Verse. 574 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

وَيَقُوْلُوْنَ طَاعَۃٌ۝۰ۡفَاِذَا بَرَزُوْا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَاۗىِٕفَۃٌ مِّنْھُمْ غَيْرَ الَّذِيْ تَقُوْلُ۝۰ۭ وَاللہُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُوْنَ۝۰ۚ فَاَعْرِضْ عَنْھُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَي اؘ۝۰ۭ وَكَفٰى بِاللہِ وَكِيْلًا۝۸۱
Wayaqooloona taAAatun faitha barazoo min AAindika bayyata taifatun minhum ghayra allathee taqoolu waAllahu yaktubu ma yubayyitoona faaAArid AAanhum watawakkal AAala Allahi wakafa biAllahi wakeelan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ويقولون» أي المنافقون إذا جاءوك أمرنا «طاعةٌ» لك «فإذا برزوا» خرجوا «من عندك بيَّت طائفة منهم» بإدغام التاء في الطاء وتركه أي أضمرت «غير الذي تقول» لك في حضورك من الطاعة أي عصيانك «والله يكتب» يأمر بكتب «ما يبيِّتون» في صحائفهم ليجازوا عليه «فأعرض عنهم» بالصفح «وتوكل على الله» ثق به فانه كافيك «وكفى بالله وكيلا» مفوضا إليه.

