Verse. 570 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

اَلَمْ تَرَ اِلَى الَّذِيْنَ قِيْلَ لَھُمْ كُفُّوْۗا اَيْدِيَكُمْ وَاَقِيْمُوا الصَّلٰوۃَ وَاٰتُوا الزَّكٰوۃَ۝۰ۚ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْہِمُ الْقِتَالُ اِذَا فَرِيْقٌ مِّنْھُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْـيَۃِ اللہِ اَوْ اَشَدَّ خَشْـيَۃً۝۰ۚ وَقَالُوْا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ۝۰ۚ لَوْلَاۗ اَخَّرْتَنَاۗ اِلٰۗى اَجَلٍ قَرِيْبٍ۝۰ۭ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيْلٌ۝۰ۚ وَالْاٰخِرَۃُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقٰى۝۰ۣ وَلَا تُظْلَمُوْنَ فَتِيْلًا۝۷۷
Alam tara ila allatheena qeela lahum kuffoo aydiyakum waaqeemoo alssalata waatoo alzzakata falamma kutiba AAalayhimu alqitalu itha fareequn minhum yakhshawna alnnasa kakhashyati Allahi aw ashadda khashyatan waqaloo rabbana lima katabta AAalayna alqitala lawla akhkhartana ila ajalin qareebin qul mataAAu alddunya qaleelun waalakhiratu khayrun limani ittaqa wala tuthlamoona fateelan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ألم تر إلى الذين قيل لهم كفُّوا أيديكم» عن قتال الكفار لما طلبوه بمكة لأذى الكفار لهم وهم جماعة من الصحابة «وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كُتب» فرض «عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون» يخافون «الناس» الكفار، أي عذابهم بالقتل «كَخَشْيَتـ» ـهم عذاب «الله أو أشدَّ خشية» من خشيتهم له ونصب أشد على الحال وجواب لما دل عليه إذا وما بعدها أي فاجأتهم الخشية «وقالوا» جزعا من الموت «ربَنا لم كتبت علينا القتال لولا» هلاّ «أخَّرتنا إلى أجل قريب قل» لهم «متاعُ الدنيا» ما يتمتع به فيها أو الاستمتاع بها «قليل» آيل إلى الفناء «والآخرة» أي الجنة «خير لمن اتقى» عقاب الله بترك معصيته «ولا تُظلمون» بالتاء والياء تنقصون من أعمالكم «فتيلا» قدر قشرة النواة فجاهدوا.

77

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: هذه الآية صفة للمؤمنين أو المنافقين؟ فيه قولان: الأول: أن الآية نزلت في المؤمنين، قال الكلبي: نزلت في عبد الرحمن بن عوف والمقداد وقدامة بن مظعون وسعد بن أبي وقاص، كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يهاجروا إلى المدينة، ويلقون من المشركين أذى شديدا فيشكون ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون: ائذن لنا في قتالهم ويقول لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: كفوا أيديكم فاني لم أومر بقتالهم، واشتغلوا باقامة دينكم من الصلاة والزكاة، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأمروا بقتالهم في وقعة بدر كرهه بعضهم، فأنزل الله هذه الآية. واحتج الذاهبون إلى هذا القول بان الذين يحتاج الرسول أن يقول لهم: كفوا عن القتال هم الراغبون في القتال، والراغبون في القتال هم المؤمنون، فدل هذا على أن الآية نازلة في حق المؤمنين. ويمكن الجواب عنه بأن المنافقين كانوا يظهرون من أنفسهم انا مؤمنون وانا نريد قتال الكفار ومحاربتهم، فلما أمر الله بقتالهم الكفار أحجم المنافقون عنه وظهر منهم خلاف ما كانوا يقولونه. القول الثاني: أن الآية نازلة في حق المنافقين، واحتج الذاهبون إلى هذا القول بأن الآية مشتملة على أمور تدل على أنها مختصة بالمنافقين. فالأول: أنه تعالى قال في وصفهم: {أية : يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً } تفسير : [النساء: 77] ومعلوم أن هذا الوصف لا يليق إلا بالمنافق، لأن المؤمن لا يجوز أن يكون خوفه من الناس أزيد من خوفه من الله تعالى. والثاني: أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا: ربنا لم كتبت علينا القتال، والاعتراض على الله ليس إلا من صفة الكفار والمنافقين. الثالث: أنه تعالى قال للرسول: {قُلْ مَتَـٰعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ وَٱلأَخِرَةُ خَيْرٌ لّمَنِ ٱتَّقَىٰ } وهذا الكلام يذكر مع من كانت رغبته في الدنيا أكثر من رغبته في الآخرة، وذلك من صفات المنافقين. وأجاب القائلون بالقول الأول عن هذه الوجوه بحرف واحد، وهو أن حب الحياة والنفرة عن القتل من لوازم الطباع، فالخشية المذكورة في هذه الآية محمولة على هذا المعنى، وقولهم: {لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ } محمول على التمني لتخفيف التكليف لا على وجه الانكار لايجاب الله تعالى، وقوله تعالى: {قُلْ مَتَـٰعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ } مذكور لا لأن القوم كانوا منكرين لذلك، بل لأجل إسماع الله لهم هذا الكلام مما يهون على القلب أمر هذه الحياة، فحينئذ يزول من قلبهم نفرة القتال وحب الحياة ويقدمون على الجهاد بقلب قوي، فهذا ما في تقرير هذين القوين والله أعلم، والأولى حمل الآية على المنافقين لأنه تعالى ذكر بعد هذه الآية قوله: {أية : وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِك }تفسير : [النساء: 78] ولا شك أن من هذا كلام المنافقين، فاذا كانت هذه الآية معطوفة على الآية التي نحن في تفسيرها ثم المعطوف في المنافقين وجب أن يكون المعطوف عليهم فيهم أيضا. المسألة الثانية: دلت الآية على أن إيجاب الصلاة والزكاة كان مقدما على إيجاب الجهاد، وهذا هو الترتيب المطابق لما في العقول، لأن الصلاة عبارة عن التعظيم لأمر الله، والزكاة عبارة عن الشفقة على خلق الله، ولا شك أنهما مقدمان على الجهاد. المسألة الثالثة: قوله: {كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ } مصدر مضاف إلى المفعول. المسألة الرابعة: ظاهر قوله: {أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً } يوهم الشك، وذلك على علام الغيوب محال. وفيه وجوه من التأويل: الأول: المراد منه الابهام على المخاطب، بمعنى أنهم على إحدى الصفتين من المساواة والشدة، وذلك لأن كل خوفين فأحدهما بالنسبة إلى الآخر إما أن يكون أنقص أو مساويا أو أزيد فبين تعالى بهذه الآية أن خوفهم من الناس ليس أنقص من خوفهم من الله، بل بقي إما أن يكون مساويا أو أزيد، فهذا لا يوجب كونه تعالى شاكا فيه، بل يوجب إبقاء الابهام في هذين القسمين على المخاطب. الثاني: أن يكون «أو» بمعنى الواو، والتقدير: يخشونهم كخشية الله وأشد خشية، وليس بين هذين القسمين منافاة، لأن من هو أشد خشية فمعه من الخشية مثل خشيته من الله وزيادة. الثالث: أن هذا نظير قوله: {أية : وَأَرْسَلْنَـٰهُ إِلَىٰ مِاْئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ } تفسير : [الصافات: 147] يعني أن من يبصرهم يقول هذا الكلام، فكذا ههنا والله أعلم. ثم قال تعالى: {وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ }. واعلم أن هؤلاء القائلين إن كانوا مؤمنين فهم إنما قالوا ذلك لا اعتراضا على الله، لكن جزعا من الموت وحبا للحياة، وإن كانوا منافقين فمعلوم أنهم كانوا منكرين لكون الرب تعالى كاتبا للقتال عليهم، فقالوا ذلك على معنى أنه تعالى كتب القتال عليهم في زعم الرسول عليه الصلاة والسلام وفي دعواه، ثم قالوا: {لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ } وهذا كالعلة لكراهتهم لايجاب القتال عليهم، أي هلا تركتنا حتى نموت بآجالنا، ثم إنه تعالى أجاب عن شبهتهم فقال: {قُلْ مَتَـٰعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ وَٱلاْخِرَةُ خَيْرٌ لّمَنِ ٱتَّقَىٰ } وإنما قلنا: إن الآخرة خير لوجوه: الأول: ان نعم الدنيا قليلة، ونعم الآخرة كثيرة. والثاني: ان نعم الدنيا منقطعة ونعم الآخرة مؤبدة. والثالث: أن نعم الدنيا مشوبة بالهموم والغموم والمكاره، ونعم الآخرة صافية عن الكدرات. والرابع: أن نعم الدنيا مشكوكة فان أعظم الناس تنعما لا يعرف أنه كيف يكون عاقبته في اليوم الثاني، ونعم الآخرة يقينية، وكل هذه الوجوه تجب رجحان الآخرة على الدنيا، إلا أن هذه الخيرية إنما تحصل للمؤمنين المتقين، فلهذا المعنى ذكر تعالى هذا الشرط وهو قوله: {لِمَنِ ٱتَّقَىٰ } وهذا هو المراد من قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر».تفسير : ثم قال تعالى: {وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: (يَظْلِمُونَ) بالياء على أنه راجع إلى المذكورين في قوله: {الم تَرَى إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ } والباقون بالتاء على سبيل الخطاب، ويؤيد التاء قوله: {قُلْ مَتَـٰعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ } فان قوله: {قُلْ } يفيد الخطاب. المسألة الثانية: قالت المعتزلة: الآية تدل على أنهم يستحقون على طاعتهم الثواب، وإلا لما تحقق نفي الظلم، وتدل على أنه تعالى يصح منه الظلم وإن كنا نقطع بأنه لا يفعل، وإلا لما صح التمدح به. المسألة الثالثة: قوله: {وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً } أي لا ينقصون من ثواب أعمالهم مثل فتيل النواة وهو ما تفتله بيدك ثم تلقيه احتقاراً. وقد مضى الكلام فيه.

القرطبي

تفسير : روى عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس حديث : أن عبد الرحمن بن عَوْف وأصحاباً له أتوا النبيّ صلى الله عليه وسلم بمكة فقالوا: يا نبي الله، كنا في عِزّ ونحن مشركون، فلما آمنّا صرنا أذلّة؟ فقال:«إني أُمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم». فلما حوّله الله تعالى إلى المدينة أمره بالقتال فكفّوا، فنزلت الآيةتفسير : ، أخرجه النسائي في سننه، وقاله الكَلْبي. وقال مجاهد: هم يهود. قال الحسن: هي في المؤمنين؛ لقوله: {يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ} أي مشركي مكة {كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ} فهي على ما طبع عليه البشر من المخافة لا على المخالفة. قال السُّدِّي: هم قوم أسلموا قبل فرض القتال فلما فُرض كرِهوه. وقيل: هو وصف للمنافقين؛ والمعنى يخشون القتل من المشركين كما يخشون الموت من الله. {أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً} أي عندهم وفي اعتقادهم. قلت: وهذا أشبه بسياق الآية، لقوله: {وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ} أي هَلاّ، ولا يَلِيها إلا الفعل. ومعاذ الله أن يصدر هذا القول من صحابيّ كريم يعلم أن الآجال محدودة والأرزاق مقسومة، بل كانوا لأوامر الله ممتثلين سامعين طائعين، يرون الوصول إلى الدار الآجلة خيراً من المقام في الدار العاجلة، على ما هو معروف من سيرتهم رضي الله عنهم. اللَّهُم إلا أن يكون قائله ممن لم يرسخ في الإيمان قدمه، ولا ٱنشرح بالإسلام جَنانه، فإن أهل الإيمان متفاضلون فمنهم الكامل ومنهم الناقص، وهو الذي تنفر نفسه عما يؤمر به فيما تلحقه فيه المشقة وتدركه فيه الشدّة. والله أعلم. قوله تعالى: {قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ} ابتداء وخبر. وكذا {وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ} أي المعاصي؛ وقد مضى القول في هذا في «البقرة» ومتاعُ الدنيا منفعتها والاستمتاعُ بلذاتها وسماه قليلاً لأنه لا بقاء له. وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : مَثَلي ومثَلُ الدنيا كراكبٍ قال قَيْلُولة تحت شجرة ثم راح وتركها » تفسير : وقد تقدّم هذا المعنى في «البقرة» مستوفًى.

البيضاوي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ} أي عن القتال. {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} واشتغلوا بما أمرتم به.{فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ } يخشون الكفار أن يقتلوهم كما يخشون الله أن ينزل عليهم بأسه، وإذا للمفاجأة جواب لما وفريق مبتدأ منهم صفته ويخشون خبره وكخشية الله من إضافة المصدر إلى المفعول، وقع موقع المصدر أو الحال من فاعل يخشون على معنى، يخشون الناس مثل أهل خشية الله منه. {أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً } عطف عليه إن جعلته حالاً وإن جعلته مصدراً فلا، لأن أفعل التفضيل إذا نصب ما بعده لم يكن من جنسه بل هو معطوف على اسم الله تعالى أي: وكخشية الله تعالى أو كخشية أشد خشية منه، على الفرض اللهم إلا أن تجعل الخشية ذات خشية كقولهم: جد جده على معنى يخشون الناس خشية مثل خشية الله تعالى، أو خشية أشد خشية من خشية الله. {وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ } استزادة في مدة الكف عن القتال حذراً عن الموت، ويحتمل أنهم ما تفوهوا به ولكن قالوه في أنفسهم فحكى الله تعالى عنهم. {قُلْ مَتَـٰعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ } سريع التقضي {وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً } أي ولا تنقصون أدنى شيء من ثوابكم فلا ترغبوا عنه، أو من آجالكم المقدرة. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي {وَلاَ يُظْلَمُونَ } لتقدم الغيبة.

ابن كثير

تفسير : كان المؤمنون في ابتداء الإسلام وهم بمكة مأمورين بالصلاة والزكاة، وإن لم تكن ذات النصب، وكانوا مأمورين بمواساة الفقراء منهم، وكانوا مأمورين بالصفح والعفو عن المشركين، والصبر إلى حين، وكانوا يتحرقون ويودون لو أمروا بالقتال؛ ليشتفوا من أعدائهم، ولم يكن الحال إذ ذاك مناسباً؛ لأسباب كثيرة منها: قلة عددهم بالنسبة إلى كثرة عدد عدوهم، ومنها: كونهم كانوا في بلدهم، وهو بلد حرام، أشرف بقاع الأرض، فلم يكن الأمر بالقتال فيه ابتداء كما يقال، فلهذا لم يؤمر بالجهاد إلا بالمدينة لما صارت لهم دار ومنعة وأنصار، ومع هذا لما أمروا بما كانوا يودونه، جزع بعضهم منه، وخافوا مواجهة الناس خوفاً شديداً {وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ} أي: لولا أخرت فرضه إلى مدة أخرى، فإن فيه سفك الدماء، ويتم الأولاد، وتأيم النساء، وهذه الآية كقوله تعالى: {أية : وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ رَأَيْتَ} تفسير : [محمد: 20] الآيات، قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة وعلي بن زنجة، قالا: حدثنا علي بن الحسن عن الحسين بن واقد، عن عمرو بن دينار، وعن عكرمة، عن ابن عباس: أن عبد الرحمن بن عوف وأصحاباً له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، فقالوا: يا نبي الله، كنا في عزة ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة، قال: «حديث : إني أمرت بالعفو، فلا تقاتلوا القوم»تفسير : ، فلما حوله الله إلى المدينة، أمره بالقتال، فكفوا، فأنزل الله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوۤاْ أَيْدِيَكُمْ} الآية، ورواه النسائي والحاكم وابن مردويه من حديث علي بن الحسن بن شقيق به، وقال أسباط، عن السدي: لم يكن عليهم إلا الصلاة والزكاة، فسألوا الله أن يفرض عليهم القتال، فلما فرض عليهم القتال، {إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ} وهو الموت. قال الله تعالى: {قُلْ مَتَـٰعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ}. وقال مجاهد: إن هذه الآية نزلت في اليهود، رواه ابن جرير، وقوله: {قُلْ مَتَـٰعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ} أي: آخرة المتقي خير من دنياه. {وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً} أي: من أعمالكم، بل توفونها أتم الجزاء، وهذه تسلية لهم عن الدنيا، وترغيب لهم في الآخرة، وتحريض لهم على الجهاد. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا حماد بن زيد عن هشام، قال: قرأ الحسن: {قُلْ مَتَـٰعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ} قال: رحم الله عبداً صحبها على حسب ذلك، وما الدنيا كلها أولها وآخرها إلا كرجل نام نومة، فرأى في منامه بعض ما يحب، ثم انتبه. وقال ابن معين: كان أبو مصهر ينشد:شعر : ولا خيرَ في الدنيا لمَنْ لم يكنْ لهُ من الله في دار المُقامِ نَصيبُ فإنْ تُعْجِبِ الدُّنيا رِجالاً فإِنَّها مَتاعٌ قليلٌ والزوالُ قَريبُ تفسير : وقوله تعالى: {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} أي: أنتم صائرون إلى الموت لا محالة، ولا ينجو منه أحد منكم، كما قال تعالى: {أية : كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} تفسير : [الرحمن: 26] الآية، وقال تعالى: {أية : كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ} تفسير : [آل عمران: 185]، وقال تعالى: {أية : وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ} تفسير : [الأنبياء: 34] والمقصود أن كل أحد صائر إلى الموت لا محالة، ولا ينجيه من ذلك شيء، سواء جاهد أو لم يجاهد، فإن له أجلاً محتوماً، ومقاماً مقسوماً، كما قال خالد بن الوليد حين جاء الموت على فراشه: لقد شهدت كذا وكذا موقفاً، وما من عضو من أعضائي إلا وفيه جرح من طعنة أو رمية، وها أنا أموت على فراشي، فلا نامت أعين الجبناء، وقوله: {وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} أي: حصينة منيعة عالية رفيعة، وقيل، هي بروج في السماء. قال السدي: وهو ضعيف، والصحيح أنها المنيعة، أي: لا يغني حذر وتحصن من الموت، كما قال زهير بن أبي سلمى:شعر : ومَنْ هابَ أَسبابَ المَنايا يَنَلْنَهُ ولَوْ رامَ أَسْبابَ السَّماءِ بِسُلَّمِ تفسير : ثم قيل: المشيدة هي المشيدة كما قال: وقصر مشيد. وقيل: بل بينهما فرق، وهو أن المشيدة بالتشديد هي المطولة، وبالتخفيف هي المزينة بالشيد، وهو الجص. وقد ذكر ابن جرير وابن أبي حاتم ـ ههنا ـ حكاية مطولة عن مجاهد: أنه ذكر أن امرأة فيمن كان قبلنا أخذها الطلق، فأمرت أجيرها أن يأتيها بنار، فخرج، فإذا هو برجل واقف على الباب، فقال: ما ولدت المرأة؟ فقال: جارية، فقال: أما إنها ستزني بمائة رجل ثم يتزوجها أجيرها، ويكون موتها بالعنكبوت. قال: فكر راجعاً، فبعج بطن الجارية بسكين، فشقه، ثم ذهب هارباً، وظن أنها قد ماتت، فخاطت أمها بطنها، فبرئت وشبت وترعرعت، ونشأت أحسن امرأة ببلدتها، فذهب ذاك الأجير ما ذهب، ودخل البحور فاقتنى أموالاً جزيلة، ثم رجع إلى بلده، وأراد التزوج، فقال لعجوز: أريد أن أتزوج بأحسن امرأة بهذه البلدة، فقالت: ليس ههنا أحسن من فلانة، فقال: اخطبيها علي، فذهبت إليها، فأجابت، فدخل بها، فأعجبته إعجاباً شديداً، فسألته عن أمره ومن أين مقدمه، فأخبرها خبره، وما كان من أمره في الجارية، فقالت: أنا هي، وأرته مكان السكين، فتحقق ذلك، فقال: لئن كنت إياها، فلقد أخبرني باثنتين لا بد منهما: (إحداهما) أنك قد زنيت بمائة رجل، فقالت: لقد كان شيء من ذلك، ولكن لا أدري ما عددهم، فقال: هم مائة. (والثاني) أنك تموتين بالعنكبوت، فاتخذ لها قصراً منيعاً شاهقاً ليحرزها من ذلك، فبينما هم يوماً، فإذا بالعنكبوت في السقف، فأراها، فقالت: أهذه هي التي تحذرها علي، والله لا يقتلها إلا أنا، فأنزلوها من السقف، فعمدت إليها، فوطئتها بإبهام رجلها، فقتلتها، فطار من سمها شيء فوقع بين ظفرها ولحمها، واسودت رجلها، فكان في ذلك أجلها، فماتت، ونذكر ههنا قصة صاحب الحضر، وهو الساطرون، لما احتال عليه سابور حتى حصره فيه وقتل من فيه، بعد محاصرة سنتين، وقالت العرب في ذلك أشعاراً منها:شعر : وأخو الحضْر إذ بَناه وإذْ دجـ ـلةُ تُجْبَى إليه والخابورُ شادَهُ مَرْمَراً وجَلَّلَهُ كِلْـ ساً فَلِلطَّير في ذُراه وُكورُ لم تَهَبْهُ أيدي المَنونِ فَبادَ الـ ـمُلْكُ عَنْهُ فَبابُه مَهْجُورُ تفسير : ولما دخل على عثمان جعل يقول: اللهم اجمع أمة محمد، ثم تمثل بقول الشاعر:شعر : أرى الموتَ لا يُبْقي عَزيزاً ولَمْ يَدَعْ لِعادٍ مَلاذاً في البلادِ ومَرْبَعا يُبَيتُ أَهْلَ الحِصْنِ والحِصْنُ مُغْلَقٌ ويَأْتِي الجِبالَ في شَماريخِها مَعا تفسير : قال ابن هشام: وكان كسرى سابور ذو الأكتاف قتل الساطرون ملك الحضر، وقال ابن هشام: إن الذي قتل صاحب الحضر سابور بن أردشير بن بابك أول ملوك بني ساسان، وأذل ملوك الطوائف، ورد الملك إلى الأكاسرة، فأما سابور ذو الأكتاف، فهو من بعد ذلك بزمن طويل، والله أعلم، ذكره السهيلي، قال ابن هشام: فحصره سنتين، وذلك لأنه كان أغار على بلاد سابور في غيبته، وهو في العراق، وأشرفت بنت الساطرون، وكان اسمها النضيرة، فنظرت إلى سابور وعليه ثياب ديباج، وعلى رأسه تاج من ذهب مكلل بالزبرجد والياقوت واللؤلؤ، فدست إليه: أن تتزوجني إن فتحت لك باب الحصن؟ فقال: نعم، فلما أمسى ساطرون، شرب حتى سكر، وكان لا يبيت إلا سكران، فأخذت مفاتيح باب الحصن من تحت رأسه، فبعثت بها مع مولى لها، ففتح الباب، ويقال: دلتهم على طلسم كان في الحصن لا يفتح حتى تؤخذ حمامة ورقاء فتخضب رجلاها بحيض جارية بكر زرقاء، ثم ترسل، فإذا وقعت على سور الحصن سقط ذلك، ففتج الباب، ففعل ذلك، فدخل سابور، فقتل ساطرون، واستباح الحصن وخربه، وسار بها معه وتزوجها، فبينما هي نائمة على فراشها ليلاً، إذ جعلت تتململ لا تنام، فدعا لها بالشمع، ففتش فراشها، فوجد فيه ورقة آس، فقال لها سابور: هذا الذي أسهرك، فما كان أبوك يصنع بك؟ قالت: كان يفرش لي الديباج، ويلبسني الحرير، ويطعمني المخ، ويسقيني الخمر، قال الطبري: كان يطعمني المخ والزبد، وشهد أبكار النحل، وصفو الخمر وذكر أنه كان يرى مخ ساقها، قال: فكان جزاء أبيك ما صنعت به؟ أنت إلي بذاك أسرع، ثم أمر بها فربطت قرون رأسها بذنب فرس، فركض الفرس حتى قتلها، وفيه يقول عدي بن زيد العبادي أبياته المشهورة.شعر : أَيُّها الشامِتُ المُعَيرُ بالدَّهْـ ـرِ أَأَنْتَ المُبَرَّأُ المَوْفورُ أَمْ لَدَيْكَ العَهْدُ الوثيقُ من الأيـ ـامِ بَلْ أنتَ جاهِلٌ مَغْرورُ مَنْ رأيتَ المَنونَ خَلَّدَ أَمْ مَنْ ذا عليهِ من أن يُضامَ خَفيرُ أينَ كِسْرى كِسْرى المُلوك أنوشر وانُ أم أَنَّى قبلَه سابورُ وبَنو الأصْفَرِ الكرامُ مُلوكُ الـ ـرُّومِ لم يَبْقَ منهمُ مَذكور وأخو الحضْرِ إِذْ بَناه وإذْ دجلةُ تُجْبى إِليهِ والخابورُ شادهُ مَرْمَراً وجَلَّلَهُ كِلْـ ساً فَلِلطَّيْرِ في ذُراه وُكورُ لم يَهَبْهُ رَيْبَ المَنونِ فبادَالـ مُلْكُ عَنْهُ فبابُه مَهْجورُ وتَذَكَّرْ رَبَّ الخَوَرْنَقِ إِذْ شرَّ ف يَوْماً ولِلْهُدى تَفْكيرُ سَرَّهُ مالُهُ وكَثْرَةُ ما يَمْلِكُ والبَحْر مُعْرِضاً والسَّدِيرُ فَارْعَوى قلبُه وقالَ فَما غِبْـ ـطَةُ حَيَ إلى المَماتِ يَصيرُ ثُمَّ أَضْحَوْا كَأَنَّهُمْ وَرَقٌ جَفَّ فَأَلْوَتْ بهِ الصَّبا والدَّبورُ ثم بَعْدَ الفلاحِ والمُلْكِ وَالأُمَّـ ـةِ وَارتْهُمُ هُناكَ القُبور تفسير : وقوله: {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ} أي: خصب ورزق من ثمار وزروع وأولاد ونحو ذلك، هذا معنى قول ابن عباس وأبي العالية والسدي {يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} أي: قحط وجدب ونقص في الثمار والزروع، أو موت أولاد أو نتاج، أو غير ذلك؛ كما يقوله أبو العالية والسدي {يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ} أي: من قبلك، وبسبب اتباعنا لك، واقتدائنا بدينك، كما قال تعالى عن قوم فرعون: {أية : فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ} تفسير : [الأعراف: 131] وكما قال تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ} تفسير : [الحج: 11] الآية، وهكذا قال هؤلاء المنافقون الذين دخلوا في الإسلام ظاهراً، وهم كارهون له في نفس الأمر، ولهذا إذا أصابهم شر إنما يسندونه إلى اتباعهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال السدي: وإن تصبهم حسنة، قال: والحسنة الخصب، تنتج مواشيهم وخيولهم، ويحسن حالهم، وتلد نساؤهم الغلمان، قالوا: {هَـٰذِهِ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} والسيئة الجدب والضرر في أموالهم، تشاءموا بمحمد صلى الله عليه وسلم وقالوا: {هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ} يقولون: بتركنا ديننا واتباعنا محمداً أصابنا هذا البلاء، فأنزل الله عز وجل: {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} فقوله: قل: كل من عند الله، أي: الجميع بقضاء الله وقدره، وهو نافذ في البر والفاجر، والمؤمن والكافر. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: قل: كل من عند الله، أي: الحسنة والسيئة. وكذا قال الحسن البصري. ثم قال تعالى منكراً على هؤلاء القائلين هذه المقالة الصادرة عن شك وريب، وقلة فهم وعلم، وكثرة جهل وظلم: {فَمَا لِهَـٰؤُلاۤءِ ٱلْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً}. ذكر حديث غريب يتعلق بقوله تعالى: {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا السكن بن سعيد، حدثنا عمر بن يونس، حدثنا إسماعيل بن حماد عن مقاتل بن حيان، عن عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: كنا جلوساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل أبو بكر وعمر في قبيلتين من الناس، وقد ارتفعت أصواتهما، فجلس أبو بكر قريباً من النبي صلى الله عليه وسلم، وجلس عمر قريباً من أبي بكر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لم ارتفعت أصواتكما؟» تفسير : فقال رجل: يا رسول الله، قال أبو بكر يا رسول الله: الحسنات من الله والسيئات من أنفسنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : فما قلت يا عمر؟» تفسير : فقال: قلت: الحسنات والسيئات من الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن أول من تكلم فيه جبريل وميكائيل؛ فقال ميكائيل مقالتك يا أبا بكر؛ وقال جبريل مقالتك يا عمر» تفسير : فقال: «حديث : نختلف، فيختلف أهل السماء، وإن يختلف أهل السماء، يختلف أهل الأرض، فتحاكما إلى إسرافيل، فقضى بينهم أن الحسنات والسيئات من الله»تفسير : . ثم أقبل على أبي بكر وعمر فقال: «حديث : احفظا قضائي بينكما، لو أراد الله أن لا يعصى، لما خلق إبليس» تفسير : قال شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس بن تيمية: هذا حديث موضوع مختلق باتفاق أهل المعرفة. ثم قال تعالى مخاطباً لرسوله صلى الله عليه وسلم والمراد جنس الإنسان؛ ليحصل الجواب {مَّآ أَصَـٰبَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ} أي: من فضل الله ومنّه ولطفه ورحمته {وَمَآ أَصَـٰبَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} أي: فمن قبلك، ومن عملك أنت، كما قال تعالى: {أية : وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ } تفسير : [الشورى: 30] قال السدي والحسن البصري وابن جريج وابن زيد: {فَمِن نَّفْسِكَ} أي: بذنبك. وقال قتادة في الآية: {فَمِن نَّفْسِكَ} عقوبة لك يابن آدم بذنبك. قال: وذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا يصيب رجلاً خدش عود، ولا عثرة قدم، ولا اختلاج عرق، إلا بذنب، وما يعفو الله أكثر» تفسير : وهذا الذي أرسله قتادة قد روي متصلاً في الصحيح: «حديث : والذي نفسي بيده لا يصيب المؤمن هم، ولا حزن، ولا نصب، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله عنه بها من خطاياه»تفسير : . وقال أبو صالح: {وَمَآ أَصَـٰبَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} أي: بذنبك، وأنا الذي قدرتها عليك، رواه ابن جرير. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار، حدثنا سهل، يعني: ابن بكار، حدثنا الأسود بن شيبان، حدثني عقبة بن واصل ابن أخي مطرف، عن مطرف بن عبد الله، قال: ما تريدون من القدر؟ أما تكفيكم الآية التي في سورة النساء: {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ}؟ أي: من نفسك، والله ما وكلوا إلى القدر وقد أمروا، وإليه يصيرون. وهذا كلام متين قوي في الرد على القدرية والجبرية أيضاً. ولبسطه موضع آخر. وقوله تعالى: {وَأَرْسَلْنَـٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً} أي: تبلغهم شرائع الله، وما يحبه الله ويرضاه، وما يكرهه ويأباه {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً} أي: على أنه أرسلك، وهو شهيد أيضاً بينك وبينهم، وعالم بما تبلغهم إياه، وبما يردون عليك من الحق كفراً وعناداً.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ } عن قتال الكفار لما طلبوه بمكة لأذى الكفار لهم وهم جماعة من الصحابة {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ فَلَمَّا كُتِبَ } فرض {عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ يَخْشَوْنَ } يخافون {ٱلنَّاس } الكفار أي عذابهم بالقتل {كَخَشْيَتـِ} ـهم عذاب {ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً } من خشيتهم له ونصب «أشد» على الحال وجواب «لما» دل عليه (إذا) وما بعدها أي فاجأتهم الخشية {وَقَالُواْ } أي جزعاً من الموت {رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ لَوْلا } هلاَّ {أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ } لهم {مَتَٰعُ ٱلدُّنْيَا } ما يتمتع به فيها أو الاستمتاع بها {قَلِيلٌ } آيل إلى الفناء {وَٱلاْخِرَةِ } أي الجنة {خَيْرٌ لّمَنِ ٱتَّقَىٰ } عقاب الله بترك معصيته {وَلاَ تُظْلَمُونَ } بالتاء والياء تنقصون من أعمالكم {فَتِيلاً } قدر قشرة النواة فجاهدوا.

