة وهي أن القتال إما أن يكون في سبيل الله: أو في سبيل الطاغوت وجب أن يكون ما سوى الله طاغوتا، ثم إنه تعالى أمر المقاتلين في سبيل الله بأن يقاتلوا أولياء الشيطان، وبين أن كيد الشيطان كان ضعيفا، لأن الله ينصر أولياءه، والشيطان ينصر أولياءه ولا شك أن نصرة الشيطان لأوليائه أضعف من نصرة الله لأوليائه، ألا ترى أن أهل الخير والدين يبقى ذكرهم الجميل على وجه الدهر وان كانوا حال حياتهم في غاية الفقر والذلة، وأما الملوك والجبابرة فاذا ماتوا انقرض أثرهم ولا يبقى في الدنيا رسمهم ولا ظلمهم، والكيد السعي في فساد الحال على جهة الاحتيال عليه يقال: كاده يكيده إذا سعى في إيقاع الضرر على جهة الحيلة عليه وفائدة إدخال {كان} في قوله: {كَانَ ضَعِيفاً } للتأكيد لضعف كيده، يعني أنه منذ كان كان موصوفا بالضعف والذلة.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي في طاعته. {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱلطَّاغُوتِ} قال أبو عبيدة والكِسائي: الطاغوت يذكّر ويؤنث. قال أبو عبيد: وإنما ذكِّر وأُنّث لأنهم كانوا يسمّون الكاهن والكاهنة طاغوتا. قال: حدثنا حجّاج عن ٱبن جُريج قال حدثنا أبو الزبير أنه سمع جابر ابن عبدالله وسئل عن الطاغوت التي كانوا يتحاكمون إليها فقال: كانت في جُهينة واحدة وفي أسْلم واحدة، وفي كل حي واحدة. قال أبو إسحاق: الدليل على أنه الشيطان قوله عز وجل: {فَقَاتِلُوۤاْ أَوْلِيَاءَ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً} أي مكره ومكر من ٱتبعه. ويقال: أراد به يوم بدر حين قال للمشركين { أية : لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنْكُمْ } تفسير : [الأنفال: 48] على ما يأتي.

البيضاوي

تفسير : {ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ يُقَـٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} فيما يصلون به إلى الله سبحانه وتعالى. {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَـٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱلطَّـٰغُوتِ} فيما يبلغ بهم إلى الشيطان. {فَقَـٰتِلُواْ أَوْلِيَاء ٱلشَّيْطَـٰنِ } لما ذكر مقصد الفريقين أمر أولياءه أن يقاتلوا أولياء الشيطان ثم شجعهم بقوله: {إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَـٰنِ كَانَ ضَعِيفاً} أي إن كيده للمؤمنين بالإِضافة إلى كيد الله سبحانه وتعالى للكافرين. ضعيف لا يؤبه به فلا تخافوا أولياءه، فإن اعتمادهم على أضعف شيء وأوهنه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱلطَّٰغُوتِ } الشيطان {فَقَٰتِلُواْ أَوْلِيَاءَ ٱلشَّيْطَٰنِ } أنصار دينه تغلبوهم لقوتكم بالله {إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَٰنِ } بالمؤمنين {كَانَ ضَعِيفاً } واهياً لا يقاوِم كيد الله بالكافرين.

ابن عطية

تفسير : هذه الآية تقتضي تقوية قلوب المؤمنين وتحريضهم، و {الطاغوت} كل ما عبد واتبع من دون الله، وتدل قرينة ذكر الشيطان بعد ذلك على أن المراد بـ {الطاغوت} هنا الشيطان، وإعلامه تعالى بضعف {كيد الشيطان} تقوية لقلوب المؤمنين، وتجرئة لهم على مقارعة الكيد الضعيف، فإن العزم والحزم الذي يكون على حقائق الإيمان يكسره ويهده، ودخلت كان دالة على لزوم الصفة. وقوله: {ألم تر إلى الذين قيل لهم} اختلف المتأولون فيمن المراد بقوله {الذين قيل لهم}؟ فقال ابن عباس وغيره: كان عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص والمقداد بن عمرو الكندي وجماعة سواهم قد أنفوا من الذل بمكة قبل الهجرة وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيح لهم مقاتلة المشركين فأمرهم الله تعالى بكف الأيدي، وأن لا يفعلوا، فلما كان بالمدينة وفرض القتال، شق ذلك على بعضهم وصعب موقعه، ولحقهم ما يلحق البشر من الخور والكع عن مقارعة العدو فنزلت الآية فيهم، وقال قوم: كان كثير من العرب قد استحسنوا الدخول في دين محمد عليه السلام على فرائضه التي كانت قبل القتال من الصلاة والزكاة ونحوها والموادعة وكف الأيدي، فلما نزل القتال شق ذلك عليهم وجزعوا له، فنزلت الآية فيهم، وقال مجاهد وابن عباس أيضاً: إنما الآية حكاية عن اليهود أنهم فعلوا ذلك مع نبيهم في وقته، فمعنى الحكاية عنهم تقبيح فعلهم، ونهي المؤمنين عن فعل مثله، وقالت فرقة: المراد بالآية المنافقون من أهل المدينة عبد الله بن أبيّ وأمثاله، وذلك أنهم كانوا قد سكنوا على الكره إلى فرائض الإسلام مع الدعة وعدم القتال، فلما نزل القتال شق عليهم وصعب عليهم صعوبة شديدة، إذ كانوا مكذبين بالثواب، ذكره المهدوي. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: ويحسن هذا القول أن ذكر المنافقين يطرد فيما بعدها من الآيات، ومعنى {كفوا أيديكم} أمسكوا عن القتال، والفريق: الطائفة من الناس، كأنه فارق غيره. وقوله: {يخشون الناس كخشية الله} يعني أنهم كانوا يخافون الله في جهة الموت، لأنهم لا يخشون الموت إلا منه، فلما كتب عليهم قتال الناس رأوا أنهم يموتون بأيديهم، فخشوهم في جهة الموت كما كانوا يخشون الله، وقال الحسن: قوله: {كخشية الله} يدل على أنها في المؤمنين، وهي خشية خوف لا خشية مخالفة، ويحتمل أن يكون المعنى يخشون الناس على حد خشية المؤمنين الله عز وجل. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا ترجيح لا قطع، وقوله: {أو أشد خشية} قالت فرقة: {أو} بمعنى الواو، وفرقة: هي بمعنى " بل" وفرقة: هي للتخيير، وفرقة: على بابها في الشك في حق المخاطب، وفرقة: هي على جهة الإبهام على المخاطب. قال القاضي أبو محمد: وقد شرحت هذه الأقوال كلها في سورة البقرة في قوله: {أية : أو أشد قسوة} تفسير : [الآية:74] أن الموضعين سواء، وقولهم، {لم كتبت علينا القتال}؟ رد في صدر أوامر الله تعالى وقلة استسلام، "والأجل القريب" يعنون به موتهم على فرشهم، هكذا قال المفسرون. قال القاضي أبو محمد: وهذا يحسن إذا كانت الآية في اليهود أو المنافقين، وأما إذا كانت في طائفة من الصحابة، فإنما طلبوا التأخر إلى وقت ظهور الإسلام وكثرة عددهم.

