Verse. 575 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

اَفَلَا يَتَدَبَّرُوْنَ الْقُرْاٰنَ۝۰ۭ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللہِ لَوَجَدُوْا فِيْہِ اخْتِلَافًا كَثِيْرًا۝۸۲
Afala yatadabbaroona alqurana walaw kana min AAindi ghayri Allahi lawajadoo feehi ikhtilafan katheeran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أفلا يتدبرون» يتأملون «القرآن» وما فيه من المعاني البديعة «ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا» تناقضا في معانيه وتباينا في نظمه.

82

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما حكى عن المنافقين أنواع مكرهم وكيدهم، وكان كل ذلك لأجل أنهم ما كانوا يعتقدون كونه محقا في ادعاء الرسالة صادقا فيه، بل كانوا يعتقدون أنه مفتر متخرص، فلا جرم أمرهم الله تعالى بأن ينظروا ويتفكروا في الدلائل الدالة على صحة نبوته. فقال: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفاً كَثِيراً } فاحتج تعالى بالقرآن على صحة نبوته وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: التدبير والتدبر عبارة عن النظر في عواقب الأمور وأدبارها، ومنه قوله: إلام تدبروا أعجاز أمور قد ولت صدورها، ويقال في فصيح الكلام: لو استقبلت من أمري ما استدبرت، أي لو عرفت في صدر أمري ما عرفت من عاقبته. المسألة الثانية: اعلم أن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى احتج بالقرآن على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، إذ لو تحمل الآية على ذلك لم يبق لها تعلق بما قبلها ألبتة، والعلماء قالوا: دلالة القرآن على صدق محمد صلى الله عليه وسلم من ثلاثة أوجه: أولها: فصاحته. وثانيها: اشتماله على الاخبار عن الغيوب. والثالث: سلامته عن الاختلاف، وهذا هو المذكور في هذه الآية، ثم القائلون بهذا القول ذكروا في تفسير سلامته عن الاختلاف ثلاثة أوجه: الأول: قال أبو بكر الأصم: معناه أن هؤلاء المنافقين كانوا يتواطئون في السر على أنواع كثيرة من المكر والكيد، والله تعالى كان يطلع الرسول عليه الصلاة والسلام على تلك الأحوال حالا فحالا، ويخبره عنها على سبيل التفصيل، وما كانوا يجدون في كل ذلك إلا الصدق، فقيل لهم: إن ذلك لو لم يحصل باخبار الله تعالى وإلا لما اطرد الصدق فيه، ولظهر في قول محمد أنواع الاختلاف والتفاوت، فلما لم يظهر ذلك علمنا أن ذلك ليس إلا بإعلام الله تعالى، والثاني: وهو الذي ذهب اليه أكثر المتكلمين أن المراد منه أن القرآن كتاب كبير، وهو مشتمل على أنواع كثيرة من العلوم، فلو كان ذلك من عند غير الله لوقع فيه أنواع من الكلمات المتناقضة، لأن الكتاب الكبير الطويل لا ينفك عن ذلك، ولما لم يوجد فيه ذلك علمنا أنه ليس من عند غير الله. فإن قيل: أليس أن قوله: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبّهَا نَاظِرَةٌ } تفسير : [القيامة: 23] كالمناقض لقوله تعالى: {أية : لاَ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ } تفسير : [الأنعام: 103] وآيات الجبر كالمناقضة لآيات القدر، وقوله: {أية : فَوَرَبّكَ لَنَسْـئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } تفسير : [الحجر: 92] كالمناقض لقوله: {أية : فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْـئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ } تفسير : [الرحمن: 39]. قلنا: قد شرحنا في هذا التفسير أنه لا منافاة ولا مناقضة بين شيء منها ألبتة. الوجه الثالث: في تفسير قولنا: القرآن سليم عن الاختلاف ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني، وهو أن المراد منه الاختلاف في رتبة الفصاحة، حتى لا يكون في جملته ما يعد في الكلام الركيك، بل بقيت الفصاحة فيه من أوله إلى آخره على نهج واحد، ومن المعلوم أن الانسان وإن كان في غاية البلاغة ونهاية الفصاحة، فاذا كتب كتابا طويلا مشتملا على المعاني الكبيرة، فلا بد وأن يظهر التفاوت في كلامه بحيث يكون بعضه قويا متينا وبعضه سخيفا نازلا، ولما لم يكن القرآن كذلك علمنا أنه لمعجز من عند الله تعالى، وضرب القاضي لهذا مثلا فقال: إن الواحد منا لا يمكنه أن يكتب الطوامير الطويلة بحيث لا يقع في شيء من تلك الحروف خلل ونقصان، حتى لو رأينا الطوامير الطويلة مصونة عن مثل هذا الخلل والنقصان لكان ذلك معدودا في الإعجاز فكذا ههنا. المسألة الثالثة: دلت الآية على أن القرآن معلوم المعنى خلاف ما يقوله من يذهب إلى أنه لا يعلم معناه إلا النبي والامام المعصوم، لأنه لو كان كذلك لما تهيأ للمنافقين معرفة ذلك بالتدبر، ولما جاز أن يأمرهم الله تعالى به وأن يجعل القرآن حجة في صحة نبوته، ولا أن يجعل عجزهم عن مثله حجة عليهم، كما لا يجوز أن يحتج على كفار الزنج بمثل ذلك. المسألة الرابعة: دلت الآية على وجوب النظر والاستدلال، وعلى القول بفساد التقليد، لأنه تعالى أمر المنافقين بالاستدلال بهذا الدليل على صحة نبوته، وإذا كان لا بد في صحة نبوته من الاستدلال، فبأن يحتاج في معرفة ذات الله وصفاته إلى الاستدلال كان أولى. المسألة الخامسة: قال أبو علي الجبائي: دلت الآية على أن أفعال العباد غير مخلوقة لله تعالى لأن قوله تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفاً كَثِيراً } يقتضي أن فعل العبد لا ينفك عن الاختلاف، والاختلاف والتفاوت شيء واحد، فاذا كان فعل العبد لا ينفك عن الاختلاف والتفاوت، وفعل الله لا يوجد فيه التفاوت لقوله تعالى: {أية : مَّا تَرَىٰ فِى خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَـٰوُتٍ } تفسير : [الملك: 3] فهذا يقتضي أن فعل العبد لا يكون فعلا لله. والجواب أن قوله: {مَّا تَرَىٰ فِى خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَـٰوُتٍ } معناه نفي التفاوت في أنه يقع على وفق مشيئته بخلاف غيره، فإن فعل غيره لا يقع على وفق مشيئته على الإطلاق.

البيضاوي

تفسير : {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءانَ} يتأملون في معانيه ويتبصرون ما فيه، وأصل التدبر النظر في أدبار الشيء. {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ } أي ولو كان من كلام البشر كما تزعم الكفار. {لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفاً كَثِيراً} من تناقض المعنى وتفاوت النظم، وكان بعضه فصيحاً وبعضه ركيكاً، وبعضه يصعب معارضته وبعضه يسهل، ومطابقة بعض أخباره المستقبلة للواقع دون بعض، وموافقة العقل لبعض أحكامه دون بعض، على ما دل عليه الاستقراء لنقصان القوة البشرية. ولعل ذكره ها هنا للتنبيه على أن اختلاف ما سبق من الأحكام ليس لتناقض في الحكم بل لاختلاف الأحوال في الحكم والمصالح.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى آمراً لهم بتدبر القرآن، وناهياً لهم عن الإعراض عنه وعن تفهم معانيه المحكمة وألفاظه البليغة، ومخبراً لهم أنه لا اختلاف فيه ولا اضطراب، ولا تعارض؛ لأنه تنزيل من حكيم حميد، فهو حق من حق، ولهذا قال تعالى: {أية : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ}تفسير : ، [محمد: 24] ثم قال: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ} أي: لو كان مفتعلاً مختلقاً؛ كما يقوله من يقول من جهلة المشركين والمنافقين في بواطنهم، لوجدوا فيه اختلافاً، أي: اضطراباً وتضاداً كثيراً، أي: وهذا سالم من الاختلاف، فهو من عند الله، كما قال تعالى مخبراً عن الراسخين في العلم حيث قالوا: {أية : ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} تفسير : [آل عمران: 7] أي: محكمه ومتشابهه حق، فلهذا ردوا المتشابه إلى المحكم، فاهتدوا، والذين في قلوبهم زيغ ردوا المحكم إلى المتشابه، فغووا، ولهذا مدح تعالى الراسخين، وذم الزائغين. قال الإمام أحمد: حدثنا أنس بن عياض، حدثنا أبو حازم، حدثنا عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: لقد جلست أنا وأخي مجلساً ما أحب أن لي به حمر النعم، أقبلت أنا وأخي، وإذا مشيخة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على باب من أبوابه، فكرهنا أن نفرق بينهم، فجلسنا حجرة إذ ذكروا آية من القرآن، فتماروا فيها حتى ارتفعت أصواتهم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضباً حتى احمر وجهه، يرميهم بالتراب ويقول: «حديث : مهلاً يا قوم بهذا أهلكت الأمم من قبلكم؛ باختلافهم على أنبيائهم، وضربهم الكتب بعضها ببعض، إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضاً، إنما نزل يصدق بعضه بعضاً، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه» تفسير : وهكذا رواه أيضاً عن أبي معاوية، عن داود بن أبي هند، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم والناس يتكلمون في القدر، فكأنما يفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب، فقال لهم: «حديث : مالكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض؟ بهذا هلك من كان قبلكم» تفسير : قال: فما غبطت نفسي بمجلس فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم أشهده ما غبطت نفسي بذلك المجلس أني لم أشهده، ورواه ابن ماجه من حديث داود بن أبي هند، به نحوه. وقال أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا حماد بن زيد عن أبي عمران الجوني، قال: كتب إليّ عبد الله بن رباح يحدث عن عبد الله بن عمرو، قال: هجَّرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً، فإنا لجلوس، إذ اختلف اثنان في آية، فارتفعت أصواتهما، فقال: «حديث : إنما هلكت الأمم قبلكم باختلافهم في الكتاب»تفسير : . ورواه مسلم والنسائي من حديث حماد بن زيد به. وقوله: {وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ} إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها، فيخبر بها، ويفشيها وينشرها، وقد لا يكون لها صحة. وقد قال مسلم في مقدمة صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا علي بن حفص، حدثنا شعبة عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع» تفسير : وكذا رواه أبو داود في كتاب الأدب من سننه عن محمد بن الحسين بن إشكاب، عن علي بن حفص، عن شعبة مسنداً، ورواه مسلم أيضاً من حديث معاذ بن هشام العنبري وعبد الرحمن بن مهدي، وأخرجه أبو داود أيضاً من حديث حفص بن عمرو النمري، ثلاثتهم عن شعبة، عن خبيب، عن حفص ابن عاصم به مرسلاً، وفي الصحيحين، عن المغيرة بن شعبة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن قيل وقال، أي: الذي يكثر من الحديث عما يقول الناس من غير تثبت، ولا تدبر، ولا تبين. وفي سنن أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : بئس مطية الرجل زعموا»تفسير : . وفي الصحيح: «حديث : من حدث بحديث، وهو يرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين» تفسير : ولنذكر ههنا حديث عمر بن الخطاب المتفق على صحته حين بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق نساءه، فجاء من منزله حتى دخل المسجد، فوجد الناس يقولون ذلك، فلم يصبر حتى استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فاستفهمه: أطلقت نساءك؟ فقال: «حديث : لا» تفسير : فقلت: الله أكبر وذكر الحديث بطوله. وعند مسلم: فقلت: أطلقتهن؟ فقال: «حديث : لا» تفسير : فقمت على باب المسجد، فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، ونزلت هذه الآية: {وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر، ومعنى يستنبطونه أي: يستخرجونه من معادنه، يقال: استنبط الرجل العين: إذا حفرها واستخرجها من قعورها. وقوله: {لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَـٰنَ إِلاَّ قَلِيلاً}، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني: المؤمنين. وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: {لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَـٰنَ إِلاَّ قَلِيلاً} يعني كلكم، واستشهد من نصر هذا القول بقول الطرماح بن حكيم في مدح يزيد بن المهلب:شعر : أَشَمُّ نَديٌّ كَثيرُ النَّوادي قَليلُ المَثالِبِ والقادِحَهْ تفسير : يعني: لا مثالب له، ولا قادحة فيه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ } يتأملون {ٱلْقُرْءانَ } وما فيه من المعاني البديعة {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلَٰفاً كَثِيراً } تناقضاً في معانيه وتبايناً في نظمه.

الشوكاني

تفسير : الهمزة في قوله: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ } للإنكار، والفاء للعطف على مقدّر، أي: أيعرضون عن القرآن، فلا يتدبرونه. يقال تدبرت الشيء: تفكرت في عاقبته وتأملته، ثم استعمل في كل تأمل، والتدبير: أن يدبر الإنسان أمره كأنه ينظر إلى ما تصير إليه عاقبته، ودلت هذه الآية، وقوله تعالى: {أية : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءانَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } تفسير : [محمد: 24] على وجوب التدبر للقرآن؛ ليعرف معناه. والمعنى: أنهم لو تدبروه حق تدبره لوجدوه مؤتلفاً غير مختلف، صحيح المعاني، قوي المباني، بالغاً في البلاغة إلى أعلى درجاتها {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفاً كَثِيراً } أي: تفاوتاً وتناقضاً، ولا يدخل في هذا اختلاف مقادير الآيات، والسور؛ لأن المراد اختلاف التناقض والتفاوت، وعدم المطابقة للواقع، وهذا شأن كلام البشر لا سيما إذا طال، وتعرّض قائله للإخبار بالغيب، فإنه لا يوجد منه صحيحاً مطابقاً للواقع إلا القليل النادر. قوله: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مّنَ ٱلأمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ } يقال: أذاع الشيء وأذاع به: إذا أفشاه، وأظهره، وهؤلاء هم جماعة من ضعفة المسلمين كانوا إذا سمعوا شيئاً من أمر المسلمين فيه أمن نحو ظفر المسلمين، وقتل عدوّهم، أو فيه خوف نحو هزيمة المسلمين وقتلهم أفشوه، وهم يظنون أنه لا شيء عليهم في ذلك. قوله: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِى ٱلأمْرِ مِنْهُمْ } وهم أهل العلم والعقول الراجحة الذين يرجعون إليهم في أمورهم أو هم الولاة عليهم {لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } أي: يستخرجونه بتدبيرهم وصحة عقولهم. والمعنى: أنهم لو تركوا الإذاعة للأخبار حتى يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يذيعها، أو يكون أولي الأمر منهم هم الذين يتولون ذلك؛ لأنهم يعلمون ما ينبغي أن يفشى، وما ينبغي أن يكتم. والاستنباط مأخوذ من استنبطت الماء: إذا استخرجته. والنبط: الماء المستنبط أوّل ما يخرج من ماء البئر عند حفرها. وقيل: إن هؤلاء الضعفة كانوا يسمعون إرجافات المنافقين على المسلمين فيذيعونها، فتحصل بذلك المفسدة. قوله: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَـٰنَ إِلاَّ قَلِيلاً } أي: لولا ما تفضل الله به عليكم من إرسال رسوله، وإنزال كتابه لاتبعتم الشيطان، فبقيتم على كفركم إلا قليلاً منكم، أو إلا اتباعاً قليلاً منكم، وقيل: المعنى: أذاعوا به إلا قليلاً منهم، فإنه لم يذع ولم يفش. قاله الكسائي، والأخفش، والفراء، وأبو عبيدة، وأبو حاتم، وابن جرير. وقيل: المعنى لعلمه الذين يستنبطونه إلا قليلاً منهم، قاله الزجاج. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفاً كَثِيراً } يقول: إن قول الله لا يختلف، وهو حق ليس فيه باطل، وإن قول الناس يختلف. وأخرج عبد بن حميد، ومسلم، وابن أبي حاتم، من طريق ابن عباس، عن عمر بن الخطاب قال: لما اعتزل النبي صلى الله عليه وسلم نساءه دخلت المسجد، فوجدت الناس ينكتون بالحصا، ويقولون: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، فقمت على باب المسجد، فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق نساءه، ونزلت هذه الآية: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مّنَ ٱلأمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِى ٱلأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يستنبطونه منهم} فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس في الآية، قال هذا في الإخبار إذا غزت سرية من المسلمين أخبر الناس عنها، فقالوا: أصاب المسلمون من عدوهم كذا وكذا، وأصاب العدوّ من المسلمين كذا وكذا، فأفشوه بينهم من غير أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو يخبرهم به. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك: {وَإِذَا جَاءهُمْ } قال: هم أهل النفاق. وأخرج ابن جرير، عن أبي معاذ مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَـٰنَ } قال: فانقطع الكلام. وقوله: {إِلاَّ قَلِيلاً } فهو في أوّل الآية يخبر عن المنافقين: قال: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مّنَ ٱلأمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ} {إِلاَّ قَلِيلاً } يعني: بالقليل المؤمنين.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرءَآنَ} أصل التدبر الدبور، لأنه النظر في عواقب الأمور. {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً} في الاختلاف ها هنا ثلاثة أقاويل: أحدها: تناقض من جهة حق وباطل، وهذا قول قتادة، وابن زيد. والثاني: من جهة بليغ ومرذول، وهو قول بعض البصريين. والثالث: يعني اختلافاً في الأخبار عما يُسِرُّونَ، وهذا قول الزجاج. قوله تعالى: {وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ} في المعني بهذا قولان: أحدهما: المنافقون، وهو قول ابن زيد والضحاك. والثاني: أنهم ضعفة المسلمين، وهو قول الحسن، والزجاج. {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ} وفيهم ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم الأمراء، وهذا قول ابن زيد، والسدي. والثاني: هم أمراء السرايا. والثالث: هم أهل العلم والفقه، وهذا قول الحسن، وقتادة، وابن جريج، وابن نجيح، والزجاج. {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ} فيهم قولان: أحدهما: أنهم أولو الأمر. والثاني: أنهم المنافقون أو ضعفة المسلمين المقصودون بأول الآية، ومعنى يستنبطونه: أي يستخرجونه، مأخوذ من استنباط الماء، ومنه سُمِّي النبط لاستنباطهم العيون. {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لآتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً} في فضل الله ها هنا ثلاثة أقاويل: أحدها: يعني النبي صلى الله عليه وسلم. والثاني: القرآن. والثالث: اللطف والتوفيق. وفي قوله تعالى: {لآتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً} أربعة أقاويل: أحدها: يعني لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً منكم فإنه لم يكن يتبع الشيطان. والثاني: لعلمه الذين يستنبطون إلا قليلاً منكم وهذا قول الحسن وقتادة. والثالث: أذاعوا به إلا قليلاً، وهذا قول ابن عباس، وابن زيد. والرابع: لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً مع الاتباع.

