٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
78
Tafseer
الرازي
تفسير : والمقصود من هذا الكلام تبكيت من حكى عنهم أنهم عند فرض القتال يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال، فقال تعالى: {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ } فبين تعالى أنه لا خلاص لهم من الموت، والجهاد موت مستعقب لسعادة الآخرة، فاذا كان لا بد من الموت، فبأن يقع على وجه يكون مستعقباً للسعادة الأبدية كان أولى من أن لا يكون كذلك، ونظير هذه الآية قوله: {أية : قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مّنَ ٱلْمَوْتِ أَوِ ٱلْقَتْلِ وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً }تفسير : [الأحزاب: 16] والبروج في كلام العرب هي القصور والحصون، وأصلها في اللغة من الظهور، يقال: تبرجت المرأة، إذا أظهرت محاسنها، والمشيدة المرتفعة، وقرىء {مُّشَيَّدَةٍ } قال صاحب «الكشاف»: من شاد إذا رفعه أو طلاه بالشيد وهو الجص، وقرأ نعيم بن ميسرة بكسر الياء وصفاً لها بفعل فاعلها مجازا، كما قالوا: قصيدة شاعرة، وإنما الشاعر قائلها. قوله تعالى: {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ الله فَمَالِ هَـؤُلاء ٱلْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً}. اعلم أنه تعالى لما حكى عن المنافقين كونهم متثاقلين عن الجهاد خائقين من الموت غير راغبين في سعادة الآخرة حكى عنهم في هذه الآية خصلة أخرى قبيحة أقبح من الأولى، وفي النظم وجه آخر، وهو أن هؤلاء الخائفين من الموت المتثاقلين في الجهاد من عادتهم أنهم إذا جاهدوا وقاتلوا فان أصابوا راحة وغنيمة قالوا: هذه من عند الله، وإن أصابهم مكروه قالوا: هذا من شؤم مصاحبة محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا يدل على غاية حمقهم وجهلهم وشدة عنادهم، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في الحسنة والسيئة وجوها؛ الأول: قال المفسرون: كانت المدينة مملوءة من النعم وقت مقدم الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما ظهر عناد اليهود ونفاق المنافقين أمسك الله عنهم بعض الامساك كما جرت عادته في جميع الأمم، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مّن نَّبِىٍّ إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِٱلْبَأْسَاء وَٱلضَّرَّاء } فعند هذا قال اليهود والمنافقون: ما رأينا أعظم شؤما من هذا الرجل، نقصت ثمارنا وغلت أسعارنا منذ قدم، فقوله تعالى: {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ } يعني الخصب ورخص السعر وتتابع الأمطار قالوا: هذا من عند الله {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ } جدب وغلاء سعر قالوا هذا من شؤم محمد، وهذا كقوله تعالى: {أية : فَإِذَا جَاءتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ } تفسير : [الأعراف: 131] وعن قوم صالح: {أية : قَالُواْ ٱطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ }تفسير : [النمل: 47]. القول الثاني: المراد من الحسنة النصر على الاعداء والغنيمة، ومن السيئة القتل والهزيمة قال القاضي: والقول الأول هو المعتبر لأن اضافة الخصب والغلاء إلى الله وكثرة النعم وقلتها إلى الله جائزة، أما إضافة النصر والهزيمة إلى الله فغير جائزة، لأن السيئة إذا كانت بمعنى الهزيمة والقتل لم يجز إضافتها إلى الله، وأقول: القول كما قال على مذهبه، أما على مذهبنا فالكل داخل في قضاء الله وقدره. المسألة الثانية: اعلم أن السيئة تقع على البلية والمعصية، والحسنة على النعمة والطاعة قال تعالى: {أية : وَبَلَوْنَـٰهُمْ بِٱلْحَسَنَـٰتِ وَٱلسَّيّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } تفسير : [الأعراف: 168] وقال: {أية : إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيّئَـٰتِ } تفسير : [هود: 114]. إذا عرفت هذا فنقول: قوله: {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ } يفيد العموم في كل الحسنات، وكذلك قوله: {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ } يفيد العموم في كل السيئات، ثم قال بعد ذلك: {قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ ٱللَّهِ } فهذا تصريح بأن جميع الحسنات والسيئات من الله، ولما ثبت بما ذكرنا أن الطاعات والمعاصي داخلتان تحت اسم الحسنة والسيئة كانت الآية دالة على أن جميع الطاعات والمعاصي من الله، وهو المطلوب. فان قيل: المراد ههنا بالحسنة والسيئة ليس هو الطاعة والمعصية، ويدل عليه وجوه: الأول: اتفاق الكل على أن هذه الآية نازلة في معنى الخصب والجدب فكانت مختصة بهما. الثاني: أن الحسنة التي يراد بها الخير والطاعة لا يقال فيها أصابتني، إنما يقال أصبتها، وليس في كلام العرب أصابت فلانا حسنة بمعنى عمل خيرا، أو أصابته سيئة بمعنى عمل معصية، فعلى هذا لو كان المراد ما ذكرتم لقال ان أصبتم حسنة. الثالث: لفظ الحسنة واقع بالاشتراك على الطاعة وعلى المنفعة، وههنا أجمع المفسرون على أن المنفعة مرادة، فيمتنع كون الطاعة مرادة، ضرورة أنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه معا. فالجواب عن الأول: أنكم تسلمون أن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ. والجواب عن الثاني: أنه يصح أن يقال: أصابني توفيق من الله وعون من الله، وأصابه خذلان من الله، ويكون مراده من ذلك التوفيق والعون تلك الطاعة، ومن الخذلان تلك المعصية. والجواب عن الثالث: أن كل ما كان منتفعا به فهو حسنة، فان كان منتفعا به في الآخرة فهو الطاعة، وإن كان منتفعا به في الدنيا فهو السعادة الحاضرة، فاسم الحسنة بالنسبة إلى هذين القسمين متواطىء الاشتراك، فزال السؤال. فثبت أن ظاهر الآية يدل على ما ذكرناه، ومما يدل على أن المراد ليس إلا ذاك ما ثبت في بدائه العقول أن كل موجود فهو إما واجب لذاته، وإما ممكن لذاته، والواجب لذاته واحد وهو الله سبحانه وتعالى، والممكن لذاته كل ما سواه، فالممكن لذاته إن استغنى عن المؤثر فسد الاستدلال بجواز العالم وحدوثه على وجود الصانع، وحينئذ يلزم نفي الصانع، وإن كان الممكن لذاته محتاجا إلى المؤثر، فاذا كان كل ما سوى الله ممكنا كان كل ما سوى الله مستنداً إلى الله، وهذا الحكم لا يختلف بأن يكون ذلك الممكن ملكا أو جمادا أو فعلا للحيوان أو صفة للنبات، فان الحكم لاستناد الممكن لذاته إلى الواجب لذاته لما بينا من كونه ممكنا كان الكل فيه على السوية، وهذا برهان أوضح وأبين من قرص الشمس على أن الحق ما ذكره تعالى، وهو قوله: {قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ ٱللَّهِ }. ثم قال تعالى: {فَمَالِ هَـؤُلاء ٱلْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: انه لما كان البرهان الدال على أن كل ما سوى الله مستنداً إلى الله على الوجه الذي لخصناه في غاية الظهور والجلاء، قال تعالى: {فَمَالِ هَـؤُلاء ٱلْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً } وهذا يجري مجرى التعجب من عدم وقوفهم على صحة هذا الكلام مع ظهوره. قالت المعتزلة: بل هذه الآية دالة على صحة قولنا، لأنه لو كان حصول الفهم والمعرفة بتخليق الله تعالى لم يبق هذا التعجب معنى ألبتة، لأن السبب في عدم حصول هذه المعرفة هو أنه تعالى ما خلقها وما أوجدها، وذلك يبطل هذا التعجب، فحصول هذا التعجب يدل على أنه إنما تحصل بايجاد العبد لا بايجاد الله تعالى. واعلم أن هذا الكلام ليس إلا التمسك بطريقة المدح والذم، وقد ذكرنا أنها معارضة بالعلم. المسألة الثانية: قالت المعتزلة: أجمع المفسرون على أن المراد من قوله: {لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً } أنهم لا يفقهون هذه الآية المذكورة في هذا الموضع، وهذا يقتضي وصف القرآن بأنه حديث، والحديث فعيل بمعنى مفعول، فيلزم منه أن يكون القرآن محدثا. والجواب: مرادكم بالقرآن ليس إلا هذه العبارات، ونحن لا ننازع في كونها محدثة. المسألة الثالثة: الفقه: الفهم، يقال أوتى فلانا فقها، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «حديث : فقهه في التأويل»تفسير : أي فهمه.
القرطبي
تفسير : فيه أربع مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ} شرط ومجازاة، و «ما» زائدة وهذا الخطاب عام وإن كان المراد المنافقين أو ضَعَفة المؤمنين الذين قالوا: {لَوْلاۤ أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ} أي إلى أن نموت بآجالنا، وهو أشبه بالمنافقين كما ذكرنا، لقولهم لما أُصيب أهل أُحُد، قالوا: { أية : لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ } تفسير : [آل عمران: 156] فردّ الله عليهم {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} قاله ابن عباس في رواية أبي صالح عنه. وواحد البروج بُرْج، وهو البناء المرتفع والقصر العظيم. قال طَرَفة يصف ناقة: شعر : كأنها بُرْج رُومِيٍّ تكفّفها بانٍ بشيدٍ وآجُرٍّ وأحجار تفسير : وقرأ طلحة بن سليمان «يُدْرِكُكُم» برفع الكاف على إضمار الفاء، وهو قليل لم يأت إلا في الشعر نحو قوله: شعر : من يفعلِ الحسناتِ اللَّهُ يشكُرُها تفسير : أراد فالَّله يشكرها. واختلف العلماء وأهل التأويل في المراد بهذه البُرُوج، فقال الأكثر وهو الأصح: إنه أراد البروج في الحصون التي في الأرض المَبْنِيّة، لأنها غاية البَشَر في التحصُّن والمنعة، فمثّل الله لهم بها. وقال قتادة: في قصور محصَّنة. وقاله ابن جُريج والجمهور، ومنه قول عامر بن الطُّفيل للنبيّ صلى الله عليه وسلم: هل لك في حصن حصين ومَنَعة؟ وقال مجاهد: البروج القصور. ابن عباس: البروج الحصون والآطام والقلاع. ومعنى {مُّشِيَّدٍة} مطوَّلة، قاله الزجاج والقُتَبي. عِكرِمة: المزيّنة بالشِّيدِ وهو الجِص. قال قتادة: محصّنة. والمُشَيَّد والمَشِيد سواء، ومنه { أية : وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ } تفسير : [الحج: 45] والتشديد للتكثير. وقيل: المُشَيَّد المُطَوَّل، والمَشِيد المَطْليّ بالشّيد. يقال: شاد البنيان وأشاد بذكره. وقال السُّدِّي: المراد بالبروج بروج في السماء الدنيا مبنية. وحكى هذا القول مَكِّيّ عن مالك وأنه قال: ألا ترى إلى قوله تعالى: { أية : وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ } تفسير : [البروج: 1] و { أية : جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً } تفسير : [الفرقان: 61] { أية : وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي ٱلسَّمَاءِ بُرُوجاً } تفسير : [الحجر: 16]. وحكاه ٱبن العربيّ أيضاً عن ابن القاسم عن مالك. وحكى النقاش عن ابن عباس أنه قال: {فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} معناه في قصور من حديد. قال ابن عطية: وهذا لا يعطيه ظاهر اللفظ. الثانية ـ هذه الآية تردّ على القدرية في الآجال، لقوله تعالى: {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} فعرفهم بذلك أن الآجال متى انقضت فلا بد من مفارقة الروح الجسَد، كان ذلك بقتل أو موت أو غير ذلك مما أجرى الله العادة بزُهُوقها به. وقالت المعتزلة: إن المقتول لو لم يقتله القاتل لعاش. وقد تقدّم الردّ عليهم في «آل عمران» ويأتي؛ فوافقوا بقولهم هذا الكفارَ والمنافقين. الثالثة ـ اتخاذ البلاد وبنائها ليُمتنع بها في حفظ الأموال والنفوس، وهي سُنّة الله في عباده. وفي ذلك أدلّ دليل على ردّ قول من يقول؛ التوكُّلُ ترك الأسباب، فإن اتخاذ البلاد من أكبر الأسباب وأعظمها وقد أمرنا بها، واتخذها الأنبياء وحفروا حولها الخنادق عُدّة وزيادة في التمنع. وقد قيل للأحنف: ما حكمة السُّور؟ فقال ليردع السفيه حتى يأتي الحكيم فيحميه. الرابعة ـ وإذا تنزلنا على قول مالك والسُّدِّي في أنها بروج السماء، فبروج الفَلَك اثنا عشر بُرْجاً مشيّدة من الرفع، وهي الكواكب العظام. وقيل للكواكب بروج لظهورها، من بَرِج يَبْرَج إذا ظهر وٱرتفع؛ ومنه قوله: { أية : وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ } تفسير : [الأحزاب: 33]. وخلقها الله تعالى منازل للشمس والقمر وقدّره فيها، ورتّب الأزمنة عليها، وجعلها جنوبية وشمالية دليلاً على المصالح وعلَما على القِبلة، وطريقاً إلى تحصيل آناء الليل وآناء النهار لمعرفة أوقات التهجُّد وغير ذلك من أحوال المعاش. قوله تعالى: {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} أي إن يصب المنافقين خِصب قالوا: هذا من عند الله. {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} أي جَدْب ومحَلْ قالوا: هذا من عندك، أي أصابنا ذلك بشؤمك وشؤم أصحابك. وقيل: الحسنة السلامة والأمن، والسيئة الأمراض والخوف. وقيل: الحسنة الغنى، والسيئة الفقر. وقيل: الحسنة النعمة والفتح والغنيمة يوم بدر، والسيئة البلية والشدّة والقتل يوم أُحد. وقيل: الحسنة السراء، والسيئة الضراء. هذه أقوال المفسرين وعلماء التأويل ـ ابنِ عباس وغيره ـ في الآية. وأنها نزلت في اليهود والمنافقين، وذلك أنهم لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة عليهم قالوا: ما زلنا نعرف النقص في ثمارنا ومزارعنا مذْ قدم علينا هذا الرجل وأصحابه. قال ابن عباس: ومعنى {مِنْ عِندِكَ} أي بسوء تدبيرك. وقيل: {مِنْ عِندِكَ} بشؤمك، كما ذكرنا، أي بشؤمك الذي لَحِقنا، قالوه على جهة التطيُّر. قال الله تعالى: {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} أي الشدة والرخاء والظَّفَر والهزيمة من عند الله، أي بقضاء الله وقَدَره. {فَمَالِ هَـٰؤُلاۤءِ ٱلْقَوْمِ} يعني المنافقين {لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً} أي ما شأنهم لا يفقهون أنّ كلا من عند الله.
البيضاوي
تفسير : {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ} قرىء بالرفع على حذف الفاء كما في قوله: مَنْ يَفْعَلِ الحَسَناتِ الله يَشْكُرُهَا. أو على أنه كلام مبتدأ، وأينما متصل بـ {لاَ تُظْلَمُونَ}. {وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} في قصور أو حصون مرتفعة، والبروج في الأصل بيوت على أطراف القصور، من تبرجت المرأة إذا ظهرت. وقرىء مشيدة بكسر الياء وصفاً لها بوصف فاعلها كقولهم: قصيدة شاعرة، ومشيدة من شاد القصر إذا رفعه. {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ} كما تقع الحسنة والسيئة على الطاعة والمعصية يقعان على النعمة والبلية، وهما المراد في الآية أي: وإن تصبهم نعمة كخصب نسبوها إلى الله سبحانه وتعالى، وإن تصبهم بلية كقحط ضافوها إِليك وقالوا إن هي إلا بشؤمك كما قالت اليهود: منذ دخل محمد المدينة نقصت ثمارها وغلت أسعارها. {قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ ٱللَّهِ} أي يبسط ويقبض حسب إرادته. {فَمَالِ هَـؤُلاء ٱلْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً} يوعظون به، وهو القرآن فإنهم لو فهموه وتدبروا معانيه لعلموا أن الكل من عند الله سبحانه وتعالى، أو حديثاً ما كبهائم لا أفهام لها أو حادثاً من صروف الزمان فيفتكرون فيه فيعملون أن القابض والباسط هو الله سبحانه وتعالى.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ } حصون {مُّشَيَّدَةٍ } مرتفعة فلا تخشوا القتال خوف الموت {وَإِن تُصِبْهُمْ } أي اليهود {حَسَنَةٌ } خصب وسعة {يَقُولُواْ هَٰذِهِ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ } جدب وبلاء كما حصل لهم عند قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة {يَقُولُواْ هَٰذِهِ مِنْ عِندِكَ } يا محمد أي بشؤمك {قُلْ } لهم {كل} من الحسنة والسيئة {مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } من قبله {فَمَالِ هَؤُلاءِ ٱلْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ } أي لا يقاربون أن يفهموا {حَدِيثاً } يُلقى إليهم و «ما» استفهام تعجيب من فرط جهلهم ونفي مقاربة الفعل أشد من نفيه.
ابن عبد السلام
تفسير : {بُرُوجٍ} قصور في السماء معينة، أو القصور [أو] البيوت التي في الحصون، أخذ البروج من الظهور، تبرجت المرأة: أظهرت نفسها. {مًّشَيَّدَةٍ} مجصصة، والشيد: الجص، أو مطولة، شاد بناءه وأشاده رفعه، أشدت بذكر الرجل: رفعت منه، أو المشيد "بالتشديد" المطول، "وبالتخفيف" المجصص. {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنةٌ} أراد اليهود، أو المنافقين، والحسنة والسيئة: البؤس، والرخاء، أو الخصب والجدب، أو النصر والهزيمة. {مِنْ عِندِكَ} بسوء تدبيرك، أو قالوه على جهة التطير به، كقوله [تعالى] {أية : وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ} تفسير : [الأعراف:131].