ابن عادل

تفسير : لما بيَّن وجوبَ الجهاد، بيَّن أنه لا عِبْرة بصُورة الجِهَادِ، بل العِبْرَة بالقَصْد والدَّاعِي، فالمُؤمِنُون يقاتلون في سبيل الله، أي: في طاعَةِ اللَّه ونُصْرة دينه، والَّذين كَفَرُوا يُقَاتِلُون في سَبيلِ الطَّاغُوت، أي: في طَاعَةِ الشَّيْطَان. قال أبو عُبَيْدة والكسَائي: الطَّاغُوت يُذَكَّر ويُؤنَّث، قال أبو عُبَيْد: وإنَّما ذكر وأنث؛ لأنَّهم [كانوا يُسَمّون الكاهن والكاهِنة طاغُوتاً. قال جابر بن عبد الله وقد سُئِل عن الطَّاغُوت التي] كانوا يَتَحاكَمُون إليْها -قال: كان في جُهَيْنة واحِدةٌ، وفي أسْلم واحِدَةٌ، وفي كل حَيٍّ واحدة. قال أبو إسْحَاق: والدَّلِيل على أنَّه الشَّيْطَان، قوله - تعالى -: {فَقَاتِلُوۤاْ أَوْلِيَاءَ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً} أي: مَكْرَهُ وَ [مَكْرَ] من اتَّبَعَهُ، وهذه الآية كالدَّالة على أنَّ كُلَّ من كان غَرَضُه في فِعْل رضَى [غير] الله - تعالى - [فهو في سبيل الطاغُوت، لأنه - تعالى - ذكر هذه القِسْمَة؛ وهي أن القِتَال إمَّا أن يكون في سبيل اللَّه]، أو في سبيل الطَّاغُوتِ، وجب أن يكُون ما سِوَى اللَّه طاغُوتاً، ثم إنَّه - تعالى - أمر المُقَاتِلين في سَبيل اللَّه أن يُقَاتِلُوا أوْلِيَاء الشَّيْطَان؛ فقال: "فقاتلوا أيها المؤمنون أولياء الشيطان": حزبه وجُنودَهُ؛ وهم الكُفَّار، ثم بيَّن أن كَيْد الشَّيْطان [كان ضعيفاً لأن اللَّه ينصر أوْلِيَاءَهُ، والشَّيْطان ينصر أولياءَه، ولا شَكَّ أن نُصْرَة الشَّيْطَانِ لأوليائه] أضعف من نُصْرة اللَّه، وكيد الشَّيْطَان: مكره، "كان ضعيفاً": كما فعل يوم بَدْرٍ لما رأى الملائكِة، خاف أن يأخذوه فَهَرَب وخَذَلَهُم، وفائِدَة إدْخَال "كان" في قوله: "كان ضعيفاً" التَّأكيد لِضَعْف كَيْده، يعني: أنه مُنْذُ كان مَوْصوفاً بالضَّعْف والذِّلَّةِ.

