Verse. 572 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

مَاۗ اَصَابَكَ مِنْ حَسَـنَۃٍ فَمِنَ اؘ۝۰ۡوَمَاۗ اَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَۃٍ فَمِنْ نَّفْسِكَ۝۰ۭ وَاَرْسَلْنٰكَ لِلنَّاسِ رَسُوْلًا۝۰ۭ وَكَفٰى بِاللہِ شَہِيْدًا۝۷۹
Ma asabaka min hasanatin famina Allahi wama asabaka min sayyiatin famin nafsika waarsalnaka lilnnasi rasoolan wakafa biAllahi shaheedan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

(ما أصابك) أيها الإنسان (من حسنة) خير (فمن الله) أتتك فضلا منه (وما أصابك من سيئة) بليَّة (فمن نفسك) أتتك حيث ارتكبت ما يستوجبها من الذنوب (وأرسلناك) يا محمد (للناس رسولا) حال مؤكدة (وكفى بالله شهيدا) على رسالتك.

79

Tafseer

الرازي

تفسير : قال أبو علي الجبائي: قد ثبت أن لفظ السيئة تارة يقع على البلية والمحنة، وتارة يقع على الذنب والمعصية، ثم إنه تعالى أضاف السيئة إلى نفسه في الآية الأولى بقوله: {أية : قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ ٱللَّهِ } تفسير : [النساء: 78] وأضافها في هذه الآية إلى العبد بقوله: {وَمَا أَصَـٰبَكَ مِن سَيّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ } فلا بد من التوفيق بين هاتين الآيتين وإزالة التناقض عنهما، ولما كانت السيئة بمعنى البلاء والشدة مضافة إلى الله وجب أن تكون السيئة بمعنى المعصية مضافة إلى العبد حتى يزول التناقض بين هاتين الآيتين المتجاورتين، قال: وقد حمل المخالفون أنفسهم على تغيير الآية وقرؤا: {فَمَنْ نَفْسك} فغيروا القرآن وسلكوا مثل طريقة الرافضة من ادعاء التغيير في القرآن. فان قيل: فلماذا فصل تعالى بين الحسنة والسيئة في هذه الآية فأضاف الحسنة التي هي الطاعة إلى نفسه دون السيئة وكلاهما فعل العبد عندكم؟ قلنا: لأن الحسنة وإن كانت من فعل العبد فانما وصل اليها بتسهيله تعالى وألطافه فصحت الاضافة إليه، وأما السيئة التي هي من فعل العبد فهي غير مضافة إلى الله تعالى لا بأنه تعالى فعلها ولا بأنه أرادها، ولا بأنه أمر بها، ولا بأنه رغب فيها، فلا جرم انقطعت إضافة هذه السيئة من جميع الوجوه إلى الله تعالى. هذا منتهى كلام الرجل في هذا الموضع. ونحن نقول: هذه الآية دالة على أن الايمان حصل بتخليق الله تعالى، والقوم لا يقولون به فصاروا محجوجين بالآية. إنما قلنا: إن الآية دالة على ذلك لأن الايمان حسنة، وكل حسنة فمن الله. إنما قلنا: إن الايمان حسنة، لأن الحسنة هي الغبطة الخالية عن جميع جهات القبح، ولا شك أن الايمان كذلك، فوجب أن يكون حسنة لأنهم اتفقوا على أن قوله: {أية : وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مّمَّن دَعَا إِلَى ٱللَّهِ } تفسير : [فصلت: 33] المراد به كلمة الشهادة، وقيل في قوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإْحْسَانِ } تفسير : [النحل: 90] قيل: هو لا إله إلا الله، فثبت أن الايمان حسنة، وإنما قلنا إن كل حسنة من الله لقوله تعالى: {مَّا أَصَـٰبَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ } وقوله: {مَّا أَصَـٰبَكَ مِنْ حَسَنَةٍ } يفيد العموم في جميع الحسنات، ثم حكم على كلها بأنها من الله، فيلزم من هاتين المقدمتين، أعني أن الايمان حسنة، وكل حسنة من الله، القطع بأن الايمان من الله. فان قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد من كون الايمان من الله هو أن الله أقدره عليه وهداه إلى معرفة حسنة، وإلى معرفة قبح ضده الذي هو الكفر؟ قلنا: جميع الشرائع مشتركة بالنسبة إلى الايمان والكفر عندكم، ثم إن العبد باختيار نفسه أوجد الايمان، ولا مدخل لقدرة الله وإعانته في نفس الايمان، فكان الايمان منقطعا عن الله في كل الوجوه، فكان هذا مناقضا لقوله: {مَّا أَصَـٰبَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ } فثبت بدلالة هذه الآية أن الايمان من الله، والخصوم لا يقولون به، فصاروا محجوجين في هذه المسألة، ثم اذا أردنا أن نبين أن الكفر أيضا من الله. قلنا فيه وجوه: الأول: أن كل من قال: الايمان من الله قال: الكفر من الله، فالقول بأن أحدهما من الله دون الآخر مخالف لاجماع الأمة. الثاني: أن العبد لو قدر على تحصيل الكفر فالقدرة الصالحة لايجاد الكفر إما أن تكون صالحة لايجاد الايمان أو لا تكون، فان كانت صالحة لايجاد الايمان فحينئذ يعود القول في أن إيمان العبد منه، وإن لم تكن صالحة لايجاد الايمان فحينئذ يكون القادر على الشيء غير قادر على ضده، وذلك عندهم محال، ولأن على هذا التقدير تكون القدرة موجبة للمقدور، وذلك يمنع من كونه قادرا عليه، فثبت أنه لما لم يكن الايمان منه وجب أن لا يكون الكفر منه. الثالث: أنه لما لم يكن العبد موجدا للايمان فبأن لا يكون موجدا للكفر أولى، وذلك لأن المستقل بايجاد الشيء هو الذي يمكنه تحصيل مراده، ولا نرى في الدنيا عاقلا إلا ويريد أن يكون الحاصل في قلبه هو الايمان والمعرفة والحق، وإن أحدا من العقلاء لا يريد أن يكون الحاصل في قلبه هو الجهل والضلال والاعتقاد الخطأ، فاذا كان العبد موجداً لأفعال نفسه وهو لا يقصد إلا تحصيل العلم الحق المطابق، وجب أن لا يحصل في قلبه إلا الحق، فاذا كان الايمان الذي هو مقصوده ومطلوبه ومراده لم يقطع بايجاده، فبأن يكون الجهل الذي ما أراده وما قصد تحصيله وكان في غاية النفرة عنه والفرار منه غير واقع بايجاده وتكوينه كان ذلك أولى. والحاصل أن الشبهة في أن الايمان واقع بقدرة العبد أشد من الشبهة في وقوع الكفر بقدرته، فلما بين تعالى في الايمان أنه من الله ترك ذكر الكفر للوجه الذي ذكرناه، فهذا جملة الكلام في بيان دلالة هذه الآية على مذهب إمامنا. أما ما احتج الجبائي به على مذهبه من قوله: {وَمَا أَصَـٰبَكَ مِن سَيّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ }. فالجواب عنه من وجهين: الأول: أنه تعالى قال حكاية عن ابراهيم عليه السلام: {أية : وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ } تفسير : [الشعراء: 80] أضاف المرض إلى نفسه والشفاء إلى الله، فلم يقدح ذلك في كونه تعالى خالقا للمرض والشفاء، بل إنما فصل بينهما رعاية الأدب، فكذا ههنا، فانه يقال: يا مدبر السموات والأرض، ولا يقال يا مدبر القمل والصبيان والخنافس، فكذا ههنا. الثاني: أكثر المفسرين قالوا في تفسير قول ابراهيم: {هَـٰذَا رَبّى } أنه ذكر هذا استفهاما على سبيل الانكار، كأنه قال: أهذا ربي، فكذا ههنا، كأنه قيل: الايمان الذي وقع على وفق قصده قد بينا أنه ليس واقعا منه، بل من الله، فهذا الكفر ما قصده وما أراده وما رضي به ألبتة، أفيدخل في العقل أن يقال: إنه وقع به؟ فانا بينا أن الحسنة في هذه الآية يدخل فيها الايمان، والسيئة يدخل فيها الكفر، أما قراءة من قرأ {فَمَنْ نَفْسِك} فنقول: إن صح أنه قرأ بهذه الآية واحد من الصحابة والتابعين فلا طعن فيه، وإن لم يصح ذلك فالمراد أن من حمل الآية على أنها وردت على سبيل الاستفهام على وجه الانكار ذكر في تفسير الاستفهام على سبيل الانكار هذا الكلام، لأنه لما أضاف السيئة اليهم في معرض الاستفهام على سبيل الانكار كان المراد أنها غير مضافة اليهم، فذكر هذا القائل قوله: {فَمَنْ نَفْسِك} لا على اعتقاد أنه من القرآن، بل لأجل أنه يجري مجرى التفسير لقولنا: إنه استفهام على سبيل الانكار، ومما يدل دلالة ظاهرة على أن المراد من هذه الآيات إسناد جميع الأمور إلى الله تعالى، قوله تعالى بعد هذه الآية: {وَأَرْسَلْنَـٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً } يعني ليس لك إلا الرسالة والتبليغ، وقد فعلت ذلك وما قصرت {أية : وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً }تفسير : [النساء: 166] على جدك وعدم تقصيرك في أداء الرسالة وتبليغ الوحي، فأما حصول الهداية فليس إليك بل إلى الله، ونظيره قوله تعالى: {أية : لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَىْء } تفسير : [آل عمران: 128] وقوله: {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاء } تفسير : [القصص: 56] فهذا جملة ما خطر بالبال في هذه الآية، والله أعلم بأسرار كلامه. ثم إنه تعالى أكد هذا الذي قلناه.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} أي ما أصابك يا محمد من خِصب ورخاءٍ وصحةٍ وسلامةٍ فبفضل الله عليك وإحسانه إليك، وما أصابك من جَدْب وشدّة فبذنب أتيته عوقبت عليه. والخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم والمراد أُمّته. أي ما أصابكم يا معشر الناس من خصب وٱتساع رزق فمن تفضل الله عليكم، وما أصابكم من جدب وضيق رزق فمن أنفسكم؛ أي من أجل ذنوبكم وقع ذلك بكم. قاله الحسن والسَّدِّي وغيرهما؛ كما قال تعالى: { أية : يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ } تفسير : [الطلاق: 1]. وقد قيل: الخطاب للإنسان والمراد به الجنس؛ كما قال تعالى: {أية : وَٱلْعَصْرِ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ } تفسير : [العصر: 1] أي إن الناس لفي خسر، ألا تراه استثنى منهم فقال «إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا» ولا يستثنى إلا من جملة أو جماعة. وعلى هذا التأويل يكون قوله {مَآ أَصَابَكَ} استئنافاً. وقيل: في الكلام حذف تقديره يقولون؛ وعليه يكون الكلام متصلاً؛ والمعنى فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً حتى يقولوا ما أصابك من حسنة فمن الله. وقيل: إن ألف الاستفهام مضمرة؛ والمعنى أفمن نفسك؟ ومثله قوله تعالى: { أية : وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ } تفسير : [الشعراء: 22] والمعنى أو تلك نعمة؟ وكذا قوله تعالى: { أية : فَلَمَّآ رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي } تفسير : [الأنعام: 77] أي أهذا ربي؟ قال أبو خِراشٍ الهُذلِيّ: شعر : رَمَوْني وقالوا يا خُوَيلد لم تُرَع فقلت وأنكرتُ الوجوهَ هُمُ هُمُ تفسير : أراد «أهم» فأضمر ألف الاستفهام وهو كثير وسيأتي. قال الأخفش «ما» بمعنى الذي. وقيل: هو شرط. قال النحاس: والصواب قول الأخفش؛ لأنه نزل في شيء بعينه من الجدب، وليس هذا من المعاصي في شيء ولو كان منها لكان وما أصبت من سيئة. وروى عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس وأُبَيّ وابن مسعود {مَّآ أَصَـٰبَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَـٰبَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَنَا كتبتها عَلَيْكَ} فهذه قراءة على التفسير، وقد أثبتها بعض أهل الزيغ من القرآن، والحديثُ بذلك عن ابن مسعود وأُبيٍّ منقطع؛ لأن مجاهداً لم ير عبد الله ولا أُبَيّاً. وعلى قول من قال: الحسنة الفتح والغنيمة يوم بدر، والسيئة ما أصابهم يوم أُحد؛ أنهم عوقبوا عند خلاف الرُّماة الذين أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحموا ظهرهُ ولا يبرحوا من مكانهم، فرأوا الهزيمة على قريش والمسلمون يغنمون أموالهم فتركوا مصافهم، فنظر خالد بن الوليد وكان مع الكفار يومئذ ظَهْر رسول الله صلى الله عليه وسلم قد انكشف من الرُّماة فأخذ سَريّة من الخيل ودار حتى صار خلف المسلمين وحمل عليهم، ولم يكن خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرّماة إلا صاحبُ الراية، حفظ وصيّة رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقف حتى استُشهد مكانه؛ على ما تقدّم في «آل عمران» بيانه. فأنزل الله تعالى نظيرَ هذه الآية وهو قوله تعالى: {أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ} يعني يوم أُحُد {قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا} يعني يوم بدر { أية : قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ } تفسير : [آل عمران: 165]. ولا يجوز أن تكون الحسنة هٰهنا الطاعة والسيئة المعصية كما قالت القدرية؛ إذ لو كان كذلك لكان ما أصبت كما قدّمنا، إذ هو بمعنى الفعل عندهم والكسب عندنا، وإنما تكون الحسنة الطاعة والسيئة المعصية في نحو قوله: { أية : مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَىۤ إِلاَّ مِثْلَهَا } تفسير : [الأنعام: 160] وأما في هذه الآية فهي كما تقدّم شَرْحُنا له من الخِصب والجَدْب والرخاء والشدّة على نحو ما جاء في آية «الأعراف» وهي قوله تعالى: { أية : وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بِٱلسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن ٱلثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } تفسير : [الأعراف: 130]. {بِٱلسِّنِينَ} بالجدب سنةً بعد سَنَة؛ حبس المطر عنهم فنقصت ثمارهم وغلت أسعارهم. { أية : فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ } تفسير : [الأعراف: 131] أي يتشاءمون بهم ويقولون هذا من أجل ٱتباعنا لك وطاعتنا إياك؛ فردّ الله عليهم بقوله: { أية : أَلاۤ إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ } تفسير : [الأعراف: 131] يعني أن طائر البركة وطائر الشؤم من الخير والشر والنفع والضرّ من الله تعالى لا صُنع فيه لمخلوق؛ فكذلك قوله تعالى فيما أخبر عنهم أنهم يضيفونه للنبيّ صلى الله عليه وسلم حيث قال: {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} كما قال: { أية : أَلاۤ إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ ٱللَّه } تفسير : [الأعراف: 131] وكما قال تعالى: { أية : وَمَآ أَصَابَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ } تفسير : [آل عمران: 166] أي بقضاء الله وقَدَره وعلمه، وآياتُ الكتاب يشهد بعضها لبعض. قال علماؤنا: ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يشك في أن كل شيء بقضاء الله وقدره وإرادته ومشيئته؛ كما قال تعالى: { أية : وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً } تفسير : [الأنبياء: 35] وقال تعالى: { أية : وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوۤءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ } تفسير : [الرعد: 11]. مسألة ـ وقد تجاذب بعض جهال أهلِ السنة هذه الآية واحتجّ بها؛ كما تجاذبها القَدرية واحتجوا بها، ووجه ٱحتجاجهم بها أن القَدرية يقولون: إن الحسنة هٰهنا الطاعة، والسيئة المعصية؛ قالوا: وقد نسب المعصية في قوله تعالى: {وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} إلى الإنسان دون الله تعالى؛ فهذا وجه تعلقهم بها. ووجه تعلّق الآخرين منها قوله تعالى: {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} قالوا: فقد أضاف الحسنة والسيئة إلى نفسه دون خلقه. وهذه الآية إنما يتعلق بها الجهال من الفريقين جميعاً؛ لأنهم بنوا ذلك على أن السيئة هي المعصية، وليست كذلك لما بيناه. والله أعلم. والقدرية إن قالوا {مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ} أي من طاعة {فَمِنَ ٱللَّهِ} فليس هذا اعتقادَهم؛ لأن اعتقادهم الذي بنوا عليه مذهبهم أن الحسنة فعل المحسن والسيئة فعل المسيء. وأيضاً فلو كان لهم فيها حجة لكان يقول: ما أصبت من حسنة وما أصبت من سيئة؛ لأنه الفاعل للحسنة والسيئة جميعاً، فلا يضاف إليه إلا بفعله لهما لا بفعل غيره. نصّ على هذه المقالة الإمام أبو الحسن شبيبُ بن إبراهيم بن محمد بن حيدرة في كتابه المسمى بحز الغَلاصم في إفحام المخاصم. قوله تعالى: {وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً} مصدر مؤكّد، ويجوز أن يكون المعنى ذا رسالة {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً} نصب على البيان والباء زائدة، أي كفى الله شهيداً على صدق رسالة نبيه وأنه صادق.