ابن عادل
تفسير : لما حَكَى عنهم أنَّهم يَخْشَون النَّاسَ عند فَرْضِ القِتَالِ بَكَّتهمُ هَهُنَا؛ فقال: {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ} أي: لا خلاص لكُم من المَوْت، والجِهَاد مَوْتٌ يستعقبه سَعَادة أخْرَوِيَّة، فإذا كان لا بُدَّ من المَوْتِ، فبأن يَقَع على وَجْهٍ يستَعْقِب السَّعَادة الأبَدِيَّة، أوْلى من ألاَّ يكُون كَذَلِكَ. قوله: {أَيْنَمَا تَكُونُواْ}: "أين" اسْم شَرْط يجزم فِعْلَين، و"ما" زائدة على سَبِيل الجَوَازِ مؤكِّدة لها، و"أين" ظَرْف مَكَان، و"تكونوا" مَجْزومٌ بها، و"يدرككم": جوابُه. والجمهُور على جزمه؛ لأنه جواب الشرط، وطلحة بن سليمان: "يدركُكم" برفعه، فخرَّجه المُبَرِّد، على حَذْفِ الفَاءِ، أي: فيدرككم المَوْت. ومثلُه قول الآخر: [الرجز] شعر : 1831- يَا أقْرَعُ بْنَ حَابِسٍ يَا أقْرَعُ إنَّكَ إنْ يُصْرَعْ أخُوكَ تُصْرَعُ تفسير : وهذا تَخْرِيج المُبَرِّد، وسيبويه يَزْعم أنه ليْس بجَوَابٍ، إنَّما هو دالٌّ على الجَوَاب والنِّيةُ به التقديمُ. وفي البَيْت تَخْرِيجٌ آخر: وهو أنْ يكُون "يَصْرَعُ" المرفُوعُ خبراً لـ "إنك"، والشَّرطُ معترِضٌ بينهما، وجَوَابُه ما دَلَّ عليه قوله: "إنك تصرع"؛ كقوله: {أية : وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ} تفسير : [البقرة: 70] وخَرَّجه الزَّمخشري على التوهُّم؛ فإنه قال: ويجُوز أن يُقال: حُمِل على ما يَقَع مَوْقعَ "أينما تَكُونوا" وهو "أينما كُنْتُم" كما حُمِل على ما يقع موقع "ليسوا مصلحين" وهو "ليسوا بمصلحين" فرفع كما رفع زهير "ولا ناعب": [البسيط] شعر : 1832-................................ يَقُولُ لاَ غَائِبٌ مَالِي وَلاَ حَرِمُ تفسير : وهو قولُ نحويّ سِيبيّ، يعني منسوب لسيبويه، فكأنه قال: "أينما كنتم"، وفعلُ الشرط إذا كان ماضياً لفظاً جازَ في جوابه المضارعِ الرفعُ والجزمُ كقول زهير: [البسيط] شعر : 1833- وَإنْ أتَاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْألَةٍ يَقُولُ................................... تفسير : وفي رَفْعِهِ الوَجْهَان المَذْكُوران عن سيبويه والمُبرِّد. ورَدَّ عليه أبو حَيّان: بأن العطفَ على التوَهُّم لا يَنْقَاس؛ ولأنَّ قوله يؤدِّي إلى حَذْفِ جواب الشَّرْط، ولا يُحْذَفُ إلاَّ إذا كان فِعْل الشَّرْط ماضياً، لو قُلْت: "أنت ظَالمٌ إنْ تفعل" لم يَجُز. وهذا - كَمَا رَأيتَ - مضارعٌ، وفي هذا الردِّ نَظَرٌ لا يَخْفَى. "ولو كنتم" قالوا: هي بِمَعْنى: "إنْ" وجوابُها مَحْذُوف، أي: لأدْرَكَكُمْ، وذكر الزَّمَخْشري فيه قَوْلاً غَرِيباً عن عِنْدَ نَفْسِه، فقال: "ويجوزُ أن يَتَّصِل بقوله: {وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً} أي: لا تُنْقَصُون شيئاً مِمَّا كُتِب من آجَالِكُم أيْنَمَا تَكُونوا في مَلاَحمِ حُروبٍ أو غيرها، ثم ابتدأ بِقَوله: {يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ}، والوَقْفُ على هذا الوَجْه على {أَيْنَمَا تَكُونُواْ} انتهى. ورَدَّ عليه أبو حيَّان، فقال: هذا تَخْريجٌ ليس بِمُسْتَقيمٍ، لا من حيث المعنى ولا من حيث الصِّنَاعةِ النَّحوية: أمَّا من حَيْثُ المعنى: فإنه لا يُناسِبُ أن يكون مُتَّصلاً بقوله: {لاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً}؛ لأنَّ انتفاءَ الظُّلْم ظاهِراً إنما هو في الآخرة؛ لقوله - تعالى -: {قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ}. وأمَّا من حَيْث الصِّنَاعةُ النَّحويّة: فإنَّ ظاهر كلامه يَدُلُّ على أنَّ "أينما تكونوا" متعلِّقٌ بقوله: {وَلاَ تُظْلَمُونَ} بمعنى ما فسّره، وهذا لا يجُوزُ؛ لأن أسْمَاءَ الشَّرْط لها صَدْرُ الكَلاَم، فلا يَتَقَدَّم عَامِلُها عليها، فإنْ وَرَد مثلُ: "اضْربْ زيداً متى جَاءَ" قُدِّر له عَاملٌ يدلُّ عليه "اضرب" لا نفسُ "اضْرِب" المتقدِّم. فإن قيل: فكذلك يُقَدِّر الزَّمَخْشَرِيّ عاملاً يدلُّ عليه {وَلاَ تُظْلَمُونَ} تقديره: "أينما تكونوا فلا تظلمون" فحذف "فلا تظلمون"، لدلالةِ ما قبله عليه، فيخلُصُ من الإشْكَال المَذْكُور. قيل: لا يُمْكِن ذلك؛ لأنه حينئذ يُحذفُ جَواب الشَّرط وفعلُ الشرط مُضَارعٌ، وقد تقدم أنَّه لا يَكُون إلا ماضياً. وفي هذا الردِّ نظرٌ؛ لأنه أرادَ تَفْسِير المَعْنَى. قوله: ولا يناسب أن يكون مُتَّصِلاَ بقوله: {وَلاَ تُظْلَمُونَ} مَمْنُوعٌ، بل هُو مُنَاسِب، وقد أوضَحَهُ الزَّمَخْشَرِي بما تقدَّم أحْسَنَ إيضَاحٍ. والجُمْلَة الامتنَاعِيَّة في مَحَلِّ نصبٍ على الحَالِ، أي: أينما تَكُونوا من الأمكنة، يدركْكم المَوْت، ولو كانت حَالُكم أنَّكم في هذه البُرُوج، فيُفْهَمُ أن إدراكه لهم في غَيْرِها بطريق الأوْلى والأخْرى، وقريبٌ منه: "أعْطُوا السَّائِل ولو على فَرَسٍ". والجملةُ الشَّرطِيَّة تحتمل وَجْهَيْن: أحدهما: أنها لا مَحَلَّ لها من الإعراب؛ لأنها استِئْنَافُ إخبارٍ؛ اخبر - تعالى - أنَّه لا يفُوتُ الموتَ أحَدٌ، ومنه قولُ زُهَيْر: [الطويل] شعر : 1834- وَمَنْ هَابَ أسْبَابَ الْمَنَايَا يَنَلْنَهُ ولَوْ رَامَ أسْبَابَ السَّمَاءِ بِسُلَّمِ تفسير : والثَّاني: أنها في مَحَلِّ نَصبٍ بالقَوْل قَبْلَها أي: قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ، وقُلْ أيضاً: أينما تَكُونُوا. والجُمْهُور على "مشيدة" بفتح الياء اسم مَفْعُول. ونعيم بن ميْسَرة بِكَسْرِها، نسَبَ الفعلَ إليها مَجَازاً؛ كقولهم: "قَصِيدَةٌ شَاعِرَة"، والموْصُوفُ بذلك أهْلُها، وإنما عَدَلَ إلى ذلك مُبَالغةً في الوَصْفِ. والبُرُوج: الحُصُونُ مَأخُوذةٌ من "التَّبرُّج" وهو الإظْهَارُ، ومنه: {غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتِ بِزِينَةٍ}، والبَرَجُ في العين: سَعَتُها، ومنه قولُ ذي الرُّمَّة: [البسيط] شعر : 1835- بَيْضَاءُ فِي بَرَجٍ صَفْرَاءُ فِي غَنَجٍ كَأنَّهَا فِضَّةٌ قَدْ مَسَّهَا ذَهَبُ تفسير : وقولُهُم: "ثَوْبٌ مُبَرَّجٌ" أي: عليه صُورُ البُرُوج؛ كقولهم: "مِرْطٌ مُرَجَّل" أي: عليه صُورُ الرِّجَال، يروى بالجيم والحاء، والمشيَّدة: المَصْنُوعة بالشِّيدِ؛ وهو الجِصُّ، ويقال: "شَادَ البِنَاء وشيَّدَهُ" كَرَّر العَيْن للتَّكْثِير؛ ومن مجيء "شاد" قولُ الأسود: [الخفيف] شعر : 1836- شَادَهُ مَرْمَراً وجَلَّلَهُ كِلْـ ـسَاً فَِلِلطَّيْرِ فِي ذَرَاهُ وُكُورُ تفسير : ويقال: "أشاد" أيْضاً، فيكون فَعَل وأفْعَل بِمَعْنًى. قال الزَّمَخْشَرِيُّ: شاد القَصْرَ إذا رَفَعَهُ أو طَلاَه بالشِّيد، وهو الجِصُّ وهذا قَوْل عِكْرمَة، وقال قتادة [مَعْنَاه:] في قُصُورٍ محصَّنةٍ، وقال السُّدِّيُّ في بُرُوجِ في سَماءِ الدُّنْيَا مَبْنِيَّة، وهي بُرُوج الفلك الاثْنَي عشر، وهذا القَوْل مَحْكِيٌّ عن مَالِك، ومعنى مشيدة، [أي] مادّة من الرَّفْع؛ وهي الكَوَاكِبُ العِظَام. وقيل: للكَواكِب: بُرُوجٌ، لظُهُورِها من بَرِجَ يَبْرِج إذا ظَهَر وارْتَفَع، ومِنْهُ: {أية : وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ}تفسير : [الأحزاب:33]. وخلقها اللَّه - تعالى - في مَنَازِل للشَّمْس والقَمَر، وقدّرَه فِيهَا، ورتَّب الأزمِنَة عَلَيْهَا. قوله: {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} نزلت في المُنَافِقينَ واليَهُود؛ وذلك أنَّهم قَالُوا لما قَدِم رسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم المدِينَةَ: ما زلنا نَعْرِف النَّقْصَ في ثِمَارِنَا ومَزَارِعِنَا مذ قِدَم هَذا الرَّجُل وأصْحَابهُ. قال اللَّه - تعالى - "وإن تصبهم" يعني: اليهود "حسنة" أي: خصب ورُخص في السِّعْر، {يقولوا هذه من عند الله} لنا {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} يعني: الجَدْب وغَلاَء الأسْعَار، "يقولوا هذه من عندك" أي: من شُؤْم محمَّدٍ وأصْحَابه، وكَيْفِيَّة النَّظم: أنَّه - تعالى - لما حَكَى [عنهم] كونهم [متثاقلين عن الجهاد خائفين من الموت راغبين في متاع الدنيا، حكى عنهم] في هَذِه الآية خَصْلَة أخْرَى أقبَح من الأُولى. وفي النَّظْم وَجْه آخَر؛ وهو أنَّ الخَائِفِين من المَوْت، المُتَثَاقِلِين في الجِهَادِ من عَادَتهِم أنَّهم إذا جَاهَدُوا وقَاتَلُوا، فإن أصَابُوا ظَفَراً أو غَنِيمةً، قالوا: هَذِه من عِنْد اللَّه، وإن أصَابَهُم مَكْرُوه، قالوا: هذه من شُؤْمِ مُصَاحَبة محمَّد صلى الله عليه وسلم. فعلى هذا يكُون المُرَادُ بـ "الحسنة": الظفر والغَنِيمَة يوم بَدْر، وبـ "السيئة": القَتْل والهَزِيمة يوم أُحُد، وهذا نَظير قَوله: {أية : فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ} تفسير : [الأعراف: 131]. قال القاضي: القول بأن الحَسَنَة هي الخصب، وأن السَّيِّئَة هي الغلاء، [هذا] هو المعتبر، لأن إضافة الخصب والغلاء وكثرة النِّعم وقلَّتِها إلى اللَّه جَائِزَةٌ وأمَّا إضافة النَّصْر والهزيمَةِ إلى اللَّه - تعالى -، فغير جَائِزة، [لأن السَّيئة إذا كانت بِمَعْنَى الهَزِيمَة والقَتْل، لم يَجز إضَافَتُها إلى اللَّه - تعالى -، وهَذَا على مَذْهَبِه] أمَّا على مَذْهَب أهْل السُّنَّة، فالكل بِقَضَاءِ الله وقدَرِه. فصل في تفسير الحسنة والسيئة اعلم أن السَّيِّئَة تَقَع على البَلِيَّة والمَعْصِيَة، والحَسَنة على النِّعْمَة والطَّاعَة؛ قال تعالى: {أية : وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} تفسير : [الأعراف: 168] وقال - تعالى -: {أية : إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ} تفسير : [هود: 114]، وإذا ثبت هذا؛ فنقول: قَوْله: {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ}، وقوله: {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} يفيد العُمُوم في كُلِّ الحَسَنَات والسَّيِّئات، ثم قال بَعْدَه: {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ}. فهُنَا تصريحٌ بأنَّ جميع الحَسَنات والسَّيِّئات من اللَّه - تعالى -، ولمَّا ثَبَتَ بما ذكرنا أنَّ الطَّاعات والمَعَاصِي دَاخِلَتَانِ تحت اسْم الحَسَنَةِ والسَّيِّئَة، كانت [الآية] دالَّة على [أنَّ] جميعَ الطَّاعاتِ والمَعَاصي من اللَّه تعالى، وهو المَطْلُوبُ. [فإن قيل]: المرادُ من الحَسَنة والسَّيِّئَة هُنا: لَيْس هو الطَّاعَة والمَعْصِيَة؛ لاتِّفَاق الكُلِّ على أنَّ هذه الآية نَزَلت في الخَصب والجَدْب، فاخْتُصَّتْ بِهِمَا، وأيضاً فالحَسَنة التَّي يُرَاد بها الخَيْر والطَّاعَة [لا يقال فيها: أصابَتْنِي، إنما يُقَال: أصَبْتُها، وليس في كَلاَم العَرَب أصَابَ فُلان حَسَنَة]، [بمعنى: عَمَل خَيْرٍ أو أصَابَتْهُ سيِّئَة] بمعنى: عمل مَعْصِيَةٍ، فلو كان المُرَاد ما ذَكَرْتُم، لقَالَ: إن أصَبْتُم حَسَنَةً. وأيضاً: لفظ الحَسَنَة وَاقِعٌ بالاشْتِرَاك على الطَّاعَةِ وعلى المنفعة، وهَهُنا أجْمَع المفسِّرون على أنَّ المَنْفَعَة مُرَادة، [فيمتنع كَوْن الطَّاعَة مرادة]، لأنَّه لا يجوز اسْتِعْمَال المُشْتَرَك في مَفْهُومَيْه مَعاً. والجواب عن الأوَّل: [أن] خصوصَ السَّبَب لا يَقْدَحُ في عُمُوم اللَّفْظ. وعن الثَّانِي: أنه يَصِحُّ أن يُقَال: أصَابَنِي تَوْفِيقٌ من اللَّه، وَعَوْن من اللَّه، وأصابه خُذْلاَنَ من اللَّه، ويكون المُراد [من ذلك التَّوفِيق والعَوْن: تلك الطَّاعة، ومن الخُذْلان: تلك المَعْصِيَة. وعن الثَّالث: أن كل] ما كَانَ مُنْتَفَعاً به فهو حَسَنة، فإن كان نَفْعه في الآخِرَة، فهو في الطَّاعةِ، وإن كان نفعه في الدُّنْيا فهو السَّعَادة الحَاضِرة، فاسْم الحَسَنَة بالنِّسْبَة إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْن مُتَوَاطئُ الاشْتِرَاك، فزال السُّؤال، ويؤيد ذَلِك: أن البَدِيهَة قَاطِعَةٌ بأنَّ كل مَوْجُود مُمْكِنٌ لِذَاته، مستندٌ للحقِّ بذاته وهُوَ اللَّه - تعالى -، فلو استَغْنَى المُمْكن بذَاتِهِ [عن الحَقِّ]، لزم نَفْيَ الصَّانع، وهذا الحُكْمُ لا يخْتَلِفُ كَيْف كان المُمْكِن؛ حيواناً، أو جماداً، أو فعلاً، أو صِفَةً، وهذا بُرْهَانٌ كالشَّمْس، مُصَرِّح بأن الكُلَّ من عِنْد اللَّه؛ كما قال - تعالى -: {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ}. قوله: {فَمَا لِهَـٰؤُلاۤءِ ٱلْقَوْمِ} وقف أبو عمرو والكسائِي - بخلاف عَنْه - على "مَا" في قوله: "فما لهؤلاء" وفي قوله: {أية : مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ} تفسير : [الفرقان: 7] وفي قوله: {أية : مَا لِهَـٰذَا ٱلْكِتَابِ} تفسير : [الكهف: 49] وفي قوله: {أية : فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ} تفسير : [المعارج: 36]. والبَاقُون: على اللام التي للجَرِّ دون مَجْرُورها اتِّباعاً للرَّسم، وهذا ينبغي إلاّ يَجُوز - أعني: الوَقْفَيْن - لأنَّ الأوَّل يُوقَف فيه على المُبْتَدأ دونَ خَبرِه، والثاني يُوقَف فيه على حَرْفِ الجَرِّ دونَ مَجْرُورِه، وإنما يجُوزُ ذلك؛ لضَرُورةِ قَطْعِ النَّفْسِ أو ابْتِلاءٍ. قال الفرَّاء: كثرت في الكَلاَم هذه الكَلِمَة، حتى تَوهَّمُوا أنَّ اللاَّم متصلة بِهَا، وأنَّهُمَا حَرْف وَاحِدٌ، ففصَلُوا اللاَّمَ بما بَعْدَها في بَعْضِه، وَوَصَلُوها في بَعْضِه، والقراءة الاتِّصَالُ، ولا يجُوزُ الوَقْفُ على اللامِ؛ لأنَّها لامٌ خافضة. لمَّا دلَّ الدَّلِيل على أنَّ كلَّ ما سِوَى اللَّه مستنِدٌ إلى اللَّه، وكان ذَلِكَ الدَّلِيل في غاية الظُّهُور، قال - تعالى -: {فَمَا لِهَـٰؤُلاۤءِ ٱلْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً} وهذا يَجْرِي مُجْرَى التَّعَجُّبِ؛ لعدم وُقُوفِهم على صِحَّةِ هَذَا الكَلاَمِ مع ظُهُورِهِ. قالت المُعْتَزلَةُ: هذه الآيَة تدلُّ على صِحَّة قَوْلِنا؛ لأنه لو كَان حُصُول الفَهْمِ والمعرفة بِتَخْلِيق اللَّه - تعالى -، لم يَبْق لِهذا التَّعَجُّب مَعْنًى ألْبَتَّة؛ لأن السَّبَب في عَدَمِ حُصُول هذه المَعْرِفة، هو أن اللَّه - تعالى - لم يَخْلُق ذلك فِيهم. وهذا تمسُّكٌ بطريقة المَدْح والذَّمِّ؛ وهي معارَضَةٌ بالعِلْمِ والدَّاعي. والمراد بـ "هؤلاء القوم": المنافقون واليَهُود، "لا يكادون يفقهون حديثاً" أي: قَوْلاً. وقيلأ: الحديث هاهنا: القُرْآن: أي: لا يَفْقَهُون مَعَانِي القُرْآن، والفِقْه: الفَهْم، يُقَال: فَقِهَ بكسر القَافِ؛ إذا فَهِم، وفَقَهَ بِفَتْحِ القَافِ: إذا غَلَب غَيْرَه، وفَقْه بِضَمِّ القَافِ، ومنه ما قال عليه السَّلام لابن عبَّاس "حديث : اللَّهُمَّ فَقِّههُ في التَّأوِيل" تفسير : أي: فَهِّمْهُ تأويلَهُ، فعلى هَذَا التَّأوِيل قالت المُعْتَزِلَةُ: هذه الآية تَقْتَضِي وَصْف القُرْآنِ بأنَّهُ حَادِثٌ، والحَدِيث: فعيل بِمَعْنَى مَفْعُول، فيلزم مِنْه أن يَكُون القُرْآن مُحْدَثاً. والجَوَابُ: إن كان مُرادُكم بالقرْآنِ هذه العِبَارات، فَنَحْنُ نُسَلِّم كَوْنَها مُحْدَثَةً.
