Verse. 573 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

مَنْ يُّطِعِ الرَّسُوْلَ فَقَدْ اَطَاعَ اللہَ۝۰ۚ وَمَنْ تَوَلّٰى فَمَاۗ اَرْسَلْنٰكَ عَلَيْہِمْ حَفِيْظًا۝۸۰ۭ
Man yutiAAi alrrasoola faqad ataAAa Allaha waman tawalla fama arsalnaka AAalayhim hafeethan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى أعرض عن طاعتك فلا يهمنَّك «فما أرسلناك عليهم حفيظا» حافظا لأعمالهم بل نذيرا وإلينا أمرهم فنجازيهم وهذا قبل الأمر بالقتال.

80

Tafseer

الرازي

تفسير : والمعنى أن من أطاع الرسول لكونه رسولا مبلغا إلى الخلق أحكام الله فهو في الحقيقة ما أطاع إلا الله، وذلك في الحقيقة لا يكون إلا بتوفيق الله، ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا، فان من أعماه الله عن الرشد وأضله عن الطريق، فان أحداً من الخلق لا يقدر على إرشاده. واعلم أن من أنار الله قلبه بنور الهداية قطع بأن الأمر كما ذكرنا، فانك ترى الدليل الواحد تعرضه على شخصين في مجلس واحد، ثم إن أحدهما يزداد إيماناً على إيمان عند سماعه، والآخر يزداد كفراً على كفر عند سماعه، ولو أن المحب لذلك الكلام أراد أن يخرج عن قلبه حب ذلك الكلام واعتقاد صحته لم يقدر عليه، ولو أن المبغض له أراد أن يخرج عن قلبه بغض ذلك الكلام واعتقاد فساده لم يقدر، ثم بعد أيام ربما انقلب المحب مبغضا والمبغض محباً، فمن تأمل للبرهان القاطع الذي ذكرناه في أنه لا بد من إسناد جميع الممكنات إلى واجب الوجود، ثم اعتبر من نفسه الاستقراء الذي ذكرناه، ثم لم يقطع بأن الكل بقضاء الله وقدره، فليجعل واقعته من أدل الدلائل على أنه لا تحصل الهداية إلا بخلق الله من جهة أن مع العلم بمثل هذا الدليل، ومع العلم بمثل هذا الاستقراء لما لم يحصل في قلبه هذا الاعتقاد، عرف أنه ليس ذلك إلا بأن الله صده عنه ومنعه منه. بقي في الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: {مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ } من أقوى الدلائل على أنه معصوم في جميع الأوامر والنواهي وفي كل ما يبلغه عن الله، لأنه لو أخطأ في شيء منها لم تكن طاعته طاعة الله وأيضا وجب أن يكون معصوما في جميع أفعاله، لأنه تعالى أمر بمتابعته في قوله: {أية : وَٱتَّبَعُوهُ } تفسير : [الأعراف: 158] والمتابعة عبارة عن الاتيان بمثل فعل الغير لأجل أنه فعل ذلك الغير، فكان الآتي بمثل ذلك الفعل مطيعاً لله في قوله: {وَٱتَّبَعُوهُ } فثبت أن الانقياد له في جميع أقواله وفي جميع أفعاله، إلا ما خصه الدليل، طاعة لله وانقياد لحكم الله. المسألة الثانية: قال الشافعي رضي الله عنه في كتاب الرسالة في باب فرض الطاعة للرسول: ان قوله تعالى: {مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ } يدل على أن كل تكليف كلف الله به عباده في باب الوضوء والصلاة والزكاة والصوم والحج وسائر الأبواب في القرآن، ولم يكن ذلك التكليف مبينا في القرآن، فحينئذ لا سبيل لنا إلى القيام بتلك التكاليف إلا ببيان الرسول، وإذا كان الأمر كذلك لزم القول بأن طاعة الرسول عين طاعة الله، هذا معنى كلام الشافعي. المسألة الثالثة: قوله: {مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ } يدل على أنه لا طاعة إلا لله ألبتة، وذلك لأن طاعة الرسول لكونه رسولا فيما هو فيه رسول لا تكون إلا طاعة لله، فكانت الآية دالة على أنه لا طاعة لأحد إلا لله. قال مقاتل في هذه الآية: ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «حديث : من أحبني فقد أحب الله ومن أطاعني فقد أطاع الله» تفسير : فقال المنافقون: لقد قارب هذا الرجل الشرك وهو أن ينهي أن نعبد غير الله، ويريد أن نتخذه ربا كما اتخذت النصارى عيسى، فأنزل الله هذه الآية. واعلم أنا بينا كيفية دلالة الآية على أنه لا طاعة ألبتة للرسول، وإنما الطاعة لله. أما قوله: {وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً } ففيه قولان: أحدهما: أن المراد من التولي هو التولي بالقلب، يعني يا محمد حكمك على الظواهر، أما البواطن فلا تتعرض لها. والثاني: أن المراد به التولي بالظاهر، ثم ههنا ففي قوله: {فَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً } قولان: الأول: معناه فلا ينبغي أن تغتم بسبب ذلك التولي وأن تحزن، فما أرسلناك لتحفظ الناس عن المعاصي، والسبب في ذلك أنه عليه الصلاة والسلام كان يشتد حزنه بسبب كفرهم وإعراضهم، فالله تعالى ذكر هذا الكلام تسلية له عليه الصلاة والسلام عن ذلك الحزن. الثاني: أن المعنى فما أرسلناك لتشتغل بزجرهم عن ذلك التولي وهو كقوله: {أية : لا إِكْرَاهَ فِى ٱلدّينِ } تفسير : [البقرة: 256] ثم نسخ هذا بعده بآية الجهاد.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ} أعلم الله تعالى أن طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم طاعةٌ له. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : من أطاعني فقد أطاع الله ومن يَعْصِني فقد عصى الله ومن يُطع الأمير فقد أطاعني ومن يَعْصِ الأمير فقد عصاني » تفسير : في رواية. « حديث : ومن أطاع أميري، ومن عصى أميري ». تفسير : قوله تعالى: {وَمَن تَوَلَّىٰ} أي أعرض. {فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} أي حافظاً ورقيباً لأعمالهم، إنما عليك البلاغ. وقال القُتَبيّ: محاسباً؛ فنسخ الله هذا بآية السيف وأمره بقتال من خالف الله ورسوله.

البيضاوي

تفسير : {مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ} لأنه عليه الصلاة والسلام في الحقيقة مبلغ، والأمر هو الله سبحانه وتعالى. روي (أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : من أحبني فقد أحب الله ومن أطاعني فقد أطاع الله»تفسير : فقال: المنافقون لقد قارف الشرك وهو ينهى عنه، ما يريد إلا أن نتخذه ربا كما اتخذت النصارى عيسى رباً) فنزلت. {وَمَن تَوَلَّىٰ } عن طاعته. {فَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} تحفظ عليهم أعمالهم وتحاسبهم عليها، إنما عليك البلاغ وعلينا الحساب وهو حال من الكاف.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم بأن من أطاعه، فقد أطاع الله، ومن عصاه، فقد عصى الله، وما ذاك إلا لأنه ما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني» تفسير : وهذا الحديث ثابت في الصحيحين عن الأعمش به. وقوله: {وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} أي: ما عليك منه، إن عليك إلا البلاغ، فمن اتبعك سعد ونجا، وكان لك من الأجر نظير ما حصل له، ومن تولى عنك خاب وخسر وليس عليك من أمره شيء، كما جاء في الحديث: «حديث : من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فإنه لا يضر إلا نفسه».تفسير : وقوله: {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ} يخبر تعالى عن المنافقين بأنهم يظهرون الموافقة والطاعة {فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ} أي: خرجوا وتواروا عنك {بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِى تَقُولُ} أي: استسروا ليلاً فيما بينهم بغير ما أظهروه لك، فقال تعالى: {وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ} أي: يعلمه ويكتبه عليهم؛ بما يأمر به حفظته الكاتبين الذين هم موكلون بالعباد، والمعنى في هذا التهديد أنه تعالى يخبر بأنه عالم بما يضمرونه ويسرونه فيما بينهم، وما يتفقون عليه ليلاً؛ من مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم وعصيانه، وإن كانوا قد أظهروا له الطاعة والموافقة، وسيجزيهم على ذلك، كما قال تعالى: {أية : وَيِقُولُونَ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعْنَا} تفسير : [النور: 47] الآية، وقوله: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} أي: اصفح عنهم، واحلم عليهم، ولا تؤاخذهم، ولا تكشف أمورهم للناس، ولا تخف منهم أيضاً {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً} أي: كفى به ولياً وناصراً ومعيناً لمن توكل عليه وأناب إليه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ وَمَن تَوَلَّىٰ } أعرض عن طاعته فلا يهمنك {فَمَا أَرْسَلْنَٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً } حافظاً لأعمالهم بل نذيراً وإلينا أمرهم فنجازيهم وهذا قبل الأمر بالقتال.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ} وإنما كانت طاعة لله لأنها موافقة لأمر الله تعالى. {وَمَن تَوَلَّى فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} فيه تأويلان: أحدهما: يعني حافظاً لهم من المعاصي حتى لا تقع منهم. والثاني: حافظاً لأعمالهم التي يقع الجزاء عليها فتخاف ألاّ تقوم بها، فإن الله تعالى هو المجازي عليها. {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ} يعني المنافقين، أي أمرنا طاعة. {فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ} والتبييت كل عمل دُبِّر ليلاً، قال عبيد بن همام: شعر : أتوني فلم أرض ما بيّتوا وكانواْ أتوْني بأمرٍ نُكُر لأُنْكِحَ أَيِّمَهُمْ منذراً وهل يُنْكِحُ الْعَبْدُ حُرٌّ لحُرْ؟ تفسير : وفي تسمية العمل بالليل بياتاً قولان: أحدهما: لأن الليل وقت المبيت. والثاني: لأنه وقت البيوت. وفي المراد بقوله تعالى: {بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ} قولان: أحدهما: أنها غيّرت ما أضمرت من الخلاف فيما أمرتهم به أو نهيتهم عنه، وهذا قول ابن عباس، وقتادة، والسدي. والثاني: معناه فدبَّرت غير الذي تقول على جهة التكذيب، وهذا قول الحسن. {وَاللهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ} فيه قولان: أحدهما: يكتبه في اللوح المحفوظ ليجازيهم عليه. والثاني: يكتبه بأن ينزله إليك في الكتاب، وهذا قول الزجاج.