ابن عطية

تفسير : المعنى: هؤلاء المنافقون الطاعنون عليك الرافعون بغير برهان في صدر نبوتك، ألا يرجعون إلى النصفة، وينظرون موضع الحجة ويتدبرون كلام الله تعالى؟ فتظهر لهم براهينه، وتلوح أدلته، " والتدبر": النظر في أعقاب الأمور وتأويلات الأشياء، هذا كله يقتضيه قوله: {أفلا يتدبرون القرآن} وهذا أمر بالنظر والاستدلال، ثم عرف تعالى بمواقع الحجة، أي لو كان من كلام البشر لدخله ما في كلام البشر من القصور، ظهر فيه التناقض والتنافي الذي لا يمكن جمعه، إذ ذلك موجود في كلام البشر، والقرآن منزه عنه، إذ هو كلام المحيط بكل شيء علماً. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: فإن عرضت لأحد شبهة وظن اختلافاً في شيء من كتاب الله، فالواجب أن يتهم نظره ويسأل من هو أعلم منه، وذهب الزجّاج: إلى أن معنى الآية لوجدوا فيما نخبرك به مما يبيتون اختلافاً، أي: فإذا تخبرهم به على حد ما يقع، فذلك دليل أنه من عند الله غيب من الغيوب، هذا معنى قوله، وقد بينه ابن فورك والمهدوي. وقوله تعالى: {وإذا جاءهم أمر من الأمن} الآية، قال جمهور المفسرين: الآية في المنافقين حسبما تقدم من ذكرهم، والآية نازلة في سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعوثه، والمعنى: أن المنافقين كانوا يشرهون إلى سماع ما يسوء النبي في سراياه، فإذا طرأت لهم شبهة أمن للمسلمين أو فتح عليهم، حقروها وصغروا شأنها وأذاعوا بذلك التحقير والتصغير، وإذا طرأت لهم شبهة خوف المسلمين أو مصيبة عظموها وأذاعوا ذلك التعظيم، و {أذاعوا به} معناه: أفشوه، وهو فعل يتعدى بحرف جر وبنفسه أحياناً، تقول أذاعت كذا وأذعت به، ومنه قول أبي الأسود: [الطويل] شعر : أَذَاعُوا بِهِ في النَّاسِ حَتَّى كَأَنَّهُ بِعَلْيَاءِ نَارٍ أُوقِدَتْ بِثُقُوبِ تفسير : وقالت فرقة: الآية نازلة في المنافقين، وفي من ضعف جلده عن الإيمان من المؤمنين وقلت تجربته. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: فإما أن يكون ذلك في أمر السرايا فإنهم كانوا يسمعون أقوال المنافقين فيقولونها مع من قالها، ويذيعونها مع من أذاعها، وهم غير متثبتين في صحتها، وهذا هو الدال على قلة تجربتهم، وإما أن يكون ذلك في سائر الأمور الواقعة، كالذي قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنه جاء وقوم في المسجد يقولون طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، قال: فدخلت على عائشة فقلت: يابنة أبي بكر بلغ من أمرك أن تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: يابن الخطاب عليك بعيبتك، قال: فدخلت على حفصة فقلت: يا حفصة قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يحبك, ولولا أنا لطلقك, فجعلت تبكي, قال فخرجت حتى جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في غرفة له، ورباح مولاه جالس على أسكفة الغرفة، فقلت: يا رباح استأذن لي على رسول الله، فنظر إلى الغرفة ثم نظر إليَّ وسكت، فقلت: يا رباح استأذن لي على رسول الله فلعله يظن أني جئت من أجل حفصة، والله لو أمرني أن أضرب عنقها لضربته، فنظر ثم أشار إليَّ بيده: أن ادخل، فدخلت وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجع على حصير وقد أثر في جنبه، وإذا ليس في غرفته. وهذا التأويل جار مع قول عمر، أنا استنبطته ببحثي وسؤالي، وتحتمل الآية أن يكون المعنى لعلمه المسؤولون المستنبطون، فأخبروا بعلمهم، وقرأ أبو السمال، "لعلْمه" بسكون اللام وذلك مثل "شجْر بينهم" والضمير في {ردوه} عائد على الأمر، وفي {ومنهم} يحتمل أن يعود على {الرسول} و {أولي الأمر} ، ويحتمل أن يعود على الجماعة كلها، أي لعلمه البحثة من الناس، وقوله تعالى: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته} الآية، هذا خطاب لجميع المؤمنين باتفاق من المتأولين، والمعنى: ولولا هداية الله وإرشاده لكم بالإيمان وذلك فضل منه ورحمة - لكنتم على كفركم، وذلك هو اتباع الشيطان. وحكى الزجاج: لولا فضل الله في هذا القرآن ورسالة محمد عليه السلام، واختلف المتأولون في الاستثناء بقوله {إلا قليلاً} مم هو؟ فقال ابن عباس وابن زيد: ذلك مستثنى من قوله: "أذاعوا به إلا قليلاً" ورجحه الطبري، وقال قتادة: ذلك مستثنى من قوله: "يستنبطونه إلا قليلاً" وقالت فرقة: ذلك مستثنى من قوله: {لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً}، على سرد الكلام دون تقدير تقديم، ثم اختلفت هذه الفرقة، فقال الضحاك: إن الله هدى الكل منهم إلى الإيمان، فكان منهم من تمكن فيه حتى لم يخطر له قط خاطر شك، ولا عنت له شبهة ارتياب، فذلك هو القليل، وسائر من أسلم من العرب لم يخل من الخواطر، فلولا فضل الله بتجديد الهداية لهم لضلوا واتبعوا الشيطان إلا قبضة من شعير وقبضة من قرظ، وإذا أفيقان معلقان، فبكيت، فقال رسول الله عليه السلام: ما يبكيك يا بن الخطاب؟ فقلت يا رسول الله: أنت صفوة الله من خلقه ورسوله، وليس لك من الدنيا إلا هذا، وكسرى وقيصر في الأشجار والأنهار، فقال أهاهنا أنت يا عمر؟ أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ فقلت: لا، فقلت أتأذن لي أن أعرف الناس؟ قال: افعل إن شئت، قال: فقمت على باب المسجد، فقلت: ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يطلق نساءه، فأنزل الله في هذه القصة {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به} الآية وأنا الذي استنبطته. وقوله تعالى: {ولو ردوه إلى الرسول} الآية، المعنى: لو أمسكوا عن الخوض واستقصوا الأمور من قبل الرسول. أو {أولي الأمر} وهم الأمراء، قاله السدي وابن زيد، وقيل: أهل العلم، قاله الحسن وقتادة وغيرهما، والمعنى يقتضيهما معاً {لعلمه} طلابه من {أولي الأمر} والبحثة عنه وهم مستنبطوه، كما يستنبط الماء وهو النبط أي الماء المستخرج من الأرض. ومنه قول الشاعر: شعر : قريبٌ ثراه ما ينال عدوُّه له نَبَطاً آبي الهوان قطوبُ تفسير : يعني بالنبط الماء المستنبط. وقوله تعالى: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً}. هذا خطاب للمؤمنين باتفاق من المتأولين. والمعنى: لولا هداية الله لكم وإرشاده لبقيتم على كفركم، وهو اتباع الشيطان. وقال الضحاك: هدى الكل منهم للإيمان فمنهم من تمكن فيه حتى لم يخطر له قط خاطر شك ولا عنت له شبهة ارتياب، وذلك هو القليل؛ وسائر من أسلم من العرب لم يخل من الخواطر، فلولا فضل الله بتجريد الهداية لهم لضلّوا واتبعوا الشيطان. قال القاضي أبو محمد: هذا معنى قول الضحاك، ويجيء الفضل معيناً، أي رسالة محمد والقرآن، لأن الكل إنما هُدي بفضل الله على الإطلاق، وقال قوم: المخاطب بقوله {اتبعتم} جميع المؤمنين، وقوله: {إلا قليلاً} إشارة إلى من كان قبل الإسلام غير متبع للشيطان على ملة إبراهيم، كورقة بن نوفل، وزيد بن عمرو بن نفيل، وغيرهما، وقال قوم: الاستثناء إنما هو من الإتباع، أي {لاتبعتم الشيطان} كلكم {إلا قليلاً} من الأمور كنتم لا تتبعونه فيها، وقال قوم: قوله: {إلا قليلاً} عبارة عن العدم، يريدون لاتبعتم الشيطان كلكم، وهذا الأخير قول قلق، وليس يشبه ما حكى سيبويه من قولهم: أرض قل ما تنب كذا، بمعنى لا تنبته لأن اقتران القلة بالاستثناء يقتضي حصولها، ولكن قد ذكره الطبري.