البيضاوي

تفسير : {مَا أَصَابَكَ} يا إنسان. {مِنْ حَسَنَةٍ} من نعمة. {فَمِنَ ٱللَّهِ} أي تفضلاً منه، فإن كل ما يفعله الإِنسان من الطاعة لا يكافىء نعمة الوجود، فكيف يقتضي غيره، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : ما يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله تعالى. قيل ولا أنت قال: ولا أنا»تفسير : {وَمَا أَصَـابَكَ مِن سَيّئَةٍ} من بلية. {فَمِن نَّفْسِكَ} لأنها السبب فيها لاستجلابها بالمعاصي، وهو لا ينافي قوله سبحانه وتعالى: {قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ ٱللَّهِ} فإن الكل منه إيجاداً وإيصالاً غير أن الحسنة إحسان وامتنان والسيئة مجازاة وانتقام كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها «حديث : ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب حتى الشوكة يشاكها وحتى انقطاع شسع نعله إلا بذنب وما يعفو الله أكثر»تفسير : والآيتان كما ترى لا حجة فيهما لنا وللمعتزلة. {وَأَرْسَلْنَـٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً} حال قصد بها التأكيد إن علق الجار بالفعل والتعميم إن علق بها أي رسولاً للناس جميعاً كقوله تعالى: {أية : وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ كَافَّةً لّلنَّاسِ }تفسير : [سبأ: 28] ويجوز نصبه على المصدر كقوله: ولا خَارِجاً مِنْ فيَّ زُور كَلاَمِ. {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً} على رسالتك بنصب المعجزات.

المحلي و السيوطي

تفسير : {مَا أَصَابَكَ } أيها الإنسان {مِنْ حَسَنَةٍ } خير {فَمِنَ ٱللَّهِ } أتتك فضلاً منه {وَمَا أَصَٰبَكَ مِن سَيّئَةٍ } بلية {فَمِن نَّفْسِكَ } أتتك حيث ارتكبت ما يستوجبها من الذنوب {وَأَرْسَلْنَٰكَ } يا محمد {لِلنَّاسِ رَسُولاً } حال مؤكدة {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً } على رسالتك.

ابن عطية

تفسير : قالت فرقة: {ما} شرطية، ودخلت {من} بعدها لأن الشرط ليس بواجب فأشبه النفي الذي تدخله {من} ، وقالت فرقة {ما} بمعنى الذي، و {من} لبيان الجنس، لأن المصيب للإنسان أشياء كثيرة: حسنة وسيئة، ورخاء وشدة، وغير ذلك، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وغيره داخل في المعنى، وقيل: الخطاب للمرء على الجملة، ومعنى هذه الآية عند ابن عباس وقتادة والحسن والربيع وابن زيد وأبي صالح وغيرهم، القطع واستئناف الإخبار من الله تعالى، بأن الحسنة منه وبفضله، والسيئة من الإنسان بإذنابه، وهي من الله بالخلق والاختراع، وفي مصحف ابن مسعود، "فمن نفسك" "وأنا قضيتها عليك" وقرأ بها ابن عباس، وحكى أبو عمرو أنها في مصحف ابن مسعود "وأنا كتبتها" وروي أن أبياً وابن مسعود قرآ "وأنا قدرتها عليك" ويعضد هذا التأويل أحاديث عن النبي عليه السلام معناها، أن ما يصيب ابن آدم من المصائب، فإنما هي عقوبة ذنوبه، ومن ذلك أن أبا بكر الصديق لما نزلت {أية : من يعمل سوءاً يجز به} تفسير : [النساء:123] جزع فقال له رسول الله صلى الله عيله وسلم، حديث : ألست تمرض؟ ألست تسقم؟ ألست تغتم؟ تفسير : وقال أيضاً عليه السلام: "حديث : ما يصيب الرجل خدشة عود ولا عثرة قدم ولا اختلاج عرق إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر" تفسير : ففي هذا بيان أو تلك كلها مجازاة على ما يقع من الإنسان، وقالت طائفة: معنى الآية كمعنى التي قبلها في قوله: {أية : وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله} تفسير : [النساء:78] على تقدير حذف يقولون، فتقديره فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً، يقولون: ما أصابك من حسنة، ويجيء القطع على هذا القول من قوله: {وأرسلنا} وقالت طائفة: بل القطع في الآية من أولها، والآية مضمنة الإخبار أن الحسنة من الله وبفضله، وتقدير ما بعده {وما أصابك من سيئة فمن نفسك} ، على جهة الإنكار والتقرير، فعلى هذه المقالة ألف الاستفهام محذوفة من الكلام، وحكى هذا القول المهدوي، و {رسولاً} نصب على الحال، وهي حال تتضمن معنى التأكيد في قوله تعالى، {وأرسلناك للناس رسولاً} ثم تلاه بقوله: {وكفى بالله شهيداً} توعد للكفرة، وتهديد تقتضيه قوة الكلام، لأن المعنى شهيداً على من كذبه. والمعنى أن الرسول إنما يأمر وينهى بياناً من الله وتبليغاً، فإنما هي أوامر الله ونواهيه، وقالت فرقة سبب هذه الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من أحبني فقد أحب الله" تفسير : , فاعترضت اليهود عليه في هذه المقالة، وقالوا: هذا محمد يأمر بعبادة الله وحده، وهو في هذا القول مدّع للربوبية، فنزلت هذه الآية تصديقاً للرسول عليه السلام، وتبييناً لصورة التعلق بينه وبين فضل الله تعالى، و {تولى} معناه أعرض، وأصل {تولى} في المعنى أن يتعدى بحرف، فنقول تولى فلان عن الإيمان، وتولى إلى الإيمان لأن اللفظة تتضمن إقبالاً وإدباراً، لكن الاستعمال غلب عليها في كلام العرب على الإعراض والإدبار، حتى استغني فيها عن ذكر الحرف الذي يتضمنه، و {حفيظاً} يحتمل معنيين، أي ليحفظهم حتى لا يقعوا في الكفر والمعاصي ونحوه، أو ليحفظ مساوئهم وذنوبهم ويحسبها عليهم، وهذه الآية تقتضي الإعراض عن من تولى والترك له، وهي قبل نزول القتال وإنما كانت توطئة ورفقاً من الله تعالى حتى يستحكم أمر الإسلام. وقوله تعالى: {ويقولون طاعة} الآية نزلت في المنافقين باتفاق من المفسرين، المعنى يقولون لك يا محمد: أمرنا طاعة، فإذا خرجوا من عندك اجتمعوا ليلاً وقالوا غير ما أظهروا لك. و {بيَّت} معناه فعل ليلاً، فإما أخذ من بات، وإما من البيت لأنه ملتزم بالليل وفي الأسرار التي يخاف شياعها، ومن ذلك قول الشاعر [الأسود بن يعفر]: [المتقارب] شعر : أتوني فَلَمْ أَرْضَ مَا بَيَّتُوا وَكَانُوا أَتوني بِأَمْرٍ نكرْ تفسير : ومنه قول النمر بن تولب: شعر : هبَّتْ لتعذلني بليل اسمعي سفهاً تبيتك للملامةِ فاهجعي تفسير : المعنى وتقول لي: اسمع، وزيدت الياء إشباعاً لتصريع القافية واتباعاً للياء، كقول امرىء القيس: شعر : ألا أيُّها الليلُ الطويلُ أَلاَ انْجَلي تفسير : وقوله بأمثل، وقرأ جمهور الفراء {بيت} بتحريك التاء، وقرأ أبو عمر وحمزة بإدغامها في الطاء، وقرأ ابن مسعود "بيت مبيت منهم يا محمد" وقوله: {تقول} يحتمل أن يكون معناه تقول أنت يا محمد، ويحتمل، تقول هي لك، و {يكتب} معناه على وجهين، إما يكتبه عنده حسب كتب الحفظة حتى يقع الجزاء، وإما يكتبه في كتابه إليك، أي ينزله في القرآن ويعلم بها، قال هذا القول الزجّاج، والأمر بالإعراض إنما هو عن معاقبتهم ومجازاتهم، وأما استمرار دعوتهم وعظتهم فلازم، قال الضحاك: معنى {أعرض عنهم} لا تخبر بأسمائهم، وهذا أيضاً قبل نزول القتال على ما تقدم. ثم أمر الله تعالى بالتوكل عليه والتمسك بعروته الوثقى ثقة بإنجاز وعده في النصر، و " الوكيل" القائم بالأمور المصلح لما يخاف من فسادها، وليس ما غلب الاستعمال في الوكيل في عصرنا بأصل في كلام العرب، وهي لفظة رفيعة وضعها الاستعمال العامي، كالعريف والنقيب وغيره.