البقاعي
تفسير : ولما زهدهم في دار المتاعب والأكدار على تقدير طول البقاء، وكانوا كأنهم يرجون بترك القتال الخلود، أو تأخير موت يسببه القتال؛ نبههم على ما يتحققون من أن المنية منهل لا بد من وروده في الوقت الذي قدر له وإن امتنع الإنسان منه في الحصون، أو رمى نفسه في المتألف, فقال تعالى - مبكتاً من قال ذلك، مؤكداً بما النافية لنقيض ما تضمنه الكلام لأن حالهم حال من ينكر الموت بغير القتال، مجيباً بحاق الجواب بعد ما أورد الجواب الأول على سبيل التنزل -: {أينما تكونوا} أيها الناس كلكم مطيعكم وعاصيكم {يدرككم الموت} أي فإنه طالب، لا يفوته هارب {ولو كنتم في بروج} أي حصون برج داخل برج، أو كل واحد منكم في برج. ولما كان ذلك جمعاً ناسب التشديد المراد به الكثرة في {مشيّدة} أي مطولة، كل واحد منها شاهق في الهواء منيع، وهو مع ذلك مطلي بالشيد أي بالجص، فلا خلل فيه أصلاً، ويجوز أن يراد بالتشيد مجرد الإتقان، يعني أنها مبالغ في تحصينها - لأن السياق أيضاً يقتضيه، فإذا كان لا بد من الموت فلأن يكون في الجهاد الذي يستعقب السعادة الأبدية أولى من أن يكون في غيره. ثم عطف ما بقي من أقوالهم على ما سلف منها في قوله: {أية : ربنا لم كتبت}تفسير : [النساء: 77] إلى آخره وإن كان هذا الناس منهم غير الأولين، ويجوز أن يقال: إنه لما أخبر أن الحذر لا يغني من القدر أتبع ذلك حالاً لهم مبكتاً به لمن توانى في أمره، مؤذناً بالالتفات إلى الغيبة إعراضاً عن خطابهم ببعض غضب، لأنهم جمعوا إلى الإخلال بتعظيمهم لله تعالى الإخلال بالأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أرسله ليطاع بإذن الله فقال: {وإن} أي قالوا ذلك والحال أنه إن {تصبهم} أي بعض المدعوّين من الأمة، وهم من كان في قلبه مرض {حسنة} أي شيء يعجبهم، ويحسن وقعه عندهم من أي شيء كان {يقولوا هذه من عند الله} أي الذي له الأمر كله، لا دخل لك فيها {وإن تصبهم سيئة} أي حالة تسوءهم من أي جهة كانت {يقولوا هذه من عندك} أي من جهة حلولك في هذا البلد تطيراً بك. ولما كان هذا أمراً فادحاً، وللفؤاد محرقاً وقادحاً، سهل عليه بقوله: {قل كل} أي من السيئة والحسنة في الحقيقة دنيوية كانت أو أخروية {من عند الله} أي الذي له كل شيء، ولا شيء لغيره، وذلك كما قالوا لما مات أبو أمامة أسعد بن زرارة نقيب بني النجار رضي الله تعالى عنه عندما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم - كما في السيرة -: "حديث : بئس الميت أبو أمامة ليهود ومنافقي العرب! يقولون: لو كان نبياً لم يمت صاحبه، ولا أملك لنفسي ولا لصاحبي من الله شيئاً ". تفسير : ولما تسبب عن هذا معرفة أنهم أخطؤوا في ذلك، فاستحقوا الإنكار قال منكراً عليهم: {فما} وحقرهم بقوله: {لهؤلاء} وكأنه قال: {القوم} الذي هو دال على القيام والكفاية، إما تهكماً بهم، وإما نسبة لهم إلى قوة الأبدان وضعف المكان {لا يكادون يفقهون} لا يقربون من أن يفهموا {حديثاً *} أي يلقي إليهم أصلاً فهما جيداً. ولما أجابهم بما هو الحق إيجاداً علمهم ما هو الأدب لماحظة السبب فقال مستأنفاً: {ما أصابك من حسنة} اي نعمة دنيوية أو أخروية {فمن الله} أي إيجاداً وفضلاً، والإيمان أحسن الحسنات، قال الإمام: إنهم يقولون: إنهم اتفقوا على أن قوله {أية : ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله}تفسير : [فصلت: 33] المراد به كلمة الشهادة {وما أصابك} وأنت خير الخلق {من سيئة} أي بلاء {فمن نفسك} أي بسببها فغيرك بطريق الأولى. ولما اقتضى قولهم إنكار رسالته صلى الله عليه وسلم إلا أن فعل كل خارق، وأخبر سبحانه وتعالى بأنه مستو مع الخلق في القدرة قال سبحانه وتعالى مخبراً بما اختصه به عنهم: {وأرسلناك} أي مختصين لك بعظمتنا {للناس} أي كافة {رسولاً} أي تفعل ما على الرسل من البلاغ ونحوه، وقد اجتهدت في البلاغ والنصيحة، ولم نجعلك إلهاً تأتي بما يطلب منك من خير وشر، فإن أنكروا رسالتك فالله يشهد بنصب المعجزات والآيات البينات {وكفى بالله} المحيط علماً وقدرة {شهيداً *} لك بالرسالة والبلاغ. ولما نفى عللهم في التخلف عن طاعته إلى أن ختم بالشهادة برسالته؛ قال مرغباً مرهباً على وجه عام يسكن قلبه، ويخفف من دوام عصيانهم له، دالاً على عصمته في جميع حركاته وسكناته: {من يطع الرسول} أي كما هو مقتضى حاله {فقد أطاع الله} الملك الأعظم الذي لا كفوء له، لأنه داع إليه، وهو لا ينطق عن الهوى، إنما يخبر بما يوحيه إليه {ومن تولى} أي عن طاعته. ولما كان التقدير: فإنما عصى الله. والله سبحانه وتعالى عالم به وقادر عليه، فلو راد لرده ولو شاء لأهلكه بطغيانه، فاتركه وذاك! عبر عن ذلك كله بقوله: {فما أرسلناك} أي بعظمتنا {عليهم حفيظاً} إنما أرسلناك داعياً. ولما كان من شأن الرسول صلى الله عليه وسلم أن يحفظ من أطاعه ومن عصاه ليبلغ ذلك من أرسله، وكان سبحانه وتعالى قد أشار له إلى الإعراض عن ذلك، لكونه لا يحيط بذلك علماً وإن اجتهد؛ شرع يخبره ببعض ما يخفونه فقال حاكياً لبعض أقوالهم مبيناً لنفاقهم فيه وخداعهم {ويقولون} أي إذا أمرتهم بشيء من أمرنا وهم بحضرتك {طاعة} أي كل طاعة منا لك دائماً، نحن ثابتون على ذلك، والتنكير للتعظيم بالتعميم {فإذا برزوا} أي خرجوا {من عندك بيَّت طائفة} هم في غاية التمرد {منهم} أي قدرت وزورت على غاية من التقدير والتحرير مع الاستدارة والتقابل كفعل من يدبر الأمور ويحكمها ويتقنها ليلاً {غير الذي تقول} أي تجدد قوله لك في كل حين من الطاعة التي أظهروها أو غير قولك الذي بلغته لهم، وأدغم أبو عمرو وحمزة التاء بعد تسكينها استثقالاً لتوالي الحركات في الطاء لقرب المخرجين، والطاء تزيد بالإطباق، فحسن إدغام الأنقص في الأزيد؛ وأظهر الباقون، والإدغام أوفق لحالهم، والإظهار أوفق لما فصح من محالهم. ولما كان الإنسان من عادته إثبات الأمور التي يريد تخليدها بالكتابة أجرى الأمر على ذلك فقال: {والله} أي والحال أن الملك المستجمع لصفات الكمال {يكتب ما يبيتون} أي يجددون تبييته كلما فعلوه، وهو غني عنه ولكن ذلك ليقربهم إياه يوم يقوم الأشهاد، ويقيم به الحجة عليهم على ما جرت به عاداتهم، أو يوحى به إليك فيفضحهم بكتابته وتلاوته مدى الدهر، فلا يظنوا أن تبييتهم يغنيهم شيئاً. ولما تسبب عن ذلك كفايته صلى الله عليه وسلم هذا المهم قال: {فأعرض عنهم} أي فإنهم بذلك لا يضرون إلا أنفسهم {وتوكل} أي في شأنهم وغيره {على الله} أي الذي لا يخرج شيء عن مراده {وكفى بالله} أي المحيط علماً وقدرة {وكيلاً *} فستنظر كيف تكون العاقبة في أمرك وأمرهم.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله {أينما تكونوا...} قال: من الأرض. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة {ولو كنتم في بروج مشيدة} يقول: في قصور محصنة. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة {في بروج مشيدة} قال: المجصصة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي {في بروج مشيدة} قال: هي قصور بيض في سماء الدنيا مبنية. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية {في بروج مشيدة} قال: قصور في السماء. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سفيان في الآية قال: يرون أن هذه البروج في السماء. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية عن مجاهد قال: كان قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم امرأة، وكان لها أجير فولدت المرأة فقالت لأجيرها: انطلق فاقتبس لي ناراً، فانطلق الأجير فإذا هو برجلين قائمين على الباب! فقال أحدهما لصاحبه: وما ولدت؟ فقال: ولدت جارية. فقال أحدهما لصاحبه: لا تموت هذه الجارية حتى تزني بمائة ويتزوّجها الأجير، ويكون موتها بعنكبوت. فقال الأجير: أما والله لأكذبن حديثهما، فرمى بما في يده وأخذ السكين فشحذها وقال: ألا تراني أتزوجها بعدما تزني بمائة، ففرى كبدها ورمى بالسكين وظن أنه قد قتلها، فصاحت الصبية، فقامت أمها فرأت بطنها قد شق فخاطته وداوته حتى برئت. وركب الأجير رأسه فلبس ما شاء الله أن يلبث، وأصاب الأجير مالاً، فأراد أن يطلع أرضه فينظر من مات منهم ومن بقي، فأقبل حتى نزل على عجوز وقال للعجوز: أبغي لي أحسن امرأة في البلد أصيب منها وأعطيها، فانطلقت العجوز إلى تلك المرأة، وهي أحسن جارية في البلد، فدعتها إلى الرجل وقالت: تصيبين منه معروفاً؟ فأبت عليها وقالت: إنه قد كان ذاك مني فيما مضى، فأما اليوم فقد بدا لي أن لا أفعل. فرجعت إلى الرجل فأخبرته فقال: فاخطبيها لي. فخطبها وتزوّجها فأعجب بها. فلما أنس إليها حدثها حديثه فقالت: والله لئن كنت صادقاً لقد حدثتني أمي حديثك، وإني لتلك الجارية. قال: أنتِ؟! قالت: أنا... قال: والله لئن كنتِ أنتِ إن بكِ لعلامة لا تخفى. فكشف بطنها، فإذا هو بأثر السكين فقال: صدقني والله الرجلان، والله لقد زنيت بمائة، وإني أنا الأجير، وقد تزوّجتك ولتكونن الثالثة، وليكونن موتك بعنكبوت. فقالت: والله لقد كان ذاك مني، ولكن لا أدري مائة أو أقل أو أكثر. فقال: والله ما نقص واحداً ولا زاد واحداً، ثم انطلق إلى ناحية القرية، فبنى فيه مخافة العنكبوت، فلبث ما شاء الله أن يلبث، حتى إذا جاء الأجل، ذهب ينظر فإذا هو بعنكبوت في سقف البيت وهي إلى جانبه فقال: والله إني لأرى العنكبوت في سقف البيت. فقالت: هذه التي تزعمون أنها تقتلني، والله لأقتلنها قبل أن تقتلني. فقام الرجل فزاولها وألقاها فقالت: والله لا يقتلها أحد غيري، فوضعت أصبعها عليها فشدختها، فطار السم حتى وقع بين الظفر واللحم، فاسودت رجلها فماتت، وأنزل الله على نبيه حين بعث {أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة} . وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة في قوله {وإن تصبهم حسنة} يقول: {وإن تصبهم سيئة} قال: مصيبة {قل كل من عند الله} قال: النعم والمصائب. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي العالية {وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك} قال: هذه في السراء والضراء. وفي قوله {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} قال: هذه في الحسنات والسيئات. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله {وإن تصبهم حسنة...} الآية. قال: إن هذه الآيات نزلت في شأن الحرب {قل كل من عند الله} قال: النصر والهزيمة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله {قل كل من عند الله} يقول: الحسنة والسيئة من عند الله، أما الحسنة فأنعم بها عليك، وأما السيئة فابتلاك الله بها. وفي قوله {ما أصابك من حسنة فمن الله} قال: ما فتح الله عليه يوم بدر وما أصاب من الغنيمة والفتح {وما أصابك من سيئة} قال: ما أصابه يوم أحد أن شج في وجهه وكسرت رباعيته. وأخرج ابن أبي حاتم عن مطرف بن عبد الله قال: ما تريدون من القدر ما يكفيكم، الآية التي في سورة النساء {وإن تصبهم حسنة..} الآية. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عطية العوفي عن ابن عباس في قوله {وما أصابك من سيئة فمن نفسك} قال: هذا يوم أحد يقول: ما كانت من نكبة فبذنبك وأنا قدرت ذلك عليك. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح {وما أصابك من سيئة فمن نفسك} وأنا قدرتها عليك. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة {وما أصابك من سيئة فمن نفسك} قال: عقوبة بذنبك يا ابن آدم. قال: وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "حديث : لا يصيب رجلاً خدش عود، ولا عثرة قدم، ولا اختلاج عرق، إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله {وما أصابك من سيئة فمن نفسك} قال: بذنبك كما قال لأهل أحد {أية : أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم} تفسير : [آل عمران: 165] بذنوبكم. وأخرج ابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف عن مجاهد قال: هي في قراءة أبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود "ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأنا كتبتها عليك". وأخرج ابن المنذر من طريق مجاهد. أن ابن عباس كان يقرأ "وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأنا كتبتها عليك" قال مجاهد: وكذلك في قراءة أبي وابن مسعود.
ابو السعود
تفسير : {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ} كلامٌ مبتدأٌ مَسوقٌ من قِبَله تعالى بطريق تلوينِ الخطابِ وصرفِه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المخاطَبـين اعتناءً بإلزامهم إثرَ بـيانِ حقارةِ الدنيا وعلوِّ شأنِ الآخرةِ بواسطته عليه الصلاة والسلام فلا محلَّ له من الإعراب أو في محل النصبِ داخلٌ تحت القولِ المأمورِ به أي أينما تكونوا في الحضَر والسفرِ يدركْكم الموتُ الذي لأجله تكرهون القتالَ زعماً منكم أنه من مظانِّه وتُحبُّون القعودَ عنه على زعم أن مَنْجاةٌ منه، وفي لفظ الإدراكِ إشعارٌ بأنهم في الهرب من الموت وهو مُجِدٌّ في طلبهم، وقرىء بالرفع على حذف الفاءِ كما في قوله: [البسيط] شعر : [لا يذهب العرف عند الله والناس] من يفعلِ الحسناتِ الله يُشكرُها تفسير : أو على اعتبار وقوعِ أينما كنتم في موقع أينما تكونوا أو على أنه كلامٌ مبتدأٌ، وأينما تكونوا متصلٌ بلا تظلمون أي لا تُنقَصون شيئاً مما كتب من آجالكم أينما تكونوا في ملاحم الحروبِ ومعاركِ الخطوب. {وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} في حصون رفيعةٍ أو قصور مُحصَّنة، وقال السدي وقتادة: بروجُ السماء، يقال: شادَ البناء وشيّده رفعه، وقرىء مُشيِّدةٍ بكسر الياءِ وصفاً لها بفعل فاعلها مجازاً كما في قصيدةٌ شاعرةٌ، ومَشِيدةٍ من شاد القصرَ إذا رفعه أو طلاه بالشِّيدِ وهو الجِصُّ، وجوابُ لو محذوفٌ اعتماداً على دِلالة ما قبله عليه أي لو كنتم في بروج مشيدةٍ يدرككم الموتُ، والجملةُ معطوفةٌ على أخرى مثلِها، أي لو لم تكونوا في بروج مشيدةٍ ولو كنتم الخ، وقد اطَّرد حذفُها لدِلالة المذكورِ عليها دِلالةً واضحةً، فإن الشيءَ إذا تحقق عند وجودِ المانعِ فلأَنْ يتحقَّقَ عند عدمِه أولى، وعلى هذه النكتةِ يدورُ ما في لو الوصليةِ من التأكيد والمبالغةِ وقد مر تحقيقُه في تفسير قوله تعالى: {أية : أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يَهْتَدُون} تفسير : [البقرة، الآية 170] {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} كلامٌ مبتدأٌ جيء به عَقيبَ ما حُكي عن المسلمين لِمَا بـينهما من المناسبة في اشتمالهما على إسناد ما يكرَهونه إلى بعض الأمورِ وكراهتِهم له بسبب ذلك، والضميرُ لليهود والمنافقين، روي أنه كان قد بُسط عليهم الرزقُ فلما قدِم النبـيُّ صلى الله عليه وسلم المدينةَ فدعاهم إلى الإيمان فكفروا أُمسِك عنهم بعضَ الإمساكِ فقالوا: ما زلنا نعرِف النقصَ في ثمارنا ومَزارِعنا منذ قدِمَ هذا الرجلُ وأصحابُه وذلك قوله تعالى: {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ} أي وإن تصبْهم نِعمةٌ ورخاءٌ نسبوها إلى الله تعالى وإن تصبْهم بليةٌ من جَدْب وغلاءٍ أضافوها إليك كما حُكي عن أسلافهم بقوله تعالى: {أية : وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ}تفسير : [الأعراف، الآية 131] فأُمر النبـيُّ عليه الصلاة والسلام بأن يرُدَّ زعمَهم الباطلَ ويُرشِدَهم إلى الحق ويُلقِمَهم حجَراً ببـيان إسنادِ الكلِّ إليه تعالى على الإجمال إذ لا يجترئون على معارضة أمر الله عز وجل حيث قيل: {قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ ٱللَّهِ} أي كلُّ واحدةٍ من النعمة والبليةِ من جهة الله تعالى خلقاً وإيجاداً من غير أن يكون لي مَدخَلٌ في قوع شيءٍ منهما بوجه من الوجوه كما تزعُمون، بل وقوعُ الأوُلى منه تعالى بالذات تفضلاً ووقوعُ الثانية بواسطة ذنوبِ من ابتُليَ بها عقوبةً كما سيأتي بـيانُه فهذا الجوابُ المُجملُ في معنى ما قيل رداً على أسلافهم من قوله تعالى: {أية : أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ }تفسير : [الأعراف، الآية 131] أي إنما سببُ خيرِهم وشرِّهم أو سببُ إصابةِ السيئةِ التي هي ذنوبُهم عند الله تعالى لا عند غيرِه حتى يسندوها إليه ويَطّيّروا به، وقوله تعالى: {فَمَالِ هَـؤُلاء ٱلْقَوْمِ} الخ، كلام معترضٌ بـين المُبـينِ وبـيانِه مَسوقٌ من جهته تعالى لتعيـيرهم بالجهل وتقبـيحِ حالِهم والتعجيبِ من كمال غباوتِهم، والفاءُ لترتيبه على ما قبله، وقولُه تعالى: {لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً} حالٌ من هؤلاء والعاملُ فيها ما في الظروف من معنى الاستقرارِ، أي وحيث كان الأمرُ كذلك فأيُّ شيءٍ حصل لهم حالَ كونِهم بمعزل من أن يفقَهوا حديثاً؟ أو استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ من الاستفهام كأنه قيل: ما بالُهم وماذا يصنعون حتى يُتعجّبَ منه أو يُسألَ عن سببه؟ فقيل: لا يكادون يفقهون حديثاً من الأحاديث أصلاً فيقولون ما يقولون، إذ لو فقِهوا شيئاً من ذلك لفهموا هذا النصَّ وما في معناه وما هو أوضحُ منه من النصوص القرآنية الناطقةِ بأن الكلَّ فائضٌ من عند الله تعالى وأن النعمةَ منه تعالى بطريق التفضلِ والإحسانِ، والبليةَ بطريق العقوبةِ على ذنوب العبادِ لا سيما النصُّ الواردُ عليهم في صحف موسى {أية : وَإِبْرٰهِيمَ ٱلَّذِى وَفَّىٰ * أَلاَّ تَزِرُ وٰزِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } تفسير : [النجم، الآية 37 و38] ولم يُسنِدوا جنايةَ أنفسِهم إلى غيرهم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} [الآية: 78]. سمعت النصرآباذى يقول: الكل منه ومن عنده، ولكن لا يطيب ما منه ومن عنده إلا بما به وبماله.