الشوكاني

تفسير : قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ } الآية، قيل: هم جماعة من الصحابة أمروا بترك القتال في مكة بعد أن تسرعوا إليه. فلما كتب عليهم بالمدينة تثبطوا عن القتال من غير شك في الدين بل خوفاً من الموت، وفرقاً من هول القتل، وقيل: إنها نزلت في اليهود، وقيل: في المنافقين أسلموا قبل فرض القتال، فلما فرض كرهوه، وهذا أشبه بالسياق لقوله: {وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ } وقوله: {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ } الآية. ويبعد صدور مثل هذا من الصحابة. وقوله: {كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ } صفة مصدر محذوف، أي: خشية كخشية الله، أو حال، أي: تخشونهم مشبهين أهل خشية الله، والمصدر مضاف إلى المفعول، أي: كخشيتهم الله. وقوله: {أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً } معطوف على {كخشية الله} في محل جر، أو معطوف على الجار والمجرور جميعاً، فيكون في محل الحال كالمعطوف عليه، "وأو" للتنويع على أن خشية بعضهم كخشية الله، وخشية بعضهم أشد منها. قوله: {وَقَالُواْ } عطف على ما يدل عليه قوله: {إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ } أي: فلما كتب عليهم القتال، فاجأ فريق منهم خشية الناس: {وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا } أي: هلا أخرتنا، يريدون المهلة إلى وقت آخر قريب من الوقت الذي فرض عليهم فيه القتال، فأمره الله سبحانه بأن يجيب عليهم، فقال: {قُلْ مَتَـٰعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ } سريع الفناء لا يدوم لصاحبه، وثواب الآخرة خير لكم من المتاع القليل {لِمَنِ ٱتَّقَىٰ } منكم، ورغب في الثواب الدائم {وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً } أي: شيئاً حقيراً يسيراً، وقد تقدّم تفسير الفتيل قريباً، وإذا كنتم توفرون أجوركم، ولا تنقصون شيئاً منها، فكيف ترغبون عن ذلك، وتشتغلون بمتاع الدنيا مع قلته وانقطاعه. وقوله: {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ } كلام مبتدأ، وفيه حثّ لمن قعد عن القتال خشية الموت، وبيان لفساد ما خالطه من الجبن، وخامره من الخشية، فإن الموت إذا كان كائناً لا محالة فمن لم يمت بالسيف مات بغيره. والبروج جمع برج: وهو البناء المرتفع، والمشيدة: المرفعة من شاد القصر: إذا رفعه، وطلاه بالشيد، وهو الجصّ، وجواب "لولا" محذوف لدلالة ما قبله عليه. وقد اختلف في هذه البروج ما هي؟ فقيل: الحصون التي في الأرض، وقيل: هي القصور. قال الزجاج، والقتيبي: ومعنى مشيدة مطوّلة. وقيل: معناه مطلية بالشيد، وهو الجص، وقيل: المراد بالبروج: بروج في سماء الدنيا مبنية، حكاه مكيّ عن مالك، وقال: ألا ترى إلى قوله: {أية : وَٱلسَّمَاء ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ } تفسير : [البروج: 1] {أية : جَعَلَ فِى ٱلسَّمَاء بُرُوجاً } تفسير : [الفرقان: 61] {أية : وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى ٱلسَّمَاء بُرُوجًا } تفسير : [الحجر: 16] وقيل: إن المراد بالبروج المشيدة هنا: قصور من حديد. وقرأ طلحة بن سليمان: {يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ } بالرفع على تقدير الفاء، كما في قوله:شعر : وقال رائدهم أرسوا نزاولها تفسير : قوله: {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ } هذا، وما بعده مختص بالمنافقين، أي: إن تصبهم نعمة نسبوها إلى الله تعالى، وإن تصبهم بلية، ونقمة نسبوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فردّ الله ذلك عليهم بقوله: {قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ ٱللَّهِ } ليس، كما تزعمون، ثم نسبهم إلى الجهل، وعدم الفهم، فقال: {فَمَالِ هَـؤُلاء ٱلْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً } أي: ما بالهم هكذا. قوله: {مَّا أَصَـٰبَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ } هذا الخطاب إما لكل من يصلح له من الناس، أو لرسول الله صلى الله عليه وسلم تعريضاً لأمته، أي: ما أصابك من خصب، ورخاء، وصحة، وسلامة، فمن الله بفضله، ورحمته، وما أصابك من جهد، وبلاء وشدّة، فمن نفسك بذنب أتيته، فعوقبت عليه. وقيل: إن هذا من كلام الذين لا يفقهون حديثاً، أي: فيقولون ما أصابك من حسنة، فمن الله. وقيل: إن ألف الاستفهام مضمرة، أي: أفمن نفسك، ومثله قوله تعالى: {أية : وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَىَّ }تفسير : [الشعراء: 22] والمعنى، أو تلك نعمة، ومثله قوله: {أية : فَلَمَّا رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـٰذَا رَبّى } تفسير : [الأنعام: 77] أي: أهذا ربي، ومنه قول أبي خراش الهذلي:شعر : رموني وقالوا يا خويلد لم ترع فقلت وأنكرت الوجوه هم هم تفسير : أي: أهم هم؟ وهذا خلاف الظاهر، وقد ورد في الكتاب العزيز ما يفيد مفاد هذه الآية، كقوله تعالى: {أية : وَمَا أَصَـٰبَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ } تفسير : [الشورى: 30]، وقوله: {أية : أَوَ لَمَّا أَصَـٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ } تفسير : [آل عمران: 165]. وقد يظن أن قوله: {أية : وَمَا أَصَـٰبَكَ مِن سَيّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ } تفسير : مناف لقوله: {قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ ٱللَّهِ } ولقوله: {أية : وَمَا أَصَـٰبَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ } تفسير : [آل عمران: 166]، وقوله: {أية : وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً } تفسير : [الأنبياء: 35] وقوله: {أية : وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مّن دُونِهِ مِن وَالٍ } تفسير : [الرعد: 11] وليس الأمر كذلك، فالجمع ممكن، كما هو مقرّر في مواطنه. قوله: {وَأَرْسَلْنَـٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً } فيه البيان لعموم رسالته صلى الله عليه وسلم إلى الجميع، كما يفيده التأكيد بالمصدر، والعموم في الناس، ومثله قوله: {أية : وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ كَافَّةً لّلنَّاسِ } تفسير : [سبأ: 28]، وقوله: {أية : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا } تفسير : [الأعراف: 158] {أية : وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً } تفسير : [الفتح: 28] على ذلك. قوله: {مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ } فيه أن طاعة الرسول طاعة لله، وفي هذا من النداء بشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلوّ شأنه، وارتفاع مرتبته ما لا يقادر قدره، ولا يبلغ مداه، ووجهه أن الرسول لا يأمر إلا بما أمر الله به، ولا ينهي إلا عما نهى الله عنه: {وَمَن تَوَلَّىٰ } أي: أعرض {فَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً } أي: حافظاً لأعمالهم، إنما عليك البلاغ، وقد نسخ هذا بآية السيف {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ } بالرفع على أنها خبر مبتدأ محذوف، أي: أمرنا طاعة، أو شأننا طاعة. وقرأ الحسن، والجحدري، ونصر بن عاصم بالنصب على المصدر، أي: نطيع طاعة، وهذه في المنافقين في قول أكثر المفسرين، أي: يقولون إذا كانوا عندك طاعة {وَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ } أي: خرجوا من عندك. {بَيَّتَ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ } أي: زوّرت طائفة من هؤلاء القائلين غير الذي تقول لهم أنت، وتأمرهم به، أو غير الذي تقول لك هي من الطاعة لك وقيل: معناه: غيروا وبدّلوا وحرّفوا قولك فيما عهدت إليهم، والتبييت: التبديل، ومنه قول الشاعر:شعر : أتونـي فلـم أرض ما بيتوا وكانوا أتوني بأمر نكـر تفسير : يقال بيت الرجل الأمر: إذا دبره ليلاً، ومنه قوله تعالى: {أية : إِذْ يُبَيّتُونَ مَا لاَ يَرْضَىٰ مِنَ ٱلْقَوْلِ }تفسير : [النساء: 108] {وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيّتُونَ } أي: يثبته في صحائف أعمالهم ليجازيهم عليه. وقال الزجاج: المعنى ينزله عليك في الكتاب. قوله: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } أي: دعهم وشأنهم حتى يمكن الانتقام منهم وقيل: معناه: لا تخبر بأسمائهم. وقيل: معناه: لا تعاقبهم. ثم أمره بالتوكل عليه، والثقة به في النصر على عدوه، قيل: وهذا منسوخ بآية السيف. وقد أخرج النسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس: أن عبد الرحمن بن عوف، وأصحاباً له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا نبي الله كنا في عزة، ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة؟ فقال: "حديث : إني أمرت بالعفو، فلا تقاتلوا القوم"تفسير : ، فلما حوّله الله إلى المدينة أمره بالقتال فكفوا، فأنزل الله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ } الآية. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة في تفسير الآية نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد: أنها نزلت في اليهود. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله: {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ } الآية، قال: نهى الله هذه الأمة أن يصنعوا صنيعهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السديّ في قوله: {إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ } قال: هو الموت. وأخرجا نحوه، عن ابن جريج. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة {فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ } قال: في قصور محصنة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عكرمة نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي العالية قال: هي قصور في السماء. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن سفيان نحوه. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، عن قتادة في قوله: {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ } يقول: نعمة {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ } قال: مصيبة {قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ ٱللَّهِ } قال: النعم والمصائب. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي العالية في قوله: {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ } قال: هذه في السرّاء والضرّاء، وفي قوله: {مَّا أَصَـٰبَكَ مِنْ حَسَنَةٍ } قال: هذه في الحسنات والسيئات، وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ ٱللَّهِ } يقول: الحسنة والسيئة من عند الله، أما الحسنة فأنعم بها عليك، وأما السيئة فابتلاك بها، وفي قوله: {وَمَا أَصَـٰبَكَ مِن سَيّئَةٍ } قال: ما أصابه يوم أحد أن شجّ وجهه، وكسرت رباعيته. وأخرج ابن أبي حاتم، من طريق العوفي عنه في قوله: {وَمَا أَصَـٰبَكَ مِن سَيّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ } قال: هذا يوم أحد يقول: ما كانت من نكبة فبذنبك، وأنا قدّرت ذلك. وأخرج ابن المنذر من طريق مجاهد أن ابن عباس كان يقرأ: "وَمَا أَصَـٰبَكَ مِن سَيّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَنَا كتبتها عَلَيْكَ" قال مجاهد: وكذلك قراءة أبيّ، وابن مسعود. وأخرج نحو قول مجاهد هذا ابن الأنباري في المصاحف. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله: {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ } قال: هم أناس كانوا يقولون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنا بالله ورسوله؛ ليأمنوا على دمائهم وأموالهم {فَإِذَا بَرَزُواْ } من عند رسول الله {بَيَّتَ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ } يقول: خالفوا إلى غير ما قالوا عنده، فعابهم الله. وأخرج ابن جرير، عنه قال غير أولئك ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيَل لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً} فيمن نزلت هذه الآية فيه أربعة أقاويل: أحدها: أنها نزلت في ناس من الصحابة استأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم بمكة في قتال المشركين فلم يأذن لهم، فلما كُتِبَ عليهم القتال وهم بالمدينة قال فريق منهم ما ذكره الله عنهم، وهذا قول ابن عباس، وعكرمة، وقتادة، والسدي. والثاني: أنها نزلت في المنافقين، وهو قول بعض البصريين. والثالث: أنها نزلت في اليهود. والرابع: أنها من صفة المؤمن لما طُبعَ عليه البشر من المخافة، وهذا قول الحسن. {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} في البروج ها هنا ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها القصور، وهو قول مجاهد، وابن جريج. والثاني: أنها قصور في السماء بأعيانها تسمى بهذا الاسم، وهو قول السدي، والربيع. والثالث: أنها البيوت التي في الحصون وهو قول بعض البصريين. وأصل البروج الظهور، ومنه تبرج المرأة إذا أظهرت نفسها. وفي المُشّيَّدَةِ ثلاثة أقاويل: أحدها: المجصصة، والشيد الجص، وهذا قول بعض البصريين. والثاني: أن المُشّيَّدَ المطول في الارتفاع، يقال شاد الرجل بناءه وأشاده إذا رفعه، ومنه أَشدت بذِكِرْ الرجل إذا رَفَعْتَ منه، وهذا قول الزجاج. والثالث: أن المُشّيَّد، بالتشديد: المُطَّول، وبالتخفيف: المجصَّص. قوله تعالى: {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ} في القائلين ذلك قولان: أحدهما: أنهم المنافقون، وهو قول الحسن. والثاني: اليهود، وهو قول الزجاج. وفي الحسنة والسيئة ها هنا ثلاثة تأويلات: أحدها: البؤس والرخاء. والثاني: الخصب والجدب، وهو قول ابن عباس، وقتادة. والثالث: النصر والهزيمة، وهو قول الحسن، وابن زيد. وفي قوله: {مِنْ عِندِكَ} تأويلان: أحدهما: أي بسوء تدبيرك، وهو قول ابن زيد. والثاني: يعنون بالشؤم الذي لحقنا منك على جهة التطُّير به، وهذا قول الزجاج، ومثله قوله تعالى: {أية : وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ} تفسير : [الأعراف: 131]. قوله تعالى: {مَا أَصَابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِك} اختلف في المراد بهذا الخطاب على ثلاثة أقاويل. أحدها: أن الخطاب متوجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو المراد به. والثاني: أنه متوجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره، وهو قول الزجاج. والثالث: أنه متوجه إلى الإنسان، وتقديره: ما أصابك أيها الإنسان من حسنة فمن الله، وهذا قول قتادة. وفي الحسنة والسيئة ها هنا ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الحسنة النعمة في الدين والدنيا، والسيئة المصيبة في الدين والدنيا، وهذا قول بعض البصريين. والثاني: أن الحسنة ما أصابه يوم بدر، والسيئة ما أصابه يوم أحد من شج رأسه وكسر رباعيته، وهو قول ابن عباس، والحسن. والثالث: أن الحسنة الطاعة، والسيئة المعصية، وهذا قول أبي العالية. قوله تعالى: {فَمِن نَّفْسِكَ} قولان: أحدهما: يعني فبذنبك. والثاني: فبفعلك.

ابن عطية

تفسير : المعنى: {قل} يا محمد لهؤلاء: {متاع الدنيا} ، أي الاستمتاع بالحياة فيها الذي حرصتم عليه وأشفقتم من فقده {قليل} ، لأنه فان زائل {والآخرة} التي هي نعيم مؤبد {خير} لمن أطاع الله واتقاه في الامتثال لأوامره، على المحاب والمكاره، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم "تظلمون" بالتاء على الخطاب، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي "يظلمون" بالياء على ترك المخاطبة وذكر الغائب، والفتيل الخيط في شق نواة التمرة، وقد تقدم القول فيه. و {أينما تكونوا يدرككم الموت} جزاء وجوابه، وهكذا قراءة الجمهور، وقرأ طلحة بن سليمان " يدركُكُم" بضم الكافين ورفع الفعل، قال أبو الفتح: ذلك على تقدير دخول الفاء كأنه قال: فيدرككم الموت، وهي قراءة ضعيفة، وهذا إخبار من الله يتضمن تحقير الدنيا، وأنه لا منجى من الفناء والتنقل، واختلف المتأولون في قوله: {في بروج} فالأكثر والأصح أنه أراد البروج والحصون التي في الأرض المبنية، لأنها غاية البشر في التحصن والمنعة، فمثل الله لهم بها، قال قتادة: المعنى في قصور محصنة، وقاله ابن جريج والجمهور، وقال السدي: هي بروج في السماء الدنيا مبنية، وحكى مكي هذا القول عن مالك، وأنه قال: ألا ترى إلى قوله {أية : والسماء ذات البروج} تفسير : [البروج:1] وحكى النقاش عن ابن عباس أنه قال: {في بروج مشيدة} ، معناه في قصور من حديد. قال القاضي أبو محمد: وهذا لا يعطيه اللفظ، وإنما البروج في القرآن إذا وردت مقترنه بذكر السماء بروج المنازل للقمر وغيره على ما سمتها العرب وعرفتها، وبرج معناه ظهر، ومنه البروج أي المطولة الظاهرة، ومنه تبرج المرأة، و {مشيدة} قال الزجّاج وغيره: معناه مرفوعة مطولة، ولأن شاد الرجل البناء إذا صنعه بالشيد وهو الجص إذا رفعه، وقالت طائفة: {مشيدة} معناه: محسنة بالشيد، وذلك عندهم أن "شاد الرجل" معناه: جصص بالشيد، وشيد معناه: كرر ذلك الفعل فهي للمبالغة، كما تقول: كسرت العود مرة، وكسرته في مواضع منه كثيرة مراراً، وخرقت الثوب وخرقته، إذا كان الخرق منه في مواضع كثيرة، فعلى هذا يصح أن تقول: شاد الرجل الجدار مرة وشيد الرجل الجدار إذا أردت المبالغة، لأن التشييد منه وقع في مواضع كثيرة، ومن هذا المعنى قول الشاعر [عدي بن زياد العبادي]: [الخفيف] شعر : شَادَهُ مَرْمَراً وَجَلَّلَهُ كِلْـ ساً فللطيرِ في ذُراهُ وكورُ تفسير : والهاء والميم في قوله: {وإن تصبهم} رد على الذين قيل لهم، كفوا أيديكم وهذا يدل على أنهم المنافقون، لأن المؤمنين لا تليق بهم هذه المقالة، ولأن اليهود لم يكونوا للنبي عليه السلام تحت أمر، فتصيبهم بسببه أسواء، ومعنى الآية، وإن تصب هؤلاء المنافقين حسنة من هزم عدو أو غنيمة أو غير ذلك رأوا أن ذلك بالاتفاق من صنع الله، لا أنه ببركة إتباعك والإيمان بك، {وإن تصبهم سيئة} ، أي هزيمة أو شدة جوع وغير ذلك، قالوا: هذه بسببك، لسوء تدبيرك، كذا قال ابن زيد، وقيل لشؤمك علينا. قاله الزجّاج وغيره، وقوله: {قل كل من عند الله} إعلام من الله تعالى، أن الخير والشر، والحسنة والسيئة خلق له ومن عنده، لا رب غيره ولا خالق ولا مخترع سواه، فالمعنى: قل يا محمد لهؤلاء: ليس الأمر كما زعمتم من عندي ولا من عند غيري، بل هو كله من عند الله، قال قتادة: النعم والمصائب من عند الله، قال ابن زيد، النصر والهزيمة، قال ابن عباس: السيئة والحسنة. قال القاضي أبو محمد: وهذا كله شيء واحد، ثم وبخهم بالاستفهام عن علة جهلهم، وقلة فهمهم وتحصيلهم لما يخبرون به من الحقائق والفقه في اللغة الفهم، وأوقفته الشريعة على الفهم في الدين وأموره، وغلب عليه بعد الاستعمال في علم المسائل الأحكامية، والبلاغة في الاستفهام عن قلة فقههم بينة، لأنك إذا استفهمت عن علة أمر ما، فقد تضمن كلامك إيجاب ذلك الأمر تضمناً لطيفاً بليغاً، ووقف أبو عمرو والكسائي على قوله {فما} ووقف الباقون على اللام في قوله: {فمال}، إتباعاً للخط، ومنعه قوم جملة، لأنه حرف جر فهي بعض المجرور، وهذا كله بحسب ضرورة وانقطاع نفس، وأما أن يختار أحد الوقف فيما ذكرناه ابتداء فلا.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ} نزلت في قوم من الصحابة، سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم بمكة أن يأذن لهم في القتال فيقاتلون فلما فرض القتال بالمدينة قالوا ما ذكر الله في هذه الآية، أو في اليهود أو المنافقين، أو هي صفة المؤمنين لما طبع عليه البشر من الخوف.

النسفي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ } أي عن القتال {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلوٰةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ } أي فرض بالمدينة {إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ } يخافون أن يقاتلهم الكفار كما يخافون أن ينزل الله عليهم بأسه، لا شكاً في الدين ولا رغبة عنه ولكن نفوراً عن الإخطار بالأرواح وخوفاً من الموت. قال الشيخ أبو منصور رحمه الله: هذه خشية طبع لا أن ذلك منهم كراهة لحكم الله وأمره اعتقاداً، فالمرء مجبول على كراهة مافيه خوف هلاكه غالباً، وخشية الله من إضافة المصدر إلى المفعول ومحله النصب على الحال من الضمير في «يخشون» أي يخشون الناس مثل خشية أهل الله أي مشبهين لأهل خشية الله {أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً } هو معطوف على الحال أي أو أشد خشية من أهل خشية الله وأو للتخيير أي إن قلت؛ خشيتهم الناس كخشية الله فأنت مصيب، وإن قلت: إنها أشد فأنت مصيب لأنه حصل لهم مثلها وزيادة. {وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ } هلا أمهلتنا إلى الموت فنموت على الفرش، وهو سؤال عن وجه الحكمة في فرض القتال عليهم لا اعتراض لحكمه بدليل أنهم لم يوبخوا على هذا السؤال بل أجيبوا بقوله {قُلْ مَتَـٰعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ وَٱلأخِرَةُ خَيْرٌ لّمَنِ ٱتَّقَىٰ } متاع الدنيا قليل زائل ومتاع الآخرة كثير دائم، والكثير إذا كان على شرف الزوال فهو قليل فكيف القليل الزائل! {وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً } ولا تنقصون أدنى شيء من أجوركم على مشاق القتل فلا ترغبوا عنه. وبالياء: مكي وحمزة وعلي. ثم أخبر أن الحذر لا ينجي من القدر بقوله: {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ } «ما» زائدة لتوكيد معنى الشرط في «أين» {وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ } حصون أو قصور {مُّشَيَّدَةٍ } مرفعة {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ } نعمة من خصب ورخاء {يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } نسبوها إلى الله {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ } بلية من قحط وشدة {يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ } أضافوها إليك وقالوا. هذه من عندك وما كانت إلا بشؤمك، وذلك أن المنافقين واليهود كانوا إذا أصابهم خير حمدوا الله تعالى، وإذا أصابهم مكروه نسبوه إلى محمد صلى الله عليه وسلم فكذبهم الله تعالى بقوله {قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ ٱللَّهِ } والمضاف إليه محذوف أي كل ذلك فهو يبسط الأرزاق ويقبضها {فَمَالِ هَـؤُلاء ٱلْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ } يفهمون {حَدِيثاً } فيعلمون أن الله هو الباسط القابض وكل ذلك صادر عن حكمة. ثم قال {مَا أَصَابَكَ } يا إنسان خطاباً عاماً. وقال الزجاج: المخاطب به النبي عليه السلام والمراد غيره {مِنْ حَسَنَةٍ } من نعمة وإحسان {فَمِنَ ٱللَّهِ } تفضلاً منه وامتناناً {وَمَا أَصَـٰبَكَ مِن سَيّئَةٍ } من بلية ومصيبة {فَمِن نَّفْسِكَ } فمن عندك أي فبما كسبت يداك. {أية : وَمَا أَصَـٰبَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ فِيمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ }تفسير : [الشورى: 30]. {وَأَرْسَلْنَـٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً } لا مقدراً حتى نسبوا إليك الشدة، أو أرسلناك للناس رسولاً فإليك تبليغ الرسالة وليس إليك الحسنة والسيئة {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً } بأنك رسوله، وقيل: هذا متصل بالأول أي يكادون يفقهون حديثاً يقولون ما أصابك. وحمل المعتزلة الحسنة والسيئة في الآية الثانية على الطاعة والمعصية تعسف بيّن وقد نادى عليه ما أصابك إذ يقال في الأفعال «ما أصبت» ولأنهم لا يقولون الحسنات من الله خلقاً وإيجاداً فأنى يكون لهم حجة في ذلك؟ «وشهيداً» تمييز. {مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ } لأنه لا يأمر ولا ينهى إلا بما أمر الله به ونهى عنه، فكانت طاعته في أوامره ونواهيه طاعة لله {وَمَن تَوَلَّىٰ } عن الطاعة فأعرض عنه {فَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً } تحفط عليهم أعمالهم وتحاسبهم عليها وتعاقبهم. {وَيَقُولُونَ } ويقول المنافقون إذا أمرتهم بشيء {طَاعَةٌ } خبر مبتدأ محذوف أي أمرنا وشأننا طاعة {فَإِذَا بَرَزُواْ } خرجوا {مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ } زور وسوّى فهو من البيتوتة لأنه قضاء الأمر وتدبيره بالليل، أو من أبيات الشعر لأن الشاعر يدبرها ويسويها. وبالإدغام: حمزة وأبو عمرو. {غَيْرَ ٱلَّذِى تَقُولُ } خلاف ما قلت وما أمرت به أو خلاف ما قالت وما ضمنت من الطاعة، لأنهم أبطنوا الرد لا القبول والعصيان لا الطاعة وإنما ينافقون بما يقولون ويظهرون. {وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيّتُونَ } يثبته في صحائف أعمالهم ويجازيهم عليه {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } ولا تحدث نفسك بالانتقام منهم {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ } في شأنهم فإن الله يكفيك مضرتهم وينتقم لك منهم إذا قوي أمر الإسلام {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً } كافياً لمن توكل عليه {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءانَ } أفلا يتأملون معانيه ومبانيه. والتدبر: التأمل والنظر في أدبار الأمر وما يؤول إليه في عاقبته ثم استعمل في كل تأمل. والتفكر: تصرف القلب بالنظر في الدلائل وهذا يرد قول من زعم من الروافض أن القرآن لا يفهم معناه إلا بتفسير الرسول صلى الله عليه وسلم والإمام المعصوم، ويدل على صحة القياس وعلى بطلان التقليد. {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ } كما زعم الكفار {لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفاً كَثِيراً } أي تناقضاً من حيث التوحيد والتشريك والتحليل والتحريم، أو تفاوتاً من حيث البلاغة فكان بعضه بالغاً حد الإعجاز وبعضه قاصراً عنه يمكن معارضته، أو من حيث المعاني فكان بعضه إخباراً بغيب قد وافق المخبر عنه، وبعضه إخباراً مخالفاً للمخبر عنه، وبعضه دالاً على معنى صحيح عند علماء المعاني، وبعضه دالاً على معنى فاسد غير ملتئم. وأما تعلق الملحدة بآيات يدعون فيها اختلافاً كثيراً من نحو قوله: {أية : فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ }تفسير : [الأعراف: 107] {أية : كَأَنَّهَا جَانٌّ }تفسير : [النمل: 10] {أية : فَوَرَبّكَ لَنَسْـئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ }تفسير : [الحجر: 92]. {أية : فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْـئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ } تفسير : [الرحمن: 39]. فقد تفصى عنها أهل الحق وستجدها مشروحة في كتابنا هذا في مظانها إن شاء الله تعالى: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مّنَ ٱلأمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ } هم ناس من ضعفة المسلمين الذين لم يكن فيهم خبرة بالأحوال، أو المنافقون كانوا إذا بلغهم خبر من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمن وسلامة أو خوف وخلل {أَذَاعُواْ بِهِ } أفشوه وكانت إذاعتهم مفسدة. يقال: أذاع السرع وأذاع به، والضمير يعود إلى الأمر أو إلى الأمن أو الخوف لأن «أو» تقتضي أحدهما {وَلَوْ رَدُّوهُ } أي ذلك الخبر {إِلَى ٱلرَّسُولِ } أي رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَإِلَىٰ أُوْلِى ٱلأمْرِ مِنْهُمْ } يعني كبراء الصحابة البصراء بالأمور أو الذين كانوا يؤمِّرون منهم {لَعَلِمَهُ } لعلم تدبير ما أخبروا به {ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } يستخرجون تدبيره بفطنهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ومكائدها، وقيل: كانوا يقفون من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولي الأمر على أمن ووثوق بالظهور على بعض الأعداء، أو على خوف واستشعار فيذيعونه فينتشر فيبلغ الأعداء فتعود إذاعتهم مفسدة، ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر وفوضوه إليهم وكانوا كأن لم يسمعوا، لعلم الذين يستنبطون تدبيره كيف يدبرونه وما يأتون ويذرون فيه. والنَبط: الماء الذي يخرج من البئر أول ما تحفر، واستنباطه استخراجه فاستعير لما يستخرجه الرجل بفضل ذهنه من المعاني والتدابير فيما يعضل {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ } بإرسال الرسول {وَرَحْمَتُهُ } بإنزال الكتاب {لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَـٰنَ } لبقيتم على الكفر {إِلاَّ قَلِيلاً } لم يتبعوه ولكن آمنوا بالعقل كزيد بن عمرو بن نفيل وقس بن ساعدة وغيرهما. لما ذكر في الآي قبلها تثبطهم عن القتال وإظهارهم الطاعة وإضمارهم خلافها قال {فَقَاتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } إن أفردوك وتركوك وحدك {لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ } غير نفسك وحدها أن تقدمها إلى الجهاد فإن الله تعالى ناصرك لا الجنود، وقيل: دعا الناس في بدر الصغرى إلى الخروج وكان أبو سفيان واعد رسول الله صلى الله عليه وسلم اللقاء فيها فكره بعض الناس أن يخرجوا فنزلت، فخرج وما معه إلا سبعون ولو لم يتبعه أحد لخرج وحده {وَحَرّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } وما عليك في شأنهم إلا التحريض على القتال فحسب لا التعنيف بهم {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي بطشهم وشدتهم وهم قريش وقد كف بأسهم بالرعب فلم يخرجوا. و «عسى» كلمة مطمعة غير أن أطماع الكريم أعود من إنجـاز اللئيم {وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً } من قريش {وَأَشَدُّ تَنكِيلاً } تعذيباً وهو تمييز كـ«بأساً».