ابو السعود

تفسير : {الَّذِينَ ءامَنُواْ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} كلامٌ مبتدأٌ سيق لترغيب المؤمنين في القتال وتشجيعِهم ببـيان كمالِ قوتِهم بإمداد الله تعالى ونُصرتِه وغايةِ ضعفِ أعدائِهم، أي المؤمنون إنما يقاتلون في دين الله الحقِّ الموصِلِ لهم إلى الله عز وجل وفي إعلاء كلمتِه فهو وليُّهم وناصرُهم لا محالة {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱلطَّـٰغُوتِ} أي فيما يوصِلُهم إلى الشيطان فلا ناصرَ لهم سواه، والفاءُ في قوله تعالى: {فَقَـٰتِلُواْ أَوْلِيَاء ٱلشَّيْطَـٰنِ} لبـيان استتباعِ ما قبلها لما بعدها، وذُكر بهذا العُنوانِ للدِلالة على أن ذلك نتيجةٌ لقتالهم في سبـيل الشيطانِ والإشعارِ بأن المؤمنين أولياءُ الله تعالى لما أن قتالَهم في سبـيله، وكلُّ ذلك لتأكيد رغبةِ المؤمنين في القتال وتقويةِ عزائمِهم عليه، فإن ولايةِ الله تعالى عَلَمٌ في العزة والقوة كما أن ولايةَ الشيطانِ مَثَلٌ في الذلة والضَّعفِ، كأنه قيل: إذا كان الأمرُ كذلك فقاتلوا ياأولياءَ الله أولياءَ الشيطانِ ثم صرح بالتعليل فقيل: {إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَـٰنِ كَانَ ضَعِيفاً} أي في حد ذاتِه فكيف بالقياس إلى قدرة الله تعالى، ولم يتعرّضْ لبـيان قوةِ جنابِه تعالى إيذاناً بظهورها. قالوا: فائدةُ إدخالِ كان في أمثال هذه المواقعِ التأكيدُ ببـيان أنه منذ كان كذلك فالمعنى أن كيدَ الشيطانِ منذ كان كان موصوفاً بالضعف.

التستري

تفسير : قوله: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱلطَّاغُوتِ}[76] قال: المؤمنون خصماء الله على أنفسهم، والمنافقون خصماء النفوس على الله عزَّ وجلَّ، يبتدرون إلى السؤال ولا يرضون بما يختار الله لهم وهو سبيل الطاغوت، إذ النفس أكبر الطواغيت، إذا خلا العبد معها، قيل له عن المعصية.

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱلطَّاغُوتِ} [الآية: 76]. قال سهل بن عبد الله: المؤمنون خصماء الله على أنفسهم، وأبدانهم، والمنافقون خصماء النفس على الله، يبتدرون إلى السؤال والدعاء ولا يرضون بما يختار لهم وهو سبيل الطاغوت.

القشيري

تفسير : المخلصَون لله لا يؤثِرُون شيئاً على الله، ولا يضنون بشيء عن الله، فهم أبداً على نفوسهم لأجل الله، والذين كفروا على العكس من أحوال المؤمنين. ثم قوَّاهم وشجَّعهم بقوله: {فَقَٰتِلُوۤاْ أَوْلِيَاءَ ٱلشَّيْطَٰنِ} أي لا تُضْمِرُوا لهم مخافة، فإني متوليكم وكافيكم على أعدائكم.