ابن عبد السلام

تفسير : {يَتَدَبَّرُونَ} من الدبور لأنه النظر في عواقب الأمور. {اخْتِلافًا} تناقضاً من جهة حق وباطل، أو من جهة بليغ ومرذول. أو اختلافاً في تخبر الأخبار عما يسرون.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {أفلا يتدبرون القرآن} أصل التدبر النظر في عواقب الأمور والتفكر في أدبارها ثم استعمل في كل تفكر وتأمل. ويقال تدبرت الشيء أي نظرت في عاقبته ومعنى تدبر القرآن تأمل معانيه وتفكر في حكمه وتبصر ما فيه من الآيات. قال ابن عباس: أفلا يتدبرون القرآن فيتفكرون فيه فيرون تصديق بعضه لبعض وما فيه من المواعظ والذكر والأمر والنهي وأن أحداً من الخلق لا يقدر عليه قال العلماء إن الله تعالى احتج بالقرآن والتدبر فيه على صحة نبوة محمد لله والحجة في ذلك من ثلاثة أوجه أحدها فصاحته التي عجز الخلائق عن الإتيان بمثلها في أسلوبه. الثاني إخباره عن الغيوب وهو ما يطلع الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم على أحوال المنافقين وما يخفونه من مكرهم وكيدهم فيفضحهم بذلك وغير ذلك من الأخبار عن أحوال الأولين وأخبارهم وما يأتي في المستقبل من أمور الغيب التي لا يعلمها إلا الله تعالى. الثالث سلامته من الاختلاف والتناقض وهو المراد بقوله تعالى: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً} قال ابن عباس يعني تفاوتاً وتناقضاً وفي رواية عنه لو كان من عند مخلوق لكان فيه كذب واختلاف وقيل معناه لوجدوا في إخباره عن الغيب بما يكون وبما قد كان اختلافاً كثيراً لأن الغيب لا يعلمه إلا الله تعالى. وإذا كان كذلك ثبت أنه من عند الله وأنه ليس فيه اختلاف ولا تناقض وقيل لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً من حيث البلاغة والفصاحة والمعنى لو كان من عند مخلوق لكان على قياس الكلام المخلوق بعضه فصيح بليغ حسن وبعضه مردود ركيك فاسد فلما كان القرآن جميعه على منهاج واحد في الفصاحة والبلاغة ثبت أنه من عند الله والمعنى أفلا يتفكرون في القرآن فيعرفوا بعدم التناقض فيه وصدق ما يخبر به عن الغيوب أنه كلام الله عزّ وجلّ وأن ما يكون من عند الله لا يخلو عن تناقض واختلاف فلما كان القرآن ليس فيه تناقض واختلاف علم أنه من عند قادر على ما لا يقدر غيره عالم بما لا يعلمه سواه. قوله تعالى: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به} وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث البعوث والسرايا فإذا غلبوا أو غلبوا بادر المنافقون يستخبرون عن حالهم ثم يشيعونه ويتحدثون به قبل أن يحدث به رسول الله صلى الله عليه وسلم فيضعفون به قلوب المؤمنين فأنزل الله تعالى هذه الآية: {وإذا جاءهم} يعني المنافقين أمر من الأمن يعني جاءهم خبر بفتح وغنيمة أو الخوف يعني القتل والهزيمة أذاعوا به أي أفشوا ذلك الخبر وأشاعوه بين الناس يقال أذاع السر وأذاع به إذا أشاعه وأظهره قال الشاعر: شعر : أذاع به في الناس حتى كأنه بعلياء نار أوقدت بثقوب تفسير : {ولو ردوه} يعني الأمر الذي تحدثوا به {إلى الرسول} يعني أنهم لم يتحدثوا به حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يتحدث به ويظهره {وإلى أولي الأمر منهم} يعني ذوي العقول والرأي والبصيرة بالأمور منهم وهم كبار الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وقيل هم أمراء السرايا والبعوث وإنما قال منهم على حسب الظاهر ولأن المنافقين كانوا يظهرون الإيمان فلذا قال وإلى أولي الأمر منهم {لعلمه الذين يستنبطونه منهم} أي يستخرجون تدبيره بذكائهم وفطنتهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب وما ينبغي لها ومكايدها وهم العلماء الذين علموا ما ينبغي أن يكتم من الأمور وما ينبغي ان يذاع منها والنبط الماء الذي يخرج من البئر أول ما تحفر واستنباطه استخراجه فاستعير لما يخرجه الرجل بفضل ذكائه وصفاء ذهنه وفطنته من المعاني والتدبير فيما يعضل ويهم. ويقال استنبط الفقيه المسألة إذا استخرجها باجتهاده وفهمه وفي الآية دليل على جواز القياس وأن من العلم ما يدرك بالنص وهو الكتاب والسنة ومنه ما يدرك بالاستنباط وهو القياس عليهما ومعنى الآية ولو أن هؤلاء المنافقين والمذيعين ردوا الأمر من الأمن والخوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أولي الأمر وطلبوا معرفة الحال فيه من جهتهم لعلموا حقيقة ذلك منهم وإنهم أولى بالبحث عنه فإنهم أعلم بما ينبغي أن يشاع أو يكتم. قوله تعالى: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته} يعني ولولا فضل الله عليكم ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم وإنزال القرآن ورحمته بالتوفيق والهداية {لاتبعتم الشيطان} يعني لبقيتم على الكفر والضلالة {إلا قليلاً} اختلف العلماء في هذا الاستثناء وإلى ماذا يرجع فقيل هو راجع إلى الإذاعة وهو قول ابن عباس والتقدير وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به إلا قليلاً فأخرج بعض المنافقين والمؤمنين عن هذه الإذاعة لأنهم لم يذيعوا ما علموا من أمر السرايا. وهذا القول اختيار الفراء وابن جرير الطبري وقيل هو راجع إلى المستنبطين وهو قول الحسن وقتادة واختاره ابن قتيبه وتقديره لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا قليلاً فعلى هذين القولين في الآية تقديم وتأخير وقيل إنه راجع إلى اتباع الشيطان وهو قول الضحاك. واختاره الزجاج ومعلوم أن صرف الاستثناء إلى ما يليه ويتصل به أولى من صرفه إلى الشيء البعيد وتقديره ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً منكم وهم قوم آمنوا واهتدوا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وإنزال القرآن مثل زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وقس بن ساعدة الأيادي.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {ومن أصدق} وكل صاد ساكنة بعدها دال بإشمام الصاد الزاي: علي ورويس وحمزة غير العجلي. {حصرت صدورهم} وبابه مدغماً: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وابن عامر. وقرأ سهل ويعقوب والمفضل {حصرة صدورهم} بالنصب والتنوين. الوقوف: {القرآن} ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط. {كثيراً} ه {أذاعوا به} ط {منهم} ط {قليلاً} ه {في سبيل الله} ج ط لأن قوله: {لا تكلف} يحتمل الاستئناف والحال أي قاتل غير مكلف. {إلاّ نفسك} ط لعطف قوله: {وحرض} على قوله: {فقاتل}. {المؤمنين} ج لأنّ {عسى} مستأنف لفظاً ومتصل معنى لأنه لترجية نجح ما أمر به. {كفروا} ط {تنكيلاً} ه {نصيب منها} ط لابتداء شرط آخر مع واو العطف. {كفل منها} ط {مقيتاً} ه {ردوها} ط {حسيباً} ه {إلا هو} ط {لا ريب فيه} ط {حديثاً} ه {بما كسبوا} ط {من أضلّ الله} ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط. {سبيلاً} ه {في سبيل الله} ط {وجدتموهم} ص {نصيراً} ه ط {أو يقاتلوا قومهم} ط {فلقاتلوكم} ط {السلم} لا لأن ما بعده جواب "فإن". {سبيلاً} ه {قومهم} ط {أركسوا فيها} ج {ثقفتموهم} ط {مبيناً} ه. التفسير: لما حكي عن المنافقين ما حكى وكان السبب فيه اعتقادهم أنه صلى الله عليه وسلم غير محق في ادعاء الرسالة، أمرهم بالتفكر والتدبر وهو النظر في عواقب الأمور وأدبارها، ومنه قول أكثم: لا تدبروا أعجاز أمور قد ولت صدورها. ويقال في فصيح الكلام: لو استقبلت من أمري ما استبدرت. أي لو عرفت في صدره ما عرفت من عاقبته. وظاهر الآية يدل على أنه احتج بالقرآن على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وإلا انقطع النظم. ودلالة القرآن على صدق النبي من ثلاثة أوجه: الفصاحة والاشتمال على الغيوب والسلامة من الاختلاف وهو المقصود من الآية. واختلف المفسرون في المراد من سلامته من الاختلاف. فقال أبو بكر الأصم: معناه / أن المنافقين كانوا يتواطئون في السر على أنواع كثيرة من المكايد، والرسول كان يخبرهم عنها حالاً فحالاً. فقيل لهم: إن ذلك لو لم يحصل بإخبار الله تعالى لم يطرد صدقه ولظهر أنواع الاختلاف والتفاوت. وقال أكثر المتكلمين: المراد تجاوب معانيه وتلاؤم مقاصده مع أنه مشتمل على علوم كثيرة وفنون غزيرة، ولو كان من عند غير الله لم يخل من تناقض واضطراب. والذي تظن به التناقض كقوله: {أية : لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان} تفسير : [الرحمن: 39] مع قوله: {أية : لنسألنهم أجمعين} تفسير : [الحجر:92] أو كقوله: {أية : فإذا هي ثعبان مبين} تفسير : [الشعراء:32] مع قوله: {أية : كأنها جان} تفسير : [القصص:31] ليس بذاك عند التدبر وملاحظة شروط التناقض من اتحاد الزمان والمكان وغيرهما وقال أبو مسلم: المراد صحة نظمه وكون كله بل كل جزء من أجزائه وأبعاضه بالغاً حد الإعجاز. ومن المعلوم أن الإنسان وإن كان في غاية البلاغة ونهاية الفصاحة إذا كتب كتاباً طويلاً مشتملاً على المعاني الكثيرة فلا بد أن يظهر التفاوت في كلامه بحيث يكون بعضه قوياً متيناً وبعضه سخيفاً نازلاً، ولما لم يكن القرآن كذلك علمنا أنه معجز من عند الله تعالى. وفي الآية دلالة على وجوب النظر والاستدلال أعني التدبر فيما إليه سبيل. وقال الجبائي: فيها دلالة على أن أفعال العباد غير مخلوقة لله لأن فعل العبد لا ينفك عن التفاوت والاختلاف. والجواب أنه لا يلزم من كون كلامه غير متفاوت ولا مختلف أن لا تكون أفعاله مختلفة بحسب اختلاف المظاهر والقوابل. سلمنا لكن اختلافه وهو كونه غير مطابق للأغراض والمقاصد الإنسانية قد يكون بحسب نظرنا لا بحسب الأمر نفسه. ثم حكى عن المنافقين - وقيل عن ضعفة المسلمين - أنه إذا جاءهم الخبر بأمر من الأمور سواء كان ذلك الأمر من باب الأمن أو من باب الخوف أذاعوا به وأفشوه. يقال: أذاع السر وأذاع به لغتان. ويجوز أن يكون معنى أذاع به فعل به الإذاعة وهو أبلغ. ولا يخفى ما في ذلك الإفشاء من الضرر من جهة أن الإرجاف لا ينفك عن الكذب، ومن جهة أن تلك الزيادات إن كانت في جانب الأمن ولم تقع أورثت شبهة لضعفة المسلمين في صدق الرسول، لأن المنافقين كانوا يروونها عن الرسول، وإن كانت في جانب الخوف حصل اضطراب في الضعفة ووقعوا في الحيرة، وأيضاً البحث عن الإرجاف موجب ظهور الأسرار وذلك لا يوافق مصلحة المدينة فربما وصل الخبر إلى الكفار فاستعدوا للقتال أو تحصنوا. وفي معنى الآية أقوال: الأول: ولو ردوا ذلك الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أولي الأمر - وهم كبار الصحابة البصراء بالأمور أو الذين كانوا يؤمرون منهم - {لعلمه} لعلم تدبير ما أخبروا به {الذين يستنبطونه} الذين يستخرجون تدبيره بفطنهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ومكايدها، وأصل الاستنباط إخراج النبط وهو الماء يخرج من / البئر أول ما تحفر فاستعير لاستخراج المعاني. والتدبير الثاني: كانوا يقفون من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولي الأمر على أمن ووثوق بالظهور على بعض الأعداء، أو على خوف واستشعار فيذيعونه فتعود إذاعتهم مفسدة. فقيل لهم: لو فوضوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر وكانوا كأن لم يسمعوا العلم الذي يستنبطون تدبيره كيف يدبرونه وما يأتون ويذرون فيه. الثالث: كانوا يسمعون من أفواه بعض المنافقين شيئاً من خبر السرايا غير معلوم الصحة فيذيعونه فقيل لهم: لو سكتوا حتى سمعوه من الرسول وأولي الأمر لعلمه صحته وهل هو مما يذاع أو لا يذاع فالمستنبطون هم المذيعون. ومعنى يستنبطونه منهم يتلقونه من الرسول وأولي الأمر ويستخرجون علمه من جهنم. قالت العلماء: في الآية دلالة على أن القياس حجة لأنهم أمروا أن يرجعوا في معرفة الوقائع إلى أولي الأمر من المستنبطين. فرواية النص لا تكون استنباطاً فهو إذن رد واقعة إلى نظيرها وهو القياس. واعترض بأنا لا نسلم أن المستنبطين هم العلماء وأولو الآراء بل هم المذيعون كما في القول الثالث. سلمنا لكن الآية نزلت في الحروب، ولا يلزم من جواز الاستنباط في الوقائع المتعلقة بها جواز الاستنباط في الوقائع الشرعية. فإن قيس أحد البابين على الآخر كان إثباتاً للقياس الشرعي بالقياس الشرعي. سلمنا لكن لم لا يجوز أن يكون المراد استخراج الأحكام الشرعية من النصوص الخفية أو من تركيبات النصوص أو بالبراءة الأصلية أو بحكم العقل كما يقول الأكثرون إن الأصل في المنافع الإباحة وفي المضار الحرمة وكل هذه الأمور ليست من القياس الشرعي في شيء؟ سلنما أن القياس الشرعي داخل في الآية. لكن بشرط كونه مفيداً "للعلم" بدليل قوله {لعلمه الذين يستنبطونه} ولا نزاع في مثله إنما النزاع في أن القياس المفيد للظن هل هو حجة أن لا. وأجيب بأن صرف المستنبطين إلى المذيعين ليس بالقوي إذ لو كان المراد ذلك لكان الأليق بنظم الكلام أن يقال: ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر لعلموه من غير إقامة المظهر مقام المضمر. وعن الثاني بأن الأمن او الخوف عام في كل ما يتعلق بباب التكليف. ولئن سلم أنه مخصوص بأمور الحرب فإذا عرف أحكام الحروب بالقياس الشرعي لزم جواز التمسك به في سائر الوقائع إذ لا قائل بالفرق. ألا ترى أن من قال القياس حجة في باب البيع لا في باب النكاح لم يلتفت إليه؟ وعن الثالث أن شيئاً من ذلك لا يسمى استنباطاً. وعن الرابع أن العلم قد يراد به الظن الغالب. سلمنا لكن القياس الشرعي عندنا يفيد العلم لأنه مهما غلب على الظن أن حكم الله في الأصل معلل بكذا ثم غلب على الظن أن ذلك المعنى قائم في الفرع، حصل ظن أن حكم الله في الفرع مساوٍ لحكمه في الصل، وعند هذا الظن نقطع بأنه مكلف بأن يعمل على وفق هذا الظن وهذا معنى قولهم: "الظن واقع في طريق الحكم" والحكم مقطوع به كأنه تعالى قال: مهما / غلب على ظنك كذا في الواقعة الفلانية فاعلم قطعاً أن حكمي فيها كذا. أما قوله {لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً} فظاهره يقتضي إشكالاً وهو أن قليلاً من الناس لا يحتاج في عدم اتباع الشيطان إلى فضل الله ورحمته، لكن الاحتياج بالنسبة إلى كل واحد من الناس ثابت بالاتفاق فهذا تناقض. فذكر المفسرون في إزالة التناقض وجوهاً الأول: أن الاستثناء راجع إلى قوله: {أذاعوا به} كأنه تعالى أخرج بعض المنافقين من هذه الإذاعة كما أخرجهم في قوله: {بيت طائفة} الثاني: أنه عائد إلى قوله: {لعلمه} يعني لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلاّ قليلاً. قال الفراء والمبرد: القول الأول أولى لأن ما يعلم بالاستنباط فالأقل يعلمه والأكثر يجهله. وصرف الاستثناء إلى ما ذكروه يقتضي ضد ذلك، قال الزجاج: هذا غلط لأنه لا يراد بهذا الاستنباط ما يستخرج بنظر دقيق وفكر غامض إنما هو استنباط خبر، وإذا كان كذلك فالأكثرون يعرفونه إلاّ البالغ في البلادة. والإنصاف أن الاستنباط لو حمل على مجرد تفرق الأخبار والأراجيف فكلام الزجاج الصحيح وإن كان محمولاً على استخراج الأحكام الشرعية كما مر فالحق ما ذكره الفراء والمبرد. الثالث: أن الاستثناء مصروف إلى ما يليه كما هو حق النسق لأن الفضل والرحمة مفسران بشيء خاص وفيه وجهان: أحدهما قول جماعة من المفسرين أن المراد إنزال القرآن وبعثة محمد والتقدير: لولا بعثة محمد وإنزال القرآن لاتبعتم الشيطان ولكفرتم بالله إلاّ القليل منكم فإن ذلك القليل بتقدير عدم بعثة محمد ما كان يكفر بالله وهم مثل قس بن ساعدة وورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل، كانوا مؤمنين بالله قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم. وثانيهما قول أبي مسلم أن المراد بالفضل والرحمة ههنا نصرته تعالى ومعونته اللذان تمناهما المنافقون بقولهم: {أية : فأفوز فوزاً عظيماً} تفسير : [النساء: 73] والتقدير: لولا حصول النصر والظفر على سبيل التتابع لتركتم الدين إلاّ القليل منكم وهم أهل البصائر والعزائم، ومن أفاضل المؤمنين الذين يعلمون أنه ليس من شرط كونه حقاً حصول الدولة في الدنيا، فلا تواتر الفتح والظفر يدل على كونه حقاً، ولا انقطاع النصر والغلبة يدل على كونه باطلاً، بل الأمر في كونه حقاً وباطلاً مبني على الدليل وهذا أحسن الوجوه. قوله: {فقاتل} قيل: إنه جواب لقوله: {أية : ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل} تفسير : [النساء:74] كأنه تعالى قال: إن أردت الفوز فقاتل. وقيل: إنه متصل بمعنى ما ذكر من قصص المنافقين كذا وكذا فلا تعتد بهم ولا تلتفت إليهم بل قاتل فإنك لا تؤاخذ إلاّ بفعلك، فإذا أديت فرضك لم تكلف فرض غيرك، ويعلم من قوله: {وحرض المؤمنين} أن الواجب على الرسول إنما هو الجهاد وتحريض الناس على الجهاد أي الحث والإحماء عليه، فإذا أتى بالأمرين فقد خرج عن عهدة التكليف وليس عليه من كون غيره تاركاً شيء. واعلم أن الجهاد في حق غير الرسول من فروض الكفايات، فما لم يغلب على الظن أنه مفيد لم يجب / بخلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه على ثقة من النصر والظفر بدليل قوله: {أية : والله يعصمك من الناس} تفسير : [المائدة:67] وبدليل قوله ههنا: {عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا} وعسى من الله جزم لأن الرجاء عليه محال فهو إطماع وإطماع الكريم إيجاب فلزمه الجهاد وإن كان وحده فلا جرم أنه صلى الله عليه وسلم قال في بدر الصغرى: "حديث : لأخرجن وحدي" تفسير : فخرج وتبعه سبعون راكباً، ولو لم يتبعه أحد لخرج وحده، ثم إنه تعالى كف بأس المشركين وألقى الرعب في قلوب أبي سفيان وأصحابه حتى ندموا وترك الحرب في تلك السنة. وفي الآية دليل على أنه صلى الله عليه وسلم كان أشجع الخلق لأنه تعالى لم يأمره بالقتال وحده إلاّ أنه كذلك. وقيل: اقتدى به أبو بكر حيث حاول الخروج وحده إلى قتال مانعي الزكاة ومن عرف أن الأمر كله بيد الله وأنه لا يحدث شيء إلاّ بقضاء الله سهل عليه الفوت وكان بمعزل عن تقية الموت. {والله أشد بأساً} من قريش {وأشد تنكيلاً} تعذيباً لأن عذاب الله دائم وعذاب غيره غير دائم، وعذاب غير الله يخلصه الله عنه وعذاب الله لا يقدر أحد على تخليصه منه، وعذاب غير الله يكون من وجه واحد وعذاب الله يصل إلى جميع الأبعاض والأجزاء ويشمل الروح والجسم فهذا طرف من الفرق والله أعلم بكنه عذابه ونعوذ بالله من عقابه. قوله سبحانه: {من يشفع شفاعة حسنة} وجه نظمه يعرف من تفسيره وذلك أنه قيل: المراد منه تحريض النبي صلى الله عليه وسلم إياهم على الجهاد، لأنه إذا كان يأمرهم بالغزو فقد جعل نفسه شفيعاً لهم في تحصيل الأغراض المتعلقة بالجهاد. وأيضاً التحريض وهو الحث على سبيل الرفق والتلطف والتهديد جار مجرى الشفاعة. وقيل: كان بعض المنافقين يشفع لمنافق آخر في أن يأذن له الرسول في التخلف عن الجهاد، وكان بعض المؤمنين يشفع لمؤمن آخر عند مؤمن ثالث أن يحصل له عدّة الجهاد فنزلت. ونقل الواحدي عن ابن عباس أن الشفاعة الحسنة ههنا هي ان يشفع إيمانه بالله بقتال الكفار، والشفاعة السيئة أن يشفع كفره بالله بمحبة الكفار وترك إيذائهم. وقال مقاتل: الشفاعة إلى الله إنما هي دعوة الله المسلم لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: " حديث : من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له وقال له الملك ولك مثل ذلك "تفسير : فذلك النصيب والدعوة على المسلم بضد ذلك. وقال الحسن ومجاهد والكلبي وابن زيد: هي مطلق الشفاعة والحسنة منها هي التي بها روعي حق مسلم ودفع بها عنه شر أو جلب إليه خير وابتغى بها وجه الله ولم يؤخذ عليها رشوة كانت في أمر حائز لا في حد من حدود الله ولا في إبطال حق من الحقوق، والسيئة ما كان بخلاف ذلك، وعلى هذا فوجه النظم أن التحريض على الجهاد بعث على الفعل الحسن وأنه نوع شفاعة كما مر في القول / الأول. وعن مسروق أنه شفع شفاعة فأهدى إليه المشفوع له جارية فغضب وردها وقال: لو علمت ما في قلبك لما تكلمت في حاجتك ولا أتكلم فيما بقي منها. قال أهل اللغة: الكفل أيضاً النصيب فهل لاختلاف اللفظين فائدة؟ فأجيب بأن الكفل اسم للنصيب الذي يكون عليه اعتماد الإنسان ومنه يقال "كفل البعير واكتفله" إذا أدار حول سنامه كساء وركب. والكفيل الضامن لأن الغريم اعتمد عليه. والتقدير من يشفع شفاعة سيئة يكن له منها نصيب يعتمد عليه ويكون له ذخيرة في معاشه ومعاده والغرض التهكم وحصول ضد ذلك مثل: {أية : فبشرهم بعذاب أليم} تفسير : [آل عمران:21] {وكان الله على كل شيء مقيتاً} أي مقتدراً وحفيظاً. واشتقاقه من القوت لأنه يمسك النفس ويحفظها. والغرض أنه قادر على كل المقدورات حفيظ لجميع المعلومات فيجازي كل شافع بما يليق بحاله، ثم لما أمر المؤمنين بالجهاد أمرهم أيضاً بأن الأعداء لو رضوا بالمسالمة أو ألقوا في المبارزة بالسلم فقابلوهم بالإكرام وأيضاً السلام دعاء بالسلامة والدعاء نوع من الشفاعة والتحية تفعلة من الحياة ويجيء الناقص من باب التفعيل على "تفعلة" مثل: تسلية وتعزية. لكنه أدغم ههنا لاجتماع المثلين. وكانت العرب تقول عند التلاقي حياك الله. دعاء له بالحياة فأبدل الله ذلك بالسلام، ولعمري إن هذا أحسن لأن الحياة إن لم تكن مقرونة بالسلامة لم يعتد بها بل لعل الموت خير منها، ولأن السلام اسم من اسماء الله تعالى فالابتداء به أولى، ولأن دفع الضرر أهم من جلب النفع وقد سلم الله عليك يا مؤمن في اثني عشر موضعاً في الأزل ولهذا سمى نفسه بالسلام، وعلى لسان نوح: {أية : يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك} تفسير : [هود:48] والمراد أمة محمد صلى الله عليه وسلم عليك على لسان جبريل: {أية : تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام} تفسير : [القدر:4ـ5] قال المفسرون إنه خاف على أمته أن يصيروا مثل أمة موسى وعيسى فقال الله تعالى: لا تهتم بذلك فإني وإن أخرجتك من الدنيا إلاّ إني جعلت جبرائيل خليفة لك ينزل إلى أمتك كل ليلة قدر ويبلغهم السلام مني. وسلم عليك على لسان موسى: {أية : والسلام على من اتبع الهدى} تفسير : [طه:47] وسلم عليك على لسان محمد صلى الله عليه وسلم: {أية : قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى} تفسير : [النمل:59] وأمر محمداً صلى الله عليه وسلم بالسلام عليك: {أية : وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم}تفسير : [الأنعام:54] وأمر المؤمنين بالسلام: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها} وسلم عليك على لسان ملك الموت: {أية : الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم} تفسير : [النحل: 32] قيل: إن ملك الموت يسلم في أذن المسلم: السلام يقرئك السلام ويقول: أجبني فإني مشتاق إليك واشتاقت الجنات والحور العين إليك، فإذا سمع المؤمن البشارة يقول لملك الموت: لا هدية أعز من روحي فاقبض روحي هدية لك. وسلم عليك من الأرواح الطاهرة: {أية : وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين}تفسير : [الواقعة:90ـ91] وسلم عليك على لسان خزنة الجنة: {أية : وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين} تفسير : [الزمر:73] وسلم عليك على لسان الملائكة في الجنة: {أية : والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم} تفسير : [الرعد:23ـ24] وسلم عليك على لسان أهل الجنة: {أية : تحيتهم يوم يلقونه سلام} تفسير : [الأحزاب:44] وسلم عليك إلى الأبد: {أية : سلام قولاً من رب رحيم} تفسير : [يس:58] ولما أراد إكرام يحيى عليه السلام وعده بالسلام في مواطن ثلاثة هي أشد الأوقات حاجة إلى السلام فقال: {أية : وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حياً} تفسير : [مريم:15] ولما ذكر تعظيم محمد صلى الله عليه وسلم قال: {أية : إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً} تفسير : {الأحزاب:56] وعن عبد الله بن سلام