81

Tafseer

الرازي

تفسير : أي ويقولون إذا أمرتهم بشيء {طَاعَةٌ } بالرفع، أي أمرنا وشأننا طاعة، ويجوز النصب بمعنى أطعناك طاعة، وهذا كما إذا قال الرجل المطيع المنقاد: سمعا وطاعة، وسمع وطاعة. قال سيبويه: سمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقال لهم كيف أصبحت؟ فيقول: حمداً لله وثناءً عليه، كأنه قال: أمرى وشأني حمدا لله. واعلم أن النصب يدل على مجرد الفعل. وأما الرفع فانه يدل على ثبات الطاعة واستقرارها {فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ } أي خرجوا من عندك {بَيَّتَ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِى تَقُولُ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الزجاج: كل أمر تفكروا فيه كثيراً وتأملوا في مصالحه ومفاسده كثيراً قيل هذا أمر مبيت، قال تعالى: {أية : إِذْ يُبَيّتُونَ مَا لاَ يَرْضَىٰ مِنَ ٱلْقَوْلِ } تفسير : [النساء: 108] وفي اشتقاقه وجهان: الأول: اشتقاقه من البيتوتة، لأن أصلح الأوقات للفكر أن يجلس الانسان في بيته بالليل، فهناك تكون الخواطر أخلى والشواغل أقل، فلما كان الغالب أن الانسان وقت الليل يكون في البيت، والغالب له أنه إنما يستقصي في الأفكار في الليل، لا جرم سمي الفكر المستقصى مبيتا. الثاني: اشتقاقه من بيت الشعر. قال الأخفش: العرب إذا أرادوا قرض الشعر بالغوا في التفكر فيه فسموا المتفكر فيه المستقصى مبيتا، تشبيها له ببيت الشعر من حيث أنه يسوى ويدبر. المسألة الثانية: أنه تعالى خص طائفة من جملة المنافقين بالتبييت، وفي هذا التخصيص وجهان: أحدهما: أنه تعالى ذكر من علم أنه يبقى على كفره ونفاقه، فأما من علم أنه يرجع عن ذلك فانه لم يذكرهم. والثاني: أن هذه الطائفة كانوا قد أسهروا ليلهم في التبييت، وغيرهم سمعوا وسكتوا ولم يبيتوا، فلا جرم لم يذكروا. المسألة الثالثة: قرأ أبو عمرو وحمزة {بَيَّتَ طَائِفَةٌ } بادغام التاء في الطاء، والباقون بالاظهار أما من أدغم فله فيه وجهان: الأول: قال الفراء: جزموا لكثرة الحركات، فلما سكنت التاء أدغمت في الطاء، والثاني: أن الطاء والدال والتاء من حيز واحد، فالتقارب الذي بينها يجريها مجرى الأمثال في الادغام، ومما يحسن هذا الادغام أن الطاء تزيد على التاء بالاطباق، فحسن إدغام الأنقص صوتاً في الأزيد صوتاً. أما من لم يدغم فعلته أنهما حرفان من مخرجين في كلمتين متفاصلتين، فوجب إبقاء كل واحد منهما بحاله. المسألة الرابعة: قال: {بَيَّتَ } بالتذكير ولم يقل: بيتت بالتأنيث، لأن تأنيث الطائفة غير حقيقي، ولأنها في معنى الفريق والفوج. قال صاحب «الكشاف»: {بَيَّتَ طَائِفَةٌ } أي زورت وزينت خلاف ما قلت وما أمرت به، أو خلاف ما قالت وما ضمنت من الطاعة، لأنهم أبطنوا الرد لا القبول والعصيان لا الطاعة. ثم قال تعالى: {وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيّتُونَ } ذكر الزجاج فيه وجهين: أحدهما: أن معناه ينزل اليك في كتابه. والثاني: يكتب ذلك في صحائف أعمالهم ليجازوا به. ثم قال تعالى: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } والمعنى لا تهتك سترهم ولا تفضحهم ولا تذكرهم بأسمائهم، وإنما أمر الله بستر أمر المنافقين إلى أن يستقيم أمر الاسلام. ثم قال: {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ } في شأنهم، فان الله يكفيك شرهم وينتقم منهم {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً } لمن توكل عليه. قال المفسرون: كان الأمر بالإعراض عن المنافقين في ابتداء الاسلام، ثم نسخ ذلك بقوله: {أية : جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّـٰرَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ } تفسير : [التوبة: 73، التحريم: 9] وهذا الكلام فيه نظر، لأن الأمر بالصفح مطلق فلا يفيد إلا المرة الواحدة، فورود الأمر بعد ذلك بالجهاد لا يكون ناسخا له.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِي تَقُولُ وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ} أي أمْرُنا طاعةٌ، ويجوز «طاعةً» بالنصب، أي نطيع طاعة، وهي قراءة نصر بن عاصم والحسن والجَحْدرِي. وهذا في المنافقين في قول أكثر المفسرين؛ أي يقولون إذا كانوا عندك: أمْرُنا طاعَةٌ، أو نطيع طاعةً، وقولهم هذا ليس بنافع؛ لأن من لم يعتقد الطاعة ليس بمطيع حقيقة، لأن الله تعالى لم يحقق طاعتهم بما أظهروه، فلو كانت الطاعة بلا اعتقاد حقيقة لحكم بها لهم؛ فثبت أن الطاعة بالاعتقاد مع وجودها. {فَإِذَا بَرَزُواْ} أي خرجوا {مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ} فذكّر الطائفة لأنها في معنى رجال. وأدغم الكوفيون التاء في الطاء؛ لأنهما من مخرج واحد، واستقبح ذلك الكسائي في الفعل وهو عند البصريين غير قبيح. ومعنى {بَيَّتَ} زَوّر ومَوّه. وقيل: غيّر وبدّل وحَرّف؛ أي بدّلوا قول النبيّ صلى الله عليه وسلم فيما عَهِده إليهم وأمرهم به. والتّبييت التبديل؛ ومنه قول الشاعر: شعر : أتَوْنِي فلم أرْضَ ما بَيَّتُوا وكانوا أتَوْنِي بأمرٍ نُكُرْ لأُنكِحَ أَيِّمهم مُنْذراً وهل يُنكح العبدَ حُرٌّ لحُرْ تفسير : آخر: شعر : بيَّتَ قولِيَ عبدُ المليـ ــك قاتله اللَّه عبداً كفوراً تفسير : وبيّت الرجل الأمر إذا دبّره ليلاً؛ قال الله تعالى: { أية : إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَىٰ مِنَ ٱلْقَوْلِ } تفسير : [النساء: 108]. والعرب تقول: أمرٌ بُيِّت بليلٍ إذا أحكِم. وإنما خُصّ الليل بذلك لأنه وقت يُتفرّغ فيه. قال الشاعر: شعر : أجمعوا أمرهم بليلٍ فلما أصبحوا أصبحت لهم ضَوضَاء تفسير : ومن هذا بيّت الصيام. والبَيُّوت: الماء يبِيت ليلاً. والبَيُّوت: الأمر يُبَيِّت عليه صاحبُه مُهْتَمّاً به؛ قال الهذلي: شعر : وأجعلُ فِقْرتها عُدّةً إذا خِفْتُ بَيُّوتَ أمْرٍ عُضالِ تفسير : والتَّبْيِيتُ والبَيات أن يأتي العدوَّ ليلاً. وبات يفعل كذا إذا فعله ليلاً؛ كما يقال: ظل بالنهار. وبيَّت الشيء قَدّر. فإن قيل: فما وجه الحكمة في ابتدائه بذكر جملتهم ثم قال: {بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ}؟ قيل: إنما عبر عن حال من علم أنه بقي على كفره ونفاقه، وصفح عمن علم أنه سيرجع عن ذلك. وقيل: إنما عبّر عن حال من شَهِد وحار في أمره، وأما من سمع وسكت فلم يذكره. والله أعلم. {وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ} أي يثبته في صحائف أعمالهم ليجازيهم عليه. وقال الزجاج: المعنى ينزله عليك في الكتاب. وفي هذه الآية دليل على أن مجرّد القول لا يفيد شيئاً كما ذكرنا؛ فإنهم قالوا: طاعة، ولَفَظُوا بها ولم يحقق الله طاعتهم ولا حكم لهم بصحتها؛ لأنهم لم يعتقدوها. فثبت أنه لا يكون المطيع مطيعاً إلا باعتقادها مع وجودها. قوله تعالى: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً. أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ} قوله تعالى: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} أي لا تخبر بأسمائهم؛ عن الضحاك، يعني المنافقين. وقيل: لا تعاقبهم. ثم أمره بالتوكل عليه والثقة به في النصر على عدوّه. ويقال: إن هذا منسوخ بقوله تعالى: { أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ } تفسير : [التوبة: 73] ثم عاب المنافقين بالإعراض عن التدبّر في القرآن والتفكّر فيه وفي معانيه. تدبّرت الشيء فكّرت في عاقبته. وفي الحديث: « حديث : لا تَدَابَرُوا » تفسير : أي لا يولي بعضكم بعضاً دُبرُه. وأدبر القومُ مضى أمرهم إلى آخره. والتدبير أن يُدبِّر الإنسان أمره كأنه ينظر إلى ما تصير إليه عاقبته. ودلّت هذه الآية وقوله تعالى: { أية : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ } تفسير : [محمد: 24] على وجوب التدبر في القرآن ليعرف معناه. فكان في هذا ردّ على فساد قول من قال: لا يؤخذ من تفسيره إلا ما ثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، ومنع أن يُتأوّل على ما يسوغه لسان العرب. وفيه دليل على الأمر بالنظر والاستدلال وإبطال التقليد، وفيه دليل على إثبات القياس. قوله تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً} أي تفاوتا وتناقضا؛ عن ابن عباس وقتادة وابن زيد. ولا يدخل في هذا اختلاف ألفاظ القراءات وألفاظِ الأمثال والدلالات ومقادير السُّوَر والآيات. وإنما أراد اختلاف التناقض والتفاوت. وقيل: المعنى لو كان ما تُخْبرون به من عند غير الله لاختلفَ. وقيل: إنه ليس من متكلم يتكلم كلاماً كثيراً إلا وجد في كلامه اختلاف كثير؛ إما في الوصف واللفظ، وإما في جَودة المعنى، وإما في التناقض، وإما في الكذب. فأنزل الله عز وجل القرآن وأمرهم بتدبُّره؛ لأنهم لا يجدون فيه اختلافاً في وَصْفٍ ولا رَدّاً له في معنًى، ولا تناقضاً ولا كذباً فيما يخبرون به من الغيوب وما يُسَرُّون.