القشيري
تفسير : الموت فرح للمؤمن، فالخبرُ عن قرْبه بِشارةٌ له، لأنه سببٌ يوصله إلى الحق، ومن أحبَّ لقاء الله أحبَّ اللهُ لقاءه. ويقال إذا كان الموت لا بد منه فالاستسلام لحكمه طوعاً خيرٌ من أن يحمل كرهاً. ثم أخبر أنهم - لضَعْفِ بصائرهم ومرض عقائدهم - إذا أصابتهم حَسَنَةٌ فَرِحُوا بها، وأظهروا الشكر، وإن أصابتهم سيئة لم يهتدوا إلى الله فجرى فيهم العرْقُ المجوسي فأضافوه إلى المخلوق، فَرَدَّ عليهم وقال: قل لهم يا محمد كلُّ من عند الله خلقاً وإبداعاً، وإنشاء واختراعاً، وتقديراً وتيسيراً.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} ظاهره تخويف للمخالفين وباطنه ترجيه للمشتاقين اى لا تخوفوا ايها المشتاقون الى لقائى فان أتيكم باحسن ما تظنون بى فاريحكم من سجن الدنيا واوصلكم الى مجلس وصلتى اينما كنتم فانا معكم فاذا معكم فاذا حان وقت القربة اسلبكم من ايدى المنايا وموتكم خروج ارواحكم بظهور مشاهدة كحجر المقناطيس حيث يظهر يحذب الحديد اليه وفيه اشارة الى لو طرتم بجناح الروحانية فوق الملكوت ليكون اجسامكم كرواحكم يدرككم سطوات عظمتى ما نزل ارواحكم من اجسامكم لان الاجسام الترابية لا تقوم بازاء كشف عظمتى الا بترتبى اياها فى مواقف العرض الاكبر ومثل هذا الموت يكون فرح المؤمن العارف به وهو بشارة الحبيب له يبشره بوصله وقرينه ومن احب لقائه احب الله لقاءه شعر : بشر احبائى ان الموت راحتهم والموت وصلتهم والموت تقريب تفسير : قوله تعالى {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} وبخ الله المفلسين الذين سقطوا من عينه وحفظه وكلايته حتى اذا ابى اليهم راحة اقبلوا الى الله من فرح النفوس و لذة الشهوات ولا بنعت للعرفة والمحبة واذا اتاهم محنة اضافوها الى غيره ورجعوا الى الاسباب وخاصموا وظهر مهم ان اقبالهم اليه من راس النفس ليس من حقيقة ايمانهم بالله فامر صفية ان قل لهم ان ما تجدون من الاسباب من العرش الى الثرى لا يكون الا من عند الله السبب والمسبب لانه مسبب الاسباب والمسبب لو كنتم على رؤية التحقيق يرون الاكوان قائمة بالله وزاد فى توبيخهم بقوله تعالى {فَمَا لِهَـٰؤُلاۤءِ ٱلْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً} اى ليس بهم فى قلة ادراكم انبائى وقلة معرفتهم بواحدانيتى حيث يكونوا --- الا ادراك خذلانى اياهم قال النصر ابادى المكل منه ومن عنده ولكن لا تطيب ما منه وما عنده الا بما به وبماله.
اسماعيل حقي
تفسير : {أينما تكونوا يدرككم الموت} المقدر بالاجل او العذاب وفى لفظ الادراك اشعار بانهم فى الهرب منه وهو مجد فى طلبهم وهو كلام مبتدأ لا محل له من الاعراب {ولو كنتم فى بروج مشيدة} اى وان كنتم فى قصور عالية الى السماء محكمة بالشيد وهو الجص لا يصعد اليها بنو آدم. قال مجاهد فى هذه الآية كان فيمن قبلكم امرأة وكان لها اجير فولدت جارية فقالت لاجيرها اقتبس لنا نارا فخرج فوجد بالباب رجلا فقال له الرجل ما ولدت هذه المرأة قال جارية قال اما هذه الجارية لا تموت حتى تزنى بمائة ويتزوجها اجيرها ويكون موتها بالعنكبوت فقال الاجير فى نفسه فانا اريد هذه بعد ان تفجر بمائة لاقتلنها فاخذ شفرة فدخل فشق بطن الصغيرة وخرج على وجهه وركب البحر وخيط بطن الصبية فعولجت وبرئت وشبت فكانت تزنى فاتت ساحلا من ساحل البحر فاقامت عليه تزنى ولبث الرجل ما شاء الله ثم قدم ذلك الساحل ومعه مال كثير فقال لامرأة من اهل الساحل اطلعى لى امرأة من اجمل النساء اتزوجها فقالت ههنا امرأة من اجمل النساء ولكنها تفجر فقال ائتينى بها فاتتها فقالت قد قدم رجل له مال كثير وقال لى كذا وكذا فقالت انى تركت الفجور ولكن ان اراد ان يتزوجنى تزوجته قال فتزوجها فوقعت منه موقعا فبينما هو يوما عندها اذا اخبرها بامره فقالت انا تلك الجارية وارته الشق فى بطنها وقد كنت افجر فما ادرى بمائة او اقل او اكثر فقال زوجها فى نفسه ان الرجل الذى كان خارج الباب قال يكون موتها بالعنكبوت ثم اخبرها بذلك قال فبنى لها برجا فى الصحراء وشيده فبينما هى يوما فى ذلك البرج اذا عنكبوت فى السقف فقالت هذا يقتلنى لاقتلنه اذ لا يقتله احد غيرى فحركته فسقط فاتته فوضعت ابهام رجلها عليه فشدخته فساح سمه بين ظفرها واللحم فاسودت رجلها فماتت وفى ذلك نزلت هذه الآية {اينما تكونوا يدرككم الموت} واجمعت الامة على ان الموت ليس له سن معلوم ولا اجل معلوم ولا مرض معلوم وذلك ليكون المرء على اهبة من ذلك مستعدا لذلك قال عليه السلام "حديث : اكثروا ذكر هاذم اللذات " .تفسير : يعنى الموت وهو كلام مختصر وجيز قد جمع التذكرة وابلغ فى الموعظة فان من ذكر الموت حقيقة ذكره نغص عليه اللذة الحاضرة ومنعه من تمنيها فى المستقبل وزهده فيما كان منها يؤمل ولكن النفوس الراكدة والقلوب الغافلة تحتاج الى تطويل الوعاظ وتزويق الالفاظ والا ففى قوله عليه السلام "حديث : اكثروا ذكر هاذم اللذات " .تفسير : مع قوله تعالى {أية : كل نفس ذائقة الموت} تفسير : [العنكبوت: 57]. ما يكفى السامع ويشغل الناظر فيه: قال الحافظ قدس سره شعر : سبهر برشده برويزنست خون افشان كه ريزه اش سركسرى وتاج برويزست تفسير : قال السعدى قدس سره شعر : جهان اى بسر ملك جاويد نيست زدنيا وفادارى اميد نيست نه برباد رفتى سحركاه وشام سرير سليمان عليه السلام بآخر نديدى كه برباد رفت خنك آنكه بادانش وداررفت تفسير : والاشارة فى الآية ان يا اهل البطاله فى زى الطلبة الذين غلب عليكم الهوى وحبب اليكم الدنيا فاقعدكم عن طلب المولى ثم رضيتم بالحياة الدنيا واطمأننتم بها {أينما تكونوا يدرككم الموت} اضطرارا ان لم تموتوا قبل ان تموتوا اختيارا {ولو كنتم فى بروج مشيدة} اى اجساد مجسمة قوية امزجتها اوصلنا الله واياكم الى حقيقة الفناء والبقاء آمين {وان تصبهم حسنة} اى نعمة كخصب {يقولوا هذه من عند الله} نسبوها الى الله {وان تصبهم سيئة} بلية كقحط {يقولوا هذه من عندك} اضافوها اليك يا محمد وقالوا ان هى الا بشؤمك كما قالت اليهود منذ دخل محمد المدينة نقضت ثمارها وغلت اسعارها {قل كل} من الحسنة والسيئة {من عند الله} يبسط ويقبض حسب ارادته {فمال هؤلاء القوم} اى أى شىء حصل لليهود والمنافقين من العلل حال كونهم {لا يكادون يفقهون حديثا} اى لا يقربون من فهم حديث عن الله تعالى كالبهائم ولو فهموا لعلموا ان الكل من عند الله والفقه هو الفهم ثم اختص من جهة العرف بعلم الفتوى.
الطوسي
تفسير : اللغة والمعنى: أعلمهم الله تعالى في هذه الآية أن الآجال لا تخطئهم، ولا تنفعهم الخشية من القتل ولو كانوا في بروج مشيدة، وأينما كانوا من المواضع أدركهم الموت بمعنى أصابهم. "وأينما" كتبت موصولة. وفي قوله: {إن ما توعدون} مفصولة، لأن الأولى زائدة. والثاني - بمعنى الذي ففصلت هذه كما تفصل الاسماء، ووصلت تلك كما توصل الحروف. وقيل في معنى البروج ثلاثة أقوال: أحدها - قال مجاهد، وابن جريج: هي القصور. الثاني - قال السدي، والربيع: هي قصور في السماء، باعيانها. وقال الجبائي: هي البيوت التي تكون فوق الحصون. وأصل البروج الظهور. يقال تبرجت المرأة: إذا أظهرت محاسنها. والبرج - في العين - اتساعها لظهورها بالاتساع. والمشيدة: المزينة بالجص. وهو الشيد. قال الجبائي: معناه المجصصة. وقال الزجاج، وغيره: معناه المطولة في ارتفاع. وقال قوم: المشدد، والمخفف سواء إلا من جهة تكثير الفعل. وقال آخرون: المشيدة بالتشديد - المطولة. والمشيدة بالتخفيف - المطلية بالجص والنورة. والشيد رفع البناء. تقول شاد بناء يشيده شيداً: إذا رفعه. والشيد: الجص، لأنه مما يرفع به البناء. ويجوز أشاد الرجل بناءه. فأما بالذكر فتقول أشاد بذكره لا غير: إذا رفع منه. وقوله: {وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك} حكاية عن المنافقين، وصفة لهم. في قول الحسن، وأبي علي وأبي القاسم. وقال الزجاج: قيل: هو في صفة اليهود. وبه قال الفراء. وذلك أن اليهود، لما قدم النبي (صلى الله عليه وسلم) المدينة، فكانوا إذا زكت ثمارهم، واخصبوا، قالوا هذا من عند الله، فاذا أجدبوا، وخاست ثمارهم، قالوا هذا لشؤم محمد (صلى الله عليه وسلم). وفي معنى الحسنة، والسيئة ها هنا قولان: قال ابن عباس، وقتادة، وأبو العالية: هو السراء والضراء والبؤس. والرخاء، والنعمة والمصيبة، والخصب، والجدب. وقال الحسن، وابن زيد: هو النصر، والهزيمة. وقوله: {من عندك} قيل في معناه قولان: أحدهما - قال ابن زيد: معناه بسوء تدبيرك. والثاني - قال الجبائي، والبلخي، والزجاج. أي بشؤمك الذي لحقنا كما حكي عن قوم موسى {وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه} فأمر الله تعالى نبيه أن يقول: إن جميع ذلك من عند الله، ثم قال: {فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً} قال الفراء: (مال) كثرت في الكلام حتى توهموا أن اللام متصلة بما، وانها حرف واحد، ففصلوا اللام بما خفضت في بعض المواضع، ووصلوها في بعض المواضع. والاتصال الوجه. والوقف على اللام، لا يجوز، لأنها لام الخفض. والمعنى أي شيء لهؤلاء القوم، لا يفقهون حديثاً، أي لا يفهمون معناه. تقول: فقه الرجل يفقه فقهاً والاسم الفقيه: وصار بعرف الاستعمال علماً على علم الفقهاء من علوم الدين. وفقه الرجل يفقه فقهاً: إذا صار فقيهاً. وأفقهته: أفهمته والتفقه: تعلم الفقه وتفاقه: إذا تعاطى ليرى انه فقيه. وليس هو كذلك. ومثله تعالم وقيل: معنى الحديث ها هنا القرآن. وقوله: {لا يكادون} معناه لا يقاربون فيه معنى الحديث الذي هو القرآن، لأنهم بعيدون منه باعراضهم عنه، وكفرهم به ولا يفهمون ان ما ذكرناه من السراء، والضراء، والشدة والرخاء على ما وصفناه.
الجنابذي
تفسير : {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} قصور مرتفعة، فالجملة مستأنفة جواب لسؤالٍ مقدّرٍ من الله او مقول قول الرّسول (ص) ثمّ صرف الخطاب عنهم الى محمّد (ص) فقال لكن ان تعظهم بكلّ عظة لا يفقهوا {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ} مثل قولهم لم كتبت علينا القتال (الى آخر الآية) {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} فانّ الفاعل فى كلّ موجود هو الله وليس منكم الاّ استعداد القبول والسّيئّة والحسنة منسوبة اليكم نسبة الشّيء الى القابل ومنسوبة الى الله نسبة الشّيء الى الفاعل، لكنّ السيّئات اى الاعدام او الموجبات للاعدام لمّا كان الوجود فيها ضعيفاً بحيث عدّها بعضهم اعداماً صرفةً تكون نسبتها الى الفاعل ضعيفة لضعف الوجود فيها والنّسبة الى الفاعل لا تكون الا من حيث الوجود، وتكون نسبتها الى القابل اقوى لتبعيّتها لاعدام القابل فيكون القابل اولى بها، والحسنات لمّا كان الوجود فيها قويّاً تكون نسبتها الى الفاعل اقوى فيكون الفاعل اولى بها {فَمَا لِهَـٰؤُلاۤءِ ٱلْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً} فيتخالطون فى الكلام كتخاليط النّساء.
اطفيش
تفسير : {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكَكُّم المَوْتُ}: وقرىء يدرككم بالرفع على تقدير فقد يدرككم الموت، أو فأنتم يدرككم، أو تنزيل أينما تكونوا منزلة أينما كنتم، كذا قيل بهذا الأخير جريا على جواز رفع المضارع فى الجواب إهمالا لأداة الشرط عنه، اذا لم تعمل فى لفظ الشرط كقوله: وان أتاه خليل الخ، وهذا قد شهرته فى النحو، ثم تبين لى ضعفه، كيف نبنى القرآن على شعر مع احتمال التأويل أيضا مثل: فهو يقول. ويجوز أن يكون جواب أينما محذوفا دل عليه: ولا تظلمون فتيلا، أو أغنى عنه فيكون الوقف على تكونوا ويدرككم مستأنف، ولم يرد الزمخشرى بقوله: أينما متصلا بقوله: لا تظلمون أنه متعلق به، فضلا عن أن يلزم خروجه عن الصدر، بل أراد اتصال المعنى، بمعنى أنه يغنى عن جواب أينما، أو يقدر مثله له، أو أنه يتعلق بلا تظلمون فقدر جوابا لها، دل عليه المذكور. نعم الراجح أن أينما يناسب مواضع الدنيا المعتبرة بالموت، فهو لما بعده لا لما قبله، لضعف قولك: ولا تظلمون فتيلا من ثواب عملكم، أينما تكونوا من مواضع الآخرة، والخطاب لمن له الضمير فى قوله: وقالوا ربنا من المنافقين أو المؤمنين، أو مستأنف فى المنافقين القائلين فى شأن أحد، لو كانوا عندنا ما ماتوا ولا قتلوا، واذا كان الموت لا بد منه فلأن يموت الانسان شهيدا خير من أن تموت غير شهيد. {وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ}: أى فى حصون ظاهرة لعلوها. من برج بمعنى ظهر، هذا قول الجمهور، وعن قتادة البروج القصور المحصنة، وقيل: البرج فى الأصل البيت على طرف القصر. {مُّشَيَّدَةٍ}: أى مرفوعة أو مطلية بالشيد وهو الجير، قال مجاهد: كان ممن قبلكم امرأة، وكان لها أجير، فولدت جارية، فقالت لأجيرها: يقتبس لنا نارا، فخرج فوجد بالباب رجلا، فقال له الرجل: ما ولدت هذه المرأة؟ قال: جارية. قال: أما أن هذه الجارية لا تموت حتى تزنى بمائة، ويتزوجها أجيرها، ويكون موتها بالعنكبوت، فقال الأجير فى نفسه: فأنا لا أريد هذه بعد أن تفجر بمائة، لأقتلنها، فأخذ شفرة فدخل فشق بطن الصبية، وخرج على عقبه وركب البحر. وخيط بطن الصبية، فبرئت وشبت، فكانت تزنى، فأتت ساحلا من سواحل البحر، فأقامت عليه تزنى، ولبثت ما شاء الله، ثم قدم ذلك الرجل الساحل وله مال كثير، فقال لامرأة من أهل الساحل: اطلبى لى امرأة من القرية أتزوجها، فقالت: ها هنا امرأة من أجمل النساء، ولكنها تفجر، فقال: ائتنى بها فأتيتها فقالت: إنى قد تركت الفجور: ولكن إن أراد تزوجته فتزوجها الرجل، فوقعت منه موقعا حسنا، فبينما هو يوما عندها اذا اخبرها بأمره، فقالت: أنا تلك الجارية، فأرته الشق الذى فى بطنها وقالت: قد كنت أفجر فما أدرى أبمائة أو أكثر. قال: فان الرجل قال لى: يكون موتها بالعنكبوت فبنى لها برجا فى الصحراء وشيده، فبينما هى يوما فى ذلك البرج، إذ عنكبوت فى السقف، فقالت: هذا يقتلنى لا يقتله أحد غيرى، فحركته فسقط، فاتت فوضعت ابهام رجلها عليه فشدخته، وساخ سمه بين ظفرها ولحم الأصبع، فاسودت رجلها فماتت، وفى ذلك نزلت هذه الآية:{أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ المَوْتُ وَلَوْ كُنتُم فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ}. وعن ابن مسعود رضى الله عنه: حديث : نام رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير، فقام وقد أثر فى جنبه، فقلنا: يا رسول الله لو اتخذنا لك، فقال:"ما لى وللدنيا ما أنا فى الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها ". تفسير : {وَإِن تُصِبْهُمْ}: أى المنافقين. {حَسَنَةٌ}: ما يحسن فى الطبع من خير الدنيا، كخصب وصلاح الغلة وكثرتها، والرخص، وربح ونصر وغنيمة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. {يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِندِ اللهِ}: ولا يقولون هى من عند الله بسببك يا محمد وبركتك. {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ}: ما يكره طبعا كفساد الغلة، وغلاء السعر، كجدب وخسارة، وعدم النصر والغنيمة ومرض وبلاء. {يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِكَ}: يا محمد جئت بها أنت لشؤمك، وهذا كما قاله الله عن اليهود: {أية : وان تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه }تفسير : قال عن قوم صالح: {أية : قالوا اطيرنا بك وبمن معك }تفسير : وقيل: الآية فى اليهود، تشاءمت برسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا منذ دخل المدينة نقصت ثمارها، وغلت أسعارها، فرد الله عليهم. ويعترض بأن اليهود لا يدخلون فى قوله: {أية : وقالوا ربنا لما كتبت علينا القتال }تفسير : إلا أن قالوه فى زمان موسى عليه السلام، ولا فيما قبل تلك الآية. قال الثعالبى: ليست الآية فى المؤمنين، لأنهم لا يليق بهم هذه المقالة ولا فى اليهود، لأنهم لم يكونوا للنبى صلى الله عليه وسلم تحت أمر فيصيبهم بسببه السوء انتهى، ولا يخفى أنه يمكن لهم ـ لعنهم الله ـ أن يتشاءموا به، ولو لم يكونوا له صلى الله عليه وسلم تحت أمر، ولو لم يكذبوا فى اصابة السيئة، كلما أصابتهم السيئة، لأن الله جل وعلا قال: {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} كما قال: {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ} ووافق أنه بعد قدومه صلى الله عليه وسلم أصابهم بسبب ذنوبهم بعض القحط، وغلاء السعر، وقد قيل: الآية فى المنافقين، وأن الحسنة الظفر، والغنيمة يوم بدر، والسيئة القتل والهزيمة يوم أحد، ولهذه الروايات مع أن الحسنة التى هى العمل الصالح لا يقال فيها أصابتنى، بل أصابتها مثلهم، وكذا السيئة، ثم تحمل الحسنة والسيئة على العمل الصالح والذنب، ورد الله عز وجل عليهم بقوله: {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا مَّآ أصَابَكَ} يا انسان.