قال: لما سمعت بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم دخلت في غمار الناس فأول ما سمعت عنه: "حديث : يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلّوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام "تفسير : وكانت تحية النصارى وضع اليد على الفم، وتحية اليهود الإشارة بالأصابع، وتحية المجوس الانحناء، وتحية الجاهلية "حياك الله"، وتحيتهم للملوك "أنعم صباحاً" فشتان ما بين تحياتهم وتحيتنا "السلام عليك ورحمة الله وبركاته" وفي هذا دليل على أن هذا الدين أشرف الأديان وأكملها. ومما يدل على فضيلة السلام عقلاً أن الوعد بالنفع قد يقدر الإنسان على الوفاء به وقد لا يقدر، وأما الوعد بترك الضرر فإنه يقدر عليه لا محالة والسلام يدل عليه فهو أفضل أنواع التحية. قال بعض العلماء: فمن دخل بيتاً وجب عليه أن يسلم على الحاضرين لقوله تعالى: {أية : فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم} تفسير : [النور:61] وقال صلى الله عليه وسلم: "أفشوا السلام" والأمر للوجوب، ولأن السلام بشارة بالسلامة وإزالة الضرر وهو واجب لقوله: " حديث : المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" تفسير : ولأنه من شعائر الإسلام وإظهار شعائر الإسلام واجب. وعن ابن عباس والنخعي وأكثر العلماء أن السلام سنة. وأما الجواب فواجب بالإجماع لأن ترك الجواب إهانة والإهانة ضرر والضرر حرام ولقوله تعالى: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها} وظاهر الأمر الوجوب وعن ابن عباس: ما من / رجل يمر على قوم مسلمين فيسلم عليهم ولا يردون عليه إلاّ نزع عنهم روح القدس وردت عليه الملائكة. قال العلماء: الأحسن أن يزيد في جواب السلام والرحمة، وإن ذكر في الابتداء السلام والرحمة زاد في جوابه البركة، وإن ذكر المجموع أعادها فقط فإن منتهى الأمر في السلام أن يقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. لأن هذا القدر هو الوارد في التشهد. وروي حديث : أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: السلام عليك يا رسول الله. فقال: وعليك السلام ورحمة الله، وقال آخر: السلام عليك ورحمة الله. فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. وجاء ثالث وقال السلام عليك ورحمة الله وبركاته. فقال: وعليك فقال: نقصتني فأين قول الله: {فحيوا بأحسن منها} فقال: إنك لم تترك لي فضلاً فرددت عليك مثله . تفسير : فقوله تعالى: {أو ردوها} أي أجيبوها بمثلها، ورد السلام كرّه ورجعة إما إشارة إلى هذه الصورة وإما إلى التخيير بين الزيادة وتركها، ورد الجواب فرض على الكفاية إذا قام به بعض سقط عن الباقين. والأولى أن يقوم به الكل إكثاراً للإكرام، والأحسن أن يدخل حرف العطف فيقول: وعليكم السلام. وهو واجب على الفور بقدر ما يعهد بين الإيجاب والقبول في العقود فإن أخر عن ذلك كان ابتداء سلام لا جواباً وإذا ورد عليه سلام في كتاب فجوابه بالكتابة أيضاً واجب لقوله: {وإذا حييتم بتحية فحيوا} ومن قال لآخر أقرىء فلاناً عني السلام وجب عليه أن يفعل. قال العلماء: المبتدىء يقول السلام عليكم والمجيب يقول: وعليكم السلام ليقع الابتداء والاختتام بذكر الله. فإن خالف المبتدىء فليكن الاختتام بحاله. ويجوز "سلام عليكم" بل قالوا إنه أولى من المعرف لأن المنكر في القرآن أكثر، وإن المنكر ورد من الله والملائكة والمؤمنين، والمعرف ورد في تسليم الإنسان على نفسه، قال موسى: {أية : والسلام على من اتبع الهدى} تفسير : [طه:47] وقال عيسى: {أية : والسلام عليّ يوم ولدت} تفسير : [مريم:33] وأيضاً المعرف يدل على أصل الماهية والمنكر على الماهية مع وصف الكمال. ومن السنة أن يسلم الراكب لزيادة هيبته على الماشي، وراكب الفرس على راكب الحمار، والصغير على الكبير، والأقل على الأكثر احتراماً للجماعة، والقائم على القاعد لأنه الواصل إليه لأن القائم أهيب ومن السنة الجهر بالسلام لأنه أقوى في إدخال السرور في القلب. ومنها الابتداء به إظهاراً للتواضع، ومنها الإفشاء والتعميم لأن التخصيص إيحاش، والمصافحة عند السلام عادة النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا تصافح المسلمان تحاتت ذنوبهما كما يتحات ورق الشجر "تفسير : ومن استقبله رجل واحد فليقل: سلام عليكم وليقصد الرجل والملكين لأنه إذا سلم عليهما ردا السلام عليه، ومن سلم الملك عليه فقد سلم من عذاب / الله، ومن دخل بيتاً خالياً فليسلم ويكون كأنه سلام من الله على نفسه، أو سلام على من فيه من مؤمني الجن، أو طلب السلامة ببركة اسم السلام ممن في البيت من الشياطين والمؤذيات. ولو قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين كان حسناً، ومن السنة أن يكون المبتدىء بالسلام على الطهارة وكذا المجيب. روي أن واحداً سلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في قضاء الحاجة فقام وتيمم ثم رد الجواب. وإذا دخل يوم الجمعة والإمام يخطب فلا ينبغي أن يسلم لاشتغال الناس بالاستماع، فإن سلم ورد بعضهم فلا بأس، ولو اقتصروا على الإشارة كان أحسن. ومن دخل الحمام فرأى الناس متزرين سلم عليهم فإن لم يكونوا مترزين لم يسلم عليهم. والأولى ترك السلام على القارىء كيلا يقطع عليه باشتغاله بالجواب، وكذا القول فيمن كان مشتغلاً برواية الحديث ومذاكرة العلم أو بالأذان أو الإقامة. ولا يسلم على المشغول بالأكل هكذا أطلق وحمله بعضهم على ما إذا كانت اللقمة في فيه. ولا يسلم على قاضي الحاجة قال أبو يوسف: ولا على لاعب النرد ولا على المغني ومطير الحمام وكل من كان مشتغلاً بنوع معصية، ولا مانع من السلام على من هو في مساومة أو معاملة. وإذا دخل الرجل بيته سلم على امرأته فإن حضرت أجنبية هناك لم يسلم عليها، وإذا سلمت الأجنبية عليه وكان يخاف في رد الجواب عليها تهمة أو فتنة لم يجب الرد بل الأولى أن لا يفعل. وحيث قلنا لا يسلم فلو سلم لم يجب عليها الرد لأنه أتى بفعل منهي عنه فكان وجوده كعدمه. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : لا يبتدأ اليهودي بالسلام " تفسير : وعن أبي حنيفة أنه قال: لا تبتدئه بسلام في كتاب ولا في غيره. وعن أبي يوسف: لا تسلم عليهم ولا تصافحهم وإذا دخلت فقل: السام على من اتبع الهدى. ولا بأس في الدعاء له بما يصلحه في دنياه، ورخص بعض العلماء في ابتداء السلام عليهم إذا دعت إلى ذلك حاجة، أما إذا سلموا علينا فقال أكثر العلماء ينبغي أن نقول: وعليك لما روي أن اليهود تقول للمسلمين: السلام عليكم، وعن الحسن: يجوز أن يقول للكافر وعليك السلام ولا يقل: ورحمة الله. لأنها استغفار. وعن الشعبي أنه قال لنصراني سلم عليه عليك السلام ورحمة الله فقيل له في ذلك؟ فقال: أليس في رحمة الله يعيش؟ واعلم أن مذهب أبي حنيفة أن من وهب لغير ذي رحم محرم فله الرجوع فيها ما لم يثب منها، فإذا أثيب منها فلا رجوع له فيها. وقال الشافعي: له الرجوع في حق الولد وليس له الرجوع في حق الأجنبي. واحتج لأبي حنيفة بالآية وذلك أن التحية تشمل جميع أنواع الإكرام فتشمل الهبة ومقتضاها وجوب / الرد إذا لم يصر مقابلاً بالأحسن، فإذا لم يثبت الوجوب فلا أقل من الجواز، وقال الشافعي: هذا الأمر محمول على الندب بدليل أنه لو أثيب بما هو أقل منه سقطت مكنة الرد بالإجماع مع أن ظاهر الآية يقتضي أن يثاب بالأحسن. ثم احتج الشافعي على قوله بما روي عن ابن عباس وابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلاّ الوالد فيما يعطي ولده " تفسير : {إن الله كان على كل شيء حسيباً} فيحاسبكم على محافظة حقوق التحية وغيرها، فكونوا على حذر من مخالفته. ثم أكد الوعيد بقوله: {الله لا إله إلاّ هو ليجمعنكم} فالأول توحيد والثاني عدل كأنه تعالى يقول: من سلم عليكم وحياكم فاقبلوا سلامة وأكرموه وعاملوه بناء على الظاهر فإن البواطن إنما يعرفها الله الذي لا اله إلاّ هو، وإنما تنكشف بواطن الخلق للخلق في يوم القيامة الذي يجمع فيه الأولون والآخرون للجزاء والحساب. وقوله: {لا إله إلاّ هو} إما خبر المبتدأ وإما اعتراض والخبر: {ليجمعنكم} والتقدير الله والله ليجمعنكم إلى يوم القيامة أي ليضمنكم إليه ويجمعن بينكم وبينه بأن يبعثكم فيه، والقيامة والقيام كالطلابة والطلاب وهي قيامهم من القبور أو قيامهم للحساب. قال تعالى: {أية : يوم يقوم الناس لرب العالمين}تفسير : [المطففين:6] {ومن أصدق من الله حديثاً} استفهام على سبيل الإنكار، وذلك أن الصدق من صفات الكمال والكمال للواجب أولى وأحق وأقدم وأتم من غيره، والمعتزلة نفوا عنه الكذب بناء على أنه قبيح، ومن كذب لم يكذب إلاّ لأنه محتاج إلى أن يكذب لجر منفعة أو دفع مضرة، أو هو غني عنه إلاّ أنه يجهل غناه أو هو جاهل بقبحه، أو هو سفيه لا يفرق بين الصدق والكذب في إخباره ولا يبالي بأيهما نطق، وربما كان الكذب أحلى على حنكه من الصدق، وكل هذه الأمور من الحكيم قبيح يجب تنزيهه عنها، واعلم أن المسائل الأصولية قسمان منها ما العلم بصحة النبوة يحتاج إلى العلم بصحته كعلمنا بافتقار العالم إلى صانع عالم بكل المعلومات قادر على كل الممكنات، فهذا القسم يمتنع إثباته بالقرآن والخبر وإلاّ وقع الدور. ومنها غير ذلك كإثبات الحشر والنشر فإنه يمكن إثباته بالقرآن والحديث فاعلم. ثم عاد إلى حكاية أحوال المنافقين فقال: {فما لكم في المنافقين فئتين} وهو منصوب على الحال والعامل معنوي مثل: ما لك قائماً أي ما تصنع؟ وقيل: نصب على أنه خبر "كان" أي ما لكم كنتم في شأن المنافقين فئتين؟ استفهام على سبيل الإنكار أي لا تختلفوا في كفرهم، ولكن اقطعوا بنفاقهم فقد ظهرت دلائل ذلك وانكشفت جلية الحال. وذلك أنها نزلت حديث : في قوم من العرب أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فأسلموا وأصابوا وباء المدينة وحماها فقالوا: يا رسول الله نريد أن نخرج إلى الصحراء فأذن لنا فيه فأذن لهم. فلما خرجوا لم يزالوا يرحلون مرحلة مرحلة حتى لحقوا بالمشركين. فتكلم المؤمنون فيهم فقال بعضهم: نافقوا. وقال بعضهم: هم مسلمون. فبين الله نفاقهمتفسير : . وقال مجاهد وقتادة: هم قوم هاجروا من مكة ثم بدا لهم فرجعوا وكتبوا إنا على دينك وما أخرجنا إلا اجتواء المدينة والاشتياق إلى بلدنا. وعن زيد بن ثابت: هم الذين تخلفوا يوم أحد وقالوا: لو نعلم قتالاً لاتبعناكم. وطعن بعضهم في هذا القول بأن نسق الكلام وهو قوله: {حتى يهاجروا في سبيل الله} يأباه إذ الهجرة تكون من مكة إلى المدينة. وعن عكرمة: هم قوم أخذوا أموال المشركين وانطلقوا بها إلى اليمامة. وقيل: هم العرنيون الذين أغاروا على السرح وقتلوا يساراً مولى النبي صلى الله عليه وسلم. وقال ابن زيد: نزلت في أهل الإفك. قال الحسن: سماهم المنافقين وإن أظهروا الكفر باعتبار حالهم التي كانوا عليها. {والله أركسهم} الركس والإركاس رد الشيء مقلوباً. ويقال للرفث الركس لأنه رد إلى حالة خسيسة وهي حال النجاسة ويسمى رجيعاً أيضاً لذلك والمراد ردهم إلى أحكام الكفار من الذل والصغار والسبي والقتل {بما كسبوا} أي ما أظهروا من الارتداد بعدما كانوا على النفاق {ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً} لأن المخلوق لا يقدر على تبديل خلق الخالق وعلى خلاف مقتضى إرادته ومشيئته. وهذا ظاهر في المقصود. والمعتزلة يقولون: قوله: {أركسهم بما كسبوا} أي بسبب كسبهم وفعلهم ينفي القول بأن ضلالهم حصل بخلق الله فإذن المراد من إضلال الله حكمه بضلالهم كما يقال: فلان يكفر فلاناً أي ينسبه إلى الكفر ويحكم عليه بذلك. أو المراد إضلالهم عن طريق الجنة وهو مفسر بمنع الألطاف. ثم ذكر أنهم بالغوا في الكفر إلى أن تمنوا أن تصيروا كفاراً فكيف تطمعون في إيمانهم وهو قوله: {ودّوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء} أي في الكفر. والمراد فتكونون أنتم وهم سواء إلاّ أنه اكتفى بذكر المخاطبين عن ذكر غيرهم لتقدم ذكرهم. وقوله: {فتكونون} عطف على {تكفرون}. {فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا} أي حتى يضموا إلى إيمانهم المهاجرة الصحيحة المعتمدة وهي الهجرة في سبيل الله لا لغرض من الأغراض الفانية مثل قوله صلى الله عليه وسلم: " حديث : أنا بريء من كل مسلم قام بين أظهر المشركين وأنا بريء من كل مسلم مع مشرك "تفسير : وكانت الهجرة واجبة إلى أن فتحت مكة. عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة "حديث : لا هجرة / بعد الفتح ولكن جهاد ونية"تفسير : . وعن الحسن: إن حكم الآية ثابت في كل من أقام في دار الحرب فرأى فرض الهجرة إلى دار الإسلام قائماً. قال المحققون: الهجرة في سبيل الله تشمل الانتقال من دار الكفر إلى دار الإيمان، والانتقال من أعمال الكفار إلى أعمال المسلمين بل هذا أقدم وأهم لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : المهاجر من هجر ما نهى الله عنه "تفسير : {فإن تولوا} عن الإيمان المظاهر بالهجرة الصحيحة فحكمهم حكم سائر المشركين {فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم} في الحل أو في الحرم {ولا تتخذوا منهم} في هذه الحالة {ولياً} يتولى شيئاً من مهماتكم {ولا نصيراًً} ينصركم على أعدائكم بل جانبوهم مجانبة كلية. ثم لما أمر بقتل هؤلاء الكفار استثنى عنه موضعين: الأول {إلا الذين يصلون} أي ينتهون ويتصلون {إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق} والمعنى أن من دخل في عهد من كان داخلاً في عهدكم فهم أيضاً داخلون في عهدكم. قال القفال: وقد يدخل في الآية أن يقصد قوم حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم فيتعذر عليهم ذلك المطلوب فيلتجئوا إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد إلى أن يجدوا السبيل إليه. والقوم هم الأسلميون وذلك أنه صلى الله عليه وسلم وادع وقت خروجه إلى مكة هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه، وعلى أن من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله من الجوار مثل الذي لهلال. وقال ابن عباس: هم بنو بكر بن زيد مناة كانوا في الصلح. وقال مقاتل: هم خزاعة وخزيمة. وههنا نكتة وهي أنه تعالى رفع السيف عمن التجأ إلى الكفار المصالحين فلان يدفع النار عمن التجأ إلى محبة الله ومحبة رسوله كان أولى. وعن أبي عبيدة: المراد بالوصلة الانتساب. يقال: وصلت إلى فلان واتصلت به إذا انتهيت إليه. وأعترض عليه بأن أهل مكة أكثرهم كانوا متصلين بالرسول صلى الله عليه وسلم من جهة النسب مع أنه كان قد أباح دم الكفار منهم. الاستثناء الثاني قوله: {أو جاؤكم} وفي العطف وجهان: أحدهما أن يكون معطوفاً على صفة قوم والمعنى إلا الذين يصلون إلى قوم معاهدين أو إلى قوم جاؤوكم ممسكين عن القتال لا لكم ولا عليكم. وثانيهما العطف على صلة الذين كأنه قيل: الذين يتصلون بالمعاهد أو إلى الذين لا يقاتلونكم وهذا أنسب بقوله في صفتهم {فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم} إلى آخر الآية. إذ بين أن كفهم عن القتال سبب استحقاقهم لنفي التعرض لهم بالاستقلال لا بواسطة الاتصال. ومعنى {حصرت صدورهم} ضاقت. والحصر الضيق والانقباض وهو في موضع الحال بإضمار "قد" بدلالة قراءة من قرأ / {حصرة}. وجعله المبرد صفة لموصوف محذوف منصوب على الحال أي جاؤوكم قوماً حصرت. وقيل: هو بيان لجاؤوكم. وقوله: {أن يقاتلوكم} أي عن أن يقاتلوكم. ثم هؤلاء الجاؤون من الكفار أو من المؤمنين قال الجمهور: هم من الكفار بنو مدلج جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مقاتلين. وعلى هذا يلزم النسخ لأن الكافر وإن ترك القتال جاز قتله، وقال أبو مسلم: إنه تعالى لما أوجب الهجرة على كل من أسلم استثنى من له عذر وهما طائفتان: إحداهما الذين قصدوا الرسول صلى الله عليه وسلم للهجرة والنصرة إلاّ أنه كان في طريقهم كفار غالبون فصاروا إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد وأقاموا عندهم إلى أن يمكنهم الخلاص. والثانية من صار إلى الرسول ولا يقاتل الرسول ولا أصحابه لأنه يخاف الله فيه، ولا يقاتل الكفار أيضاً لأنهم أقاربه أو لأنه بقي أولاده وأزواجه بينهم فيخاف لو قاتلهم أن يقتلوا أولاده وأصحابه. فهذان الفريقان من المشركين لا يحل قتالهم وإن كان لم يوجد منهم الهجرة ومقاتلة الكفار، وعلى هذا فمعنى قوله: {ولو شاء الله لسلطهم عليكم} أي لو شاء لقوّى قلوبهم ليدفعوا عن أنفسهم إن أقدمتم على مقاتلتهم على سبيل الظلم. وعلى الأول معناه أن ضيق صدورهم عن قتالكم لأن الله قذف الرعب في قلوبهم، ولو قوّى قلوبهم لتسلطوا عليكم ولقاتلوكم وهو جواب "لو" على التكرير أو البدل. قال الكعبي: إنه تعالى أخبر أنه لو شاء لفعل وهذا ينبىء عن القدرة على الظلم وهو صحيح عندنا ولا يدل على أنه فعل الظلم وأراده والنزاع فيه {فإن اعتزلوكم} أي فإن لم يتعرضوا لكم {وألقوا إليكم السلم} أي الانقياد والاستسلام {فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً} فما أذن لكم في أخذهم وقتلهم {ستجدون آخرين} هم قوم من أسد وغطفان كانوا إذا أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا ليأمنوا المسلمين فإذا رجعوا إلى قومهم كفروا ونكثوا عهودهم {كلما ردوا إل الفتنة} كلما دعاهم قومهم إلى قتال المسلمين {أركسوا فيها} أي ردوا مقلوبين منكوسين فيها. وهذه استعارة لشدة إصرارهم على الكفر وعداوة المسلمين، لأن من وقع في حفر منكوساً تعذر خروجه {فإن لم يعتزلوكم ويلقوا} أي ولم يلقوا ولم يكفوا {فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم} حيث تمكنتم منهم. قال الأكثرون: وفيه دليل على أنهم إذا اعتزلوا قتالنا وطلبوا الصلح منا وكفوا أيديهم عن إيذائنا لم يجز لنا قتالهم ولا قتلهم. وهذا مبني على أن المعلق بكلمة "إن" على الشرط يعدم عند الشرط. أما قوله: {سلطاناً} فمعناه حجة واضحة لانكشاف حالهم في الكفر والغدر، أو تسلط ظاهر حيث أذنا لكم في قتلهم.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ...} الآية: المعنى: أَفلا يتدبَّر هؤلاءِ المنافقُونَ كَلاَمَ اللَّه تعالَىٰ، فتظهر لهم براهِينُهُ، وتلُوح لهم أدلَّته، قُلْتُ: ٱعْلَمْ (رحمك اللَّه تعالى)؛ أنَّ تدبُّر القرآن كفيلٌ لصاحبه بكُلِّ خير، وأما الهَذْرَمَة والعَجَلَةُ، فتأثيرُها في القَلْب ضعيفٌ؛ قال النوويُّ (رحمه اللَّه): وقد كَرِهَ جماعةٌ من المتقدِّمين الخَتْمَ فِي يومٍ وليلةٍ؛ ويدلُّ عليه ما رُوِّينَاهُ بالأسانيدِ الصَّحيحة في سُنَن أبي دَاوُد، والتِّرمذيِّ، والنَّسَائِيِّ وغيرها، عن عبد اللَّه بْنِ عَمْرِو بْنَ العَاصِي، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حديث : لاَ يَفْقَهُ مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلاَثٍ»تفسير : . انتهى. قال * ع*: والتدبُّر هو النظر في أعقابِ الأُمُور وتأويلاتِ الأشياءِ، هذا كلُّه يقتضيه قولُهُ سبحانه: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ}، وهذا أمرٌ بالنَّظَرِ والاستدلالِ، ثم عَرَّف تعالى بِمَوْقِعِ الحُجَّة، أي: لو كان مِنْ كلامِ البَشَر، لَدَخَلَهُ مَا فِي البَشَرَ من القُصُور، وظهر فيه التناقُضُ والتنافِي الَّذي لا يُمْكِنُ جَمْعُه؛ إذ ذلك موجودٌ في كلامِ البَشَرِ، والقرآنُ منزَّه عنه؛ إذ هو كلامُ المحيطِ بِكُلِّ شيء سبحانه. قال * ع *: فإن عرضَتْ لأحدٍ شبهةٌ، وظنَّ ٱختلافاً في شَيْءٍ مِنْ كتابِ اللَّه، فالواجبُ أنْ يتَّهم نَظَرَهُ ويسأَلَ مَنْ هو أعلَمُ منه. وقوله تعالى: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مّنَ ٱلأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ...} الآية: قال جُمْهور المفسِّرين: إن الآيةَ من المنافِقِينَ حَسْبما تقدَّم، والمعنَىٰ: أنَّ المنافقين كانوا يتشوَّفون إلَىٰ سماعِ ما يُسِيءُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فإذا طَرَأَتْ لهم شبهةُ أَمْنٍ للمسلمينَ، أو فَتْحٍ عليهم، حَقَّرُوهَا وصَغَّروا شأنَها، وأذاعوا ذلك التحْقيرَ والتَّصْغِيرَ، وإذا طرأت لهم شُبْهَةُ خوفٍ للمسْلِمينَ أو مُصِيبةٍ، عَظَّموها، وأذاعوا ذلك، و {أَذَاعُواْ بِهِ}: معناه: أَفْشَوْهُ، وهو فِعْلٌ يتعدَّىٰ بحرفِ الجَرِّ وبنفسه أحياناً. وقالت فرقة: الآية نزلَتْ في المنافقين، وفِيمَنْ ضَعُفَ جَلَدُه، وقَلَّتْ تجْرِبَتُهُ مِنَ المؤمنين؛ وفي الصحيحِ مِنْ حديثِ عُمَرَ بْنِ الخطَّاب (رضي اللَّه عنه)؛ أنه جَاءَ، وَقَوْمٌ فِي المَسْجِدِ، يَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نِسَاءَهُ، ثُمَّ قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ فَقَالَ: لاَ، قَالَ عُمَرُ: فَقُمْتُ عَلَىٰ بَابِ المَسْجِدِ، فَقُلْتُ: أَلاَ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُطَلِّقْ نِسَاءَهُ، فأنزَلَ اللَّه تعالَىٰ هذه الآيةَ. {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ...} الآية؛ قال: وَأَنَا الَّذِي ٱسْتَنْبَطْتُهُ. وقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ...} الآية: المعنَىٰ: لو أمسكوا عن الخَوْض وٱستقْصَوْا الأمرِ مِنْ قِبَلِ الرسولِ، وأولِي الأمْر، وهم الأَمَرَاءُ والعُلَمَاءُ، لَعَلِمَهُ طُلاَّبُهُ مِنْ أُولِي الأمْرِ، والبَحَثَةِ عنه، وهم مستنْبِطُوهُ؛ كَمَا يُسْتَنْبَطُ الماءُ، وهو ٱستخراجُهُ مِنَ الأرْضِ. وقوله سبحانه: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ...} الآية: خِطَابٌ لجميعِ المؤمنينَ؛ باتفاقٍ من المتأوِّلين، وقوله: {إِلاَّ قَلِيلاً} هو مستثنى في قول جماعةٍ من قوله: {لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَـٰنَ إِلاَّ قَلِيلاً}، وقال ابن عَبَّاس، وابن زَيْدٍ: ذلك مستثنًى من قوله: «أَذَاعُوا بِهِ إلاَّ قليلاً»، ورجَّحه الطبريُّ، وقال قتادة: هو مستثنًى من قوله: «يستنبطُونَهُ إلا قليلاً». * ت *: قال الدَّاوُوديُّ: قال أبو عُبَيْدة: وإنما كَرِهَ العلماءُ أنْ يجعلوا الاِستثناءَ مِنْ قوله: {لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَـٰنَ إِلاَّ قَلِيلاً}؛ لأنَّه لا وَجْهَ له؛ فإنَّه لولا فَضْلُ اللَّهِ ورحْمَتُهُ، لاتبعوا الشيْطَانَ كلُّهم. انتهى، وهو حَسَنٌ، وأما قوله: «لا وَجْهَ له»، ففيه نظَرٌ، فقد وجَّهه العلماءُ بما لا نُطِيلُ بذكْره. وقوله تعالى: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ...} الآية: هذا أَمْرٌ في ظاهرِ اللَّفْظ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم وَحْده، لكن لم نَجِدْ قَطُّ في خَبَرٍ، أنَّ القتالَ فُرِضَ علَى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، دون الأُمَّة مُدَّةً مَّا، والمعنَىٰ، واللَّه أعلَمُ؛ أنه خطابٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم في اللفظِ، وهو مثالُ مَا يُقَالُ لكلِّ واحدٍ في خاصَّة نَفْسه، أي: أنْتَ، يا محمَّد، وكلُّ واحدٍ من أمَّتك القولُ لَهُ: فقاتِلْ في سبيلِ اللَّه، لا تُكَلَّف إلاَّ نَفْسَكَ، ولهذا ينبغي لكلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يستَشْعِرَ أنْ يُجَاهِدَ، ولو وحْدَه؛ ومِنْ ذلك قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : وَاللَّهِ، لأُقَاتِلَنَّكُمْ حَتَّىٰ تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي»تفسير : ، وقولُ أبِي بَكْرٍ (رضي اللَّه عنه) وَقْتَ الرِّدَّةِ: «وَلَوْ خَالَفَتْنِي يَمِينِي، لَجَاهَدتُّهَا بِشِمَالِي»، وعسَىٰ إذا وردَتْ من اللَّه تعالَىٰ، فقال عكرمة وغيره: هي واجِبَةٌ؛ بفَضْلِ اللَّه ووَعْده الجميلِ، قلْتُ: أيْ: واقعٌ مَّا وعَدَ به سبحانه، والتنكيلُ: الأخْذُ بأنواعِ العَذَابِ.