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} قال الكلبي نزلت في عبد الرحمن بن عوف الزهري والمقداد بن الأسود الكندي وقدامة بن مظعون الجمحي وسعد بن أبي وقاص وجماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يلقون من المشركين أذى كثيراً بمكة قبل أن يهاجروا فكانوا يقولون يا رسول الله ائذن لنا في قتالهم فإنهم قد آذونا فيقول لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كفوا أيديكم فإني لم أؤمر بقتالهم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة" تفسير : يعني قيل لهم كفوا أيديكم عن قتالهم وأدوا ما افترض عليكم من الصلاة والزكاة وفيه دليل على أن فرض الصلاة والزكاة كان قبل فرض الجهاد {فلما كتب عليهم القتال} أي فرض عليهم جهاد المشركين وأمروا بالخروج إلى بدر {إذا فريق منهم} يعني إذا جماعة من الذين سألوا أن يفرض عليهم الجهاد {يخشون الناس} يعني يخافون مشركي مكة {كخشية الله أو أشد خشية} أو بمعنى الواو يعني وأشد خشية {وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال} يعني لمَ فرضت علينا الجهاد {لولا أخرتنا إلى أجل قريب} يعني هلاّ تركتنا ولم تفرض علينا القتال حتى نموت بآجالنا والقائلون لهذا القول هم المنافقون لأن هذا القول لا يليق بالمؤمنين وقيل قاله بعض المؤمنين وإنما قالوا ذلك خوفاً وجبناً لا اعتقاداً ثم إنهم تابوا من هذا القول {قل} أي قل لهم يا محمد {متاع الدنيا قليل} يعني أن منفعتها والاستمتاع بالدنيا قليل لأنه فان زائل {والآخرة} يعني وثواب الآخرة {خير لمن اتقى} يعني اتقى الشرك ومعصية الرسول صلى الله عليه وسلم {ولا تظلمون فتيلاً} أي ولا تنقصون من أجوركم قدر فتيل (م) عن المستورد بن شداد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه هذه وأشار يعني بالسبابة في اليم فلينظر بم ترجع ". تفسير : قوله عز وجل: {أينما تكونوا يدرككم الموت} نزلت في المنافقين الذين قالوا في قتلى أحد لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا فرد الله عليهم بهذه الآية وقيل نزلت في الذين قالوا ربنا لم كتبت علينا القتال فرد الله عليهم بقوله تعالى: {أينما تكونوا يدرككم الموت} يعني ينزل بكم الموت فبيّن تعالى أنه لا خلاص لهم من الموت وإذا كان لا بد لهم من الموت كان القتل في القتال في سبيل الله وجهاد أعدائه أفضل من الموت على الفراش لأن الجهاد موت تحصل به سعادة الآخرة ثم بيّن تعالى أنه لا بد لهم من الموت وأنه لا ينجي منه شيء بقوله: {ولو كنتم في بروج مشيدة} البروج في كلام العرب الحصون والقلاع والمشيدة المرفوعة المطولة وقيل هي المطلية بالشيد وهو الجص {إن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله} نزلت في المنافقين واليهود وذلك أن المدينة كانت ذات خير وأرزاق ونعم عند مقدم النبي صلى الله عليه وسلم فلما ظهر نفاق المنافقين وعناد اليهود أمسك الله عنهم بعض الإمساك فقال المنافقون واليهود ما زلنا نعرف النقص في ثمارنا ومزارعنا منذ قدم علينا هذا الرجل وأصحابه. فقال الله تعالى وإن تصبهم يعني المنافقين واليهود حسنة أي خصب في الثمار ورخص في السعر يقولوا هذه من عند الله يعني من قبل الله {وإن تصبهم سيئة} أي جدب في الثمار وغلاء في السعر {يقولوا هذه من عندك} يعني من شؤم محمد وأصحابه وقيل المراد بالحسنة الظفر والغنيمة يوم بدر وبالسيئة القتل والهزيمة يوم أّحد ومعنى من عندك أنت الذي حملتنا عليه يا محمد فعلى هذا القول يكون هذا إخباراً عن المنافقين خاصة {قل} أي قل لهم يا محمد {كلّ من عند الله} يعني الحسنة والسيئة والخصب والجدب والغنيمة والهزيمة والظفر والقتل فأما الحسنة فإنعام من الله وأما السيئة فابتلاء منه {فمال هؤلاء القوم} أي فما شأن هؤلاء القوم المنافقين واليهود الذين قالوا ما قالوا {لا يكادون يفقهون حديثاً} يعني لا يفقهون معاني القرآن وأن الأشياء كلها من الله عز وجل خيرها وشرها.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ...} الآية: ٱختلَفَ المتأوِّلون، فِيمَن المرادُ بقوله: {ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ}. فقال ابنُ عَبَّاس وغيره: كان جماعةٌ من المؤمنين قد أَنِفُوا من الذُّلِّ بمَكَّةَ قَبْلَ الهِجْرة، وسألوا رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُبِيحَ لَهُمْ مقاتَلَةَ المُشْركين، فأمرهم عَنِ اللَّهِ تعالَىٰ بكَفِّ الأيْدِي، فلَمَّا كتب عليهم القتالُ بالمدينةِ، شَقَّ ذلك علَىٰ بعضهم، ولَحِقَهُمْ ما يلْحَقُ البَشَر من الخَوَرِ والكَعِّ عَنْ مقَارَعَةِ العدُوِّ، فنزلَتِ الآية فيهم. وقال ابنُ عباس أيضاً ومجاهدٌ: إنما الآيةُ حكايةٌ عنْ حالِ اليَهُود؛ أنهم فعلوا ذلكَ مَعَ نبيِّهم في وَقْتِهِ، فمعنى الحكايةِ عنهم تقبيحُ فِعْلِهِمْ، ونَهْيُ المؤمنين عَنْ فِعْلِ مثله. وقيل: المرادُ المنافقُونَ. و «أَوْ»: تقدَّم شرحُها في «سورة البقرة»؛ في قوله تعالى: {أية : أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} تفسير : [البقرة:74]؛ لأنَّ الموضعَيْنِ سواءٌ. وقولهم: {لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ}: رَدٌّ في صَدْر أوامرِ اللَّهِ سبحانه، وقلَّةُ ٱستسلامٍ له، والأَجَلُ القريبُ: يعنُونَ به موتَهُمْ علَىٰ فُرُشِهِمْ؛ هكذا قال المفسِّرون. قال * ع *: وهذا يحسُنُ؛ إذا كانتِ الآيةُ في اليَهُودِ أو في المنافِقِينَ، وأما إذا كانت في طَائِفَةٍ من الصحابةِ، فإنما طَلَبُوا التأخُّر إلى وَقْتِ ظُهُورِ الإسلامِ، وكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، ويُحَسِّنُ القولَ بأنها في المنافِقِينَ ٱطِّرَادُ ذِكْرِهِمْ فيما يأتِي بَعْدُ من الآيات. وقوله سبحانه: {قُلْ مَتَـٰعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ} المعنَىٰ: قل، يا محمَّد، لهؤلاءِ: متاعُ الدنيا، أي: الاِستمتاعُ بالحياةِ فيها الَّذي حَرَصْتُم علَيْهِ قليلٌ، وباقي الآيةِ بيِّن. وهذا إخبارٌ منه سبحانه يتضمَّن تحقيرَ الدُّنْيا، قلْتُ: ولِمَا عَلِمَ اللَّهُ في الدنيا مِنَ الآفات، حَمَىٰ منها أولياءه، ففِي الترمذيِّ عن قتادة بن النُّعْمَان، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنَّهُ قَالَ: «حديث : إذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْداً، حَمَاهُ الدُّنْيَا؛ كَمَا يَظَلُّ أَحَدُكُمْ يَحْمِي سَقِيمَهُ المَاءَ»تفسير : ، قال أبو عيسَىٰ: وفي البابِ عَنْ صُهَيبٍ، وأُمِّ المُنْذِرِ، وهذا حديثٌ حسنٌ، وفي الترمذيِّ عن ابن مسعودٍ قال: «حديث : نَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَىٰ حَصِيرٍ، فَقَامَ وَقَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوِ ٱتَّخَذْنَا لَكَ فِرَاشاً؟! فَقَالَ: مَالِي ومَا لِلدُّنْيَا، مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إلاَّ كَرَاكِبٍ ٱسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا»تفسير : ، وفي الباب عن ابنِ عُمَر، وابن عبَّاس، قال أبو عيسَىٰ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. انتهى. وقوله سبحانه: {فِي بُرُوجٍ} الأكثرُ والأصحُّ الذي علَيْه الجمهورُ: أنه أراد بـــ «البُرُوج»: الحُصُونَ التي في الأرْضِ المبنيَّة؛ لأنها غايةُ البَشَر في التحصُّن والمَنَعة، فمَثَّل اللَّه لهم بها، قال قتادة: المعنَىٰ: في قصورٍ محصَّنة؛ وقاله ابنُ جُرَيْجٍ والجُمْهُور، وبَرَّجَ: معناه: ظَهَر؛ ومنه تبرُّج المرأة، و {مُّشَيَّدَةٍ}: قال الزَّجَّاج وغيره: معناه: مرفُوعَة مطوَّلة؛ ومنه أَشَادَ الرَّجُلُ ذِكْرَ الرَّجُل؛ إذا رفَعَهُ، وقالتْ طائفةٌ: {مُّشَيَّدَةٍ}: معناه: محسَّنة بالشِّيدِ، وهو الجَصُّ، وروى النسائيَّ عن أبي هُرَيْرَة؛ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حديث : أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ»تفسير : ، يعني: الموتَ، وخرَّجه ابنُ ماجة والترمذيُّ، وخرَّجه أبو نُعَيْمٍ الحافظُ بإسناده من حديثِ مالكِ بْنِ أنس، عن يَحْيَـى بْنِ سعيدٍ، عَنِ ابنِ المُسَيَّب، عن عمرَ بْنِ الخطَّاب، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم بمثله، وروى ابنُ ماجة بسَنَده، عنِ ابن عُمَرَ؛ أنَّهُ قَالَ: «حديث : كُنْتُ جَالِساً مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ المُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ؟ قَالَ: أَحْسَنُهُمْ خُلُقاً، قَالَ: فَأَيُّ المُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ؟ قَالَ: أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْراً، وَأَحْسَنُهُمْ لِمَا بَعْدَهُ ٱسْتِعْدَاداً أُولَئِكَ الأَكْيَاسُ»تفسير : ، وأخرجه مالك أيضاً. انتهى من «التذكرة». وقوله تعالى: {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ...} الآية: الضميرُ في {تُصِبْهُمْ} عائدٌ على {ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ}؛ وهذا يدلُّ على أنَّهم المنافقون؛ لأن المؤمنين لا تليقُ بهم هذه المقالةُ؛ ولأنَّ اليهودَ لم يكُونوا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم تَحْتَ أمْرٍ، فتصيبهم بِسَبَبِهِ أَسْوَاءٌ، والمعنَىٰ: إنْ تُصِبْ هؤلاءِ المنافقين حَسَنَةٌ من غنيمةٍ أو غيرِ ذلك، رَأَوْا أنَّ ذلك بالاتفاقِ مِنْ صُنْع اللَّه، لا ببَرَكَةِ ٱتِّبَاعِكَ والإيمانِ بِكَ، وإنْ تصبْهم سيِّئةٌ، أي: هزيمةٌ، أو شدَّةُ جُوعٍ، أو غيرُ ذلكَ، قالوا: هذه بسَبَبِكَ. وقوله: {قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ ٱللَّهِ}: إعلامٌ من اللَّه سبحانه؛ أنَّ الخيْرَ والشرَّ، والحسنَةَ والسيِّئة خَلْقٌ له، ومِنْ عنده، لا رَبَّ غيره، ولا خَالِقَ ولا مُخْتَرِعَ سواه، والمعنَىٰ: قل، يا محمَّد، لهؤلاَءِ. ثُمَّ وبَّخهم سبحانه بالاستفهامِ عن عِلَّةِ جهلهم، وقلَّةِ فهمهم، وتحصِيلِهِمْ لما يُخْبَرُونَ به من الحقائِقِ، والْفِقْهُ في اللغةِ: الفَهْمُ، وفي الشَّرْعِ: الفهمُ في أمورِ الدِّين، ثم غَلَبَ علَيْهِ الاستعمالُ في عِلْمِ المسائِلِ الأحكاميَّة.

ابن عادل

تفسير : قال الكَلْبِي: حديث : نزلت في عَبْد الرَّحْمن بن عَوْف الزُّهرِيِّ، والمقدَادِ بن الأسْود الكندي، وقدامة بن مَظْعُون الجُمَحِي، وسَعْد بن أبِي وَقَّاصٍ، وجَمَاعة كانوا مع النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَبْل أن يُهَاجِرُوا إلى المَدِينَةِ، ويَلْقُون من المُشْرِكِين أذًى شَديداً، فَيَشْكُون ذلك إلى الرَّسُول، ويقولون: ائْذَن لَنَا في قِتَالِهِم، ويقول لَهُم الرَّسُول: كُفُّوا أيْدِيَكُم، فإني لَمْ أومَر بقتالهِمْ، واشْتَغِلُوا بإقَامَة دينكُم من الصَّلاة والزَّكَاة، فلمَّا هَاجَر رسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى المدينَةِ، وأُمِرَ بقتالهم في وَقْعَة بَدْرٍ، كرهه بَعْضُهم وشقَّ عَلَيْه، تفسير : فأنزل اللَّه - تعالى - هذه الآية. فَذَهَب بَعْضُهم إلى أنَّهَا نَزَلَت في المُؤمِنين، واحتجُّوا: بأنَّ الَّذِين يَحْتَاج الرَّسُول إلى أن يَقُولَ لهم كَفُّوا عن القِتَال، هُم الرَّاغِبُون في القِتَالِ؛ وهم المُؤمِنُون. ويمكن الجوابُ عنه: بأنَّ المُنَافِقِين كانوا يُظْهِرُون أنَّهم مؤمِنُونَ، وأنَّهم يريدُونَ قِتال الكُفَّار، فلما أمر اللَّهُ بقتالِهم الكُفَّار، أحجم المُنَافِقُون عَنْه، وظهر مِنْهُم خِلاف ما كَانُوا يَقُولُونَهُ. وقيل: نزلت في المُنَافِقِين، واحتجُّوا بأنَّ الله - تعالى - وَصَفَهم بأنَّهم {يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً}، وهذا الوصف لا يَلِيقُ إلا بالمُنَافِقِ؛ لأن المُؤمِن لا يَخَاف من النَّاسِ أشَدَّ من خوفِهِ من اللَّه، وأيضاً قولهم: "ربنا لم كتبت علينا القتال" اعتراضٌ على اللَّه - تعالى -، وذلك من صِفَة الكُفَّار والمُنَافِقِين، وأيضاً قوله - تعالى - للرَّسُول: {قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ} وهذا الكلام إنَّما يذكر لمن كانت رَغبتهُ في الدُّنْيَا أكْثَر من رَغْبَته في الآخِرة، وذلك من صِفَاتِ المُنَافِقِين. وأجاب القَائِلُون بالقَوْل الأوَّل: بأن حُبَّ الحياة والنَّفْرة عن القَتْلِ من لَوَازِمِ الطَّبْع؛ فهذه الخَشْيَة مَحْمُولة على هذا المَعْنَى، وقولهم: "لِمَ كتبت علينا القتال" محمولة على التمَنِّي بتخفيف التَّكْلِيف، لا على وَجْه إنْكَار [لإيجَابِ] اللَّه - تعالى -. وقوله [- تعالى -]: {قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ} ذكره ليهَوِّن على القَلْبِ أمر هذه الحَيَاةِ؛ لكي تزول عن قَلْبِه نَفْرَة القِتَالِ وحُبُّ الحَيَاة، ويُقْدِمُون على الجِهَاد بقلب قَوِيٍّ، لا لأجْل الإنْكَار. وقيل: قاله جماعة من المؤمنين لم يكونوا رَاسِخين في العِلْم، قالوه خوفاً وجُبْناً لا اعتقاداً ثم تابوا، وأهْلُ الإيمان يتفاضَلُون في الإيمَانِ. وقيل: كانوا مُؤمنين، فلما كُتِبَ [عليهم]، أي: فرض عليْهِم القِتَال، تلفقوا من الجُبْنِ، وتخلَّفُوا عن الجِهَاد، والأوْلى حَمْل الآية على المُنَافِقِين، لأنه - تعالى - ذكر بَعْد هذه الآية قوله: {أية : وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ} تفسير : [النساء: 78] ولا شَكَّ أنَّ هذا من كَلاَم المُنَافِقِين. فصل دلَّت الآيَة على أن إيجَاب الصَّلاة والزَّكاة، كان مُقَدَّماً على إيجَاب الجِهَادِ. قوله {إِذَا فَرِيقٌ}: "إذا" هنا فُجَائِيَّة، وقد تقدَّم أن فيها ثلاثة مَذَاهِب: أحدُها - وهو الأصَحُّ: أنها ظَرْف مكان. والثَّاني: أنها زمان. والثَّالث: أنها حَرفٌ. قيل في "إذا" هَذِه: إنها فجَائِية مَكَانِيَّة، وأنها جوابٌ لـ "لَمَّا" في قوله: {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ}، وعلى هَذَا فَفِيها وَجْهَان: أحدُهُما: أنها خَبَر مقدَّمٌ، و"فريق": مبتدأ، و"منهم": صفةٌ لـ "فَرِيقٌ"، وكذلك "يَخْشَون"، ويجُوزُ أن يكونَ "يَخْشَون" حالاً من "فريق" لاختصاصه بالوَصْفِ، والتَّقْديرُ: "فبالحضرة فريق [فهو] كائن منهم خَاشُون أو خَاشِين". والثاني: أن يكون "فريقٌ" مُبْتَدأ، و"منهم": صفته، وهو المُسَوِّغُ للابْتِداء به، و"يَخْشَوْن": جملة خبريةٌ وهو العَامِلُ في "إذا"، وعلى القَوْلِ الأوَّلِ: العَامِلُ فيها مَحْذُوفٌ على قَاعِدة الظُّرُوف الوَاقِعة خبراً. وقيل: إنَّها هنا ظَرْفُ زمانٍ، وهذا فَاسِدٌ؛ لأنها إذْ ذَاك لا بُدَّ لها من عَامِلٍ، وعامِلُها إمَّا ما قَبْلَها، وإمَّا ما بَعْدَها، لا جائز أن يكُون ما قَبْلَها لأن ما قبلها وهو "كُتب" ماضٍ لفظاً ومعنى، وهي للاسْتِقْبال، فاستحال ذلك. فإن قيل: تُجْعَلُ هنا للمُضِيِّ بمعنى "إذا". قيل: لا يجُوز ذلك؛ لأنه يصيرُ التقدير: فلمَّا كُتِب عَلَيْهم القِتَال في وَقْتِ خَشْيةِ فَرِيقٍ مِنْهُم، وهذا يفتقرُ إلى جَوَابَ "لَمَّا" ولا جَوابَ لها، ولا جَائزٌ أن يَكُونَ ما بَعْدها؛ لأنَّ العَامِل فيها إذا كان بعدها، كان جواباً لها، ولا جَوابَ لها هُنَا، وكان قد تَقَدَّم أوَّلَ البقرة أنَّ في "لَمَّا" قولين: قولَ سيبويه: إنَّها حَرْف وجوب لوُجُوب، وقول الفَارِسي: إنها ظَرْفُ زمانٍ بِمَعْنى "حين" وتقدَّم الردُّ عليه، بأنَّها أُجيبت بـ "مَا" النَّافِية وإذا الفُجَائِية، وأنَّ ما بَعْدَها لا يَعْمَل فيما قَبْلَها، فأغْنى عن إعادته، ولا يجُوزُ أن يعمل ما يَلِيها فيها؛ لأنه في مَحَلِّ خَفْض بالإضَافَةِ على زَعْمِه، والمُضَافُ إليه لا يَعْمَل في المُضَافِ. وقد أجابَ بعضهم، بأنَّ العامل فيها هنا مَعْنى "يخشون"؛ كأنه قيل: جَزِعوا، قال: "وجزعُوا هو العَامِلُ في "إذا"، وهذا الآية مُشكلةٌ؛ لأنَّ فيها ظَرْفَيْن: أحدُهما لما مَضَى، والآخرُ لِما يُسْتَقْبَل". قوله: "كخشية الله" فيه ثلاثةُ أوجه: أحَدُها - وهو المَشْهُور عند المُعْربين: أنها نَعْتُ مصدرٍ مَحْذُوفٍ، أي: خشيةً كخَشْيَِة الله. والثاني: - وهو المُقَرَّر من مذهب سيبويه غيرَ مرة -: أنَّها في مَحَلِّ نصب على الحَالِ من ضَمِير الخَشْيَة المَحذُوف، أي: يَخْشَوْنها النَّاسَ، أي: يَخْشون الخَشْيَة الناس مشبهةً خَشْيَة الله. والثالث: أنَّها في مَحَلِ نصبٍ على الحال من الضمير في "يخشون" أي: يَخْشَون النَّاسَ مثلَ أهل خَشْيَة الله، أي: مُشْبهين لأهل خَشْيَة الله أو أشدَّ خشية، أي: أشدَّ خَشْيَةً من أهل خَشْيَة الله. و"أشدَّ" مَعْطُوف على الحَالِ؛ قاله الزمخشري، ثم قال: "فإنْ قُلْتَ: لِمَ عَدَلْتَ عن الظَّاهِر، وهو كَوْنُه صِفة للمَصْدَر ولم تُقَدِّرْه: يَخْشون خَشْية مثل خَشْيَة الله، بمعنى: مثل ما يَخْشَى الله. قلت: أبَى ذلك قوله: "وأشد خشية"؛ لأنه وما عُطِفَ عليه في حُكْمٍ واحدٍ، ولو قلت: "يخشون الناس أشد خشية" لم يكن إلا حَالاً من ضَمِير الفريقِ، ولم ينتَصِب انتِصَابَ المَصْدَر؛ لأنك لا تَقُول: "خَشِي فُلانٌ أشَدَّ خشيةً" فتنْصِبُ "خشية" وأنْتَ تريد المَصدر، إنَّما تَقَول: "أشدَّ خَشْيةٍ" فتجرُّها، وإذا نَصَبْتَها لم يكُن "أشدَّ خشيةً" إلا عِبَارةً عن الفاعل حالاً منه، اللَّهُم إلا أن تجعل الخَشْيَة خَاشِيةً على حدِّ قولهم: "جَدَّ جَدُّه" فتزعم أنَّ مَعْنَاه: يخشون الناسَ خَشْيَةً مثل خشيةٍ أشدَّ خَشْيَة من خَشْيَة الله، ويجُوز على هذا أن يكُون مَحَلُّ "أشدَّ" مَجْرُوراً، عطفاً على "خشية الله" تريد: كَخَشْيَة الله، أو كَخَشْيَةٍ أشدَّ منها". انتهى. ويجوز نصبُ "خشيةً" على وجْه آخَر؛ وهو العَطْف على مَحَلِّ الكَافِ، وينتصب "أشدَّ" حينئذ على الحَالِ من "خَشْيَة"؛ لأنه في الأصْلِ نعتُ نكرةٍ قُدِّم عليها، والأصل: يَخْشَوْن النَّاسَ مثلَ خَشْيَةِ الله أو خَشْيَةً أشدَّ منها، فلا ينتصب "خَشيَة" تمييزاً، حتى يَلْزَم منه ما ذكره الزَّمَخْشَرِي ويُعْتذر عنه، وقد تقدَّم نحو من هذا عِنْد قوله: {أية : أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً} تفسير : [البقرة: 200]. والمصدرُ مُضَاف إلى المَفْعُول والفَاعِل مَحْذُوف، أي: كَخشيتهم اللَّهَ. فإن قيل: ظاهر قوله: {أَوْ أَشَدَّ} يوهم الشَّكَّ، وذلك محالٌ على الله - تعالى -. فالجواب: يحتمل الأوْجُه المذكورة في قوله {أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} ويجوز أن تكون للتنويع، يعني: أن منهم من يخشاهم كخشية الله، ومنهم من يخشاهم أشد خشية من خشية الله. قال ابْنُ الخَطِيب: وفي تأوِيله وُجُوهٌ: الأوَّل: المُراد مِنْه: الإبْهَام على المُخَاطَب، بمعنى أنَّهم على أحَد الصِّفَتَيْن من المُسَاواة والشدّة؛ وذلك لأنَّ كُلَّ خَوْفَيْن فأحدُهُما بالنِّسْبة إلى الآخَر: إمَّا أن يكُون مُسَاوِياً، أو أنْقَص، وأزيد، فَبيَّن - تعالى - بهذه الآية أن خَوْفَهم من النَّاس ليس أنْقَص من خَوْفِهم من الله - تعالى -، بل إمَّا أن يكون مُسَاوِياً أوْ أزْيَد، وذلك لا يُوجِب كَوْنه - تعالى - شاكَّا، بل يُوجِب إبْقاء الإبْهَام في هَذَيْن القِسْمَيْن على المُخَاطَب. والثاني: أن يكون "أو" بمعنى الوَاوِ، والتَّقْدِير: يخْشَوْنهم كَخَشْيَة اللَّه وأشَد خشية، ولَيْس بَيْن هذيْن القِسْمَيْن مُنَافَاة؛ لأنَّ من هُو أشَدّ خَشْية، فَمَعَه من الخشية مِثْل خَشْية اللَّه [وزيادة]. الثَّالث: أن هذا نظير قوله: {أية : وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} تفسير : [الصافات: 147] يعني: أنَّ من يُبْصِرهم يَقُول هذا الكلام؛ فكذا ههنا. قوله: {لَوْلاۤ أَخَّرْتَنَا} أي: هَلاَّ أخرْتَنَا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ، يعني: الموْت أي: هلاّ ترَكْتنا حَتَّى نَمُوت بآجَالِنَا، وهذا كالعِلَّة لكَرَاهَتِهم إيجَاب القِتَالِ عليْهم، ثم إنَّه -تعالى - أجَابَهُم بقوله: قلْ يا مُحَمَّد: {مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ} أي: مَنْفعَتُها والاستِمْتَاعُ بها قَلِيلٌ، "والآخرة" أي: وثواب الآخِرة خَيْر وأفْضَل لمن اتَّقَى الشِّرْك ومَعْصِية الرَّسُول، وإنَّما كانت الآخِرَة خَيْرٌ؛ لأن نِعَم الدُّنْيَا قليلة [فَانِيَةٌ] ونعم الآخِرَة كَثِيرَة بَاقِيَةٌ ونِعَم الدُّنيا مُنْقَطِعة، ونِعَم الآخِرَة مؤبَّدة، ونِعَم الدُّنْيَا مشوبَةٌ بالهُمُومِ والمَكَاره، ونِعَم الآخِرَة صَافية من الكُدُورَات. روى المستورد بن شَدَّادِ؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَا الدُّنْيَا في الآخِرَة إلاَّ مِثْل مَا يَجْعَل أحَدُكُم أصْبُعَهُ في اليَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بمَ يَرْجِع ". تفسير : ثم قال: {وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً}. قرأ ابن كَثيرٍ، وأبُو جعفَر، وحمْزَة، والكسَائِي: باليَاء رُجوعاً إلى قَولِه - تعالى -: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ} والباقُون: بتاء الخِطَاب؛ كقوله: {قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ} والمعنى {أية : وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} تفسير : [النساء: 49]، أي: لا يُنْقَصُون من ثَوَابِ أعْمَالِهِم مثل فَتِيل النَّوَاةِ، وهو ما تفتله بيدِكَ ثم تُلْقِيه احْتِقَاراً.