اسماعيل حقي

تفسير : {الذين آمنوا يقاتلون فى سبيل الله} اى المؤمنون انما يقاتلون فى دين الله الحق الموصل لهم الى الله عز وجل فى اعلاء كلمته فهو وليهم وناصرهم لا محالة {والذين كفروا يقاتلون فى سبيل الطاغوت} اى فيما يوصلهم الى الشيطان فلا ناصر لهم سواه {فقاتلوا اولياء الشيطان} كأنه قيل اذا كان الامر كذلك فقاتلوا يا اولياء الله اولياء الشيطان {ان كيد الشيطان} الكيد السعى فى فساد الحال على جهة الاحتيال {كان ضعيفا} اى ان كيده للمؤمنين بالاضافة الى كيد الله بالكافرين ضعيف لا يؤبه به فلا تخافوا اولياءه فان اعتمادهم على اضعف شىء واوهنه وهذا كما يقال للحق دولة وللباطل جولة قالوا ادخال كان فى امثال هذه المواقع لتأكيد بيان انه منذ كان كان كذلك فالمعنى ان كيد الشيطان منذ كان كان موصوفا بالضعف. قال الامام فى تفسيره {ان كيد الشيطان كان ضعيفا} لان الله ينصر اولياءه والشيطان ينصر اوليائه ولا شك ان نصرة الشيطان لاوليائه اضعف من نصرة الله لاوليائه ألا ترى ان اهل الخير والدين يبقى ذكرهم الجميل على وجه الدهر وان كانوا حال حياتهم فى غاية الفقر والذلة. واما الملوك والجبابرة فاذا ماتوا انقرضوا ولا يبقى فى الدنيا رسمهم ولا طللهم. قيل النار حفت بالشهوات وان فى كل نفس شيطانا يوسوس اليها وملكا يلهمها الخير فلا يزال الشيطان يزين ويخدع ولا يزال الملك يمنعها ويلهمها الخير فايهما كانت النفس معه كان هو الغالب. قيل ان كيد الشيطان والنفس بمثابة الكلب ان قاومته مزق الاهاب وقطع الثياب وان رجعت الى ربه صرفه عنك برفق فالله تعالى جعل الشيطان عدوا للعباد ليوحشهم به اليه وحرك عليهم النفس ليدوم اقبالهم عليه فكلما تسلطا عليهم رجعوا اليه بالافتقار وقاموا بين يديه على نعت اللجأ والاضطرار. قال احمد بن سهل اعداؤك اربعة. الدنيا وسلاحها لقاء الخلق وسجنها العزلة. والشيطان وسلاحه الشبع وسجنه الجوع. والنفس وسلاحها النوم وسجنها السهر. والهوى وسلاحه الكلام وسجنه الصمت. واعلم ان كيد الشيطان ضعيف فى الحقيقة فان الله ناصر لاوليائه كل حين ويظهر ذلك الامداد فى نفوسهم بسبب تزكيتهم النفس وتخلية القلب عن الشواغل الدنيوية وامتلاء اسرارهم بنور التوحيد فان الشيطان ظلمانى يهرب من النورانى لا محالة "حديث : ـ روى ـ ان عمر بن الخطاب رضى الله عنه استأذن يوما على النبى عليه السلام وعنده نساء من قريش يسألنه عالية اصواتهن على صوته فلما دخل ابتدرن الحجاب فجعل صلى الله عليه وسلم يضحك فقال ما اضحكك يا رسول الله بابى انت وامى فقال صلى الله عليه وسلم "عجبت من هؤلاء اللاتى كن عندى فلما سمعن صوتك بادرن الحجاب" فقال عمر انت احق ان يهبن يا رسول الله ثم اقبل عليهن فقال اى عدوات انفسهن أتهبننى ولا تهبن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلن انت افظ واغلظ من رسول الله فقال عليه السلام "يا ابن الخطاب فوالذى نفسى بيده ما لقيك الشيطان سالكا فجا الا سلك فجا غير فجك" " .تفسير : ـ وروى ـ عن وهب بن منبه انه قال كان عابد فى بنى اسرائيل اراد الشيطان ان يضله فلم يستطع من أى جهة اراده من الشهوة والغضب وغير ذلك فاراده من قبل الخوف وجعل يدلى الصخرة من الجبل فاذا بلغه ذكر الله تباعد عنه ثم تماثل بالحية وهو يصلى فجعل يلتوى على رجليه وجسده حتى يبلغ رأسه وكان اذا اراد السجود التوى فى موضع رأسه فجعل ينحيه بيده حتى يتمكن من السجود فلما فرغ من صلاته وذهب جاء اليه الشيطان فقال له فعلت لك كذا وكذا فلم استطع منك على شىء فاريد ان اصادقك اى ان اكون صديقا لك فانى لا اريد ضلالتك بعد اليوم فقال العابد مالى حاجة فى مصادقتك فقال الشيطان ألا تسألنى بأى شىء اضل به بنى آدم قال نعم قال بالشح والحدة والسكر فان الانسان اذا كان شحيحا قللنا ماله في عينه فيمنعه من حقوقه ويرغب فى اموال الناس شعر : كريمانرا بدست اندر درم نيست خداوندان نعمت را كرم نيست تفسير : وقيل فى بعض الاشعار شعر : باشد جوابربى مطر وبحر بى كهر آنراكه باجمال نكوجود بارنيست تفسير : واذا كان الرجل حديدا ادرناه بيننا كما يدير الصبيان الاكرة ولو كان يحيى الموتى لم نبال به شعر : اكر آيد زدوستى كنهى بكناهى نشايد آزردن ورزبانرا بعذر بكشايد بايدت خشم را فرخوردن زانكه نزديك عاقلان بترست عفو ناكردن از كنه كردن تفسير : واما اذا سكر قدناه الى كل شىء كما تقاد العنز باذنها شعر : مى مزيل عقل شد اى ناخلف تابجندى ميخورى در روزكار آدمى را عقل بايد دربدن ورنه جان دركالبد دارد حمار تفسير : فعلى العاقل ان يجاهد فى سبيل الله فان المجاهدة على حقيقتها تقوى الروح الضعيف الذى استضعفه النفس بالاستيلاء عليه ويتضرع الى الله بالصدق والثبات حتى يخرج من قرية البدن الظالم اهلها وهو النفس الامارة بالسوء ويتشرف بولاية الله تعالى فى مقام الروح رزقنا الله واياكم فتح باب الفتوح آمين يا ميسر كل عسير.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: في مدح المخلصين: {الذين آمنوا يُقاتلون في سبيل الله}، وابتغاء مرضات الله، وإعلاء كلمة الله، {والذين كفروا}، من أهل مكة وغيرهم، {يُقاتلون في سبيل الطاغوت} وهو الشيطان، {فقاتلوا} يا أولياء الله {أولياء الشيطان} ولا يهولكم كيده؛ {إن كيد الشيطان كان ضعيفًا}، وكيد الله للكافرين كان قويًا متينًا، فلا تخافوا أولياءه، فأنهم اعتمدوا على أضعف شيء وأوهنه، وأنتم اعتمدتم على أقوى شيء وأمتَنِه. الإشارة: كل ما سوى الله طاغوت، فمن قصد بجهاده أو عمله رضى الله والوصول إلى حضرته دون شيء سواه، كان من أولياء الله، ومن قصد بجهاده أو أعماله حظًا دنيويًا أو أخرويًا خرج من دائرة الولاية، فإما أن يكون مع عامة أهل الإيمان، أو من أولياء الشيطان. قال صلى الله عليه وسلم "حديث : إنَّما الأعمَالُ بالنيات، وإنما لكلِّ امرىءٍ مَا نَوَى، فمن كانَت هجرَتُه إلى الله ورسولِه فهجرتُه إلى اللهْ ورسولِه، ومن كانت هجرتُه إلى دُنيا يُصيبهُا أو امرأةٍ ينكِحُها، فهجرتُه إلى ما هَاجَرَ إليه"تفسير : . وقال في الحِكَم: " حديث : لا ترحل من كَونٍ إلى كَونٍ، فتكون كحمار الرحى، يسير والذي ارتحل منه هو الذي ارتحل إليه، ولكن أرحل من الأكوانِ إلى المُكَوِّنِ، {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى} [النُجُم:42] ".