ابن عبد السلام

تفسير : {مَّآ أَصَابَكَ} أيها الإنسان، أو أيها النبي، أو خوطب به الرسول صلى الله عليه وسلم والمراد غيره. الحسنة النعمة في الدين والدنيا. والسيئة المصيبة فيهما، أو الحسنة ما أصابه يوم بدر والسيئة ما أصابه بأُحد من شج وجهه، وكسر رباعيته، أو الحسنة: الطاعة والسيئة: المعصية قاله أبو العالية: {فَمِن نَّفْسِكَ} فبذنبك، أو بفعلك.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {ما أصابك من حسنة} يعني من خير ونعمة {فمن الله} يعني من فضل الله عليك يتفضل به إحساناً منه إليك {وما أصابك من سيئة} يعني من شدة ومكروه ومشقة وأذى {فمن نفسك} يعني فمن قبل نفسك وبذنب اكتسبته نفسك استوجبت ذلك به وفي المخاطب بهذا الكلام قولان: أحدهما أنه عام وتقديره ما أصابك أيها الإنسان والثاني أنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به من غيره من الأمة والنبي صلى الله عليه وسلم بريء لأن الله عز وجل قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وقد عصمه من حين البعثة فهو معصوم فيما يستقبل حتى يموت ويدل على أن المراد بهذا الخطاب غيره قوله عز وجل: {أية : يا أيها النبي إذا طلقتم النساء}تفسير : [الطلاق: 1] خاطبه وحده ثم جمع الكل بقوله إذا طلقتم النساء فمعنى قوله فمن نفسك أي عقوبة لذنبك يا ابن آدم كذا قاله قتادة. وقال الكلبي: ما أصابك من خير فالله هداك له وأعانك فيه وما أصابك من أمر تكرهه فبذنبك عقوبة لذلك الذنب وقد تعلق بظاهر هذه الآية القدرية وقالوا نفى الله السيئة عن نفسه ونسبها إلى الإنسان بقوله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ولا متعلق لهم بها لأنه ليس المراد من الآية حسنة الكسب من الطاعات ولا السيئة المكتسبة من فعل المعاصي بل المراد من الحسنة والسيئة في هذه الآية ما يصيب الإنسان من النعم والمحن وذلك ليس من فعل العبد لأنه لا يقال في الطاعة والمعصية أصابني وإنما يقال أصبتها. ويقال في النعم والمحن أصابني بدليل أنه لم يذكر عليه ثوباً ولا عقاباً فهو كقوله تعالى: {أية : فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه}تفسير : [الأَعراف: 131] ولما ذكر الله حسنات الكسب وسيئاته وعد عليها بالثواب والعقاب فقال تعالى: {أية : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها}تفسير : [الأّنعام: 160] فبطل بهذا قول القدرية وقال بعضهم لو كانت الآية على ما يقول أهل القدر لقال ما أصبت من حسنة وما أصبت من سيئة ولم يقل ما أصابك لأن العادة جرت بقول الإنسان أصابني خير أو مكروه وأصبت حسنة أو سيئة وقيل في معنى الآية ما أصابك من حسنة أي النصر والظفر يوم بدر فمن الله أي من فضل الله، وما أصابك من سيئة أي من قتل وهزيمة يوم أُحد فمن نفسك يعني فبذنوب أصحابك وهو مخالفتهم إياك. فإن قلت كيف وجه الجمع بين قوله تعالى قل كل من عند الله وبين قوله وما أصابك من سيئة فمن نفسك فأضاف السيئة إلى فعل العبد في هذه الاية. قلت أما إضافة الأشياء كلها إلى الله تعالى في قوله: {أية : قل كل من عند الله}تفسير : [النساء: 78] فعلى الحقيقة لأن الله تعالى وهو خالقها وموجدها وأما أضافة السيئة إلى فعل العبد فعلى المجاز تقديره وما أصابك من سيئة فمن الله بذنب نفسك عقوبة لك وقيل السيئة إلى فعل العبد على سبيل الأدب فهو كقوله تعالى: {أية : وإذا مرضت فهو يشفين}تفسير : [الشعراء: 80] فأضاف المرض إلى نفسه على طريق الأدب ولا يشك عاقل أن المرض هو الله تعالى وقيل هذه متصلة بما قبلها وفيه إضمار وتقديم وتأخير تقديره فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً ويقولون ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك قل كل من عند الله وقال ابن الأنباري في معنى الآية ما أصابك الله به من حسنة وما أصابك به من سيئة فالفعلان راجعان إلى الله تعالى. قوله تعالى: {وأرسلناك للناس رسولاً} يعني وأرسلناك يا محمد إلى كافة الناس رسولاً لتبلغهم رسالتي وما أرسلتك به ولست رسولاً إلى العرب خاصة كما قال بعض اليهود بل أنا رسول إلى الخلق كافة العرب وغيرهم {وكفى بالله شهيداً} يعني على إرسالك للناس كافة فما ينبغي لأحد أن يخرج عن طاعتك واتباعك، وقيل معناه وكفى بالله شهيداً على تبليغك ما أرسلت به إلى الناس وقيل معناه وكفى بالله شهيداً على أن الحسنة والسيئة من الله.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {مَّا أَصَـابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ...} الآية: خطابٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وغيرُهُ داخلٌ في المعنَىٰ، ومعنى الآية؛ عند ابنِ عَبَّاس وغيره: على القَطْع، وٱستئْنافِ الأخبارِ مِنَ اللَّه عزَّ وجلَّ؛ بأنَّ الحسَنَةَ منْه، ومِنْ فضله، وبأنَّ السيئةِ مِنَ الإنسان؛ بإذناه، وهي من اللَّه تعالَىٰ بخَلْقِهِ وٱختراعه، لا خالِقَ سواه سبحانه، لا شريكَ لَهُ، وفي مُصْحَفِ ابنِ مَسْعودٍ: «فَمِنْ نَفْسِكَ، وَأَنَا قَضَيْتُهَا عَلَيْكَ»، وقرأ بها ابنُ عَبَّاس، وفي رواية: «وَأَنَا قَدَّرْتُهَا عَلَيْكَ»؛ ويعْضُدُ هذا التأويلَ أحاديث عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم معناها: أنَّ ما يُصِيبُ ابْنَ آدَمَ من المصائِبِ، فإنما هو عقوبةُ ذنوبه، قال أبو جعفر أحمَدُ بْنُ نَصْرٍ الدَّاوُودِيُّ: قوله تعالى: {وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ}: خطابٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، والمرادُ غيره. انتهى. وفي قوله سبحانه: {وَأَرْسَلْنَـٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً}، ثم تلاه بقوله: {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً}: توعُّدٌ للكُفَّار، وتهديدٌ تقتضيه قُوَّة الكلامِ؛ لأن المعنَىٰ: شهيداً علَىٰ مَنْ كذَّبه. وقوله تعالى: {مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ}، فالمعنى: أنَّ الرسول ـــ عليه السلام ـــ إنما يأمر وينهَىٰ؛ بياناً وتبليغاً عن اللَّه، و {تَوَلَّىٰ}: معناه: أَعْرَضَ، و {حَفِيظاً}: يحتملُ معنَيَيْنِ: أي: لِتَحْفَظَهُمْ حتَّىٰ لا يقَعُوا في الكُفْر والمعاصِي ونحوه، أو لتَحْفَظَ مساوِيَهُمْ وتَحْسِبَها عليهم، وهذه الآيةُ تقتضِي الإعراضَ عَمَّنْ تولَّىٰ، والتَّرْكَ له، وهي قَبْلَ نزولِ القِتَالِ، وإنما كانَتْ توطئةً ورِفْقاً من اللَّه عز وجل؛ حتَّىٰ يستحكم أمرُ الإسلام. وقوله تعالى: {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ...} الآية: نزلَتْ في المنافقينَ بٱتفاقِ المفسِّرين، المعنَىٰ: يقولُونَ لك، يا محمَّد: أَمْرُنَا طاعةٌ، فإذا خرجوا مِنْ عِنْدِكَ، ٱجتمعوا ليلاً، وقالوا غيْرَ ما أظهروا لَكَ، و {بَيَّتَ}: معناه: فَعَلَ لَيْلاً، وهو مأخوذٌ مِنْ بَاتَ أوْ مِنَ البَيْتِ؛ لأنه مُلْتَزَمٌ باللَّيْل. وقوله: {تَقُولَ}: يحتملُ أنْ يكون معناه: تَقُولُ أنْتَ، ويحتملُ تَقُولُ هِيَ لَكَ، والأمْرُ بالإعراض إنَّما هو عِنْدَ معاقبتهم ومجازاتِهِمْ، وأما ٱستمرارُ عِظَتِهِمْ ودَعْوتِهِم، فلازمٌ، ثم أمر سبحانه بالتوكُّل عليه، والتمسُّك بعُرْوته الوثقَىٰ؛ ثقةً بإنجاز وعده في النَّصْر، والوَكِيلُ: القائمُ بالأمورِ المُصْلِحُ لما يُخَافُ مِنْ فسادها.