السيوطي

تفسير : أخرج النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في سننه من طريق عكرمة عن ابن عباس. ‏حديث : أن عبد الرحمن بن عوف وأصحاباً له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا نبي الله كنا في عز ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة‏.‏ فقال‏:‏ "‏إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم‏.‏ فلما حوله الله إلى المدينة أمره الله بالقتال فكفوا‏.‏ فأنزل الله ‏ {‏ألم ترَ إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية" ‏‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في الآية قال‏: ‏‏ ‏"حديث : ‏كان أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - وهم يومئذ بمكة قبل الهجرة - يسارعون إلى القتال، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ذرنا نتخذ معاول نقاتل بها المشركين‏.‏ وذكر لنا أن عبد الرحمن بن عوف كان فيمن قال ذلك، فنهاهم نبي الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك قال‏:‏ ‏لم أومر بذلك‏.‏ فلما كانت الهجرة وأمروا بالقتال كره القوم ذلك وصنعوا فيه ما تسمعون، قال الله تعالى ‏ {‏قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلاً‏} ‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال‏:‏ هم قوم أسلموا قبل أن يفرض عليهم القتال، ولم يكن عليهم إلا الصلاة والزكاة، فسألوا الله أن يفرض عليهم القتال‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏{‏ألم ترَ إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم‏} ‏ إلى قوله ‏{‏لاتّبعتم الشيطان إلا قليلاً‏} ‏ ما بين ذلك في يهود‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس ‏ {‏فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم‏}‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ نهى الله هذه الأمة أن يصنعوا صنيعهم‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله ‏ {‏إلى أجل قريب‏} ‏ قال‏:‏ هو الموت‏. ‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج ‏ {‏إلى أجل قريب‏} ‏ أي إلى أن يموت موتاً‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن هشام قال‏:‏ قرأ الحسن ‏ {‏قل متاع الدنيا قليل‏} ‏ قال‏:‏ رحم الله عبداً صحبها على ذلك، ما الدنيا كلها من أولها إلى آخرها إلا كرجل نام نومة فرأى في منامه بعض ما يحب ثم انتبه فلم يرَ شيئاً‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران قال‏:‏ الدنيا قليل، وقد مضى أكثر القليل، وبقي قليل من قليل‏.‏

ابو السعود

تفسير : {أَلَمْ تَرَ ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ} تعجيبٌ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم من إحجامهم عن القتال مع أنهم كانوا قبل ذلك راغبـين فيه حِراصاً عليه بحيث كادوا يباشرونه كما ينبىء عنه الأمرُ بكفّ الأيدي فإن ذلك مُشعرٌ بكونهم بصدد بسطِها إلى العدو بحيث يكادون يسطون بهم، قال الكلبـي:«حديث : إن جماعةً من أصحاب النبـي عليه الصلاة والسلام منهم عبدُ الرحمٰن بنُ عوفٍ الزُّهري والمقداد بنُ الأسودِ الكنديُّ وقُدامةُ بنُ مظعونٍ الجُمَحي وسعدُ بنُ أبـي وقاص الزُّهري رضي الله تعالى عنهم كانوا يلقَوْن من مشركي مكةَ قبل الهجرةِ أذى شديداً فيشكون ذلك إلى النبـي عليه الصلاة والسلام ويقولون: ائذنْ لنا في قتالهم، فيقول لهم النبـي عليه الصلاة والسلام: "كُفّوا أيديَكم {وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكَاة} فإني لم أُومْر بقتالهم"»تفسير : ، وبناءُ القولِ للمفعول مع أن القائلَ هو النبـيُّ عليه الصلاة والسلام للإيذان بكون ذلك بأمر الله سبحانه وتعالى ولأن المقصودَ بالذات والمعتبرَ في التعجيب إنما هو كمالُ رغبتِهم في القتال وكونُهم بحيث احتاجوا إلى النهي عنه، وإنما ذُكر في حيز الصِّلةِ الأمرُ بكف الأيدي لتحقيقه وتصويرِه على طريقة الكنايةِ فلا يتعلق ببـيان خصوصيةِ الأمرِ غرضٌ، وكانوا في مدة إقامتِهم بمكةَ مستمرِّين على تلك الحالةِ فلما هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأُمروا بالقتال في وقعة بدرٍ كرِهَه بعضُهم وشق ذلك عليه لكنْ لا شكّاً في الدين ولا رغبةً عنه بل نفوراً عن الإخطار بالأرواح وخوفاً من الموت بموجَب الجِبِلَّة البشريةِ وذلك قولُه تعالى: {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ} الخ، وهو عطفٌ على {قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ} [النساء، الآية 77] باعتبار مدلولِه الكنائيِّ إذْ حينئذٍ يتحقق التبايُنُ بـين مدلولَي المعطوفَين وعليه يدور أمرُ التعجيبِ كأنه قيل: ألم ترَ إلى الذين كانوا حِراصاً على القتال، فلما كُتب عليهم كرِهَه بعضُهم، وقولُه تعالى: {إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ} جوابُ لمّا على أن فريقٌ مبتدأٌ، ومنهم متعلقٌ بمحذوف وقع صفةً له ويخشَوْن خبرُه، وتصديرُه بإذا المفاجَأةِ لبـيان مسارعتِهم إلى الخشية آثِرَ ذي أثيرٍ من غير تلعثمٍ وتردد، أي فاجأ فريقٌ منهم أن يخشوا الكفارَ أن يقتلوهم ولعل توجيهَ التعجيبِ إلى الكل مع صدور الخشيةِ عن بعضهم للإيذان بأنه ما كان ينبغي أن يصدُر عن أحدهم ما ينافي حالتَهم الأولى، وقولُه تعالى: {كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ} مصدرٌ مضافٌ إلى المفعولِ محلُّه النصبُ على أنه حال من فاعل يخشَون أي يخشَوْنهم مُشْبِهين لأهل خشيةِ الله تعالى {أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً} عطفٌ عليه بمعنى أو أشدَّ خشيةً من أهل خشيةِ الله، أو على أنه مصدرٌ مؤكدٌ على جعل الخشيةِ ذاتَ خشيةٍ مبالغةً كما في جدّ جِدُّه أي يخشَوْنهم خشيةً مثلَ خشيةِ الله أو خشيةً أشدَّ خشيةً من خشية الله. وأياً ما كان فكلمةُ أو إما للتنويع على معنى أن خشيةَ بعضِهم كخشية الله وخشيةَ بعضِهم أشدُّ منها، وإما للإبهام على السامع وهو قريبٌ مما في قوله تعالى: {أية : وَأَرْسَلْنَـٰهُ إِلَىٰ مِاْئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ } تفسير : [الصافات، الآية 147] يعني أن من يبصرهم يقول إنهم مائة ألف أو يزيدون {وَقَالُواْ} عطف على جواب لما أي فلما كتب عليهم القتالُ هلع فريقٌ منهم خشيةَ الناسِ وقالوا: {رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ} في هذا الوقتِ لا على وجه الاعتراضِ على حكمه تعالى، والإنكارِ لإيجابه، بل على طريق تمنِّي التخفيفِ {لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ} استزادةٌ في مُدة الكفِّ واستمهالٌ إلى وقت آخرَ حذراً من الموت، وقد جُوِّز أن يكون هذا مما نَطَقت به ألسنةُ حالِهم من غير أن يتفوهوا به صريحاً. {قُلْ} أي تزهيداً لهم فيما يؤمِّلونه بالقعود من المتاع الفاني وترغيباً فيما ينالونه بالقتال من النعيم الباقي {مَتَـٰعُ ٱلدُّنْيَا} أي ما يُتَمتّع ويُنتفع به في الدنيا {قَلِيلٌ} سريعُ التقضِّي وشيكُ الانصرامِ وإن أُخِّرتم إلى ذلك الأجلِ {وَٱلآخِرَةُ} أي ثوابُها الذي من جملته الثوابُ المنوطُ بالقتال {خَيْرٌ} أي لكم من ذلك المتاعِ القليلِ، لكثرته وعدمِ انقطاعِه وصفائِه عن الكدورات وإنما قيل: {لِمَنِ ٱتَّقَىٰ} حثاً لهم على اتقاءِ العِصيانِ والإخلالِ بمواجب التكليفِ {وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً} عطفٌ على مقدر ينسحب عليه الكلامُ أي تُجزَوْن فيها ولا تُنقَصون أدنى شيءٍ من أجور أعمالِكم التي من جملتها مسعاكم في شأن القتالِ فلا ترغبوا عنه، والفتيلُ ما في شق النواةِ من الخيط يضرب به المثلُ في القلة والحقارة، وقرىء يظلمون بالياء إعادةً للضمير إلى ظاهر مَنْ.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ}[77] فسئل: ما الدنيا؟ فقال: الدنيا كلها جهل إلاَّ موضع العلم، العلم كله حجة إلاَّ موضع العمل به، والعمل كله هباء إلاَّ موضع الإخلاص، والإخلاص لا يتم إلاَّ بالسنة. ثم قال: دنياك نفسك، فإذا أفنيتها فلا دنيا لك.

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوۤاْ أَيْدِيَكُمْ} [الآية: 77]. قيل: وفيه قصروا أيديكم عن تناول الشهوات. قوله عز وعلا: {قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ}. قال محمد بن الفضل: متاع الدنيا قليل وأقل قيمة منها من يطلبها ويفرح بها، وللآخرة خير لمن اتقى الدنيا وأهلها والركون إليها. قال الواسطى: قل متاع الدنيا قليل: هَوِّن الدنيا فى أعينهم، لئلا يشق عليهم تركها.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوۤاْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ}. أخْرِجُوا أيديَكُمْ عن أمورِكم، وكِلُوها إلى معبودكم. ويقال اقصروها عن أخذ الحرام والتصرف فيه. ويقال امْتَنِعُوا عن الشهوات. ويقال: {كُفُّوۤاْ أَيْدِيَكُمْ} إلا عن رَفْعِها إلى الله في السؤال بوصف الابتهال. فلمَّا كتب عليهم القتال استثقلوا أمره، واستعجلوا لطفه. والعبودية في تَرْكِ الاستثقال، ونفي الاستعجال، والتباعد عن التبرم والاستثقال. قوله جلّ ذكره: {قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً}. مَكَّنَكَ من الدنيا ثم قال: {قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ} فلم يَعُدَّها شيئاً لك ثم لو تَصَدَّقْتَ منها بِشقِّ تمرةٍ لتَخَلَّصْتَ من النار، وحظيت بالجنة، وهذا غاية الكرم. واستقلالُ الكثير من نفسك - لأجل حبيبك - أقوى أمارات صُحْبتك. ويقال لما زَهَّدَهم في الدنيا قلَّلَها في أعينهم ليهون (عليها) تركها. ويقال قل متاعُ الدنيا بجملتها قليلٌ، والذي هو نصيبك منها أقلُّ من القليل، فمتى يناقشك لأجلها (بالتخليل)، ولو سَلِم عهدك من التبديل؟ وإذا كانت قيمة الدنيا قليلة فأخَسُّ من الخسيس مَنْ رَضِيَ بالخسيس بدلاً عن النفيس. وقد اخْتَلَعَ المؤمن من الكون بالتدريج. فقال أولاً: {قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ} (فاحفظهم) عن الدنيا بالعقبى، ثم سلبهم عن الكونين بقوله: {أية : وَٱللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ}تفسير : [طه: 73].

البقلي

تفسير : قوله تعالى {قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ} كما ان فى الأية تخويف المحب الدنيا وترغيب الطالب العقبى الذى هو مطيع الله بنعت التقوى وايضا فيها اشارة الى ان العارف اخذ التوسع والف الرخص بعد احتراق فى المجاهدة والرياضة بنيران المحبة لان لا ينكر عليه احد لم يبلغ الى درجته فان الدنيا باسرها لو كانت ذهبا وجواهر او مسكا وعنبر وورد او ريحانا ونساء مركبا وثيابا حسنة ومجالس رفيعة قليلة فى جنب ما يحتاجه اليه لانه يريد ان يسلى قلبه فى فراق محبوبه بشئ مستحسن من الحدثان ولا يكفيه حرقته وشوقه جميع المسحسنان من العرش الى الثرى فكيف بشئ قليل من قليل وان الله سبحانه يسلى فواده بقوله {وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ} اى لمن يصبر فى مجاهدته وشوقه الى من الاستيناس هذه المستحسنات القليلة لان فى الاخرة كشف جمالى له الذى هو راحة لا راحة فوقه كما قال عليه السلام لا راحة للمؤمن دون لقاء الله قال الواسطى هون الدنيا فى اعنيهم لئلا يشق عليهم تركها.

اسماعيل حقي

تفسير : {ألم تر الى الذين قيل لهم كفوا ايديكم} ـ روى ـ ان ناسا اتوا النبى صلى الله عليه وسلم بمكة قبل ان يهاجر الى المدينة وشكوا اليه ما يلقون من اذى المشركين قالوا كنا فى عز فى حالة الجاهلية والآن صرنا اذلة فلو اذنت لنا قتلنا هؤلاء المشركين على فرشهم فقال صلى الله عليه وسلم "حديث : كفوا ايديكم" تفسير : اى امسكوا "حديث : عن القتال " تفسير : {واقيموا الصلوة وآتوا الزكوة} واشتغلوا بما امرتم به فانى لم أومر بقتالهم وكانوا فى مدة اقامتهم بمكة مستمرين على تلك الحالة فلما هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المدينة وامروا بالقتال فى وقت بدر كرهه بعضهم وشق ذلك عليه لكن لا شكا فى الدين ولا رغبة عنه بل نفورا من الاخطار بالارواح وخوفا من الموت بموجب الجبلة البشرية لان حب الدنيا والنفرة من القتل من لوازم الطباع وذلك قوله تعالى {فلما كتب عليهم القتال} اى فرض عليهم الجهاد {اذا فريق} اذا للمفاجأة وفريق مبتدأ {منهم} صفة {يخشون الناس} خبره والجملة جواب لما اى فاجأ فريق منهم ان يخشوا الكفار ان يقتلوهم {كخشية الله} مصدر مضاف الى المفعول محله النصب على انه حال من فاعل يخشون اى يخشونهم متشبهين باهل خشية الله تعالى {او اشد خشية} عطف عليه بمعنى او اشد خشية من اهل خشية الله وكلمة او للتنويع على معنى ان خشية بعضهم كخشية الله او خشية بعضهم اشد منها {وقالوا} عطف على جواب لما اى فلما كتب عليهم القتال فاجأ فريق منهم خشية الناس وقالوا {ربنا لم كتبت علينا القتال} فى هذا الوقت لا على وجه الاعتراض على حكمه تعالى والانكار لا يجابه بل على طريقة تمنى التخفيف {لولا أخرتنا الى اجل قريب} اى هلا امهلتنا وتركتنا الى الموت حتى نموت بآجالنا على الفراش وهذا استزادة فى مدة الكف واستمهال الى وقت آخر حذرا من الموت وحبا للحياة {قل} اى تزهيدا لهم فيما يؤملونه بالقعود من المتاع الفانى وترغيبا فيما ينالونه بالقتال من النعيم الباقى {متاع الدنيا قليل} اى ما يتمتع وينتفع به فى الدنيا سريع النقض وشيك الانصرام وان اخرتم الى ذلك الاجل ولو استشهدتم فى القتال صرتم احياء فتتصل الحياة الفانية بالحياة الباقية {والآخرة} اى ثوابها الذى من جملته الثواب المنوط بالقتال {خير} لكم من ذلك المتاع القليل لكثرته وعدم انقطاعه وصفائه عن الكدورات وانما قيل {لمن اتقى} حثا لهم على اتقاء العصيان والاخلاص بمواجب التكليف {ولا تظلمون فتيلا} عطف على مقدر اى تجزون ولا تنقصون ادنى شىء من اجور اعمالكم التى من جملتها مسعاتكم فى شأن القتال فلا ترغبوا عنه. اعلم ان الآخرة خير من الدنيا لان نعم الدنيا قليلة ونعم الآخرة كثيرة ونعم الدنيا منقطعة ونعم الآخرة مؤبدة ونعم الدنيا مشوبة بالهموم والغموم والمكاره ونعم الآخرة صافية عن الكدروات ونعم الدنيا مشكوكة فان اعظم الناس تنعما لا يعرف انه كيف تكون عاقبته فى اليوم الثانى ونعم الآخرة يقينية. فعلى العاقل ان يختار ما هو خير من كل وجه وهو الآخرة على ما هو شر من كل جهة وهو الدنيا: قال السعدى فى بعض قصائده شعر : عمارت باسراى ديكر انداز كه دنيارا اساسى نيست محكم فريدون را سرآمد بادشاهى سليمانرا برفت ازدست خاتم وفادارى مجوى ازدهر خونخوار محالست انكبين دركام ارقم مثال عمر سر بركرده شمعيست كه كوته باز مى باشد دمادم ويا برفى كدازان بر سركوه كز هر لحظه جزئى ميشودكم تفسير : ـ روى ـ ان رجلا اشترى دارا فقال لعلى رضى الله عنه اكتب القبالة فكتب [بسم الله الرحمن الرحيم اما بعد فقد اشترى مغرور من مغرور دارا دخل فيها فى سكة الغافلين لا بقاء لصاحبها فيها الحد الاول ينتهى الى الموت والثانى الى القبر والثالث الى الحشر والرابع الى الجنة او الى النار والسلام] فقرأ على الرجل فرد الدار وتصدق بالدنانير كلها وتزهد فى الدنيا فهذا هو حال العارفين حقيقة الحال. قال القشيرى رحمه الله مكنك من الدنيا ثم قللها فلم يعدها لك شيئاً ثم لو تصدقت منها بشق تمرة استكثر منك وهذا غاية الكرم وشرط المحبة وهو استقلال الكثير من نفسه واستكثار القليل من حبيبه واذا كان قيمة الدنيا قليلة فاخس من الخسيس من رضى بالخسيس بدلا من النفس وقال ان الله تعالى اختطف المؤمن من الكون بالتدريج فقال اولا {قل متاع الدنيا قليل} فاختطفهم من الدنيا بالعقبى ثم استلبهم عن الكونين بقوله {أية : والله خير وأبقى} تفسير : [طه: 73]. فلا بد للسالك ان يترقى الى اعلى المنازل ويسعى من غير فتور وكلال: قال مولانا جلال الدين قدس سره شعر : اى برادر بى نهايت دركهيست هركجاكه مى رسى بالله مايست تفسير : وثمرة المجاهدة لا تضيع البتة بل تجزى كل نفس بما عملت. قال بعض المشايخ انما جعل الدار الآخرة محلا لجزاء عباده المؤمنين لان هذه الدار لا تسع ما يريد ان يعطيهم ظاهرا وباطنا وكل ما فى الجنة لا يوافق ما فى الدنيا الا من حيث التسمية ولانه تعالى اجل اقدارهم عن ان يجازيهم فى دار لا بقاء لها قال تعالى {أية : وما عند الله خير وأبقى} تفسير : [الشورى: 36]. ثم الجزاء فى تلك الدار له علامة فى هذه الدار وهى انه من وجد ثمرة عمله عاجلا وهى الحلاوة فيه والتوفيق لغيره والشكر عليه فهو دليل على وجود القبول لان الجزاء على ذلك مقصور. قال ابراهيم بن ادهم لو يعلم الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف. وقال بعضهم ليس شىء من البر الا ودونه عقبة يحتاج الى الصبر فيها فمن صبر على شدتها افضى الى الراحة والسهولة وانما هى مجاهدة النفس ثم مخالفة الهوى ثم المكابدة فى ترك الدنيا ثم اللذة والتنعم وانما يطيع العبد ربه على قدر منزلته منه فمن سره ان يعرف منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة الله فى قلبه. وقيل لبعضهم هل تعرف الله فغضب وقال ترانى اعبد من لا اعرف قال له السائل او تعصى من تعرف: قال السعدى قدس سره شعر : عمرى كه ميرود بهمه حال سعى كن تادر رضاى خالق بيجون بسر برى تفسير : وقال ايضا شعر : بير بودى وره ندانستى تونه بيرى كه طفل كتابى

ابن عجيبة

تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ...} قلت:{أو أشد} عطف على الكاف النائبة عن المصدر، أي: خشيةً مثل خشية الله أو أشد، وهو من إضافة المصدر إلى المفعول، أي: مثل خشيتهم الله. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ألم تر} يا محمد {إلى الذين} طلبوا منك فرضَ الجهاد حرصًا على أن يجاهدوا، فقيل لهم على لسان الرسل: {كُفّوا أيديكم} عنه إلى أوَانِ فَرضِه، واشتغلوا بما أُمِرتم به من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، {فلما كُتب عليهم القتال} دخلهم الخوف {إذا فريق منهم يخشون الناس} أي: الكفار، أن يقتلوهم مثل خشية عقاب {الله} أو أشد خشية منه. {وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال} في هذا الوقت {لولا}: هلاّ {أخّرتنا إلى أجل قريب} نتمتع فيه بحياتنا أو إلى أن نموت بآجالنا. قلت: والظاهر أنهم قالوا ذلك في نفوسهم، خواطر خطرت لهم، ولم يفوهوا به، إن نزلت في الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ، وإن كانت في المنافقين فيمكن أن ينطقوا بها. {قل متاع الدنيا قليل} وعيشها ذليل، وأجلها قريب، {والآخرة خير لمن اتقى}، وحياتها خير وأبقى، وسَتَقدُمون على مولاكم، فيكرم مثواكم، ويوفيكم جزاء أعمالكم، {ولا تظلمون فتيلاً} من ثواب أعمالكم، ولا تنقصون من أيام أعماركم، جاهدتم أو قعدتم. {أينما تكونوا يدرككم الموت} عند انقضاء آجالكم، {ولو كنتم في بروج مشيدة} عالية محصنة. فإن كان الموت لا بد منه ففي الجهاد أفضل، لأنه حياة لا موتَ بعده. قال الكلبي: نزلت في قوم من الصحابة، منهم: عبد الرحمن بن عوف، والمِقدادُ وقٌدامة بن مَظعون وغيرهم، كانوا يُؤذَونَ بمكة، ويستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم في القتال، فيقول لهم: كفوا أيديكم حتى يُؤذن فيه لكم، فلما هاجروا إلى المدينة وأُمروا به، كرهه بعضهم كراهية الطبع البشري، فخطر ببالهم شيءٌ مما حكى الله عنهم. فلما كانوا في عين العناية ومحل القرب والهداية عوقبوا على تلك الخواطر، ولو كان غيرهم من أهل البُعد لسُومح له في ذلك، وقيل: نزلت في قوم من المؤمنين أُمروا بالجهاد فنافقوا من الجُبن، وتخلفوا عن الجهاد، وهذا أليق بما بعده من قوله: {إن تصبهم حسنة}. والله تعالى أعلم. الإشارة: نرى بعض الفقراء يبطشون إلى مقام التجريد ومجاهدة نفوسهم قبل كمال يقينهم، فإذا أُمِروا بذلك، ورأوا ميادين الحروب واشتعال نيران قتل النفوس، وأمروا بالصبر على المكاره، من مواجهة الإنكار ولحوق الذل والافتقار، جبنوا وكلَّوا ورجعوا القهقرى، فيقال لهم: متاعُ الدنيا قليل وعزيزها ذليل، وغنيها فقير، وكبيرها حقير، وما تنالون من الله في جزاء مجاهدتكم خيرٌ وأبقى، ولا تُظلمون فتيلاً من مجاهدتكم لنفوسكم، فلو صبرتم لفزتم بالوصول إلى حضرة ربكم، فلما جبُنتُم ورجعتم، كان جزاؤكم الحرمان، عما ظفر به أهل العرفان. وفي مثل هؤلاء يقول ابن الفارض رضي الله عنه: شعر : تعرّضَ قومٌ للغرامِ وأعرَضوا بجانبهم عن صحّتي فيه واعتلّوا رضوا بالأماني، وابُتُلوا بحظُوظهم وخاضوا بحارَ الحبّ، دعوى، فما ابتلّوا فهُم في السُّرى لم يَبرَحوا من مكانهم وما ظَعَنوا في السير عنه، وقد كلَّوا تفسير : ثم حكى مقالتهم الدالة على نفاقهم، فقال: {...وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ فَمَا لِهَـٰؤُلاۤءِ ٱلْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ...} يقول الحقّ جلّ جلاله: في وصف أهل النفاق: وإنهم إن {تصبهم حسنة} كخصب ورخاء ونعمة ظاهرة، قالو: {هذه من عند الله}، ونسبوها إلى الله بلا واسطة، {وإن تصبهم سيئة} كقحط وجوع وموت وقتل، قالوا للرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ: {هذه من عندك} بشؤم قدومك أنت وأصحابك، كما قالت اليهود ـ لعنهم الله ـ: منذ دخل محمدٌ المدينة نقصت ثمارها وغلت أسعارها. قلت: بل زكت ثمارها، ورخصت أسعارها، وأشرقت أنوارها، ولاحت أسرارها، وقد دعا صلى الله عليه وسلم للمدنية بمثل ما دعا إبراهيمُ لمكة، وأضعاف ذلك، فما زالت الخيرات تترادف إليها حسًا ومعنى إلى يوم القيامة، وهذه المقالة قد صدرت ممن كان قبلهم؛ فقد قالوا لسيدنا صالح عليه السلام: {أية : قَالُواْ اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ} تفسير : [النَّمل:47]، وقال تعالى: {أية : وَإِن تُصِبْهُمْ سَيَّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ} تفسير : [الأعراف:131]، {أية : مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قّدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ}تفسير : [فُصّلَت:43]. قال تعالى مكذبًا لهم: {قل كلٌّ من عند الله}؛ الحسنة بفضله، والسيئة بعدله. ثم عيرهم بالجهل فقال: {فمالِ هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثًا}؛ فهُم كالبهائم أو أضل سبيلاً، أو لا يفقهون القرآن ويتدبرون حديثه، ولو تدبروا لعلموا أن الكل من عند الله، وأنه خالق كل شيء، المقدَّر لكل شيء. ثم علَّمنا الأدب بنسبة الكمالات إليه سبحانه بلا وساطة، ونسبة النقائص إلى شؤم ذنوبنا، فقال: {ما أصابك من حسنة} أي: نعمة {فمن الله} فضلاً وإحسانًا، وأما طاعة العبد فلا تفي بشكر نعمة واحدة، ولذلك قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: " حديث : لن يَدخلَ أحدُكُمُ الجنةَ بعملهِ " تفسير : ، قيل: ولا أنتَ يا رسول الله؟ قال: حديث : ولا أنَا، إلا أن يتَغمدني الله برَحمته " تفسير : . {وما أصابك} أيها الإنسان {من سيئة} أي: بلية {فمن نفسك} أي: شؤم ذنبك، وعنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: " حديث : مَا مِن خَدشٍ بعُود ولا اختلاج عرق ولا غيره إلا بذنب، وما يَعفوا الله عنه أكثرُ" تفسير : . فلا ينافي قوله: {قل كلٌّ من عند الله}؛ فإن الكل منه إيجاداً واختراعًا، غير أن الحسنة إحسانٌ، والسيئة مُجَازاة وانتقام. كما قالت عائشة ـ رضي الله عنهاـ: " مَا مِن مُسلمٍ يُصيبه وَصَبٌ ولا نَصَبٌ، حتى الشوكة يُشَاكها، وحتى انقطاع شِسع نَعلهِ، إلا بذنب، وما يعفوا الله عنه أكثر". وفي مصحف ابن مسعود: ( قالوا: {ما أصابك من حسنة فمن الله} ) الآية. فتكون حينئٍذ من مقالة المنافقين، والآيتان كما ترى لا حجة فيها للمعتزلة. والله تعالى أعلم. الإشارة: ثلاث خصال لا ينجو منها إلا القليل كما في الحديث: الطيرة، والحسد، والظن. فقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : إذا تَطَيَّرتَ فامضِ، وإذا حسدتَ فلا تبغ، وإذا ظننت فلا تٌحَقّق"تفسير : . فيتأكد على المريد أن يتطهر من هذه الخصال، ويصفي مشربه من التوحيد، فلا يرى في الوجود إلا مولاه، ولا ينسب التأثير إلى شيء سواه، إذا رأى نعمة به أو بغيره، قال: من الله، وإذا رأى مصيبة كذلك تأدب مع الله، فيعتقد في قلبه أنها من قَدَرِ الله، يقول: {قل كلٌّ من عند الله}، وينسب النقص إلى نفسه وهواه، فالنفس والشيطان مناديل الحضرة، تمسح فيهما أوساخ الأقدار، {أية : وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ}تفسير : [القَصَص:68]. والله تعالى أعلم. تم شَهِدَ جلّ جلاله لرسوله بالرسالة، تحريضًا على تعظيمه وحثًا على طاعته، وترهيبًا من سوء الأدب معه، كما صدر من المنافقين، فقال: {... وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} قلت: إن تعلق الجار بالفعل كان {رسولاً} حال مؤكدة، وإن تعلق بالاسم كان حالاً مؤسسة تفيد العموم؛ أي أرسلناك رسولاً للناس جميعًا، و {حفيظًا} حال من الكاف. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وأرسلناك} يا محمد {للناس رسولاً} تعلمهم التوحيد وتدلهم على الأدب، فالتوحيد محله البواطن، فلا يرى الفعل إلا من الله، والأدب محله الظواهر فينسب بلسانه النقص إلى نفسه وهواه. وإذا شهد الحق ـ جل جلاله ـ لرسوله بالرسالة أغْنَى عن غيره، {وكفى بالله شهيدًا}. وشهادة الحق له بالمعجزات والواضحات، والبراهين القطعيات، والدلائل السمعيات، فإذا ثبتت رسالته وجب على الناس طاعته، ولذلك قال: {من يطع الرسول فقد أطاع الله}؛ لأنه مُبلغ عن الله لا ينطق عن الهوى. رُوِي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : مَن أطَاعَنِي فَقَد أطَاعَ الله، ومَن أحبَني فقَد أحبَ الله "تفسير : فقال بعض المنافقين: ما يريد هذا الرجل إلا أن نتخذه ربًّا، كما اتخذت النصارى عيسى. فنزل: {من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى} وأعرض {فما أرسلناك عليهم حفيظًا} تَحفَظُ عليهم أعمالهم، وتحاسبهم عليها، إنما عليك البلاغ وعلينا الحساب. الإشارة: كما شهد الحق ـ جل جلاله ـ لرسله بالرسالة، بما أظهر لهم من المعجزات، شهد لأوليائه بالولاية بما منحهم من الكرامات. والمراد بالكرامة: هي تحقيق العرفان، ومعرفة الذوق والوجدان، واستقامة الظواهر والبواطن، وتهذيب الأخلاق وهداية الناس على يديه إلى العليم الخلاق، فهذه الكرامة المعتبرة عند المحققين، فمن أطاعهم فقد أطاع الله، ومن أعرض عنهم فقد أعرض عن معرفة الله، ومن أحبهم فقد أحب الله، ومن أبغضهم فقد أبغض الله؛ لأنهم نور من أنوار الله، وعين من عيون الله، إذا لم يبق فيهم بقية مما سوى الله، أقدامهم عرى قدم رسول الله، {أية : إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله}. تفسير : [الفتح:10] فافهم، والله تعالى أعلم.