البيضاوي

تفسير : {وَيَقُولُونَ} إذا أمرتهم بأمر. {طَاعَةٌ} أي أمرنا أو منا طاعة، وأصلها النصب على المصدر ورفعها للدلالة على الثبات. {فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ } خرجوا. {بَيَّتَ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِي تَقُولُ} أي زورت خلاف ما قلت لها، أو ما قالت لك من القبول وضمان الطاعة، والتبييت إما من البيتوتة لأن الأمور تدبر بالليل، أو من بيت الشعر، أو البيت المبني لأنه يسوي ويدبر. وقرأ أبو عمرو وحمزة {بَيَّتَ طَائِفَةٌ} بالإِدغام لقربهما في المخرج. {وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ} يثبته في صحائفهم للمجازاة، أو في جملة ما يوحى إليك لتطلع على أسرارهم. {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } قلل المبالاة بهم أو تجاف عنهم. {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} في الأمور كلها سيما في شأنهم. {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً} يكفيك مضرتهم وينتقم لك منهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَيَقُولُونَ } أي المنافقون إذا جاؤوك: أمرنا {طَاعَةٌ } لك {فَإِذَا بَرَزُواْ } خرجوا {مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ } بإدغام التاء في الطاء وتركه أي أضمرت {غَيْرَ ٱلَّذِى تَقُولُ } لك في حضورك من الطاعة أي عصيانك {وَٱللَّهُ يَكْتُبُ } يأمر بكتب {مَا يُبَيّتُونَ } في صحائفهم ليجازوا عليه {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } بالصفح {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ } ثق به فإنه كافيك {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً } مفوّضاً إليه.

ابن عبد السلام

تفسير : {طَاعَةٌ} أَمْرنا لَطَاعة. {بَيَّتَ} التبييت: كل عمل دبر بليل لأن الليل وقت المبيت، أو وقت البيوت وتبييتهم إضمارهم مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم في أمره ونهيه، أو تقديرهم غير ما قال على جهة التكذيب. {يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ} في اللوح المحفوظ ليجازيهم عليه، أو يكتبه بأن ينزله عليك في الكتاب.