ابن عبد السلام

تفسير : {حَفِيظًا} حافظاً لهم من المعاصي، أو حافظاً لأعمالهم التي يجازون بها.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} سبب نزول هذه الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من أطاعني فقد أطاع الله ومن أحبني فقد أحب الله" تفسير : فقال بعض المنافقين ما يريد هذا الرجل إلا أن نتخذه رباً كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم رباً فأنزل الله هذه من يطع الرسول يعني فيما أمر به ونهى عنه فقد أطاع الله يعني أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم طاعة لله تعالى لأنه هو أمر بها. وقال الحسن جعل الله طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم طاعته وقامت به الحجة على المسلمين. وقال الشافعي: إن كل فريضة فرضها الله في كتابه كالحج والصلاة والزكاة لولا بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم لها ما كنا نعرف كيف نأتيها ولا كان يمكننا أداء شيء من العبادات وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه المنزلة الشريفة كانت طاعته على الحقيقة طاعة لله {ومن تولى} أي أعرض عن طاعته {فما أرسلناك عليهم حفيظاً} يعني حافظاً تحفظ أعمالهم عليهم بل كل أمرهم إلى الله قال المفسرون وكان هذا قبل أن يؤمر بالقتال ثم نسخ ذلك بآية القتال قوله تعالى: {ويقولون طاعة} نزلت في المنافقين وذلك أن المنافقين كانوا يقولون باللسان لرسول الله صلى الله عليه وسلم آمنا بك وصدقناك فمرنا فأمرك طاعة أي أمرنا وشأننا طاعة {فإذا برزوا من عندك} أي خرجوا من عندك {بيت طائفة منهم غير الذي تقول} التبييت كل أمر يفعل بالليل يقال هذا أمر مبيت إذا دبر بليل وقضي بليل فقد بيت والمعنى أنهم قالوا وقدروا أمراً بالليل غير الذي أعطوك بالنهار من الطاعة وقيل معنى بيت غير وبدل طائفة منهم غير الذي تقول يعني غير الذي عهدت إليهم فعلى هذا يكون التبييت بمعنى التبديل وإنما خص طائفة من المنافقين بالتبييت في قوله منهم. وكلمة من للتبعيض لأنه تعالى علم أن منهم من يبقى على كفره ونفاقه ومنهم من يرجع عنه ويتوب فخص من يصر على النفاق والذكر وقيل إن طائفة منهم اجتمعوا في الليل وبيتوا ذلك القول فخصهم بالذكر {والله يكتب} أي يثبت ويحفظ عليهم {ما يبيتون} يعني ما يزورون ويغيرون ويقدرون وقال ابن عباس يكتب ما يسرون من النفاق {فأعرض عنهم} أي لا تعاقبهم يا محمد ولا تحدث نفسك بالانتقام منهم وخلهم في ضلالتهم فأنا منتقم منهم وقيل لا تغتر بإسلامهم {وتوكل على الله} أي فوض أمرك إلى الله في شأنهم فإن الله يكفيك أمرهم وينتقم لك منهم {وكفى بالله وكيلاً} يعني ناصراً لك عليهم.

ابن عادل

تفسير : وذلك أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يَقُول: "حديث : مَنْ أطَاعَنِي فَقَدْ أطاعَ الله، ومن أحَبَّنِي فقد أحَبَّ الله" تفسير : فقال بَعْضُ المُنَافِقِين: ما يُريدُ هذا الرَّجُلُ إلا أن نَتَّخِذَهُ ربّاً؛ كما اتَّخَذَتِ النَّصَارى عِيسَى ابن مَرْيمَ ربّاً؛ فأنزل الله - عز وجل -: "من يطع الرسول" فيما أمَرَهُ [الله] "فقد أطاع الله"، "ومن تولى": عن طاعته "فما أرسلناك" يا محمَّد "عليهم حفيظاً" أي: حَافِظاً ورَقِيباً، بل كل أمُورهم إلى اللَّه - تعالى -، ولا تغتم بسبب تولِّيهم ولا تَحْزَن، والمُرَادُ: تسلِيَة الرَّسُول - عليه الصَّلاة والسلام -. قيل: نَسَخَ اللَّه - عز وجل - هذه الآية بآيَة السَّيْف، وأمره بِقتال من خَالَفَ اللَّه ورسُوله. قوله: "حفيظاً": حالٌ من كَافِ "أرسلناك" و "عليهم" مُتعلِّق بـ "حفيظاً"، وأجاز فيه أبُو البَقَاءِ ما تقدَّم في "للنَّاسِ".

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر والخطيب عن ابن عمر قال‏:‏ كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه فقال‏:‏ ‏"حديث : ‏يا هؤلاء ألستم تعلمون أني رسول الله إليكم‏؟‏ قالوا‏:‏ بلى‏.‏ قال‏:‏ ألستم تعلمون أن الله أنزل في كتابه أنه من أطاعني فقد أطاع الله‏؟‏ قالوا‏:‏ بلى، نشهد أنه من أطاعك فقد أطاع الله، وإن من طاعته طاعتك‏.‏ قال‏:‏ فإن من طاعة الله أن تطيعوني، وإن من طاعتي أن تطيعوا أئمتكم، وإن صلوا قعوداً فصلوا قعوداً أجمعين‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن المنذر عن ربيع بن خثيم، قال‏:‏ حرف، وأيما حرف ‏ {‏من يطع الرسول فقد أطاع الله‏} ‏ فوض إليه فلا يأمر إلا بخير‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن زيد. أنه سئل عن قوله ‏ {‏فما أرسلناك عليهم حفيظا‏ً} ‏ قال‏:‏ هذا أول ما بعثه قال‏:‏ إن عليك إلا البلاغ، ثم جاء بعد هذا يأمره بجهادهم والغلظة عليهم حتى يسلموا‏.‏

ابو السعود

تفسير : {مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ} بـيانٌ لأحكام رسالتِه عليه الصلاة والسلام إثرَ بـيانِ تحقّقِها وثبوتِها وإنما كان كذلك لأن الآمرَ والناهيَ في الحقيقة هو الله تعالى، وإنما هو عليه الصلاة والسلام مبلِّغٌ لأمره ونهيِه فمرجِعُ الطاعةِ وعدمُها هو لله سبحانه. روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : من أحبّني فقد أحب الله ومن أطاعني فقد أطاعَ الله»تفسير : فقال المنافقون: ألا تسمعون إلى ما يقول هذا الرجل؟ لقد قارف الشركَ وهو ينهي أن يُعبَدَ غيرُ الله ما يريد إلا أن نتخِذَه رباً كما اتخذت النصارى عيسى فنزلت، والتعبـيرُ عنه عليه الصلاة والسلام بالرسول دون الخطابِ للإيذان بأن مناطَ كونِ طاعتِه عليه الصلاة والسلام طاعةً له تعالى ليس خصوصيةَ ذاتِه عليه الصلاة والسلام بل من حيثية رسالتِه، وإظهارُ الجلالةِ لتربـية المهابةِ وتأكيدِ وجوبِ الطاعةِ بذكر عنوانِ الألوهيةِ، وحملُ الرسولِ على الجنس المنتظِمِ له عليه الصلاة والسلام انتظاماً أولياً يأباه تخصيصُ الخطابِ به عليه السلام في قوله تعالى: {وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} وجوابُ الشرطِ محذوفٌ والمذكورُ تعليلٌ له أي ومن أعرض عن الطاعة عنه إنما أرسلناك رسولاً مبلِّغاً لا حفيظاً مهيمِناً تحفَظ عليهم أعمالَهم وتحاسِبُهم عليها وتعاقبهم بحسَبها. وحفيظاً حالٌ من الكاف، وعليهم متعلقٌ به، قُدِّم عليه رعايةً للفاصلة، وجمعُ الضميرِ باعتبار معنى مَنْ كما أن الإفراد في تولّىٰ باعتبار لفظِه.

القشيري

تفسير : هذه الآية تشير إلى الجَمْع لحال الرسول - صلى الله عليه وسلم، فقال سبحانه طاعته طاعتنا، فمن تقرَّبَ منه تقرَّبَ منا، ومقبولُه مقبولُنا، ومردودُه مردودنا.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ} ظاهر هذه الأية تدل على الوسيلة والوسيلة من الله هو الرسول اى من اطاع الرسول فقد اطاع الله بوسيلة الرسول وهذا مقام الامر والعبودية فى النبى صلى الله عليه وسلم وباطن الأية اشارة الى عين الجمع يحث يندرج صفاته تحت صفات القدم ويغنى خلقه فى خلق الازل من تحت الفناء بصفة البقاء ويكون مرارة الحق تجلى منه للخلق فاذا كان كذلك امره وطاعته مع امر الله وطاعته واحد لموضع اتصافه واتحاده قال جعفر بن محمد من عرفك بالرسالة والنبوة فقد عرفنى بالربوبية فالالهية قال ابو عثمان من صحح الاقتداء بالنبى صلى الله عليه وسلم والزم نفسه طاعته اوصله الله الى مقامات الانبياء والصديقين والشهداء قال الله تعالى ومن يطع الله والرسول فاولئك مع الذين انعم الله عليهم من الانبياء والصديقين والشهداء وقال بعضهم المتحققون فى طاعة الرسول مع الانبياء المقتصدون مع الشهداء والظالمون مع الصالحين وقيل طاعة الرسول طاعة الحق لفنائه عن اوصافه وقيامه على اوصاف الحق وفنائاه عن رسومه وبقائه بالحق ظاهر او باطنا فطاعته طاعته وذكره ذكره وبه يصل العبد الى الحق وبخالفته ينقطع عنه.