اطفيش
تفسير : {أيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ المَوْتُ} فى حضر أو سفر {وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ} حصون، وأصل البرج البناء فوق القصر على طرفه أو وسطه، وهو من البرج بمعنى الظهور، والظهور يوجد فى الكل، أو المراد بروج السماء الكوكبية، أو قصور فى السماء الدنيا، أو البيوت التى فوق القصور {مُشَيَّدَةٍِ} مقواة بالجير، أو مرفوعة مطولة، فلا تخشوا الموت فى القتال فإن الموت لأجله، فلا يؤخره ترك القتال، ومن قدر الله عز وجل له الموت بقتال لم يجد إلا أن يحضره ويموت فى وقت موته وموضعه، ومن قدره الله عليه فى غيره لم يجد أن يموت فى القتال ولا أن يموت فى غير وقت موته ومكانه، وعن مجاهد كان فى من قبلكم امرأة لها أجير، فولدت جارية، فقالت لأجيرها: اقتبس لنا نارا، فخرج فوجد بالباب رجلا، فقال له الرجل: ما ولدت هذه المرأة؟ قال: جارية، قال: أما إن هذه الجارية لا تموت حتى تزنى بمائة، يتزوجها أجيرها، ويكون موتها بالعنكبوت فقال الأجير فى نفسه: أنا لا أريد هذه بعد أن تفجر بمائة لأقتلنها، فأخذ شفرة، فدخل فشق بطن الصبية وخرج على عقبه، وركب البحر، وخيط بطن الصبية فبرئت، وشبت، فكانت تزنى، فأتت ساحلا من سواحل البحر، فأقامت عليه تزني، ولبث الرجل ما شاء الله، ثم قدم ذلك الساحل وله مال كثير فقال لامرأة من أهل الساحل اطلبى لى امرأة من القرية أتزوجها، فقالت: ها هنا أمرأة من أجمل النساء ولكنها تفجر، فقال إيتينى بها، فأتتها، فقالت: قد تركت الفجور، وإن أراد تزوجته، فتزوجها الرجل فوقعت منه موقعاً حسناً، فبينما هو يوماً عندها إذ أخبرها بأمره، فقالت: أنا تلك الجارية، فأرته الشق الذى فى بطنها، وقالت قد كنت أفجر فما أدرى بمائة أوأقل أو أكثر، قال: فإن الرجل قال لى يكون موتها بعنكبوت، فبنى لها برجا بالصحراء، فشيده، فبينما هى يوما فى ذلك البرج إذا عنكبوت في السقف فقالت: هذا يقتلني، لا يقتله غيري، فحركته فسقط، فأتته فوضعت إبهام رجلها عليه فشدخته وساح سمه بين ظفرها، ولحم الأصبع فاسودت رجلها، فماتت، وفى ذلك نزلت الآية، وهى {إينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة}، والجملة من كلام الله عز وجل، أو من القول السابق، أو هى جواب لقولهم لو أخرتنا، وقوله قل متاع الدنيا قليل الخ جواب لقولهم لم كتبت علينا القتال {وَإن تُصِبْهُمْ} أى اليهود، ولو لم يجر لهم ذكر والدليل الحال، لأن اليهود قالوا: نقصت ثمارنا وغلت اسعارنا حين قدم محمد وأصحابه، فنزلت الآية، كما قال فى أوائلهم، {أية : وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى} تفسير : [الأعراف: 131] الخ أو الضمير لليهود والمنافقين، ولو لم يجر لهم ذكر كذلك، إذ قحطوا حين قدم صلى الله عليه وسلم المدينة، قالوا صح أنها نزلت فيهم وفى اليهود معا، إذ تشاءموا به فى القحط حين قدم المدينة، وقيل فى ابن اُبى ومن معه من المنافقين، إذ قالوا لوقعة أحد لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا {حَسَنَةٌ} نعمة، وأما الحسنة بمعنى الطاعة فلا يقال فيها أصابتنى، بل أصبتها، لأن الإنسان يأتيها هو ولا تأتيه هى {يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِ اللهِ} هو كلام حق إلا أنهم أخطأوا فى قولهم الذى ذكره الله بقوله {وَإن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} بلية كنقص الثمار وغلاء الأسعار، كما وقع عند هجرة النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وأما السيئة بمعنى المعصية فيقال أصبتها لا أصابنتى لأن فاعلها هو يجيئها لا هى {يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِكَ} وتم الرد عليهم عند قوله تعالى {قل كل من عند الله}، لأنها من الله خلقا لأمته، ولأنها ليست من شؤمه صلى الله عليه وسلم إذ لا شؤم له، حاشاه، بل هو واسطة للبلاء بشؤمهم، وذلك كله ظاهر غاية الظهور لهذا قال الله تعالى قوله {قُلْ كُلٌّ} من الحسنة والسيئة {مِّنْ عِندِ اللهِ} خلقا، والحسنة منه فضل، والسيئة بشؤم ذنوبهم مانصه {فَمَالِ هَؤُلآءِ القَوْمِ} اليهود والمنافقين تعجيب {لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً} قولا يلقى إليهم، كأنهم بهائم، ما قربوا من أن يفهموا، فضلا عن أن يتصفوا بأنهم فاهمون، والإنسان إما فاهم وإما قريب من الفهم ثم فهم، أو لم يفهم، وإما بعيد من الفهم ثم فهم أو لم يفهم، وهؤلاء بعدوا عن الفهم ولم يفهموا بعد، أو الحديث ما نزل من القرآن، أو كلام جاء من عند الله مطلقا، أو الحديث صروف الدهر المنبئة بأن الله تعالى هو خالقها، وليس المراد بالحسنة والسيئة فعل الطاعة والمعصية فضلا عن أن نستدل بقوله {كل من عند الله} على أن أفعالنا خلق من الله ولو كانت خلقا لدلائل خلقا لفاعلها، والجملة حال من هؤلاء.
الالوسي
تفسير : {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ} يحتمل أن يكون ابتداء كلام مسوق من قبله تعالى بطريق تلوين الخطاب وصرفه عن سيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم إلى ما ذكر أولاً اعتناءاً بإلزامهم إثر بيان حقارة الدنيا وفخامة الآخرة بواسطته صلى الله عليه وسلم فلا محل للجملة من الإعراب، ويحتمل أن يكون داخلاً في حيز القول المأمور به، فمحل الجملة النصب، وجعل غير واحد ما تقدم جواباً للجملة الأولى من قولهم، وهذا جواباً للثانية منه، فكأنه لما قالوا: {لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ}؟ أجيبوا ببيان الحكمة بأنه كتب عليكم ليكثر تمتعكم ويعظم نفعكم لأنه يوجب تمتع الآخرة، ولما قالوا: {أية : لَوْلا أَخَّرْتَنَا} تفسير : [النساء: 77]؟! الخ أجيبوا بأنه: أينما تكونوا في السفر أو في الحضر يدرككم الموت لأن الأجل مقدر / فلا يمنع عنه عدم الخروج إلى القتال، وفي التعبير بالإدراك إشعار بأن القوم لشدة تباعدهم عن أسباب الموت وقرب وقت حلوله إليهم بممر الأنفاس والآنات كأنهم في الهرب منه وهو مجد في طلبهم لا يفتر نفساً واحداً في التوجه إليهم، وقرأ طلحة بن سليمان {يُدْرِككُّمُ} بالرفع، واختلف في تخريجه فقيل: إنه على حذف الفاء كما في قوله ـ على ما أنشده سيبويه ـ:شعر : من يفعل الحسنات الله يشكرها والشر بالشر عند الله (مثلان) تفسير : وظاهر كلام «الكشاف» الاكتفاء بتقدير الفاء، وقدر بعضهم مبتدأ معها أي فأنتم يدرككم، وقيل: هو مؤخر من تقديم، وجواب الشرط محذوف أي ـ يدرككم الموت أينما تكونوا يدرككم ـ واعترض بأن هذا إنما يحسن فيما إذا كان ما قبله طالباً له كما في قوله:شعر : يا أقرع بن حابس يا أقرع إنك إن (يصرع أخوك تصرع) تفسير : أو فيما إذا لم تكن الأداة اسم شرط، وأجيب بأن الشرط الأول: وإن نقل عن سيبويه إلا أنه نقل عنه أيضاً الإطلاق، والشرط الثاني: لم يعول عليه المحققون، وقيل: إن الرفع على توهم كون الشرط ماضياً فإنه حينئذ لا يجب ظهور الجزم في الجواب لأن الأداة لما لم يظهر أثرها في القريب لم يجب ظهوره في البعيد وما قيل عليه من أن كون الشرط ماضياً والجزاء مضارعاً إنما يحسن في كلمة ـ أن ـ لقلبها الماضي إلى معنى الاستقبال فلا يحسن ـ أينما كنتم يدرككم الموت ـ إلاعلى حكاية الماضي وقصد الاستحضار فيه نظر، نعم يرد عليه أن فيه تعسفاً إذ التوهم ـ كما قال ابن المنير ـ أن يكون ما يتوهم هو الأصل، أو مما كثر في الاستعمال حتى صار كالأصل، وما توهم هنا ليس كذلك، وقيل: إن {يُدْرِككُّمُ} كلام مبتدأ و {أَيْنَمَا تَكُونُواْ} متصل بـ {أية : لاَ تُظْلَمُونَ} تفسير : [النساء: 77]، واعترض كما قال الشهاب: بأنه ليس بمستقيم معنى وصناعة، أما الأول: فلأنه لا يناسب اتصاله بما قبله لأن {لاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً} المراد منه في الآخرة فلا يناسبه التعميم، وأما الثاني: فلأنه يلزم عليه عمل ما قبل اسم الشرط فيه وهو غير صحيح لصدارته، وأجيب عن الأول: بأنه لا مانع من تعميم: ولا تظلمون للدنيا والآخرة أو يكون المعنى لا ينقصون شيئاً من مدة الأجل المعلوم لا من الأجود وبه ينتظم الكلام، وعن الثاني: بأن المراد من الاتصال بما قبله ـ كما قال الحلبـي ـ والسفاقسي اتصاله به معنى لا عملاً على أن {أَيْنَمَا تَكُونُواْ} شرط جوابه محذوف تقديره: لا تظلمون وما قبله دليل الجواب، وأنت تعلم أن هذا التخريج وإن التزم الذب عنه بما ترى خلاف الظاهر المنساق إلى الذهن، وأولى التخريجات أنه على حذف الفاء وهو الذي اختاره المبرد، والقول بأن الحذف ضرورة في حيز المنع {وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ} أي قصور، قاله مجاهد وقتادة وابن جريج، وعن السدي والربيع رضي الله تعالى عنهم أنها قصور في السماء الدنيا، وقيل: المراد بها بروج السماء المعلومة، وعن أبـي علي الجبائي أنها البيوت التي فوق القصور، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إنها الحصون والقلاع وهي جمع برج وأصله من التبرج وهو الإظهار، ومنه تبرجت المرأة إذا أظهرت حسنها {مُّشَيَّدَةٍ} أي مطلية بالشيد وهو الجص قال عكرمة أو مطولة بارتفاع ـ قاله الزجاج ـ فهو من شيد البناء إذا رفعه؛ وقرأ مجاهد {مُّشَيَّدَةٍ} بفتح الميم وتخفيف الياء كما في قوله تعالى: {أية : وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ} تفسير : [الحج: 45] وقرأ أبو نعيم بن ميسرة {مُّشَيَّدَةٍ} بكسر الياء على التجوز كـ {عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} وقصيدة شاعرة، والجملة معطوفة / على أخرى مثلها أي لو لم تكونوا في بروج ولو كنتم الخ، وقد اطرد الحذف في مثل ذلك لوضوح الدلالة {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ} نزلت على ما روي عن الحسن. وابن زيد في اليهود وذلك أنهم كانوا قد بسط عليهم الرزق فلما قدم النبـي صلى الله عليه وسلم المدينة فدعاهم إلى الإيمان فكفروا أمسك عنهم بعض الإمساك فقالوا: ما زلنا نعرف النقص في ثمارنا ومزارعنا مذ قدم علينا هذا الرجل، فالمعنى إن تصبهم نعمة أو رخاء نسبوها إلى الله تعالى وإن تصبهم بلية من جدب وغلاء أضافوها إليك متشائمين كما حكى عن أسلافهم بقوله تعالى: {أية : وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ} تفسير : [الأعراف: 131] وإلى هذا ذهب الزجاج والفراء والبلخي والجبائي، وقيل: نزلت في المنافقين ابن أبـيّ وأصحابه الذين تخلفوا عن القتال يوم أحد، وقالوا للذين قتلوا {أية : لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ} تفسير : [آل عمران: 156] فالمعنى إن تصبهم غنيمة قالوا: هي من عند الله تعالى، وأن تصبهم هزيمة قالوا: هي من سوء تدبيرك، وهو المروي عن ابن عباس وقتادة، وقيل: نزلت فيمن تقدم وليس بالصحيح، وصحح غير واحد أنها نزلت في اليهود والمنافقين جميعاً لما تشاءموا من رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة وقحطوا، وعلى هذا فالمتبادر من الحسنة والسيئة هنا النعمة والبلية، وقد شاع استعمالها في ذلك كما شاع استعمالها في الطاعة والمعصية، وإلى هذا ذهب كثير من المحققين، وأيد بإسناد الإصابة إليهما بل جعله صاحب «الكشف» دليلاً بيناً عليه وبأنه أنسب بالمقام لذكر الموت والسلامة قبل. وقوله تعالى: {قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ ٱللَّهِ} أمر له صلى الله عليه وسلم بأن يرد زعمهم الباطل واعتقادهم الفاسد ويرشدهم إلى الحق ببيان إسناد الكل إليه تعالى على الإجمال أي كل واحدة من النعمة والبلية من جهة الله تعالى خلقاً وإيجاداً من غير أن يكون لي مدخل في وقوع شيء منها بوجه من الوجوه كما تزعمون، بل وقوع الأولى منه تعالى بالذات تفضلاً، ووقوع الثانية بواسطة ذنوب من ابتلي بها عقوبة كما سيأتي بيانه. وهذا الجواب المجمل في معنى ما قيل رداً على أسلاف اليهود من قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ} تفسير : [الأعراف: 131] أي إنما سبب خيرهم وشرهم عند الله تعالى لا عند غيره حتى يستند ذلك إليه ويطيروا به ـ قاله شيخ الإسلام ـ ومنه يعلم اندفاع ما قيل: إن القوم لم يعتقدوا أن النبـي صلى الله عليه وسلم فاعل السيئة كما اعتقدوا أن الله تعالى فاعل الحسنة بل تشاءموا به وحاشاه عليه الصلاة والسلام فكيف يكون هذا رداً عليهم، ولا حاجة إلى ما أجاب به العلامة الثاني من أن الجواب ليس مجرد قوله تعالى: {قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ ٱللَّهِ} بل هو إلى قوله سبحانه: {أية : وَمَا أَصَـٰبَكَ مِن سَيّئَةٍ} تفسير : [النساء: 79] الخ وقوله تعالى: {فَمَالِ هَـٰؤُلاء ٱلْقَوْمَ} أي اليهود والمنافقين المحتقرين {لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ} أي يفهمون {حَدِيثاً} أي كلاماً يوعظون به وهو القرآن، أو كلاماً مّا أو كل شيء حدث وقرب عهده كلام من قبله تعالى معترض بين المبين وبيانه مسوق لتعييرهم بالجهل وتقبيح حالهم والتعجيب من كمال غباوتهم، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، والجملة المنفية حالية والعامل فيها ما في الظرف من الاستقرار أو الظرف نفسه، والمعنى حيث كان الأمر كذلك فأي شيء حصل لهؤلاء حال كونهم بمعزل من أن يفقهوا نصوص القرآن الناطقة بأن الكل فائض من عند الله تعالى، أو بمعزل من أن يفهموا ـ حديثاً ـ مطلقاً حتى عدوا كالبهائم التي لا افهام لها، أو بمعزل من أن يعقلوا صروف الدهر وتغيره حتى يعلموا أنه لها فاعلاً حقيقياً بيده جميع الأمور ولا مدخل / لأحد معه، ويجوز أن تكون الجملة استئنافاً مبنياً على سؤال نشأ من الاستفهام وهو ظاهر، وعلى التقديرين فالكلام مخرج مخرج المبالغة في عدم فهمهم فلا ينافي اعتقادهم أن الحسنة من عند الله تعالى، ويفهم من كلام بعضهم أن المراد من الحديث هو ما تفوهوا به آنفاً حيث أنه يلزم منه تعدد الخالق المستلزم للشرك المؤدي إلى فساد العالم، وإن (ما) في حيز الأمر ردّ لهذا اللازم، وقدم لكونه أهم ثم استأنف بما هو حقيقة الجواب أعني قوله سبحانه: {مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ...}.
القطان
تفسير : البروج: القصور العالية والحصون والقلاع. مشيدة: مرتفعة. يفقهون: يفهمون. إن الموت أمر لا مَهرب منه، ولسوف يدرككم حيث كنتم ولو تحصّنتم في شواهق القصور او في القلاع والحصون. وما دام الموت لا بدّ منه فلماذا تكرهون القتال وتجبُنُون؟ ان هؤلاء الجبناء إن أصابهم رخاءٌ ونعمة قالوا انها من عند الله، وان أصابتهم شدّة وجدْب قالوا لك يا محمد: هذا من عندك، وما كان الا بشؤمك. وكلُّ هذا ضعف في إيمانهم ونقص في عقولهم. وهذه مقالة اليهود والمنافقين حين قدم الرسول المدينةَ وأصابهم قحط وجفاف. فقل لهم الآن يا محمد: إن هذا زعم باطل، فكل ما يصيبكم مما تحبون أو تكرهون ـ هو من عند الله، ومن تقديره. ماذا أصاب هؤلاء القوم، وماذا دهاهم في عقولهم حتى باتوا لا يعقلون شيئا!