ابن عادل

تفسير : في رفع "طاعة": وجهان: أحدهما: أنه خبرُ مُبْتَدأ مضمَرٍ، تقديره: "أمر طاعة" ولا يجُوز إظهارُ هذا المُبْتَدأ؛ لأن الخَبَر مَصْدَر بدلٌ من اللَّفْظِ بفعله. والثاني: أنه مُبْتَدأ والخَبَر مَحْذُوف، أي: مِنَّا طَاعَة، أو: عِنْدنا طَاعَةٌ، قال مكي: "ويجُوز في الكَلاَم النَّصْبُ على المَصْدَر". قوله: "فإذا برزوا" [وأخْرِجُوا]، من عندك بيت طائِفَةٌ مِنْهُم غير الَّذي تَقُولُ. أدغم أبو عَمْرو وحمزة: تاء "بَيَّت" في طَاءِ "طائفة" لتقاربهما، ولم يَلْحَقِ الفِعْلَ علامةُ تأنيث؛ لكونه مَجَازياً، و "منهم": صِفَةٌ لـ "طائفة"، والضَّمِير في "تَقُول" يحتمل أن يكُون ضَمير خِطَاب للرَّسُول - عليه السلام -، أي: غيرَ الذي تَقُولُه وترسم به يا مُحَمَّد، ويؤيِّده قِرَاءة عبد الله: "بيَّتَ مُبَيِّتٌ مِنْهُم"، وأن يكون غَيْبَة للطَّائفة، أي: تقول هي. وقرأ يَحْيَى بن يَعْمر: "يقول" بياء الغَيْبَة، فيحتمل أن يَعُود الضَّمِيرُ على الرَّسُول بالمَعْنَى المُتقدِّم، وأن يَعُود على الطَّائِفَةِ، ولم يؤنِّث الضَّمِيرَ؛ لأن الطِّائِفَة في معنى الفَرِيق والقوم. قال الزَّمَخْشَرِيُّ: "بيت طائفة" أي: زوَّرت وسوَّت "غير الذي تقول": خلاف ما قُلْت ومَا أمَرْت به، أو خِلاَف ما قَالَتْ ومَا ضَمِنَت من الطَّاعَة؛ لأنَّهم أضْمَرُوا الرَّدَّ لا القَبُول. قال الزَّجَّاج: كل أمر تفكر فيه وتُؤوِّل في مصالحه ومفاسده كثيراً، قيل: هذا أمْر مُبَيَّتٌ؛ قال - تعالى -: {أية : إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَىٰ مِنَ ٱلْقَوْلِ} تفسير : [النساء: 108]، وقال قتادَةُ والكَلْبِيُّ: بَيَّت، أي: غيَّر وبَدَّل الَّذِي عَهِدَ إليهم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، ويكون التَّبْييتُ بمعنى: التَّبْدِيل. وقال أبُو عُبَيْدَة: والتَّبييتُ معناه: قالُوا وقَدَّرُوا لَيْلاً مَا أعطوك نهاراً، وكل ما قُدِّر بلَيْل فهو مُبَيَّتٌ. وقال أبو الحَسَن الأخْفَش: تقول العَرَب للشَّيْءِ إذا قُدِّرَ: بَيْتٌ، يُشَبِّهُونَهُ بتقدير بُيُوت الشِّعْر، وفي اشْتِقَاقه وَجْهَان: أحدهما: أن أصْلَح الأوْقَات للفكْر أن يَجْلِس الإنْسَان في بَيْتِهِ باللَّيل، فهناك تكُون الخَوَاطِر أجْلى والشَّواغل أقَل، فلما كان الغَالِبُ أنَّ الإنْسَان وقت اللَّيْل يكون في البَيْتِ، والغَالِبُ أنه إنَّما يَسْتَقْصِي في الأفْكَار في اللَِّيْلِ، فلا جَرَم سُمِّي ذلك فيس الفِكْر مبيِّتاً. والثاني: أن التَّبْييتَ والبَيَات: أن يَأتِي العَدُوُّ ليلاً، وبات يَفْعَل كذا: إذا فَعَلَه لَيْلاً؛ كما يُقَال: ظلَّ بالنَّهار، وبَيَّتَ بالشيء، قَدَّره، وإنما خَصَّ هذه الطَّائِفَة من جُمْلَة المُنَافِقِين لوجهين: أحدهما: أنه - تعالى - ذكر من عَلِم أنَّه يَبْقى على كُفْرِه ونِفَاقِه، فأمَّا من عَلِمَ أنَّه يرجع عن ذَلِك فإنَّه لم يَذْكُرْهُم. والثَّاني: أنَّ هذه الطَّائِفَة كانوا قد سَهِرُوا لَيْلَهُم في التَّبْيِيتِ، وغيرهم سَمِعُوا وسَكَتُوا ولم يُبَيِّتُوا، فلا جَرَم لم يُذْكَرُوا. وفي الآيَة دليل على أن مُجَرَّدَ القَوْل لا يُفيد شيئاً، فإنَّهُمْ قَالُوا "طائفة" ولَفَظُوا بِهَا، ولم يحقِّق اللَّه طاعتهم. ثم قال: {وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ} ذكر الزَّجَّاج [فيه] وجْهَيْن: أحدهما: [معناه]: ينزل إلَيْك في كِتَابِه. والثَّّاني: يكُتَبُ ذلك في صَحَائِف أعْمَالهم؛ ليجَازوا به. وقال الضَّحاك عن ابن عبَّاسٍ، يعني: ما يُسِرُّون من النِّفَاق. و "مَا" في "ما يبيتون" يجوز أن تكون مَوْصُولة أو مَوْصُوفة أو مَصْدَرية. "فأعْرِض عَنْهم" يا مَحَمَّد، ولا تفضحهم ولا تُعَاقِبْهُم ولا تُخْبِر بأسْمَائِهِم؛ فأمر اللَّه - تعالى - بستْر [أحْوَالِ] المُنَافِقين إلى أن يَسْتَقِيم أمر الإسْلام. ثم قَالَ: {وتوكل على الله} في شأنهم، فإن الله يَكْفِيكَ [شَرَّهُم] وينتقم [لك] منهم، {وكفى بالله وكيلاً} لمن توكَّلَ عليه. قال المُفَسِّرون: كان الأمْر بالإعْرَاض عن المُنَافِقِين في ابْتِداء الإسْلاَم، ثم نُسِخ ذلك بقوله: {أية : جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ} تفسير : [التوبة: 73]. وهذا فيه نَظَر؛ لأن الأمْر بالصَّفْح مُطْلَق، فلا يفيد إلاَّ المَرَّة الوَاحِدَة، فورودُ الأمْر بعد ذَلِك بالجِهَادِ لا يكون نَاسِخاً له.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله ‏ {‏ويقولون طاعة‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ هم أناس كانوا يقولون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ آمنا بالله ورسوله ليأمنوا على دمائهم وأموالهم ‏ {‏فإذا برزوا‏} ‏ من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏ {‏بيت طائفة منهم‏} ‏ يقول‏:‏ خالفوهم إلى غير ما قالوا عنك، فعابهم الله فقال ‏ {‏بيت طائفة منهم غير الذي تقول‏} ‏ قال‏:‏ يغيرون ما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله ‏ {‏ويقولون طاعة‏} ‏ قال‏:‏ هؤلاء المنافقون الذين يقولون، إذا حضروا النبي صلى الله عليه وسلم فأمرهم بأمر قالوا‏:‏ طاعة فإذا خرجوا غيرت طائفة منهم ما يقول النبي صلى الله عليه وسلم ‏ {‏والله يكتب ما يبيتون‏} ‏ يقول‏:‏ ما يقولون‏.‏ وأخرج ابن جرير من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله ‏{‏بيت طائفة منهم غير الذي تقول‏} ‏ قال‏:‏ غير أولئك ما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس ‏ {‏بيت طائفة منهم غير الذي تقول‏} ‏ يغيرون ما قال النبي صلى الله عليه وسلم ‏ {‏والله يكتب ما يبيتون‏} ‏ يغيرون‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك ‏ {‏بيت طائفة منهم‏} ‏ قال‏:‏ هم أهل النفاق‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ‏ {‏بيت طائفة منهم غير الذي تقول‏} ‏ قال‏:‏ يغيرون ما عهدوا إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عثمان بن عطاء عن أبيه ‏ {‏والله يكتب ما يبيتون‏} ‏ قال‏:‏ يغيرون ما يقول النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَيَقُولُونَ} شروعٌ في بـيان معاملتِهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم بعد بـيانِ وجوبِ طاعتِه، أي يقولون إذا أمرتَهم بشيء {طَاعَةٌ} أي أمرُنا وشأنُنا طاعةٌ أو منا طاعةٌ، واالأصلُ النصبُ على المصدر، والرفعُ للدِلالة على الثبات كسلام {فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ} أي خرجوا من مجلسك {بَيَّتَ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ} أي من القائلين المذكورين وهم رؤساؤُهم {غَيْرَ ٱلَّذِى تَقُولُ} أي زوَّرتْ طائفةٌ منهم وسوَّتْ خلافَ ما قالت لك من القَبول وضمانِ الطاعةِ، لأنهم مُصِرُّون على الرد والعصيانِ، وإنما يُظهرون ما يُظهرون على وجه النفاقِ، أو خلافَ ما قلتَ لها، والتبـيـيتُ إما من البـيتوته لأنه قضاءُ الأمرِ وتدبـيرُه بالليل، يقال: هذا أمرٌ بُـيِّت بليل، وإما من بـيت الشِّعر لأن الشاعر يُدبِّره ويسوِّيه، وتذكيرُ الفعلِ لأن تأنيثَ الطائفةِ غيرُ حقيقيَ، وقرىء بإدغام التاء في الطاء لقُرب المخرَجِ، وإسنادُه إلى طائفة منهم لبـيان أنهم المتصدّون له بالذات والباقون أتباعٌ لهم في ذلك لا لأن الباقين ثابتون على الطاعة. {وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيّتُونَ} أي يكتُبه في جملة ما يوحىٰ إليك فيُطلعُك على أسرارهم فلا يحسَبوا أن مكرَهم يخفىٰ عليكم فيجدون بذلك إلى الإضرار بكم سبـيلاً، أو يُثبتُه في صحائفهم فيجازيهم عليه، وأياً ما كان فالجملةُ اعتراضيةٌ {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} أي لا تُبالِ بهم وبما صنعوا، أو تَجافَ عنهم ولا تتصدَّ للانتقام منهم، والفاءُ لسببـية ما قبلها لما بعدها. {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} في كل ما تأتي وما تذر لا سيما في شأنهم، وإظهارُ الجلالةِ في مقام الإضمارِ للإشعار بعلة الحُكمِ {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً} فيكفيك مَرَّتَهم وينتقم لك منهم، والإظهارُ هٰهنا أيضاً لما مر وللتنبـيه على استقلال الجملةِ واستغنائِها عما عداها من كل وجه. {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءانَ} إنكارٌ واستقباحٌ لعدم تدبُّرِهم القرآنَ وإعراضِهم عن التأمل فيما فيه من موجبات الإيمانِ، وتدبُّر الشيءِ تأمّلُه والنظرُ في أدباره ما يؤول إليه في عاقبته ومنتهاه، ثم استعمل في كل تفكرٍ ونظرٍ، والفاءُ للعطف على مقدر أي أيُعرِضون عن القرآن فلا يتأملون فيه ليعلموا كونَه من عند الله تعالى بمشاهدة ما فيه من الشواهد التي من جملتها هذا الوحيُ الصادقُ والنصُّ الناطقُ بنفاقهم المحكيِّ على ما هو عليه. {وَلَوْ كَانَ} أي القرآنُ {مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ} كما يزعُمون {لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفاً كَثِيراً} بأن يكون بعضُ أخبارِه غيرَ مطابقٍ للواقع، إذ لا علمَ بالأمور الغيبـيةِ ماضيةً كانت أو مستقبلةً لغيره سبحانه، وحيث كانت كلُّها مطابقةً للواقع تعيَّن كونُه من عنده تعالى. قال الزجاج: ولولا أنه من عند الله تعالى لكان ما فيه من الإخبار بالغيب ــ مما يُسِرُّه المنافقون وما يُبـيِّتونه ــ مختلفاً، بعضُه حقٌّ وبعضُه باطلٌ، لأن الغيبَ لا يعلمه إلا الله تعالى. وقال أبو بكرٍ الأصمُّ: إن هؤلاءِ المنافقين كانوا يتواطؤون في السر على أنواع كثيرةٍ من الكيد والمكرِ وكان الله تعالى يُطلِعُ الرسولَ عليه الصلاة والسلام على ذلك ويُخبره بها مفصَّلةً فقيل لهم: إن ذلك لو لم يحصُلْ بإخبار الله تعالى لما اطَّردَ الصِّدقُ فيه ولوقع فيه الاختلافُ فلما لم يقَعْ ذلك قطُّ عُلم أنه بإعلامه تعالى، هذا هو الذي يستدعيه جزالةُ النظمِ الكريمِ، وأما حملُ الاختلافِ على التناقض وتفاوُتِ النظمِ في البلاغة بأن كان بعضُه دالاً على معنى صحيحٍ عند علماءِ المعاني وبعضُه على معنى فاسدٍ غيرِ ملتئمٍ وبعضُه بالغاً حدَّ الإعجازِ وبعضُه قاصراً عنه يُمكن معارضتُه ـــ كما جنح إليه الجمهورُ ــ فما لا يساعده السباقُ ولا السياقُ، ومن رام التقريبَ وقال: لعل ذكرَه هٰهنا للتنبـيه على أن اختلافَ ما سبق من الأحكام ليس لِتناقضٍ في الحِكَم والمصالحِ المقتضيةِ لذلك فقد بعُد عن الحق بمراحلِ.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ}[81] فسئل: ما التوكل؟ فقال: التوكل طرح البدن في العبودية، وتعلق القلب بالربوبية، والتبري من الحول والقوة. قيل له: ما حقيقة التوكل في الأصل، فقال: حقيقة التوكل في الأصل الإقرار بالتوحيد، وفي الفرع علم الساعة، وفي السكون المعاينة. ثم قال: لا تجزعوا من التوكل، فإنه عيش لأهله. قيل: من أهله؟ قال: الذين خصوا بالخصوصية. فقيل له: لو زدت لنا وضوحاً. فقال سهل: إن العلوم كلها أدنى باب من التعبد، وجملة التعبد أدنى باب من الورع، وجملة الزهد أدنى باب من ظهور القدرة، ولا تظهر القدرة إلاَّ للمتوكل، وليس للتوكل غاية وصف يوصف به، ولا حد يضرب له بالأمثال، ولا غاية ينتهي إليها. فقيل له: صف لنا بعضه. فقال: إن المتوكل له ألف منزل، أول منزل منه المشي في الهواء. قيل له: بماذا يصل العبد إليه؟ فقال: إن أول الأشياء المعرفة، ثم الإقرار، ثم التوحيد، ثم الإسلام، ثم الإحسان، ثم التفويض، ثم التوكل، ثم السكون إلى الحقّ جلَّ وعزَّ في جميع الحالات، وقال: لا يصح التوكل إلاَّ للمتقي. قيل: ما التقوى؟ قال: كف الأذى.