الطوسي

تفسير : المعنى: أخبر الله تعالى في هذه الآية أن الذين صدّقوا بالله، ورسوله يقاتلون في سبيل الله، وفي معنى سبيل الله قولان: أحدهما - طاعة الله، لأنها تؤدي إلى ثواب الله في جنته التي أعدها لاوليائه. الثاني - قال أبو علي: إنه دين الله الذي شرعه الذي يؤدي إلى ثوابه ورحمته. وتقديره في نصرة دين الله، ثم قال: {والذين كفروا} يعني الذين جحدوا آيات الله الدالة على توحيده، ونبوة نبيه. وقوله: {يقاتلون في سبيل الطاغوت} قد فسرناه فيما مضى. فقال قوم: هو الشيطان. وقال آخرون: هو ما عبد من دون الله. والأول قول الحسن والشعبي. والثاني حكاه الزجاج. وقال أبو العالية: هو الكاهن. وهو يؤنث ويذكر قال الله تعالى: {أية : يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به }تفسير : فذكره وقال: {أية : والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها } تفسير : فانث قال أبو عبيدة هو ها هنا في موضع جماعة، كما قال: {أية : حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير }تفسير : وكان المراد به الجنس. وقوله: {فقاتلوا أولياء الشيطان} يقوي قول من قال: المراد بالطاغوت الشيطان. وقوله: {إن كيد الشيطان كان ضعيفاً} إنما دخلت {كان} ها هنا مؤكدة لتدل على ان الضعف لكيد الشيطان لازم في جميع الاوقات فيما مضى، والحال، والمستقبل. وليس هو عارضاً في حال دون حال. والكيد السعي في فساد الحال على وجه الاحتيال تقول كاده يكيده كيداً، فهو كائد له. إذا عمل في ايقاع الضرر به على وجه الحيلة عليه. وانما وصف تعالى كيد الشيطان، بالضعف لامرين: أحدهما - لضعف نصرته، لاوليائه بالاضافة إلى نصرة الله المؤمنين - ذكره الجبائي - وقال الحسن: أخبرهم أنهم سيظهرون عليهم، فلذلك كان ضعيفاً. الثاني - لضعف دواعي أوليائه إلى القتال بانها من جهة الباطل إذ لا نصير لهم. وانما يقاتلون بما تدعو إليه الشبهة. والمؤمنون يقاتلون بما تدعو إليه الحجة.

الجنابذي

تفسير : {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} حال او مستأنف فى مقام التّعليل والمعنى لا ينبغى لكم ترك المقاتلة لانّ الانسان لا يخلو عن المقاتلة واكتفى عن نسبة المقاتله بطريق العموم والاستمرار الى الانسان بنسبة المقاتلة الى الفريقين والاتيان بالمضارع الدالّ على الاستمرار التّجدّدىّ ولانّ المؤمنين يقاتلون فى سبيل الله وقد مضى انّه من يقاتل فى سبيل الله فالعاقبة له سواء غَلَبَ او غُلِبَ {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱلطَّاغُوتِ} ومن يقاتل فى سبيل الطّاغوت لا تجد له نصيراً كما مضى انّ المؤمنين بالجبت والطّاغوت لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيراً ولا تجد له ظهيراً، لانّ الشّيطان يعدهم وما يعدهم الاّ غروراً وبعد ما يوقعهم فيما يريد يفرّ عنهم. اعلم انّ نفس المقاتلة والمعارضة مع الاعداء لا تكون الا عن قوّة القلب الّتى هى مبدء كثيرٍ من الخيرات كالشّجاعة والسّخاوة والعفّة والجرأة والشّهامة وغيرها وتورث قوّة للقلب، واذا كان باذنٍ وامرٍ من الله يورث توّكلاً تامّاً وعاقبة محمودة ويوجد للمجاهد ناصر ومظاهر من الله ولذلك ورد التّأكيد فى امر الجهاد ومدح المجاهدين وذمّ القاعدين من غير عذرٍ {فَقَاتِلُوۤاْ} الجملة جزاء شرط محذوف مستفاد من السّابق تقديره: اذا كان المؤمنون يقاتلون فى سبيل الله والكافرون يقاتلون فى سبيل الشّيطان فقاتلوا ايّها المؤمنون {أَوْلِيَاءَ ٱلشَّيْطَانِ} ابدل من الكافرين اولياء الشّيطان اشعاراً بذمّ آخر لهم {إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً} ترغيب وتجرئة للمؤمنين.