ابن عادل

تفسير : قرأ ابن محيْصِن: "يَدَّبَّرون": بإدغام التَّاء في الدَّال، والأصْل: يَتَدبرون، وهي مخالفةٌ للسَّوَاد والتَّدْبير والتَّدَبُّر عبارة عن النَّظَر في عَوَاقِب الأمُور وأدْبَارِهَا، ودُبُرُ الشَّيْء آخره، ومنه قوله: إلامَ تدبَّرُوا أعْجَاز أمُورٍ قَدْ ولت صُدُورَها، ويقال في فَصِيح الكَلاَم: لو استَقبلتُ من أمري ما اسْتَدْبَرْت، أي: لو عَرَفْت في صَدْرِي ما عَرَفْتَ [من] عاقِبَتِهِ، لامْتَنَعْت. فصل: وجه النظم في الآية ووجه النظم أنه - تعالى - [لمَّا] حكى أنواعَ مكر المُنَافِقِين وكَيْدِهم؛ لأجل عَدَم اعتِقَادِهم صحَّة دَعْوَى النَّبي صلى الله عليه وسلم للرِّسَالَة، فلا جَرَم أمرهم [الله] تعالى بأن يَنْظُروا ويتفكروا في الدَّلائِل [الدَّالَّة] على صِحَّة النُّبوَّة؛ فقال [- تعالى -] {أفلا يتدبرون القرآن} والعلماء قَالُوا: دلالة القُرْآنِ على صِدْق نُبُوَّةِ محمَّد صلى الله عليه وسلم من ثلاثة أوْجُه: أحدُها: فصاحَته. وثانيها: اشْتِمَاله على الإخْبَارِ عن الغُيُوبِ. والثالث: سلامَتُه عن الاخْتِلاَف، وهاذ هو المذكُور في هَذِهِ الآية، وذكروا في تَفْسِير سَلاَمَتِه عن الاخْتِلاَف ثلاثة أوْجُه: الأول: قال أبو بَكر الأصَم: معناه أنَّ هؤلاء المُنَافِقِين كانوا يَتواطَئُون في السَِّرِّ على أنْواع كَثِيرةٍ من الكيد والمَكْر، والله - تعالى - [كان] يُطْلِعُ الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام - على تلك الأحْوَال، ويخبره عَنْهَا مُفَصَّلة، فقيل لهم: إن ذلك لو لم يَحْصُل بإخْبَارِ الله - تعالى -، وإلا لما اطَّردَ الصِّدْق فيه، ولظَهَر الاخْتِلاف والتَّفَاوت في قول مُحمَّد - [عليه السلام] -، فلمَّا لم يظهر ذلك عَلِمْنا أنَّ ذلك بإعْلام اللَّه - تعالى -. الثاني: قال أكثر المُتَكَلِّمين: إن القُرْآن كتاب كَبِير مشتمِلٌ على أنْوَاع كثيرةٍ من العُلُوم، فلو كَان ذَلِك مِنْ عِنْد غَيْر اللَّه، لوقع فيه أنْواعٌ من الكَلِمَات المُتَنَاقِضَة؛ لأن الكِتَاب الكَبِير لا ينْفَكُّ من ذَلِكَ، ولمّا لم يُوجد فيه ذلك، عَلِمْنَا: أنه لَيْس من عِنْد غَيْر اللَّه؛ قاله ابن عبَّاسٍ. فإن قيل: أليس أنَّ قوله: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} تفسير : [القيامة: 22- 23] كالمناقض لقوله: {أية : لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ} تفسير : [الأنعام: 103]، وآيات الجِبْرِ كالمناقِضَةِ لآيات القَدَرِ، وقوله: {أية : فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [الحجر: 92] كالمناقَضِ لقوله: {أية : فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ} تفسير : [الرحمن: 39]. فالجواب أنا بَيَنَّا أنه لا مُنَافَاة ولا مُنَاقَضَةَ بَيْن شَيْءٍ مِنْهَا. الثالث: قال [أبُو] مسلم الأصْفَهَانِي: المراد منه عدم الاخْتِلاف في رُتب الفَصَاحَةِ فيه من أوَّله إلى آخره على نَهْج وَاحدٍ، ومن المَعْلُوم أن الإنْسَان وَإنْ كان في غَايَة البَلاغَة ونهاية الفَصَاحة، إذا كَتَب كِتَاباً طويلاً مُشْتَمِلاً عَلَى المعاني الكثيرة، فلا بُدَّ وأن يقع التَّفَاوُت في كَلاَمه، بحيْث يكون بَعْضُه قريباً مُبَيِّناً وبَعْضُه سَخِيفاً نازلاً. ولما لم يكُن القُرآن كَذلِك، علمنا أنه مُعْجِزٌ من عِنْد الله - تعالى -. والضمير في "فِيه" يُحتمل أن يعودَ على القُرْآن، وهو الظَّاهِر، وأن يعُود على ما يُخْبره الله - تعالى - به ممَّا يُبَيِّتُون ويُسِرُّون، يعني: أنه يُخْبِرُهم به عَلَى حَدٍّ ما يَقَع. فصل في دلالة الآية دلت الآية على أن القُرْآن معلوم المَعْنَى، خلافاً لِمَنْ يَقُول: إنَّه لا يَعْلَم مَعْنَاه إلا النَّبي والإمَام المَعْصُوم؛ [لأنه] لو كان كَذَلِك، لما تَهَيَّأ للمنافقين مَعْرِفة ذلِك بالتَّدَبُّر، ودلت الآيَة أيْضاً على إثْبات القياسِ، وعلى وُجُوب النَّظرِ والاستِدْلال، وعلى فَسَاد التَّقْليد، [و] لأنه - تعالى - أمر المُنَافِقِين بالاستِدْلال بهذا الدَّلِيل على صِحَّة نُبُوَّته فيه، فبأن يَحْتَاج إلى مَعْرِفة ذَاتِ اللَّه - تعالى - وصِفَاته إلى الاستدْلال أوْلى. فصل قال أبو علي الجُبَّائي: دلت الآية على أن أفْعَال العِبَاد [غَيْر] مَخْلُوقة للَّه تعالى لأن قوله - تعالى -: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً} يقتضي أن فعل العَبْد لا يَنْفَكُّ عن التَّفَاوُت والاختلاف وفِعْل اللَّه - تعالى - لا يوجد فيه التَّفَاوُت؛ لقوله - تعالى -: {أية : مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتِ} تفسير : [الملك: 3]، فهذا يَقْتَضِي أن فِعْل العَبْد لا يكُون فِعْلاً للَّه - [عز وجل] -. والجواب: أن قوله - تعالى -: {أية : مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتِ} تفسير : [الملك:3] معنى التَّفاوُت في أنَّه يقع على وَفْقِ مشيئته بخلاف غيره، فإنَّ فِعْل غيره لا يقع على وَفْقِ مشيئته على الإطْلاقِ.

البقاعي

تفسير : ولما كان سبب إبطانهم خلاف ما يظهرونه اعتقاد أنه صلى الله عليه وسلم رئيس، لا يعلم إلا ما أظهروه، لا رسول من الله الذي يعلم السر وأخفى؛ سبب عن ذلك على وجه الإنكار إرشادهم إلى الاستدلال على رسالته بما يزيح الشك ويوضح الأمر، وهو تدبر هذا القرآن المتناسب المعاني, المعجز المباني، الفائت لقوى المخاليق، المظهر لخفاياهم على اجتهادهم في إخفائها، فقال سبحانه وتعالى دالاً على وجوب النظر في القرآن والاستخراج للمعاني منه: {أفلا يتدبرون} أي يتأملون، يقال: تدبرت الشيء - إذا تفكرت في عاقبته وآخر أمره {القرآن} أي الجامع لكل ما يراد علمه من تمييز الحق من الباطل على نظام لا يختل ونهج لا يمل؛ قال المهدوي: وهذا دليل على وجوب تعلم معاني القرآن وفساد قول من قال: لا يجوز أن يؤخذ منه إلا ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومنع أن يتأول على ما يسوغه لسان العرب، وفيه دليل على النظر والاستدلال. ولما كان التقدير: فلو كان من عند غير الله لم يخبر بأسرارهم، عطف عليه قوله: {ولو كان من عند غير الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة - كما زعم الكفار {لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً *} أي في المعنى بالتناقض والتخلف عن الصدق في الإخبار بالمغيبات أو بعضها، وفي النظم بالتفاوت في الإعجاز؛ فإذا علموا أنه من عند الله بهذا الدليل القطعي حفظوا سرائرهم كما يحفظون علانياتهم، لأن الأمر بالطاعة مستوٍ عند السر والعلن؛ والتقيد بالكثير يفيد أن المخلوق عاجز عن التحرز من النقص العظيم بنفسه، وإفهامه - عند استثناء نقيض التالي - وجود الاختلاف اليسير فيه تدفعه الصرائح. ولما أمر سبحانه وتعالى بالنفر إلى الجهاد على الحزم والحذر، وأولاه الإخبار بأن من الناس المغرر والمخذل تصريحاً بالثاني وتلويحاً إلى الأول، وحذر منهما ومن غيرهما إلى أن ختم بأمر الماكرين، وبأن القرآن قيم لا عوج فيه؛ ذكر أيضاً المخذلين والمغررين على وجه أصرح من الأول مبيناً ما ان عليهم فقال: {وإذا جاءهم} أي هؤلاء المزلزلين {أمر من الأمن} من غير ثبت {أو الخوف} كذلك {أذاعوا} أي أوقعوا الإذاعة لما يقدرون عليه من المفاسد {به} أي بسببه نم غير علم منهم بصدقه من كذبه، وحقه من باطله، ومتفقه من مختلفه، فيحصل الضرر البالغ لأهل الإسلام، أقله قلب الحقائق؛ قال في القاموس: أذاعه وبه: أفشاه ونادى به في الناس. وذلك كما قالوا في أمر الأمن حين انهزم أهل الشرك بأحد، فتركوا المركز الذي وضعهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخالفوا أمره وأمر أميرهم، فكان سبب كرة المشركين وهزيمة المؤمنين، وفي أمر الخوف حين صاح الشيطان: إن محمداً قد قتل، فصدقوه وأذاعه بعضهم لبعض، وانهزموا وأرادوا الاستجارة بالكفار من أبي سفيان وأبي عامر، وكذا ما أشاعوه عند الخروج إلى بدر الموعد من أن أبا سفيان قد جمع لهم ما لا يحصى كثرة، وأنهم إن لقوة لم يبق منهم أحد - إلى غير ذلك من الإرجاف إلى أن صارت المدينة تفور بالشر فوران المرجل، حتى أحجموا كلهم - أو إلا أقلهم - حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : والله لأخرجن ولو لم يخرج معي أحد"تفسير : فاستجابوا حينئذ، وأكسبهم هذا القول شجاعة وأنالهم طمأنينة، فرجعوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء كما وعدهم الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم إن صبروا واتقوا، فكذب ظنهم وصدق الله ورسوله، وفي هذا إرشاد إلى الاستدلال على كون القرآن من عنده سبحانه وتعالى بما يكذب من أخبارهم هذه التي يشيعونها ويختلف، وأن ما كان من غيره تعالى فمختلف - وإن تحرى فيه متشبه - وإن دل عقله وتناهي نبله إلا أن استند عقله إلى ما ورد عن العالم بالعواقب، المحيط بالكوائن على لسان الرسل عليهم الصلاة والسلام والتحية والإكرام، وإلى أن القياس حجة. وأن تقليد القاصر للعالم واجب، وأن الاستنباط واجب على العلماء، والنبي صلى الله عليه وسلم رأس العلماء، وإلى ذلك يومي قوله تعالى: {ولو ردوه} أي ذلك الأمر الذي لا نص فيه من قبل أن يتكلموا به {إلى الرسول} أي نفسه إن كان موجوداً، وأخباره إن كان مفقوداً {وإلى أولي الأمر منهم} أي المتأهلين لأن يأمروا وينهوا من الأمراء بالفعل أو بالقوة من العلماء وغيرهم {لعلمه} أي ذلك الأمر على حقيقته وهل هو مما يذاع أو لا {الذين يستنبطونه} أي يستخرجونه بفطنتهم وتجربتهم كما يستخرج الإنباط المياه ومنافع الأرض {منهم} أي من الرسول وأولي الأمر. ولما كان التقدير: فلولا فضل الله عليكم ورحمته بالرسول وورّاث علمه لاستبيحت بإشاعاتهم هذه بيضة الدين واضمحلت أمور المسلمين؛ عطف عليه قوله: {ولولا فضل الله عليكم} أي أيها المتسمون بالإسلام بإنزال الكتاب وتقويم العقول {ورحمته} بإرسال الرسول {لاتبعتم الشيطان} أي المطرود المحترق {إلا قليلاً *} أي منكم فإنهم لا يتبعونه حفظاً من الله سبحانه وتعالى بما وهبهم من صحيح العقل من غير واسطة رسول؛ وهذه الآية من المواضع المستصعبة على الأفهام بدون توقيف على المراد بالفضل إلا عند من آتاه الله سبحانه وتعالى علماً بالمناسبات، وفهماً ثاقباً بالمراد بالسياقات، وفطنة بالأحوال والمقامات تقرب من الكشف، وذلك أن من المقرر أنه لا بد من مخالفة حكم المستثنى لحكم المستثنى منه, وهو هنا من وجد عليهم الفضل والرحمة فاهتدوا, ومخالفة المستثنى لهم تكون بأحد أمور ثلاثة كل منها فاسد، إما بأن يعدموا الفضل فيتبعوه، ويلزم عليه أن يكون الضال أقل من المهتدي، وهو خلاف المشاهد؛ أو بأن يعدموه فلا يتبعوه، فيكونوا مهتدين من غير فضل؛ أو بأن يوجد عليهم الفضل فيتبعوه، فيكونوا ضالين مع الفضل والرحمة اللذين كانا سبباً في امتناع الضلال عن المخاطبين. فيكونان تارة مانعين، وتارة غير مانعين، فلم يفيدا إذن مع أن أيضاً يلزم عليه أن يكون الضال أقل من المهتدي؛ فإذا حمل الكلام على أن المراد بالفضل الإرسال وضح المعنى ويكون التقدير: ولولا إرسال الرسول لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً منكم، فإنهم لا يتبعونه من غير إرشاد الرسول، بل بهداية من الله سبحانه وتعالى وفضل بلا واسطة كقس بن ساعدة وزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل؛ والدليل على هذا المقدر أن السياق لرد الأشياء كلها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، والمنع من الاستقلال بشيء دونه. ولما بين سبحانه وتعالى نفاقهم المقتضي لتقاعدهم عن الجهاد بأنفسهم وتنشيطهم لغيرهم، كان ذلك سبباً لأن يمضي صلى الله عليه وسلم لأمره سبحانه وتعالى من غير التفات إليهم وافقوا أو نافقوا، فقال سبحانه وتعالى بعد الأمر بالنفر ثبات وجميعاً، وبيان أن منهم المبطىء، مشيراً إلى أن الأمر باق وإن بطّأ الكل: {فقاتل في سبيل الله} أي الذي له الأمر كله ولو كنت وحدك. ولما كان كأنه قيل: فما أفعل فيمن أرسلت إليهم إن لم يخرجوا؟ قال - معلماً بأنه قد جعله أشجع الناس وأعلمهم بالحروب وتدبيرها، وهو مع تأييده بذلك قد تكفل بنصرته ولم يكله إلى أحد -: {لا تكلف إلا نفسك} أي ليس عليك إثم أتباعك لو تخلفوا عنك، وقد أعاذهم الله سبحانه وتعالى من ذلك، ولا ضرر عليك في الدنيا أيضاً من تخليهم، فإن الله سبحانه وتعالى ناصرك وحده، وليس النصر إلا بيده سبحانه وتعالى، وما كان سبحانه وتعالى ليأمره بشيء إلا وهو كفوء له، فهو ملىء بمقاتلة الكفار كلهم وحده وإن كانوا أهل الأرض كلهم، ولقد عزم في غزوة بدر الموعد - التي قيل: إنها سبب نزول هذه الآية - على الخروج إلى الكفار ولو لم يخرج معه أحد؛ وقد اقتدى به صاحبه الصديق رضي الله تعالى عنه في قتال أهل الردة فقال للصحابة رضي الله تعالى عنهم: والله لو لم أجد إلا هاتين - يعني ابنتيه: عائشة وأسماء رضي الله تعالى عنهما - لقاتلتهم بهما. ولما كان ذلك قد يفتر عن الدعاء قال: {وحرض المؤمنين} أي مرهم بالجهاد وانههم عن تركه وعن مواصلة كل من يثبطهم عنه وعظمهم واجتهد في أمرهم حتى يكونوا مستعدين للنفر متى ندبوا حتى كأنهم لشدة استعدادهم حاضرون في الصف دائماً. ثم استأنف الذكر لثمرة ذلك فقال: {عسى الله} أي الذي استجمع صفات الكمال {أن يكف} بما له من العظمة {بأس الذين كفروا} أي عن أن يمنعوك من إظهار الدين بقتالك وقتال من تحرضه، ولقد فعل سبحانه وتعالى ذلك، فصدق وعده، ونصر عبده, وهزم الأحزاب وحده، حتى ظهر الدين، ولا يزال ظاهراً حتى يكون آخر ذلك على يد عيسى عليه الصلاة والسلام. ولما كان السامع ربما فهم أنه لا يتأتى كفهم إلا بذلك، قال ترغيباً وترهيباً واحتراساً: {والله} أي الذي لا مثل له {أشد بأساً} أي عذاباً وشدة من المقاتِلين والمقاتَلين {وأشد تنكيلاً *} أي تعذيباً بأعظم العذاب، ليكون ذلك مهلكاً للمعذب ومانعاً لغيره عن مثل فعله؛ قال الإمام أبو عبد الله القزاز: يقال: نكلته تنكيلاً - إذا عملت به عملاً يكون نكالاً لغيره، أي عبرة فيرجع عن المراد من أجله، وهو أن الناظر إليه والذي يبلغه ذلك يخاف أن يحل به مثله، أي فيكون له ذلك قيداً عن الإقدام؛ والنكل - بالكسر: القيد.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك ‏ {‏أفلا يتدبرون القرآن‏} ‏ قال‏:‏ يتدبرون النظر فيه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة ‏ {‏ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيرا‏ً} ‏ يقول‏:‏ إن قول الله لا يختلف، وهو حق ليس فيه باطل، وإن قول الناس يختلف‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال‏:‏ سمعت ابن المنكدر يقول وقرأ ‏ {‏ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيرا‏ً} ‏ فقال‏:‏ إنما يأتي الاختلاف ما قلوب العباد، فأما من جاء من عند الله فليس فيه اختلاف‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال‏:‏ إن القرآن لا يكذب بعضه بعضاً، ولا ينقض بعضه بعضاً، ما جهل الناس من أمره فإنما هو من تقصير عقولهم وجهالتهم، وقرأ ‏ {‏ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيرا‏ً} ‏ قال‏:‏ فحق على المؤمن أن يقول‏:‏ كل من عند الله، يؤمن بالمتشابه ولا يضرب بعضه ببعض إذا جهل أمراً ولم يعرفه، أن يقول‏:‏ الذي قال الله حق، ويعرف أن الله لم يقل قولاً وينقص، ينبغي أن يؤمن بحقيقة ما جاء من الله‏.‏

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ} [الآية: 82]. قال بعضهم: ألا يتعظون بكريم مواعظه ويتبعون محاسن أوامره. قال الواسطى رحمة الله عليه: سُمى قرآنًا لأنه صفة الله عز وجل فلا تزايله بك قارئه فسُمى قرآناً؛ لأن الصفة لا تزايل الموصوف. سمعت أبا عثمان المغربى يقول: تدبرك فى الخلق تدبر عبرة، وتدبرك فى نفسك تدبر موعظة، وتدبرك فى القرآن تدبر حقيقة ومكاشفة. {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ} جرَّأك به على تلاوة خطابه، ولولا ذلك لكلّت الألسن عن تلاوته. سمعت أبا الحسين الفارسى يقول: سمعت أبا الحسين يقول: سمعت على بن حميد يقول: سمعت السرى يقول: فَهمُ الناس من فَهِمَ أسرار القرآن وتدبر فيه. قال سهل فى قوله: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ} قال: تدبروا بفهمه، ولا يكون التدبير إلا لمن عرف المقاصد فيه ونطق بمعنى الحق.