القشيري

تفسير : يعني إذا حضروك استسلموا في مشاهدتك، فإذا خرجوا انقطع عنهم نور إقبالك، فعادوا إلى ظلمات، كما قالوا: شعر : إذا ارعوى عاد إلى جهله كذي الضنى عاد إلى نكسه

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {طاعة}: خبر، أي: أمرنا طاعة، وأصله النصب على المصدر، ورُفِعَ للدلاله على الثبوت، وبيِّتَ الشيء، دبَّره ليلاً وأضمره في نفسه. يقول الحقّ جلّ جلاله: في شأن المنافقين: {ويقولون} لك إذا حضروا معك: أمرنا وشأننا {طاعةٌ} لك فيما تأمرنا به، {فإذا برزوا} أي: خرجوا {من عندك بيَّت طائفة منهم} أي: دبرَّت ليلاً وأخفت من النفاق {غير الذي تقول} لك من قبول الإيمان وإظهار الطاعة، أو زوَّرت خلاف ما قلتَ لها من الأمر بالطاعة، {والله يكتب ما يبيتون} أي: يُثبِتُه في صحائفهم فيجازهم عليه، {فأعرض عنهم} ولا تبال بهم، {وتوكل على الله} يكفك شرهم، {وكفى بالله وكيلاً} عليهم، فسينتقم لك منهم. الإشارة: هذه الخصلة موجودة في بعض العوام؛ إذا حضروا مع أهل الخصوصية أظهروا الطاعة والإقرار، وإذا خرجوا عنهم بيَّتوا الانتقاد والإنكار، فلا يليق إلا الإعراض عنهم، والغيبة في الله عنهم، فإن الله يكفي شرهم بكفالته وحفظه. والله تعالى أعلم.