اطفيش

تفسير : {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ}: يقاتلون المشركين والمنافقين، لأجل الله تقربا اليه واعلاء لدينه. {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ}: يقاتلون المسلمين. {فِى سَبِيلِ الطَّاغُوتِ}: فى طاعة الشيطان كما قال: {فَقَاتِلُوا}: أيها المؤمنون. {أَوْلِيَآءَ الشَّيطَانِ}. أى حزب الشيطان، وهم الذين كفروا، الذين يقاتلوا فى سبيله، والشيطان إبليس وجنس الشياطين، والذين كفروا إنما يقاتلون تبعا لأهوائهم، ولكن لما كان قتالهم بغية للشيطان سمى طاعة له، ويحصل لهم به رضا. {إِنَّ كَيْدَ الشَّيطَانِ}: مكره بالمؤمنين. {كَانَ ضَعِيفاً}: بالنسبة الى مكر الله بالكافرين، فلا تخافوا أولياءه، فان اعتمادهم على أمر ضعيف هين، وفى هذا تشجيع للمؤمنين على الكافرين، وذلك على عمومه، ألا ترك كيف وسوس الكفار لمقتل بدر فجمعهم اليه، وكان هلاكا لهم، وخذلهم اذ أيد الله المؤمنين بالملائكة والرعب، ومن ضعف كيده أنه بالوسوسة فتزول ويخنس بذكر الله جل وعلا. وقد قال الحسن: إن الآية إخبار من الله تعالى بظهور المؤمنين على الكافرين والشيطان، فقد ظهروا عليهم والحمد لله.

اطفيش

تفسير : {الَّذِينَ ءَامَنُوا يُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ} لإعلاء دينه فهو عز وجل ناصرهم ومثيبهم {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِ الطَّاغُوتِ} الشيطان ولا ينفعهم بل يضرهم ويبرأ منهم إذ اشتد الأمر، فذلك ترغيب للمؤمنين فى الجهاد {فَقَاتِلُوا أَوْلِيَآءَ الشَّيْطَانِ} أتباعه تغلبونهم لأن الله معكم {إنَّ كَيْدَ} احتيال {الشَّيْطَانِ كَانَ} من أوله أو صار بالإسلام {ضَعِيفاً} لا يفيدهم شيئاً، وضعفه بالنسبة إلى قوة الله فلا تخافوهم، وعظم كيد النساء بالنسبة إلينا على أنه من كلام العزيز، ومن كيده تحزيبه أولياءه الكفرة يوم بدر وخابوا وهرب، وقال: {أية : إنى أرى ما لا ترون} تفسير : [الأنفال: 48].

الالوسي

تفسير : {ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} كلام مستأنف سيق لتشجيع المؤمنين وترغيبهم في الجهاد أي المؤمنون إنما يقاتلون في دين الله تعالى الموصل لهم إليه عز وجل وفي إعلاء كلمته فهو وليهم وناصرهم لا محالة. {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱلطَّـٰغُوتِ} فيما يبلغ بهم إلى الشيطان وهو الكفر فلا ناصر لهم سواه {فَقَـٰتِلُواْ} يا أولياء الله تعالى إذا كان الأمر كذلك. {أَوْلِيَاءَ ٱلشَّيْطَـٰنِ} جميع الكفار فإنكم تغلبونهم. {إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَـٰنِ كَانَ ضَعِيفاً} في حد ذاته فكيف بالقياس إلى قدرة الله تعالى الذي يقاتلون في سبيله وهو سبحانه وليكم، ولم يتعرض لبيان قوة جنابه تعالى إيذاناً بظهورها، وفائدة {كَانَ} التأكيد ببيان أن كيده مذ كان ضعيف، وقيل: هي بمعنى صار أي صار ضعيفاً بالإسلام، وقيل: إنها زائدة وليس بشيء.