القشيري

تفسير : تدبرُ إشارة المعاني بغوص الأفكار، واستخراجُ جواهر المعاني بدقائق الاستنباط. قوله: {وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ}: لمَّا كانوا غافلين عن الحق لم يكن لهم من ينقل إليه أسرارهم فأظهروا السرَّ بعضُهم لبعض. فأمَّا المؤمنون فعالِمُ أسرارهم مولاهم، وما يسنح لهم خَاطَبُوه فيه فلم يحتاجوا إلى إذاعة السِّر لمخلوق؛ فسامِعُ نجواهم الله، وعالِم خطابهم الله. قوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ} أي لو بَثوا أسرارهم عند من هو (....) ومَنْ هو من أهل القصد لأزالوا عنهم الإشكال، وأمدوهم بنور الهداية والإرشاد. {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ} مع أوليائه لهاموا في كل وادٍ من التفرقة كأشكالهم في الوقت.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ} القرأن صفات القدم وهو موصوف به لان كلامه الازلى والقرأن صفة خاصة ذاتية من جملة صفاته وهو واحد من جميع الصفات لكنه مجمع الصفات كلها فيه الاسماء والنعوت وخبر الصفات واعلام تقديس الذات وهو قائم بذات الله بغير علة الاصوات والحركات والحروف ولو وقع للخلق التفكر والتدبير فيه بنعت المشاهدة والشكف لعلموا انه خارج من صفة الحواديث لانه نعت الازلية ووقعوا فى بحار اسراره وفنوا فى انوره وخرجوا منها جواهر حكم القدمية ورموز السرمدية وحقائق الابدية التى هو خبر جلال الذات وعيون الصفات واسرار الافعال من العرش الى الثرى صفته تجلى فى حروف الوحدانية وتجلى حروف الوحدانية فى حروف القرأن وكل حرف مملو من بحار نكت الالهية من وقف على اسرارها يدهش فى تجلاها ويعرف انها خرجمن من القدم وانها ليست من اوصفا اهل العدم لان وصف الهل منزه عن الخلل والاتضاد والخلاف واوصاف الخلق متضادة متباينة متغيرة وذلك المعنى موجود فيما بقى من الاية قوله تعالى {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً} كلهم مرضى فى دار الدنيا يحتاجون الى مفرج القرأن ولو تدبروا الوجد وكل حرف منه شفاء لعلة فاذا وصل دواؤه داء الخليقة يذهب الامة ويبقى شفاء القرأن ويكون صحيحا بجماله غير سقيم باحتجابه قال تعالى وننزل من القرأن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين وفى ابناء استفهامه شكاية عن العباد اى افلا تاتون طلاب عرئس جمال الازل الى حجاب القرأن لان فى تحت كل حرف حجلة من نور البهاء وفيها عروس من عرائس جمال الازل يتلوا بلسان السر بنعت الترنم حقائق خطاب الحق قال بعضهم لا يتعظون بكرم مواعظه ويتبعون محاسن وامره قال ابو عثمان المغربى تدبرك فى الخلق تدبر عبرة وتدبرك فى نفسك تدبر موعظة وتدبرك فى القرأن تدبر حقيقة ومكاشفة قال الله تعالى افلا يتدبرون القرأن جراك به على تلاوة خطابه ولولا ذلك لكلت الالسن عن تلاوته قال السرى افهم الناس من فهم اسرار القرأن وتدبر فيه وقال سهل تدبر القرأن تفهمه ولا يكون التدبر فيه الا لمن عرف المقاصد فيه ونطق بمعى الحق.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: أفلا يتدبر هؤلاء المنافقون {القرآن}، وينظرون ما فيه من البلاغة والبيان، ويتبصّرون في معاني علومه وأسراره، ويطلعون على عجائب قصصه وأخباره، وتَوافُق آياتهِ وأحكامه، حتى يتحققوا أنه ليس من طوق البشر، وإنما هو من عند الله الواحد القهار، {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا} بَين أحكامه وآياته، من تَفَاوتِ اللفظ وتناقض المعنى، وكَون بعضه فصيحًا، وبعضه ركيكًا، وبعضه تصعب معارضته وبعضه تسهل، وبعضه توافق أخباره المستقبلة للواقع، وبعضه لا يوافق، وبعضه يوافق العقل، وبعضه لا يوافقه، على ما دل عليه الاستقراء من أن كلام البشر، إذا طال، قطعًا يوجد فيه شيء من الخلل والتناقض. قال البيضاوي: ولعل ذكره للتنبيه على أن اختلاف ما سبق من الأحكام ليس للتناقض في الحكم، بل لاختلاف الأحوال من الحكم والمصالح. هـ. قال ابن جزي: وإن عَرَضَت لأحدٍ شبهةٌ وظن اختلافًا في شيء من القرآن، فالواجب أن يَتَّهِمَ نظره، ويسأل أهل العلم ويطالع تآليفهم، حتى يعلم أن ذلك ليس باختلاف. هـ. الإشاره: تدبر القرآن على حساب صفاء الجنان، فبقدر ما يتطهر القلب من حب الدنيا والهوى تتجلى فيه أسرار كلام المولى، وبقدر ما يتراكم في مرآة قلبه من صور الأكوان، يتحجب عن أسرار معاني القرآن؛ ولو كان من أكابر علماء اللسان. فلما كان القرآن هو دواء لمرض القلوب، أمر الله المنافقين بالتدبر في معاينة؛ لعل ذلك المرض ينقلع عن قلوبهم، لكن الأقفال الت على القلوب مَنَعَت القلوبَ من فهم كلام علام الغيوب، فحلاوة كلام الله لا يذوقها إلا أهل التجريد، الخائضون في تيار بحار التوحيد، الذين صَفَت قلوبُهم من الأغيار، وتطهرت من الأكدار، يتمتعون أولاً بحلاوة الكلام، ثم يتمتعون ثانيًا بحلاوة وشهود المتكلم. والله تعالى أعلم.

الطوسي

تفسير : المعنى: هذا الآية تدل على أربعة أشياء: أحدها - على بطلان التقليد، وصحة الاستدلال في اصول الدين، لأنه حث ودعا إلى التدبر. وذلك لا يكون إلا بالفكر والنظر. والثاني - يدل على فساد مذهب من زعم ان القرآن، لا يفهم معناه إلا بتفسير الرسول له من الحشوية، والمجبرة، لأنه تعالى حث على تدبره، ليعلموا به. الثالث - يدل على أنه لو كان من عند غير الله، لكان على قياس كلام العباد من وجود الاختلاف فيه. الرابع - تدل على أن المتناقض من الكلام ليس من فعل الله، لأنه لو كان من فعله، لكان من عنده، لا من عند غيره. اللغة: والتدبر: هو النظر في عواقب الامور. وأصله الدبر. والتدابر: التقاطع، لأن كل واحد يولي الآخر دبره، بعداوته له. ودبر القوم يدبرون دباراً: إذا هلكوا، لأنهم يذهبون في جهة الادبار عن الغرض. وادبر القوم: إذا ولى أمرهم عن الرشد. والدبر: النحل. والدبر: المال الكثير. والتدبير: اصلاح الامر لعاقبة. وفي الحديث " حديث : لا تدابروا " تفسير : أي لا تكونوا أعداء. والفرق بين التدبر والتفكر ان التدبر تصرف القلب بالنظر في العواقب، والتفكر تصرف للقلب بالنظر في الدلائل. والاختلاف: هو امتناع أحد الشيئين أن يسد مسد الآخر فيما يرجع إلى ذاته كالسواد الذي لا يسد مسد البياض، وكذلك الذهاب في الجهات المختلفة جهة الخلف، والقدام واليمين، والشمال. وقيل في معنى الاختلاف ها هنا ثلاثة أقوال: أحدها - قال أبو علي من جهة بليغ، ومرذول. وقال الزجاج: الاختلاف في الاخبار بما يسرون. الثالث - قال قتادة، وابن زيد: اختلاف تناقض من جهة حق، وباطل. والاختلاف على ثلاثة اضرب: اختلاف تناقض، واختلاف تفاوت، واختلاف تلاوة. وليس في القرآن اختلاف تناقض، ولا اختلاف تفاوت، لأن اختلاف التفاوت هو في الحسن والقبح، والخطأ والصواب، ونحو ذلك مما تدعو إليه الحكمة أو يصرف عنه. وأما اختلاف التلاوة، فهو ما تلاءم في الحسن، فكله صواب، وكله حق. وهو اختلاف وجوه القراءات واختلاف مقادير الآيات والسور واختلاف الاحكام في الناسخ والمنسوخ. ومن اختلاف التناقض ما يدعو فيه أحد الشيئين إلى فساد الآخر. وكلاهما باطل. نحو مقدارين وصف أحدهما بأنه أكبر من الآخر ووصف الآخر بأنه أصغر منه، فكلاهما باطل إذ هو مساو له. وفي الناس من قال: انتفاء التناقض عن القرآن إنما يعلم انه دلالة على أنه من فعل الله، لما أخبرنا الله تعالى بذلك. ولولا أنه تعالى أخبر بذلك كان لقائل أن يقول: إنه يمكن أن يتحفظ متحفظ في كلامه ويهذبه تهذيباً، لا يوجد فيه شيء من التناقض وعلى هذا لا يمكن أن يجعل ذلك جهة اعجاز القرآن قبل أن يعلم صحة السمع، وصدق النبي (صلى الله عليه وسلم).

الجنابذي

تفسير : {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ} وانّه من عند الله حتّى يعلموا صدقك ورسالتك فلا يبيّتوا خلاف طاعتك، والتّدبّر كالتّفكّر {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ} عطف على القرآن باعتبار انّ التّدبّر يتعلّق بنسبة الجملة لكنّ الفعل معلّق بلو او الجملة حاليّة {لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً} لانّ فيه بصورته تخالفاً وتناقضاً لكنّه لمّا كان من عند الله وَلَه بحسب العوالم العديدة بطون وجهات كان كلّ من المتخالفات منزّلاً على عالم او على جهة او المعنى انّه لو كان من عند غير الله كما قالوا انّما يعلّمه بشر، وانّه افتراء لوقع فيه التّخالف لانّ الكذب لعدم ابتنائه على اصلٍ او شهود لا يقع بين اجزائه توافق ولكن ليس فيه تخالف حقيقة.

اطفيش

تفسير : {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرآنَ}: أفلا يتأملونه فيدركون عاقبته، فان أصل التدبر التفكر فى دبر الأمر، وأى عاقبته، ولو تدبروا فى معانيه وفصاحته وبلاغته واخباره بالغيوب التى شاهدوا صدقها، وغيب قلوبهم وغيرها وسلامته من التناقض لأداهم ذلك الى الايمان مع أنه كتاب كبير. {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيراً}: تفاوتا وتناقضا بأن تتفاوت تراكيبه، بأن يكون بعضه فصيحا وبعضه غير فصيح، وبعض سهل المعارضة، وبعض صعبها يصدق بعض أخباره بالغيب، ولا يصدق بعض، وبأن تتناقض معانيه، بأن يرد بعضها بعضا، وبأن يجتمع فيه باطل وحق، وعدا وجور، حاشاه ذلك كله. وان عرضت لأحد شبهة، وظن اختلافا فى شىء من كتاب الله، فالواجب أن يتهم نظره، ويسأل من هو أعلم منه، وما ذلك الا لنقصان قوة البشر، وقد خرجت عن ذلك والحمد لله، فما تخيل شىء من المنافاة الا تحقق عدمها، بل بعضه يفسر بعضا لأدلة تبين المفسر من المفسر كتفسير {أية : لا تدركه الأبصار }تفسير : لقوله تعالى: {أية : الى ربها ناظرة }تفسير : لدليل {أية : ليس كمثله شىء }تفسير : ، وقوله: {أية : ما يكون من نجوى }تفسير : الآية وبعضه لحكمة غير حكمة بعض، كعصا موسى كأنها جان فى الحقيقة، وحية فى الخفة، وثعبان فى العظم، وكقوله: {أية : لا يسأل عن ذنبه انس ولا جان }تفسير : بمعنى أنه لا يسأل سؤال استفهام حقيق، لأن الله لا يخفى عنه شىء. وقوله تعالى: {أية : فوربك لنسألنهم أجمعين }تفسير : سؤال تهديد وتوبيخ، وعذاب فى موطن من مواطن القيامة، وقوله: {أية : لا يسأل عن ذنوبهم المجرمون }تفسير : كمعنى الأولى أو لا يسألون بالمعنى أنها كثيرة، وعذابها لا يوصف، أو لا يسألون فى بعض المواطن، ومن البيان النسخ فانه غير تناقض، وغير اختلاف، بل بيان للوقت الذى علمه الله فى الأزل وقتا لانتهاء العمل بالمنسوخ فليس بدءا.

اطفيش

تفسير : {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْءَانَ} أيشكون فلا يتدبرون، أو أيعرضون فلا يتدبرون، والتدبر النظر فى دبر الأمر، أى عاقبته، ويستعمل فى مطلق النظر فى حقيقته وأجزائه أو سابقه أو لاحقه وأسبابه، قال شيخنا: الأولى أن تكون العبارة على الترتيب الآتى كما فى كتب التفسير، أو سابقه وأسبابه أو لاحقه وعواقبه، والمراد فلا يكتسبون معرفة عاقبته، وهى ما ترجع إليه ألفاظه من المعانى، والاستفهام بمعنى الأمر، كقوله تعالى: {أية : أفلا يتوبون إلى الله} تفسير : [المائدة: 74]، أو توبيخ وإنكار بصحة حالهم، والماصدق واحد، ولو تدبروا لعلموا أن الله شهد له وأنه لا شبهة فى شهادته تعالى له، وذلك جواب لما يقال من أين يعلم أنه تعالى شهد له صلى الله عليه وسلم {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ} كما قالوا أساطير الأولين، وكما قالوا يعلّمه بشر {لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً} بأن يكون بعضه فصيحاً وبعضه غير فصيح، أو بعضه صدقا، وبعضه كذبا، وبعضه تسهل معارضته، وبعضه تصعب معارضته، وبعضه يقبله العقل السليم وبعضه ينكره، وأفصح الفصحاء، إذا طال كلامه توجد فى بعضه رِكة، ولا أقل من أن تتفاوت فصاحته، والقرآن كله على نهج واحد من الفصاحة ولا تخالف بين لا يُسأل عن ذنبه ولنسألنهم، لأن المعنى يسأل فى موطن دون آخر، ولا يسأل استفهاما ويسأل توبيخا، ولا بين، {أية : إلى ربها ناظرة} تفسير : [القيامة: 23]، و {أية : لا تدركه الأبصار} تفسير : [الأنعام: 103]، لأن المعنى ناظرة إلى رحمته، ولا بين حية وجان وثعبان فإنها فى العظم كالثعبان وفى الخفة كالجان وفى الخبث كالحية، وغير ذلك من التأويل، ولا فى النسخ لأن المنسوخ موقوف لوقته عند الله لمصلحة كنفع دواء فى وقت، وغيره فى آخر، ونفعه لنوع، وغيره لنوع، والحمد لله الذى أنعم علينا بإدراك تطابق آيات القرآن وتجاوبها كلها مما أشكل لبادىء الرأى.

الالوسي

تفسير : {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءانَ} لعله جواب سؤال نشأ من جعل الله تعالى شهيداً كأنه قيل: شهادة الله تعالى لا شبهة فيها ولكن من أين يعلم أن ما ذكرته شهادة الله تعالى محكية عنه؟ فأجاب سبحانه بقوله: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ} وأصل التدبر التأمل في أدبار الأمور وعواقبها ثم استعمل في كل تأمل سواء كان نظراً في حقيقة الشيء وأجزائه أو سوابقه وأسبابه أو لواحقه وأعقابه، والفاء للعطف على مقدر أي ـ أيشكون في أن ما ذكر شهادة الله تعالى فلا يتدبرون القرآن الذي جاء به هذا النبـي صلى الله عليه وسلم المشهود له ليعلموا كونه من عند الله فيكون حجة وأي حجة على المقصود ـ وقيل: المعنى أيعرضون عن القرآن فلا يتأملون فيه ليعلموا كونه من عند الله تعالى بمشاهدة ما فيه من الشواهد التي من جملتها هذا الوحي الصادق والنص الناطق بنفاقهم المحكي على ما هو عليه. {وَلَوْ كَانَ} أي القرآن. {مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ} كما يزعمون {لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفاً كَثِيراً} بأن يكون بعض إخباراته الغيبية كالإخبار عما يسره المنافقون غير مطابق للواقع لأن الغيب لا يعلمه إلا الله تعالى فحيث اطرد الصدق فيه ولم يقع ذلك قط علم أنه بإعلامه تعالى ومن عنده، وإلى هذا يشير كلام الأصم والزجاج، وفي رواية عن ابن عباس أن المراد لوجدوا فيه تناقضاً كثيراً، وذلك لأن كلام البشر إذا طال لم يخل ـ بحكم العادة ـ من التناقض، وما يظن من الاختلاف كما في كثير من الآيات، ومنه ما سبق آنفاً ليس من الاختلاف عند المتدبرين، وقيل ـ وهو مما لا بأس به خلافاً لزاعمه ـ «المراد لكان الكثير منه مختلفاً متناقضاً قد تفاوت نظمه وبلاغته فكان بعضه بالغاً حد الإعجاز وبعضه قاصراً عنه يمكن معارضته، وبعضه إخباراً بغيب قد وافق المخبر عنه، وبعضه إخباراً مخالفاً للمخبر عنه، وبعضه دالاً على معنى صحيح عند علماء المعاني، وبعضه دالا على معنى فاسد غير ملتئم فلما تجاوب كله بلاغة معجزة (فائقة) لقوى البلغاء وتناصر صحة معان وصدق إخبار علم أنه ليس إلا من عند قادر على ما لا يقدر عليه غيره عالم بما لا يعلمه سواه انتهى«. / وهو مبني على كون وجه الإعجاز عند علماء العربية كون القرآن في مرتبة الأعلى من البلاغة، وكون المقصود من الآية إثبات القرآن كله وبعضه من الله تعالى، وحينئذ لا يمكن وصف الاختلاف بالكثرة لأنه لا يكون الاختلاف حينئذ إلا بأن يكون البعض منه معجزاً والبعض غير معجز، وهو اختلاف واحد فلذا جعل (وجدوا) متعدياً إلى مفعولين أولهما: {كَثِيراً}، وثانيهما: {ٱخْتِلَـٰفاً} بمعنى مخلفاً، وإليه يشير قوله: لكان الكثير منه مختلفاً وإنما جعل اللازم على تقدير كونه من عند غير الله تعالى كون الكثير مختلفاً مع أنه يلزم أن يكون الكل مختلفاً اقتصاراً على الأقل كما في قوله تعالى: {أية : يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ} تفسير : [غافر: 28] وهو من الكلام المنصف، وبهذا يندفع ما أورد من أن الكثرة صفة الاختلاف والاختلاف صفة للكل في النظم، وقد جعل صفة الكثرة والكثرة صفة الكثير، لأنا لا نسلم أن الكثرة صفة الاختلاف بل هما مفعولا {وَجَدُواْ} وكذا ما أورد من أنه يفهم من قوله: لكان بعضه بالغاً حد الإعجاز ثبوت قدرة غيره تعالى على الكلام المعجز وهو باطل لأنا لا نسلم ذلك فإن المقصود أن القرآن كلاً وبعضاً من الله تعالى أي البعض الذي وقع به التحدي ـ وهو مقدار أقصر سورة منه ولو كان بعض من أبعاضه من غيره تعالى ـ لوجدوا فيه الاختلاف المذكور، وهو أن لا يكون بعضه بالغاً حد الإعجاز ـ قاله بعض المحققين ـ وقال بعضهم: لا محيص عن الإيراد الأخير سوى أن يحمل الكلام على الفرض والتقدير أي لو كان فيه مرتبة الإعجاز ففي البعض خاصة على أن يكون ذلك القدر مأخوذاً من كلام الله تعالى كما في الاقتباس ونحوه ـ إلا أنه لا يخفى بعده، وإلى تفسير الاختلاف بالتفاوت بلاغة وعدم بلاغة ذهب أبو علي الجبائي إلى هذا ونقل عن الزمخشري أن في الآية فوائد: وجوب النظر في الحجج والدلالات، وبطلان التقليد وبطلان قول من يقول: إن المعارف الدينية ضرورية، والدلالة على صحة القياس، والدلالة على أن أفعال العباد ليست بخلق الله تعالى لوجود التناقض فيها انتهى. ولا يخفى أن دلالتها على وجوب النظر في الجملة وبطلان التقليد للكل وقول من يقول: إن المعارف الدينية كلها ضرورية، أما على صحة القياس على المصطلح الأصولي فلا، وأما تقرير الأخير ـ على ما في «الكشف» ـ فلأن اللازم كل مختلف من عند غير الله تعالى على قولهم: إن لو عكس لولا ولو كان أفعال العباد من خلقه لكانت من عنده بالضرورة، وكذبت القضية أو بعض المختلف من عند غير الله تعالى على ما حققه الشيخ ابن الحاجب، والمشهور عند أهل الاستدلال فيكون بعض أفعال العباد غير مخلوقة له تعالى ويكفي ذلك في الاستدلال إذ لا قائل بالفرق بين بعض وبعض إذا كان اختيارياً، وأجاب فيه بأن اللازم كل مختلف هو قرآن من عند غير الله تعالى على الأول، وحينئذ لا يتم الاستدلال، وذكر أن معنى {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ} تعالى عند الجماعة ولو كان قائماً بغيره تعالى ولا مدخل للخلق في هذه الملازمة، وأنت تعلم أنه غير ظاهر الإرادة هنا وكذا استدل بالآية على فساد قول من زعم: إن القرآن لا يفهم معناه إلا بتفسير الرسول صلى الله عليه وسلم أو الإمام المعصوم ـ كما قال بعض الشيعة ـ.