الطوسي

تفسير : القراءة، والحجة: قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وخلف، والحلواني عن هشام ولا يظلمون بالياء. الباقون بالتاء. فمن قرأ بالياء حمل الكلام على لفظ الغيبة ومن قرأ بالتاء فعلى المواجهة. النزول: وقيل في سبب نزول هذه الآية قولان: أحدهما - قال ابن عباس، والحسن، وعكرمة، وقتادة، والسدي: انها نزلت في ناس من الصحابة استأذنوا النبي (صلى الله عليه وسلم) قال ابن عباس: منهم عبد الرحمن ابن عوف. وهم بمكة في قتال المشركين. فلم يأذن لهم: فلما كتب عليهم القتال. وهم بالمدينة قال فريق منهم ما حكاه الله في الآية. فان قيل: كيف. وز ذلك، والله تعالى يقول: {كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} فامرهم باقامة الصلاة وايتاء الزكاة، ولم تكن الزكاة فرضت بمكة؟ قيل: قد قال البلخي في ذلك: إنه يجوز أن يكون قوم من المنافقين عرضوا على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ذلك والاقوى عندي أن يكون الله قال ذلك على وجه الندب، والاستحباب دون الزكاة المقدرة على وجه مخصوص. الثاني - قال مجاهد: نزلت في اليهود. نهى الله هذه الأمة أن يصنعوا مثل صنيعهم. المعنى: قوله: {ألم تر} معناه ألم ينته علمك إلى هؤلاء تعجيباً من ذلك. ولو قال: ألم تر هؤلاء أو ألم تعلم هؤلاء لم يظهر فيه معنى التعجب منهم كما يظهر بـ (إلى)، لأنها تؤذن بحال بعيدة قد لا ينتهي إليها، لبعدها، لما فيها من العجب الذي يقع بها. وقوله: {الذين قيل لهم كفّوا أيديكم} يعني حين طلبوا القتال وقيل لهم: اقتصروا على اقامة الصلاة وإيتاء الزكاة {فلما كتب عليهم القتال} يعني الجهاد {إذا فريق منهم} يعني جماعة {يخشون الناس كخشية الله} قال الحسن: هو من صفة المؤمنين لما طبعوا عليه من البشرية والخوف، لا على وجه كراهة المخالفة. وقال أبو علي: هو من صفة المنافقين، لأنهم كانوا كذلك حرصاً منهم على الدنيا والبقاء فيها والاستكثار منها وقال يخشون القتل من قبل المشركين كما يخشون الموت من قبل الله. وقوله: {أو أشد خشية} ليس معنى (أو) ها هنا الشك، لأن ذلك لا يجوز عليه تعالى. وقيل في معناها قولان: أحدهما - أنها دخلت للابهام على المخاطب. والمعنى أنهم على احدى الصفتين. وهذا أصل (أو) وهو معنى واحد على الابهام. الثاني - على طريق الاباحة نحو قولك: جالس الحسن أو ابن سيرين. ومعناه إن قلت يخشون الناس كخشية الله فأنت مصيب، وان قلت يخشونهم أشد من ذلك فأنت مصيب لأنه قد حصل لهم مثل تلك الخشية وزيادة. وقولهم: {لم كتبت علينا القتال} معناه ألزمتنا وأوجبت علينا. وقوله: {لولا أخرتنا} معناه هلا أخرتنا {إلى أجل قريب} وهو إلى أن نموت بآجالنا فأعلمهم الله تعالى أن متاع الدنيا قليل، وأن الآخرة خير لأهل التقى وأعلمهم أن آجالهم لا تخطئهم {ولا يظلمون فتيلاً} أي لا يبخسون هذا القدر، وكيف ما زاد عليه. والفتيل: ما تقتله بيدك من الوسخ ثم تلقيه في قول ابن عباس. وقيل: هو ما في شق النواة، لأنه كالخيط المفتول في شق النواة.

الجنابذي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ} الخطاب لمحمّد (ص) او لكلّ من يتأتّى منه الخطاب والمقصود التّنبيه على حال القاعدين وانّهم كالنّساء فى الجبن وضعف القلب حتّى يكون ترغيباً فى الجهاد وتحذيراً عن القعود كأنّه قال: انظر {إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوۤاْ أَيْدِيَكُمْ} عن القتال والسنتكم عن الجدال كما اشير اليه فى الخبر {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ} حتّى تعلم فضيلة الجهاد وانّ الّذين يقعدون عن القتال مع الاعداء الظّاهرة او الباطنة لا تمكّن لهم فى شيءٍ من صفات الرّجال بل يكون حالهم كحال النّساء فى ابتغائهنّ الرّاحة والبقاء وخوفهنّ عن مجاهرة الاعداء، وان كان الخطاب للنّبىّ (ص) فالتّعريض بالامّة، ونزولها ان كان فى مؤمنى مكّة قبل هجرة الرّسول او قبل هجرتهم بعد هجرة الرّسول فهي جارية فى كلّ زمانٍ وزمان كلّ امام، فعن الباقر (ع) انتم والله اهل هذه الآية، وعن الصّادق (ع): كفّوا ايديكم يعنى كفّوا السنتكم، وعن الباقر (ع): كفّوا ايديكم مع الحسن (ع) كتب عليهم القتال مع الحسين (ع) الى اجلٍ قريبٍ الى خروج القائم عجّل الله فرجه فانّ معه الظّفر {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ} لعدم تدّربهم الجهاد وعدم تمكّنهم فى صفات الرّجال {يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ} لضيق صدورهم عن مجاهرة الاعداء {رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ} زمان دولة المؤمنين وتلك الاحوال قد تعرض للسّالك فيؤمر بالعزلة عن الخلق والصّمت عن المجادلة والمكالمة من غير ضرورة ثمّ يؤمر بالمعاشرة والمدافعة عن اخوانه وقضاء حوائجهم فيضيق صدره عن ذلك ولا يتمالك نفسه حتّى يصدر عنه مثل هذه المقالات، وصدور مثل هذه المقالات عن الكافّين دليل فضيلة المقاتلة وشرف المعاشرة {قُلْ} لهم {مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا} تمتّعها او أعراضها الّتى هى مرغوبة للنّساء {قَلِيلٌ} بحسب المقدار والكيفيّة والبقاء {وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ} عن التّعلّق بمتاع - الدّنيا وتسارع الى قتال الاعداء {وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً} حتّى تخافوا ان لا توجروا على متاعبكم فان كنتم تخافون الموت وفراق الدّنيا كالنّساء فاعلموا انّ الآخرة الّتى تفرّون منها خير لكم وان تسألوا انّ الفرار من القتال هل يورث البقاء؟ - فيقال فى الجواب {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ}

الهواري

تفسير : قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً} أي: بل أشد خشية. قال بعضهم: هؤلاء قوم من أصحاب النبي عليه السلام، وهو يومئذ بمكة قبل الهجرة، تنازعوا إلى القتال وسارعوا إليه حتى قالوا: يا نبي الله، ذرنا نتخذ معاول فنقاتل بها المشركين؛ فنهاهم النبي عن ذلك. فلما كانت الهجرة، وأمروا بالقتال كره القوم ذلك. {وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القِتَالَ لَوْلاَ أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} فقال الله: {قُلْ} يا محمد {مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ} وكانوا أمروا بالقتال في سورة الحج في قوله: (أية : أُذِنَ لِلذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) تفسير : [الحج:39]، وفي سورة العنكبوت {الۤمۤ أَحَسِبَ النَّاسُ أن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا ءَامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} أي لا يقاتلون... إلى قوله: (أية : وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ) تفسير : [العنكبوت:1-6]. وقال الكلبي: "حديث : كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم بمكة قبل أن يهاجر رسول الله إلى المدينة. وكانوا يلقون من المشركين أذى كثيراً فقالوا: يا رسول الله، ألا تأذن لنا في قتال هؤلاء القوم؟ فقال لهم رسول الله: كفوا أيديكم عنهم، فإني لم أؤمر بقتالهم"تفسير : ، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وسار إلى بدر فعرفوا أنه القتال، كرهوا أو بعضُهم. قال الله: {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القِتَالَ لَوْلاَ أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} أي إلى الموت. قال الله لنبيه: {قُلْ} يَا محمد: {مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ}... إلى آخر الآية. وقال الحسن: قالوا: يا رسول، ألا نأتي المشركين بمعاولنا فنقتلهم في رحالهم. قال ذلك عبد الرحمن بن عوف وأصحابه. {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً}. وذلك لما في قلوبهم من الخشية، لما طبع عليه الآدميون وهم مؤمنون. {لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القِتَالَ لَوْلاَ} أي: هلا {أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ}. قالوه في أنفسهم. والأجل القريب أجلهم. لولا أخرتنا إلى أجل، أي لولا أخرتنا حتى نموت على فُرُشنا بغير قتال؛ وذلك لكراهتهم لقتال آبائهم وأبنائهم وإخوانهم، وهو قوله تعالى: (أية : وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ المُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ) تفسير : [الأنفال: 5] وليس بكراهية يردون فيها أمر الله وأمر نبيه؛ فقال الله لمحمد: قُل لهم {مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ} أي: إنكم على كل حال ميّتون والقتل خير لكم. قال الله: {والآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً}. والفتيل هو الذي في بطن النواة. ثم أخبرهم ليعزيهم ويصبّرهم فقال: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} قال بعضهم: في قصور محصّنة. قال الحسن: ثم ذكر المنافقين خاصة فقال: {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ} أي: النصر والغنيمة {يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِ اللهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} أي: نكبة من العدو {يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِكَ} أي إنما أصابتنا هذه عقوبة مذ خرجتَ فينا، يتشاءمون به. {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللهِ} أي: النصر على الأعداء والنكبة؛ نكبوا يوم أحد عقوبة. ثم قال: {فَمَالِ هَؤُلاَءِ القَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ} فظفرت بها ونصرت على المشركين {فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ} أي: من نكبة {فَمِن نَّفْسِكَ} أي بذنوبهم، وكانت يوم أحد [عقوبة من الله بمعصيتهم رسول الله حيث اتبعوا المدبرين]، وبأخذهم الفدية من أسارى أهل بدر. وفي تفسير الحسن: ليست هذه المعصية في المنافقين خاصة. وقال بعضهم: مَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ، أي: عقوبة بذنبك. قال: {وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً} أي على عباده.

اطفيش

تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ}: أى تعجب يا محمد بالذين. {قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ}: عن قتال المشركين. {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَأَتُوا الزَّكاةَ}: واشتغلوا بعبادة الله، وهؤلاء هم المؤمنون آذاهم المشركون بمكة قبل الهجرة، فكانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم أيذن لنا فى قتال المشركين، فقد آذونا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : كفوا أيديكم عن القتال فانى لم أومر به "تفسير : فالقائل كفوا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو الله لأنه تعالى هو ينهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القتال. والذين قيل لهم هم: عبد الرحمن بن عوف، وهو من بنى زهرة، والمقداد بن الأسود من كندة، وقدامة بن مظعون الجمحى، وسعد بن أبى وقاص، وجماعة تسارعوا الى القتال وقالوا: يا رسول الله ذرنا نتخذ معاول فنقاتل بها المشركين. وعن الحسن: قال عبد الرحمن بن عوف: ألا نأتى فى المشركين بمعاولنا فنقتلهم فى رحالهم، هذا قول الجمهور وهو المشهور عن ابن عباس، والآية دليل أن الزكاة فرضت فى مكة كالصلاة. وقال مجاهد، عن ابن عباس: ان الآية فى قوم من اليهود، طلبوا موسى عليه السلام أن يقاتل بهم عدوهم، فنهاهم، ولما أمرهم بعد تولوا عن القتال وخشوه، ذكرهم الله وعاب ذلك منهم، زجرا للمؤمنين من هذه الأمة أن يكونوا مثلهم فى ذلك، أن يرغبوا فى القتال قبل الإذن فيه، ويعرضوا عنه بعد الإذن، وقيل: نزلت فى المنافقين. {فَلَمَا كُتِبَ}: فرض فى المدينة على المفعول الأول، أو كان وأما على الآخر فالأمر بالكف فى المدينة، والأمر بالقتال فيها أيضا، وأما على أن الكلام فى اليهود ففى بلادهم مع موسى عليه السلام. {عَلَيْهِمُ القِتَالُ إِذَا}: حرف مفاجأة قرن بها جواب لما، والمانع من قرنه بالفاء، وإذا الفجائية يقدر لها جوابا، أى كانت فيهم الزلزلة والاضطراب إذا: {فَرِيقٌ مِّنْهُمْ}: قوم منهم، ومنهم نعت فريق، وخبره جملة قوله تعالى: {يَخْشَونَ النَّاسَ}: أن يقاتلوا الكفار، كفار مكة ومن يشايعهم من الكفرة، رغبة عن الموت، أو يخشون قتل الكفار لهم. {كَخِشْيَةِ اللهِ}: خشية ثابتة كخشية الله، أو خشية مثل خشية، أو يتعلق بيخشون، أى خشية بأس الله الذى ينزل على من يشاء. {أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً}: من خشية الله، وأشد حال مقدم على صاحبه، وهو خشية، وخشية معطوف بأو على المصدر المحذوف المنعوت بقوله كخشية الله، أو على الكاف فى جه جعلها اسما، ويجوز أن يكون كخشية الله متعلقا بمحذوف حال من الواو أو الكاف، أو الكاف اسم حال من الواو على تقدير مضاف، أى ثابتين كأهل خشية الله، أو مثل أهل خشية الله، فيكون أشد معطوفا على الحال المذكور بوجهيها، وخشية تمييزا، أى وأشد من أهل خشية الله. وأما اذا جعلنا كخشية الله مفعولا مطلقا، أى خشية ثابتة كخشية الله، أو مثل خشية الله، فلا يجوز عطف أشد على خشية، على أن يكون أشد مجرورا بالفتحة لا منصوبا، لأن الخشية لا توصف بأنها خاشية، فضلا عن أن يقال: أنها أشد خشية، ولأن اسم التفضيل لا يكون من جنس ما بعده اذا كان ما بعده منصوبا، اللهم إلا على سبيل المبالغة والتجريد، بأن أكد الخشية حتى جرد منها خشية، أو أن يقال: ان اسم التفضيل وتمييزه هنا واحد، لأن ذلك قد يكون فلا يلزم أن يكون للخشية خشية، كقراءة {أية : فالله خير حافظا }تفسير : ان جعلنا حافظا تمييزا فانه كخير حافظ بالجر لو قرىء به، فيجوز جر أشد بالفتح عطفا على لفظ الجلالة، كأنه قيل: كخشية الله، أو كخشية انسان أشد خشية. وأو معنى الواو عطفت خاصا على عام، كما تقول: زيد جيد وأجود الناس، وعالم وأعلم الناس، أو بمعنى بل، أو الشك باعتبار غير الله سبحانه وتعالى، أى يشك الانسان الناظر فى خشيتهم، أهى كخشية الله أو أشد وتقدم الكلام على مثله. {وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القِتَالَ لَولا أَخَّرْتَنَا إِلىَ أَجَلٍ قَرِيبٌ}: أراد القول بألسنتهم، وا لله أعلم، وأجيز أن يكون بقلوبهم بلا نطق، والاستفهام تعجب، ولولا حرف تحضيض، والأجل القريب أجل الموت الذى لا بد منه، وأرادوا الموت بلا قتل، وذلك أن يموتوا فى فراشهم، أو زعموا أن المقتول مات بغير أجله، وهذا أنسب بالمنافقين، فهو مما يقوى أن يراد بالذين قيل لهم المنافقون، ويقويه أيضا أن ما بعد من الآيات فيهم وهو أيضا أنسب باليهود. واذا قيل: الذين قيل لهم هم المؤمنون فالأجل القريب الوقت الذى يظهر فيه الاسلام، ويكثر عدد أهله، أو أجل الموت الموهوم بلا قتال، لأن البشر مطبوع على حب الحياة، ولو كان مؤمنا، بالمؤمنون ان قالوا ذلك على هذا الوجه فلعلهم قالوه فى نفوسهم، أو بالطبع أو باللفظ، وذلك خوف وجبن، ثم تابوا. وقيل: قالوا ذلك كراهة لقتل آبائهم وأبنائهم وأقاربهم، وليس تعرضا لأمر الله، لأن المؤمن لا يتعرض، وقد قيل: إن ذلك سؤال طلب حكمة، ويناسبه أنهم لم يجابوا بالتوبيخ، بل أمر الله نبيهم أن يباشرهم بالجواب، بأن متاع الدنيا قليل، وأن الآخرة خير لمن اتقى، وبالموت بالقتال الشهادة المقتضية للتمتع الكثير الدائم، والرزق بعد الموت وبعد البعث، فلا تؤثروا القليل الفانى وهذا حكمة أجيبوا بها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حديث : والله ما الدنيا فى الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه هذه وأشار الى السبابة فى اليم فلينظر بم يرجع . تفسير : {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالأَخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى}: قل يا محمد لهم: تمتع الدنيا، أو ما يتمتع به منها قليل كماً وزماناً لفنائه، وأيضا متكدر، والآخرة أى متاعها خير من متاع الدنيا لكثرته ودوامه، وعدم تكدره، وقد يدخل التكدر فى القلة، لأن النعمة اذا تكدرت زال التلذذ بها أو نقص حتى يزول الكدر أو يستأنس به، ولمن اتقى متعلق بخير، أو بمحذوف حال من الضمير فى خير، ان جعل خير اسم تفضيل باقيا على معناه، أو خارجا وبمحذوف وجوبا نعت لخير ان جعل بمعنى منفعة. {وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً}: لا ينقص من ثوابكم مقدار الخيط الرقيق الذى يكون فى شق نواة التمرة، أو ما يفتل من الوسخ بين الأصبعين، ففتيلا مفعول ثان لتظلم على حذف مضاف، كما رأيت لتضمينه معنى النقص المتعدى لاثنين، ويجوز أن يكون مفعولا مطلقا بمعنى ظلما ما، واذا كان الأمر كذلك فلا ترغبوا عن القتال، ويجوز أن يكون لا نقص من آجالكم بالقتال شىء، أو لا تظلمون فى آجالكم ظلما ما، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائى، ولا يظلمون بالتحتية على طريق الالتفات، أو على أنه خارج عن حكاية القول.

اطفيش

تفسير : {أَلَمْ تَرَ إلَى} المؤمنين {الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ} قال لهم النبى صلى الله عليه وسلم {كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ} عن قتال الكفار فى مكة حين آذاهم الكفار، كعبد الرحمن بن عوف، والمقداد بن الأسود، وهو المقداد بن عمرو، وسعد بن أبى وقّاص، وقدامة بن مظعون، وجماعة يؤذيهم المشركون في مكة فيقولون: يا رسول الله، لو أذنت لنا فى القتال، فيقول لهم: كفوا أيديكم، ثم هاجروا، وأمروا بقتال المشركين، وكرهوا ذلك بالطبع، لا عصياناً أو نفاقاً أو ردة {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ} وأدوا ما أمرتم {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتَالُ} فى السنة الثانية، جواب لما محذوف، أى كرهوه، وقيل هو قوله {إذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ} من لبيان الفريق الموضوع موضع الضمير لحكمة التلويح إلى تمييزهم بخشية الناس، كأنه قيل، فريق مغايرهم، هؤلاء الذين قيل لهم كفوا، ويجوز أن يكون قوله إلى الذين قيل لهم الخ مراداً به المجموع أعم من الخاشين، لقوله منهم عل أن من للتبعيض {يَخْشَونَ النَّاسَ} يخشون قتال الناس الكفرة {كَخَشْيَةِ اللهِ} كخشيتهم، أو خشية غيرهم الله أن ينزل صاعقة، أو يرجمهم، أو يخسف بهم أو ينزل عليهم طاعوناً {أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً} أي أو خشية أشد خشية، فخشية تمييز لأشد، فيكون أسند الخشية إلى الخشية، أى خشية أشد خشية، كقولهم صومه أصوم من صومك، من المجاز العقلى، وأشد معطوف على الكاف إن كانت إسماً، أو على منعوت محذوف، ففتح أشد نصب، أو معطوف على خشية، فالفتح جر، أو المعطوف خشية، وأشد نعته، قدم فكان حالا، أى خشية كائنة كخشية الله، أو خشية أشد من خشية الله، وأو للتنويع أو بمعنى بل، وهما أولى من كونها لتخيير السامع أن يعبر بما شاء من الخشيتين وقيل للإبهام {وَقَالُوا} بقلوبهم، أو مع ألسنتهم، جزعاً من الموت لا ردة أو عصياناً، فلم يوبخوا، أو قالوه سؤالا عن الحكمة {رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القِتَالَ} الآن {لَوْلآَ أَخَّرْتَنَآ إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٌ} غير بعيد قبل موتنا، ولم يعطف قوله لولا الخ لئلا يتبادر أنهم قالوا مجموع الكلامين بعطف الثانى على الأول، مع أنهم قالوا أحدهما تارة وآخر تارة، قلت: بل يتبادر ذلك بالعطف {قَلْ} ترغيباً فى القتال وثوابه وعن الدنيا {مَتَاع الدُّنْيَا} تمتعها أو ما يتمتع فيها {قَلِيلٌ} كمية وزمانا ناقص بالنسبة إلى متاع الآخرة {وَالأَخِرَةُ} متاعها {خَيْرٌ لِّمَنِ اتقَّى} موجبات النار، وهى دائمة كثيرة الخير لا كدر فيها، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : والله ما الدنيا فى الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه فى اليم فلينظر بم يرجع"تفسير : ، ويقال: الدنيا جنة الكافر وسجن المؤمن {وَلاَ تُظْلَمُونَ} أى يوفر فيها الثواب لكم ولا تظلمون بنقص من ثوابكم ولا من آجالكم، ولا بزيادة فى سيئاتكم {فَتِيلاً} مقدار ما يكون فى شق النواة، أو ما يفتل بين الأضبعين، ثم يلقى لحقارته، فلا ترغبوا عن ثواب الأعمال ولا تحجموا عن القتال إذ لا يقرب أجلا عن وقته.

الالوسي

تفسير : /{أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ} نزلت كما قال الكلبـي في عبد الرحمن بن عوف الزهري والمقداد بن الأسود الكندي وقدامة بن مظعون الجمحي وسعد بن أبـي وقاص كان يلقون من المشركين أذى شديداً وهم بمكة قبل الهجرة فيشكون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون: ائذن لنا يا رسول الله في قتال هؤلاء فإنهم قد آذونا والنبـي صلى الله عليه وسلم يقول: كفوا أيديكم وامسكوا عن القتال فإني لم أومر بذلك، وفي رواية: إني أمرت بالعفو. {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ} واشتغلوا بما أمرتم به، ولعل أمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة تنبيهاً على أن الجهاد مع النفس مقدم وما لم يتمكن المسلم في الانقياد لأمر الله تعالى بالجود بالمال لا يكاد يتأتى منه الجود بالنفس، والجود بالنفس أقصى غاية الجود، وبناء القول للمفعول مع أن القائل هو النبـي صلى الله عليه وسلم لأن المقصود والمعتبر في التعجيب المشار إليه في صدر الكلام إنما هو كمال رغبتهم في القتال وكونهم بحيث احتاجوا إلى النهي عنه، وإنما ذكر في حيز الصلة الأمر بكف الأيدي لتحقيقه وتصويره بطريق الكناية فلا يتعلق ببيان خصوصية الآمر غرض، وقيل: للإيذان بكون ذلك بأمر الله تعالى: {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ} وأمروا به بعد أن هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة {إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ} أي الكفار أن يقتلوهم، وذلك لما ركز في طباع البشر من خوف الهلاك {كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ} أي كما يخشون الله تعالى أن ينزل عليهم بأسه، والفاء عاطفة وما بعدها عطف على {قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ} باعتبار معناه الكنائي إذ حينئذ يتحقق التباين بين مدلولي المعطوفين، وعليه يدور أمر التعجيب كأنه قيل: ألم تر إلى الذين كانوا حراصاً على القتال فلما كتب عليهم كرهه ـ بمقتضى البشرية ـ جماعة منهم، وتوجيه التعجيب إلى الكل مع أن تلك الكراهة إنما كانت من البعض للإيذان بأنه ما كان ينبغي أن يصدر من أحدهم ما ينافي حالته الأولى، و {إِذَا} للمفاجأة وهي ظرف مكان، وقيل: زمان وليس بشيء، وفيها تأكيد لأمر التعجيب، و {فَرِيقٌ} مبتدأ، و {مِنْهُمْ} صفته، و {يَخْشَوْنَ} خبره، وجوز أن يكون صفة أيضاً أو حالاً، والخبر {إِذَا} و {كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ} في موضع المصدر أي خشية كخشية الله، وجوز أن يكون حالاً من فاعل {يَخْشَوْنَ} ويقدر مضاف أي حال كونهم مثل أهل خشية الله تعالى أي مشبهين بأهل خشيته سبحانه، وقيل ـ وفيه بعد ـ إنه حال من ضمير مصدر محذوف أي يخشونها الناس كخشية الله {أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً} عطف عليه إن جعلته حالاً أي أنهم: أشد خشية من أهل خشية الله، بمعنى أن خشيتهم أشد من خشيتهم، ولا يعطف عليه على تقدير المصدرية ـ على ما قيل ـ بناءاً على أن {خَشْيَةَ} منصوب على التمييز وعلى أن التمييز متعلق الفاعلية، وأن المجرور بمن التفضيلية يكون مقابلاً للموصوف بأفعل التفضيل فيصير المعنى إن خشيتهم أشدّ من خشية غيرهم، ويؤل إلى أن خشية خشيتهم أشدّ، وهو غير مستقيم اللهم إلا على طريقة جدّ جده ـ على ما ذهب إليه أبو علي وابن جني ـ ويكون كقولك: زيد جدّ جدّاً بنصب جدّاً على التمييز لكنه بعيد، بل يعطف على الاسم الجليل فهو مجرور بالفتحة لمنع صرفه، والمعنى ـ يخشون الناس خشية كخشية الله، أو خشية كخشية أشدّ خشية منه تعالى ـ ولكن على سبيل الفرض إذ لا أشدّ خشية عند المؤمنين من الله تعالى، ويؤل هذا إلى تفضيل خشيتهم على سائر الخشيات إذا فصلت واحدة واحدة، وذكر ابن الحاجب أنه يجوز أن يكون هذا العطف من عطف الجمل ـ أي يخشون الناس كخشية / الناس، أو يخشون أشدّ خشية ـ على أن الأول: مصدر والثاني: حال، وقيل عليه: إن حذف المضاف أهون من حذف الجملة وأوفى بمقتضى المقابلة وحسن المطابقة؛ وجوز أن يكون {خَشْيَةَ} منصوباً على المصدرية و {أَشَدَّ} صفة له قدمت عليه، فانتصب على الحالية، وذكر بعضهم أن التمييز بعد اسم التفضيل قد يكون نفس ما انتصب عنه نحو: {أية : فَٱللَّهُ خَيْرٌ حافظاً} تفسير : [يوسف: 64] فإن الحافظ هو الله تعالى كما لو قلت: الله خير حافظ بالجر، وحينئذ لا مانع من أن تكون الخشية نفس الموصوف ولا يلزم أن يكون للخشية خشية بمنزلة أن يقال: أشد خشية بالجر، والقول ـ بأن جواز هذا فيما إذا كان التمييز نفس الموصوف بحسب المفهوم واللفظ محل نظر، إذ اتحاد اللفظ مع حذف الأول ليس فيه كبير محذور. وهذا إيراد قوي على ما قيل، وقد نقل ابن المنير عن «الكتاب» ما يعضده فتأمل، و {أَوْ} قيل: للتنويع، وقيل: للإبهام على السامع، وقيل: للتخيير، وقيل: بمعنى الواو، وقيل: بمعنى بل {وَقَالُواْ} عطف على جواب ـ لما ـ أي: فلما كتب عليهم القتال فاجأ بعضهم بألسنتهم أو بقلوبهم، وحكاه الله تعالى عنهم على سبيل تمني التخفيف لا الاعتراض على حكمه تعالى، والإنكار لإيجابه ولذا لم يوبخوا عليه {رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ} في هذا الوقت. {لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ} وهو الأجل المقدر؛ ووصف بالقريب للاستعطاف أي أنه قليل لا يمنع من مثله، والجملة كالبيان لما قبلها ولذا لم تعطف عليه، وقيل: إنما لم تعطف عليه للإيذان بأنهما مقولان مستقلان لهم، فتارة قالوا الجملة الأولى، وتارة الجملة الثانية، ولو عطفت لتبادر أنهم قالوا مجموع الكلامين بعطف الثانية على الأولى {قُلْ} أي تزهيداً لهم فيما يؤملونه بالقعود عن القتال والتأخير إلى الأجل المقدر من المتاع الفاني وترغيباً فيما ينالونه بالقتال من النعيم الباقي {مَتَـٰعُ ٱلدُّنْيَا} أي جميع ما يستمتع به وينتفع في الدنيا {قَلِيلٌ} في نفسه سريع الزوال وهو أقل قليل بالنسبة إلى ما في الآخرة {وَٱلأَخِرَةِ} أي ثوابها المنوط بالأعمال التي من جملتها القتال {خَيْرٌ} لكم من ذلك المتاع القليل لكثرته وعدم انقطاعه وصفائه عن الكدورات، وفي اختلاف الأسلوب ما لا يخفى، وإنما قال سبحانه: {لِمَنِ ٱتَّقَىٰ} حثاً لهم وترغيباً على الاتقاء والإخلال بموجب التكليف. وقيل: المراد أن نفس الآخرة خير ولكن للمتقين، لأن للكافر والعاصي هنالك نيراناً وأهوالاً، ولذا قيل: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، ولا يخفى أن الأول أنسب بالسياق {وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً} عطف على مقدر أي تجزون فيها ولا تبخسون هذا المقدار اليسير فضلاً عما زاد من ثواب أعمالكم فلا ترغبوا عن القتال الذي هو من غرورها، وقرأ ابن كثير وكثير {وَلاَ يُظْلَمُونَ} بالياء إعادة للضمير إلى ظاهر من.