الطوسي

تفسير : قرأ أبو عمر بادغام التاء في الطاء. وبه قرأ حمزة: والباقون بالاظهار والفتح. وفرق الكسائي بين بيت طائفة فاظهر في الفعل وادغم في الاسم إذا قال بيتت طائفة. قال المبرد، والزجاج: لا وجه لذلك، بل هما سواء. وانما حسن ادغام التاء في الطاء، لقرب مخرجهما. ولم يجز إدغام الطاء في التاء، لما فيها من الاطباق. وكذلك يجوز إدغام الباء في الميم في "تكتب ما يبيتون" ولا يجوز ادغام الميم في الباء نحو {لا أقسم بهذا البلد} لأنه يخل باذهاب الغنة في ذلك، ولا يخل بها في الاول. ويحتمل رفع طاعة وجهين: أحدهما - أمرنا طاعة. والثاني - منا طاعة. قال الزجاج: الاول أحسن، لأنه أجمع. ويجوز طاعة "نصباً" على معنى نطيع طاعة. ولم يقرأ به. ومن القائلون لهذا القول؟ قيل فيه قولان: [أحدهما] - قال الحسن، والسدي، والضحاك: هم المنافقون. الثاني - انهم الذين حكى عنهم انهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقوله: {فإذا برزوا من عندك} يعني خرجوا من عندك بيت طائفة منهم يعني دبر جماعة منهم ليلا. قال المبرد: التبييت كل شيء دبر ليلا. وقال الجبائي معناه دبروه في بيوتهم وهذا بعيد لا وجه له في اللغة. قال الرماني: وفيه معنى الاخفاء في النفس، وكذلك لا يوصف تعالى به. قال عبيدة بن همام: شعر : أتوني فلم أرض ما بيتوا وكانوا أتوني بشيء نُكر لأنكح أيمهم منذراً وهل يُنكح العبد حرّ لحر؟! تفسير : ومعنى {بيت طائفة منهم غير الذي تقول} [أي غير ما تقول بأن اضمروا الخلاف فيما أمرتهم به أو نهيتهم عنه - هذا قول ابن عباس، وقتادة: والسدي. وقال الحسن: قدرت طائفة منهم] غير الذي تقول على جهة التكذيب. وقوله: {والله يكتب ما يبيتون} فيه قولان: الاول - نكتبه في اللوح المحفوظ ليجازوا به. التاني - قال الزجاج: يكتب بان ينزله اليك في الكتاب. ثم أمر الله نبيه بالاعراض عنهم، وألا تسميهم باعيانهم ابقاء عليم، وبستر أمورهم إلى أن يستقر أمر الاسلام. وأمره بان يتوكل عليه {وكفى بالله وكيلاً} يعني حفيظاً، لما يجب تفويضه إليه من التدبير. وأصل الوكيل القائم بما فوض إليه من التدبير. ومعنى بيت اضمر. وأصله إحكام الامر ليلا من البيات.

الجنابذي

تفسير : {وَيَقُولُونَ} بألسنتهم شأننا {طَاعَةٌ} لك فى علىّ (ع) كأنّه قال لكنّهم يطيعون بألسنتهم ويتولّون بقلوبهم ويقولون بألسنتهم شأننا طاعة {فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ} ودبّروا ليلاً {غَيْرَ ٱلَّذِي تَقُولُ} انت فى علىٍّ (ع) او تلك الطّائفة من الطّاعة لك فى علىّ (ع) فيقولون ويتعاقدون على ان يمنعوا عليّاً (ع) من الخلافة {وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ} تسلية للرّسول (ص) وتهديد لهم {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} ولا تؤاخذهم فانّه اصلح لك لعدم افتتان سائر امّتك {وَتَوَكَّلْ} فى جملة امورك خصوصاً فيما تهتّم به من خلافة علىّ (ع) {عَلَى ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً} فانّه لا حاجة له الى معاون فى امضاء امرٍ ولا الى مشاور فى استعلام امر.

اطفيش

تفسير : {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ}: يقول المنافقون اذا أمرتهم بشىء، أو نهيتهم، أو اذا جاءوك أو لقوك أو لقيتهم: أمرنا طاعة لك يا محمد اذ آمنا بك، أو منا طاعة، أو علينا طاعة، والأصل: أطعناك طاعة بالنصب، ثم عدل الى الجملة الاسمية للثبوت. {فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنهُمْ غَيْرَ الَّذِى تَقُولُ}: أى اذا خرجوا من عندك، أضمرت طائفة منهم غير الذى تقول لهم أنت يا محمد من دين الله، أو غير الذى تقول هى، أى تلك الطاعة من أنهم يطيعونك، فتاء تقول لخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضمير تقول له صلى الله عليه وسلم، أو التاء للغيبة والتأنيث، والضمير للطائفة. والتبييت تدبير الحكم فى الليل، فهو مقيد، ثم أطلق على تدبيره مطلقا، ولو فى غير الليل أو أصله تدبير الحكم ليلا لكونه وقت سر وخلوة، ثم أطلق على تدبيره فى الخلوة والسر ليلا أو نهارا، والتبييت تدبير الأمر فى وقت البيات وهو الليل، ويجوز أن يكون تبييت الطائفة تدبيرها أمرا فى بيت الشعر ونحوه، أو بيت البناء، لأن يجتمعوا فيه فيدبره، أو تسويتها أمر أو تدبيره كما يسوى البيت وتيقن، وقرأ أبو عمرو وحمزة: بيت طائفة باسكان ياء بيت وقبلها طاء لقرب مخرجهما وادغامها فى الطاء. {وَاللهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ}: يحفظه ويجازيهم أو يجعله فى جملة ما يوحى اليك ليطلعك على أسرارهم. {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ}: لا تجازهم ولا تقاتلهم، ولا تحكم عليهم بحكم المشركين ما داموا يستترون لك بتوحيد ألسنتهم، وقلل المبالاة بهم، ولا تفضحهم لتجلب الى الايمان كل ذلك من معانى أعرض عنهم وثق بالله فيهم، وفى كل أمرك فانهم لا يصلون اليك. {وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً}: ينتقم لك منهم.

اطفيش

تفسير : {وَيَقُولُونَ} أى المنافقون، عندئذ، وقيل المؤمنون الذين يخشون الناس كخشية الله {طَاعَةٌ} أمرنا طاعة، أو حقك طاعة، أو منا طاعة أو علينا {فَإِذَا بَرَزُوا} ظهروا بالخروج {مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ} هى رؤساؤهم {مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِى تَقُولُ} هى من الطاعة لك، أو غير الذى تقول أنت يا محمد لهم من أمر الدين، أى دبرته ليلا وقت البيان ليضعوا رأيهم ويجتمع، أو فى بيت بناء أو سووه كما يسوى البناء بيتاً، أو بيت نظم، يقال بيت شعر، أى دبره، وهم كانوا عندك على غير الذى تقول قبل البروز أيضاَ لكن بعد البروز جددوا له وثوقاً لمخالفة ظاهره له حين كانوا عنجك، أو جددوا أمراً آخر مقوياً له {وَاللهُ يَكْتُبُ} فى صحفهم أو فيما يوحيه إليك {مَا يُبَيِّتُونَ} ليجازيهم به وليخبرك به {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} لا تشغل بالك ولا تضق ولا تفضحهم، بل اصفح عنهم ولا تعاتبهم ليستقيم أمر الإسلام {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ} فى الأمور كلها ومنها أمرهم وهو من أعظمها {وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً} يكفيك شأنهم وشأن غيرهم.