اسماعيل حقي

تفسير : {من يطع الرسول فقد اطاع الله} لانه فى الحقيقة مبلغ والآمر هو الله تعالى ـ روى ـ انه عليه السلام قال "حديث : من احبنى فقد احب الله ومن اطاعنى فقد اطاع الله " .تفسير : فقال المنافقون لقد قارف الشرك وهو ينهى عنه ما يريد الا ان نتخذه ربا كما اتخذت النصارى عيسى فنزلت {ومن تولى} اى اعرض عن طاعته {فما ارسلناك عليهم حفيظا} تحفظ عليهم اعمالهم وتحاسبهم عليها انما عليك البلاغ وعلينا الحساب. قوله حفيظا حال من كاف ارسلناك وعليهم متعلق بحفيظا. {ويقولون} اذا امرتهم بأمر {طاعة} اى امرنا وشأننا طاعة {فاذا برزوا من عندك} اى خرجوا {بيت طائفة منهم غير الذى تقول} اى زورت خلاف ما قلت لها يا محمد فالضمير للخطاب او ما قالت لك من ضمان الطاعة فالضمير للغيبة واشتقاق البيت من البيتوتة ولما كان غالب الافكار التى يسقتصى فيها الانسان واقعا فى الليل اذ هناك يكون الخاطر اصفى والشواغل اقل سمى الفكر المستقصى مبيتا {والله يكتب ما يبيتون} يثبته فى صحائف اعمالهم للمجازاة {فاعرض عنهم} قلل المبالاة بهم {وتوكل على الله} فى الامور كلها سيما فى شأنهم {وكفى بالله وكيلا} يكفيك معرتهم وينتقم لك منهم اذا قوى امر الاسلام وعز انصاره. والوكيل هو العالم بما يفوض اليه من التدبير. {أفلا يتدبرون القرآن} يتأملون فى معانيه ويتبصرون ما فيه واصل التدبير النظر فى ادبار الشىء وما يؤول اليه فى عاقبته ومنتهاه ثم استعمل فى كل تأمل {ولو كان من عند غير الله} اى ولو كان من كلام البشر كما زعم الكفار {لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} من تناقض المعنى وتفاوت النظم وكان بعضه فصيحا وبعضه ركيكا وبعضه يصعب معارضته وبعضه يسهل ومطابقة بعض اخبار المستقبلة للواقع دون بعض وموافقة العقل لبعض احكامه دون بعض على ما دل عليه الاستقراء لنقصان القوة البشرية. وهل يجوز ان يقال بعض كلام الله ابلغ من بعض. قال الامام السيوطى فى الاتقان جوزه قوم لقصور نظرهم فينبغى ان يعلم ان معنى قول القائل هذا الكلام ابلغ من هذا الكلام ان هذا فى موضعه له حسن ولطف وبلاغة وذاك فى موضعه له حسن ولطف وهذا الحسن فى موضعه اكمل وابلغ من ذلك فى موضعه فلا ينبغى ان يقال ان {أية : قل هو الله أحد} تفسير : [الإخلاص: 1]. ابلغ من {أية : تبت} تفسير : [المسد: 1]. بل ينبغى ان يقال {أية : تبت يدا ابى لهب} تفسير : [المسد: 1]. دعاء عليه بالخسران فهل توجد عبارة للدعاء بالخسران احسن من هذه وكذلك فى {أية : قل هو الله احد} تفسير : [الإخلاص: 1]. لا توجد عبارة تدل على وحدانيته ابلغ منها فالعالم اذا انظر الى {أية : تبت يدا أبى لهب} تفسير : [المسد: 1]. فى باب الدعاء بالخسران ونظر الى {أية : قل هو الله أحد} تفسير : [الإخلاص: 1]. فى باب التوحيد لا يمكنه ان يقول احدهما ابلغ من الآخر. وقال بعض المحققين كلام الله فى الله افضل من كلامه فى غيره فـ {أية : قل هو الله أحد} تفسير : [الإخلاص: 1]. افضل من {أية : تبت يدا أبى لهب} تفسير : [المسد: 1]. لان فيه فضيلة الذكر وهو كلام الله وفضيلة المذكور وهو اسم ذاته وتوحيده وصفاته والايجابية والسلبية وسورة تبت فيها فضيلة الذكر فقط وهو كلام الله تعالى. قال الغزالى فى جوهر القرآن ومن توقف فى تفضيل الآيات اول قوله عليه السلام "حديث : افضل سورة واعظم سورة " .تفسير : بانه اراد فى الاجر والثواب لا ان بعض القرآن افضل من بعض فالكل فى فضل الكلام واحد والتفاوت فى الاجر لا فى كلام الله تعالى من حيث هو كلام الله القديم القائم بذاته تعالى انتهى. يقول الفقير جامع هذه المجالس النفيسة قولهم ان هذه الآية فى غاية الفصاحة كما قال القاضى عند قوله تعالى {أية : وقيل يا أرض ابلعى ماءك} تفسير : [هود: 44]. الآية يشعر بجواز القول بالتفاوت فى طبقات الفصاحة كما عليه علماء البلاغة ومن هنا: قال من قال شعر : دربيان ودرفصاحت كى بوديكسان سخن كرجه كوينده بود جون جاحظ وجون اصمعى در كلام ايزد بيجون كه وحى منزلست كى بود تبت يدا مانند يا ارض ابلعى تفسير : قال العلماء القرآن يدل على صدقه عليه السلام من ثلاثة اوجه. احدها اطراد الفاظه فى الفصاحة. وثانيها اشتماله على الاخبار عن الغيوب. والثالث سلامته من الاختلاف وسبب سلامته منه على ما ذهب اليه اكثر المتكلمين ان القرآن كتاب كبير مشتمل على انواع كثيرة من العلوم فلو كان ذلك من عند غير الله لوقع فيه انواع من الكلمات المتناقضة لان الكتاب الكبير الطويل لا ينفك عن ذلك ولما لم يوجد فيه ذلك علمنا انه ليس من عند غير الله وانما هو وحى اوحى اليه عليه السلام من عند الله بوساطة جبرائيل فمن اطاعه فيه فقد اطاع الله والاطاعة سبب لنيل المطالب الدنيوية والاخروية ويرشدك على شرف الاطاعة ان كلب اصحاب الكهف لما تبعهم فى طاعة الله وعدله دخول الجنة: كما قال السعدى شعر : سك اصحاب كهف رزوى جد بى مردم كرفت ومردم شد تفسير : فاذا كان من تبع المطيعين كذلك فما ظنك بالمطيعين وكما ان من صلى ولم يؤد الزكاة لم تقبل منه الصلاة ومن شكر الله فى نعمائه ولم يشكر الوالدين لا يقبل منه فكذلك من اطاع الله ولم يطع الرسول لا يقبل منه. والاشارة ان الرسول صلى الله عليه وسلم كان لوصفه بالفناء فانيا فى الله باقيا بالله قائما مع الله فكان خليفة الله على الحقيقة فيما يعامل الخلق حتى قال {أية : وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} تفسير : [الأنفال: 27]. وكان الله خليفته فيما يعامله الخلق حتى قال {أية : إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله} تفسير : [الفتح: 10]. ولهذا كان يقول صلى الله عليه وسلم "حديث : الله خليفتى على امتى " .تفسير : {فمن تولى فما ارسلناك عليهم حفيظا} فانك لست حافظا فكيف لهم فانهم تولوا عنى لا عنك فانما على حسابهم لا عليك وفى قوله تعالى {ويقولون طاعة} اشارة الى احوال اكثر مريدى هذا الزمان اذا كانوا حاضرين فى الصحبة ينعكس تلألؤ اشعة انوار الولاية فى مرآة قلوبهم فيزدادون ايمانا مع ايمانهم وإرادة مع ارادتهم فيصغون بآذانهم الواعية الى الحكم والمواعظ الحسنة ترى اعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق ويقولون السمع والطاعة فيما يسمعون ويخاطبون به {فاذا برزوا من عندك} وهب لهم رياح الهوى وشهوة الحرص وتمايلت قلوبهم عن مجازات القرار على الولاية وعاد المشئوم الى طبعه {بيت طائفة منهم غير الذى تقول والله يكتب ما يبيتون} اى يغير عليهم ما يغيرون على انفسهم لان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم {فاعرض عنهم} فاصفح عنهم واصبر معهم {وتوكل على الله} لعل الله يصلح بالهم ولا يجعل التغيير وبالهم ويحسن عاقبتهم ومآلهم {وكفى بالله وكيلا} للمتوكلين عليه والملتجئين اليه ثم اخبر عن الدواء كما اخبر عن الداء بقوله {أفلا يتدبرون القرآن} والاشارة ان العباد لو كانوا يتدبرون القرآن ويتفكرون فى آثار معجزاته وانوار هداياته ونظم آياته وكمال فصاحته وجمال بلاغته وجزالة الفاظه ورزانة معانيه ومتانة مبانيه وفى اسراره وحقائقه ودقة اشاراته ولطائفه وانواع معالجاته لامراض القلوب من اصابة ضرر الذنوب لوجدوا فيه لكل داء دواء ولكل مرض شفاء ولكل عين قرة ولكل وجه غرة ولرأوا كأسه موصوفا بالصفاء محفوظا من القذى بحرا لا تنقضى عجائبه وبرا لا تنتفى غرائبه روحا لا تباغض فيه ولا خلاف وجثة لا تناقض فيها ولا اختلاف {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيراً} ولم يجدوا فيه نقيرا ولا قطميرا انتخبته من التأويلات النجمية: وفى المثنوى شعر : جون تودر قرآن حق بكريختى باروان انيبا آميختى هست قرآن حالهاى انيبا ماهيان بحر باك كبريا وربخوانى ونه قرن بزير انبياو اوليارا ديده كير

الطوسي

تفسير : بين الله تعالى بهذه الآية أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم طاعة الله. وانما كان كذلك، لأن طاعة الرسول بأمر الله، فهي طاعة الله على الحقيقة، وبارادته وان كانت أيضاً طاعة للنبي من حيث وافقت ارادته المستدعية للفعل. فأما الامر الواحد، فلا يكون من آمرين كما لا يكون فعل واحد من فاعلين. وقوله: {ومن تولى} أي اعرض ولم يطع {فما أرسلناك عليهم حفيظاً} وقيل في معناه ثلاثة أقوال: أحدها - قال ابن زيد: حافظاً لهم من التولي حتى يسلموا. والثاني - حافظاً لأعمالهم التي يقع الجزاء عليها، لأن الله تعالى هو المجازي عليها. الثالث - قال أبو علي: حافظاً لهم من المعاصي حتى لا تقع. قال ابن زيد: هذا أول ما بعث، كما قيل له: {أية : إن عليك إلا البلاغ}تفسير : ثم أمر فيما بعد بالجهاد ووجه جواب الجزاء في قوله: {فما أرسلناك عليهم حفيظاً} من المعاصي حتى لا تقع - في قول أبي علي - وعلى القول الآخر لأنك لم ترسل عليهم حفيظاً لاعمالهم التي يقع الجزاء عليها، فتخاف أن لا تقوم بها. وفي الآية دلالة على ان الرسول لا يأمر بالخطأ، لأن الله تعالى جعل طاعته طاعة نفسه. والله لا يأمر بالخطأ بلا خلاف. النظم: ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها انه لما ذكر الحسنة التي هي نعمة من الله، بين أن منها ارسال نبي الله ثم بين أن منها طاعة الرسول التي هي طاعة الله. فهو في ذكر نعم الله مجملة، ومفصلة. وفيها تسلية للنبي (صلى الله عليه وسلم) في تولي الناس عنه وعن الحق الذي جاء به، مع تضمنها تعظيم شأنه بكون طاعته طاعة الله.