ابن عاشور

تفسير : الفاء تفريع على الكلام السابق المتعلّق بهؤلاء المنافقين أو الكفرةِ الصرحاءِ وبتوليّهم المعرّض بهم في شأنه بقوله: {أية : ومن تولّى فما أرسلناك عليهم حفيظاً}تفسير : [النساء: 80]، وبقولهم {أية : طاعة}تفسير : [النساء: 81]، ثم تدبير العصيان فيما وعدوا بالطاعة في شأنه. ولمّا كان ذلك كلّه أثراً من آثار استبطان الكفر، أو الشكّ، أو اختيار ما هو في نظرهم أولى ممّا أمروا به، وكان استمرارهم على ذلك، مع ظهور دلائل الدّين، منبئاً بقلّة تفهّمهم القرآن، وضعف استفادتهم، كان المقام لتفريع الاستفهام عن قلّة تفهمّهم. فالاستفهام إنكاري للتوبيخ والتعجيب منهم في استمرار جهلهم مع توفّر أسباب التدبير لديهم. تحدّى الله تعالى هؤلاء بمعاني القرآن، كما تحدّاهم بألفاظه، لبلاغته إذ كان المنافقون قد شكّوا في أنّ القرآن من عند الله، فلذلك يظهرون الطاعة بما يأمرهم به، فإذا خرجوا من مجلس النبي صلى الله عليه وسلم خالفوا ما أمرهم به لعدم ثقتهم، ويشكّكون ويشكّون إذا بدا لهم شيء من التعارض، فأمرهم الله تعالى بتدبير القرآن كما قال تعالى: {أية : فأمّا الذين في قلوبهم زيغ فيتّبعون ما تشابه منه}تفسير : [آل عمران: 7] الآية. والتدبّر مشتقّ من الدُّبر، أي الظَّهر، اشتقّوا من الدُّبر فعلاً، فقالوا: تدبّر إذا نظر في دبر الأمر، أي في غائبه أو في عاقبته، فهو من الأفعال التي اشتقّت من الأسماء الجامدة. والتدبّر يتعدّى إلى المتأمَّل فيه بنفسه، يقال: تدبّر الأمَر. فمعنى {يتدبَّرون القرآن} يتأمّلون دلالته، وذلك يحتمل معنيين: أحدهما أن يتأمّلوا دلالة تفاصيل آياته على مقاصده التي أرشد إليها المسلمين، أي تدبّر تفاصيله؛ وثانيهما أن يتأمّلوا دلالة جملة القرآن ببلاغته على أنّه من عند الله، وأنّ الذي جاء به صادق. وسياق هذه الآيات يرجّح حمل التدبُّر هنا على المعنى الأول، أي لو تأمّلوا وتدبّروا هدي القرآن لحصل لهم خير عظيم، ولمَا بَقُوا على فتنتهم التي هي سبب إضمارهم الكفر مع إظهارهم الإسلام. وكلا المعنيين صالح بحالهم، إلاّ أنّ المعنى الأول أشدّ ارتباطاً بما حكي عنهم من أحوالهم. وقوله: {ولو كان من عند غير الله} الخ يجوز أن يكون عطفاً على الجملة الاستفهامية فيكونوا أمروا بالتدبّر في تفاصيله، وأعلموا بما يدلّ على أنّه من عند الله، وذلك انتفاء الاختلاف منه، فيكون الأمر بالتدبّر عامّاً، وهذا جزئيّ من جزئيات التدبّر ذكر هنا انتهازاً لفرصة المناسبة لغَمْرهم بالاستدلال على صدق الرسول، فيكون زائداً على الإنكار المسوق له الكلام، تعرّض له لأنّه من المهمّ بالنسبة إليهم إذ كانوا في شكّ من أمرهم. وهذا الإعراب أليق بالمعنى الأول من معنيي التدبّر هنا. ويجوز أن تكون الجملة حالاً من «القرآن»، ويكون قيداً للتدبّر، أي ألاَ يتدبّرون انتفاء الاختلاففِ منه فيعلمون أنّه من عند الله، وهذا أليق بالمعنى الثاني من معنيي التدبّر. وممّا يستأنس به للإعراب الأوّل عدم ذكر هذه الزيادة في الآية المماثلة لهذه من سورة القتال، وهي قوله: {أية : فإذا أنزلت سورة محكمة وذُكر فيها القتال} تفسير : [محمد: 20] إلى قوله: {أية : أفلا يتدبّرون القرآنَ أم على قلوب أقفالُها}تفسير : [محمد: 24] وهذه دقائق من تفسير الآية أهملها جميع المفسّرين. والاختلاف يظهر أنّه أريد به اختلاف بعضه مع بعض، أي اضطرابه، ويحتمل أنّه اختلافه مع أحوالهم: أي لوجدوا فيه اختلافاً بين ما يذكره من أحوالهم وبين الواقع فليكتفوا بذلك في العلم بأنّه من عند الله، إذ كان يصف ما في قلوبهم وصفَ المطّلع على الغيوب، وهذا استدلال وجيز وعجيب قصد منه قطع معذرتهم في استمرار كفرهم. ووُصِفَ الاختلاف بالكثير في الطَرف الممتنع وقُوعه بمدلول (لو). ليعلم المتدبّر أنّ انتفاء الاختلاف من أصله أكبر دليل على أنّه من عند الله، وهذا القيد غير معتبر في الطرف المقابل لجواب (لو)، فلا يقدَّر ذلك الطرف مقيَّداً بقوله: {كثيراً} بل يقدر هكذا: لكنّه من عند الله فلا اختلاف فيه أصلاً.

الواحدي

تفسير : {أفلا يتدبرون القرآن} أَي: المنافقون، [أفلا] يتأمَّلون ويتفكرون فيه {ولو كان} القرآن {من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً} بالتَّناقض والكذب، والباطل، وتفاوت الألفاظ. {وإذا جاءهم أمرٌ من الأمن...} الآية. نزلت في أصحاب الأراجيف، وهم قومٌ من المنافقين كانوا يُرجفون بسرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويُخبرون بما وقع بها قبل أن يُخبرَ به النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فَيُضعفون قلوب المؤمنين بذلك، ويُؤذون النبيَّ عليه السَّلام بسبقهم إيَّاه بالإِخبار، وقوله: {أمرٌ من الأمن} حديثٌ فيه أمنٌ {أو الخوف} يعني: الهزيمة {أذاعوا به} أَيْ: أفشوه {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم} ولو سكتوا عنه حتى يكون الرَّسول هو الذي يُفشيه، وأولوا الأمر مثل أبي بكر وعمر وعليٍّ رضي الله عنهم. وقيل: أمراء السَّرايا {لعلمه الذين يستنبطونه} يتبعونه ويطلبون علمَ ذلك. {منهم} من الرسول وأولي الأمر {ولولا فضلُ الله} أي: الإِسلام {ورحمته} القرآن {لاتبعتم الشيطان إلاَّ قليلاً} ممَّن عصم الله، كالذين اهتدوا بعقولهم لترك عبادة الأوثان بغير رسولٍ ولا كتابٍ، نحو زيد بن عمرو، وورقة بن نوفل، وطُلاَّب الدِّين، وهذا تذكيرٌ للمؤمنين بنعمة الله عليهم حتى سلموا من النِّفاق، وما ذُمَّ به المنافقون. {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلاَّ نفسك} أَيْ: إلاَّ فعلَ نفسك، على معنى: أنَّه لا ضرر عليك في فعل غيرك، فلا تهتمَّ بتخلُّف مَنْ يتخلَّف عن الجهاد {وحرِّض المؤمنين} حُضَّهم على القتال {عسى الله} واجبٌ من الله {أن يكفَّ} يصرف ويمنع {بأس الذين كفروا} شدَّتهم وشوكتهم {واللَّهُ أشدُّ بأساً} عذاباً {وأشدُّ تنكيلاً} عقوبة. {مَنْ يشفع شفاعة حسنةً} هي كلُّ شفاعة تجوز في الدِّين {يكن له نصيبٌ منها} كان له فيها أجر {ومَنْ يشفع شفاعة سيئة} أَيْ: ما لا يجوز في الدين أن يشفع فيه {يكن له كفلٌ منها} أيْ: نصيبٌ من الوِزر والإِثم {وكان الله على كلِّ شيءٍ مقيتاً} مقتدراً. {وإذا حييتم بتحيَّةٍ} أَيْ: إذا سُلِّم عليكم بسلامٍ {فحيوا بأحسن منها} أَيْ: أجيبوا بزيادةٍ على التحيَّة إذا كان المُسَلِّم من أهل الإِسلام {أو ردُّوها} إذا كان من أهل الكتاب. [فقولوا: عليكم، ولا تزيدوا على ذلك]. {إنَّ الله كان على كلِّ شيء حسيباً} [حفيظاً] مجازياً. {الله لا إله إلاَّ هو ليجمعنَّكم} أَيْ: واللَّهِ ليجمعنَّكم في القبور {إلى يوم القيامة لا ريبَ فيه} [لا شكَّ فيه] {ومَنْ أصدقُ من الله حديثاً} أَيْ: قولاً وخبراً، يريد: أنَّه لا خُلفَ لوعده.