الالوسي

تفسير : {وَيَقُولُونَ} الضمير للمنافقين كما روى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والحسن والسدي، وقيل: للمسلمين الذين حكى عنهم أنهم يخشون الناس كخشية الله أي ويقولون إذا أمرتهم بشيء {طَاعَةٌ} أي أمرنا وشأننا طاعة على أنه خبر مبتدأ محذوف وجوباً، وتقدير طاعتك طاعة خلاف الظاهر أو عندنا أو منا طاعة على أنه مبتدأ وخبره محذوف وكان أصله النصب كما يقول المحب: سمعناً وطاعة لكنه يجوز في مثله الرفع ـ كما صرح به سيبويه ـ للدلالة على أنه ثابت لهم قبل الجواب {فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ} أي خرجوا من مجلسك وفارقوك {بَيَّتَ طَائِفَةٌ} أي جماعة {مِنْهُمْ} وهم رؤساؤهم، والتبييت إما من البيتوتة لأنه تدبير الفعل / ليلاً والعزم عليه، ومنه تبييت نية الصيام ويقال: هذا أمر تبيت بليل، وإما من بيت الشعر لأن الشاعر يدبره ويسويه، وإما من البيت المبني لأنه يسوى ويدبر، وفي هذا بعد ـ وإن أثبته الراغب لغة ـ والمراد زورت وسوت {غَيْرَ ٱلَّذِى تَقُولُ} أي خلاف ما قلت لها أو ما قالت لك من القبول وضمان الطاعة، والعدول عن الماضي لقصد الاستمرار، وإسناد الفعل إلى طائفة منهم لبيان أنهم المتصدون له بالذات؛ والباقون أتباع لهم في ذلك لا لأنهم ثابتون على الطاعة، وتذكيره أولاً لأن تأنيث الفاعل غير حقيقي، وقرأ أبو عمرو وحمزة (بيت طائفة) بالادغام لقربهما في المخرج، وذكر بعض المحققين أن الإدغام هنا على خلاف الأصل والقياس، ولم تدغم تاء متحركة غير هذه {وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيّتُونَ} أي يثبته في صحائفهم ليجازيهم عليه، أو فيما يوحيه إليك فيطلعك على أسرارهم ويفضحهم ـ كما قال الزجاج ـ والقصد على الأول: لتهديدهم، وعلى الثاني: لتحذيرهم {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} أي تجاف عنهم ولا تتصد للانتقام منهم، أو قلل المبالاة بهم والفاء لسببية ما قبلها لما بعدها {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} أي فوض أمرك إليه وثق به في جميع أمورك لا سيما في شأنهم، وإظهار الاسم الجليل للإشعار بعلة الحكم {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً} قائماً بما فوض إليه من التدبير فيكفيك (مضرتهم) وينتقم لك منهم، والإظهار لما سبق للإيذان باستقلال الجملة واستغنائها عما عداها من كل وجه.

د. أسعد حومد

تفسير : {طَآئِفَةٌ} (81) - يُظْهِرُ لَكَ هَؤُلاءِ المُنَافِقُونَ الخُضُوعَ لأَمْرِكَ، وَالاسْتِعْدَادَ وَالانْقِيَادَ، لِيَأمَنُوا عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، فَإذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ، وَتَوَارَوْا عَنْ أَنْظَارِكَ، اسْتَسَرُّوا فِيمَا بَيْنَهُمْ بِغَيْرِ مَا أَظْهَرُوهُ لَكَ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا يُبَيِّتُونَ مِنْ مُخَالَفَتِكَ، وَيَكْتُبُهُ عَلَيْهِمُ الكَتَبَةُ الحَافِظُونَ، فَاصْفَحْ عَنْهُمُ، وَاحْلمْ عَلَيهِمْ، وَلا تُؤاخِذْهُمْ، وَلاَ تَكْشِفْ لِلنَّاسِ أمُورَهُمْ (أَعْرِضْ عَنْهُمْ)، وَلا تَخَفْ مِنْهُمْ، وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ، وَكَفَى بِاللهِ وَلِيّاً وَنَاصِراً. بَرَزُوا - خَرَجُوا. بَيَّتَ طَائِفَةٌ - دَبَّرَتْ أَوْ سَوَّتْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هنا يوضح الحق لرسوله: ستتعرض لطائفة من أمة الدعوة وهم الذين أمرك الله أن تدعوهم إلى الدخول في الإسلام، - أما أمة الإجابة فهم الذين استجابوا لله وللرسول وآمنوا فعلا - إن هؤلاء يقولون لك حين تأمرهم بشيء أو تطلب منهم شيئاً أمراً أو نهياً: {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ} يعني: أمرنا وشأننا طاعة، أي أمرك مطاع، {فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِي تَقُولُ}، ويقال: برز أي خرج للبَرَاز، والبَرَاز هي: الأرض الفضاء الواسعة، ولذلك يقول المقاتل لمن يتحداه: ابرز لي، أي اخرج من الكن أو الحصن، وكان العرب سابقاً لا يقضون حاجتهم في بيوتهم، فإذا أرادوا قضاء حاجتهم ذهبوا إلى الغائط البعيد، وجاء من هذه الكلمة لفظ يؤدي قضاء الحاجة في الخلاء. {فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ} أي خرجوا، فهم يديرون أمر الطاعة التي أمروا بها في رءوسهم فيجدونها شاقة، فيبيتون أن يخالفوا، ونعرف أن كلمة "بَيْت" تعني المأوى الذي يؤوي الإنسان. وأحسن أوقات الإيواء هو الليل، فسموا البيت الذي نسكنه "مبيتاً" لأننا نبيت عادة في البيت المقام في مكان والمكون من حجرات؛ والمستور، ويقولون: هذا الأمر بُيِّت بليل، أي دبروه في الليل، وهل المراد ألا يبيتوا في النهار؟ لا، لكن الشائع أن يبيتوا في ليل. يفعلون ذلك وهم بعيدون عن الأعين، فيدبرون جيداً؛ وإن كان المقصود هو التبييت في ظلام فهذا المعنى يصلح أيضاً، وإن كان سراً فالمعنى يصح أيضا. إذن فالأصل في التبييت إنما يكون في البيت. والأصل أن تكون البيتوتة ليلا، ومدار المادة كلها الاستخفاء، فإذا بُيت في ظلام نقول: إنه بُيت بليل، وإذا بُيِّتَ سراً نقول: بُيِّتَ بليل أيضاً. {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِي تَقُولُ} يعني قالت طائفة: أمرنا وشأننا طاعة لما تقول: أو أطعناك طاعة ولكنهم يبيتون غير ما تقول فهم إذن على معصية. {وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ} وسبحانه يكتب نتيجة علمه، وجاء بكلمة "يكتب" حتى يعلموا أن أفعالهم مسجلة عليهم بحيث يستطيعون عند عرض كتابهم عليهم أن يقرأوا ما كتب فيه، فلو لم يكن مكتوباً فقد يقولون: لا لم يحدث، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحذر من هذه الطائفة، لأنها ستثبط أمر الدعوة، لذلك يوضح الحق: إنك لن تُنصَرَ بمن أرسلت إليهم وإنما تنصر بمن أرسلك، فإياك أن ينال ذلك من عزيمتك أو يثبطها نحو الدعوة. فإذا حدث من طائفة منهم هذا فـ "أعرض عنهم" أي لا تخاطبهم في أمر من هذه الأمور ودعهم ودع الانتقام لي؛ لأنني سأنصرك على الرغم من مخالفتهم لك، واتجه إلى أمر الله الذي أرسلك. ونعلم أن المصلحة في كل الرسالات إنما تكون عند من أرسل، ولكن المرسل إليه قد تتعبه الدعوة الجديدة؛ لأنها ستخرجه عن هوى نفسه، ومستلزمات طيشه، فالذي أرسلك يا محمد هو الضامن لك في أن تنجح دعوتك. {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً} لماذا؟ لأن الذين يؤمنون بك محدودو القدرة، ومحدودو الحيلة، ومحدودو العدة، ولكن الذي أرسلك يستطيع أن يجعل من عدد خصومك ومن عُدَّة خصومك جنوداً لك، وينصرك من حيث لا تحتسب. ولذلك فالحق سبحانه وتعالى بدأ قضية الإسلام وكان المؤمنون بها قلة، فلو جعلهم كثرة لقالوا: كثرة لو اجتمعت على ظلم لنجحت، ولكن عندما تكون قلة وتنجح، فهذا فأل طيب ويشير على أنك لست منصوراً بهؤلاء وإنما أنت منصور بمدد الله. ويقول الحق بعد ذلك: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ....}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ} معناهُ قَدَّرُوا ذَلِكَ لَيلاً.