الجنابذي

تفسير : {مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ} وضع المظهر موضع المضمر اشارة الى التّعليل {فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ} فى قوله اطيعوا الرّسول، او لانّه مبلّغ والآمر والنّاهى هو الله، او لانّ الرّسول (ص) لمّا فنى من نفسه وبقى بالله ونسبته الى الله اقوى من نسبته الى بشريّته، وظهور الله فيه اتمّ من بشريّته كما قال: من رآنى فقد رأى الحقّ، فمن اطاعه من حيث ظهور بشريّته يعلم انّه اطاع الله قبل حيثيّة بشريّته ولذلك اتى بالماضى مصدّراً بقد للدلالة على مضيّه لتقدّم نسبته الى الله وظهوره فيه على نسبته الى بشريّته {وَمَن تَوَلَّىٰ} الاتيان بالماضى مع كون الفعل فى المعطوف عليه مستقبلاً لكون الاطاعة امراً يحدث بعد ما لم يكن على سبل التّجدّد والتّولّى امر مفطور عليه لا تجدّد فيه سوى البقاء عليه فقد تولّى عن الله فلا تتحسّر عليهم لتولّيهم عنك {فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} حتّى تتحسّر على عدم حفظك ايّاهم

فرات الكوفي

تفسير : {مَنْ يُطِعِ الرَّسولَ فَقَدْ أطاعَ اللهَ80} [تقدم في الحديث 107 وسيأتي في الحديث الثالث من سورة الحشر].

الأعقم

تفسير : {من يطع الرسول فقد أطاع الله} لأنه لا يأمر إلا بما أمر الله به ولا ينهى إلا عن ما ينهي الله عنه {ومن تولى} عن الطاعة فأعرض {فما أرسلناك} إلا نذيراً لا حافظاً ومهيمناً عليهم تحفظ عليهم أعمالهم وتحاسبهم عليها وتعاقبهم، كقوله: {أية : وما أنت عليهم بوكيل} تفسير : [الأنعام: 107] {ويقولون} إذا أمرتهم بشيء {طاعة فإذا برزوا من عندك}، الآية، نزلت في المنافقين، ومعنى: {بيَّت طائفة} زوّرت طائفة وسوَّت {غير الذي تقول} خلاف ما قلت وما أمرت به {والله يكتب ما يبيتون} يبيّته في أعمالهم ويجازيهم عليه أو يكتبه في جملة ما يوحي إليك فيطلعك على أسرارهم {فأعرض عنهم} ولا تحدث نفسك بالانتقام منهم {وتوكّل على الله} في شأنهم {أفلا يتدبرون القرآن} يعني هلاّ تأملوا في تفسيره وتدبروا في تأويله وتفكّروا في حججه ودلائله {لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً} يعني لو كان من عند غير الله لكان الكثير منه مختلفاً متناقضاً، {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف اذاعوا به} الآية نزلت في المنافقين روي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يبعث بالسرايا فإذا غلبوا أو غُلبوا بادر المنافقين بالاستخبار عن حال السرايا فيفشونه ويتحدثون به قبل أن يتحدث به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولو ردوا ذلك إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وإلى أولي الأمر منهم وهم كبار الصحابة البصراء بالأمور والذين كانوا يؤمرون منهم {لعلمه} يعني لعلم تدبير ما أخبروا {الذين يستنبطونه} الذين يستخرجون تدبره بفطنهم وتحاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب {ولولا فضل الله عليكم ورحمته} وهو إرسال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنزال الكتاب والتوفيق {لاتبعتم الشيطان} لبقيتم على الكفر {إلا قليلاً} منكم {فقاتل في سبيل الله} إن أفردوك أو تركوك وحدك {لا تكلف إلا نفسك} وحدها أن تقدمها إلى الجهاد فإن الله ناصرك، وقيل: نزلت الآية في بدر الصغرى وذلك أن أبا سفيان كان وعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى بدر فخرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وما معه إلاَّ سبعون حتى أتى موسم بدر فكفاهم الله بأس العدو ولم يوافقهم أبو سفيان للميعاد ولم يكن فتالاً ولو لم يتبعه أحدٌ لخرج {عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا} وهم وفدٌ كف بأسهم، وقيل: هو عامٌّ {والله اشد بأساً} من قريش {وأشد تنكيلاً}.

الهواري

تفسير : قوله: {مَّن يُّطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ} جعل الله طاعة رسوله طاعته وقامت به الحجة على المسلمين وعلى الخلق أجميعن. {وَمَن تَوَلَّى} أي كفر {فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} أي تحفظ عليهم أعمالهم حتى تجازيهم بها. قوله: {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ} يعني به المنافقين، يقولون ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم. {فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِندِكَ} أي: خرجوا من عندك {بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ} قال بعضهم: غيّرت طائفة منهم. {غَيْرَ الذِي تَقُولُ} أي: ما عهدوا إلى نبي الله. قال الحسن: في خلاف النبي. وقال مجاهد: غيّرت طائفة منهم ما قال لهم النبي. {وَاللهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ} أي: ما يغيّرون. وقال الحسن: ما يغيرون من تبييت الكلام. {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} أي لا تقتلهم ولا تحكم عليهم بأحكام المشركين ما أعطوك الطاعة. {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ} فإنه سيكفيكهم. {وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً} أي: لمن توكل عليه. قوله: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ} يقول: لو تدبّروه لم ينافقوا ولآمنوا. {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً}. قال بعضهم: قول الله لا يختلف، هو حق ليس فيه باطل، وإن قول الناس مختلف. قال بعضهم:....... وسمعت في بعض الحديث: حديث : لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض . تفسير : ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: اقرأوا القرآن ما اجتمعتم، فإذا اختلفتم فقوموا.

اطفيش

تفسير : {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَد أَطَاعَ اللهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَآ أَرْسَلنَاكَ عَلَيْهِم حَفِيظًا}: أخبرهم الله أن طاعة الرسول بمعنى اتباعه فيما يأمر به الله، أو ينهى عنه، واتباعه تقرب الى الله وعبادة له لا الى رسوله ولا عبادة له، ومن أعرض عن طاعتك، أى اتباعك فليس عليك منه شىء بعد التبليغ وعقابه عند الله، لأنا لم نرسلك رقيبا عليهم تحفظ أعمالهم وتعاقبهم عليها، وعليهم متعلق بحفيظا، قدم للفاصلة ولطريقة العرب فى الاهتمام، وحفيظا حال من كاف أرسلناك، ويجوز أن يكون المعنى: وما أرسلناك حفيظا عليهم تحفظهم من الوقوع فى الشرك والمعاصى، والأول أولى، لأنه يتبادر من لفظ عليهم ولأمثاله من القرآن المتبادر منها الأول كقوله: {أية : وما أنت عليهم بوكيل }تفسير : وقيل: المعنى لا تقاتلهم ثم نزل القتال.

اطفيش

تفسير : {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ} لأنه يقول عن الله عز وجل وما يقول باجتهاد على فرض أنه يجتهد، فإن الله أباحه له، فطاعته فيه طاعة لله {وَمَن تَوَلَّى} عن طاعته كما يناسب الظاهر، وهو لفظ الرسول، فإن الظاهر من قبيل الغيبة، أو من تولى عن طاعتك عن طريق الالتفات، ويدل له التعليل النائب عن الجواب والتقدير فلا يهمنك أمره وتعاقب معطوف على يهمنك أى فلا تُعاقَب بذنبه، وقيل المراد جنس الرسل فيدخل صلى الله عليه وسلم بالأولى، ويرده أو يضعفه تخصيصه بالخطاب فى قوله تعالى {فَمَآ} أى لأنا ما {أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} ضامناً لصلاحهم، بل أرسلناك مبلّغاً ونذيراً، أو إلينا جزاؤهم، ومعنى الآية مما يصح قبل نزول القتال وبعده فلا حاجة إلى دعوى نسخها بآيت القتال، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أحبنى فقد أحب الله ومن أطاعنى فقد أطاع الله"تفسير : ، فقال المنافقون: قارف الشرك وهو ينهى عنه، أراد أن نتخذه ربَّا، كما اتخذت النصارى عيسى ربَّا، فنزلت الآية: من يطع الرسول، تصديقاً له وتكذيباً لهم.

الالوسي

تفسير : {مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ} بيان لأحكام رسالته صلى الله عليه وسلم إثر بيان تحققها، وإنما كان كذلك لأن الآمر والناهي في الحقيقة هو الحق سبحانه، والرسول إنما هو مبلغ للأمر والنهي فليس الطاعة له بالذات إنما هي لمن بلغ عنه. وفي بعض الآثار عن مقاتل «حديث : أن النبـي صلى الله عليه وسلم كان يقول: من أحبني فقد أحب الله تعالى ومن أطاعني فقد أطاع الله تعالى فقال المنافقون: ألا تسمعون إلى ما يقول هذا الرجل لقد قارف الشرك، وهو نهى أن يعبد غير الله تعالى ما يريد إلا أن نتخذه رباً كما اتخذت النصارى عيسى عليه السلام؟ فنزلت» تفسير : فالمراد بالرسول نبينا صلى الله عليه وسلم، والتعبير عنه بذلك ووضعه موضع المضمر للإشعار بالعلية، وقيل: المراد به الجنس ويدخل فيه نبينا صلى الله عليه وسلم دخولاً أولياً، ويأباه تخصيص الخطاب في قوله تعالى: {وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} وجعله من باب الخطاب لغير معين خلاف الظاهر، و {مَنْ} شرطية وجواب الشرط محذوف، والمذكور تعليل له قائم مقامه أي ومن أعرض عن الطاعة فأعرض عنه لأنا إنما أرسلناك رسولاً مبلغاً لا حفيظاً مهيمناً تحفظ أعمالهم عليهم وتحاسبهم عليها، ونفي ـ كما قيل ـ كونه حفيظاً أي مبالغاً في الحفظ دون كونه حافظاً لأن الرسالة لا تنفك عن الحفظ لأن تبليغ الأحكام نوع حفظ عن المعاصي والآثام، وانتصاب الوصف على الحالية من الكاف، وجعله مفعولاً ثانياً لأرسلنا لتضمينه معنى جعلنا مما لا حاجة إليه، و {عَلَيْهِمْ} متعلق به وقدم رعاية للفاصلة، وفي إفراد ضمير الرفع وجمع ضمير الجر مراعاة للفظ ـ من ـ ومعناها، وفي العدول عن ـ ومن تولى فقد عصاه ـ الظاهر في المقابلة إلى ما ذكر ما لا يخفى من المبالغة.