ابن عادل

تفسير : في "ما" هذه قَوْلان: أحدهما: قال أبو البقاء: إنها شَرْطِيةٌ: وضَعَّف أن تكونَ مَوْصُولةً قال: "ولا يَحْسُن أن تكُونَ بِمَعْنَى الذي؛ لأنَّ ذلك يَقْتَضِي أن يكون المُصِيبُ لهم مَاضِياً مخصَّصاً، والمعنى على العُمُومِ والشَّرْطيةُ أشْبَهُ، والمرادُ بالآيةَ: الخِصْب والجَدْب، ولذلك لم يَقُلْ:ما أصَبْت". انتهى، يَعْنِي أنَّ بَعْضَهم يَقُول: إنَّ المرادَ بالحَسَنة الطَّاعةُ، وبالسَّيِّئةِ المَعْصِيَةُ، ولو كان هَذَا مُرَاداً، لقال: "ما أصَبْتُ"؛ لأنَّه الفَاعِلُ للحَسَنةِ والسَّيِّئة جَمِيعاً، فلا تُضَاف إليه إلا بِفعْلِهِ لَهُمَا. والثاني: أنها مَوْصُولةٌ بمعنى الَّذِي، وإليه ذَهَب مكِّي، ومَنَع أن تَكُونَ شَرْطيَّة، قال: وليسَتْ للشرطِ؛ لأنَّها نزلت في شَيْءٍ بِعَيْنِه، وهو الجَدْب والخِصْب، والشرطُ لا يكون إلا مُبْهَماً، يجوزُ أنْ يَقَع وألاَّ يقعَ، وإنَّما دخلت الفَاءُ للإبْهَام الَّذِي في "الَّذِي" مع أن صِلتهِ فِعْلٌ، فدلَّ على أنَّ الآية لَيْسَت في المَعَاصِي والطَّاعَات كَمَا قال أهْلُ الزَّيْغ، وأيْضاً فإنَّ اللَّفْظَ "ما أصابَكَ"، ولم يَقُل: "ما أصَبْتَ". انتهى. والأوَّلُ أظهرُ؛ لأنَّ الشرطيةَ أصْلٌ في الإبْهام كنما ذكره أبُو البَقَاء، والموصولةُ فبالحَمْل عَلَيْها، وقولُ مكيّ: "لأنها نَزلَتْ في شيء بعينه" هذا يقتضي ألاَّ يُشَبَّه الموصولُ بالشرطِ؛ لأنه لا يُشَبَّه به حَتَّى يرادَ الإبْهَامُ لا شيءَ بِعَيْنِه، وإلاَّ فمتى أُريد به شَيْءٌ بعينه، لم يُشَبَّه بالشَّرْط فلم تَدْخُلِ الفَاءُ في خَبَره، نَصَّ النَّحْويُّون على ذلك، وفي المَسْألَةِ خلافٌ: فَعَلَى الأوَّل: "أصابَك" في محلِّ جَزْم بالشَّرْط، وعلى الثَّاني: لا مَحَلَّ له؛ لأنه صِلَة. و "من حسنة" الكلامُ فيه كالكَلامِ في قَوْله: {أية : مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ} تفسير : [البقرة: 106] وقد تقدَّم، والفاءُ في "فمن الله" جَوَابُ الشَّرْط على الأولِ وزائدةٌ على الثَّّاني، والجارُّ بَعْدَها خبرٌ لمبتدأ مَحْذُوف، تقديرُه: فَهُو من الله، والجُمْلَةُ: إمَّا في محلِّ جَزْمٍ أوْ رَفْعٍ على حَسَبِ القَوْلين. واختلِفَ في كافِ الخِطَابِ: فقيل: المرادُ كلُّ أحدٍ، وقيل: الرَّسُول والمُرادُ أمتهُ، وقيل: الفَرِيقُ في قوله: {إِذَا فَرِيقٌ}، وذلك لأنَّ "فريقاً" اسمُ جَمْعٍ فله لَفْظٌ ومَعْنًى، فراعَى لفظه فأفْرَدَ؛ كقوله: [الطويل] شعر : 1837- تَفَرَّقَ أهْلاَنَا بِبَيْنٍ فَمِنْهُمُ فَرِيقٌ أقَامَ واسْتَقَلَّ فَرِيقُ تفسير : وقيل في قوله: {فَمِن نَّفْسِكَ}: إنَّ همزَة الاسْتفْهَام مَحْذوفةٌ، تقديره: أفمِنْ نفسِك، وهو كَثِيرٌ؛ كقوله - تعالى -: {أية : وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا} تفسير : [الشعراء: 22] وقوله - تعالى -: {أية : بَازِغاً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي} تفسير : [الأنعام: 77]. ومنه: [الطويل] شعر : 1838- رَفَوْنِي وَقَالُوا يَا خُوَيْلدُ لا تُرَعْ فَقُلْتُ وأنْكَرْتُ الْوُجُوه هُمُ هُمُ تفسير : وقوله: [المنسرح] شعر : 1839- أفْرَحُ أنْ أرْزَأ الْكِرَامَ وأنْ أورَثَ ذَوْداً شَصَائِصاً نَبْلاً تفسير : تقديره: وأتِلْكَ، وأهَذا رَبِّي، وأهمُ هُم، وأفرحُ، وهذا لم يُجْزه من النُّحَاةِ إلا الأخفش، وأمَّا غَيْره فلم يُجِزْهُ إلا قَبْل "أمْ"؛ كقوله: [الطويل] شعر : 1840- لَعَمْرُكَ مَا أدْرِي وَإنْ كُنْتُ دَارِياً بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الْجَمْرَ أمْ بِثَمَانِ تفسير : وقيل: ثَمَّ قولٌ مقدَّر، أي: لا يكَادُونَ يَفْقهون حَدِيثاً يَقُولون: ما أصَابَكَ. وقرأت عائشة: "فَمَنْ نَفْسُكَ" بفتح ميم "من" ورفع السِّين، على الابتداء والخَبَر، أيّ شيءٍ نَفْسُك حَتَّى يُنْسب إليها فِعْلٌ؟. قوله: "رسولاً" فيه وَجْهَان: أحدُهُما: أنه حالٌ مؤكِّدة. والثَّاني: أنه مَصْدر مؤكِّدٌ بِمَعْنَى إرسال، وِمنْ مَجِيء "رَسُول" مَصْدراً قوله: [الطويل] شعر : 1841- لَقَدْ كَذَبَ الْوَاشُونَ مَا بُحْتُ عِنْدَهُمْ بِسِرٍّ وَلاَ أرْسَلْتُهُمْ بِرَسُولِ تفسير : أي: بإرسال، بمعنى رِسَالة. و "للناس" يتعلق بـ "أرسلناك"، واللاَّم للعِلَّة، وأجاز أبو البقاء أن يكونَ حَالاً من "رسولاً" كأنه جَعَله في الأصْلِ صِفَةً للنَّكِرَة، فقُدِّم عليها، وفيه نَظَر. فصل قال الجُبَّائِيُّ: قد ثَبتَ أنَّ لَفْظَ السَّيِّئَة يقع على البَلِيَّةِ والمِحْنَة، وتارة يقع على الذَّنْب والمَعْصِيَة، ثم إنَّه - تعالى - أضَافَ السَّيِّئَة إلى نَفْسِهِ في الآية الأولَى بقوله: {أية : قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} تفسير : [النساء:78]، وأضَافَها في هذه الآيَةِ إلى العَبْد بِقَوْله: {وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} ولا بُدَّ من التَّوْفِيقِ بين الآيَتَيْنِ؛ فنقول: لمَّا كانت السَّيِّئَةُ بمعنى البَلاَءِ والشِّدَّة مُضَافَة إلى اللَّه، وجب أنْ تَكُون السِّيِّئَةُ بمعْنَى المُصِيبَة مُضَاَفة إلى العَبْدِ؛ ليزُول التَّنَاقُضُ بين هَاتَيْنِ الآيَتَيْن المُتَجَاوِرَتَيْن، وقد حَمَل المُخَالِفُون أنْفُسَهم على تَغْيِير الآيَةِ، وقرأوا: "فمن نفسك" فَغَيَّروا القُرْآن، وسلَكُوا مثل طريقَةِ الرَّافِضَة في ادِّعاءِ التَّغْيير في القُرْآن. فإن قيل: فَلِمَ فَصَل - تعالى - بَيْن الحَسَنَة والسَّيِّئَة في هَذِه الآيَةِ؛ فأضاف الحسَنة الَّتِي هي الطَّاعَة إلى نَفْسِه دون السَّيِّئَة، وكلاهُمَا فعل العَبْد عِنْدَكُم؟. قلنا: إن الحسَنَة وإن كَانَت من فِعْل العَبْد، فإنَّما وَصَل إلَيْهَا بتسْهِيله وألْطَافِه، فصَحَّت الإضَافَةُ إلَيْه، وأمَّا السَّيِّئة، فَهِي غير مُضَافَةٍ إلى اللَّه - تعالى - بأنَّه [مَا] فَعَلَهَا، ولا أرَادَهَا، ولا أمَر بِهَا، ولا رَغَّبَ فيهَا. فلا جَرَم انْقَطَعَتْ هذه النِّسْبَة إلى اللَّه تعَالى من جَمِيعِِ الوُجُوهِ. قال ابن الخَطِيبِ: والجَوابُ: أن هَذه الآيَةَ دلَّت على أنَّ الإيمَان حَصَل بتَخْلِيق اللَّه - تعالى -: لأن الإيمَان حَسنَةٌ [والحَسَنَة] هي الغِبْطَةَ الخَالِيَةُ عن جَمِيعِ جِهَاتِ القُبْحِ، والإيمان كَذَلِكَ؛ فوجب أن تكُون حَسَنة؛ لأنَّهم اتَّفَقُوا على أنَّ قوله {أية : وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ} تفسير : [فصلت: 33] أن المُرادَ به: كلمة الشَهَادة، وقيل في قوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ} تفسير : [النحل: 90] قيل: هو قَوْل لا إلَه إلاَّ اللَّه؛ فَثَبت أنَّ الإيمان حَسَنَة، وإنما قُلْنَا: إن كل حَسَنَةَ من اللَّه؛ لقوله - تعالى -: {مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ} وهذا يفيد العُمُوم في جَميع الحَسَنَاتِ، وإذا ثَبَت أنَّ الإيمان حَسَنة، وكُلُّ حسنة من اللَّه، وجب القَطْع بأنَّ الإيمَان من اللَّه. فإن قيل: لم لا يجُوز أن يكون المُرَادُ من قوله: "من الله" هو أنَّ اللَّه قدَّرَه عَلَيْه، وهَدَاه إلى مَعْرِفَة حُسْنهِ، وإلى مَعْرِفة قُبْحِ ضِدّه الذي هو الكُفر. قُلْنَا: جميع الشَّرائِطِ مُشْتَرَكَةٌ بالنِّسْبَة إلى الإيمَانِ والكفر عندكم ثمَّ إنَّ العَبْد باخْتِيَار نَفْسِه أوْجد الإيمان، ولا مَدْخل لِقُدْرة اللَّهِ وإعانَتِه في نَفْس الإيمَانِ، فكان الإيمَانُ مُنْقَطِعاً عن الله - [تعالى] - من كل الوُجُوهِ، فكذا هَذَا مُنَاقِضاً لقوله: {مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ}؛ فثبت بدَلاَلة هذه الآية أن الإيمان من اللَّه، والخُصُوم لا يَقُولُون به، وأمَّا بيان أنَّ الكُفْر أيْضاً من اللَّهِ فَلوُجُوه: أحدُهَا: أن كُلَّ من قَالَ: الإيمانُ من اللَّهِ قال الكُفْر من اللَّه؛ فالقَوْل بأحَدِهِما من اللَّه - تعالى - دُون الآخَرِ - مخالِفٌ لإجْمَاع الأمَّةِ. وثانيها: أن العَبْد لو قَدَر على تَحْصِيل الكُفْرِ، فالقُدْرَة الصَّالِحة لإيجَادِ الكُفْر: إمَّا أن تكُون صَالِحة لإيجَادِ الإيمان، أو لا، فإن كانت صَالِحَةً لإيجَادِ الإيمانِ، [فحينئذٍ] يَعُود القول في أنَّ إيمان العَبْدِ مِنْهُ، [وإن لَمْ تَكُنْ صَالِحةٌ لإيجَادِ الإيمَانِ، فيكُونُ القَادِر على الشَّيْءِ غير قَادِرٍ على ضِدِّه، وذلك عندهُم مُحَالٌ؛ فثبت أنَّهُ لَمْ يَكُنْ الإيمَان مِنْهُ، وجَب ألاّ يكُونَ الكُفْر مِنْهُ]. وثالثها: أنَّه لمَّا يكُن العَبْد مُوجداً للإيمَانِ فبأن لا يكون موجداً للكفر أوْلى؛ وذلك لأنَّ المُسْتَقِلَّ بإيجَادِ الشَّيْءِ هو الَّذِي يُمْكِنُه تَحْصِيلُ مُرَادِهِ، ولا نَرَى في الدُّنْيَا عَاقِلاً، إلاَّ يُريدُ أن يكُون الحَاصِل في قَلْبهِ هو [الإيمان والمَعْرِفَة والحقّ، وإن أحداً مِنِ العُقَلاء لا يُرِيدُ أن يكُونَ الحَاصِلُ في قلبه هو] الجَهْل والضَّلال والاعْتِقاد الخَطَأ، فإذا كان العَبْد مُوجِداً لأفعالِ نَفْسه، وهو لا يَقْصِد إلا تَحْصِيل العِلْم الحقِّ المُطابق، وَجَب ألاَّ يتحصَّل في قَلْبه إلاَّ الحَقَّ، وإذا كَانَ الإيمانُ الَّذي هو مَقْصُوده ومَطْلُوبه ومُرَادُه، لم يقع بإيجادِه، فبأن يكُون الجَهْلُ الَّذِي لم يُرده وما قَصَد تَحْصِيله، وهو في غَايَة النَّفْرَة [عَنْهُ] غير وَاقِع بإيجَادِه أوْلَى، وأما الجَوَابُ عن احْتجاجه بقوله: {مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} فَمِنْ وَجْهَيْن: الأوَّل: أنَّه - تعالى - قال حكاية عن إبْراهيم - عليه السلام -: {أية : وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} تفسير : [الشعراء: 80]، أضاف المرَض إلى نَفْسِهِ، والشِّفَاء إلى اللَّه - تعالى -، ولم يَقْدَح ذَلِك في كونه - تعالى - خَالِقاً للمَرَضِ والشِّفَاء، وإنما فصل بَيْنَهُمَا رِعَايةً للأدَبِ، فكذا ههنا؛ فإنه يُقَالُ: يا مُدَبِّر السَمَوات والأرْضِ؛ ولا يُقالُ: "يا مدبِّر القَمْل والصِّبيان والخَنَافِس.." فكذا ههنا. الثاني: قال أكثر المُفَسِّرين في قَوْل إبْراهيم - عليه السلام -: "هذا رَبِّي" إنه ذَكَر هذا اسْتِفْهَاماً على سَبِيل الإنْكَارِ؛ كما قدمناه فكذا هَهُنَا؛ كأنَّهُ قِيلَ: الإيمَان الَّذِي وقع على وَفْقِ قَصْدِه، قد بَيَّنَّا أنَّه ليس وَاقِعاً مِنْهُ، بل من اللَّه - تعالى - فهذا الكُفْر [ما] قَصَدَهُ، وما أرَادَهُ، وما رَضِي به ألْبَتَّةَ، فكيف يَدْخُل في العَقْل أن يُقال إنَّه وقع بِهِ. وأما قِرَاءة: "فمن نفسك" فنَقُول: إن صح أنه قرأ بها أحدٌ من الصَّحَابَة والتَّابِعين، فلا طعن فيه، وإن لم يَصِحَّ ذلك، فالمراد أن من حَمَل الآية على أنَّها وردتْ على سَبِيل الاستفهام على وَجْه الإنْكَارِ، قال: لأنَّه لما أضاف السيئة إلَيْهم في مَعْرض الاسْتِفَهام على سَبيلِ الإنْكَارِ، كان المُرادُ أنَّها غير مُضَافةٍ إليهم، فذكر [قوله]: "فمن نفسك" كقولِنا: إنه استِفْهَامٌ على سَبيلِ الإنْكَارِ. [فصل] قوله: {ما أصابك من حسنة} أي: من خَيْر ونَعْمَةٍ، {فمن الله وما أصابك من سيئة} أي: بليَّةٍ أو أمر "تكْرَهُهُ "فمن نفسك" أي: بذُنُوبِكَ، الخِطَاب للنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم والمُرَاد غيره، نظيرُه قوله - تعالى -: {أية : وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} تفسير : [الشورى: 30]. قال البَغَوِيُّ: وتعلَّق أهْل القَدَر بِظَاهر هذه الآية؛ فقالوا: نَفَى اللَّه - عز وجل - السَّيِّئَة عن نَفْسِه، ونَسَبَهَا إلى العَبْد؛ فقال: {وما أصابك من سيئة فمن نفسك} ولا مُتَعلِّق لهم فيه؛ لأنَّه ليس المُرادُ من الآيةِ حَسَنات الكَسْبِ ولا سيِّئاتِه من الطَّاعَاتِ والمَعَاصِي، بل المُراد مِنْه: ما يُصيبُهُم من النِّعَم والمِحَنِ، وذلك ليس من فَعْلِهِم؛ بدليل أنَّه نَسَبَها إلى غَيْرِهم ولم يَنْسِبْهَا إلَيْهِم، فقال "ما أصابك" ولا يقال في الطَّاعَة والمَعْصِيَة: أصَابَنِي، إنَّما يقال: أصَبْتُهَا، ويُقَال في المِحَن: أصَابَنِي؛ بدليل أنه لَمْ يَذْكُر عليه ثَوَاباً ولا عِقَاباً؛ فهو كقوله - تعالى -: {أية : فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ} تفسير : [الأعراف: 131] ولما ذكر حَسَنَات الكَسْب وسيِّئَاته نسبها إلَيْه، ووعد عليها الثَّوَابَ والعِقَاب؛ فقال {أية : مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَىۤ إِلاَّ مِثْلَهَا} تفسير : [الأنعام: 160]. وقيل: مَعْنى الآية: {ما أصابك من حسنة}: من النَّصْر والظَّفَرِ يوم بَدْرٍ، "فمن الله" أي: من فَضْلِ اللَّه، و {ما أصابك من سيئة}: من القَتْلِ والهَزِيمَةِ يوم أحُدٌ، "فمن نفسك" أي: يعني: فبذنوب أصْحَابِك وهو مُخَالفتهم لَكَ. فإن قيل: كَيْف وَجْه الجَمْع بين قوله: {قل كل من عند الله} [وبين قوله: "فمن نفسك". قيل: قوله: {أية : قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} تفسير : ] [النساء:78] أي: الخِصْب والجَدْب، والنَّصْر والهَزِيمَة كلُّها من عِنْد الله، وقوله "فمن نفسك" أي: ما أصابك من سيئة فمن الله بذنب نفسك؛ عقوبة لك كما قال: {أية : وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} تفسير : [الشورى: 30]؛ يدل عليه مَا روى مُجَاهدٌ عن ابن عبَّاسٍ؛ أنه قرأ: "وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأنا كتبتها عليك". ثم قال [- تعالى -]: {وأرسلناك للناس رسولاً}. قوله: "رسولاً" فيه وجهان: أحدهما: أنه حال مؤكدة. والثاني: أنه مصدر مؤكِّدٌ بمعنى إرسال، ومن مجيء "رسول" مصدراً قوله: [الطويل] شعر : 1842 أ- لَقَدْ كَذبَ الْوَاشُونَ مَا بُحْتُ عِنْدَهُمْ بِسِرٍّ وَلاَ أرْسَلْتُهمْ بِرَسُولِ تفسير : أي بإرسال، بمعنى رسالة. و "للناس" يتعلق بـ "أرسلناك"، واللام للعلة. وأجاز أبو البقاء أن يكون حالاً من "رسولاً" كأنه جعله في الأصل صفةً للنكرةَ فَقُدِّم عليها، وفيه نظر. فصل وهذا يدلُّ على أن المُرَاد من هَذِه الآيات إسناد جميع الأمُور إلى اللَّه - تعالى -؛ لأنَّ المَعْنَى: ليس لك إلاَّ الرِّسَالة والتَّبْلِيغ، وقد فَعَلْت وما قصَّرت، {وكفى بالله شهيداً} على جِدِّك وعَدَم تَقْصِيرك في أدَاء الرِّسَالة وتَبْليغ الوَحْي، فأمَّا حُصُول الهِدَايَة فليس إلَيْك، بَلْ إلى اللَّه؛ ونظيره قوله - تعالى -: {أية : لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ} تفسير : [آل عمران: 128]، وقوله: {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} تفسير : [القصص: 56]. وقيل المَعْنَى: وكفى باللَّه شهيداً على إرْسالِك وصدْقَِك، وقيل: وكَفَى بالله شهيداً على أنَّ الحسنة والسَّيِّئة كُلَّها من اللَّه.