ابن عاشور

تفسير : تهيّأ المقام للتذكير بحال فريق من المسلمين اختلف أولُ حاله وآخرهُ، فاستطرد هنا التعجيب من شأنهم على طريقة الاعتراض في أثناء الحثِّ على الجهاد، وهؤلاء فريق يودّون أن يؤذن لهم بالقتال فلمّا كتب عليهم القتال في إبّانه جبنوا. وقد علم معنى حرصهم على القتال قبل أن يعرض عليهم من قوله: {قيل لهم كفّوا أيديكم}، لأنّ كفّ اليد مراد، منه ترك القتال، كما قال: {أية : وهو الذي كفّ أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة}تفسير : [الفتح: 24]. والجملة معترضة بين جملة {أية : وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله}تفسير : [النساء: 75] والجملِ التي بعدها وبين جملة {أية : فليقاتِلْ في سبيل الله}تفسير : [النساء: 74] الآية اقتضت اعتراضها مناسبة العبرة بحال هذا الفريق وتقلّبها، فالذين قيل لهم ذلك هم جميع المسلمين، وسبب القول لهم هو سؤال فريق منهم، ومحلّ التعجيب إنّما هو حال ذلك الفريق من المسلمين. ومعنى {كُتب عليهم القتال} أنّه كتب عليكم في عموم المسلمين القادرين. وقد دلّت (إذا) الفجائية على أنّ هذا الفريق لم يكن تترقّب منهم هذه الحالة، لأنّهم كانوا يظهرون من الحريصين على القتال. قال جمهور المفسّرين: إنّ هاته الآية نزلت في طائفة من المسلمين كانوا لقوا بمكة من المشركين أذى شديداً، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم «يا رسول الله كنّا في عزّ ونحن مشركون فلمّا آمنّا صرنا أذلّة» واستأذنوه في قتال المشركين، فقال لهم: «حديث : أنّي أمرت بالعفو فـ{كُفُّوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة}»تفسير : فلمّا هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وفُرض الجهاد جبن فريق من جملة الذين استأذنوه في القتال، ففيهم نزلت الآية. والمرويّ عن ابن عباس أنّ من هؤلاء عبد الرحمان بن عوف، وسعد بن أبي وقّاص، والمقداد بن الأسود، وقدامة بن مظعون، وأصحابهم، وعلى هذا فقوله: {كخشية الله أو أشدّ خشية} مسوق مساق التوبيخ لهم حيث رغبوا تأخير العمل بأمر الله بالجهاد لخوفهم من بأس المشركين، فالتشبيه جار على طريقة المبالغة لأنّ حمل هذا الكلام على ظاهر الإخبار لا يلائم حالَهم من فضيلة الإيمان والهجرة. وقال السديّ: «الذين قيل لهم كفّوا أيديكم» قوم أسلموا قبل أن يفرض القتال وسألوا أن يُفرض عليهم القتال فلمّا فرض القتال إذا فريق يخشون الناس. واختلف المفسّرون في المعنيّ بالفريق من قوله تعالى: {إذا فريق منهم يخشون الناس} فقيل: هم فريق من الذين استأذنوا في مكة في أن يقاتلوا المشركين، وهذا قول ابن عباس، وقتادة، والكلبي، وهو ظاهر الآية، ولعلّ الذي حَوّل عزمهم أنّهم صاروا في أمن وسلامة من الإذلال والأذى، فزال عنهم الاضطرار للدفاع عن أنفسهم. وحكى القرطبي: أنّه قيل: إنّ هذا الفريق هم المنافقون. وعلى هذا الوجه يتعيّن تأويل نظم الآية بأن المسلمين الذين استأذنوا في قتل المشركين وهم في مكة أنّهم لمّا هاجروا إلى المدينة كررّوا الرغبة في قتال المشركين، وأعاد النبي صلى الله عليه وسلم تهدئتهم زماناً، وأنّ المنافقين تظاهروا بالرغبة في ذلك تمويهاً للنفاق، فلمّا كتب القتال على المسلمين جبن المنافقون، وهذا هو الملائم للإخبار عنهم بأنّهم يخشون الناس كخشية الله أو أشدّ. وتأويل وصفهم بقوله {منهم}: أي من الذين قيل لهم: كفّوا أيديكم، وهذا على غموضه هو الذي ينسجم مع أسلوب بقية الكلام في قوله: {وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله} وما بعده، كما سيأتي، أمّا على قول السدّي فلا حاجة إلى تأويل الآية. فالاستفهام في قوله: {ألم تر} للتعجيب، وقد تقدّمت نظائره. والمتعجّب منهم ليسوا هم جميع الذين قيل لهم في مكة: كُفّوا أيديكم، بل فريق آخر من صفتهم أنّهم يخْشَوْن الناس كخشية الله. وإنّما عُلّق التعجيب بجميع الذين قيل لهم باعتبار أنّ فريقاً منهم حالُهم كما وصف، فالتقدير: ألم تر إلى فريق من الذين قيل لهم: كفّوا أيديكم. والقول في تركيب قوله: {كخشية الله أو أشدّ خشية} كالقول في نظيره، وهو قوله تعالى: {أية : فاذكروا الله كذكِركم آباءكم أو أشدّ ذكراً} تفسير : في سورة البقرة (200). وقولهم: {ربّنا لم كتبت علينا القتال} إنّما هو قولهم في نفوسهم على معنى عدم الاهتداء لحكمة تعليل الأمر بالقتال وظنِّهم أنّ ذلك بلوى. (والأجلُ القريب) مدّة متأخّرة ريثما يتمّ استعدادهم، مثل قوله: {أية : فيقول ربّ لولا أخّرتني إلى أجل قريب فأصدّق}تفسير : [المنافقون: 10]. وقيل: المراد من (الأجل) العمر،. بمعنى لولا أخرّتنا إلى أن تنقضي آجالنا دون قتال، فيصير تمنّيا لانتفاء فرض القتال، وهذا بعيد لعدم ملائمته لسياق الكلام، إذ ليس الموت في القتال غير الموت بالأجل، ولعدم ملاءمته لوصفه بقريب، لأنّ أجل المرء لا يعرف أقريب هو أم بعيد إلاّ إذا أريد تقليل الحياة كلّها. وعلى كلا الوجهين فالقتال المشار إليه هنا هو أوّل قتال أمروا به، والآية ذكّرتهم بذلك في وقت نزولها حين التهيُّؤ للأمر بفتح مكة. وقال السديّ: أريد بالفريق بعض من قبائل العرب دخلوا في الإسلام حديثاً قبل أن يكون القتال من فرائضه وكانوا يتمنّون أن يقاتلوا فلّما كتب عليهم القتال جبُنوا لضعف إيمانهم، ويكون القتال الذين خافوه هو غزو مكة، وذلك أنّهم خشوا بأس المشركين. وقولهم: {ربّنا لم كتبت علينا القتال} يحتمل أن يكون قولاً في نفوسهم، ويحتمل أنّه مع ذلك قول بأفواههم، ويبدو هو المتعيّن إذا كان المراد بالفريق فريق المنافقين؛ فهم يقولون: ربّنا لم كتبت علينا القتال بألسنتهم علناً ليوقعوا الوهن في قلوب المستعدّينَ له وهم لا يعتقدون أنّ الله كتب عليهم القتال، وقال ابن جرير عن مجاهد: نزلت في اليهود، وعليه تكون الآية مثالاً ضربه الله للمسلمين الذين أوجب عليهم القتال، تحذيراً لهم في الوقوع في مثل ذلك، فيكون على طريقة قوله: {أية : ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكاً}تفسير : الآية في سورة البقرة (246). والرؤية بَصَرية، وهي على بعض الوجوه المرويَّة بصرية حقيقية، وعلى بعضها بصرية تنزيلية، للمبالغة في اشتهار ذلك. وانتصب {خشيه} على التمييز لنسبة {أشد}، كما تقدّم في قوله تعالى: {أية : كذكركم رباءكم أو أشدّ ذِكراً}تفسير : وقد مرّ ما فيه في سورة البقرة (200). والجواب بقوله: قل متاع الدنيا قليل} جواب عن قولهم: {لولا أخرتنا إلى أجل قريب} سواء كان قولهم لسانياً وهو بيّن، أم كان نفسياً، ليعلموا أنّ الله أطْلَع رسوله على ما تضمره نفوسهم، أي أنّ التأخير لا يفيد والتعلُّق بالتأخير لاستبقاء الحياة لا يوازي حظّ الآخرة، وبذلك يبطل ما أرَادوا من الفتنة بقولهم: {لولا أخرتنا إلى أجل قريب}. وموقع قوله: {ولا تظلمون فتيلاً} موقع زيادة التوبيخ الذي اقتضاه قوله: {قل متاع الدنيا قليل}، أي ولا تنقصون شيئاً من أعماركم المكتوبة، فلا وجه للخوف وطلب تأخير فرض القتال؛ وعلى تفسير الأجل في: {لولا أخرتنا إلى أجل قريب} بأجل العُمر، وهو الوجه المستبعد، يكون معنى {ولا تظلمون فتيلاً} تغليطهم في اعتقادهم أنّ القتل يعجّل الأجل، فيقتضي أن يكون ذلك عقيدة للمؤمنين إن كانوا هم المخاطبين قبل رسوخ تفاصيل عقائد الإسلام فيهم، أو أنّ ذلك عقيدة المنافقين إن كانوا هم المخاطبين. وقيل معنى نفي الظلم هنا أنّهم لا يظلمون بنقص ثواب جهادهم، فيكون موقعه موقع التشجيع لإزالة الخوف، ويكون نصبه على النيابة عن المفعول المطلق. وقيل: معناه أنّهم لا يظلمون بنقص أقلّ زمن من آجالهم، ويجيء على هذا التفسير أن يجعل {تظلمون} بمعنى تنقصون، كقوله تعالى: {أية : ولم تَظْلِمْ منه شيئاً}تفسير : [الكهف: 33]، أي كلتا الجنتين من أكلها، ويكون {فتيلا} مفعولاً به، أي لا تنقصون من أعماركم ساعة، فلا موجب للجبن. وقرأ الجمهور: {ولا تظلمون} ــــ بتاء الخطاب ــــ على أنّه أمِر الرسول أن يقوله لهم. وقرأه ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وأبو جعفر، وروْح عن يعقوب، وخلف ــــ بياء الغيبة ــــ على أن يكون ممّا أخبر الله به رسوله صلى الله عليه وسلم ليبلّغه إليهم. والفتيل تقدم آنفاً عند قوله تعالى: {أية : بل الله يزكّي من يشاء ولا يظلمون فتيلا}تفسير : [النساء: 49]. وجملة: {أينما تكونوا يدرككم الموت} يجوز أن تكون من تمام القول المحكي بقوله: {قل متاع الدنيا قليل}. وإنّما لم تعطف على جملة: {متاع الدنيا قليل} لاختلاف الغرضين، لأنّ جملة {متاع الدنيا قليل} وما عطف عليها تغليط لهم في طلب التأخير إلى أجل قريب، وجملة: {أينما تكونوا} الخ مسوقة لإشعارهم بأنّ الجبن هو الذي جملهم على طلب التأخير إلى أمد قريب، لأنّهم توهّموا أنّ مواقع القتال تدني الموتَ من الناس. ويحتمل أن يكون القول قد تمّ، وأنّ جملة {أينما تكونوا} توجّه إليهم بالخطاب من الله تعالى، أو توجّه لجميع الأمّة بالخطاب، فتكون على كلا الأمرين معترضة بين أجزاء الكلام. و(أينما) شرط يستغرق الأمكنة (ولو) في قوله: {ولو كنتم في بروج} وصلية ــــ وقد تقدّم تفصيل معناها واستعمالها عند قوله: ــــ في سورة آل عمران (91): {أية : فلن يقبل من أحدهم مِلء الأرض ذهباً ولو افتدى به}تفسير : . والبروج جمعُ برج، وهو البناء القويّ والحصْن: والمشيّدة: المبنيّة بالشِّيد، وهو الجصّ، وتطلق على المرفوعة العالية، لأنّهم إذا أطالوا البناء بنوهُ بالجصّ، فالوصف به مراد به المعنى الكنائي. وقد يطلق البروج على منازل كواكب السماء كقوله تعالى: {أية : تبارك الذي جعل في السماء بروجاً}تفسير : [الفرقان: 61] وقوله: {أية : والسماء ذات البروج}تفسير : [البروج: 1]. وعن مالك أنّه قال: البروج هنا بروج الكواكب، أي ولو بلغتم السماء. وعليه يكون وصف {مشيدة} مجازاً في الارتفاع، وهو بصير مجازاً في الارتفاع، وهو بعيد. يتعيّن على المختار ممّا روي في تعيين الفريق الذين ذكروا في قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفّوا أيديكم} من أنّهم فريق من المؤمنين المهاجرين أن يكون ضمير الجمع في قوله: {وإن تصبهم حسنة} عائداً إلى المنافقين لأنّهم معلومون من المقام، ولسِبْقِ ذكرهم في قوله: {أية : وإنّ منكم لَمَنْ ليَبُطَئّن}تفسير : [النساء: 72] وتكون الجملة معطوفة عطف قصّة على قصّة، فإنّ ما حكي في هذه الآية لا يليق إلاّ بالمنافقين، ويكون الغرض انتقل من التحريض على القتال إلى وصف الذين لا يستجيبون إلى القتال لأنّهم لا يؤمنون بما يبلّغهم النبي صلى الله عليه وسلم من وعد الله بنصر المؤمنين. وأمّا على رواية السدّي فيحتمل أنّ هؤلاء الذين دخلوا في الإسلام حديثاً من قبائل العرب كانوا على شفا الشكّ فإذا حلّ بهم سوء أو بؤس تطَيِّروا بالإسلام فقالوا: هذه الحالة السوأى من شُؤم الإسلام. وقد قيل: إنّ بعض الأعراب كان إذا أسلم وهاجر إلى المدينة فنمَت أنّعَامه ورفهت حاله حمِد الإسلام، وإذا أصابه مرض أو موتان في أنعامه تطيَرّ بالإسلام فارتدّ عنه، ومنه حديث الأعرابي الذي أصابته الحمّى في المدينة فاستقال من النبي بيعته وقال النبي صلى الله عليه وسلم في شأنه: «حديث : المدينة كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها»تفسير : . والقول المراد في قوله: {يقولوا هذه من عند الله} ــــ {يقولوا هذه من عندك} هو قول نفسي، لأنّهم لم يكونوا يجترئون على أن يقولوا ذلك علناً لِرسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يظهرون الإيمان به. أو هو قول يقولونه بين إخوانهم من المنافقين، يقولون: هذه من عند محمد، فيكون الإتيان بكاف الخطاب من قبيل حكاية كلامهم بحاصل معناه على حسب مقام الحاكي والمحكي له، وهو وجه مطروق في حكاية كلام الغائب عن المخاطب إذا حكى كلامه لذلك المخاطب. ومنه قوله تعالى حكاية عن عيسى: {أية : ما قلتُ لهم إلاّ ما أمرتني به أنْ أعبُدوا الله ربّي وربّكم}تفسير : [المائدة: 117]. والمأمور به هو: أن اعبدوا الله ربكَ وربَّهم. وورد أنّ قائل ذلك هم اليهود، فالضمير عائد على غير مذكور في الكلام السابق، لأنّ المعنيّ به معروفون في وقت نزول الآية، وقديماً قيل لأسلافهم {أية : وإن تُصبهم سّيئة يطيَّروا بموسى ومن معه}تفسير : [الأعراف: 131]. والمراد بالحسنة والسّيئة هنا ما تعارفه العرب من قبل اصطلاح الشريعة أعني الكائنةَ الملائمة والكائنةَ المنافرة، كقولهم: {أية : فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيّروا بموسى ومن معه}تفسير : [الأعراف: 131] وقوله: {أية : ربّنا آتنا في الدنيا حسنة}تفسير : [البقرة: 201]، وتعلّقُ فعل الإصابة بهما دليل على ذلك، أمّا الحسنة والسَّيئة بالاصطلاح الشرعي، أعني الفعل المثاب عليه والفعل المعاقب عليه، فلا محمل لهما هنا إذ لا يكونان إصابتين، ولا تعرف إصابتهما لأنّهما اعتباران شرعيان. وقيل: كان اليهود يقولون: «لمّا جاء محمد المدينة قلَّت الثمار، وغلت الأسعار». فجعلوا كون الرسول بالمدينة هو المؤثّر في حدوث السّيئات، وأنّه لولاه لكانت الحوادث كلّها جارية على ما يلائمهم، ولذلك جيء في حكاية كلامهم بما يدلّ على أنّهم أرادوا هذا المعنى، وهو كلمة (عند) في الموضعين: {هذه من عند الله هذه من عندك}؛ إذ العندية هنا عندية التأثير التامّ بدليل التسوية في التعبير، فإذا كان ما جاء من عند الله معناه من تقديره وتأثير قدرته، فكذلك مساويه وهو ما جاء من عند الرسول. وفي «البخاري» عن ابن عباس في قوله تعالى: {ومن الناس من يَعبد الله على حرف} كان الرجل يقدم المدينة فإن ولدت امرأته غلاماً ونُتجت خيلهُ قال: هذا دين صالح، وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيلهُ قال: هذا دين سوء، وهذا يقتضي أنْ فعل ذلك من مهاجرة العرب: يقولونه إذا أرادوا الارتداد وهم أهل جفاء وغلظة، فلعلّ فيهم من شافه الرسول بمثل قولهم: {هذه من عندك}. ومعنى {من عند الله} في اعتقادهم أنّه الذي ساقها إليهم وأتحفهم بها لما هو معتاده من الإكرام لهم، وخاصّة إذا كان قائل ذلك اليهود. ومعنى {من عندك} أي من شؤم قدومك، لأنّ الله لا يعاملهم إلاّ بالكرامة، ولكنّه صار يتخوّلهم بالإساءة لقصد أذى المسلمين فتلحَق الإساءة اليهودَ من جرّاء المسلمين على حدّ {أية : واتّقوا فتنة}تفسير : [الأنفال: 25] الآية. وقد علَّمه الله أن يجيب بأنّ كلاً من عند الله، لأنّه لا معنى لكون شيء من عند الله إلاّ أنّه الذي قدّر ذلك وهيَّأ أسبابه، إذ لا يدفعهم إلى الحسنات مباشرةً. وإن كان كذلك فكما أنّ الحسنة من عنده، فكذلك السيّئة بهذا المعنى بقطع النظر عمّا أرادُه بالإحسان والإساءة، والتفرقة بينهما من هذه الجهة لا تصدر إلاّ عن عقل غير منضبط التفكير، لأنّهم جعلوا بعض الحوادث من الله وبعضها من غير الله فلذلك قال: {فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً} أي يكادون أن لا يفقهوا حديثاً، أي أن لا يفقهوا كلام من يكلّمهم، وهذ مدلول فعل (كادَ) إذا وقع في سياق النفي، كما تقدّم في قوله: {أية : وما كادوا يفعلون}تفسير : [البقرة: 71]. والإصابة: حصول حال أو ذات، في ذات يقال: أصابه مرض، وأصابته نعمة، وأصابه سَهْم، وهي، مشقّة من اسم الصَّوْب الذي هو المطر، ولذلك كان ما يتصرّف من الإصابة مشعراً بحصولٍ مفاجىء أو قاهر. وبعد أن أمر الله رسوله بما يجيب به هؤلاء الضالّين علَّمه حقيقة التفصيل في إصابة الحسنة والسيئة من جهة تمحّض النسبة إلى الله تعالى أو اختلاطها بالانتساب إلى العبد، فقال: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيّئة فمن نفسك}. ووُجِّه الخطاب للرسول لأنّه المبلّغ عن الله، ولأنّ هذا الجوابَ لإبطال ما نَسبه الضالّون إليه من كونه مصدرَ السيّئات التي تصيبهم. وأعلَمْ أنّ للحوادث كلّها مؤثّراً. وسبباً مقارناً، وأدلّة تنبىء عنها وعن عواقبها، فهذه ثلاثة أشياء لا تخلو عنها الحوادث كلّها، سواء كانت غير اختيارية، أم اختيارية كأفعال العباد. فالله قدّر المنافع والمضارّ بعلمه وقدَرِه وخلق مؤثّراتها وأسبابَها، فهذا الجُزء لله وحده لقوله: {قلْ كلّ من عند الله}. والله أقام بالألطاف الموجودات، فأوجدها ويسّر لها أسباب البقاء والانتفاع بما أودع فيها من العقول والإلهامات، وحفّها كلّها في سائر أحوالها بألطاف كثيرة، لولاها لما بقيت الأنواع، وساق إليها أصول الملاءمة، ودفع عنها أسباب الآلام في الغالب، فالله لطيف بعباده. فهذا الجزءُ لله وحده لقوله: {قُل كلّ من عند الله}. والله نصب الأدلّة للناس على المنافع والمضارّ التي تكتسب بمختلف الأدلّة الضرورية، والعقلية، والعاديةِ، والشرعية، وعَلَّم طرائقَ الوصول إليها، وطرائقَ الحيدة عنها، وأرشد إلى موانع التأثير لمن شاء أن يُمانعها، وبعث الرسل وشَرع الشرائع فعلّمنا بذلك كلّه أحوال الأشياء ومنافعها ومضارّها، وعواقب ذلك الظاهرةَ والخفيّةَ، في الدنيا والآخرة، فأكمل المنّة، وأقام الحُجّة، وقطع المعذرة، فهدَى بذلك وحذّر إذ خلق العقول ووسائل المعارف، ونمَّاها بالتفكيرات والإلهامات، وخلق البواعث على التعليم والتعلّم، فهذا الجزء أيضاً لله وحده. وأمّا الأسباب المقارنةُ للحوادث الحسنةِ والسيّئةِ والجانيةُ لِجناها حين تصيب الإنسان من الاهتداء إلى وسائل مصادفة المنافع، والجهلِ بتلك الوسائل، والإغضاء عن موانع الوقوع فيها في الخير والشرّ، فذلك بمقدار ما يحصّله الإنسان من وسائل الرشاد، وباختياره الصالحَ لاجتناءِ الخير، ومقداراً ضدّ ذلك: من غلبة الجهل، أو غلبة الهوى، ومن الارتماء في المهالك بدون تبصّر، وذلك جزء صغير في جانب الأجزاء التي قدّمناها، وهذا الجزء جعل الله للإنسان حظّاً فيه، ملَّكَهُ إيّاه، فإذا جاءت الحسنةُ أحداً فإنّ مجيئها إيّاه بِخلْق الله تعالى لا محالة ممّا لا صنعة للعبد فيه، أو بما أرشد الله به العبد حتّى علم طريق اجتناء الحسنة، أي الشيءِ الملائم وخلق له استعداده لاختيار الصالح فيما له فيه اختيار من الأفعال النافعة حسبما أرشده الله تعالى، فكانت المنّة فيها لله وحده، إذ لولا لطفه وإرشاده وهديه، لكان الإنسان في حيَرة، فصحّ أنّ الحسنة من الله، لأنّ أعظم الأسباب أو كلّها منه. أمّا السيّئة فإنّها وإن كانت تأتي بتأثير الله تعالى، ولكن إصابة معظمها الإنسانَ يأتي من جهله، أو تفريطه، أو سوء نظره في العواقب، أو تغليب هواه على رشده، وهنالك سيّئات الإنسان من غير تسبّبه مثل ما أصاب الأمم من خسْفٍ وأوبئة، وذلك نادر بالنسبة لأكثر السيّئات، على أنّ بعضاً منه كان جزاء على سوء فعل، فلا جرَم كان الحظّ الأعظم في إصابة السيّئة الإنسان لتسبّبه مبَاشرة أو بواسطة، فصحّ أن يسند تسبّبها إليه، لأنّ الجزء الذي هو لله وحده منها هو الأقلّ. وقد فسَّر هذا المعنى ما ورد في «الصحيح»، ففي حديث الترمذي «حديث : لا يصيب عبداً نكبةٌ فما فوقها أو ما دونها إلاّ بذنب وما يعفو الله أكثر»تفسير : . وشملت الحسنة والسيِّئة ما كان من الأعيان، كالمطر والصواعق، والثمرة والجراد، وما كان من الأعراض كالصحّة، وهبوب الصّبا، والربْح في التجارة. وأضدادها كالمرض، والسَّموم المهلكة، والخسارة. وفي هذا النوع كان سبب نزول هذه الآية، ويلحق بذلك ما هو من أفعال العباد كالطاعات النافعة للطائع وغيره، والمعاصي الضارّة به وبالناس، وفي هذا الأمر جاء قوله تعالى: {أية : قل إن ضللت فإنما أضِلّ على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إليّ ربي}تفسير : [سبأ: 50] وهو على نحو هذه الآية وإن لم تكن نازلة فيه. ولكون هذه القضية دقيقة الفهم نبّه الله على قلّة فهمهم للمعاني الخفيّة بقوله: {فما لهؤلاء القوم لا يكادُون يفقهون حديثاً}، فقوله: {لا يكادون} يجوز أن يكون جارياً على نظائره من اعتبار القلب، أي يكادون لا يفقهون، كما تقدّم عند قوله تعالى: {أية : فذبحوها وما كادوا يفعلون}تفسير : [البقرة: 71] فيكون فيه استبقاءٌ عليهم في المذمّة. ويجوز أن يكون على أصل وضع التركيب، أي لا يقارِبون فهم الحديث الذي لا يعقله إلاّ الفطناء، فيكون أشدّ في المذمّة. والفقه فهم ما يَحتاج إلى إعمال فكر. قال الراغب: «هو التوصّل إلى علم غائب بعلم شاهد، وهو أخص من العلم». وعرفه غيره بأنّه «إدراك الأشياء الخفيّة». والخطاب في قوله: {ما أصابك} خطاب للرسول، وهذا هو الأليق بتناسق الضمائر، ثم يعلم أن غيره مثله في ذلك. وقد شاع الاستدلال بهذه الآية على أنّ أفعال العباد مخلوقة لله تعالى على طريقة الشيخ أبي الحسن الأشعري لقوله: {قل كلّ من عند الله}، كما شاع استدلال المعتزلة بها على أنّ الله لا يخلق المعصية والشرّ لقوله: {وما أصابك من سيّئة فمن نفسك}. وقال أبو الحسن شبيب بن حيدرة المالكي في كتاب «حَزّ الغلاصم»: إنّ الاحتجاج بها في كلا الأمرين جهل لابتنائه على توهّم أنّ الحسنة والسيّئة هي الطاعة والمعصية، وليستا كذلك. وأنا أقول: إنّ أهل السنّة ما استدلّوا بها إلاّ قَوْلاً بموجَب استدلال المعتزلة بها على التفرقة بين اكتساب الخير والشّر على أنّ عموم معنى الحسنة والسيئة ــــ كما بيَّنْته آنفاً ــــ يجعل الآية صالحة للاستدلال، وهو استدلال تقريبي لأنّ أصول الدين لا يستدلّ فيها بالظواهر كالعموم. وجيء في حكاية قولهم: {يقولوا هذه من عند الله يقولوا هذه من عندك} بكلمة (عنِد) للدلالة على قوّة نسبة الحسنة إلى الله ونسبة السيّئة للنبي عليه الصلاة والسلام أي قالوا ما يُفيد جزمهم بذلك الانتساب. ولمّا أمر الله رسوله أن يجيبهم قال: {قل كلّ من عند الله} مشاكلة لقولهم، وإعراباً عن التقدير الأزلي عند الله. وأمّا قوله: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيّئة فمن نفسك} فلم يؤت فيه بكلمة (عند)، إيماء إلى أنّ ابتداء مجيء الحسنة من الله ومجيء السيِّئة من نفس المخاطب، ابتداءُ المتسبّب لِسبب الفعل، وليسَ ابتداءَ المؤثِّر في الأثر. وقوله: {وأرسلناك للناس رسولاً} عطف على قوله: {وما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} للردّ على قولهم: السيئة من عند محمد، أي أنك بُعِثْتَ مُبَلِّغا شريعة وهاديا، ولست مؤثراً في الحوادث ولا تدل مقارنة الحوادث المؤلمة على عدم صدق الرسالة. فمعنى {أرسلناك} بعثناك كقوله {أية : وأرسلنا الرياح} تفسير : [الحجر: 22] ونحوه. و{للناس} متعلق بـــ {أرسلناك}. وقوله {رسولا} حال من {أرسلناك}، والمراد بالرسول هنا معناه الشرعي المعروف عند أهل الأديان: وهو النبي المبلّغ عن الله تعالى، فهو لفظ لقبي دالّ على هذا المعنى، وليس المراد به اسم المفعول بالمعنى اللغوي ولهذا حسن مجيئهُ حالاً مقيَّدة لــــ «أرسلناك»، لاختلاف المعنيين، أي بعثناك مبلّغاً لا مُؤَثِّراً في الحوادث، ولا أمارةً على وقوع الحوادث السيّئة. وبهذا يزول إشكال مجيء هذه الحال غير مفِيدة إلاّ التأكيد، حتّى احتاجوا إلى جَعل المجرور متعلّقاً بــــ {رسولاً}، وأنّه قدّم عليه دلالة على الحصر باعتبار العموم المستفاد من التعريف، كما في «الكشّاف»، أي لجميع الناس لا لبعضهم، وهو تكلّف لا داعي إليه، وليس المقام هذا الحصر.