ابن عاشور

تفسير : هذا كالتكملة لقوله: {أية : وأرسلناك للناس رسولاً}تفسير : [النساء: 79] باعتبار ما تضمّنه من ردّ اعتقادهم أنّ الرسول مصدرُ السيّئات التي تصيبهم، ثم من قوله: {أية : ما أصابك من حَسَنَةٍ فمِنَ الله}تفسير : [النساء: 79] الخ، المؤذن بأنّ بين الخالق وبين المخلوق فَرْقا في التأثير وأنّ الرسالة معنَّى آخر فاحترَس بقوله: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} عن توهّم السامعين التفرقة بين الله ورسوله في أمور التشريع، فأثبت أنّ الرسول في تبليغه إنّما يبلّغ عن الله، فأمره أمرُ الله، ونهيُه نهيُ الله، وطاعتُه طاعةُ الله، وقد دلّ على ذلك كلّه قولُه: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} لاشتمالها على إثبات كونه رسولاً واستلزامها أنّه يأمر وينهى، وأنّ ذلك تبليغ لمراد الله تعالى، فمن كان على بيّنة من ذلك أو كان في غفلة فقد بيّن الله له اختلاف مقامات الرسول، ومن تولّى أو أعرض واستمرّ على المكابرة {فما أرسلناك عليهم حفيظاً}، أي حارساً لهم ومسؤولاً عن إعراضهم، وهذا تعريض بهم وتهديد لهم بأنْ صَرَفه عن الاشتغال بهم، فيعلم أنّ الله سيتولّى عقابهم. والتولّي حقيقته الانصراف والإدبار، وقد تقدّم في قوله تعالى: {أية : وإذا تَولَّى سعى في الأرض ليفسد فيها}تفسير : [البقرة: 205] وفي قوله: {أية : مَا ولاَهُم عن قبلتهم} تفسير : في سورة البقرة (142). واستعمل هنا مجازاً في العصيان وعدم الإصغاء إلى الدعوة. ثم بَيَّن أنّهم لضعف نفوسهم لا يُعرضون جهراً بل يظهرون الطاعة، فإذا أمرهم الرسول أو نهاهم يقولون له {طاعة} أي: أمْرُنا طاعةٌ، وهي كلمة يدُلّون بها على الامتثال، وربما يقال: سَمْعٌ وطاعة، وهو مصدر مرفوع على أنّه خبر لمبتدإ محذوف، أي أمرنا أو شأننا طاعة، كما في قوله: {أية : فصبرٌ جميل}تفسير : [يوسف: 18]. وليس هو نائباً عن المفعول المطلق ألآتي بدَلاً من الفعل الذي يُعَدل عن نصبه إلى الرفع للدلالة على الثبات مثل «قال سلام»، إذ ليس المقصود هنا إحداثَ الطاعة وإنّما المقصود أنّنا سنُطيع ولا يكون منّا عصيان. ومعنى {برزوا} خرجوا، وأصل معنى البروز الظهور، وشاع إطلاقه على الخروج مجازاً مرسلاً. و{بيَّتَ} هنا بمعنى قدّر أمراً في السرّ وأضمره، لأنّ أصل البيات هو فعل شيء في الليل، والعرب تستعير ذلك إلى معنى الإسرار، لأنّ الليل أكتم للسرّ، ولذلك يقولون: هذا أمر قْضي بليل، أي لم يطّلع عليه أحد، وقال الحارث بن حلّزة:شعر : أجمعوا أمرهم بليل فلمّا أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء تفسير : وقال أبو سفيان: هذا أمر قضى بليل. وقال تعالى: {أية : لنُبيِّتَنَّه وأهله}تفسير : [النمل: 49] أي: لنقتلنّهم ليلاً. وقال: {أية : وهو معهم إذ يّبينون ما لا يَرضى من القول}تفسير : [النساء: 108]. وتاء المضارعة في {غير الذي تقول} للمؤنث الغائب، وهو الطائفة ويجوز أن يراد خطاب النبي صلى الله عليه وسلم أي غير الذي تقول لهم أنت، فيجيبون عنه بقولهم: طاعة. ومعنى {والله يكتب ما يبيّتون} التهديد بإعلامهم أنّه لن يفلتهم من عقابه، فلا يغرنّهم تأخّر العذاب مدّة. وقد دلّ بصيغة المضارع في قوله: {يكتب} على تجدّد ذلك، وأنّه لا يضاع منه شيء. وقوله: {فأعرض عنهم} أمر بعدم الاكتراث بهم، وأنّهم لا يُخشى خلافهم، وأنّه يتوكلّ على الله {وكفى بالله وكيلاً} أي مُتوكَّلاً عليه، ولا يَتوكّل على طاعة هؤلاء ولا يحزنه خلافهم. وقرأ الجمهور {بيَّتَ طَائفة} ــــ بإظهار تاء (بيَّتَ) من طاء (طائفة) ــــ. وقرأه أبو عمرو، وحمزة، ويعقوب، وخلف ــــ بإدغام التاء في الطاء ــــ تخفيفاً لقرب مخرجيهما.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 80- من يطع الرسول فقد أطاع اللَّه، لأنه لا يأمر إلا بما أمر اللَّه به، ولا ينهى إلا عما نهى اللَّه عنه. فكانت طاعته فى الامتثال والانتهاء طاعة للَّه، ومن أعرض عن طاعتك فما أرسلناك إلا بشيراً ونذيراً لا حفيظاً ومهيمناً عليهم، تحفظ عليهم أعمالهم، إن ذلك لنا لا لك. 81- ويقول هذا الفريق المتردد: أمرك مطاع، وليس لك منا إلا الطاعة فيما تأمر وتنهى، ولكن إذا خرجوا من عندك وابتعدوا عنك دبَّرت طائفة منهم أمرا وبيتته، غير الذى تقوله أنت لهم من أمر ونهى، واللَّه - سبحانه وتعالى - يحصى عليهم ما يدبرونه فى خفاء. فلا تلتفت إليهم، وأعرض عنهم، وفوض أمرك إلى اللَّه، وتوكل عليه، وكفى أن يكون اللَّه وكيلك وحافظك تفوض إليه جميع أمورك. 82- أفلا يتدبر أولئك المنافقون كتاب اللَّه فيعلموا حجة اللَّه عليهم فى وجوب طاعته واتباع أمرك، وأن هذا الكتاب من عند اللَّه لائتلاف معانيه وأحكامه، وتأييد بعضه لبعض. فهذا دليل على أنه من عند اللَّه، إذ لو كان من عند غيره لتناقضت معانيه، واختلفت أحكامه اختلافاً كثيراً. 83- وإذا اطَّلَعَت هذه الطائفة المنافقة على أمر يتعلق بقوة المسلمين أو ضعفهم أفشوه ونشروه، جاهرين به للتغرير بالمسلمين أو إلقاء الرعب فى قلوبهم، أو توصيل أبنائهم إلى أعدائهم، ولو أن هؤلاء المنافقين المذيعين ردوا أمر الأمن والخوف إلى الرسول وإلى أولى الأمر من القواد وكبار الصحابة، وطلبوا معرفة الحقيقة من جهتهم لعلم أولئك الذين يحاولون استخراج الوقائع وإذاعتها الحق من جانب الرسول والقادة، ولولا فضل اللَّه عليكم بتثبيت قلوبكم على الإيمان، ومنع الفتنة، ورحمته بتمكينكم من أسباب الظفر والانتصار، لاتبع أكثركم إغواء الشيطان، ولم ينج من إغوائه إلا القليل.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: حفيظا: تحفظ عليهم أعمالهم وتحاسبهم عليها. طاعة: أي أمرنا طاعة لك. برزوا: خرجوا. أفلا يتدبرون: تدبر القرآن قراءة الآية أو الآيات وإعادتها المرة بعد المرة ليفقه مراد الله تعالى منها. أذاعوا به: أفشوه معلنينه للناس. يستنبطونه: يستخرجون معناه الصحيح. معنى الآيات: في قوله تعالى: {مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ} إنذار إلى الناس كافة في أن من لم يطع الرسول محمداً صلى الله عليه وسلم ما أطاع الله تعالى، إن أمر الرسول من أمر الله ونهيه من نهي الله تعالى فلا عذر لأحد في عدم طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى: {وَمَن تَوَلَّىٰ} أي عن طاعتك فيما تأمر به وتنهى عنه فدعه ولا تلتفت إليه إذ لم ترسلك لتحصي عليهم أعمالهم وتحاسبهم عليها وتجزيهم بها إن عليك إلا البلاغ وقد بلغت فأعذرت. وقوله تعالى {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ} أي ويقول أولئك المنافقون المتطيرون بك السَّيئُو الفهم لما تقول: طاعة أي أمرنا طاعة لك أي ليس لنا ما نقول إذا قلت ولا ما نأمر به إذا أمرت فنحن مطيعون لك {فَإِذَا بَرَزُواْ} أي خرجوا من مجلسك بدل طائفة منهم غير الذي تقول واعتزموه دون الذي وافقوا عليه أمامك وفي مجلسك والله تعالى يكتب بواسطة ملائكته الكرام الكاتبين ما يبيتونه من الشر والباطل وعليه {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} ولا تبال بهم {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً} فهو حسبك وكافيك ما يبيتونه من الشر لك. وقوله تعالى في الآية الثالثة [82] {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ} يؤنبهم بإعراضهم وجهلهم وسوء فهمهم إذ لو تدبروا القرآن وهو يُتلى عليهم وسمعوه صباح مساء لعرفوا أن الرسول حق وأن ما جاء به حق فآمنوا وأسلموا وحسن إسلامهم، وانتهى نفاقهم الذي أفسد قلوبهم وعفن آراءهم، إن تدبر القرآن بالتأمل فيه وتكرار آياته مرة بعد أخرى يهدي إلى معرفة الحق من الباطل وأقرب ما يفهمونه لو تدبروا أن القرآن كلام الله تعالى وليس كلام بشر، إذ لو كان كلام بشر لوجد فيه التناقض والإِختلاف والتضاد، ولكنه كلام خالق البشر، فلذا هو متسق الكلم متآلِف الألفاظ والمعاني محكم الآي هادٍ إلى الإِسعاد والكمال، فهو بذلك كلام الله حقاً ومن شرف بإنزاله عليه رسول حق ولا معنى أبداً للكفر بعد هذا والإِصرار عليه، ومنافقة المسلمين فيه. هذا معنى قوله تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً}. وقوله: {وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ} وهي الآية الرابعة [83] فإن الله تعالى يخبر عن أولئك المرضى بمرض النفاق ناعياً عليهم ارجافهم وهزائمهم المعنوية فيقول {وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ} أي إذا وصل من سرايا الجهاد خبر بنصر أو هزيمة سارعوا فإفشائه وإذاعته، وذلك عائد إلى مرض قلوبهم لأن الخبر وأطلق عليه لفظ الأمر لأن حالة الحرب غير حالة السلم إذا كان بالنصر المعبر عنه بالأمن فهم يعلنونه حسداً أو طمعاً، وإذا كان بالهزيمة المعبر عنها بالخوف يعلنونه فزعاً وخوفا لأنهم جبناء كما تقدم وصفهم، قال تعالى في تعليمهم وتعليم غيرهم ما ينبغي أن يكون عليه المجاهدون في حال الحرب، {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ} القائد الأعلى، {وَإِلَىٰ أُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ} وهم أمراء السرايا المجاهدة {لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} أي لاستخرجوا سر الخْبَرِ وعرفوا ما يترتب عليه فإن كان نافعاً أذاعوه، وإن كان ضارا أخوفه. ثم قال تعالى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} أيها المؤمنون {لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَانَ} في قبول تلك الإِشاعات المغرضة والإِذاعات المثبطة {إِلاَّ قَلِيلاً} منكم من ذوي الآراء الصائبة والحصافة العقلية إذ مثلهم لا تثيرهم الدعاوي، ولا تغيرهم الأراجيف، ككبار الصحابة من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم أجمعين. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه لا يطاع لذاته وإنما يطاع لذات الله عز وجل. 2- وجوب تدبر القرآن لتقوية الإِيمان. 3- آية أن القرآن وحي الله وَكلامه سلامته من التناقض والتضاد في الألفاظ والمعاني. 4- تقرير مبدأ أن أخبار الحرب لا تذاع إلا من قبل القيادة العليا حتى لا يقع الاضطراب في صفوف المجاهدين والأمة كذلك. 5- أكثر الناس يتأثرون بما يسمعون إلا القليل من ذوي الحصافة العقلية والوعي الساسي.