د. أسعد حومد
تفسير : {فَمَالِ هَـٰؤُلاۤءِ} (78) - يَخْبِرُ اللهُ تَعَالَى النَّاسَ بِأَنَّهُمْ صَائِرُونَ إلَى المَوْتِ لاَ مَحَالَةَ، وَلاَ يَنْجُو مِنْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَلَوْ كَانُوا مُقِيمِينَ فِي حُصُونٍ مَبْنِيَّةٍ، قَوِيَّةِ البُنْيَانِ وَالتَّحْصِينِ وَلِلنَّاسِ أَجَلٌ مَحْتُومٌ، وَوَقْتٌ مَعْلُومٌ، لاَ يَتَقَدَّمُونَ عَنْهُ وَلاَ يَتَأَخَّرُونَ، سَواءٌ أجَاهَدُوا وَتَعَرَّضُوا لِمَخَاطِرِ الحُرُوبِ، أَوْ قَعَدُوا فِي بُيُوتِهِمْ، فَلاَ يُقَدِّمُ الجِهَادُ أَجَلاً. وَلاَ يُؤَخِّرُ القُعُودُ أَجَلاً فَلِمَاذَا يَكْرَهُونَ القِتَالَ، وَيَجْبُنُونَ وَيَتَمَّنْونَ البَقَاءَ، أَلَيْسَ هَذَا بِضَعْفٍ فِي العَقْلِ وَالدِّينِ؟ ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى شَأناً آخَرَ مِنْ شُؤُونِهِمْ فِيهِ دَلاَلَةٌ عَلى الحَمَقِ وَضَعْفِ الإِدْرَاكِ، وَهُوَ أَنَّهُمْ إذا أَصَابَتْهُمْ سَنَةُ خَيرٍ وَخِصْبٍ وَرِزْقٍ كَثِيرٍ، وَكَثْرَةِ أَمْوالٍ وَأَوْلاَدٍ.. قَالُوا: هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَهُوَ الذِي أَكْرَمَهُمْ بِها، لأنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ مِنْهُ. وَإذَا أَصَابَهُمْ قَحْطٌ وَجَدْبٌ وَنَقْصٌ فِي الثِّمَارِ وَالزُّرُوعِ أَو مَوْتِ أوْلادٍ قَالُوا: هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ، وَبِسَبَبِ اتِّبَاعِنَا لَكَ، وَإيمَانِنا بِمَا أتَيْتَنَا بِهِ، وَتَرْكِنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيهِ آبَاءَنَا. فَقُلْ لَهُمْ: كُلُّ مَا يُصِيبُ النَّاسَ، مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَبِتَقْدِيرِهِ، اخْتِبَاراً وَابْتِلاءً، فَمَا لِهَؤُلاءِ القَائِلِينَ وَكَأَنَّهُمْ لاَ يَفْهَمُونَ مَا يَقُولُونَ، وَلاَ مَا يُقَالُ لَهُمْ؟ بُرُوجٍ - حُصُونٍ وَقِلاَعٍ أوْ قُصُورِ. مُشَيَّدَةِ - مُحْكَمَةِ البِنَاءِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والحق هنا يتعرض لقضية الموت مع المكان فقال: {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} فالعقل البشري الذي يتوهم أن بإمكانه الاحتياط من الموت - مكاناً عليه أن يعي جيداً أنه لا يستطيع ذلك، فوجود الشخص عند ظرفٍ ما لا يدفع ولا يمنع عنه الموت، فالعندية سواء في معسكر الكفر أو في معسكر الإيمان لن تمنع حدوث الموت. والعندية - كما نعلم - تعطي ظرف المكان. فلطافة تغلغل الموت تخترق أي مكان وزمان ما دام الحق قد قضي به. وأعداء الإنسان في عافيته وفي حياته كثيرون، لكن إن نظرنا إليها في العنف نجدها تتناسب مع اللطف. فكلما لطف عدو الإنسان ودق؛ كان عنيفا، وكلما كان ضخماً كان أقل عنفا. فالذي له ضخامة قد يهول الإنسان ويفزعه، ولكن بإمكان الإنسان أن يدفعه. لكن متى يكون العدو صعباً؟ يكون العدو صعباً كلما صغر ولطف ولا يدخل تحت الإدراك. فيتسلل إلى الإنسان. ومثال ذلك: هب أن واحداً يبني بيتاً في خلاء ويمر عليه إنسان ليبارك له وضع أساس البيت فيقول لصاحب البيت: إنك لم تحتط لمثل هذا المكان، فهو يمتلئ بالذئاب والثعالب ويجب أن تضع حديداً على النوافذ التي في الدور الأول، وذلك حتى لا تدخل إليك هذه الحيوانات المفترسة. ويضع صاحب البيت حديداً على نوافذ الدور الأول. ويجيء واحد ثان ويقول له: لقد فاتك أن هذا المكان به ثعابين كثيرة وعليك أن تضيق فتحات الحديد، ويفعل ذلك صاحب البيت ليرد الثعابين. ويجيء ثالث لزيارة صاحب البيت فيقول: إنني أتعجب منك كيف تحترس من الذئاب والثعابين ولا تحتاط من ذباب هذه المنطقة؟. إنه ذباب سام. وهنا يضع صاحب البيت سلكاً على النوافذ. ويجيء واحد رابعٍ ليقول لصاحب البيت؛ في هذه المنطقة حشرات أقل حجماً من الذباب وأكثر عنفاً من البعوض ويمكنها أن تتسلل من فتحات السلك الذي تضعه على نوافذك، فيخلع صاحب البيت السلك المعلق على نوافذ البيت ويقوم بتركيب سلك آخر فتحاته أكثر ضيقاً بحيث لا تمر منه هذه الحشرات. إذن فعدوك كلما لطف ودق عن الإدراك كان عنيفاً. ولذلك فأخطر المكيروبات التي تتسلل إلى الإنسان، ولا يدري الإنسان كيف دخلت إلى جسده ولا كيف طرقت جلده، ولا يعرف إصابته بها إلا بعد أن تمر مدة التفريخ الخاصة بها وتظهر بجسده آلامها ومتاعبها. إنها تدخل جسم الإنسان دون أن يدري، ولا يعرف لذلك زماناً أو مكاناً. ويلفتنا سبحانه إلى أن الشيء عندنا كلما لطف ازداد عنفاً، ولا تمنعه المداخل. فما بالكم بالموت وهو ألطف من كل هذا، ولا أحد يستطيع أن يحتاط منه أبداً. وما مقابل الموت؟. إنه الحياة حيث توجد الروح في الجسد. وما كنه الروح؟ لا يعرف أحد كنه الروح على الرغم من أنه يحملها في نفسه، ولا أحد يعرف أين تكون الروح أو ما شكلها، ولا أحد يعرف من رآها أو سمعها أو لمسها. وعندما يقبضها الله فإن الحياة تنتهي. والحق هو الذي جعل للحيّ روحاً، وعندما ينفخها فيه تأتي الحياة. إن الحق - سبحانه - يلفتنا وينبهنا إلى ذلك فيترك في بعض ماديتنا أشياء لا يستطيع العلماء بالطب ولا المجاهر أن يعرفوا كنهها وحقيقتها، فنحن لا نعرف - مثلاً - الفيروس المسبب لبعض الأمراض. فإذا كان الله قد جعل للإنسان روحاً يهبه بها الحياة، فلماذا لا نتصور أن للموت حقيقة، فإذا ما تسلل للإنسان فإنه يسلب الروح منه، وبذلك نستطيع أن نفهم قول الحق سبحانه وتعالى في سورة الملك: {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} تفسير : [الملك: 1-2]. إذن فالموت ليس عملية سلبية كما يتوهم بعض الناس، بل عملية إيجابية، وهو مخلوق بسرّ دقيق للغاية يناسب دقة الصانع. ووصف الحق أمر الموت والحياة في سورة الملك وقدم لنا الموت على الحياة؛ مع أننا في ظاهر الأمر نرى أن الحياة تأتي أولاً ثم يأتي الموت. لا، إن الموت يكون أولاً، ومن بعده تكون الحياة. فالحياة تعطي للإنسان ذاتية ليستقبل بها الأسباب المخلوقة، فيحرث الأرض أو يتاجر في الأشياء أو يصنع ما يلائم حياته ويمتع به السمع والبصر، فيظن أن الحياة هي المخلوقة أولاً. ينبهنا ويوضح لنا الحق: لا تستقبل الحياة إلا إذا استقبلت قبلها ما يناقض الحياة، فيقول لنا عن نفسه: {ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ} وهذا ما يسهل علينا فهم الحديث القدسي الشريف الذي يشرح لنا كيف يكون الحال بعد أن يوجد أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار ويأتي الحق سبحانه بالموت في صورة كبش ويذبحه. عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يؤتى بالموت يوم القيامة، فيوقف على الصراط، فيقال: يا أهل الجنة فيطلعون خائفين وَجِلِين أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه. فيقال: هل تعرفون هذا؟ قالوا: نعم رَبَّنَا، هذا الموتُ، ثم يُقال: يا أهل النار، فيطلعون فرحين مستبشرين، أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه. فيُقال: هل تعرفون هذا؟ قالوا: نعم هذا الموت، فيأمر به فيًُذبح على الصراط، ثم يقال للفريقين "كلاهما" "خلود فيما تجدون لا موت فيه أبدا" . تفسير : وتجسيد الموت في صورة كبش معناه أن للموت كينونة. ويعلمنا الله أنه يقضي على الموت، فنحيا في خلود بلا موت. وينبه الناس الذين كفروا وظنوا أن الذين قتلوا في سبيل الله لو كانوا عندهم لما ماتوا. نقول لهم: العندية عندكم لا تمنع الموت. ولو كان من دنا أجله وحان حَيْنه يسكن في بروج مشيدة لأدركه الموت. أن الأداء القرآني يتنوع؛ فهناك من الأداء ما نفهمه من الألفاظ، وهناك ما نفهمه من الهَدْى الأسلوبي للقرآن؛ لأنه خطاب الرب. فالبشر فيما بينهم يتخاطبون بملكات لغوية وملكات عقلية، لكن عندما يخاطب الحقُّ الخلقَ فسبحانه يخاطب كل ملكات النفس. ولذلك نجد طفلاً صغيراً يحفظ القرآن ويمتلئ بالسرور، فيسأله واحد من الكبار: ما الذي يسرك في حفظ القرآن؟. فيجيب الصغير: إنني أحس بالانسجام وكفى. هو لا يعرف لماذا يحس بالانسجام من سماع القرآن أو حفظه، فالمتحدث هو الله، وسبحانه بقدرته وجمال كماله يخاطب كل الملكات النفسية. وسبحانه وتعالى يقول: {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ} أي أينما توجدوا يدرككم الموت. وكلمة "يدرككم" دليل على أن الإنسان عندما تدب فيه الروح ينطلق الموت مع الروح، إلى أن يدركها في الزمن الذي قدره الله. وكلمة "يدرك" توضح لنا أن الموت يلاحق الروح حتى إذا أدركها سلبها وكما قال الأثر الصالح عن ملاحقة الموت للحياة: "حتى إذا أدركها جرت، فلا أحد منكم إلا هو مُدْرَك"، ولذلك يقول أهل المعرفة والإشراق: "الموت سهم أرسل إليك وإنما عمرك هو بقدر سفره إليك". وهكذا نعرف أن قوله الحق: "يدرككم" تدل على أن الموت يلاحق حياة الإنسان ويجري وراء روحه حتى يدركها. ويقول الحق: {وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ}. وعندما نبحث في الحروف الأصلية لمادة كلمة "البروج" نستطيع أن نرى المعنى العام لها. والحروف الأصلية في هذه الكلمة هي "الباء" و "الراء" و "الجيم" وكلها تدل على الارتفاع والظهور. فيقال: "هذه امرأة فيها بَرَج" أي أن عيونها واسعة وتحتل قدراً كبيراً من وجهها وتكون واضحة، فالبَرَجُ هو الاتساع والظهور. والإبراج عادة كان بناؤها مرتفاً كحصون وقلاع نبنيها نحن الآن من الأسمنت والحديد. والقصد من "مشيدة" أي أنها بروج تم بناؤها بإحكام، فالشي قد يكون عالياً ولكنه قد يكون هشاً. أما الشيء المشيد فهو من "الشِّيد" وهو "الجص"، ومن "الشَّيْد" وهو "الارتفاع"، والمقصود أن لبنات البرج تلتحم أبعاضها وأجزاؤها بالجص فهي مرتفعة متماسكة. إنك إذا رأيت جمعاً وقوبل بجمع فمعنى ذلك أن القسمة تعطينا آحاداً. فساعة يدخل المدرس الفصل يقول لطلابه: أخرجوا كتبكم. فمعنى هذا القول أن يخرجٍ كل تلميذ كتابه. وعلى ذلك يكون القياس. فلو بني كل إنسان لنفسه برجاً مشيداً لجاءه الموت. والجمع مقصود أيضا: أي لو كنتم جميعا معتصمين ببرج محاط ببرج آخر وثالث ورابع، كأنه حصن محصن فالحصون في بعض الأحيان يتم بناؤها وكأنها نقطة محاطة بدائرة صغيرة. وحول الدائرة دائرة أخرى أوسع. وبذلك تجد الحصن نقطة محاطة بعدد من الحصون. والموت يدرك البشر ولو كانوا في برج محاط ببروج. وكلا المعنيين يوضح قدرة الحق في إنفاذ أمره بالموت. وساعة يتكلم سبحانه عن الموت وعن الحياة في الجهاد فهو يريد أن يخرج الناس من الظلمات إلى النور؛ لأن الدين هو نور طارئ على ظلمة، والذين يعيشون في الظلام يكونون قد ألفوا الظلمة والفوضى وكل منهم يعربد في الآخرين. وعندما جاء الدين فرّ بعضهم من مجيء النور؛ لأن النور يحرمهم من لذات الضلال؛ ولأن النور يوضح الرؤية. لذلك يوضح سبحانه وتعالى أنه أتى بالموت ليؤدي حاجتين: الحاجة الأولى: أنّ مَن يؤمن عليه أن يستحضر الموت لأن جزاءه لا يكون له منفذ إلا أن يموت ويلقى ربه، ويعلم أن الحاجب بينه وبين جزاء الخالق هو الموت، فساعة يسمع كلمة الموت فهو يستشرف للقاء الله؛ لأنه ذاهب إلى الجزاء. والحاجة الثانية: أن غير المؤمن يخاف الموت ويخشاه ولا يستعد له ويخاف أن يلاقي ربه. إذن فكلمة "الموت" تعطي الرَّغب والرَّهَب. فصاحب الإيمان ساعة يسمع كلمة الموت يقول لنفسه: إن متاعب الدنيا لن تدوم، أريد أن ألقى ربي. ولذلك يجب أن يستحضر المؤمنون بالله تلك القضية. وحين يستحضرون هذه القضية يهون عليهم كل مصاب في عزيز؛ فالإنسان ما دام مؤمناً فهو يعرف أن العزيز الذي راح منه إما مؤمن وإمَّا غير مؤمن، فإن كان مؤمناً فليفرح له المؤمن الذي افتقده؛ لأن الله عجَّل به ليرى خيره، فإن حزنت لفقد قريب مؤمن فأنت تحزن على نفسك. وإن كان الذي ذهب إلى ربه غير مؤمن، فالمؤمن يرتاح من شره. إذن الموت راحة، والذي عمل صالحاً يستشرف إليه، وهذا رَغَب، أما الكافر فهو خائف؛ وهذا رَهَب. ولذلك فمن الحمق أن يحزن الإنسان على ميْت، وعليه أن يلتفت إلى قول الحق: {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ}. ويتابع الحق: {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ فَمَالِ هَـٰؤُلاۤءِ ٱلْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً}. ومثل هذا الكلام أليق بمن؟ الذي يقول عن الحسنة إنها من عند الله فهو يؤمن بالله وهذه الكلمة لها في ذهنه تصور. والآية لا تريد هذا الصنف من الناس ولكن بعضهم يريد أن يفرق بين محمد وربه. فينسب الخير والحسنة لله، وينسب الشر والسيئة لمحمد، وعلى هذا فالذين قالوا مثل هذا الكلام إما أن يكونوا من المنافقين الذين أعلنوا إسلامهم وولاءهم لرسول الله وفي قلوبهم الكفر، وإمَّا أن يكونوا من بعض أهل الكتاب لأنهم يؤمنون بالله ولكنهم لا يعترفون برسول الله صلى الله عليه وسلم، فهؤلاء وأولئك ينظرون إلى الأمر الذي فيه خير على أساس أنه من عند الله، ويلقون اتهاماً باطلاً لرسول الله أنه مسئول عن الشرور التي تحدث لهم. كأنهم يريدون أن يقيموا انعزالاً بين محمد وربه. لا. فسبحانه لا يتيح لهم ذلك؛ فقد أنزل قرآناً يتلى إلى أبد الآبدين: {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} تفسير : [النساء: 80]. والحق يقول: {أية : إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ} تفسير : [آل عمران: 31]. فلا أحد يملك أن يصنع مضارة بين محمد وربه؛ لأن محمداً رسول من عند الله مبلغ لقول الله ومنهجه، وسبحانه يقول: {أية : وَمَا نَقَمُوۤاْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} تفسير : [التوبة: 74]. والحق سبحانه وتعالى لا يرضى عن عبد يستغفر الله فقط، ولكن لا بد أن يذهب العبد ويطلب من رسول الله أن يستغفر له الله، فلا أحد يمكنه أن يقيم صلحاً مع الله من وراء محمد رسول الله، فلا تفرقوا بين أمر الله وأمر رسول الله، ومن يريد أن يصنع مضارة بين الله ورسوله بأن يقول عن الحسنة إنها من عند الله، وأن السيئة من عند محمد، فهذا قول خاسر. ما حكاية هذا القول؟ إنهم إن ذهبوا إلى حرب فغنموا قالوا: "إن الله أسعدنا بالغنائم". وإن هُزِِموا قالوا: إن محمدا هو الذي أوقع بنا الهزيمة، وكأن لمحمد تصرفاً دون تصرف الله. فإياك أن تُخدع بمن يحاول أن يعزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه. إن محمداً قد بعثه الله وأنزل عليه القرآن. وكان رسول الله حين نزلت الدعوة يأمل أن يستجيب له القوم الذين يؤمنون بالله وهم أهل الكتاب. وكانوا أقرب إلى قلبه من القوم الذين لا يؤمنون بالله وهم المشركون، وكان هناك معسكران: معسكر الفرس، ومعسكر الروم، وكان معكسر الفرس يعبد النار - معاذ الله - أما معسكر الروم فهو يؤمن بالله وبالكتب السابقة على رسول الله ولكنه كافر بمحمد. والذي يؤمن بالله كان قريباً إلى قلب محمد ممن كفر بالله، وهذا دليل على أن عصبية محمد قد أتت له من الله. وقد ينصرف المعنى إلى اليهود. فحينما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان من المصادفة أن تقل ثمارهم ومزارعهم؛ فقالوا: مزارعنا وثمارنا في نقص منذ قدم هذا الرجل. وهل كان ذلك الأمر مصادفة أو أننا نجد له تعليلاً مادياً؟ فحينما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أنكروه بعد أن كانوا يستفتحون به على الذين كفروا، وسلب مجيئة منهم السلطة الزمنية التي كانت لهم؛ لأنهم كانوا أهل مال، ويتعاملون بالربا ويثيرون العصبية، ويتاجرون من أجل أن تظل لهم السيادة، وهم أهل علم بالكتاب وحاولوا التجارة بكلمات الله. فكانت لهم السيادة من ثلاث جهات: علمياً ومالياً ومنهجياً. وعندما جاء الإسلام ألف بين الأوس والخزرج فبارت أسلحتهم وضاعت منهم السلطة التي صنعوها بالتفرقة، وضاعت منهم سيادة المال؛ لأن الإسلام حرم الربا، وضاعت منهم سيادة المنهج لأن الإسلام كشف تحريفهم للكتاب وأنزل الله كتابا - وهو القرآن - غير قابل للتحريف. وهكذا انتهت وسائل السيطرة، لذلك وقعوا في الحزن وانشغلوا بهذا الهم. وكان الواحد من اليهود لا يسارر الآخر من اليهود ولا يناجيه إلا في أمر محمد. وما دامت هذه المسألة قد شغلتهم إلى هذه الدرجة فلا بد أنها قد شغلتهم عن الزراعة والاهتمام بها. هم انشغلوا عن الأسباب فكانت النتيجة هي ما حدث. ولكنهم حاولوا إلصاق ذلك برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من الصعب عليهم أن يفهموا الأمر الحادث لهم، وإمّا أن يكون تفسير ذلك هو أن السماء أرادت لهم عقاباً لأنهم حاولوا المكر برسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك شغل وقتهم عن الأخذ بالأسباب. وإمّا أن يكون ذلك من آفة سماوية فلماذالم يلتفتوا إلى أن دين محمد هو المنقذ لهم مما هم فيه؟ لقد كانوا يستعزون به. لكنهم لم يؤمنوا به (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به) فنزل بهم أكثر من عقاب. فالذين كانوا يتعاملون مع اليهود بالربا امتنعوا عن ذلك، وكذلك نقصت الزروع والثمار. إذن فالمسألة جاءتهم بنقص من الأموال؛ فقالوا ما قاله الله مما أورده الحق على ألسنتهم: {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ}. أي كل من الحسنة والسيئة من عند الله وما الحسنة وما السيئة؟ الحسنة هي الظفر والغنيمة والسراء والرخاء والخصب. والسيئة هي الهزيمة والقتل والضراء والبؤس والجدب. هذا ما فهموه، ونحن - المؤمنين - نفهم الحسنة فهماً دقيقاً؛ فالحسنة في الشرع هي ما يأمر به الله، والسيئة هي ما ينهى عنه الله؛ بدليل أن المؤمن قد يصاب في عزيز لديه ثم يقف موقفاً إيمانياً في استقبال هذه المصيبة ويقول: "إن حزني لن يرده فالأفضل أن أكسب به الجنة". ويزيد على ذلك: "يكفيني عزاءَّ الأجرُ عليه، فأنا لم أكن سآخذ منه طيلة حياته مثل الأجر الذي سآخذه في صبري على مصيبتي فيه". إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينبهنا بقوله: إياك أن تظن أن الحسنة هي ما تستطيبه نفسك، أو أن السيئة هي ما تشمئز منها نفسك، لا، فالمصاب في عُرْف الشرع هو من حُرم الثواب. ولذلك جاء القول: {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} أي أن الحسنة والسيئة من عند الله. وهل يصنع الله سيئة؟ ونقول: نستغفر الله، فالسيئة في نظر الإنسان والحسنة في نظر الإنسان، وكلها من عند الله، ولكن إذا نسينا الفعل إلى الله فكل ما يصدر عنه حسن، وافتقاد المقاييس الصحيحة هو الذي يتعب. وعندما نحاول أن نحسب مثل تلك الأمور بحساب الكمبيوتر تستقيم لنا النتائج. ومثال ذلك: تلميذ أهمل في المذاكرة، وفي حضور الدرس لذلك فهو يرسب آخر العام، ولكنه ينظر إلى الرسوب على أنه سيئة، ولكنها في عرف الحق عموماً حسنة. وحينما وضع الله قانون أن من لا يستذكر يرسب، فهذا إحياء للحسنة في آلاف غيره، ويكون الراسب نموذجاً واضحاً ووافياً وتطبيقيا، وخاضعاً لسنة الكون. وكذلك الذي لم يزرع أرضه أو تكاسل عن الحرث أو أهمل الري، فهو يأتي يوم الحصاد ولا يُؤْتي ثماراً وهذا أمر سيئ بالنسبة له، أما بالنسبة لقضية الحق الكونية في ذاتها فهي حسنة؛ لأن ذلك يدفع كل واحد إلى عدم إهمال أي سبب من الأسباب؛ فالمصاب بنتيجة عمله يفسر المصيبة على أنها سيئة؛ لأن فيها مساءة وإضراراً به، فالمصاب بنتيجة عمله يفسر المصيبة على أنها سيئة؛ لأن فيها مساءة وإضرارا به، ولكن لو قاس مسها له بما فعله لوجد أن ذلك هو سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا. وحين يضع الحق سبحانه وتعالى سنناً في كونه فالذي يأخذ بالأسباب يعطيه، ويحرم سبحانه من لا يأخذ بالأسباب. وعندما نقيس الأمور بهذا المقياس نرى الناجح هو المجدّ، والمتكاسل هو الراسب، والنتيجة كلها من عند الله تقنيناً كونيا. والحق سبحانه وتعالى حينما يعرض أقوال طرف فإن كان مقراً بما فيه يتركه من غير تعليق عليه، وإن كانت قضية باطلة يكر عليها بالحجة ليبطلها ويدحضها. وهذا يلفتنا إلى أن الحق سبحانه وتعالى لا يريد أن نلف قضايا الخصوم لفاً بحيث لا نعرفها، ولكنه يعرض قضية الخصوم عرضا ثم يكر عليها بالنقد ليربى - كما قلنا - المناعة الإيمانية، حتى لا تفاجئ قضية كفرية عقيدة إيمانية؛ فسبحانه يعرض قضايا الكفار ويوضح لنا: سيقولون كذا فقولوا لهم كذا. مثال ذلك: عندما قالوا: إن الله اتخذ ولداً قال الحق: {أية : كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً} تفسير : [الكهف: 5]. فهو سبحانه يعرض قضايا الخصوم؛ لأن الذي يحاول أن يلف قضية الخصوم يكون مشفقاً منها، لكن من يعرضها ينبه عقل السامع إليها ليبطلها ويقول: "هاي هي ذي نقاط الضعف في هذه القضية". وحينما قالوا: {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ} أرادوا بهذا القول أن يصنعوا مضارة بين الله ورسوله، فأوضح الحق سبحانه؛ قل لهم يا محمدُ: "حديث : كل من عند الله"تفسير : ، وتتجلى دقة الحق سبحانه في أنه جعل محمداً صلى الله عليه وسلم وكيلاً في البلاغ عنه، وكان من الممكن أن يسوق الحق القضية بدون "قل". لكنه سبحانه أراد في هذه أن يوسط رسوله صلى الله عليه وسلم في أنه يقول: "قل كل من عند الله". و "كل" تعني: كُلاً من الحسنة ومن السيئة. ويريد الحق سبحانه وتعالى أن يبين لنا أن قضايا الوجود تتسق مع فطرة الإيمان. ولقد وقع خلاف طويل بين العلماء في أفعال العباد، وتساءلوا: هل يفعل العبد أي فعل بنفسه، أو أن الله هو الذي يجري على عباده الأفعال؟. فإذا كان العبد هو الذي يفعل الفعل فمن العدالة أن يتلقى الثواب أو العذاب جزاء ما قدم. وإذا كان الله هو الذي يجري كل الأفعال فلماذا يعذبه الله؟. ودخل العلماء في متاهة كبيرة. وهنا نقول: يجب أن تفهم أن الحق حينما خلق الكون جعل فيه سُنناً، ومن عجيب الأمر أن السُنن تنتظم وتشمل وتضم المؤمن والكافر مما يدل على أنه لا أحد في كون الله أولى بربوبية الله من الآخر، فحتى الذين لا يؤمنون بالله أدخلهم الحق في ربوبيته فأمر الأسباب التي خلقها استجيبي لمن يخدمك وأعطيه المسببات ولا تلتفتي إلى أنه مؤمن أو كافر لأنني أنا الذي خلقته وأوجدته في الكون، وما دمت أنا الذي أوجدته في الكون فلا بد أن أتكفل بكل ما يقيم حياته، وأنا سأعرض منهجي، وأقول لعبادي: أنا أحب هذا الفعل وأنا أكره هذا الفعل فمن يؤمن بي فسيكون له وضعٌ آخر، سيكون عبداً لله. إذن فالله بالألوهيّة مناط التكليف لمن يؤمن به، والرب بالربوبية مناط الخلق والرزق وقيومية الاقتيات للخلق جميعا، لكل العباد؛ فالسنن والنواميس الكونية تخدم الكل، بدليل أن بعض السنن كانت تحب أن تتمرد لأنها عصبية إيمانية لله. عندما ترى الله يعطي بعضاً من عباده وهم غير مؤمنين به. فالسنن والنواميس كجنودٍ لله نجدها متأبية على ابن آدم من عدم شكره لله، لكن الحق يوضح للخلق المسخر: هم خلقي وأنا الذي استدعيتهم للوجود. فصنع الحق نواميس للكون تؤدي مهمتها للمؤمن وللكافر جميعا، ثم أنزل سبحانه تكليفاً بوساطة الرسل. ويوضح: أنا أحب كذا وأكره فالذي يحبني يعمل بتكليفي. إذن فمناط الربوبية غير مناط الألوهية. مناط الربوبية خلق من عَدم وإمداد من عُدم. ومناط الألوهية طاعة، والطاعة تقتضي أمراً ونهياً. فكل ما كان من مدلول الأمر والنهي - الذي هو التكليف - فهذه مطلوبات الألوهية. وكل ما كان من مطلوبات السنن الكونية فهو من مناط الربوبية. والسنن الكونية لا تتخلف أبداً. فمثلا الذي يريد أن ينجح في مادة من المواد في مدرسة ما.. لا بد أن يحصل على خمسين بالمائة من مجموع الدرجات. ومن يريد أن ينجح في مادة أخرى لا بد أن يحصل على أربعين بالمائة. وحين تنطبق هذه الشروط على طالب ما. فهل هذا الطالب هو الذي أنجح نفسه أو أن القانون هو الذي أعطاه النجاح؟ إن القانون هو الذي أعطاه النجاح. وصحيح أن القانون لم يقل للطالب وهو يكتب الإجابة: إن مستوى إجابته سيحقق له درجات النجاح، إنّه قد بذل جهداً في التحصيل الدراسي، وحقق له هذا الجهد النجاح في نطاق ما تم تقديره. فالقانون لا ينجح أحداً، ولا يتسبب في رسوب أحد، ولكن الطالب الذي يبذل جهداً ينجح، والطالب الذي لا يبذل جهداً يرسب. وعلى ذلك فكل شيء في الوجود له قانونه. إن اليد المخلوقة لله، لو نظرنا إلى حركتها، لا نعرف كيف تزاول مهمتها. وعندما يرفع أحدنا شيئاً من الأرض لا أحد فينا - غالباً - يعرف العضلات التي تتحرك لتحمل هذا الشيء. فالذي فعل حقيقة هو الله. واليد سواء أفعل الإنسان بها خيراً؛ أم شرّاً، فالفاعل الحقيقي لكل فعل هو الله. وقام الإنسان فقط بتوجيه الطاقة الصالحة للسلام على واحد، أو لصفع واحد آخر، فاليد صالحة للمهتمين. وعندما يوجه الإنسان يده للصفع فهو يأخذ عقاباً، وعندما يوجهها للسلام يأخذ ثواباً. صحيح أن الإنسان ليس له دخل في العمل ذاته ولكن له دخل في توجيه الطاقة الصانعة للعمل؛ فالثواب أو العقوبة ليست للفعل ولكن لتوجيه الطاقة. والسكين - كمثال آخر - يذبح بها الإنسان الدجاجة، أو يطعن بها إنساناً، وهي لا تعصي توجيه الإنسان إن ذبح الدجاجة؛ ولا تعصاه إن طعن إنساناً. والحق قد خلق قانوناً للسكين أن تذبح، والإنسان يقوم بتوجيه الآله التي خلقها الله صالحة لأن تذبح إلى الذبح، سواء أكان الذبح فيما حرم الله، أم فيما أحل، إذن فالله هو الفاعل لكل شيء. وما دام الفعل في نطاق أوامر المكلِّف صاحب السنن فهو الذي يقوم بكل فعل. وعندما تدقق النظر تجد أن كل فعل من عند الله، وليس للإنسان سوى توجيه الطاقة؛ فالشاب الذي يذاكر دروسه، لم يخلق عقله ولا خلق عينيه اللتين يقرأ بهما، ولكن عقله صالح أن يفكر في الأمر الرديء، وعيناه صالحتان لأن ينظر بهما في مجلة هزلية أو ينظر بهما في كتاب. إذن فهو ساعة يفعل هذا أو يفعل ذلك هل يفعل ذلك من وراء رَبِّه؟. لا، إنه لم يفعل شيئاً على الإطلاق سوى توجيه الطاقة التي خلقها الله صالحة لأن تفعل هذا وتفعل ذاك. إذن فثوابك وعقابك يكونان على توجيه الطاقة الفاعلة إلى الأمر الصالح أو الأمر السيء. فعندما يقول ربنا: "كل من عند الله" نقول: هذا حق وصدق؛ فالذي أهمل في زراعة أرضه ولم يسمدها أو لم يروها وأصابه جدب فهذا نتيجة عدم توجيه الطاقة المخلوقة لله في مجالها الصحيح. لكن عندما يمتنع المطر فلا عمل في ذلك للإنسان. فالنواميس الكونية صنعها الله. ومن يأخذ بأسبابها تعطه وإن أصابت الإنسان سيئة في إطار هذه فهي من عند الإنسان؛ لأنه لم يأخذ بالأسباب. وما ينطبق على الفرد ينطبق أيضاً على الجماعة؛ فالذي يلعب الميسر ويأتي له الخراب والدمار، هذا من نفسه؛ لأنه تلقى الأوامر من الحق بألا يمارس تلك الألعاب. وأي أمة اشتكت من ضيق الأرض الزراعية وضيق الرزق فهذا بسبب الأمة نفسها؛ لأن القائمين بالأمر كان عليهم العمل لتنمية الموارد بالنسبة لنمو السكان. والذي يتعبنا ويرهقنا أننا نتحمل غفلة أجيال، فتجمعت المشكلات فوق رءوس جيلٍ واحد. ولو أن كل جيل سبق قام بمسئوليته لكانت مهمة الأجيال الحالية أقل تعباً. فما دامت لدنيا أرض صالحة لأن تنبت كان علينا أن نعدها ونستغل المياه الجوفية في زراعتها. فالمسألة إذن كسل من أجيال سابقة. وما دام هناك مخزون في المياه الجوفية كان يجب أن نعمل العقل لنستنبط أسرار الله في الكون. فليس من الضروري أن ينزل المطر، لأن الحق يقول: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الزمر: 21]. وجعل الله للمياه مسارب في الأرض حتى تستطيع البلاد ذات الحرارة الشديدة الوصول إلى المياه الجوفية ولا تتعرض المياه المنتشرة في مسطحات كبيرة للتبخر. لقد أخفى الله جزءاً من المياه في الأرض لصالح الإنسان. وفي البلاد الحارة نجد الملح واضحاً على سطح التربة دليل على أن الحق وضع قانون تقطير المياه العذبة لتكون صالحة للشرب والزراعة. وكلنا يعرف قانون التبخر، فعندما نأتي بكوب من المياه وننشره على مسطح حجرة مساحتها خمسة وعشرون متراً مربعاً فالمياه تتبخر بسرعة. لكن لو تركنا كمية المياه نفسها في كوب الزجاج فلن تنقص إلا قدراً ضئيلاً للغاية. إذا فكلما زاد المسطح كان البخر أسرع. وأراد الحق أن تكون ثلاثة أرباع اليابسة من المياه؛ لأن الماء أصل كل شيء حي. وجعل بعضها من الماء المالح حتى لا تأسن ولا تتغير، وتوجد هذه المياه في مساحة متسعة حتى تتبخر وتنزل مطراً، فما يجري في الوديان يجري، والمتبقي من المياه يصنع له الحق مسارب في الأرض لأنه ماء عذب، حتى يستخدم الإنسان ذكاءه الموهوب له من الله فيستخرج المياه من الأرض، فالحق خلق لنا كل ما يمكن أن يحقق لنا استخراج قوت الحياة. وسبحانه القائل: {أية : قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ} تفسير : [فصلت: 9-10]. فإياكم أن تقولوا: إن السكان سيزيدون عن القوت الذي في الأرض، ولكن اعترفوا بخمول القدرات الإبداعية للاستنباط. فبعد أن يقول الله: {وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا} فلا قول يصدَّق من بعد قول الله. وهب أن موظفاً - ولله المثل الأعلى - جاء في أول الشهر بتموين الشهر كله ووضعه في مخزن البيت، وجاء ظهر اليوم ولم يجد زوجته قد أَعدَّت الغداء، فماذا يحدث؟ إنه يغضب. ولقد وضع ربنا أقواتنا مخزونة في الأرض، ونحن لا نعمل بالقدر الكافي على استنباط الخير منها. وسبحانه يوضح لنا: إن الإنسان إن لم يستفد بالنواميس التي خلقها الله له، ولم ينفذ التكاليف أمراً ونهياً فلسوف يتعب الإنسان نفسه؛ فتكون معيشته ضنكاً. فسبحانه يقول: {أية : وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} تفسير : [النحل: 112]. هذه القرية كانت تتمتع بالأمن والاطمئنان لكنها كفرت بأنعم الله. والكفر في المعنى العام هو: ألا تشكر النعمة لله. وعندما نمعن النظر بدقة لنرى قانون ربط السبب بالمسببات، وربط السنن الكونية بالكون والمكون والمكون له نجد أشياء عجيبة، فهذه القرية كانت آمنة مطمئنة والرزق يأتيها رغداً من كل مكان. إذن فالقرية هي مكان السكن، وليس مكان السكن فقط هو الذي فيه الرزق بل يأتيها رزقها رغداً من كل مكان، فكأن كل مكين في بقعة؛ له بقع خالية في مكين آخر تخدمه. وتلك القرية كفرت بأنعم الله. والكفر في معناه الواضح هو الستر، والقرية التي كفرت بأنعم الله هي التي سترت نعمة الله، فنعمة الله موجودة ولكن البشر الذين في تلك القرية هم الذين ستروا هذ النعمة بالكسل وعدم الاستنباط للنعمة وترك استخراجها من الأرض. أو أن سكان هذه القرية استخرجوا نعمة الله واستنبطوها وستروها عن الخلق، وفساد الكون إنما يأتي من هذين الأمرين: أي أن هناك أمماً متخلفة، كسل سكانها عن توجيه طاقاتهم لاستنباط النعم من الأرض. أو أن هناك أمماً أخرى تملك الثراء والخير وترميه في البحر حتى لا يذهب إلى الأمم المتخلفة. والخراب الذي نلمسه في علاقات العالم ببعضه البعض يقول لنا: إن العالم هو القرية التي ضرب الله بها المثل: {أية : وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} تفسير : [النحل: 112]. ولنر دقة الأداء القرآني، في قوله: {فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ}، ونعلم أن الذي يُذاق هو الطعم. والطعم يكون باللسان وحده: أما اللباس فيعم كل الجسم، والحق هنا يعطي الإذاقة ولا يكون الذائق هو الفم فقط بل كل الجسم، فالفم إنما يتناول لصالح بقية الجسم، وعندما لا تصل مادة الحياة إلى بقية الجسم فكل الجسم يذوق الجوع أيضاً. والكون المخلوق لله مصنوع على نظام دقيق من أجل أن تسير السنن الكونية في مجالاتها التي حددها الله، وعندما تنتظم هذه السنن في حركتها فهي تعطي النتائج للإنسان ولو بعد حين، حتى إن بعض المفسرين والمتكلمين بعمق يقولون: إن الأمراض الوراثية التي تنتقل من أجيال سابقة إلى أجيال لاحقة كان السبب فيها تقصير آباء واجتراءهم على أشياء مخالفة لمنهج السماء، فإذا شرع الله سنة كونية للفرد ثم خالفها تصيبه نتيجتها السيئة من بعد ذلك، وكذلك الأمة والجماعة. لكن المسائل التي يقف فيها العقل فقط هي المصائب التي تصيب الناس بغير عملهم. وكان على الفلسفة أن تبحث هذا المجال، أما الدين فهو يقول لنا أسباب تلك المسائل؛ فالشيء الذي له مقدمات من أسباب تكاسل الإنسان عنها، ثم أصابته كارثة فهذا من فعل الإنسان في نفسه. أما الأشياء التي تأتي قدرية فهذا أمر مختلف. فإذا كان ديننا قد وضع للإنسان أسباباً كونية وحكمة الإنسان الإيمانية قالت له: افعل ذلك حتى يحدث كذا، ولا تفعل ذلك حتى لا يحدث كذا فعلى الإنسان أن يعرف أن الله لم يعطه كل ما يستطيع به استيعاب كل حكمة المكوِّن في الكون، ليلفت سبحانه الإنسان دائما على أن طلاقة القدرة مازالت موجودة، فيحدث شيء من الأشياء يتساءل فيه الإنسان: ما سبب ذلك؟ ولماذا؟ ومثال ذلك الزلزال أو البركان أو السيل الجارف والريح العاصف، كل هذه الأحداث لا دخل للإنسان فيها، وهي أحداث تقول للإنسان: لو أن المسائل في الكون فيها رتابة أسباب لما ارتبطنا بقوة غيبية خفية نضرع إليها دائماً لنَسْلَم. وجاءت بعض مدارس الفلسفة في ألمانيا - مثلا - وقالت: إن وجود الشر في الكون دليل على أنه لا يوجد إله، فلو كان هناك إله حكيم لما أفلتت منه هذه المسائل، ولما خرج واحد بعين واحدة ولا خرج أعرج ولا مشوه. وقالت مدرسة أخرى في العصر نفسه: لا. إن رتابة النظام في الكون دليل على أنه لا يوجد إله، فلو كان هناك إله لخرق القانون والناموس ولأخرج بعض الأحداث عن هذا الناموس. وهكذا نرى أنهم يريدون الكفر من أجل الكفر بدليل أن مدرسة أخذت النظام في الكون كدليل للكفر، ومدرسة أخرى أخذت الشواذ في الكون كدليل على الكفر. وكُلّ من أقطاب المدرستين إنما يبحث عن سبب للكفر. ونقول لهم: كلاكما غبي؛ الذي يريد منكم النظام سببا لوجود إله حكيم، والذي يريد الشذوذ سبباً لوجود إله قادر، هذان الأمران موجودان في الكون، وكلاهما دليل على وجود الإله الحكيم القادر لو كنتم منصفين. انظر إلى النظام في الكون الأعلى؛ فلو فسدت فيه مسألة صغيرة لانهدم الكون كله. انظروا إلى الشمس والمطر والكواكب والنجوم، إنها خاضعة لنظام محكم. فيا من تريد النظام دليلاً على حكمة مكون، فالنظام موجود، ويا من تريد الشذوذ دليلاً على أن هناك إلهاً يسيطر على ميكانيكية الكون فهذه أمور موجودة. والشذوذ إنما يتأتى من الأفراد، فإن شذ فرد فلن يفسد القضية العامة، فالذي يولد بعين واحدة مبصرة سنجد مئات الملايين امتلكوا البصر كاملاً. لكن عندما يأتي الشذوذ في نظام الكون وحركة الأفلاك فالذي يحدث هو دمار للعالم. فمن أراد أن يرى النظام السائد يدل على الحكمة نقول له: انظر إلى الفلك الأعلى. ومن يريد الشذوذ دليلا على أن هناك قوة تتحكم في ميكانيكية العالم نقول له: هذا موجود، ولكن الشذوذ موجود في الأفراد. فإن شذ فرد فلا يعطب بقية الأفراد. ونعرف - أيضا - أن رتابة النعمة قد تلهي الإنسان عن المنعم. فالإنسان منا يظل لمدة طويلة وأسنانه سليمة فلا يتذكر مسألة أسنانه، لكن إن آلمه ضرس واحد فهو يتذكر أن له ضرساً، وكذلك إن آلمته إحدى عينيه، أو إذا آلمته كُلْيَته فهو يجري إلى الطبيب. وهذه أمور لافتة حتى تُخرج الإنسان من رتابة النعمة عليه ليتذكر المنعم بالنعمة. وعندما نرى إنساناً أكرمه الله بفقدان البصر، فالواحد منا يقول: الحمد لله ويمسك الإنسان منا عينيه مخافة أن تذهبا، وكذلك عندما نرى أبرص أو أعرج، وهذه هي وسائل إيضاح في الكون حتى لا تغفل الناس عن المنعم بالنعمة. فإذا ما نظرنا إلى الأشياء التي تصيب الإنسان فرداً، أو تصيب الأمة كمجموع فنحن نجدها بما قدمت يدها؛ لأنها صنعت شيئاً يخالف التوجيه. فإن كان هناك شيء خارج عن قدرة الإنسان فنحن نقول: هذه هي حكمة المكوِّن حتى يلفتنا إلى أنه المنعم. ولهذا نرى الشواذ في الخلقة قلة ولا كثرة، ويعوض الله من أصيب بشذوذ في شيء بدوام مَلَكَةٍ في شيء آخر. ولذلك يقول الشاعر: شعر : عميت جنيناً والذكاء من العمى فجئت عجيب الظن للعلم موئلا وغاب ضياء العين للعقل رافداً لعلم إذا ما ضيع الناس حصلا تفسير : وضربت المثل مرة ببيتهوفن الموسيقار العالمي الذي أطرب العالم بسمفونياته.. إنّه كان أصم. ولذلك نحن نسمع في لغة العامة: كل ذي عاهة جبار. فإذا كان الله قد جعله وسيلة إيضاح ليلفت الناس إلى نعم الله سبحانه عليها فهو يعوضه بموهبة أخرى ويلتفت الناس فيها إلى صاحب العاهة فيرون فضل الله عليه أيضاً. إذن فالمصائب التي تحدث وليس للإنسان دخل فيها هي الملحظ الذي يجب أن نبحثه. وهذه هي مكونات الحكمة كي يلتفت الإنسان دائما إلى أن الكون غير متروك بلا قيادة. إن الله خلق الكون وخلق القانون والنواميس ليدلنا على أنه موجود. ولا تزال يده في الكون. فإذا حدثت حادثة فلا بد أن نلتمس لها حكمة. والحكمة خرق وخروج عن النواميس يلفت إلى أن فوق ميكانيكية العالم وقوانينها قوة أخرى تقول لها: "تعطلي". ولذلك فمعجزات بعض الرسل من هذا اللون، فطبيعة النار أنها تحرق، ولكنها لم تحرق سيدنا إبراهيم عليه السلام. أكان مراد الحق سبحانه وتعالى أن ينجِّىَ إبراهيم من النار؟ لو كان مراده هو نجاة إبراهيم من النار فحسب لما مَكَّن خصومه من أن يمسكوه. وبعد أن أمسك خصوم سيدنا إبراهيم به، وأشعلوا النار وأججوها. كان باستطاعة الحق سبحانه أن يأتي بغمامة لا قدرة لخصوم إبراهيم عليها وتمطر مطراً تطفئ النار. لا. فقد أراد الله النار ناراً متأججة وأن يقدر خصوم إبراهيم عليه ويمسكوا به ولا تنطفئ النار، وأن يلقوه في النار، وبعد ذلك يوضح الحق: أنا أزاول سلطاني في الناموس؛ لأني خالق الناموس وأعطله متى شئت، "يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم". أما لو حدثت المسألة الأولى وانطفأت النار، لقالوا: آه لو لم تنطفئ النار، وآه لو لم ينزل الماء على النار. إن الحق أراد أن يدحض كل دعاوي الخصم. فعندما تحدث أحداث لا دخل للإنسان فيها نقول: دعها لحكمة الخالق لأنه يريد أن يلفت الخلق إلى أنه صاحب اليد العليا في الكون. فميكانيكية الكون تحير العقول؛ لأنها مضبوطة بدقة، ولكنها لم تفلت من يد ربنا. ولذلك نرى في بعض الأحيان رياحاً عنيفة تثير الغبار فلا يرى الإنسان شيئاً على الإطلاق. ومعنى ذلك أن الذرات تراكمت وتراكبت حتى صارت جداراً، ويحدث ذلك مهما حاولت الأجهزة العلمية التحكم في ذلك أو منعه. ومن العجيب أن الحق يترك لنا لذعة تقول: لقد كرمتك بالعقل ولكني لم أدع لك كل الفهم، فقد يوجد صاحب غريزة لا عقل له ويكون أقدر على فهم الأشياء منك أيها الإنسان. وعندما يحدث زلزال في منطقة ما، فأول ما يخرج من المكان هي الحمير. وهذا لفت للإنسان حتى لا يقع فريسة للغرور: {أية : كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ} تفسير : [العلق: 6-7]. فإذا ما رأيت حدثا في الكون ولا دخل للإنسان فيه ولا للأمم دخل فيه؛ فلتعلم أن لله فيه حكمة حتى يلفتنا إلى المكون الأعلى؛ وحتى لا يظن أحد أن لميكانيكية الكون رتابة، إنما هي نظام يجريه الله على وفق قدرته وإرادته وحكمته. ولذلك يقولون: إن العقل الإلكتروني لا يخطئ، وهم لا يعرفون أن من الخيبة ألا يخطئ، لأنه كما تملؤه وتمده بالمعلومات سيخرج لك هذه المعلومات. ليس له خيار في شيء. أما العقل البشري فهو قادر على الاستنباط والاستكشاف وعدم ذكر بعض المعلومات التي قد تضر. هذه هي العظمة. ويقول بعضهم - كمثال آخر - إن الورد الصناعي لا يذبل، نقول: إن عيبه أنه لا يذبل لأن الذبول حيوية، وعدم الذبول دليل على أنه لا حياة فيه، وأنّه جمود فقط. وساعة يجري الحق سبحانه وتعالى شيئاً في كونه ولا دخل لأحد فيه فهو يريد أن يلفت الكون إلى بقاء القيومية العليا والقدرة الإلهية في الكون؛ حتى لا تغتر بميكانيكية الكون. ولذلك يعرض القرآن بصيصاً من هذه الأشياء، إذا أخذتها بحكم العقل فهو لا يقبلها، لكن حين يفسرها من أجراها نجدها في منتهى العقل. مثال ذلك: سيدنا موسى عندما ذهب إلى العبد الصالح، ما الذي حدث؟. قال العبد الصالح: {أية : إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} تفسير : [الكهف: 67]. ويلتمس العبد الصالح لموسى العذر فيقول له: {أية : وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً} تفسير : [الكهف: 68]. فيقول سيدنا موسى وهو من أولي العزم من الرسل: {أية : قَالَ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِراً وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً} تفسير : [الكهف: 69]. فيخرق العبد الصالح السفينه. وخرق السفينة في السطحية الفهمية شرّ، وعلى الرغم من أن سيدنا موسى وعد العبد الصالح بعدم عصيان الأمر وأن يكون صابراً، على الرغم من ذلك لم يطق حادثة خرق السفينة، فقال للعبد الصالح: {أية : أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً} تفسير : [الكهف: 71]. لقد شك سيدنا موسى في ظاهر الأمر، ولكن عندما يدرك الحكمة يجدها عين الخير. فلو لم يخرق العبد الصالح السفينة لأخذها الملك الظالم الذي يأخذ كل سفينة صالحة وسليمة غصباَ: {أية : أَوَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً} تفسير : [الكهف: 79]. فلو لم يخرقها العبد الصالح لما استرد أصحاب السفينة سفينتهم، وبالخرق للسفينة ستظل لأصحابها؛ لأن بها عطبا يستطيعون إصلاحه بعد ذلك. إذن، كل شيء يجري على غير ما تشتهيه سطحية الفهم البشري فلنعلم أنها ما دامت ليست من أحد، وهي من المكون الأعلى فوراءها حكمة. وهل يوجد أكثر بشاعة من القتل؟ لقد قتل العبد الصالح غلاماً. ما الحكمة في ذلك؟. إن الواحد منا يولد له ابن فيكون قرة عين وسندا، وقد يكون هذا الابن سببا في فساد دين أبيه ويحمله على الكذب والرشوة والسرقة فهذا الابن يقود أباه إلى الجحيم، ومن الخير أن يبعد الله هذا الولد من طريق الوالد فلا يطغي. ويقول قائل: وما ذنب الولد؟ نقول: أنت لا تفهم الأمور، لقد ذهبت إلى الحق بدون تجربة في أن يطيع أو يعصي الله، ذهب إلى رحمة الله مباشرة، وهذا أفضل له. وكان في ذلك القتل للولد رحمة لوالديه؛ فالشيء إن حدث للنفس إن كان من مخالفة الإنسان للناموس فيكون الإنسان هو الذي فعل الضر بنفسه.. وكذلك الأمة حين تخالف ناموساً شرعياً أو كونياً. لكن لو كانت الأمور فوق طاقة البشر فلا بد أن لله فيها حكمة. وقصة العبد الصالح ومومسى مليئة بالحكم. فقد ذهب الاثنان إلى قرية واستطعما أهلها أي طلبا من أهلها طعاماً: {أية : حَتَّىٰ إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ ٱسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا} تفسير : [الكهف: 77]. ولم يطلب أي منهما نقوداً، وذلك حتى لا تثار الظنون السيئة، ولكن طلبا الطعام ليأكلاه. وهو أول الحاجات الضرورية للإنسان. فقالوا لهما: لا لن نعطيكما لأن أهل تلك القرية كانوا لئاماً. ولذلك اتجه العبد الصالح إلى جدار يريد أن ينقض فأقامه، فقال سيدنا موسى للعبد الصالح: لماذا لا تأخذ منهم أجراً؟ وأخيراً يوضح العبد الصالح لسيدنا موسى: {أية : وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي ٱلْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِـع عَّلَيْهِ صَبْراً} تفسير : [الكهف: 82]. فأهل القرية اللئام الذين طُلِبَ منهم الطعام لم يكونوا قادرين على تحمل أمانة حفظ الكنز للغلامين. فأمر الله العبد الصالح بحجب الكنز عن أهل تلك القرية. إذن، فالمسائل إن جرت على الإنسان بسبب منه فهو الذي فعل الضر بنفسه، أما إذا كان الأمر لا دخل للإنسان فيه فعليه أن يثق بحكمة مَن يجريه وبذلك يستقبل الإنسان كل شيء يصيبه بالراحة. إن صاحب الإيمان يلقى الأحداث بقلب قوي. فإن كانت من نفسه فهو يعدل سلوكه، وإن كانت من ربه فهو يثق بحكمة ربه {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} وهذا إيضاح لك حتى تفهم أن أي فعل هو من عند الله. فليس للإنسان في الطاقة أي فاعلية ولكن للإنسان توجيه المخلوق من طاقات وجوارح إلى الطاعة أو إلى المعصية. وما دام كل من عند الله فهو سبحانه يريد لنا أن نتلو العجب من هؤلاء ونقرأه فيقول سبحانه: {فَمَالِ هَـٰؤُلاۤءِ ٱلْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً} كأن منطق العقل والفكر يقودان إلى ضرورة الفهم. وعندما لا يفهمون ذلك فنحن نستعجب من عدم فهمهم. ولا نستعجب من عدم فهمهم إلا إذا كان الأمر المطروح أمامهم أمراً يستوعبه العقل. والحق يقول: {لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً} وساعة تقول فلان لا يفقه، فهذا معناه أن عقله ممنوع من الفهم. أما عندما نقول: لا يكاد يفقه. فهو يعني: لا يقرب حتى من الفهم. والقول الثاني هو الأكثر بلاغة. ومن بعد ذلك يقول الحق: {مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} معناهُ فِي حِصُونٍ، واحِدُهَا بُرجٌ. والمُشيَّدَةُ: المُطَّولةُ. والمُشيَّدُ: المُزَينُ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر أن آجالهم تدرك آمالهم بقوله تعالى: {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ} [النساء: 78]، إشارة في الآيتين: إن يا أهل البطالة في زي الطلبة والبطلة الذين غلب عليكم الهوى وحب الدنيا فأقعدكم عن طلب المولى، ثم {أية : أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}تفسير : [التوبة: 38] واطمأننتم بها، {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ} [النساء: 78] اضطراراً إن لم تموتوا قبل أن تموتوا اختياراً، {وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} [النساء: 78] أجساد مجسمة قوية أمزجتها، { وَإِن تُصِبْهُمْ} [النساء: 78]؛ يعني: أهل البطالة من مدعي الطلب، {حَسَنَةٌ} [النساء: 78]، من شواهد الغيب وفتوحاته، {يَقُولُواْ هَـٰذِهِ} [النساء: 78] الفتوحات {مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} [النساء: 78]، لا يرون للشيخ فيها عليهم حقاً، {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} [النساء: 78] من الرياضة والمجاهدات، {يَقُولُواْ} [النساء: 78] للشيخ، {هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ} [النساء: 78]؛ أي: بسببك وسعيك، {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} [النساء: 78]، القبض والبسط، والفرح والشرح، والفتوح والجروح، {فَمَالِ هَـٰؤُلاۤءِ ٱلْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً} [النساء: 78]، خاصته هذا الحديث وما يقاسي أهله من الشدائد والمحن حتى أورثتهم الفوائد والمنح. {مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ} [النساء: 79] فتوح وموهبة {فَمِنَ ٱللَّهِ} [النساء: 79]؛ أي: فمن مواهبه فضلاً وكرماً، وإن كان يتصرف الشيخ وقوة ولايته وتأثير همته فيك، {وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ} [النساء: 79] شدة وبلاء وهم وعناء {فَمِن نَّفْسِكَ} [النساء: 79]؛ أي: من صفات نفسك وخاصية أمارتها بالسوء وشوب معاملاتها بالهوى، وسعيها واكتسابها في طلب شهوات الدنيا ولذاتها، كقوله تعالى: {أية : وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ} تفسير : [البقرة: 286]. ثم اعلم أن الأعمال أربع مراتب: منها: مرتبتان لله تعالى وليس للعبد فيها مدخل التقدير والخلق، وإن الله تعالى قدر الأشياء قبل خلقها، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله تعالى فرغ من الخلق والخلق والرزق والأجل"تفسير : ؛ يعني: قدَّر هذه الأشياء وفرغ من تقديرها؛ لأنه يخلق كل يوم وساعة ولحظة {أية : خَلْقاً آخَرَ} تفسير : [المؤمنون: 14]، كيف فرغ من الخلق؟ فافهم جيداً. ومنها: مرتبتان للعبد وليس لله فيها مدخل وهما: الكسب والفعل، فإن الله تعالى منزه عن الكسب والفعل بالسببية، وإنهما يتعلقان بالعبد؛ ولكن العبد وفعله وكسبه مخلوقة خلقها الله تعالى، كما قال عز وجل: {أية : وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}تفسير : [الصافات: 96]، فهذا لتحقيق قوله تعالى: {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} خلقاً وتقديراً، لا كسباً وفعلاً، فافهم واعتقد، فإنه مذهب أهل الحق وأرباب الحقيقة، ويشير بقوله تعالى: {وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً} [النساء: 79]؛ أي: للناس الذين نسوا الله ونسوا ما شاهدوا منه وعاهدوا عليه الله، {وَأَرْسَلْنَاكَ} [النساء: 79] رسولاً إليهم؛ لتبلغهم كلامنا، وتذكرهم أيامنا، وتجددهم عهودنا ترغبهم شهودنا، وتدعوهم إلينا وتهديهم إلى صراطنا، وتكون لهم {أية : وَسِرَاجاً مُّنِيراً} تفسير : [الأحزاب: 46]، يهتدون ويبتغون خطاك إلى أن توصلهم إلى الدرجات العلا وتنزلهم في المقصد الأعلى {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً } [النساء: 79]؛ أي: شاهداً لأحبابه وأوليائه؛ لئلا يكتفوا براحة دون لقائه.
همام الصنعاني
تفسير : 664- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر في قوله: {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ}: [الآية: 78]، يقول نِعْمَةٌ، {يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ}: [الآية: 78]، يقول: مصيبة. {يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ}: [الآية: 78]، قال يقول: {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ}: [الآية: 78]، النعم والمصائب. 665- عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر في قوله تعالى: {مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ}: [الآية: 79]، قال: كان الحسن يقول: ما أصابك من نعمةٍ فمِنَ اللهِ وما أصابك من سيئةٍ يقول مصيبة فمن نفسِكَ يقول: بذنبك ثم قال: {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ}: [الآية: 78]، النِّعَم والمصائب.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):