الواحدي

تفسير : {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم} عن قتال المشركين، وأَدُّوا ما فُرض عليكم من الصَّلاة والزَّكاة. نزلت في قوم من المؤمنين استأذنوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم وهم بمكَّة في قتال المشركين، فلم يأذن لهم {فلما كتب عليهم القتال} بالمدينة {إذا فريقٌ منهم يخشون الناس} أَيْ: عذاب النَّاس بالقتل {كخشية الله} كما يخشى عذاب الله {أو أشدَّ} أكبرَ {خشية} وهذه الخشية إنَّما كانت لهم من حيث طبع البشريَّة، لا على كراهية أمر الله بالقتال {وقالوا} جزعاً من الموت، وحرصاً على الحياة: {ربنا لمَ كتبت} فرضتَ {علينا القتال لولا} هلاًّ {أخرتنا إلى أجل قريب} وهو الموت، أَيْ: هلاَّ تركتنا حتى نموت بآجالنا، وعافيتنا من القتل، {قل} لهم يا محمَّدُ: {متاع الدنيا قليل} أجل الدُّنيا قريبٌ، وعيشها قليلٌ {والآخرة} الجنَّةُ {خيرٌ لمن اتقى} ولم يُشرك به شيئاً {ولا تظلمون فتيلاً} أَيْ: لا تُنقصون من ثواب أعمالكم مثل فتيل النَّواة، ثمَّ أعلمهم أنَّ آجالهم لا تخطئهم ولو تمنَّعوا بأمنع الحصون، فقال: {أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج} حصونٍ وقصور {مشيدة} مطوَّلة مرفوعة. [وقيل: بروج السَّماء] {وإن تصبهم} يعني: المنافقين [واليهود] {حسنة} خصب ورخص سعر {يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة} جدبٌ وغلاءٌ {يقولوا هذه من عندك} من شؤم محمد، وذلك أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لمَّا قدم المدينة وكفرت اليهود أمسك الله عنهم ما كان قد بسط عليهم، فقالوا: ما رأينا أعظم شؤماً من هذا، نقصت ثمارنا، وغلت أسعارنا منذ قدم علينا، فقال الله تعالى: {قل كلٌّ} أًي: الخصب والجدب {من عند الله} من قِبَل الله {فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً} لا يفهمون القرآن. {ما أصابك} يا ابن آدم {من حسنة} فتح وغنيمةٍ وخصبٍ فمن تفضُّل الله {وما أصابك من سيئة} من جدبٍ وهزيمةٍ وأمرٍ تكرهه {فمن نفسك} فبذنبك يا ابن آدم {وأرسلناك} يا محمدُ {للناس رسولاً وكفى بالله شهيداً} على رسالتك. {من يطع الرسول فقد أطاع الله} يعني: إنَّ طاعتكم لمحمد طاعةٌ لله {ومَنْ تولى} أعرض عن طاعته {فما أرسلناك عليهم حفيظاً} أَيْ: حافظاً لهم من المعاصي حتى لا تقع، أَيْ: ليس عليك بأسٌ لتولِّيه؛ لأنَّك لم ترسل عليهم حفيظاً من المعاصي. {ويقولون} أَي: المنافقون {طاعةٌ} أَيْ: طاعةٌ لأمرك {فإذا برزوا} خرجوا {من عندك بيَّت} قدَّر وأضمر {طائفة منهم غير الذي تقول} لك من الطَّاعة أَيْ: أضمروا خلاف ما أظهروا، وقدَّروا ليلاً خلاف ما أعطوك نهاراً {واللَّهُ يكتب ما يبيِّتون} أَيْ: يحفظ عليهم ليُجَازَوا به {فأعرض عنهم} أَيْ: فاصفح عنهم، وذلك أنه نُهي عن قتل المنافقين في ابتداء الإِسلام، ثمَّ نُسخ ذلك بقوله: {أية : جاهِد الكفَّار والمنافقين }.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 77- ألم تنظر يا محمد فتعجب إلى الذين رغبوا فى القتال قبل أن يجئ الإذن به فقيل لهم: لم يأت وقت القتال، فكفوا أيديكم عنه، واحرصوا على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فلما فرض اللَّه عليهم القتال إذا طائفة منهم يخافون الناس كخوف اللَّه أو أشد وقالوا مستغربين: لِمَ كتبت علينا القتال؟ متوهمين أن فى فرضية القتال تعجيلاً لآجالهم ولذلك قالوا: هلاًّ أخرتنا إلى زمن قريب نستمتع فيه بما فى الدنيا؟ فقل لهم: تقدموا للقتال ولو أدى إلى استشهادكم، فمتاع الدنيا مهما عَظُمَ قليل بجوار متاع الآخرة، والآخرة خير وأعظم لمن اتقى اللَّه وستجزون على أعمالكم فى الدنيا ولا تنقصون من الجزاء شيئا مهما صغر. 78- إن الموت الذى تَفِرُّون منه ملاقيكم أينما كنتم، ولو كانت إقامتكم فى حصون مشيدة وإن هؤلاء الخائرين لضعف إيمانهم يقولون: إن أصابهم فوز وغنيمة هى من عند الله، وإن أصابهم جدب أو هزيمة يقولوا لك - يا محمد - هذا من عندك وكان بشُؤْمك. فقل لهم: كل ما يصيبكم مما تحبون أو تكرهون هو من تقدير اللَّه ومن عنده اختبار وابتلاء، فما لهؤلاء الضعفاء لا يدركون قولاً صحيحاً يتحدث به إليهم. 79- ما يصيبك - أيها النبى - من رخاء ونعمة وعافية وسلامة فمن فضل اللَّه عليك، يتفضل به إحسانا منه إليك، وما أصابك من شدة ومشقة وأذى ومكروه فمن نفسك بسبب تقصير أو ذنب ارتكبته. والخطاب للنبى لتصوير النفس البشرية وإن لم يقع منه ما يستوجب السيئة، وأرسلناك رسولاً من عندنا للناس جميعاً، واللَّه شهيد على تبليغك وعلى إجابتهم، وكفى به عليماً.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: كفوا أيديكم: أي عن القتال وذلك قبل أن يفرض. كتب عليهم القتال: فرض عليهم. يخشون: يخافون لولا أخرتنا: هلاَّ أخرتنا. فتيلا: الفتيل خيط يكون في وسط النواة. بروج مشيدة: حصون مشيدة بالشيد وهو الجص. من حسنة: الحسنة ما سرّ، والسيئة ما ضرّ. معنى الآيات: روي أن بعضا من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم طالبوا بالإِذن لهم بالقتال ولم يؤذن لهم لعدم توفر أسباب القتال فكانوا يؤمرون بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ريثما يأذن الله تعالى لرسوله بقتال المشركين ولما شرع القتال جبن فريق منهم عن القتال وقالوا {لَوْلاۤ أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ} متعللين بعلل واهية فأنزل الله تعالى فيهم هاتين الآيتين [77] و [78] {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوۤاْ أَيْدِيَكُمْ} أي عن القتال {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ} ريثما يأذن الله بالقتال عندما تتوفر إمكانياته، فلما فرض القتال ونزل قوله تعالى: {أية : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ} تفسير : [الحج: 39] جبنوا ولم يخرجوا للقتال، وقالوا {لَوْلاۤ أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ} يريدون أن يدافعوا الأيام حتى يموتوا ولم يلقوا عدواً خوراً وجبناً فأمر تعالى الرسول أن يقول لهم: {مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ} فعيشكم في الدنيا مهما طابت لكم الحياة هو قليل {وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ} الله بفعل أمره وترك نهيه بعد الإِيمان به وبرسوله، وسوف تحاسبون على أعمالكم وتجزون بها {وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً} لا بنقص حسنة ولا بزيادة سيئة هذا ما تضمنته الآية الأولى. أما الثانية فقد قال تعالى لهم ولغيرهم مما يخشون القتال ويجبنون عن الخروج للجهاد: {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ} إذ الموت طالبكم ولا بد أن يدرككم كما قال تعالى لأمثالهم {أية : قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ}تفسير : [الجمعة: 8]، ولو دخلتم حصونا ما فيها كوة ولا نافذة فإن الموت يدخلها عليكم ويقبض أرواحكم ولما ذكر تعالى جبنهم وخوفهم ذكر تعالى سوء فهمهم وفساد ذوقهم فقال: {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ} يعني أنه إذا أصابهم خير من غنيمة أو خصب ورخاء قالوا {هَـٰذِهِ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} لا شكراً لله وإنما لا يريدون أن ينسبوا إلى رسول الله شيئا من خير كان ببركته وحسن قيادته، وإن تصبهم سيئة فقر أو مرض أو هزيمة يقولون هذه من عندك أي أنت السبب فيها. قال تعالى لرسوله قل لهم {كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} الحسنة والسيئة هو الخالق والواضع السنن لوجودها وحصولها. ثم عابهم في نفسياتهم الهابطة فقال: {فَمَالِ هَـٰؤُلاۤءِ ٱلْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً} هذا ما دلت عليه الآية الثانية. أما الثالثة والأخيرة في هذا السياق وهي قوله تعالى: {مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} الآية فإن الله تعالى يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم فيخبره بأن الحسنة من الله تعالى إذ هو الآمر بقولها أو فعلها وموجد أسبابها والموفق للحصول عليها، أما السيئة فمن النفس إذ هي التي تأمر بها، وتباشرها مخالفة فيها أمر الله أو نهيه، فلذا لا يصح نسبتها إلى الله تعالى. وقوله تعالى: {وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً} يُسلى به رسوله عما يلاقيه من أذى الناس وما يصادفه من سوء أخلاق بعضهم كالذين ينسبون إليه السيئة تطيراً به فيخبره بأن مهمته أداء الرسالة وقد أداها والله شاهد على ذلك ويجزيك عليه بما أنت أهله وسيجزي من رد رسالتك وخرج عن طاعتك وكفى بالله شهيدا. {هداية الآية}: من هداية الآيات: 1- قبح الاستعجال والجبن وسوء عاقبتهما. 2- الآخرة خير لمن اتقى من الدنيا. 3- لا مفر من الموت ولا مهرب منه بحال من الأحوال. 4- الخير والشر كلاهما بتقدير الله تعالى. 5- الحسنة من الله والسيئة من النفس إذ الحسنة أمر الله بأسبابها بعد أن أوجدها وأعان عليها، وأبعد الموانع عنها والسيئة من النفس لأن الله نهى عنها وتوعد على فعلها، ولم يوفق إليها ولم يعن عليها فهي من النفس لا من الله تعالى.

القطان

تفسير : كفوا ايديكم: أي عن القتال. أجل: ميعاد: متاع الدنيا: كل ما يستمتع به ويلذ. الخطاب لجماعة المسلمين وفيهم المنافقون وضعفاء الإيمان.. ألم تنظر يا محمد الى أولئك الذين أمرهم الله بحقن الدماء وكف الأيدي عن القتال قبل ان يجيء الإذن به فقيل لهم: كفوا عن القتال فهو لم يُفرض عليكم بعد، وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة التي تمكّن الإيمانَ في قلوبكم. ففعلوا. ولما فُرض عليهم القتال كرهه الضعفاء منهم وخشُوا ان يقاتلهم الكفّار وينزلوا بهم النّكال، وخافوا منهم كخوفهم من الله أو أشد، وقالوا مستغربين: ربنا لِمَ كتبتَ علينا القتال في هذا الوقت! متوهّمين أن فرض القتال فيه تعجيل لآجالهم، ولذلك قالوا: هلا أخّرتَنا الى زمن قريب نستمتع فيه بما في هذه الدنيا؟ قُل لهم يا محمد: تقدَّموا للقتال ولو أدى ذلك الى موتكم، فإن متاع الدنيا تافه حقير بجانب متاع الآخرة. والآخرة أفضلُ لمن اتقى الله وعمل صالحا، وستُجزون على أعمالكم في الدنيا بالتمام والكمال، لا تخسرون خيطاً بقدر الفتيل الذي على شق النواة. قراءات: قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي "ولا يظلمون" بالياء.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلصَّلاَةَ} {وَآتُواْ} {ٱلزَّكَاةَ} {مَتَاعُ} {وَٱلآخِرَةُ} (77) - كَانَ المُؤْمِنُونَ فِي بَدْءِ أمْرِ الإِسْلاَمِ، فِي مَكَّةَ، مَأْمُورِينَ بِالصَّلاَةِ، وَالزَّكَاةِ، وَبِمُواسَاةِ الفُقَرَاءِ، وَكَانُوا مَأْمُورِينَ بِالعَفْوِ وَالصَّفْحِ عَنِ المُشْرِكِينَ، وَالصَّبْرِ إلَى حِينٍ، وَكَانُوا يَتَحَرَّقُونَ شَوْقاً إلى القِتَالِ، وَيَتَمَنَّوْنَ لَوْ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أمَرَهُمْ بِالقِتَالِ، لِيَنْتَصِفُوا مِنْ أعْدَائِهِمْ، وَيَشْفُوا غَلِيلَهُمْ مِنْهُمْ، وَلَمْ يَكُنِ الحَالُ إذْ ذَاكَ مُنَاسِباً لِلْقِتَالِ لأسْبَابٍ كَثِيرَةٍ: مِنْهَا قِلَّةُ عَدَدِهِمْ، وَمْنَهَا كَوْنُهُمْ فِي بَلَدٍ حَرَامٍ، لِذَلِكَ لَمْ يُؤْمَرُوا بِالجِهَادِ إلا بَعْدَ أنْ خَرَجُوا إلى المَدِينَةِ، وَصَارَ لَهُمْ فِيها دَارُ مَنَعَةٍ وَأنْصَارٌ. وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ لَمَّا أُمِرُوا بِمَا كَانُوا يَتَمَنَّوْنَهُ (وَهُوَ القِتَالُ) جَزِعَ بَعْضُهُمْ جَزَعاً شَدِيداً، وَخَافُوا مِنْ لِقَاءِ النَّاسِ فِي مَيْدَانِ الحَرْبِ، وَقَالُوا: رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القِتَالَ الآنَ؟ لَوْلاَ أخَّرْتَ فَرْضَهُ إلى وَقْتٍ آخَرَ (أو لَوْ تَأخَّرْتَ فِي فَرْضِهِ عَلينا حَتَّى نَمُوتَ مَوْتاً طَبِيعِيّاً حَتْفَ أُنُوفِنَا)، فَإِنَّ فِيهِ سَفْكَ الدِّمَاءِ، وَيُتْمَ الأوْلاَدِ، وَتَأييمَ النِّسَاءِ.. فَقُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: مَتَاعُ الدُّنْيَا مَهْمَا عَظُمَ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الحَيَاةِ الأخْرَى، وَحَيَاةُ النَّاسَ في الدُّنْيا قَصِيرَةٌ، وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِلْمُتَّقِينَ، لأَنَّهُمْ سَيَكُونُونَ خَالِدِينَ فِي الجَنَّاتِ، يَنْعَمُونَ بِرِضْوَانِ رَبِّهِمْ. وَقُلْ لَهُمْ: إِنَّهُمْ سَيُوَفَّوَْن أَعْمَالَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً وَلَوْ قَلَّ، وَلَوْ كَانَ فَتِيلاً. (وَقِيلَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَتَعَلَّقُ بِالأَنْصَارِ مِنَ الأَوْسِ وَالخَزْرَجِ، الذِينَ كَانَ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ دَائِمٌ قَبْلَ الإِسْلاَمِ، فَلَمَّا دَخَلُوا الإِسْلاَمَ أَلَّفَ اللهُ بَيْنَهُمْ، وَأمَرَهُمْ بِكَفِّ أيْدِيهمْ عَنِ القِتَالِ وَالعُدْوَانِ، وَطَلَبَ إلَيْهِمْ إقَامَةَ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ لِتَصْفُوَ نُفُوسُهُمْ، إلَى أن اشْتَدَّتِ الحَاجَةُ إلى القِتَالِ لِدَفْعِ الأذَى عَنِ المُسْلِمِينَ، فَفَرَضَ اللهُ القِتَالَ، فَكَرِهَهُ المُنَافِقُونَ وَالضُّعَفَاءُ). الفَتِيلُ - خَيْطٌ رَفِيعُ فِي بَاطِنِ نَوَاةِ التَّمْرِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : نعرف أن الحق ساعة يقول: "ألم تر" يعني: إن كانت مرئية في زمنها، فلك أن تتأمل الواقعة على حقيقتها، وإن كانت غير مرئية فمعناها: ألم تعلم، ولكن العلم بإخبار الله أصدق من العين. وحين يقول الحق: {كُفُّوۤاْ أَيْدِيَكُمْ} لا بد أن تكون بوادر مدّ الأيدي موجودة، فلن يقال لواحد لم يمد يده: كيف يدك. والكلام هنا في القتال، فيكون قد كفوا أيديهم عن القتال، بدليل أن الحق سبحانه وتعالى جاء في المقابل فقال: {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ} إذن فقد قيل لهم: {كُفُّوۤاْ أَيْدِيَكُمْ} لأن بوادر مدّ الأيدي للقتال قد ظهرت منهم إما قولاً بأن يقولوا: دعنا يا رسول الله نقاتل، وإما فعلاً بأن تهيأوا للقتال. وعندما يقول القرآن: {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ} دل هذا القول على وجود زمنين بصدد هذه الآية: زمن قيل لهم: كفّوا أيديكم، وزمن كُتِبَ عليهم القتال، فنفهم من هذه أنه كانت هناك بوادر المدّ اليد إلى القتال قبل أن يكتب عليهم القتال والذين قالوا: دعنا نقاتل هم: ابن عوف وأصحاب له، ولو كان الأمر بالقتال متروكا للرسول لكان قد أمرهم بمجرد أن قالوا ذلك. عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابا له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بمكة. فقالوا: يا نبي الله، كنا في عزة، ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة قال: "إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم" فلما حوله الله إلى المدينة أمره بالقتال، فكفوا، فأنزل الله {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوۤاْ أَيْدِيَكُمْ}. وهذا دليل على أنه منتظر أمر السماء. وبعد ذلك كتب الله عليهم القتال، فلما كتب عليهم القتال تملص البعض منه.. مصداقاً لقول الحق: {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً} فلماذا هذه الخشية وهم مؤمنون: هل هذا يعني أنهم خافوا الناس أو رجعوا في الإيمان؟. كما طلب بعض من بني إسرائيل القتال: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلإِ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىۤ إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [البقرة: 246]. إذن فعندما تصل المسألة إلى الأمر التطبيقي، قد يدب في نفوسهم الخَوَر والخوف، والحق سبحانه لم يمنع الأغيار أن تأتي على المؤمن، فما دام الإنسان ليس رسولا ولا معصوما فلا تقل: فلان عمل كذا أو فلان عمل كذا؛ لأن فلانا هذا لم يدع أنه معصوم، ولذلك يصح أن تأتي منه الأخطاء، وتأتيه خواطر نفسه، وتأتيه هواجس في رأسه، ويقف أحياناً موقف الضعف، ولذلك عندما يقول لك واحد: فلانة عملت كذا وفلان عمل كذا، قل له: وهل قال أحد إن هؤلاء معصومون؟ وما داموا غير معصومين فقد يتأتي منهم هذا. والله يقول: {إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ} وهذا يعني أنهم ليسوا سواء، ففريق منهم أصابه الضعف، وفريق آخر بقي على شدته وصلابته في إيمانه لم تلن له قناة ولم ينله وهن ولا ضعف، ثم انظر أدب الأداء. لم يقل: فلان أو فلان. بل قال: {إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ} وهذا يستدعي أن يبحث كل إنسان في نفسه، وهذه عملية أراد بها الحق الستر للعبد، وما دام الستر قد جاء من الرب، فلنعلم أن ربنا أغير على عبده من نفسه، ولذلك نقول دائما: ساعة يستر ربنا غيب الناس على الناس فهذا معناه: تكريم للناس جميعا. وهب أن الله أطلعك على غيب الناس أتحب أن يطَّلع الناس على غيبك؟! لا، إذن فأنت عندما ترى أن ربنا قد ستر غيبك عن الناس وستر غيب الناس عنك فاعرف أن هذه نعمة ورحمة؛ لأن الإنسان ابن أغيار، فيصح أن واحداً أساء إليك في نفسه ولم يرغب أن تعرف ذلك، وأنت أيضاً تريد أن تتخلص منه وتكرهه، فلو أطلعه الله على ما في قلبك، أو أطلعك على ما في قلبه لكانت معركة يجرح فيه كل منكما كرامة الآخر، لكن ربنا ستر غيب خلقه عن خلقه رحمة بخلقه. وأنت أيضاً أيها العبد قد تعصيه ويحب أن يستر عليك، ويأمر الآخرين ألا يتقصوا أخبارٍ معصيتك له. بالله أيوجد رب مثل هذا الرب؟ شيء عجيب؛ فقد تكون عاصياً له ويحب أن يستر عليك، ويأمر غيرك: إياكم أن تتبعوا عورات الناس، فقد يكون عندهم بعض الحياء، ويكونون مستترين في أسمالهم وملابسهم لماذا؟ حتى لا يفقدوا أنفسهم أو يضلوا طريق التوبة لربهم. إذن فالحق يرحم المجتمع، ولكن الخيبة من الناس أنهم يلحون على أن يعلموا الغيب ويبحثوا عمن يكشف لهم الطالع. ونقول لمن يفعل ذلك: يا رجل لقد ستر الله الغيب عنك نعمة منه عليك، فاجعله مستورا كما أراد الله. إن الحق سبحانه وتعالى يقول: {إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً} والواحد من هذا الفريق يخشى القتال والقتل، ويخاف من الموت؛ لأنه سيأخذه إلى جزاء العمل الذي عمله في الدنيا، ولذلك نجد أحد الصحابة يقول: أكره الحق. فتساءل صحابي آخر: كيف تكره الحق؟ قال: أكره الموت ومن منا يحبه! ولماذا يخشى الناس القتال؟ لأن الله حين يُميت؛ يُميت بدون هدم بنية، ولكن الأعداء في القتال قد يقطعون جسد الإنسان ويمثلون به، لكن إن استحضر العبد الجزاء على هذه المُثْلَة تهون عليه المسألة. {إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ} وكأنهم قد نسوا أنهم طلبوا القتال، كي نعرف أن النفس البشرية حين تكون بمنأى عن الشيء تتمناه، وعندما يأتيها تعارضه. {وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ} فهل جاء هذا الكلام منهم على سبيل الاستفهام؟ يوضح الله لنا ذلك: إنهم يقولون: يا رب لماذا ابتليتنا هذا الابتلاء، وقد لا نقدر عليه في ساعة الخوف من لقاء المعارك:؟ لذلك طلبوا أن يؤجل الله ذلك وأن يجعلهم يموتون حتف أنوفهم لا بيد العدو، وكلمة {إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ} توضح أن كل واحد منهم يعي تماماً أنه سيموت حتماً، لكن لا أحد منهم يريد أن تنتهي حياته بالقتل. ولماذا تطلبون التأخير؟ أحُباً في الدنيا ومتاعها؟ ويأتي جواب الحق: {قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ} ولا يصح أن تحرصوا عليه أيها المؤمنون حرصاً يمنعكم أن تذهبوا لتقاتلوا، فكلكم ستموتون، وكل منا يجازيه ربنا على عمله، أما الذي يُقتل في سبيل الله فسيجازيه على عمله فوراً، ويعطيه حياة أخرى مقابل الموت. لأنه سيأخذ الشهادة، ولذلك يأمر الحق رسوله بأن يقول: {قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ} إن قارنته بما يصل إليه المرء من ثواب عظيم إن قتل في الحرب جهاداً في سبيل الله. قال بعضهم: إذا كان لا مفر من الموت، فلماذا لا نذهب لنقاتل في سبيل الله، فإن قتلنا فليكن موتنا بثمن زائد عن عملنا، إذن فهذا تربيب وتنمية للفائدة، ولذلك قال الحكيم: شعر : ولو أن الحياة تبقى لحي لعددنا أضلَّنا الشجعان تفسير : أي أن الحياة لو كانت تبقى لحي لكان أضل ناس فينا هم الشجعان الذين يقتلون أنفسهم في الحرب، لكن المسألة ليست كذلك، والشاعر العربي يقول: شعر : ألا أيها الزاجري أحضر الوغي وأن أشهد اللذات هل انت مُخلدي تفسير : والمتنبي يقول: شعر : أرى كلنا يبغى الحياة لنفسه حريصا عليها مستهاما بها صبا فحب الجبان النفس ورثه التقى وحب الشجاع النفس أورده الحربا تفسير : إذن فالاثنان يحبان نفسيهما، لكن هناك فرق بين الحب الأحمق والحب الأعمق. وعندما ننظر إلى إجمالي السياق في الآية نجد أن الحق سبحانه يربى - في صدر الإسلام - الفئة المؤمنة تربية إيمانية لا تخضع لعصبية الجاهلية ولا لحمية النفس، ففريق من المؤمنين بمكة الذين ذاقوا الاضطهاد أحبوا أن يقاتلوا، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم يبلغهم أنه لم يؤمر بالقتال بعد، وأمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وأن يصبروا على ما هم فيه حتى يأذن الله بالقتال، وتلك تربية أولى للفئة المؤمنة؛ لأن الإسلام جاء وفي نفوس العرب حمية وعصبية وعزة وأنفة، فكلما أهيج واحد منهم في شيء فزع إلى سيفه وإلى قبيلته وشنها حرباً، فيريد الله سبحانه أن يستل من الفئة المؤمنة الغضب للنفس والغضب للعصبية والغضب للحمية، وأراد أن يجعل الغضب كله لله. وحينما جاء الإذن بالقتال، جاء لا ليفرض على الناس عقيدة، ولا ليكرههم على إسلام، وإنما جاء ليحمي النفس الإنسانية من أن يتسلط عليها الأقوى الذي يريد أن يجعل الأَضعف تبيعاً له، فأراد سبحانه أن يحرر الاختيار في الإنسان فكان القتال حفاظا على كرامة الإنسان أن يكون تبيعاً في العقيدة لغيره، وبعد ذلك يعرض قضية عرضاً عقلياً؛ فمن استجاب له فمرحباً به، ومن لم يستجب فله أن يظل على دينه. وهذا يدل على أن الإسلام دين منع التسلط على عقائد الناس، وضمن لهم الحرية في أن يختاروا ما يحبون من العقائد بعد أن بين لهم الرشد من الغي. وحينما شرع الله القتال فقد شرعه دون أن يكون هناك أدنى تدخل لغضب النفس ولا لحميتها ولا لعزتها، ويشاء الحق سبحانه وتعالى أن يصور العواطف الإنسانية التي تواجه الإسلام ويواجهها الإسلام تصويرا طبيعياً. فبين لنا أن الطبع الإنساني يعالج بالتربية، ولهذا نجد أن بعضاً من الذين طلبوا القتال خافوا: {إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً}. إذن فهناك فرق بين نظرية أن نقاتل، وأن نخوض القتال بالفعل؛ لذلك تجد أن منهم من خاف الذهاب إلى القتال خشية أن يُقتلوا، والقتل كما تعلمون: هدم بنية، ولكن الموت حتف الأنف هو الذي يسحب به الله الروح الإنسانية، دون هدم بنية أو نقص لها. وأيضا فالقتال يكون مظنة القتل، والخوف من القتال مظنة التراخي في الأجل، فالقتل موت مقرب أمام المقاتل، لكن الموت حتف الأنف علمه عند الله؛ لذلك قالوا: {رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ}. فهل كان طلبهم للقتال لقصد الحمية، وسبحانه يريد أن يبرئ المؤمن أن يكون قتاله للحمية؛ لأنه جل وعلا يريد أن تكون المعركة إيمانية؛ لتكون كلمة الله هي العليا حتى ولو كان المخالف له صلة نسب أو صلة عصب أو صلة عواطف. والحق سبحانه وتعالى يريد أن يعلمنا ذلك؛ لأن الأمة الإسلامية ستواجه عنفا شرسا في تثبيت قاعدة الاختيار الإيماني في البشر، فقال الحق لرسوله صلى الله عليه وسلم إن قالوا لك ذلك {قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ}، فالحرص على أن يستبقي المؤمن نفسه من القتل ليموت بعد أجل قريب يعني أن يريد أن يأخذ من الحياة فرصة أكبر، فأوضح الحق: لا، ضعوا مقياسا تقيسون به الجدوى، فسبحانه قال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ} تفسير : [التوبة: 111]. إنه شراء وبيع. وأيضاً قال سبحانه في الصفقة الإيمانية: {أية : هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [الصف: 10]. إذن فالله يعاملنا بملحظ النفعية الإنسانية، واللبق، الفطن، الذكي هو الذي يتاجر في الصفقة الرابحة أو المضمونة أو التي تكون جدواها والفائدة منها أكثر من سواها. فلو أننا قارنا الدنيا، لعلمنا أنها مهما طالت لا تؤثر ولا تزيد في عمر الفرد؛ لأن الدنيا تطول في الزمن، لكنها بالنسبة للأفراد تكون بمقدار عمر كل واحد فيها، لا بمقدار أعمار الآخرين، فإن دامت للآخرين طويلاً، فما دخل الفرد في ذلك؟ إذن فالدنيا بالنسبة للفرد هي زمن محدد، والله يبشر المؤمن الذي يقتل في سبيله أنه يأخذ من الصفقة زمناً غير محدود. وأيضاً فالبقاء في الدنيا بدون قتل وإلى أن يموت الواحد حتف أنفه، هو بقاء مظنون وغير متيقن. ونحن نرى من يموت طفلاً أو شاباً أو كهلاً. أما الآخرة فهي غير محدودة وهي متيقنة. إن النعيم في الدنيا يكون على مقدار تصور الفرد للنعيم وإمكانات الفرد في تحقيق النعيم. وأما النعيم في الآخرة فيكون على المقدار الذي أعده الله لعباده بطلاقة قدرته وسعة رحمته. فإن قارنا صفقة الدنيا بالآخرة لوجدنا أن متاع الدنيا على فرض أنه متاع هو قليل بالنسبة للآخرة. إذن فالحق ينمي فينا قيمة الصفقة الإيمانية، ويعلم أن كل إنسان يحب الخير لنفسه، فلا يظنن أحد أن الدين جاء ليسلبه الحرية، أو ليستذله، فالدين إنما جاء ليربب للمؤمن النفعية وينميها له. ومثال ذلك عندما منع الدين واحداً أن يسرق الآخرين فهو قد منع أيضاً كل الآخرين أن يسرقوا من أي واحد، وبذلك يكسب كل إنسان حماية الدين له، فحين يمنع الواحد عن فعل خطأ في حق الآخرين فهو قد منع الآخرين وهم ملايين أن يخطئوا في حقه. فإذا قال الدين لواحد: لا تمد عينيك إلى محارم غيرك، ففي هذا القول ما يوصي كل غير في الدنيا: لا تمدوا أعينكم إلى محارم فلان، فالكسب العظيم - إذن - يعود على الفرد. وقول الحق: {قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ} يوضح لنا عظمة الصفقة الإيمانية، وبعد ذلك يؤكد لنا العدل في قوله: {وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً} ونعرف أن الفتيل هو ما فُتل من الأقذار حينما يدعك الإنسان كفيه معاً، فيخرج ناتجا كالفتلة، أو الفتيل هو الفتلة في بطن النواة، أي لا نظلم حتى في الشيء التافه. والعدالة هنا بمشروطها؛ لأن الله أوضح أن من يصنع السيئة يجازي بسيئة مثلها، ومن يصنع حسنة يجازي بعشرة أمثالها أو أكثر. وهكذا لا ترهق العدالة مؤمناً لأنها تأتي بفضلها، فالحسنة بعشر أمثالها أو أكثر، وتحسب الحسنة عند الله في ميزان العدالة بما أخذ من الفضل، فلا يقولن واحد: إن هناك عدلاً من الله بدون فضل. إذن فقول الحق: {وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً} هو بضميمة الفضل إلى العدل. ولذلك نحن ندعو الله قائلين: اللهم عاملنا بالفضل لا بالعدل؛ لأن مجرد العدل قد يتعبنا. وندعو الله: وبالإحسان لا بالميزان؛ لأـنه لو عاملنا بالميزان قد نتعب. وندعو الله: وبالجبر لا بالحساب، والجبر هو أن يجبرنا الله، وهكذا نرى أن قوله الحق: {وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً} بلاغ من الحق لنا: أننا سنعدل معكم بالفضل فتكون السيئة بواحدة، وتكون الحسنة بعشر أمثالها أو أكثر. وقوله الحق: {وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً} يعين فيما قضي به سبحانه متفضلاً بالفضل مع العدل. وسبحانه يريد أن يطمئننا على أن قضايا الإيمان يجب أن يحافظ عليها، فإياك أن تظن أن عملك هو الذي سيعطيك الجزاء، إنما فضل الله هو الذي سيعطيك الجزاء. يقول الحق: {أية : قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} تفسير : [يونس: 58]. فالفضل هو الذي يُفرح قلب المؤمن. ثم يأتي الحق سبحانه ليرد من بعد ذلك على قضية قالها المنافقون حينما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحد، ثم قتل من قتل من المسلمين؛ فقال المنافقون: "لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا" ففهموا أن العندية عندهم حصن لهم من الموت، وأن الذهاب إلى القتال هو الذي يجلب الموت. ونعرف أن كل حدث من الأحداث له زمان وله مكان ونسميه الظرف. إن الذين درسوا "الظرف" في النحو يقولون: "ظرف زمان أو ظرف مكان"، فكل حدث من الأحداث لا بد أن يوجد له زمان ومكان. والزمان في الموت مبهم والمكان في الموت أيضاً مبهم، فظرف حدث الموت زماناً أو مكاناً مبهم، وحين يبهم الله شيئاً؛ فلا تظنوا أنه يريد أن يخفيه ويُغمضه علينا، إن الحق يبهم الأمر ليوضحه أوضح بيان، فالإبهام من عنده أوضح بيان، كيف؟. إنه سبحانه حين يجهلنا بزمن الموت ويخفيه علينا فمعنى ذلك أن الإنسان قد يستقبل الموت في أي لحظة، وهل هناك بيان أوضح من هذا؟. فحين جهَّلنا بزمن الموت فهو لم يمنع عنا معرفة زمنه، ولكنه أشاع زمنه في كل زمن، فلا أحد بقادر على الاحتياط من زمن الموت، وكذلك الحال في مكان الموت. وها هوذا الحق يقول: {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: إِن "الفتيل" [الآية: 77]: الذي في شق / 15ظ / النواة.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ} معناهُ لِمَ فَرَضْتَـ[ـهُ] عَلَينَا.