القطان

تفسير : ان منهج القرآن في كثير من آياته ان يأتي بصور متقابلة، وهنا يأتي بصورتَين لفئتين من الناس متقابلين: فئة "الّذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله" بعد ان صدّقوا بالحق فهم يقاتلون لإعلاء كلمته، وفئة "الذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت" لأنهم جحدوا وعاندوا فهم يقاتلون تمكيناً لبقاء الظلم والفساد، وبذلك كانوا أولياء الطاغوت وأولياء الشيطان. فيا ايها المؤمنون: قاتِلوا اعوان الشيطان وأنصاره، واعلموا أنكم منتصرون عليهم بتأييد الله، لأن كيد الشيطان ومكره ضعيف سخيف، اما الغلبة والنصر فهي للحق بإذن الله.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنُواْ} {يُقَاتِلُونَ} {ٱلطَّاغُوتِ} {فَقَاتِلُوۤاْ} {ٱلشَّيْطَانِ} (76) - الذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ إعْلاَءِ كَلِمَةِ اللهِ، وَنَشْرِ دِينِهِ، لاَ يَبْتَغُونَ غَيْرَ رِضْوَانِ اللهِ. أمَّا الذِينَ كَفَرُوا، فَإِنَّهُمْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الشَّيْطَانِ (الطَّاغُوتِ)، الذِي يُزَيِّنُ لَهُمُ الكُفْرَ، وَيُمَنِّيهِم النَّصْرَ. وَكَيْدُ الشَّيْطَانِ ضَعيفٌ، وَهُوَ لاَ يَسْتَطِيعُ نَصْرَ أوْلِيَائِهِ. أمَّا أوْلِيَاءُ اللهِ فَهُمُ الأَعِزَّةُ، لأنَّ اللهَ حَامِيهِمْ وَنَاصِرُهُمْ وَمُعِزُّهُمْ، وَلِذَلِكَ فَعَلَى المُؤْمِنِينَ، أوْلِيَاءِ اللهِ، أنْ لاَ يَخَافُوا أَعْدَاءَهُمُ الكُفَّارَ، لأنَّ العَاقِبَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ. الطَّاغُوتِ - الشَّيْطَانِ أوِ البَاطِلِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وعرفنا أن الطاغوت هو: المبالغ والمسرف في الطغيان، ويطلق على المفرد وعلى المثنى، وعلى الجمع: فتقول: رجل طاغوت، رجلان طاغوت، رجال طاغوت، والحق يقول: {أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ} تفسير : [البقرة: 257]. إذن فالطاغوت يطلق على المفرد وعلى المثنى وعلى الجمع، وهل الطاغوت هو الشيطان؟. يصح. أهو الظالم الجبار الذي يطغيه التسليم له بالظلم؟ يصحّ، أهو الذي يفرض الشرّ على الناس فيتقوا شرّه؟ يصحّ، وكل تلك الألوان اسمها "الطاغوت". والأسلوب القرآني يتنوع فيأتي مرة ليقول: {أية : قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ} تفسير : [آل عمران: 13]. وانظر للمقابلة هنا: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱلطَّاغُوتِ}، هنا {آمَنُواْ} و {كَفَرُواْ} وهنا أيضا في {سَبِيلِ ٱللَّهِ} و {فِي سَبِيلِ ٱلطَّاغُوتِ} هذه مقابل تلك. لكي نعرف العبارات التي ينثرها ربنا سبحانه وتعالى علينا أن ندرك فيها الخطفة الإعجازية، قال في هذه الآية: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} مقابلات؛ لأن الكافر مفهوم أنه طاغوت، ولكن: إذا ذكرت في الثانية مقابلا لمحذوف من الأولى، أو حذفت من الأولى مقابلاً من الثانية، هذا يسمونه في الأسلوب البياني احتباكا كيف؟ ها هوذا قوله سبحانه وتعالى: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ} أي تقاتل في سبيل الطاغوت، ويقابلها الفئة التي تقاتل في سبيل الله ولا بد أن تكون مؤمنة. إذن فالكلام كله منسجم، فقال: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا فِئَةٌ} وترك صفتها كمؤمنة وقال: {تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} وسنعرف على الفور أنها مؤمنة، وربنا يحرك عقولنا كي لا يعطينا المسائل بوضوح مطلق بل لنعمل فكرنا، كي لا يكون هناك تكرار، ولكي تعرف أنه إذا قال: {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} يعني مؤمناً، وإذا قال: {فِي سَبِيلِ ٱلطَّاغُوتِ} يكون كافراً. ويتابع الحق: {فَقَاتِلُوۤاْ أَوْلِيَاءَ ٱلشَّيْطَانِ}. أي نصراء الشيطان الذين ينفخون في مبادئه، والذين ينصرون وسوسته في نفوسهم ليوزعوها على الناس، هؤلاء هم أولياء الشيطان؛ لأن الشيطان - كما نعرف - حينما حدث الحوار بينه وبين خالقه. قال: {أية : قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [ص: 82]. لكنه عرف حدوده ولزمها فقال: {أية : إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} تفسير : [ص: 83]. أي أن من تريده أنت يا رب لا أقدر أنا عليه. وهذه تدلنا على أن المعركة ليست بين إبليس وبين الله، فتعالى الله أن يدخل معه أحد في معركة، بل المعركة بين إبليس وبين الخائبين من الخلق، فعندما قال: {فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} دلّ على أنه عرف كيف يُقْسِم ويحلف؛ لأن ربنا لو أراد الناس كلهم مؤمنين لما قدر الشيطان أن يقرب من أحد، لكن ربنا عزيز عن خلقه، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. ومن هنا دخل الشيطان، فالشيطان قد دخل من عزّتك على خلقك سبحانك لأنك لو كنت تريدهم كلهم مؤمنين لما استطاع الشيطان شيئاً، بدليل قوله: {إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} أي أنا لا أقدر عليهم. ودلّ قَسَم الشيطان أنه دارس ومنتبه لمسألة دخوله على العباد فقال: {أية : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} تفسير : [الأعراف: 16]. إذن فالشيطان لن يأتي على الصراط المعوجّ؛ لأن الذي يسير على الصراط المعوج والطريق الخطأ لا يريد شيطاناً؛ فهو مريح للشيطان، ويعينه على مهمته، فيكون وليّه. فأولياء الشيطان هم كل المخالفين للمنهج، وهم نصراء الشيطان. والحق يأمرنا: {فَقَاتِلُوۤاْ أَوْلِيَاءَ ٱلشَّيْطَانِ}. هؤلاء الذين بينهم وبين الشيطان ولاء، هذا ينصر ذاك، وذاك ينصر هذا، ويطمئننا الحق على ذلك فيقول: {إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفا}؛ لأن الشيطان عندما يكيد سيكون كيده في مقابل كيد ربه، فلا بد أن يكون كيده ضعيفاً جداً بالقياس لكيد الله، وليس للشيطان سلطان يقهر قالب الإنسان على فعل، ولا يستطيع أن يرغمك على أن تفعل، وليس له حجة يقنعك بها. والفرق بين من يكره القالب - قالبك -: أنك تفعل الفعل وأنت كاره. كأن يهددك ويتوعدك إنسان ويمسك لك مسدساً ويقول لك: اسجد لي - مثلاً - إذن فقد قهر قالبك. لكن هل يقدر أن يقهر قلبك ليقول: "أحبني"؟. لا يمكن. إذن فالمتجبر يستطيع أن يكره القالب لكنه لا يقدر أن يقهر القلب، فالذي يقهر القلب هو الحجة والبرهان، بذلك يقتنع أن يفعل الفعل وليس مرغماً عليه. إذن فالأول يكون قوة، والثاني يكون حجة. والحق سبحانه وتعالى يوضح لنا: اعرفوا أن هذا الشيطان ضعيف جداً، فهو لا يملك قوة أن يرغمك فإذا أغواك تستطيع أن تقول له: لن أفعل.. ولا يستطيع أن يأتي لقلبك ويقول لك: لا بد أن تفعل ويحملك على الفعل قهرا عنك. فليس عنده حجة يقنعك بها لتفعل، فهو ضعيف، فلماذا تطيعونه إذن؟. إنكم تطيعونه من غفلتكم وحبكم للشهوة، والشيطان لا يقهر قلبكم، ولا يقهر قالبكم. بل يكتفي أن يشير لكم!!، ولذلك سيقول الشيطان في حجته يوم القيامة على الخلق: {أية : وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي} تفسير : [إبراهيم: 22]. أي لم يكن لي عليكم سلطان: لا سلطان قدرة أرغمكم على فعلكم بالقالب، ولا سلطان حجة أرغمكم على أن تفعلوا بالقلب، أي أنتم المخطئون وليس لي شأن، إذن فكيد الشيطان ضعيف. و "الكيد" - كما نعرف - هو: محاولة إفساد الحال بالاحتيال، فهناك من يفسد الحال لكن ليس بحيلة، وهناك من يريد أن يفسدها بحيث إذا أمسكت به يقول لك: لم أفعل شيئاً؛ لأنه يفعل الخطأ في الخفاء. ويفسد الحال بالاحتيال. والكيد لا يقبل عليه إلا الضعيف. إن القوي هو من يواجه من يكيد له، فالذي يدسّ السّم لإنسان آخر في القهوة - مثلاً - هو من يرتكب عملاً لإفساد الحال باحتيال؛ لأنه لا يقدر أن يواجه، أما القوى فهو يتأبى على فعل ذلك، وحتى الذي يقتل واحداً ولو مواجهة نقول له: أنت خائف، أنت أثبت بجرأتك على قتله أنك لا تطيق حياته، لكن الرجولة والشجاعة تقتضي أن تقول: أبقيه وأنا أمامه لأرى ماذا يقدر أن يفعل. إذن فكيد الشيطان جاء ضعيفاً لأنه لا يملك قوة يقهر بها قالباً، ولا يملك حجة يقهر بها قلباً ليقنعك، فهو يشير لك باحتيال وأنت تأتيه: ولا يحتال إلا الضعيف. وكلما كان ضعيفاً كان كيده أكثر، ولذلك كانوا يقولون مثلاً: المرأى أقوى من الرجل لأن ربنا يقول: {أية : إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} تفسير : [يوسف: 28]. ونقول لهم: ما دام كيدهن عظيما؛ إذن فضعفهن أعظم، وإلا فلماذا تكيد؟. ولذلك يبرز الشاعر العربي هذا المعنى فيقول: شعر : وضعيفة فإذا أصابت فرصة قتلت كذلك قدرة الضعفاء تفسير : لأن الضعيف ساعة يمسك خصمة مرة. وتمكنه الظروف منه؛ يقول: لن أتركه لأنني لو تركته فسيفعل بي كذا وكذا. لكن القوى حينما يمسك بخصمه، يقول: اتركه وإن فعل شيئاً آخر أمسكه وأضربه على رأسه، إذن فإن كان الكيد عظيماً يكون الضعف أعظم. ويقول الحق بعد ذلك: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوۤاْ أَيْدِيَكُمْ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا إخبار من الله بأن المؤمنين يقاتلون في سبيله { وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ } الذي هو الشيطان. في ضمن ذلك عدة فوائد: منها: أنه بحسب إيمان العبد يكون جهاده في سبيل الله، وإخلاصه ومتابعته. فالجهاد في سبيل الله من آثار الإيمان ومقتضياته ولوازمه، كما أن القتال في سبيل الطاغوت من شعب الكفر ومقتضياته. ومنها: أن الذي يقاتل في سبيل الله ينبغي له ويحسن منه من الصبر والجلد ما لا يقوم به غيره، فإذا كان أولياء الشيطان يصبرون ويقاتلون وهم على باطل، فأهل الحق أولى بذلك، كما قال تعالى في هذا المعنى: {أية : إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ } تفسير : الآية. ومنها: أن الذي يقاتل في سبيل الله معتمد على ركن وثيق، وهو الحق، والتوكل على الله. فصاحب القوة والركن الوثيق يطلب منه من الصبر والثبات والنشاط ما لا يطلب ممن يقاتل عن الباطل، الذي لا حقيقة له ولا عاقبة حميدة. فلهذا قال تعالى: { فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا } . والكيد: سلوك الطرق الخفية في ضرر العدو، فالشيطان وإن بلغ مَكْرُهُ مهما بلغ فإنه في غاية الضعف، الذي لا يقوم لأدنى شيء من الحق ولا لكيد الله لعباده المؤمنين.