ابو السعود

تفسير : وقولُه تعالى: {مَّا أَصَـٰبَكَ مِنْ حَسَنَةٍ} الخ، بـيانٌ للجواب المُجْملِ المأمورِ به، وإجراؤُه على لسان النبـيِّ عليه الصلاة والسلام ثم سَوْقُ البـيانِ من جهته عز وجل بطريق تلوبنِ الخطابِ وتوجيهِه إلى كل واحدٍ من الناس، والالتفاتُ لمزيد الاعتناءِ به والاهتمامُ بردِّ مقالتِهم الباطلةِ والإشعارِ بأن مضمونَه مبنيٌّ على حكمة دقيقةٍ حتى بأن يتولىٰ بـيانَها علامُ الغيوبِ، وتوجيهُ الخطابِ إلى كل واحدٍ منهم دون كلِّهم كما في قوله تعالى: {أية : وَمَا أَصَـٰبَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } تفسير : [الشورى، الآية 30] للمبالغة في التحقيق بقطع احتمالِ سببـيّة معصيةِ بعضِهم لعقوبة الآخرين أي ما أصابك من نعمة من النعم {فَمِنَ ٱللَّهِ} أي فهي منه تعالى بالذات تفضُلاً وإحساناً من غير استيجابٍ لها مِنْ قِبَلك، كيف لا وأن كلَّ ما يفعله المرءُ من الطاعات التي يُفرض كونُها ذريعةً إلى إصابة نعمةٍ ما فهي بحيث لا تكاد تكافىءُ نعمةَ حياتِه المقارنةِ لأدائها، ولا نعمةَ إقدارِه تعالى إياه على أدائها فضلاً عن استيجابها لنعمة أخرى ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : "ما أحدٌ يدخُل الجنة إلا برحمة الله تعالى" قيل: ولا أنت يا رسولَ الله؟ قال: "ولا أنا"»تفسير : . {وَمَا أَصَـٰبَكَ مِن سَيّئَةٍ} أي بلية من البلايا {فَمِن نَّفْسِكَ} أي فهي منها بسبب اقترافِها المعاصيَ الموجبةَ لها، وإن كانت من حيث الإيجادُ منسوبةً إليه تعالى نازلةً من عنده عقوبةً كقوله تعالى: {أية : وَمَا أَصَـٰبَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ }تفسير : [الشورى، الآية 30] وعن عائشةَ رضي الله عنها: «ما من مسلم يُصيبه وصَبٌ ولا نصَبٌ حتى الشوكةُ يُشاكُها وحتى انقطاعُ شِسْعِ نعلِه إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثرُ»، وقيل: الخطابُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما قبله وما بعده، لكن لا لبـيان حالِه عليه الصلاة والسلام بل لبـيان حالِ الكفرةِ بطريق التصويرِ، ولعل ذلك لإظهار كمالِ السخطِ والغضبِ عليهم والإشعارِ بأنهم ــ لفرط جهلِهم وبلادتهم ــ بمعزل عن استحقاق الخطابِ لا سيما بمثل هذه الحكمةِ الأنيقة {وَأَرْسَلْنَـٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً} بـيانٌ لجلالة منصبِه عليه الصلاة والسلام ومكانتِه عند الله عز وجل بعد بـيانِ بُطلانِ زعمِهم الفاسدِ في حقه عليه الصلاة والسلام بناءً على جهلهم بشأنه الجليلِ، وتعريفُ الناسِ للاستغراق، والجارُّ إما متعلقٌ برسولاً قُدّم عليه للاختصاص الناظرِ إلى قيد العمومِ أي مرسَلاً لكل الناس لا لبعضهم فقط كما في قوله تعالى: {أية : وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ كَافَّةً لّلنَّاسِ } تفسير : [سبأ، الآية 28] وإما بالفعل، فرسولاً حالٌ مؤكدةٌ وقد جُوِّز أن يكون مصدراً كما في قوله: [الطويل] شعر : لقد كذَب الواشون ما فُهْتُ عندهم بسرَ ولا أرسلتُهم برسولِ تفسير : أي بإرسال بمعنى رسالة {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً} أي على رسالتك، بنصب المعجزاتِ التي من جملتها هذا النصُّ الناطقُ والوحيُ الصادِقُ، والالتفاتُ لتربـية المهابةِ وتقويةِ الشهادة، والجملةُ اعتراضٌ تذيـيليٌّ.

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ} [الآية: 79]. قال محمد بن على: أجلُّ الحسنات والنعم عليك أن عرفك نفسه ووفقك لشكر نفسه وألهمك ذكره. قوله تعالى: {وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ}. بداها لاتباع هواها وتركها رضا مولاها، وهى من النفس الأمارة بالسوء.

القشيري

تفسير : ما أصابك من حسنة فمن الله فضلاً، وما أصابك من سسيئة فمن نفسك كسباً وكلاهما من الله سبحانه خَلْقاً.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} الحسنة الطاعة والحسنة المبحة والحسنة المعرفة فشار الى هذه الحسنات انها تفضل منه لا من كسب العبد لانه تعالى واهب هذه المراتب بلا علة ولا شفاعة ذلك فضل الله يوتيه من يشاء وهو اهل الفضل والعطاء والسيئة معصية الله وذلك صفة النفس الامارة نزه نفسه تعالى من مباشرة المستقبحان اى كل حسنة ترجع الى مشاهدتى وانا حسنة اوليائى فمن مشاهدتى تصدر حسنات تجلائى وكل سيئة ومعصية فتصدر م نفس الامارة التى خلقتها وما فيها لانها مباشرها وانا خالقها انا منزه عن مباشرة شئ بذاتى اتى قال محمد بن على اجل الحسنات والنعم عليك فى ان عرفك نفسه ووفقك لتشكر نعمه والهمك ذكره وقيل فى قوله ما اصابك من سيئة فمن نفسك باتباع هواها وتكرها رضى مولاها وهى من النفس الامارة بالسؤ وانشد لا القدرية بهذه الاية على مذهبهم حيث اضافوا القدرة الى النفس الضالة امن من لم يقدر وان تخلق ذاتا فيكف يقدر بان يخلق صفات اولم يفهموا سر القرأن وخطاب الله فان الله سبحانه --- اتيان السيئة الى غيره لا الى النفس فقال وما اصبك والاصابة فعل الغيرة فعل النفس وتبين من فحوى خطابه ان السيئة غنى بها البلاء الذى هو جزاء معصية النفس و اصابة البلاء من الله جزاء لكسب المعصية كما قال ان تمسكم حسنة تسوهم وان تصبكم سيئة يفرحوا بها فهذه السيئات هى من الاسباب لامن الاكتساب قال الاستاد اصابك من حسنة فمن الله فضى وما اصابك من سيئة فمن نفسك كسبا وكلاهما من الله سبحانه خلقا.

اسماعيل حقي

تفسير : {ما اصابك} يا انسان {من حسنة} من خير ونعمة {فمن الله} تفضلا منه فان كل ما يفعله الانسان من الطاعة لا يكافىء نعمة الوجود فكيف يقتضى غيره ولذلك قال عليه السلام "حديث : ما احد يدخل الجنة الا برحمة الله" قيل ولا انت قال "ولا انا الا ان يتغمدنى الله برحمته " تفسير : {وما اصابك من سيئة} من بلية وشىء تكرهه {فمن نفسك} لانها السبب فيها لاستجلابها المعاصى وهو لا ينافى قوله {أية : كل من عند الله} تفسير : [النساء: 78]. فان الكل منه ايجادا وايصالا غير ان الحسنة احسان وامتنان والسيئة مجازاة وانتقام كما قالت عائشة رضى الله عنها ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب حتى الشوكة يشاكها وحتى انقطاع شسع نعله الا بذنب وما يغفر الله اكثر. واعلم ان للاعمال اربع مراتب. منها مرتبتان لله تعالى وليس للعبد فيهما مدخل وهما التقدير والخلق. ومنها مرتبتان للعبد هما الكسب والفعل فان الله تعالى منزه عن الكسب وفعل السيئة وانهما يتعلقان بالعبد ولكن العبد وكسبه مخلوق خلقه الله تعالى كما قال {أية : والله خلقكم وما تعملون} تفسير : [الصافات: 96]. فهذا تحقيق قوله {أية : قل كل من عند الله} تفسير : [النساء: 78]. اى خلقا وتقديرا لا كسبا وفعلا فافهم واعتقد فانه مذهب اهل الحق وارباب الحقيقة كذا فى التأويلات النجمية. قال الضحاك ما حفظ الرجل القرآن ثم نسيه الا بذنب ثم قرأ {أية : وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} تفسير : [الشورى: 30]. قال فنسيان القرآن من اعظم المصائب {وأرسلناك للناس رسولا} اى رسولا للناس جميعا لست برسول للعرب وحدهم بل انت رسول العرب والعجم كقوله تعالى {أية : وما أرسلناك إلا كافة للناس} تفسير : [سبأ: 28]. فرسولا حال قصد بها تعميم الرسالة والجار متعلق بها قدم عليها للاختصاص {وكفى بالله شهيدا} على رسالتك بنصب المعجزات. وفى التأويلات النجمية يشير بقوله تعالى {وارسلناك للناس رسولا} اى الناس الذين قد نسوا الله ونسوا ما شاهدوا منه وما عاهدوا عليه الله وارسلناك اليهم لتبلغهم كلامنا وتذكرهم ايامنا وتجدد لهم عهودنا وترغبهم فى شهودنا وتدعوهم الينا وتهديهم الى صراطنا وتكون لهم سراجا منيرا يهتدون بهداك ويتبعون خطاك الى ان توصلهم الى الدرجات العلى وتنزلهم فى المقصد الاعلى {وكفى بالله شهيدا} اى شاهدا لاحبائه واوليائه لئلا يكتفوا براحة دون لقائه انتهى: قال الحافظ قدس سره شعر : يوسف عزيزم رفت اى برادر آن زجمن كزغمش عجب ديدم حال بير كنعان تفسير : وفى الآية تعليم الادب ورؤية التأثير من الله تعالى "حديث : ـ روى ـ ان ابا بكر رضى الله عنه ابتلى بوجع السن سبع سنين فاعلمه جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأل عليه السلام عن حاله فقال "لم لم تذكر يا ابا بكر" فقال كيف اشكوا مما جاء من الحبيب" تفسير : فلا بد من التخلق بالاخلاق الحسنة لان الكل من عند الله وانما ارسل الله رسوله لاخراج الناس من الظلمات الى النور فاذا تأدبوا بالآداب النبوية وصلوا الى الحقيقة المحمدية: قال الشيخ العطار شعر : دعوتش فرمود بهر خاص وعام نعمت خودرا برو كرده تمام مبعث او سر نكونىء بتان امت او بهترين امتان برميان دو كتف خورشيد وار داشته مهر نبوت آشكار تفسير : وكان خاتم النبوة بين كتفيه صلى الله عليه وسلم اشارة الى عصمته من وسوسة الشيطان لان الخناس يجيىء من بين الكتفين فيدخل خرطومه قبل قلب الانسان فيوسوس اليه فاذا ذكر الله خنس وراءه وكان حول خاتم النبوة شعرات مائلة الى الخضرة مكتوب عليه [محمد نبى امين] وقيل غير ذلك والتوفيق بين الروايات بتعدد الخطوط وتنوعها بحسب الحالات والتجليات او بالنسبة الى انظار الناظرين. ثم انه قد اتفق اهل العلم على افضلية شهر رمضان لانه انزل فيه القرآن ثم شهر ربيع الاول لانه مولد حبيب الرحمن. واما افضل الليالى فقيل ليلة القدر لنزول القرآن فيها. وقيل ليلة المولد المحمدى لولاه ما انزل القرآن ولا تعينت ليلة القدر فعلى الامة تعظيم شهر المولد وليلته كى ينالوا منه شفاعته ويصلوا الى جواره.

الطوسي

تفسير : المعنى: قال الزجاج: هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. والمراد به الامة. كما قال {أية : يا أيها النبي إذا طلقتم النساء}تفسير : فان المراد به الامة. وقال قوم: المخاطب به الانسان، كأنه قال: ما أصابك أيها الانسان - في قول قتادة، والجبائي -. وقيل في معنى الحسنة والسيئة ها هنا قولان: أحدهما - قال ابن عباس، والحسن: الحسنة ما أصابه يوم بدر من الظفر، والغنيمة. والسيئة ما أصابه يوم أحد من كسر رباعيته (صلى الله عليه وسلم)، والهزيمة. وقال الجبائي: معناهما النعمة، والمصيبة. ويدخل في النعمة نعمة الدنيا، والدين. وفي المصيبة مصائب الدنيا، والدين إلا أن أحدهما من عمل العبد للطاعة، وما جر إليه ذلك العمل. والآخر - من عمل العبد للمعصية وما جرّ إليه عمله لها. وهذا يوافق الأول الذي حكيناه عمن تقدم. والثاني - ان الحسنة، والسيئة: الطاعة، والمعصية - ذكره أبو العالية، وأبو القاسم - ويكون المعنى ان الحسنة التي هي الطاعة باقدار الله، وترغيبه فيها، ولطفه لها. والسيئة بخذلانه على وجه العقوبة له على المعاصي المقدمة. وسماه سيئة كما قال: {أية : وجزاء سيئة سيئة مثلها }تفسير : والتقدير ما أصابك من ثواب حسنة فمن الله، لأنه الذي عرضك للثواب، وأعانك عليها. وما أصابك من عقاب سيئة فمن نفسك، لأنه تعالى نهاك عنها، وزجرك عن فعلها. فلما ارتكبتها كنت الجاني على نفسك. وانما احتاج إلى التقدير، لأن ما أصابك ليس هو ما أصبته. ويجوز أن يكون المراد بالسيئة ما يصيبهم في دار الدنيا من المصائب، لأنه لا يجوز أن يكون ذلك عقابا أو بعض ما يستحقونه. وقوله: {فمن نفسك} معناه فبذنبك في قول الحسن، وقتادة، والسدي، وابن جريج، والضحاك. قال البلخي: مصيبة هي كفارة ذنب صغير، أو عقوبة ذنب كبير. ويحتمل أن يكون المراد أو تأديب وقع لأجل تفريط. فان قيل: كيف عاب قول المنافقين في الآية الاولى، لما قالوا إذا أصابتهم حسنة انها من عند الله، وإذا أصابتهم سيئة، قالوا هذه من عندك. وقد اثبت مثله في هذه الآية؟ قلنا عنه جوابان: أحدهما - ان ذلك على وجه الحكاية. والتقدير يقولون: ما أصابك من حسنة، فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك. ويكون (يقولون) محذوفا، لدلالة سياق الكلام عليه. الثاني - ان معناهما مختلف، فالاول عند أكثر أهل العلم ان المراد به النعمة، والمصيبة من الله تعالى. وفي الآية الثانية المراد به الطاعة، والمعصية. فلما اختلف معناهما، لم يتناقضا. ويكون وجه ذكر هذه الآية عقيب الاولى ألا يظن ظان ان الطاعات والمعاصي من فعل الله، لما قال في الآية الاولى: {قل كل من عند الله} وفي الآية دلالة على فساد مذهب المجبرة، لأنه تعالى قال: {فمن نفسك} فاضاف المعصية إلى العبد ونفاها عن نفسه تعالى. ولو كانت من خلقه، لكانت منه على أوكد الوجوه. ولا ينافي ذلك قوله في الآية الاولى {كل من عند الله} لأنا بينا وجه التأويل فيه. قال الرماني: وفي الآية دلالة على أنه تعالى، لا يفعل الالم إلا على وجه اللطف، أو العقاب دون العوض فقط، لأن المصائب إذا كانت كلها من قبل ذنب العبد، فهي اما عقوبة، واما من قبل تأديب المصلحة. وقوله: {وأرسلناك للناس رسولاً} معناه من الحسنة ارسالك يا محمد (صلى الله عليه وسلم) ومن السيئة خلافك يا محمد (صلى الله عليه وسلم) وكفى بالله شهيداً لك وعليك. والمعنى وكفى الله. وقوله: {ما أصابك من حسنة} معنى "من" هنا للتبيين ولو قال: إن أصابك من حسنة كانت زائدة لا معنى لها. الاعراب والحجة: {ورسولاً} نصب بارسلناك، وانما ذكره تأكيداً لأن أرسلناك دل على أنه رسول، "وشهيداً" نصب على التمييز، لأنك إذا قلت كفى الله ولم تبين في أي شيء الكفاية كنت مبهماً. وقوله: {وما أصابك من سيئة فمن نفسك} دخلت الفاء في الجواب لأن معنى (ما) من وادخل من على السيئة، لأن ما نفي و (من) يحسن ان تزاد في النفي مثل ما جاءني من أحد.