الأندلسي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ} الآية، خرج النسائي في سننه عن ابن عباس حديث : أن عبد الرحمن بن عوف وأصحاباً له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فقالوا: يا نبي الله كنا في عز ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة. فقال: إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم فلما حوله الله تعالى إلى المدينة أمره بالقتال فكفوا تفسير : فأنزل الله تعالى هذه الآية ومعنى كفوا أيديكم عن القتال وكانوا متشوقين إلى قتال الكفار وجواب فلما كتب إذا الفجائية وما بعدها، ودل ذلك على أن لما حرف وجوب لوجوب لا ظرف بمعنى حين إذ لو كانت ظرفاً لكان لها عامل وإذا الفجائية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. {أَوْ أَشَدَّ} انتصب أشد على أنه حال من قوله: خشية، لأنه صفة لنكرة وتقدمت عليها فانتصب على الحال، والمعنى يخشون الناس خشية مثل خشية الله، أو خشية أشد من خشية الله فأشد أفعل تفضيل والمفضل عليه محذوف وتقديره من خشية الله. {وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ} الظاهر أن القائلين هم المنافقون لأن الله تعالى إذا أمر بشيء لا يسأل عن علته من هو خالص الإِيمان. و{لَوْلاۤ} يكون حرف امتناع لوجود لقولك: لولا زيد لأكرمتك، وتكون حرف تحضيض كقوله هنا: لولا. {أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ} والأجل القريب استزادة في كفهم عن القتال. {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ} أين ظرف مكان وتكون شرطاً فيزداد بعدها ما وقد تخلو عن ما كقول الشاعر: شعر : أين تضرب بنا العداة تجدنا تفسير : وتكون استفهاماً كقولك: أين زيد، ولا تحفظ زيادة ما بعد أين إذا كانت استفهاماً. قال الزمخشري: ويجوز أن يتصل بقوله: {وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً} أي لا تنقصون شيئاً مما كتب من آجالكم أين ما تكونوا في ملاحم حروب أو غيرها ثم ابتدأ بقوله: {يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} والوقف عل يهذا الوجه على أين ما تكونوا. "انتهى". وهذا تخريج ليس بمستقيم لا من حيث المعنى ولا من حيث الصناعة النحوية أما من حيث المعنى فإنه لا يناسب أن يكون متثلاً بقوله: {وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً} لأن ظاهر انتفاء الظلم إنما هو في الآخرة لقوله: {قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ} وأما من حيث النحو فإنه على ظاهر كلامه يدل على أن أينما متعلق بقوله: {وَلاَ تُظْلَمُونَ} بمعنى ما فسره من قوله، أي لا تنقصون شيئاً مما كتب من آجالكم أينما تكونوا في ملاحم حروب أو غيرها، وهذا لا يجوز لأن أينما اسم شرط فالعامل فيه إنما هو فعل شرط بعده ولأن اسم الشرط لا يتقدم عليه عامله فلا يمكن أن يعمل فيه ولا تظلمون بل إذا جاء نحو: اضرب زيداً متى جاء، لا يجوز أن يكون الناصب لمتى اضرب فإن قال: يقدر له جواب محذوف يدل عليه ما قبله وهو قوله: ولا تظلمون كما تقدر في اضرب زيداً متى جاء فالتقدير أينما تكونوا فلا تظلمون فتيلاً أي فلا ينقص شيء من آجالكم، وحذف لدلالة ما قبله عليه قيل له: لا يحذف الجواب إلا إذا كان فعل الشرط بصيغة الماضي، وفعل الشرط هنا مضارع. تقول العرب: أنت ظالم إن فعلت، ولا تقول: أنت ظالم إن تفعل. ويدرككم مجزوم جواب أينما. والبروج: القصور العالية مشيدة مبنية بالشيد وهو الجص. وجواب له محذوف تقديره لأدرككم الموت. {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ} الظاهر أن هذا من كلام المنافقين والحسنة ما يحصل لهم من الخير والسيئة ما يصيبهم من السوء ومن قال أنهم اليهود فليس بطاهر لأنهم لم يكونوا في طاعة الإِسلام ولم يكتب عليهم القتال والمعنى أن هؤلاء المنافقين إذا أصابتهم حسنة نسبوها إلى الله تعالى وانها ليست بسبب اتباع الرسول ولا الإِيمان به وإن تصبهم سيئة أضافوها إلى الرسول وقالوا: هي بسببه كما جاء في قوم موسى وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه، وفي قوم صالح قالوا: أطيرنا بك وبمن معك. وروى جماعة من المفسرين أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة، قال اليهود والمنافقون: ما زلنا نعرف النقص في ثمارنا ومزارعنا مذ قدم علينا هذا الرجل وأصحابه. قوله: {مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} أي خلقاً وتقديراً. {فَمَالِ هَـٰؤُلاۤءِ ٱلْقَوْمِ} استفهام إنكار حيث نسبوا السيئة إلى الرسول. و{لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ} فيه نفي المقاربة وهو أبلغ من نفي الفعل والحديث قيل هو القرآن. {مَّآ أَصَابَكَ} الظاهر أنه خطاب لكل سامع. وقوله: {فَمِن نَّفْسِكَ} أي بسبب ما اكتسبه الإِنسان من الذنب والله تعالى هو المقدر لذلك. وانتصب قوله: رسولاً، على الحال المؤكدة للجملة التي هي وأرسلناك.

الجيلاني

تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى} المؤمنين {ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ} عند ضعفهم، وثاثة حالهم حين كانوا في مكةك قبل الهجرة يريدون أن يقاتلوا: {كُفُّوۤاْ أَيْدِيَكُمْ} عن القتال إلى أن يأذن الله لكم به ويرد الأمر عليه {وَأَقِيمُواْ} أديموا {ٱلصَّلَٰوةَ} المقرب لكم نحوه بجميع الأعضاء والجوارح {وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ} المصفية لنفوسكم عن الميل إلى زخرفة الدنيا، وانتظروا إلى أن يأمركم الله بالقتال والجهاد {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ} بعدما قوَّي حالهم، وزال ضعفهم {إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ} بضعف يقينهم، وقلة وثوقهم بنصر الله وتأييده {يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ} أي: يخالفون من الكفار {كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ} مثل خوفهم من الله {أَوْ} بل {أَشَدَّ خَشْيَةً} لوهن اعتقادهم، واعتمادهم على الله؛ إذ هم في أوائل ظهور الإسلام حين كانوا متزلزلين، لا يصفوا يقينهم بالتوحيد {وَقَالُواْ} حين سمعوا نزول أمر القتال مسوفين متأخرين: {رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ} مع أنا على ضعفنا {لَوْلاۤ أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ} يزداد فيه قوتنا وشوكتنا وعدتنا، وإنما قالوه خوفاً من الموت وفوات المال {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل تذكيراً وتنبيهاً: {مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ} عمل قصير بالنسبة إلى عطاء الله، وشرف لقائه {وَٱلآخِرَةُ} المعدة لجزيل العطاء وشرف اللقاء {خَيْرٌ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ} عما يشغلهم عنه وعن عطائه {وَ} اعلموا أيها المؤمنون أنكم {لاَ تُظْلَمُونَ} لا تنقصون ولا تهملون مما قدر لكم في القضاء {فَتِيلاً} [النساء: 77] مقدر فتيل النواة. واعلموا أيضاً أن تسويفكم وتأخيركم لا يفيدكم نفعاً في أمر الموت، بل وقته مبهم وأمره مبرم. {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ} عند حلول الأجل المقدر له من عده {وَلَوْ كُنتُمْ} متحصنين {فِي بُرُوجٍ} قلاع وحصون {مُّشَيَّدَةٍ} بأنواع التشييدات والتحصنات؛ إذ لا مرد من قضاء الله ولا معقب لحكمه، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد {وَ} هم أيضاً من غاية تزلزلهم وتذبذهم، وعدم رسوخهم في جادة التوحيد {إِن تُصِبْهُمْ} حَسَنَةٌ فتح وغنيمة تفرح بها نفوسهم وتنبسط {يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} تفضلاً علينا، وامتناناً {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} بلية واختبار تنقبض بها نفوسهم {يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ} أي: اضافوها إليك مشتائمين بك، كما تشاءمت اليهود حيث قالت: منذ دخل محمد المدينة نقصت ثمارها وغلبت أسعارها {قُلْ} لهم كلاماً ناشئاً عن محض الحكمة والإيقان: {كُلٌّ} من الحوادث الكائنة سواء كانت مفرحة أو مملة، مقبضة أو مبسطة نازل {مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} حسب قدرته وإرادته، لا يسأل عن فعله ولا في أمره، بل له التصرف مطلقاً {فَمَالِ} عرض {هَـٰؤُلاۤءِ ٱلْقَوْمِ} المنحطين عن درجة التوحيد والعرفان {لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ} ويفهمون {حَدِيثا} [النساء: 78] يخلصهم عن التزلزل، وتردد المرتبة على الإضافات المنافية للتوحيد، ولو أنهم من أهل التدبير والتأمل في سرائر كلام الله ومرموزاته لفتح عليهم مما يخلصهم عن دغدغة الكثرة مطلقاً، فكيف إضافة الحسنة والسيئة.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عمن رغب في اقتال كالرجال والأبطال، ثم رغب عنه في أثناء الحال من الملامة بقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوۤاْ أَيْدِيَكُمْ} [النساء: 77]، والإشارة فيها: إن الذين قيل لهم من أصحاب السلامة: {كُفُّوۤاْ أَيْدِيَكُمْ} [النساء: 77] عن الاعتصام بحبل أهل الملامة، ولا تقدموا أقدام الأبطال في معركة الرجال، {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ} [النساء: 77]، فإنكم لستم في بذل الروح من الغزاة ولا يجول في هذا الميدان إلا أهل الغرام، فاقنعوا أنتم بدار السلام فتمسكوا بأذيال الرجال واشرعوا مع النفس في الجهاد واسلكوا سبل الرشاد، فلما لم يكون دليلهم العظام قطع الطريق عليهم لؤم اللئام، [ونومة] النيام، {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً} [النساء: 77]، ويخافون لوم الإنسان، وكان من شرطهم ألاَّ يخافون لومة لائم ولا ينامون نومة نائم، فبقوا عن فريقهم كالحالم، {وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ} [النساء: 77]، فنموت بالآجال، فإن لنا كل لحظة موتة في ترك حظه، {قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ} [النساء: 77] والتمتع بها، {وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ} [النساء: 77]، عن كل شيء بالمولى، ومن كان في الله فتيلاً يحيى به {وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً} [النساء: 77].

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : كان المسلمون -إذ كانوا بمكة- مأمورين بالصلاة والزكاة أي: مواساة الفقراء، لا الزكاة المعروفة ذات النصب والشروط، فإنها لم تفرض إلا بالمدينة، ولم يؤمروا بجهاد الأعداء لعدة فوائد: منها: أن من حكمة الباري تعالى أن يشرع لعباده الشرائع على وجه لا يشق عليهم؛ ويبدأ بالأهم فالأهم، والأسهل فالأسهل. ومنها: أنه لو فرض عليهم القتال -مع قلة عَدَدِهِم وعُدَدِهِم وكثرة أعدائهم- لأدى ذلك إلى اضمحلال الإسلام، فروعي جانب المصلحة العظمى على ما دونها ولغير ذلك من الحِكَم. وكان بعض المؤمنين يودون أن لو فرض عليهم القتال في تلك الحال، غير اللائق فيها ذلك، وإنما اللائق فيها القيام بما أمروا به في ذلك الوقت من التوحيد والصلاة والزكاة ونحو ذلك كما قال تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا } تفسير : فلما هاجروا إلى المدينة وقوي الإسلام، كُتب عليهم القتال في وقته المناسب لذلك، فقال فريق من الذين يستعجلون القتال قبل ذلك خوفا من الناس وضعفا وخورا: { رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ } ؟ وفي هذا تضجرهم واعتراضهم على الله، وكان الذي ينبغي لهم ضد هذه الحال، التسليم لأمر الله والصبر على أوامره، فعكسوا الأمر المطلوب منهم فقالوا: { لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ } أي: هلا أخرت فرض القتال مدة متأخرة عن الوقت الحاضر، وهذه الحال كثيرًا ما تعرض لمن هو غير رزين واستعجل في الأمور قبل وقتها، فالغالب عليه أنه لا يصبر عليها وقت حلولها ولا ينوء بحملها، بل يكون قليل الصبر. ثم إن الله وعظهم عن هذه الحال التي فيها التخلف عن القتال فقال: { قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى } أي: التمتع بلذات الدنيا وراحتها قليل، فتحمل الأثقال في طاعة الله في المدة القصيرة مما يسهل على النفوس ويخف عليها؛ لأنها إذا علمت أن المشقة التي تنالها لا يطول لبثها هان عليها ذلك، فكيف إذا وازنت بين الدنيا والآخرة، وأن الآخرة خير منها، في ذاتها، ولذاتها وزمانها، فذاتها -كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الثابت عنه - "حديث : أن موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها"تفسير : . ولذاتها صافية عن المكدرات، بل كل ما خطر بالبال أو دار في الفكر من تصور لذة، فلذة الجنة فوق ذلك كما قال تعالى: {أية : فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ } تفسير : وقال الله على لسان نبيه: "حديث : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر " . تفسير : وأما لذات الدنيا فإنها مشوبة بأنواع التنغيص الذي لو قوبل بين لذاتها وما يقترن بها من أنواع الآلام والهموم والغموم، لم يكن لذلك نسبة بوجه من الوجوه. وأما زمانها، فإن الدنيا منقضية، وعمر الإنسان بالنسبة إلى الدنيا شيء يسير، وأما الآخرة فإنها دائمة النعيم وأهلها خالدون فيها، فإذا فكّر العاقل في هاتين الدارين وتصور حقيقتهما حق التصور، عرف ما هو أحق بالإيثار، والسعي له والاجتهاد لطلبه، ولهذا قال: { وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى } أي: اتقى الشرك، وسائر المحرمات. { وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلا } أي: فسعيكم للدار الآخرة ستجدونه كاملا موفرًا غير منقوص منه شيئًا. ثم أخبر أنه لا يغني حذر عن قدر، وأن القاعد لا يدفع عنه قعوده شيئًا، فقال: { أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُّمُ الْمَوْتُ } أي: في أي زمان وأي مكان. { وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ } أي: قصور منيعة ومنازل رفيعة، وكل هذا حث على الجهاد في سبيل الله تارة بالترغيب في فضله وثوابه، وتارة بالترهيب من عقوبة تركه، وتارة بالإخبار أنه لا ينفع القاعدين قعودُهم، وتارة بتسهيل الطريق في ذلك وقصرها. ثم قال: { .... وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا * مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا * مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا } يخبر تعالى عن الذين لا يعلمون المعرضين عما جاءت به الرسل، المعارضين لهم أنهم إذا جاءتهم حسنة أي: خصب وكثرة أموال، وتوفر أولاد وصحة، قالوا: { هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } وأنهم إن أصابتهم سيئة أي: جدب وفقر، ومرض وموت أولاد وأحباب قالوا: { هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ } أي: بسبب ما جئتنا به يا محمد، تطيروا برسول الله صلى الله عليه وسلم كما تطير أمثالهم برسل الله، كما أخبر الله عن قوم فرعون أنهم قالوا لموسى {أية : فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ } . تفسير : وقال قوم صالح: {أية : قالوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ } . تفسير : وقال قوم ياسين لرسلهم: {أية : إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ } تفسير : الآية. فلما تشابهت قلوبهم بالكفر تشابهت أقوالهم وأعمالهم. وهكذا كل من نسب حصول الشر أو زوال الخير لما جاءت به الرسل أو لبعضه فهو داخل في هذا الذم الوخيم. قال الله في جوابهم: { قُلْ كُلٌّ } أي: من الحسنة والسيئة والخير والشر. { مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } أي: بقضائه وقدره وخلقه. { فَمَا لهَؤُلاءِ الْقَوْم } أي: الصادر منهم تلك المقالة الباطلة. { لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا } أي: لا يفهمون حديثا بالكلية ولا يقربون من فهمه، أو لا يفهمون منه إلا فهمًا ضعيفًا، وعلى كل فهو ذم لهم وتوبيخ على عدم فهمهم وفقههم عن الله وعن رسوله، وذلك بسبب كفرهم وإعراضهم. وفي ضمن ذلك مدْح من يفهم عن الله وعن رسوله، والحث على ذلك، وعلى الأسباب المعينة على ذلك، من الإقبال على كلامهما وتدبره، وسلوك الطرق الموصلة إليه. فلو فقهوا عن الله لعلموا أن الخير والشر والحسنات والسيئات كلها بقضاء الله وقدره، لا يخرج منها شيء عن ذلك. وأن الرسل عليهم الصلاة والسلام لا يكونون سببا لشر يحدث، هم ولا ما جاءوا به لأنهم بعثوا بصلاح الدنيا والآخرة والدين. ثم قال تعالى: { مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ } أي: في الدين والدنيا { فَمِنَ اللَّهِ } هو الذي مَنَّ بها ويسرها بتيسير أسبابها. { وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ } في الدين والدنيا { فَمِنْ نَفْسِكَ } أي: بذنوبك وكسبك، وما يعفو الله عنه أكثر. فالله تعالى قد فتح لعباده أبواب إحسانه وأمرهم بالدخول لبره وفضله، وأخبرهم أن المعاصي مانعة من فضله، فإذا فعلها العبد فلا يلومن إلا نفسه فإنه المانع لنفسه عن وصول فضل الله وبره. ثم أخبر عن عموم رسالة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم فقال: {أية : وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا } تفسير : على أنك رسول الله حقا بما أيدك بنصره والمعجزات الباهرة والبراهين الساطعة، فهي أكبر شهادة على الإطلاق، كما قال تعالى: {أية : قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ } تفسير : فإذا علم أن الله تعالى كامل العلم، تام القدرة عظيم الحكمة، وقد أيد الله رسوله بما أيده، ونصره نصرا عظيما، تيقن بذلك أنه رسول الله، وإلا فلو تقول عليه بعض الأقاويل لأخذ منه باليمين، ثم لقطع منه الوتين. { مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا * وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا } . أي: كل مَنْ أطاع رسول الله في أوامره ونواهيه { فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ } تعالى لكونه لا يأمر ولا ينهى إلا بأمر الله وشرعه ووحيه وتنزيله، وفي هذا عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم لأن الله أمر بطاعته مطلقا، فلولا أنه معصوم في كل ما يُبَلِّغ عن الله لم يأمر بطاعته مطلقا، ويمدح على ذلك. وهذا من الحقوق المشتركة فإن الحقوق ثلاثة: حق لله تعالى لا يكون لأحد من الخلق، وهو عبادة الله والرغبة إليه، وتوابع ذلك. وقسم مختص بالرسول، وهو التعزير والتوقير والنصرة. وقسم مشترك، وهو الإيمان بالله ورسوله ومحبتهما وطاعتهما، كما جمع الله بين هذه الحقوق في قوله: {أية : لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا }. تفسير : فمَنْ أطاع الرسول فقد أطاع الله، وله من الثواب والخير ما رتب على طاعة الله { وَمَنْ تَوَلَّى } عن طاعة الله ورسوله فإنه لا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئًا { فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا } أي: تحفظ أعمالهم وأحوالهم، بل أرسلناك مبلغا ومبينا وناصحا، وقد أديت وظيفتك، ووجب أجرك على الله، سواء اهتدوا أم لم يهتدوا. كما قال تعالى: {أية : فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ } تفسير : الآية. ولا بد أن تكون طاعة الله ورسوله ظاهرًا وباطنًا في الحضرة والمغيب فأما مَنْ يظهر في الحضرة والطاعة والالتزام فإذا خلا بنفسه أو أبناء جنسه ترك الطاعة وأقبل على ضدها فإن الطاعة التي أظهرها غير نافعة ولا مفيدة وقد أشبه من قال الله فيهم { وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ } أي يظهرون الطاعة إذا كانوا عندك { فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ } أي خرجوا وخلوا في حالة لا يطلع فيها عليهم { بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ } أي بيتوا ودبروا غير طاعتك ولا ثَمَّ إلا المعصية. وفي قوله { بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ } دليل على أن الأمر الذي استقروا عليه غير الطاعة؛ لأن التبييت تدبير الأمر ليلا على وجه يستقر عليه الرأي ثم توعدهم على ما فعلوا فقال { وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ } أي يحفظه عليهم وسيجازيهم عليه أتم الجزاء ففيه وعيد لهم. ثم أمر رسوله بمقابلتهم بالإعراض وعدم التعنيف فإنهم لا يضرونه شيئا إذا توكل على الله واستعان به في نصر دينه وإقامة شرعه ولهذا قال { فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا }.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوۤاْ أَيْدِيَكُمْ} [77] 132- أنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق قال: أنا أبي، قال أنا الحسين بن واقد، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، حديث : أن عبد الرحمن بن عوف، وأصحابا له أتَوا النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، فقالوا: يا نبي الله، إنَّا كنا في عِزٍّ ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذِلَّة، فقال: "إني أمرت بالعفو، فلا تُقاتلوا القوم" فلما حوله الله إلى المدينة أمر بالقتال فكفُّوا، فأنزل الله عز وجل {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوۤاْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ} .