القطان

تفسير : حفيظاً: تحفظ عليهم أعمالهم وتحاسبهم فيها. ويقولون طاعة: أمُرنا طاعة او منا طاعة. بيّت: دبر الأمر ليلاً، والمراد دبروا أمرهم سرّا. من أطاع الرسولَ فقد أطاع الله، لأنه لا يأمر الا بما أمر ولا ينهى الا عما نهى الله عنه، لذلك كانت طاعته طاعة الله. ومن أعرض عن طاعتك يا محمد على هذا الاعتبار فليس لك أن تُكرهه عليها، لأنك أُرسلت مبشِّراً ونذيرا، ولَم ترسل مسيطراً ورقيبا تحفظ على الناس أفعالهم وأقوالهم. رُوي ان النبي عليه الصلاة والسلام قال: "حديث : من أحبني فقد أحبَ الله، ومن أطاعني فقد أطاع الله"تفسير : ، فقال المنافقون: ألا تسمعون الى ما يقول هذا الرجل؟ لقد قارف الشِرك، قد نهى ان نعبد غير الله ويريد أن نتخذه رَبّاً كما اتخذت النصارى عيسى، فأنزل الله هذه الآية.... ويقول هذا الفريق من الناس إذا أمرتَهم بأمر: أمرُك مطاع، وليس لك منا الا الطاعة، ولكنهم اذا خرجوا من عندك دبّرتْ طائفةٌ منهم أمراً مناقضاً لما أخبرتهم به. واللهُ سبحانه وتعالى يحصي عليهم ما يدبرونه في الخفاء، فأعرِض عنهم، وفوّض أمرك الى الله، فهو يكفيك شرهم ولا يضرك احد. قراءات: قرأ ابو عمرو وحمزة "بيت طائفة" بالإدغام.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَرْسَلْنَاكَ} (80) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى بِأنَّهُ مَنْ أَطَاعَ الرَّسُولَ، فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ، لأنَّهُ الآمِرُ النَّاهِي فِي الحَقِيقَةِ، وَالرَّسُولُ هُوَ المُبِلِّغُ عَنْ رَبِّهِ، وَمَنْ عَصَاهُ، فَقَدْ عَصَى اللهَ، أمَّا الذِينَ يَتَوَلَّوْنَ عَنِ الحَقِّ وَيَرْفُضُونَهُ، فَقَدْ خَابُوا وَخَسِرُوا، وَلَيْسَ عَلَيْكَ مِنْ أَمْرِهِمْ شَيءٌ لأَنَّكَ لَمْ تُرْسَلْ إلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً، وَلَمْ تُرْسَلْ مُسَيْطِراً عَلَيْهِم تَحْفَظُ عَلَيْهِم أَفْعَالَهُمْ، فَالأَفْعَالُ وَالطَّاعَةُ إنَّمَا تَكُونُ بِالاخْتِيَارِ بَعْدَ الإِقْنَاعِ. حَفِيظاً - حَافِظاً وَمُهَيْمِناً وَرَقِيباً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والطاعة للرسول هي طاعة لله، وذلك أمر منطقي؛ لأنه رسول، فمن أطاع الرسول فطاعته طاعة لله؛ لأن الرسول إنما يبلغ عمن أرسله. ولذلك ففي المسائل الذاتية التي كان يفعلها سيدنا رسول الله كبشر وبعد ذلك يطرحها قضية من عنده كبشر، وعندما يثبت عدم صحتها يعطينا رسول الله مثالاً عن أمانته. فعن أنس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ بقوم يُلَقّحون، فقال: لو لم تفعلوا لصلح، قال: فخرج شيصا، فمّر بهم، فقال: مَالِنَخْلِكم؟ قالوا: قلت: كذا وكذا، قال: "حديث : أنتم أعلم بأمر دنياكم ". تفسير : أي في المسائل الخاضعة للتجربة في المعمل والتي لا دخل للسماء فيها. أما الأمور الخاضعة لنواميس الكون فلا يتركها للعباد. ومن العجيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يتصرف في شيء لم يكن لله فيه حكم مسبق ويعدله له الله بينه وبين نفسه فمحمد هو الذي يبلغنا بهذا التعديل لنشهد - واقعا - أنه صادق في البلاغ عن الله ولو كان على نفسه. وجاءت هذه الآية الكريمة بعد قول الحق سبحانه: {أية : وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً} تفسير : [النساء: 79]. والرسول - كما نعلم - هو من بلغ عن الله شرعه الذي يريد أن يحكم به حركة حياة الخليفة في الأرض وهو الإنسان. وإذا ما نظرنا إلى المادة المأخوذة من الراء والسين واللام وجدنا الحق سبحانه وتعالى يقول في آية أخرى. {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ} تفسير : [الحج: 52]. إذن فالرسول قد يكون رسولاً بالمعنى المفهوم لنا، وقد يكون نبياً، كلاهما مرسل من الله. ولكن الفارق أن الرسول يجيء بشرع يؤمر به؛ ويؤمر هو - أيضا - بتبليغه للناس ليعملوا به، ولكن النبي إنما يرسله الله ليؤكد سلوكاً نموذجياً للدين الذين سبقه؛ فهو مرسل كأسوة سلوكية. ولكن الرسول على إطلاقه الاصطلاحي يأتي بمنهج جديد قد يختلف في الفروع عن المنهج الذي سبقه. وكلاهما رسول؛ هذا يجيء بالمنهج والسلوك ويطبقه، والنبي يأتي بالسلوك فقط يطبقه ليكون نموذجاً لمنهج سبقه به رسول. وإذا كان الحق سبحانه وتعالى قد أرسل الرسل، وجعل خاتم الرسل سيدنا محمدا فمعنى ذلك أن رسالته صلى الله عليه وسلم ستكون رسالة لا استدراك للسماء عليها، فكيف يعقل أن تكون رسالته موضوعاً لاستدراك البشر عليها؟ فما دام الله قد ختم به الرسالة، وأنزل عليه قوله: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلٰمَ دِيناً} إذن فلم يعد للسماء استدراك على هذه الرسالة، فكيف يأتي بعد ذلك إنسان معاصر أو غير معاصر ليقول: لا، إننا نريد أن نستدرك كذا أو نقول: الحكم كذا أو هذا الحكم لا يلائم العصر إذا كان الله لم يجعل للسماء استداركاً على الرسالة لأن الله أكملها وأتمها فكيف يسوغ للبشر أن يكونوا مستدركين على الرسالة؟ إن الرسول حين يضاف، يضاف مرة إلى الله، ويضاف مرة إلى المرسل إليهم؛ لأنه واسطة التعلق بين المُرْسِل والمْرسَل إليه، فإن أردت الإضافة بمعنى "مِن" الابتدائية؛ تقول: رسول الله، أي رسول مِن الله. وإن أردت الغاية من الرسالة تقول: رسول إلى الناس أو رسول للناس. إذن فالإضافة تأتي مرة بمعنى "من" وتأتي مرة بمعنى "اللام"، وتأتي مرة بمعنى "إلى". وأمر الرسالة ضروري بالنسبة للبشر؛ لأن الإنسان إذا ما استقرى وتتبع الوجود كله بفطرته وبعقله السليم من غير أن يجيء له رسول، فإنه يهتدي بفطرته إلى أن ذلك الكون لا يمكن أن يكون إلا عن مُكَوِّن له قدرة تناسب هذه الصفة المحكمة البديعة. ولا بد أن يكون قيوماً لأنه يمدنا دائماً بالأشياء، لكن أنعرف بالعقل ما تريد هذه القدرة؟ نحن ننتهي فقط إلى أن وراء الكون قوة، هذه القوة لها من القدرة والحكمة والعلم والإرادة وصفات الكمال ما يجعلها تخلق هذا الكون العجيب على تلك الصورة البديعة ذات الهندسة الدقيقة، وهذا الكون له غاية. أيمكن - إذن - للعقل أن يضع اسماً لهذه القوة؟ فكونها قوة يستلزم أن يكون لها قدرة وحكمة، لكنا لا نعرف اسمها، فكان ولا بد أن يجيء رسول، هذا الرسول يعطي للناس جواب ما شغلهم وهو: ما القوة التي خلقت هذا الكون وجعلته بهذه الصنعة العجيبة. ويقف العقل هنا وقفة، فعندما يأتي الرسول ويقول: أنا أدلكم على هذه القوة اسماً ومطلوباً، كان يجب على الخلق أن يرهفوا آذانهم له؛ لأنه سيحل لهم ذلك اللغز الذي رأوه بأنفسهم وأوقعهم في الحيرة - المؤمن منهم والكافر يؤمن بهذا - لأنه يجد نفسه في كون تخدمه فيه أجناس أقوى منه، ولا تتخلف عن خدمته أبداً، وأجناس لا تدخل تحت طاقته ولا تحت قدرته وتصنع له أشياء لا يفهم عقله كيف تعمل، فكان الواجب أن يؤمن. لقد ضربنا مثلاً وقلنا: لو أن إنساناً وقعت به طائرة أو انقطع به طريق في صحراء، وليس معه زاد ولا ماء، وبعد ذلك جلس فغلبه النوم فنام، ثم استيقظ فوجد مائدة منصوبة فيها أطايب الطعام وفيها الشراب السائغ. بالله قولوا لي: ألا يشتغل عقله بالفكر فيمن جاء بالأطعمة قبل أن يتناول منها شيئاً؟ لذلك كان من الواجب قبل أن ننتفع بهذه الأشياء أن نلفت ذهننا: من الذي صنع هذه الصنعة؟! ومع ذلك تركنا الله فترة حتى نفكر، حتى إذا جاء رسول يقول: القوة التي تبحث عنها بعقلك هذه اسمها كذا ومطلوبها منك كذا، وأنت كائن ومخلوق لها أولاً وإليها تعود أخيراً. وخلاصة المسألة أن الله سبحانه وتعالى قبل أن يخلق الخلق أعد لهم مائدة الكون، وفيها الأجناس التي تخدمه - كما قلنا - : سلسلة الأجناس وخدمتها تجعلك تتعجب وتتساءل: كيف يخدمني الأقوى مني؟ الشمس التي لا تدخل تحت قدرتي، والقمر الذي لا أستطيع أن أتناوله، والريح التي لا أملك السيطرة عليها، والأرض التي لا أستطيع أن أتفاهم معها، كيف تؤدي لي هذه الخدمات؟. لا بد أن يكون هناك من هو أقوى مني ومنها هو الذي سخرها لخدمتي. وهل رأيت شيئاً من هذه الأشياء امتنع أن يؤدي لك الخدمة أو سخرها لخدمتي. وهل رأيت شيئاً من هذه الأشياء امتنع أن يؤدي لك الخدمة أو نقص منها شيئاً؟. لم يحدث؛ لأنها مسخرة، فإذا جاء رسول من الله ليحل لنا لغز هذه الحياة ويدلنا على موجدها، كان يجب أن نفتح له آذاننا ونسمعه، فإذا ما قال لي: الذي خلق لك الكون هو الله، والذي خلقك هو الله وهو صانعك، وأرسلني بمنهج لك كي تؤدي مهمتك كما ينبغي فافعل كذا ولا تفعل كذا، وأنت صائر إليه ليحاسبك على ما فعلت، وهذا المنهج هو خلاصة الأديان كلها. ولذلك يكون مجيء الرسول ضرورياً وبعد ذلك يؤيده سبحانه بمعجزة تثبت صدقه، وما دام قد أرسله بالمنهج الذي هو: افعل ولا تفعل، فهذا يعني أن تطيع هذا الرسول، ويقول ربنا في آية أخرى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} تفسير : [النساء: 64]. أي ليست الطاعة ذاتية له، إنما الطاعة صادرة من الله، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتميز عن سائر الرسل؛ لأن معجزته التي تؤيد صدقة في بلاغة عن الله هي عين كتاب منهجه في الأصول، وكل الرسل كانت على غير ذلك. كان الرسول يأتي بمعجزة ويأتي بكتاب منهج، العصا واليد البيضاء كانت لموسى هذه معجزته؛ ولكن منهجه في "التوراة"، إذن فالمعجزة منفصلة عن المنهج. سيدنا عيسى معجزته - مثلاً - : أنَّه يبرئ الأكمة والأبرص، لكن كتاب منهجه "الإنجيل"، إلا سيدنا رسول الله فإن معجزته وهي القرآن هي عين منهجه؛ لأن الله أراد للدين الخاتم ألا تنفصل فيه المعجزة من المنهج. إن معجزات الرسل السابقين على رسول الله من رآها يؤمن بها، والذي لم يرها يسمع خبراً عنها، وإن كان واثقاً ممن أخبره يصدقه، وإن لم يكن واثقا - لأنها ليست أمامه - فلا يصدقه، ولولا أن الله أخبرنا بهذه المعجزات في القرآن لكان من الممكن أن نقف فيها. أما معجزته صلى الله عليه وسلم فباقية بقاء منهجه، ويستطيع كل مسلم أن يقول في آخر عمر الدنيا: محمد رسول الله وتلك معجزته، أما غيره من الرسل فلا يأتي أحد ويقول: فلان رسول الله وتلك معجزته، لأنها حدثت وانتهت، أما القرآن فهو باق بقاء الرسالة والكون. والرسول صلى الله عليه وسلم حين يأتي بالبلاغ عن الله فالحق يبيّن لنا: أنا أرسلت الرسول ليطاع. والمنطق أن يقول القرآن: {مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ}؛ لأن الرسول جاء مبلغاً عن الله؛ فالمباشر لنا هو رسول الله، وعرفنا من قبل أنه إذا ما توارد أمر الطاعة من الله مع أمر مع رسوله نطيع الاثنين، وإذا كان الله قد جاء بأمر إجمالي كالزكاة والحج، وجاء الرسول ففصل، فنطيع الله في الأمر الإجمالي ونطيع الرسول في الأمر التفصيلي، وإذا كان الله لم يجيء بحكم لا مجمل ولا مفصل، فقد جاء التشريع من الرسول بالتفويض الذي فوض الله فيه رسوله بقوله: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} تفسير : [الحشر: 7]. فالرسول الوحيد الذي أعطاه الله تفويضاً في التشريع هو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل الرسل بلغوا عن الله ولم يبلغ واحد منهم عن نفسه شيئاً إلا سيدنا رسول الله، فقد فوّضه الله سبحانه وتعالى بقوله: {وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} - إذن فللرسول مهمة داخلة في إطار القرآن أيضاً، ومثال ذلك في حياتنا نجد من يقول لموظف: إن الموظف الذي يغيب خمسة عشر يوماً في قانون الدولة يفصلونه، فيأتي موظف ومعه دستور البلاد ليرد ويقول: هذا هو الدستور وقد قرأته فلم أجد فيه هذا القانون، وهذا الكلام الذي تقوله عن فصل الموظف غير دستوري. نقول له: إن الدستور قال في هذه المسألة: وتؤلف هيئة تنظم أعمال العاملين في هذا المجال، إذن فبالتفويض توجد هيئة تضع نظاماً ليطبق على العاملين فتكون هذه من الدستور، فكل بنود قانون العاملين تدخل في التفويض الذي نص عليه في الدستور للهيئات أو للجان التي تضع التشريعات الفرعية، فكذلك إذا قيل لك: هات دليلاً من القرآن على أن صلاة المغرب ثلاث ركعات وأن الفجر ركعتان، وأن الظهر أربع ركعات، وأن العشاء أربع ركعات، هات دليلاً من القرآن على هذه، تقول: دليلي من القرآن: {وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ}، والرسول صلى الله عليه وسلم كي يضمن سلامة المنهج من هذه التحريفات التي يفترونها يقول: "حديث : لا أُلْفِينَّ أحدكم متكئا على أريكته، يأتيه أمرٌ مما أمرْت به، أو نَهيْتُ عنه، فيقول: لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه ". تفسير : وفي رواية أخرى: عن المقْدَام بن معد يكرب قال:حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا هل عسى رجلٌ يَبْلُغُه الحديثُ عَني وهو متكئ على أريكته، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالاً اسْتَحْلَلْناهُ، وما وجدنا فيه حراما حرمناه، وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حرم الله . تفسير : أروى هذا الحديث عن الرسول كي تعرفوا غباء القائلين بهذا، ولنقل لهم: قولكم هذا دليل على صدق الرسول، بالله فلو لم يأت واحد بمثل قولكم بأنه لا يوجد إلا القرآن؛ بالله ماذا كنا نقول للمحدثين الذين رووا حديث رسول الله، ولو لم يقولوا هذا لقلنا: النبي قال: يتكئ رجل على أريكته ويتحدث، ولم يتكلم أحد بما يخالف هذا الكلام. إذن فوجود هؤلاء دليل صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما دام الله قد أرسله صلى الله عليه وسلم منه إلى خلقه فيكون مع هذه الرسالة الطاعة والطاعة هي: الاستجابة للطلب. وأنواع الطلب كما يقول الذين يشتغلون في البلاغة والنحو كثيرة، فمرة تتمنى شيئاً مستحيلاً مثل قول القائل: ليت الكواكب تدنوا ليّ فأنظمها شعر : ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها عقود مدح فما أرضي لكم كَلِمي تفسير : والكواكب لن تنزل بطبيعة الحال، أو كقول الشاعر: شعر : ألا ليت الشباب يعود يوماً فأخبره بما فعل المشيب تفسير : هذا لون من الطلب يدل على أن الطلب محبوب، لكنه لا يقع وقد يقع، وكذلك الاستفهام طلب شيء لأنك تستفهم عن شيء كقولك لمن تزوره: مَن عندك؟. وأما أن تطلب شيئا ليفعل فهذا هو الأمر، أو تطلب شيئاً ليجتنب فهذا هو النهي، فتكون الطاعة هي: أن تجيب طالباً إلى ما طلب. والطالب إما أن يطالب بأمر لتفعله وإما بنهي لتجتنبه. وإذا أطلقت الطاعة إطلاقاً عاماً فهي لا تنصرف إلا لطاعة العبد لربه، وبعد ذلك تقول: الولد أطاع أباه، الطالب أطاع أستاذه، العامل أطاع معلمه، فهذه طاعة مضافة إلى مطاع، لكن إن أطلقت كلمة الطاعة فهي تنصرف إلى طاعة العبد لله، وهذه أسلم أنواع الطاعات، لماذا؟ لأن أمر كل آمر، أو نهي كل ناهٍ؛ قد يشكك فيه أنّه أمرك بكذا ليعود عليه بالفائدة، أو نهاك عن كذا ليعود عليه بالفائدة، لكن إذا كان الذي طلب منك هو في غني عن عملك وعن انتهائك، فهذه مسألة لا يكون فيها شبهة، فالذي يشكك الإنسان في الطاعة هو المخافة أن يكون الطالب قد طلب أمراً يعود عليه بالمنفعة، أو نهي عن أمر يعود على الناهي بالمنفعة أو يدفع عنه مضرّة. لكن إذا كان الطالب له كل صفات الكمال المطلق قبل أن توجد أنت، فوجودك وعملك وعدم عملك لا يعود عليه بشيء، فتكون هذه هي أسلم أنواع الطاعة. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله.. ". تفسير : إن المنافقين هم الذين يتعبهم وجود نور لأنهم ألفوا الحياة في ظلام، ويرهقهم وجود عدل؛ لأنهم استمرأوا الحياة في المظالم، لذلك فهم يحاولون أن يتصيدوا شيئاً ليقفوا في أمر هذه الدعوة، فقالوا: أما سمعتم لصاحبكم. إنه قارب الشرك.. يقول: لا تعبدوا إلا الله ومع ذلك يريد أن يجعل من نفسه رباً له حب وله طاعة. وينزل الحق على رسوله قوله: "حديث : من يطع الرسول فقد أطاع الله ". تفسير : إذن فالطاعة هنا ليست ذاتية للرسول؛ لأنها إما بلاغ عن الله في النص الجزئي، وإما بلاغ عن الله في التفويض الكلي، وما دامت بلاغا من الله في التفويض الكلي فيكون الله قد أمنه أن يشرع: "حديث : من يطع الرسول فقد أطاع الله ". تفسير : ما هو مقابل الطاعة؟. إنه التوليّ والعصيان، ورأينا الناس تنقسم تجاه الرسول إلى قسمين: قسم يطيعه في "افعل ولا تفعل"، وما لم يرد فيه: "افعل ولا تفعل"؛ فهو داخل في حكم المباحات؛ إن شئت فعلته وإن شئت لم تفعله؛ فالذين يستجيبون للرسول أي يطيعونه في "افعل ولا تفعل" هم من أقبلوا على المنهج. والذين لا يطيعونه فقد "تولوا" أي أعرضوا وصدّوا. انظروا إلى الحق سبحانه وتعالى كيف يحمي نفسية الرسول فيقول سبحانه: {وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} فالذي يتولى ولا يطيع الرسول، فالحق لم يرسلك يا محمد لترغمهم على الإيمان. وهناك فرق بين "أرسلناك لهم" أو "أرسلناك إليهم" و "أرسلناك عليهم". فـ "أرسلناك لهم" تعني أنك تبلغ فقط، إنما "عليهم" فهي تعني لتحملهم على كذا، أي يجب أن تنتبه يا محمد إنا أرسلناك للناس - لا على الناس - لتبلغهم، فمن شاء فليطع ومن شاء فليعص، فلا تجهد نفسك وتظن أننا أرسلناك عليهم لترغمهم على أن يؤمنوا، فتكلف نفسك أمراً ما كلفك الله به: {أية : لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ} تفسير : [البقرة: 272]. والحق يقول أيضاً: {أية : فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ} تفسير : [الغاشية: 21-22]. وفي آية أخرى يقول: {أية : وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ} تفسير : [ق: 45]. "جبار" يعني تجبرهم على أن يطيعوا. فالإجبار يتنافى مع التكليف ويتنافى مع دخول الإيمان طواعية ويتنافى مع الاختيار. {فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} والحفيظ هو: الحافظ بمبالغة، تقول مثلاً: هذا حافظ مال فلان، وهذا حفيظ مال الناس جميعاً يعني عنده مبالغة في الحفظ، إذن فالمبالغة جاءت في تكرير الحدث فهو يحفظ لذلك الإنسان ولغيره. والحق يؤكد ذلك لمصلحته صلى الله عليه وسلم؛ لأنه سبحانه بين لنا شغل رسول الله بأمته، وأنه يحب أن يكونوا جميعا مؤمنين ملتزمين مطيعين، ولذلك يقول الحق: {أية : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} تفسير : [الشعراء: 3]. إنهم لا يؤمنون، فيوضح له سبحانه: أرح نفسك، فعليك البلاغ فقط وهكذا يخفف الله مهمة الرسول. ونجد أغلب عتابات الله لرسول الله، لا لأنه خالف، ولكن لأنه حَمْلَ نفسه فوق ما تفرضه عليه الرسالة، مثل من يثيرون قصة ابن أم مكتوم، فيقولون: النبي أخطأ ولذلك قرعه الله ووبخه. نقول لهم: كان الرسول يرغب أن يؤمن به صناديد قريش العتاة الكافرون، وجاءه ابن أم مكتوم مؤمناً ويريد أن يستفهم، وكان من الأسهل أن يتعرض لابن أم مكتوم ولا يتعرض للصناديد الذين يخالفونه! لكن النبي صلى الله عليه وسلم ترك السهل وذهب للصعب، فكأنه سبحانه يتساءل: لماذا أتعبت نفسك. "وما عليك ألا يزكي" أي ما الذي يجعلك تتعب، إذن فهو يلومه لصالحه لا لأنه خالف. فكأن الحق سبحانه وتعالى حينما يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: {فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً}، إنما قاله ليخفف عن الرسول. إذن. الحفيظ هو الذي يحافظ على من يبلغه أمر الله وأن يكون سائراً على منهج الله. إن أراد أن ينحرف يعدله، فيوضح سبحانه: أنا لم أرسلك حفيظاً عليهم، أنا أرسلتك لتبلغهم، وهم أحرار يدخلون في التكليف أو لا يدخلون. إذن فالحفيظ هو المهيمن والمسيطر، كما قال في الآيات الأخرى: والمسيطر أو الجبار هو الذي يحملهم على الإيمان.. والكلام في الطاعة المقصودة لله. وأن تنفذ جوارحك ما يأمر به سبحانه فيما تسمعه أذنك وما ينطق به لسانك، وليست الطاعة أن تقول: يا رسول الله نحن طائعون، وبعد ذلك تحاول أن تخدش هذه الطاعة بأن تجعلها طاعة لسان وليست طاعة جوارح. فطاعة اللسان دون الجوارح غير محسوبة من الإيمان. ولهذا يقول الحق بعد ذلك: {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} معناهُ مُحَاسبٌ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر أن الوصول في طاعة الرسول بقوله تعالى: {مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ} [النساء: 80]، إشارة في الآيتين: إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يوصف بالفناء، فنياً في الله باقياً بالله قائماً مع الله، وكان خليفة الله على الحقيقة فيما يعامل الخلق، حتى قال تعالى: {أية : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ}تفسير : [الأنفال: 17]؛ يعني: {أية : وَمَا رَمَيْتَ} تفسير : [الأنفال: 17]، من حيث كنت بك أنت، {أية : إِذْ رَمَيْتَ}تفسير : [الأنفال: 17]، بخلافة الله بالله لا بك، {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ}تفسير : [الأنفال: 17]، إذا كنت به أنت، وكان الله خليفته فيما يعامل الخلق حتى قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ}تفسير : [الفتح: 10]؛ لأن الله بخلافتك باق عنك، فبكونه كان خليفة بك عنك للخلق فكانت {أية : يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}تفسير : [الفتح: 10]، {مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ} [النساء: 80]؛ لأن الرسول فانياً عنه باقياً باقياً بالله والله خليفته؛ ولهذا كان يقول صلى الله عليه وسلم: "حديث : الله خليفتي على أمتي"تفسير : ، {وَمَن تَوَلَّىٰ} [النساء: 80]؛ يعني: عن طاعة الرسول فقد تولى عن الله تعالى: {فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} [النساء: 80]؛ أي: حافظاً، فإنك لست بذلك حافظاً فكيف لهم؟ فإنهم تولوا عني ولا عنك فإنما على حسابهم لا عليك لقوله تعالى: {أية : فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم} تفسير : [الغاشية: 21-22]، إلى آخر السورة. وفي قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ} [النساء: 81]، إشارة إلى أحوال كثير مريدي هذا الزمان، إذا كانوا حاضرين في الصحبة ينعكس عليهم تلالاً من أشعة أنوار الولاية في مرآت قلوبهم، فيزدادون إيماناً مع إيمانهم، وإرادة مع إرادتهم، فيصغون بآذانهم الواعية إلى الحكم والمواعظ السحنة، {أية : تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ}تفسير : [المائدة: 83]، ويقولون السمع والطاعة فيما يسمعون ويخاطبون به، {فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ} [النساء: 81]، وهبت عليهم رياح الهوى والشهوة والحرص، وتمايلت قلوبهم من مجازاة القرار على الولاية، وعاد المشئوم إلى طبعه {بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ} [النساء: 81]؛ أي: تقدر وتقرر مع نفسه، {غَيْرَ ٱلَّذِي تَقُولُ وَٱللَّهُ يَكْتُبُ} [النساء: 81]، يغير عليهم {مَا يُبَيِّتُونَ} [النساء: 81]؛ أي يعيرون على أنفسهم؛ لأن {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ}تفسير : [الرعد: 11]، {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} [النساء: 81]؛ أي: فأصفح عنهم وأصبر معهم، {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} [النساء: 81]، لعل الله يصلح بالهم ولا يجعل التغيير وبالهم، ويحسن عاقبتهم ومالهم، {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً} [النساء: 81]، للمتوكلين عليه والملتجئين إليه. ثم أخبر عن الدواء كما أخبر عن الداء بقوله تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ} [النساء: 82]، والإشارة فيها: إن العباد لو لم يتدبرون ويتفكرون في آثار معجزاته وأنوار هدايته، ومظهر آياته وكمال فصاحته، وجمال بلاغته وجزالة ألفاظه، ورزانة معانيه ومتانة مباينه في أسراره وحقائقه، ودقة إشاراته ولطائفه، وأنواع معالجاته لأمراض القلوب في إزالة ضرر الذنوب {لَوَجَدُواْ فِيهِ} [النساء: 82]؛ لكل داء دواء ولكل مرض شفاء، ولكل عين قرة ولكل وجه غرة، والرد الحاسبة موصوفاً بالصفاء محفوظاً عن العداء، بحراً لا ينفض عجائبه، وبراً لا ينتفي غرائبه، روحاً لا تباغض فيه ولا خلاف، وجنة لا انتقاض فيها ولا اختلاف، {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً} [النساء: 82]، ولم يوجد فيه نقيراً وقمطيراً.