الجنابذي

تفسير : {مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ} جواب لسؤال نشأ من قوله: قل كّل من عند الله كأنّ قائلاً يقول: فلا نسبة لها اليهم ولا تفاوت فى نسبة الجميع الى الله فقال: ما اصابك من حسنة {فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} والخطاب امّا لغير معيّن او لمحمّد (ص) من قبيل: ايّاك اعنى واسمعى يا جارة، والسرّ فى اختلاف النّسبتين ما عرفت {وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً} لا فاعلاً للخير والشّرّ فلا وجه للتطيّر بك {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً} فما يضرّك عدم قرارهم برسالتك.

اطفيش

تفسير : {مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَآ أصَابَكَ مِن سَيِئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ}: وهذا آخر الرد عليهم، والمحكى بقل، أى قل فيهم يا محمد: كل من الحسنة والسيئة بإرادته، يبسط ويقبض، وقل بعد ذلك فمال هؤلاء القوم القائلين الحسنة من الله، والسيئة من عندك، حال كونهم لا يكادون يفقهون قولا عظيما بليغا فى الوعظ، سهل الفهم وهو القرآن، أو كلاما من القرآن، أعنى أن التنكير للتعظيم أو للتعميم، ولست أعنى القرآن كله فى الوجه الأول، أو أراد قولا ما من أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الوعظ، أو كلاما من كلام القرآن أو النبى صلى الله عليه وسلم وغيره، فى الوعظ، أو غير الوعظ. شبههم بالبهائم لا أفهام لهم ولو تدبروا كلام الله أو رسوله، لعلموا أن الكل من عند الله، أو حديثا بمعنى ما يحدث من صروف الدهر، فلو تفكروا فيه لعلموا أن القابض الباسط هو الله جل وعلا، والمراد بقوله: {أية : كل من عند الله }تفسير : أنه كما أن الحسنة من الله، كذلك السيئة منه، ليس محمد هو الذى جاء بها فهذا دل أن قولهم: هذه من عندك بمعنى أنه جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم، ويجوز أن تكون الحكاية انتهت فى قوله:{أية : من عند الله }تفسير : وقوله: {أية : فما لهٰؤلاء }تفسير : مستأنف زيادة فى الرد عليهم الى {فَمِن نَفْسِكَ}. وعلى هذا فالخطاب فى قوله: {مَآ أَصَابَكَ}00الخ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ويلتحق به غيره التحاقا أو للانسان على العموم البدلى أو لنوع الانسان، ومعنى: {فَمِنَ الله} أنها من الله خلقا لها وتفضلا بها منه على العباد، فان الانسان ولو عبد الله آلاف أضعاف عبادة الملائكة كلهم، والخلق كلهم، من حين خلقوا الى فناء الدنيا، أو آلاف أضعاف ذلك الزمان، لم تكن طاعتهم تفى بنعمة ما، فكل نعمة منه فضل. وما أصابك من سيئة فلتقصيرك أيها الانسان تقصيرا ما، أو لذنبك ذنبا ما، فكيف أصحاب الذنوب الكبار كاليهود والمنافقين، وكل من الله، لكن الحسنة الاحسان والامتنان، وتكون استدراجا أيضا، والسيئة جزاء وانتقام، أو غفران أو اعلاء درجة. قالت عائشة رضى الله عنها:"ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب حتى الشوكة يشاكها حتى انقطاع شسع نعله الا بذنب وما يعفوا الله أكثر" وفى مصحف ابن مسعود: فمن نفسك وأنا قضيتها عليك، وقرأ ابن عباس بهذا، وفى رواية عن ابن عباس: وأنا قدرتها عليك، وذكر الداودى أن الخطاب فى قوله: {مَآ أَصَابَكَ مِن حَسَنَةٍ} .. الخ للنبى صلى الله عليه وسلم والمراد غيره، وليس المراد بالحسنة والسيئة الطاعة والمعصية، فضلا عن أن يستدل بها من زعم من القدرية أن المعصية خلقها فاعلها، وأن علم الله لم يجر عليها حتى وقعت، ومن زعم ذلك ولكن زعم أنه علم فى الأزل أن فاعلها سيخلقها كل ذلك كفر. {وَأَرْسَلْنَاكَ}: يا محمد. {لِلنَّاسِ رًسُولاً}: حال مؤكدة لعاملها، وهو أرسل، والمراد بالناس العرب والعجم كلهم، لقوله تعالى: { أية : ليكون للعالمين نذيرا }تفسير : واللام بمعنى الى، وعلى أصلها لأنه منفعة للناس متعلقة بأرسلناك أو برسولا، وعليه فقدم للفاصلة وطريقة العرب فى الاهتمام لا كما قيل: انه قدم للحصر لأنه لم يرد أن يقول: رسولا الى الناس لا الى غيرهم، ولا أن يقول: الى الناس فقط لا اليهم مع غيرهم، لأن المقام ليس لذلك بلا رد على من قال: أرسل للعرب فقط، ولأنه قد أرسل الى الجن، بل قيل: والى غيرهم أيضا، وليس كما قيل: انه اذا علقنا للناس برسولا لم يكن رسولا حالا مؤكدة، بل حالا للتعميم، فانه حال مؤكد لعامله، علق اللام بأرسلناك أو به، فان كونه فى وجه التعليق به بمعنى رسولا للناس جميعا غير معروف من جهة علم العربية واللغة. وأجيز أن يكون رسولا مصدرا فهو مفعول مطلق، قيل: أصله مصدر، وذلك أفرد فى قوله تعالى: {أية : إنا رسول ربك } تفسير : اعتبارا لأصله، وفى الآية بحث فى محله، قال الشاعر: شعر : لقد كذب الواشون ما فهمت عندهم بشر ولا أرسلتهم برسول تفسير : أى ولا أرسلتهم رسالة. {وَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً}: على أنك بلغت الرسالة، وعلى أن الحسنة والسيئة من الله، أو على رسالتك الى الناس كلهم، فليس لأحد أن ينكر رسالتك، أن يخرج عن طاعتك لظهور المعجزات، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أحبنى فقد أحب الله ومن أطاعنى فقد أطاع لله " تفسير : فقال المنافقون: لقد قارف الشرك وهو ينهى عنه، ما يريد الا أن يُتخذ ربا كما اتخذت النصارى عيسى ربا فنزل قوله تعالى: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ}

اطفيش

تفسير : {مَّآ أَصَابَكَ} أيها الإنسان على الإطلاق، أو يا محمد لفظا، والمراد آحاد الأمة معنى، أو المراد هو صلى الله عليه وسلم لا لبيان حاله بل لتصوير حال الكفرة {مِنْ حَسَنَةٍ} نعمة {فَمِنَ اللهِ} فضلا وخلقا إذا كان الإنسان لا يفى بشكر طاعة صدرت منه فكيف يفى بشكر تفضل، قال رسول الله صلى الله عيله وسلم: "حديث : لا أحد يدخل الجنة إلا برحمة من الله تعالى، قيل: ولا أنت؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدنى الله برحمته" تفسير : {وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ} بلية {فَمِن نَّفْسِكَ} تسببا لها بمعصيتك وانتقم الله منك بها، ومن الله خلقا كما قال: {قل كل من عند الله}، قالت عائشة رضي الله عنها: ما من مسلم يصيبه وصب، أى مرض، ولا نصب، أى تعب، حتى الشوكة يشاكها وحتى انقطاع شسع نعلة إلا بذنب وما يعفو الله أكثر، ومعنى الشوكة إصابة الشوكة له لا نفس البنات، لأنها قالت يشاكها، لا يشاك بها ولعطف المعنى عليه وهو انقطاع، والشِّسْع سير النعل، {أية : وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} تفسير : [الشورى: 30]، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يصيب عبداً نكبة فما فوقها أو ما دونها إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر"تفسير : ، وعن ابن عباس: ما كان من نكبة فبذنبك وأنا قدرت ذلك عليك {وَأَرْسَلْنَاكَ} يا محمد {لِلنَّاسِ} كلهم أى إلى الناس أو اللام على ظاهرها، لأنه صلى الله عليه وسلم نافع لهم {رَسُولاً} حال مؤكدة، أو مصدر مؤكد بمعنى إرسالا، أو وصف بمعنى المصدر، وإن علق برسولا فالتقديم للحصر، أى رسولا إلى كل الناس العرب والعجم، لا إلى العرب خاصة {وَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً} على رسالتك بنصب المعجزات لك عليهم وبإنزال النص على رسالتك وعلى صدقك وتكذيب الناس لك.