الأندلسي

تفسير : {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ} ارتفع طاعة على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره أمرنا طاعة أي لك. وقرىء بإدغام التاء من بيّت في الطاء وبإِظهارها. {غَيْرَ ٱلَّذِي تَقُولُ} من قولهم أمرنا طاعة وهم في حال تبييتهم يبغون ذلك الغوائل ويتكلمون بغير الطاعة. {وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ} كناية عن مجازاتهم على ما بيتوا للرسول صلى الله عليه وسلم من السوء. {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ} وقرىء يدبّرون بإِدغام التاء في الدال، والمعنى أفلا يتأملون ما نزل عليك من الوحي ولا يعرضون عنه فإِنه في تدبره يظهر برهانه. والضمير في فيه: عائد على القرآن. ووجه هذا الدليل أنه ليس من متكلم كلاماً طويلاً إلا وجد في كلامه اختلاف كثير إما في الوصف واللفظ، وإما في المعنى بتناقض أخبار، أو الوقوع على خلاف المخبر به، أو اشتماله على ما لا يلائم ولا يلتئم أو كونه تمكن معارضته. والقرآن العظيم ليس فيه شيء من ذلك. وقد رد محمد بن المستنير الملقب بقطرب على الملاحدة الذين طعنوا في القرآن وزعموا أن فيه تناقضاً رد عليهم في كتاب كبير صنفه بين فيه جهل الملاحدة بلسان العرب وبعد إفهامهم عن فصاحة الكلام وبلاغته وصحة معناه. {وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ} روي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث سرية من السرايا فغلبت أو غلبت تحدثوا بذلك وأفشوه ولم يصبروا حتى يكون هو المحدث به، فنزلت: {وَلَوْ رَدُّوهُ} أي الأمر إلى اعلام الله والرسول. {لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ} أي يستخرجونه ويكشفون عن حقيقة بإِعلام الرسول لهم ثم انتقل إلى الكلام عن المنافقين إلى خطاب عام وهو قوله تعالى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} الآية، ودلت على كثرة اتباع الشيطان وقلة من لا يتبعه ولذلك جاء الاستثناء بقوله: {إِلاَّ قَلِيلاً}. قال ابن عطية: أي لا تبعتم الشيطان كلكم إلا قليلاً من الأمور كنتم لا تتبعونه فيها. "انتهى". فسره في الاستثناء بالمتّبع فيه فيكون استثناء من المتّبع فيه المحذوف لا من الاتباع ويكون استثناء مفرغاً والتقدير لا تبعتم الشيطان في كل شيء إلا قليلاً من الأشياء فلا تتبعونه فيه فإِن كان ابن عطية شرح من حيث المعنى فهو صحيح لأنه يلزم من استثناء الاتباع القليل أن يكون المتبع فيه قليلاً وإن كان شرح من حيث الصناعة النحوية فليس بجيد لأن قوله: إلا اتباعاً قليلاً لا يرادف إلا قليلاً من الأمور كنتم لا تتبعونه فيها. "انتهى". وقال قوم: قوله: إلا قليلاً، عبارة عن العدم يريد لاتبعتم الشيطان كلكم، قال ابن عطية: هذا قول قلق وليس يشبه ما حكى سيبويه من قولهم: أرض قل ما تنبت كذا، بمعنى لا تنتبه لأن اقتران القلة بالاستثناء يقتضي حصولها ولكن ذكره الطبري. "انتهى". وهذا الذي ذكره ابن عطية صحيح ولكن قد جوزه هو في قوله تعالى: {أية : وَلَكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً}تفسير : [النساء: 46] ولم يقلق عنده هناك ولا رده وقد رددناه عليه هناك فيطالع ثمة.