الالوسي

تفسير : {مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} وعلى ما ذكرنا ـ ولعله الأولى ـ يكون هذا بياناً للجواب المجمل المأمور به، والخطاب فيه كما قال الجبائي وروي عن قتادة: عام لكل من يقف عليه لا للنبـي صلى الله عليه وسلم كقوله:شعر : إذا أنت أكرمت (الكريم) ملكته وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا تفسير : ويدخل فيه المذكورون دخولاً أولياً، وفي إجراء الجواب أولاً: على لسان النبـي صلى الله عليه وسلم وسوق البيان من جهته تعالى ثانياً: بطريق تلوين الخطاب، والالتفات إيذان بمزيد الاعتناء به والاهتمام برد اعتقادهم الباطل وزعمهم الفاسد، والإشعار بأن مضمونه مبني على حكمة دقيقة حرية بأن يتولى بيانها علام الغيوب عز وجل، والعدول عن خطاب الجميع كما في قوله تعالى: {أية : وَمَا أَصَـٰبَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} تفسير : [الشورى: 30] للمبالغة في التحقيق بقطع احتمال سببية (معصية) بعضهم لعقوبة الآخرين، و {مَا} كما قال أبو البقاء: شرطية وأصاب بمعنى يصيب والمراد ـ بالحسنة والسيئة ـ هنا ما أريد بهما من قبل، أي ما أصابك أيها الإنسان من نعمة من النعم فهي من الله تعالى بالذات تفضلاً وإحساناً من غير استيجاب لها من قبلك كيف لا وكل ما يفعله العبد من الطاعات التي يرجى كونها ذريعة إلى إصابة نعمة ما فهي بحيث لا تكاد تكافىء نعمة الوجود، أو نعمة الإقدار على أدائها مثلاً فضلاً عن أن تستوجب نعمة أخرى، ولذا قال صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الشيخان من حديث أبـي هريرة: «حديث : لن يدخل أحداً عمله الجنة قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله تعالى بفضل رحمته»تفسير : . {وَمَآ أَصَابَكَ مِن [سَيِّئَةٍ]} [أي] بلية ما من البلايا فهي بسبب اقتراف نفسك المعاصي والهفوات المقتضية لها، وإن كانت من حيث الإيجاد منتسبة إليه تعالى نازلة من عنده عقوبة وهذا كقوله تعالى: {أية : وَمَا أَصَـٰبَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} تفسير : [الشورى: 30]، وأخرج الترمذي عن أبـي موسى قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لا يصيب عبداً نكبة فما فوقها ـ أو ما دونها إلا بذنب وما يعفو الله تعالى عنه أكثر»تفسير : . وأخرج ابن أبـي حاتم عن ابن عباس أنه قال في الآية: «ما كان من نكبة فبذنبك وأنا قدرت ذلك عليك»، وعن أبـي صالح مثله، وقال الزجاج: الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمقصود منه الأمة، وقيل: له عليه الصلاة والسلام لكن لا لبيان حاله بل لبيان حال الكفرة بطريق التصوير، ولعل العدول عن خطابهم لإظهار كمال السخط والغضب عليهم؛ والإشعار بأنهم لفرط جهلهم وبلادتهم بمعزل من استحقاق الخطاب لاسيما بمثل هذه الحكمة الأنيقة، ثم اعلم أنه لا حجة لنا ولا للمعتزلة في مسألة الخير والشر بهاتين الآيتين لأن إحداهما بظاهرها لنا، والأخرى لهم فلا بدّ من التأويل وهو مشترك الإلزام ولأن المراد بالحسنة والسيئة النعمة والبلية لا الطاعة والمعصية، والخلاف في الثاني، ولا تعارض بينهما أيضاً لظهور اختلاف جهتي النفي والإثبات، وقد أطنب الإمام الرازي في هذا المقام كل الإطناب بتعديد الأقوال والتراجيح، واختار تفسير الحسنة والسيئة بما يعم النعم والطاعات والمعاصي والبليات، وقال بعضهم: يمكن أن يقال: لما جاء قوله تعالى: / {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ} بعد قوله سبحانه: {أية : أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ} تفسير : [النساء: 78] ناسب أن تحمل الحسنة الأولى على النعمة، والسيئة على البلية، ولما أردف قوله عز وجل: {مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ} بما سيأتي ناسب أن يحملا على ما يتعلق بالتكليف من المعصية والطاعة ـ كما روي ذلك عن أبـي العالية ـ ولهذا غير الأسلوب فعبر بالماضي بعد أن عبر بالمضارع، ثم نقل عن الراغب أنه فرق بين قولك: هذا من عند الله تعالى، وقولك: هذا من الله تعالى بأن من عند الله أعم من حيث إنه يقال فيما كان برضاه سبحانه وبسخطه، وفيما يحصل وقد أمر به ونهى عنه؛ ولا يقال: من الله إلا فيم كان برضاه وبأمره، وبهذا النظر قال عمر رضي الله تعالى عنه «إن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن الشيطان» فتدبر. ونقل أبو حيان عن طائفة من العلماء أن {مَا أَصَابَكَ} الخ على تقرير القول أي: فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً يقولون ما أصابك من حسنة الخ، والداعي لهم على هذا التمحل توهم التعارض، وقد دعا آخرين إلى جعل الجملة بدلاً من {حَدِيثاً} على معنى أنهم لا يفقهون هذا الحديث أعني {مَا أَصَابَكَ} الخ فيقولونه غير متحاشين عما يلزمه من تعدد الخالق وآخرين إلى تقدير استفهام إنكاري أي {فَمِن نَّفْسِكَ}، وزعموا أنه قرىء به، وقد علمت أن لا تعارض أصلاً من غير احتياج إلى ارتكاب ما لا يكاد يسوغه الذوق السليم، وكذا لا حجة للمعتزلة في قوله سبحانه: {حَدِيثاً} على كون القرآن محدثاً لما علمت من أنه ليس نصاً في القرآن، وعلى فرض تسليم أنه نص لا يدل على حدوث الكلام النفسي والنزاع فيه، ثم وجه ارتباط هذه الآيات بما قبلها على ما قيل: إنه سبحانه بعد أن حكى عن المسلمين ما حكى ورد عليهم بما رد نقل عن الكفار ما رده عليهم أيضاً وبين المحكيين مناسبة من حيث اشتمالها على إسناد ما يكره إلى بعض الأمور وكون الكراهة له بسبب ذلك وهو كما ترى. وفي «الكشف» أن جملة {أية : وَإِن تُصِبْهُمْ} تفسير : [النساء: 78] الخ معطوفة على جملة قوله تعالى: {أية : فَإِنْ أَصَـٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ} تفسير : [النساء: 72]، {أية : وَلَئِنْ أَصَـٰبَكُمْ فَضْلٌ} تفسير : [النساء: 73] دلالة على تحقق التبطئة والتثبيط، أما دلالة الأولتين فلا خفاء بهما، وأما الثانية: فلأنهم إذا اعتقدوا في الداعي إلى الجهاد صلى الله عليه وسلم ذلك الاعتقاد الفاسد قطعوا أن في اتباعه ـ لا سيما فيما يجر إلى ما عدوه سيئة ـ الخبال والفساد، ولهذا قلب الله عليهم في قوله سبحانه: {فَمِن نَّفْسِكَ} ليصير ذلك كافاً لهم عن التثبيط إلى التنشيط، وأردفه ذكر ما هم فيه من التعكيس في شأن من هو رحمة مرسلة للناس كافة، وأكد أمر اتباعه بأن جعل طاعته صلى الله عليه وسلم طاعة الله تعالى مع ما أمده به من التهديد البالغ المضمن في قوله سبحانه: {أية : وَمَن تَوَلَّىٰ} تفسير : [النساء: 80] ثم قال ـ ولا يخفى أن ما وقع بين المعطوفين ليس بأجنبـي ـ وأن {أية : فَلْيُقَاتِلْ} تفسير : [النساء: 74] شديد التعلق بسابقه، ولما لزم من هذا النسق تقسيم المرسل إليهم إلى كافر مبطىء ومؤمن قوي وضعيف استأنف تقسيمهم مرة أخرى في قوله سبحانه الآتي: {أية : وَيَقُولُونَ} تفسير : [النساء: 81] أي الناس المرسل إليهم إلى مبيت هو الأول ومذيع هو الثالث، ومن يرجع إليه هو الثاني فهذا وجه النظم والارتباط بين الآيات السابقة واللاحقة انتهى، ولا يخلو عن حسن وليس بمتعين كما لا يخفى. هذا ووقف أبو عمرو والكسائي بخلاف عنه على (ما) من قوله تعالى: {أية : فَمَالِ هَـٰؤُلاء} تفسير : [النساء: 78] وجماعة على ـ لام الجر ـ وتعقب ذلك السمين بأنه ينبغي أن لا يجوز كلا الوقفين إذ الأول: وقف على المبتدأ دون خبره، والثاني: على الجار دون مجروره، وقرأ أبيّ وابن مسعود وابن عباس (وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأنا كتبتها عليك) ـ. {وَأَرْسَلْنَـٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً} بيان لجلالة منصبه صلى الله عليه وسلم ومكانته عند ربه سبحانه بعد الذب عنه بأتم وجه، وفيه رد أيضاً لمن زعم اختصاص رسالته عليه الصلاة والسلام بالعرب فتعريف ـ الناس ـ / للاستغراق، والجار متعلق بـ {رَسُولاً} قدم عليه للاختصاص الناظر إلى قيد العموم أي مرسلاً لكل الناس لا لبعضهم فقط كما زعموا، و {رَسُولاً} حال مؤكدة لعاملها، وجوز أن يتعلق الجار بما عنده، وأن يتعلق بمحذوف وقع حالاً من {رَسُولاً} وجوز أيضاً أن يكون {رَسُولاً} مفعولاً مطلقاً إما على أنه مصدر كما في قوله:شعر : لقد كذب الواشون ما فهت عندهم (بشيء) ولا أرسلتهم برسول تفسير : وإما على أن الصفة قد تستعمل بمعنى المصدر مفعولاً مطلقاً كما استعمل الشاعر خارجاً بمعنى خروجاً في قوله:شعر : عليّ حلفة لا أشتم الدهر مسلما ولا (خارجاً) من زور كلام تفسير : حيث أراد كما قال سيبويه: ولا يخرج خروجاً {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً} على رسالتك أو على صدقك في جميع ما تدعيه حيث نصب المعجزات وأنزل الآيات البينات، وقيل: المعنى كفى الله تعالى شهيداً على عباده بما يعملون من خير أو شر، والالتفات لتربية المهابة.

القطان

تفسير : ما يصيبك ايها النبي الكريم من رخاء ونعمة وعافية فهو من فضل الله وجوده، يتفضل به إحساناً منه اليك. أما ما يصيبك من شدة ومشقة وأذى فهو من نفسك لتقصيرٍ او ذنب. والخطاب ظاهُره للنبيّ ولكنه تصوير للنفس البشرية عامة، وان لم يقع منه عليه السلام ما يستوجب السيئة. وهذا كله ليعلّمنا ان كل شيء من عند الله، على معنى انه خالقُ الأشياء وواضع النظُم للوصول الى هذه الأشياء بسعي الانسان وكسبه. وأن الانسان لا يقع فيما يسوءه الا بتقصير منه في معرفة السبب والأسباب او مخالفتها. ولقد أرسلناك يا محمد للناس جميعاً، فليس لك دخل فيما يصيبهم من حسنات ولا سيئات، وكفى بالله شهيدا.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَأَرْسَلْنَاكَ} (79) - يُخَاطِبُ اللهُ تَعَالَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَيَقْصُدُ بِالخِطَابِ مَنْ أُرْسِلَ النَّبِيُّ إلَيْهِم، فَيَقُولُ: مَا أَصَابَكَ يا ابْنَ آدَمَ، مِنْ خَيْرٍ وَحَسَنَةٍ، فَهُوَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيكَ، فَهُوَ الذِي سَخَّرَ لَكَ المَنَافِعَ التِي تَتَمَتَّعُ بِهَا، وَتحَسُنُ لَدَيْكَ. وَكُلَّمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَهُوَ مِنْ نَفْسِكَ، فَإنَّكَ بِمَا أُوتِيتَ مِنْ قُدْرَةٍ عَلَى العَمَلِ وَالاخْتِيارِ، فِي دَرْءِ المَفَاسِدِ، وَجَلْبِ المَنَافِعِ، وَتَرْجِيحِ بَعْضِ المَقَاصِدِ عَلى بَعْضٍ ... قَدْ تُخْطئُ فِي مَعْرِفَةِ مَا يَسُوؤُكَ، وَمَا يَنْفَعُكَ، لأنَّكَ لا تَضْبُطُ إرَادَتَكَ وَهَوَاكَ، وَلاَ تُحِيطُ بِالسُّنَّنِ وَالأسْبَابِ، فَأَنْتَ تُرَجِّحُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، إمَّا بِالهَوَى، وإمَّا قَبْلَ أنْ تُحِيطَ خُبْراً بِمَعْرِفَةِ النَّافِعِ والضَّارِّ، فَتَقَعُ فِيمَا يَسُوءُ. وَقَدْ أَرْسَلَكَ رَبُّكَ يَا مُحَمَّدُ للنَّاسِ لِتُبْلِغَهُمْ شَرَائِعَ رَبِّهِمْ، وَأَوَامِرَهُ، وَنَوَاهِيَهُ، وَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ، وَهَوُ عَالِمٌ بِمَا تُبْلِغُهُمْ إيَّاهُ، وَبِمَا يَرُدُّونَ عَلَيْكَ بِهِ.

الثعلبي

تفسير : { مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ} أي من خير ونعمة {فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ} أي بلية وأمر تكرهه {فَمِن نَّفْسِكَ} أي، من عندك وأنا الذي قدرتهما عليك، الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره، نظيره. قوله {أية : وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} تفسير : [الشورى: 30]. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من خدش بعود ولا اختلاج عرق ولا عثرة قدم إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر ". تفسير : وروى الهروي عن سفيان بن سعيد عمن سمع الضحاك بن مزاحم يقول: ماحفظ الرجل القرآن ثم نسيه إلاّ بذنب، ثم قرأ {أية : وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} تفسير : [الشورى: 30] قال: فنسيان القرآن أعظم المصائب. وقال بعضهم: هذه الآية متصلة بما قبله، وتقديره: فما لهؤلاء القوم لم يكونوا يفقهون حديثاً حتى يقولوا: ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيّئة فمن نفسك؟ وتعلق أهل القدر بهذه الآية وقالوا: نفى الله السيئة عن نفسه بقوله {وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} ونسبها إلى العبد، فيقال لهم: إن ما حكى الله تعالى لنبيه من قول المنافقين، إنهم قالوا إذا أصابتهم حسنة، هذه من عند الله، فإن تصبهم سيئة يقولوا: هذه من عندك، لم يرد به حسنات الكسب، ولا سيئاته، لأن الذي منك فعل غيرك بك لا فعلك، ولذلك نسب إلى غيرك. كما قال {أية : إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ} تفسير : [آل عمران: 120] {أية : وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ} تفسير : [الآعراف: 131] وكل هذه سبب من الأسباب لامن الكسب ألا ترى إنه نسبها إلى غيرك، ولم يذكر بذلك ثواباً ولا عقاباً، فلما ذكر حسنات العمل والكسب وسيآتهما نسبهما إليك وذكر فيها الثواب والعقاب. كقوله {أية : مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَىۤ إِلاَّ مِثْلَهَا} تفسير : [الأنعام: 160] وكان ما حكى الله عن المنافقين من قولهم في الحسنات والسيئات لم يكن حسنات الكسب ولا سيئاته، ثم عطف عليه قوله {مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ} إلى نفسك فلم يكن بقوله {فَمِن نَّفْسِكَ} مثبتاً لما قد نفاه، ولا نافياً لما قد أثبته، لأن ذلك لايجوز على الحكيم جل جلاله، لكن من السبب الذي استحق هذه المصيبة، وكان ذلك من كسبه، ومنه قوله {أية : وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} تفسير : [الشورى: 30] فجعل هذه المصيبة جزاءً للفعل فإذا أوقع الجزاء لم يوقعه إلاّ على ما نسبه إلى العباد، كقوله {أية : جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تفسير : [السجدة: 17] {أية : جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} تفسير : [التوبة: 82] وقوله {وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} ليس فيه دليل على إنه لايريد السيئة ولا يفعلها ولكن ما كان جزاءً، فنسبته إلى العبد على [طريق] الجزاء. {وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ} يامحمد {رَسُولاً وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً} على إنك رسول صادق. وقيل فيك {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً} على أن الحسنة والسيئة كلها من الله {مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ} وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: "حديث : من أطاعني فقد أطاع الله ومن أحبّني [أحبّه الله]"تفسير : ، فقال بعض المنافقين: ما يريد هذا الرجل إلاّ أن نتّخذه رباً، كما في حديث النصارى لعيسى، فأنزل الله تعالى {مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ} فيما أمر به فقد أطاع الله {وَمَن تَوَلَّىٰ} عنه {فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} أي حافظاً ورقيباً. وقال القتيبي: محاسباً، فنسخ الله تعالى هذه الآية الشريفة، وأمره بقتال من خالف الله ورسوله {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ} يعني المنافقين وذلك إنهم كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنّا آمنّا بك فمرنا من أمرك طاعةً، وهم يكفرون به في السر، وقوله (طاعة) مرفوعة على معنى منّا طاعة وأمرك طاعة وكذلك قوله (لا تقسموا طاعة) مرفوعة أي قولوا، سمعاً وطاعة، وكذلك قوله {أية : فَأَوْلَىٰ لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ} تفسير : [محمد: 20-21] وليست مرتفعة إليهم بل هي مرتفعة على الوجه الذي ذكرت. {فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ} أي خرجوا {بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِي تَقُولُ} أي زوّر وموّه وقيل هنا. فقال قتادة والكلبي: بيّت أي غيّر وبدّل الذي عهد إليهم النبي صلى الله عليه وسلم ويكون السبب معنى التبديل. قال الشاعر: شعر : بيّت قولي عبد المليك قاتله الله عبداً كفوراً تفسير : وقال القتيبي وأبو عبيدة: (بيّت طائفة منهم) أي قالوا وقدروا ليلاً غير الذي أعطوك نهاراً، وكل شيء قدرّ بليل من شر فهو تبييت. قال عبيدة بن الهمام: شعر : أتوني فلم أَرض ما بيّتوا وكانوا أتوني بشيء نكر لأنكح أيّمهم منذراً وهل ينكح العبد حر بحر تفسير : وقال النمر بن تولب: شعر : هبت لتعذلني بليل أسمعي سفهاً تبيتك الملامة فاهجعي تفسير : وقال أبو الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش: يقول العرب للشيء إذا قدر قد بيّت، يشبهونه تقدير بيوت [الشعر]. {وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ} أي ما يغيرون ويزورون ويقدرون. الضحاك عن ابن عباس: يعني ما تسرّون من النفاق {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} يا محمد فلا تعاقبهم {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً} أي كفيلاً، وثقةً، وناصراً بالانتقام لك منهم، فنسخ الله تعالى قوله {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} بقوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ} تفسير : [التوبة: 73] بالسيف {أية : وَٱلْمُنَافِقِينَ}تفسير : بالكلام الغليظ. فإن قيل: ما وجه الحكمة في (أعدائه) ذكر مهلهم. ثم قال (بيت طائفة منهم) فصرف الخطاب من (جلهم) إلى بعضهم. يقال: إذ إنما عَبر عن حال من علم الله وبقي على كفره ونفاقه، فأما من علم أنه يرجع عن ذلك فإنه صفح عن ذكرهم، وقد قيل: إنه غير عن حال من أحوالهم قد تستّر في أمره، فأما من سمع وسكت فإنه لم يذكرهم، وفي قوله {مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ} دليل على إبطال قول من زعم أنّ السنّة تعرُض على الكتاب لم يعمل بها وذلك إن كل ما نص الله عز وجل، عليه فإنّما صار فرضاً بالكتاب، فإذا عدم النص من الكتاب، وورد به السنّة فوجب إتباعها، ومن خالفها فقد خالف رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن خالف رسول الله فقد خالف الله، لأن في طاعة الرسول طاعة الله، فمن زعم أنه لم يقبل خبره إلاّ بعد أن يعرض على كتاب الله، فقد أبطل كلّ حكم ورد عنه ما لم ينصّ عليه الكتاب. وأما قوله {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ} ففيه دليل على أنّ من لم يعتقد الطاعة فليس بمطيع على الحقيقة، وذلك أن الله تعالى لمّا تحقّق طاعتهم فيما أظهروه، فقال: ويقولون ذلك لأنّه لو كان للطاعة حقيقة إلاّ بالاعتقاد لحكم لهم بها [فثبت] أنه لا يكون المطيع مطيعاً، إلاّ باعتقاد الطاعة مع وجودها. {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ} يعني أفلا يتفكّرون في القرآن، فيرون بعضه يشبه بعضاً، ويصدق بعضه بعضاً، وإن أحداً من الخلائق لم يكن يقدر عليه فسيعلمون بذلك إنه من عند الله إذ {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً} أي تفاوتاً وتناقضاً {كَثِيراً} هذا قول ابن عباس. وقال بعضهم: ولو كان هو من عند غير الله لوجدوا فيه أي في الإخبار عما غاب عنهم. ما كان وما يكون إختلافاً كثيراً، يعني تفاوتاً بيناً. إذا الغيب لايعلمه إلاّ الله فيعلم بذلك أنه كلام الله وأنّ محمداً رسول الله صادق، وفي هذه الآية دليل على أنّ القرآن غير مخلوق إذ هو معرى عن الإخلاق من كل الجهات ولو كان مخلوقاً لكان لا يخلو من اختلاف وتفاوت. {وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ} الآية، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعث السرايا فإذا غلبوا أو غُلبوا بادر المنافقون إلى الاستفسار عن حال السرايا فيفشون ويحدّثون به قبل أن يحدّث به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله {وَإِذَا جَآءَهُمْ} يعني المنافقين، {أَمْرٌ مِّنَ ٱلأَمْنِ} [كظفر المسلمين وقتل عدوّهم] {أَوِ ٱلْخَوْفِ} كالهزيمة والقتل. {أَذَاعُواْ بِهِ} أي أشاعوه وأفشوه {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ} أي وإن لم يحدّثوا به ولم يفشوه حتى يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يحدّث به ويفشيه، وأولي الأمر أهل الرأي من الصحابة، مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم. {لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ}. الكلبي عن أبي صالح وابن عباس، وعلي بن الحكم عن الضحاك: يستنبطونه أي يتّبعونه. وقال عكرمة: يحرصون عليه ويسألون عنه، وقال ابن عبيدة والقتيبي: يخرجونه، ويقال: استنبط إستنبطه الماء إذا أخرجه. [جويبر] عن الضحاك عن ابن عباس في قوله {وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ} إنّ المنافقين كانوا إذا أمُروا بالقتال لم يطيعوا الله فيما أمرهم به، وإن نهاهم عن محارمه لم ينتهوا عنها، وإن أفضى الرسول إليهم سراً أذاعوا به إلى العدوّ ليلاً بتكتّم، فأنزل الله تعالى ردّاً عليهم {وَلَوْ رَدُّوهُ} يعني آمورهم في الحلال والحرام (إلى الرسول) في التصديق به والقبول (وإلى أولي الأمر منهم) يعني حملة الفقه والحكمة {لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} يعني الذين يفحصون عن العلم. ثم قال {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً} أي معناه لاتّبعتم الشيطان كلّكم. قال الضحاك: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يأمرهم بأمر من أمور الشيطان. قال ابن عباس: فضل الله الإسلام ورحمته القرآن (لاتّبعتم الشيطان إلاّ قليل) يعني بالقليل الذي امتحن الله قلوبهم يعني على هذا القول يكون قوله {إِلاَّ قَلِيلاً} مستثنى من قوله {لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَانَ}. وقال بعضهم: في الآية تقديم وتأخير معناه: لعلمه الذين يستنبطونه إلاّ قليلاً. وقال بعضهم: معناه: إذا أذاعوا به قليلاً لم يذع ولم يفش، وهكذا قال الكلبي: واختار الفرّاء أيضاً هذا القول. وقال: لأنّ علم الله فاعتبر علمه المستنبط وغيره، والإذاعة قد تكون في بعضهم دون بعض لذلك أُستحسن الاستثناء من الإذاعة، وفي هذه الآية دليل ممن يحبون القول بالإجتهاد عند عدم النص. قال الله تعالى {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} فالعلم محيط بالاستنباط، ليس تلاوة. وإذا كان إدراكه بالاستنباط، فقد دل بذلك على أن من العلم مايدرك بالتلاوة والرواية وهو النص. ومنه ما يدرك منه ومن المعنى، وحقيقة الاعتبار والاستنباط من القياس للحكم بالمعاني المودعة في النصوص غير الحكم بالنصوص {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ} وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما التقى هو وأبو سفيان بن حرب يوم أُحد وكان من هربهم ما كان، ورجع أبو سفيان إلى مكة فواعد رسول الله صلى الله عليه وسلم موسم بدر الصغرى في ذي القعدة فلما بلغ الميعاد قال الناس: اخرجوا إلى العدو. فكرهوا ذلك كراهه شديدة أو بعضهم، فأنزل الله تعالى {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ} أي لاتدع جهاد العدو وإنصاف المستضعفين من المؤمنين ولو وحدك. وقيل: معناه لاتلزم فعل غيرك ولاتؤخذ به ولم يرد بالتكليف الأمر لأنه يقتضي على هذا القول ألا يكون غيره مأموراً بالقتال. والفاء في قوله (فقاتل) جواب عن قوله {وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} فقاتل {وَحَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} على القتال أي حثَّهم على الجهاد ورغّبهم فيه، فتثاقلوا عنه ولم يخرجوا معه إلى القتال، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعين راكباً حتى أتى موسم بدر، فكفّ بهم الله تعالى بأس العدو ولم يوافقهم أبو سفيان ولم يكن له أن يُوافق، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه. وذلك قوله {عَسَى ٱللَّهُ} أي لعل الله {أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواًْ} أي قتال المشركين وصولتهم حين ولّيتم وهي من الله واجب، حيث كان، وقد جاء في كلام العرب بمعنى اليقين. قال ابن مقبل: شعر : ظنّي أنهم كعسى، وهم بنتوفة يتنازعون جوائز الأمثال تفسير : {وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً} أي أشد صولة وأعظم سلطاناً وأقدر على مايريد {وَأَشَدُّ تَنكِيلاً} أو عقوبة. فإن قيل: إذا كان من قولكم: إن عسى من الله واجب فقد قال الله {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} ونحن نراهم في بأس وشدة، فأين ذلك الوعد؟ فيقال لهم: قد قيل: إن المراد به الكفرة الذين كفّ بأسهم في بدر الصغرى، والحديبية بقوله {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ} تفسير : [الفتح: 24] الآية، فإن كان ظاهرها العموم فالمراد منها الخصوص. وقيل: أراد به المدة التي أمر الله فيها القتال لزوال الكفر بقوله {أية : وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ} تفسير : [الأنفال: 39] فعند ذلك يكف بأس الذين كفروا، وهو الوقت. حتى ينزل فيه [المهدي] فيكون حكماً قسطاً ويظهر الإسلام على الدين كله. وقيل: إن ذلك في القوم قذف الله في قلوبهم الرعب وأخرجهم من ديارهم وأموالهم بغير قتال من المؤمنين لهم وهذا بأس قد كفّه الله عن المؤمنين. وقد قيل: إنه أراد به اليهود والنصارى وهم يعطون الجزية وتركوا المحاربة، وقد كف بأسهم عن المؤمنين إذ صاروا يؤدّون الجزية صاغرين.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : فإن جرت عليك سنة كونية خيراً فهو من الله، أما إن أصابتك سيئة فيما لك فيه دخل فهي من نفسك. كأن المسألة قسمان: شيء لك فيه دخل، وشيء لا دخل لك فيه. ولا بد أن تعتبره حسنة لأنه يقيم قضية عقدية في الكون. فالمؤمن بين لوم نفسه على مصيبة بما له فيه دخل، وثقة بحكمة من يجري ما لا دخل له فيه وهو الله - سبحانه - {مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً}. ومن هو الرسول؟. الرسول مبلغ عمن أرسله إلى من أرسل إليه. وما دام رسولاً مبلغاً عن الله فأي شيء يحدث منه فهو من الله. وعندما يقول الحق: {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً} أي لا يضرك يا محمد أن يقولوا: إن ما أصابهم من سيئة فمن عندك؛ لأنه يكفيك أن يكون الله في صفك؛ لأنهم لا يملكون على ما يقولون جزاء، وربك هو الذي يملك الجزاء وهو يشهد لك بأنك صادق في التبليغ عنه وأنّك لم تحدث منك سيئة كما قالوا: ومن بعد ذلك يقول الحق: {مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} قالَ زيدُ بن علي عليهما السلامُ: مَا أَصابَكَ مِنْ نِعْمَةٍ فمنَ الله وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيئَةٍ يَقولُ بِذَنبِكَ. ثُمَّ قالَ: كُلُّ مِنْ عِندِ الله النّعمُ والمُصِيباتُ.

الجيلاني

تفسير : ثم لما أراد سبحانه أن ينبه على خلص عباده طريق توحيده، وأن ظهوره في المظاهر كلها خير محض لرسوله صلى الله عليه وسلم لأن تحمل أمثال هذه الخطابات، وأن الشر إنما هو من الإضافة العارضة بسبب التعينات العدمية، فقال مخاطباً لرسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأن تحمل أمثال هذه الخطابات الصادرة عن محض الحكمة، إنما يليق بجنابه ليصل منه إلى أمته: {مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ} مسرة لنفسك {فَمِنَ ٱللَّهِ} وعلى جري عادته، وظهوره على مظاهره بالخير والحسنى {وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ} محزنة مملة لنفسك {فَمِن نَّفْسِكَ} تظهر، ومن إضافتك تحصل، وإلا فهو خير في نفسه لا شر في الوجود أصلاً {وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً} تنبه لهم ما نبهت من لدنا { وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً} [النساء: 79] على إرسالك وتبليغك. ثم قال سبحانه: {مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ} ويؤمن به ويصدقه بما جاء من عند ربه {فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ} لأنه المظهر الجامع لجميع أوصافه وأسمائه، وللمظهر حكم الظاهر فيه {وَمَن تَوَلَّىٰ} أعرض عن إطاعتك أعرض عنهم، ولا تلتفت نحوهم {فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} [النساء: 80] تحفظهم عما يشينهم، بل مبلغاً داعياً لهم إلى طريق الحق وصراط مستقيم. {وَ} ممن يحوم حولك من المنافقين قوم إذا أمرتهم بامتثال أمر الله {يَقُولُونَ} في جوابك: {طَاعَةٌ} أي: منا امتثال وإطاعة لما أمرت {فَإِذَا بَرَزُواْ} خرجوا {مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ} زورت وافترت ولبست {غَيْرَ ٱلَّذِي تَقُولُ} تلك الطائفة لك، وقلت لها {وَٱللَّهُ} المجازي لهم والمحاسب أعمالهم {يَكْتُبُ} في صحائفهم، ويجازي عليهم بها {مَا يُبَيِّتُونَ} ويزورون {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} ولا تبال بإطاعتهم وقبولهم {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} في جميع الأمور، واتخذه ولياً ونصيراً {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً} [النساء: 81] يكفيك مؤونة ضررهم وشرورهم، وينتقم لك عنهم. ومن جملة نفاقهم وشقاقهم أنهم يطعنون في القرآن بأنواع المطاعن، تارة ينسبونه إلى غير الله وتارة يكذبونه، وتارة يقولون: هو من أساطير الأولين، أيترددون في أمره ويطعنون في شأنه؟. {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ} ويتأملون {ٱلْقُرْآنَ} لفظاً ومعى، ظهراً وبطناً، دلالة وحكماً، اقتضاءً ونصاً إشارةً وإيماءً، تلويحاً ورمزاً، حتى يتفطنوا أنه ما هو من كلام البشر {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ} أي: من جنس كلام البشر {لَوَجَدُواْ فِيهِ} البتة {ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً} [النساء: 82] حسب تفاوت درجات أشخاص البشر.