القطان

تفسير : يتدبرون: يتأملون. أفلا يتدبر اولئك المنافقون ويتفكرون جيداً في القرآن حتى يعلموا حقيقة الرسالة التي يدلّ عليها ويهدي اليها ذلك الكتاب! ما بالهم يعمون عن هذا التناسق الذي في سُوَره وآياته، وتلك الأخبار والأحكام التي جاء بها، والحقائق التي تصوّرها العقائد، وقواعد الشرائع، وسياسة الشعوب والقبائل وضرب الأمثال! كيف يتأتى هذا كله لرجل أمّي: لو كان هذا الكتاب من عند غير الله، لتناقضت معانيه واختلفت أحكامه اختلافاً كثيرا.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْقُرْآنَ} {ٱخْتِلاَفاً} (82) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى هَؤُلاءِ المُنَافِقِينَ بَأنْ يَتَدَّبُروا مَعَانِيَ القُرْآنِ، وَيَتَفَّهَمُوا مَا فِيهِ مِنْ إِحْكَامٍ وَبَلاَغَةٍ، وَلَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ، لَعَلِمُوا أنَّهُ الحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ، وَأنَّ مَا وَعَدَ بِهِ اللهُ المُتَّقِينَ الصَّادِقِينَ وَمَا أَنْذَرَ بِهِ المُنَافِقِينَ وَالكَافِرِينَ، وَاقِعٌ لاَ مَحَالَةَ. وَيُخْبِرُهُمْ بِأنَّهُ لاَ اخْتِلاَفَ فِيهِ، وَلا اضْطِرَابَ، وَلاَ تَعَارُضَ، لأنَّهُ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ، وَلَوْ كَانَ مُنْزَّلاً مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَمَا خَلاَ مِنِ اخْتِلافٍ وَتَعَارُضٍ، لأنَّهُ يَكُونُ مِنْ عَمَلِ المَخْلُوقَاتِ، وَعَمَلُ المَخْلُوقَاتِ لاَ يَخْلُو مِنَ الاخْتِلافِ وَالتَّنَاقُضِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وإذا سمعت كلمة "أفلا" فأعلم أن الأسلوب يقرّع من لا يستعمل المادة التي بعده. { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ} أي كان الواجب عليهم أن يتدبروا القرآن، فهناك شيء اسمه "التدبر"، وشيء اسمه "التفكر"، ثالث اسمه "التذكر"، ورابع اسمه "العلم"، وخامس اسمه "التعقل"، ووردت كل هذه الأساليب في القرآن، "أفلا يعلمون"، "أفلا يعقلون"، "أفلا يتذكرون"، "أفلا تتكفرون". هي إذن تدبر، تفكر، تذكر، وتعقل، وعلم. وحين يأتي مخاطبك ليطلب منك أن تستحضر كلمة "تدبر"؛ فمعنى هذا أنه واثق من أنك لو أعملت عقلك إعمالاً قوياً لوصلت إلى الحقيقة المطلوبة، لكن الذي يريد أن يغشك لا ينبه فيك وسائل التفتيش، مثل التاجر الذي تدخل عنده لتشتري قماشاً، فيعرض قماشه، ويريد أن يثبت لك أنه قماش طبيعي وقوي وليس صناعياً، فيبله لك ويحاول أن يمزقه فلا يتمزق، إنه ينبه فيك الحواس الناقدة، فإذا نبه فيك الحواس الناقدة فمعنى ذلك: أنه واثق من أن إعمال الحواس الناقدة في صالح ما ادعاه، ولو كان قماشه ليس في صالح ما ادعاه لحاول خداعك، لكنه يقول لك: انظر جيداً وجرب. والحق يقول: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ} والتدبر هو كل أمر يُعرض على العقل له فيه عمل فتفكر فيه لتنظر في دليل صدقه، هذه أول مرحلة، فإذا ما علمت دليل صدقة فأنظر النتيجة التي تعود عليك لو لم تعملها؛ و "تتدبر" تعني أن تنظر إلى أدبار الأشياء وأعقابها، فالرسول يبلغك: الإله واحد، إبحث في الأدلة بفكرك، فإذا ما انتهيت إليها آمنت بأن هناك إلهاً واحداً. وإياك أن تقول إنها مسألة رفاهية أو سفسطة؛ لأنك عندما تنظر العاقبة ماذا ستكون لو لم تؤمن بالإله الواحد. سيكون جزاؤك النار. إذن فتدبرت تعني: نظرت في أدبار الأشياء وحاولت أن ترى العواقب التي تحدث منها، وهذه مرحلة بعد التفكر. فالتفكر مطلوب أن تتذكر ما عرفته من قبل إن طرأ عليك نسيان. فالتفكر يأتي أولاً وبعد ذلك يأتي التدبر. وأنت تقول - مثلاً - لابنك: لكي يكون مستقبلك عاليا وتكون مهندسا أو طبيبا عليك أن تذاكر وتجتهد، فيفكر الولد في أن يكون ذا مكانة مثل المتفوقين في المهن المختلفة في المجتمع، ويبذل الجهد. إذن فأول مرحلة هي: التفكر، والثانية هي: التدبر، فإذا غفلت نقول لك: تذكر ما فكرت فيه وانتهيت إليه وتدبر العاقبة، هذه كلها عمليات عقلية: فالتفكير يبدأ بالعقل، والعقل ينظر أيضاً في العاقبة ثم تعمل الحافظة لتذكرك بما فات وبما كان في بؤرة الشعور ثم انتقل إلى حاشية الشعور، فإذا كنت قد تعقلت الأمر لذاتك يقال: عقلته. فإن فهمت ما عقله غيرك فقد علمت ما عقله فلان. إذن فليس ضروريا أن تكون قد انتهيت إلى العلم بعقلك، بل أنت أخذت حصيلة تعقل غيرك، ولذلك عندما ينفي ربنا عن واحد العلم فإنه قد نفي عنه التعقل من باب أولى؛ ذلك أن العلم يعني قدرته على تعقل قدرات غيره، دون الوصول إلى قوانينها وقواعدها وأصولها، إنه فحسب يعلم كيف يستفيد وينتفع بها، وفي حياتنا اليومية نجد أن الأمي ينتفع بالتليفزيون وينتفع بالكهرباء، أي انتفع بعلم غيره. لكنه لا يتعقل قدرات ذلك العَالِم. إذن فدائرة العلم أوسع؛ لأنك تعرف بعقلك أنت. أما في دائرة العلم فإنك تعلم وتفهم ما عقله سواك. ولذلك فعندما يأتي ربنا ليعرض هذه القضية يقول: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} تفسير : [البقرة: 170]. وفي المعنى نفسه يأتي في آية أخرى عندما يقول لهم: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} تفسير : [المائدة: 104]. في الآية الأولى قال سبحانه: "لا يعقلون" لأنهم قالوا: "بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا" بدون طرد لغيره، وفي الثانية قالوا: "حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا" بإصرار على رفض غيره والخضوع لسواه، فقال: "لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون"، وسبحانه هنا نفي عن آبائهم العلم الذي هو أوسع من نفي التعقل؛ لأن نفي التعقل يعني نفي القدرة على الاستنباط. لكنه لا ينفي أن ينتفع الإنسان بما استنبطه غيره. {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً}.. والحق سبحانه وتعالى حينما يحث المستمعين للاستماع إلى كلامه وخاصة المخالفين لمنهجه أن يتدبروا القرآن، معناه أنه يحب منهم أن يُعملوا عقولهم فيما يسمعون؛ لأن الحق يعلم أنهم لو أعملوا عقولهم فيما يسمعون لانتهوا إلى قضية الحق بدون جدال، ولكن الذي يجعلهم في مواقف يعلنون الطاعة {فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِي تَقُولُ}، إن هذا دليل على أنهم لم يتدبروا القرآن، وقوله الحق: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ} تأتي بعد تلك الآية، كأنها جاءت ودليلها يسبقها، فهم لو تدبروا القرآن لعلموا أن الرسول صادق في البلاغ عن الله وأن هذا كلام حق. وبالله حين يبيتون في نفوسهم أو يبيتون بليل غير الذي قالوه لرسول الله، فمن الذي قال لرسول الله: إنهم بيتوا هذا؟! إذن فلو تدبروا مثل هذه لعلموا أن الذي أخبر رسول الله بسرائرهم وتبييتهم ومكرهم إنما هو الله، إذن فرسول الله صادق في التبليغ عن الله، وما دام رسول الله صادقا في التبليغ عن الله، فتعود للآية الأولى {مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ}، وكل الآيات يخدم بعضها بعضاً، فالقرآن حين نزل باللسان العربي شاء الله ألا يجعل كل مستمع له من العرب يؤمن به أولا؛ لأنهم لو آمنوا به جميعا أولاً لقالوا: إيمانهم بالقرآن جعلهم يتغاضون عن تحدي القرآن لهم. لكن يظل قوم من المواجهين بالقرآن على كفرهم، والكافر في حاجة إلى أن يُعَارِض ويُعارَض. فإذا ما وجد القرآن قد تحداه أن يأتي بمثله، وتحداه مرة أن يأتي بعشر سور من مثله، وتحداه بأن يأتي بأقصر سورة من مثله، هذا هو التحدي للكافر.. ألا يهيج فيه هذا التحدي غريزة العناد؟ ولم يقل منهم أحد كلمة، فما معنى ذلك؟ معناه: أنهم مقتنعون بأنه لا يمكن أن يصلوا لذلك واستمروا على كفرهم وكانوا يجترئون ويقولون ما يقولون. ومع ذلك فالقرآن يمر عليهم ولا يجدون فيه استدراكاً. كان من الممكن أن يقولوا: إن محمدا يقول القرآن معجز وبليغ وقد أخطأ في كذا وكذا. ولو كانوا مؤمنين لأخفوا ذلك، لكنهم كافرون والكافر يهمه أن يشيع أي خطأ عن القرآن، وبعد ذلك يأتي قوم ليست لهم ملكة العربية ولا فصاحة العربية، ليقولوا إن القرآن فيه مخالفات! فكيف يتأتى لهم ذلك وليس عندهم ملكة العربية، ولغتهم لغة مصنوعة، وليس لهم ملكة فصاحة، فكيف يقولون: إن القرآن فيه مخالفات؟ لقد كان العرب الكافرون أولى بذلك، فقد كانت عندهم ملكة وفصاحة وكانوا معاصرين لنزول القرآن، وهم كافرون بما جاء به محمد ولم يقولوا: إن في القرآن اختلافاً!! هذا دليل على أن المستشرقين الذين ادعوا ذلك يعانون من نقص في اللغة. ونقول لهم: لقد تعرض القرآن لأشياء ليُثبت فصاحته وبلاغته عند القوم الذين نزل لهم أولا. فمنهم من سيحملون منهج الدعوة، ثم حمل القرآن معجزات أخرى لغير الأمم العربية، فمعجزة القرآن ليست فصاحة فقط، وإلا لقال واحد: هو أعجز العرب، فما شأن العجم والرومان؟ ونقول له: أكل الإعجاز كان في أسلوبه؟ لا، الإعجاز في أشياء تتفق فيها جميع الألسنة في الدنيا؛ لأنه يأتي ليثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشهادة خصومه لم يبارح الجزيرة إلا في رحلة التجارة للشام، ولم يثبت أنه جلس إلى معلم، وكلهم يعرف هذا، حتى الغلطة التي أخطأوا فيها، جاء ربنا بها ضدهم فقال: {أية : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} تفسير : [النحل: 103]. يقصدون بـ "بشر" هذا غلاماً كان لحويطب بن عبد العزى قد أسلم وحسن إسلامه، أو غلاما آخر روميّاً أو سلمان الفارسي، فأوضح الحق: تعقلوا جيدا، فمحمد لم يجلس إلى معلم، ولم يذهب في رحلات. وبعد ذلك جاء القرآن تحدياً لا بالمنطق ولا باللغة ولا بالفصاحة ولا بالبيان فحسب، بل بالأمر الشامل لكل العقول وهو كتاب الكون. ووقائعه وأحداثه التي يشترك فيه كل الناس. والكون - كما نعرف - له حجب، فالأمر الماضي حجابه الزمن الماضي والذي كان يعيش أيامه يعرفه، والذي لم يكن في أيامه لا يعرفه، إذن فأحداث الماضي حجبها الزمن الماضي، وأحداث المستقبل حجزها المستقبل؛ لأنها لم تقع بعد. والحاضر أمامنا، فيجعل له حاجزاً هو المكان، فيأتي القرآن في أساليبه يخرق كل هذه الحجب، ثم يتحدى على سبيل المثال ويقول: {أية : وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ وَمَا كنتَ مِنَ ٱلشَّاهِدِينَ} تفسير : [القصص: 44]. وسبحانه يقول: {أية : وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} تفسير : [القصص: 45]. وسبحانه يقول: {أية : وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ} تفسير : [العنكبوت: 48]. وكل "ما كنتط في القرآن تأتي بأخبار عن أشياء حدثت في الماضي. بالله لو كانوا يعلمون أنه علم أو جلس إلى معلم، أكانوا يسكتون؟ طبعا لا، لأن هناك كفاراً أرادوا أي ثغرة لينفذوا منها، وبعد ذلك يأتي القرآن لحجاب الزمن المستقبل ويخرقه، يحدث ذلك والمسلمون لا يقدرون أن يحموا أنفسهم فيقول الحق: {أية : سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ} تفسير : [القمر: 45]. حتى أن عمر بن الخطاب يقول: أي جمع هذا؟ وينزل القرآن بآيات تتلى وتسجل وتحفظ.. وتأتي غزوة "بدر" ويهزم الجمع فعلاً. وتنزل آية أخرى في الوليد ابن المغيرة الجبار المفتري: {أية : سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ} تفسير : [القلم: 16]. ويتساءل بعضهم: هل نحن قادرون أن نصل إليه؟ وبعد ذلك تأتي غزوة "بدر" فينظرون أنفه فيجدون السيف قد خرطه وترك سمة وعلامة عليه، فمن الذي خرق حجاب الزمن المستقبل؟ إنه الله. وليس محمداً، فإذا تدبرتم المسائل حق التدبر لعلمتم أن محمداً ما هو إلا مبلغ للقرآن، وأن الذي قال القرآن هو الإله الذي ليس عنده ماضٍ ولا حاضر ولا مستقبل، بل كل الزمن له، ويأتي القرآن فيقول: {أية : وَيَقُولُونَ فِيۤ أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ} تفسير : [المجادلة: 8]. هم قالوا في أنفسهم ولم يسمع لهم أحد، ثم ينزل القرآن فيخبر بما قالوه في أنفسهم.. فماذا يقولون إذن؟ وهم لو تدبروا القرآن لعلموا أن الحق سبحانه وتعالى هو الذي أخبر رسول الله بما قالوا في أنفسهم.. فهذه الآية { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ} جاءت بعد {فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِي تَقُولُ}، إذن فقد فُضحوا، فلو كانوا يتدبرون لعلموا أن الله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق هو الذي أخبره بما بيتوا، والذين لا يفهمون اللغة يطيرون فرحاً باختلاف توهموا أنه موجود بالقرآن، يقولون: إن الحدث الواحد المنسوب إلى فاعل واحد لا ينفي مرة ويثبت مرة أخرى، فإن نفيته لا ثتبته، وإن أثبته لا تنفه، لكن القرآن فيه هذا. وهييء لهم ذلك في قول الحق: {أية : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ} تفسير : [الأنفال: 17]. و "ما رميت" هو نَفَي "الرمي"، و "إذ رميت" أَثْبت "الرمي" وجاء القرآن بالفعل وهو "رميت"، والفاعل هو "رسول الله صلى الله عليه وسلم" فكيف يثبت الفعل مرة وينفيه مرة في آية واحدة؟ ونقول لهم: لأنكم ليس عندكم ملكة العربية قلتم هذا الكلام، أما من عنده ملكة العربية وهي أصيلة وسليقة وطبيعة وسجية فيه، فقد سمع الآية ولم يقل مثل هذا الكلام، مما يدل على أنه فهم مؤداها. ثم لماذا نبتعد ونقول من أيام الجاهلية، لنأخذ من حياتنا اليومية مثلاً، أنت إذا ما جئت مثلاً لولدك وقلت له: ذاكر لأن الامتحان قد قرب، وأنا جالس معك لأرى هل ستذاكر أو لا. فيأخذ الولد كتابه ويجلس إلى مكتبه وبعد ذلك يفتح الكتاب ويقلب الأوراق ويهز رأسه. وبعد مدة تقول له: تعال انظر ماذا ذاكرت. فتمسك الكتاب وتسأله سؤالين فيما ذاكر.. فلا يجيب، فتقول له: ذاكرت وما ذاكرت. أي أنك فعلت شكلية المذاكرة، ولا حصيلة لك في موضوع المذاكرة. قولك: "ذاكرت" هو إثبات للفعل، وقولك: "وما ذاكرت" هو نفي للفعل. فإذا جاء فعل من فاعل واحد مثبت مرة ومنفي مرة من كلام البليغ. فاعلم أن جهة الإثبات غير جهة النفي. وقوله الحق: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ} فكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما جاء إلى المعركة أخذ حفنة من الحصى، وجاء ورمي بها جيش العدو. إذن فالعملية الشكلية قام بها النبي صلى الله عليه وسلم، لكن أَلِرَسول الله قدرة أن يُرسل الحصى إلى كل جيش العدو؟ إن هذه ليست في طاقته، فقول الحق: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ}. أنت أخذت شكلية الرمي، أما موضوعية الرمي فهي لله سبحانه وتعالى. ويأتي مثلاً في آية أخرى يقول: {أية : وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [الروم: 6]. وهذا نفي. ثم يقول بعدها مباشرة: {أية : يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} تفسير : [الروم: 7]. وتتساءلون أيقول: "لا يعلمون".. ثم يقول: "يعلمون" بعدها مباشرة؟ نعم فهم لا يعلمون العلم المفيد، وقوله: {يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أنهم لا يعلمون بواطن الأمور ولا عواقبها. فإذا جاء فعل فثبت مرة ونفي مرة أخرى فلا بد أن الجهة منفكة. مثال ذلك هو قول الحق: {أية : فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ} تفسير : [الرحمن: 39]. ثم يقول القرآن في موقع آخر: {أية : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ} تفسير : [الصافات: 24]. ومعناها أنهم سيُسألون. ونقول: اجعلوا عندكم ملكة العربية، ألا يسأل الأستاذ تلميذه. إذن فالسؤال قد يقع من العالم ليُعْلم ما عند المسئول ويُقِرُّ به، وليس ليَعْلَم العالم ما عند المسئول، وعندما يقول ربنا: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ}.. فإياكم أن يذهب ظنكم إلى أن الله يسأل لأنه لا يعلم، وإنما يسأل ليقرركم لتكون حجة الإقرار أقوى من حجة الاختبار. إذن فإن رأيت شيئاً نفي، وأثبت في مرة أخرى فاعلم أن الجهة منفكة. وحينما نتكلم عن إعجاز القرآن نجده يقول: {أية : وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} تفسير : [الأنعام: 151]. وجاء في الآية الثانية وقال ربنا: {أية : نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم} تفسير : [الإسراء: 31]. قد يقول من لا يملك ملكة اللغة: فأيهما بليغة؟ إن كانت الأولى فالثانية ليست بليغة، وإن كانت الثانية فالأولى ليست بليغة. نقول له: أنت أخذت عجز كل آية فقط. وعليك أن تأخذ عجز كل آية مع صدرها. صحيح أن عجز الآية مختلف؛ لأنه يقول في الأولى: {نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} وفي الثانية يقول: {نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم}. ولكن هل صدر الآية متحد؟ لا، فصدر كل آية مختلف؛ لأنه قال: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ}. فكأن الإملاق موجود.. حاصل؛ لذلك شغل المخاطب برزقه قبل أن يشغل برزق ولده.. ويخاف أن يأتي له الولد فلا يجد ما يطعمه. لأنه هو نفسه فقير. فيطمئنه الله على رزقه أولا ثم بعد ذلك يطمئنه على رزق من سيأتي: {نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ}.. لكن في الآية الثانية لم يقل ذلك.. بل قال {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ} كأنه يخاف أن يفقد ماله ويصير فقيراً عندما يأتي الولد، وما دام قد قال: {خَشْيَةَ إِمْلاقٍ} فهذا يعني أن الإملاق غير موجود، ولكنه يخاف الإملاق إن جاء الولد، يخاف أن يأتيه الولد فيأتيه الفقر معه، فأوضح الحق له: لا تخف فسيأتي الولد برزقه.. {نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم} إذن إن نظرت إلى الآية عجزها مع صدرها.. تجد العلاقة مكتملة، ويحاول بعضهم أن يجد منفذاً للطعن في بلاغة القرآن فيتساءل لماذا يقول الحق في آية في القرآن: {أية : وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} تفسير : [لقمان: 17]. وفي سورة ثانية يقول: {أية : وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} تفسير : [الشورى: 43]. ونقول لهم: أنتم لم تفهموا الآيات على حقيقتها. ففي الآية الأولى يقول: {وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} أي في المصائب التي لا غريم لك فيها. وما دام ليس لك غريم فيها.. فماذا تفعل؟ لكن إذا كان لك غريم وخصم فقد تتحرك نفسك بأن تنتقم منه. ولذلك فانتبه لقوله الحق: {وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} يناسب الموقف الذي لا يوجد فيه غريم، وفي الآية الثانية: {إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} فالآية تناسب الموقف الذي فيه غريم لأنك ستصبر على المصيبة وعلى من عملها من غريم؛ لأنك كلما رأيته تهيج نفسك وهذا يحتاج لتأكيد الصبر بقوة، وتلك هي كلمات المستشرقين الذين يريدون الطعن في القرآن ويقولون لنا: أنتم تنظرون للقرآن بقداسة لكنكم لو نظرتم إليه بتفحص لوجدتم أن فيه اختلافات كثيرة، نقول لهم: قولوا لنا المخالفات، ونحن رددنا على هذا في ثنايا خواطرنا عن القرآن، ومنهم من يقول لك مثلاً: القرآن عندما تعرض لقضية خلق السماوات والأرض جاءت كل الآيات لتؤكد أن الله سبحانه خلقها في ستة أيام.. لكنهم يقولون عندما نذهب إلى آيات التفصيل في قوله: {أية : قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ * ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ} تفسير : [فصلت: 9-12]. نجدها ثمانية أيام فقالوا: هذا خلاف. نقول لهم: أنتم لم تفهموا. فسبحانه حين قال: {قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ}، فهل تكلم عما تستقيم به الحياة على الأرض؟ إنه عندما تكلم عن الأرض يقول: {قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا}، فهذه تكون تتمة الأرض لأنه يتكلم عن الأرض.. {وَجَعَلَ فِيهَا} أي الأرض.. {رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا}.. وكل ذلك في الأرض.. إذن فالمرحلة الثانية مرحلة تتمة خلق الأرض فسبحانه خلق الأرض كجرم أولاً، وبعد ذلك جعل فيها الرواسي وجعل فيها الأقوات وبارك فيها. في كم يوما؟ في أربعة أيام فكأن اليومين الأولين دخلا في الأربعة، لأن هذه تتمة خلق الأرض. ولله المثل الأعلى، مثلما تقول: سرت من هنا إلى الإسماعيلية في ساعة، وإلى بورسعيد في ساعتين، فقولك: إلى بورسعيد في ساعتين، يعني أن الساعة الأولى تم حسابها، إذن فهؤلاء المستشرقون لم يفهموا معطيات القرآن؛ لذلك يقول سبحانه: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ} فإن وجدت شيئا ظاهريا يثير تساؤلا في القرآن فأعمل عقلك، وأعمل فكرك كي تعرف أن التناقض في فهمك أنت وليس التناقض في القرآن؛ لأنه مِنْ عند مَن إذا قص واقعا قصه على حقيقته، وعند مَن لا يغيب شيء عنه، لا حجاب الزمن الماضي، ولا حجاب الزمن المستقبل، ولا حجاب المكان، ولا حجاب المكين { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً}، فالقرآن كتاب كبير به أربع عشرة ومائة سورة، بالله هاتوا أي أديب من الأدباء كي يكتب هذا، ثم انظروا في فصاحته، إنّكم ستجدونه قويا في ناحية وضعيفا في ناحية أخرى، وبعد ذلك قد تجدونه أخل بالمعنى، وقال كلمتين هنا ثم جاء بما يناقضهما بعد ذلك! مثلما فعل أبو العلاء المعري عندما قال: شعر : تحطمنا الأيام حتى كأننا زجاج ولكن لا يعاد لنا سبك تفسير : وكان أيام قوله هذا: ينكر البعث. وعندما رجع إلى صوابه بعد ذلك قال: شعر : زعم المنجم والطبيب كلاهما لا تحشر الأجساد قلت إليكما إن صح قولكما فلست بخاسر أو صحّ قولي فالخَسار عليكما تفسير : إذن فالتناقض يأتي مع صاحب الأغيار الذي كان له رأي أولاً ثم عدلته التجربة أو الواقع إلى رأي آخر. لكن ربنا سبحانه وتعالى لا يتغير ومعلومه لا يتغير فهو الحق، إذن فالتناقض يأتي إما من واحد يكذب؛ لأن الواقع لم يحكمه، وإما من واحد هو في ذاته متغير، فرأى رأياً ثم عدل عنه، فيكون متغيراً. لكن الحق سبحانه وتعالى لا يتغير.. ويقول على الواقع الحق: { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً}. والواقع أيضاً أننا نجد كل قضية قرآنية تعرض كنص من نصوص القرآن أنزله الله على رسوله.. هذه القضية القرآنية في كون له تغيرات، والتغيرات بعضها يكون من مؤمن بالقرآن، وبعضها يكون من غير مؤمن بالقرآن، فهل رأيت قضية قرآنية ثم جاءت قضية الكون حتى من غير المؤمنين فكذبتها؟. لا، هم في الغرب مثلاً بعد الحرب العالمية الأولى اخترعوا أسطوانة تحطيم الجوهر الفرد والجزء الذي لا يتجزأ.. وكانت تلك أول مرحلة في تفتيت الذرة، ونجد القرآن يضرب المثل بالذرة، وأنها أصغر شيء في قوله سبحانه: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ} تفسير : [الزلزلة: 7]. وضع العلماء أيديهم على قلوبهم لأن الذرة قد تفتت. فوجد ما هو أصغر من الذرة!! ووجدنا من قرأ القرآن.. وقال: إن القرآن نزل في عصر كان أصغر شيء فيه "الذرة" عند العربي القديم، والله يعلم أزلا أن العلم سيطمح ويرتقي ويفتت الذرة، فقال: {أية : عَالِمِ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} تفسير : [سبأ: 3]. لقد تدبر صاحب هذا القول القرآن وفهم عن الله الذي تتساوى عنده الأزمنة، فالمستقبل مثل الماضي، ليس عنده علم مستقبل وعلم حاضر وعلم ماضٍ، وأوضح لنا: أن هناك ما هو أصغر من الذرة. فلو فتتوا المفتت منها لوجدنا في القرآن له رصيداً. تعالوا للقضايا الاجتماعية مثلاً. تجدوا أي قضية قرآنية يجتمع لها خصوم القرآن ليجدوا مطعناً، فنجد من لم يفهموا من المسلمين يجرون وراءهم ويقولون: هذه الأمور لم تعد ملائمة للعصر، ثم نجد أعداء الإسلام يواجَهُون بظروف لا يجدون حلاً لمشكلاتهم إلا ما جاء في القرآن. { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً}. ومثال آخر: بعض الناس يقولون: هناك اختلاف في القراءات.. مثل قوله تعالى: {أية : مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} تفسير : [الفاتحة: 4]. ويقول: هناك من يقرؤها "مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ".. لكن هناك ما يُسمى "تربيب الفائدة" لأن كلمة "مالك" وكلمة "مَلِك" معناهما واحد، والقرآن كيف يكون من عند غير الله؟ { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ} - أي القرآن - "من عند غير الله" أغير الله كان يأتي بقرآن؟! لا. إنما القرآن لا يأتي إلا من الله سبحانه وتعالى، {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً}. إن قوله سبحانه: { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ} تكريم للإنسان، فكأن الإنسان قد خلقه الله ليستقبل الأشياء بفكر لو استعمله استعمالاً حقيقياً لانتهى إلى مطلوبات الحق، وهذه شهادة للإنسان، فكأن الإنسان مزود بآلة فكرية.. هذه الآلة الفكرية لو استعملها لوصل إلى حقائق الأشياء، ولاحق لا يريد منا إلا أن نعمل هذه الآلة: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً} فالقرآن كلام الله، وكلام الله صفته، وصفة الكامل كاملة، والاختلاف يناقض الكمال. فمعنى الاختلاف أنك تجد آية تختلف مع آية أخرى، فكأن الذي قال هذه نسي أنه قالها!! وبعد ذلك جاء بأمر يناقضها، ولو كان عنده كمال لعرف ما قال أولاً كي لا يخالفه ثانياً. إذن فلا تضارب ولا اختلاف في القرآن؛ لأنه من عند الله. وبعد ذلك يقول الحق: {وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يأمر تعالى بتدبر كتابه، وهو التأمل في معانيه، وتحديق الفكر فيه، وفي مبادئه وعواقبه، ولوازم، ذلك فإن تدبر كتاب الله مفتاح للعلوم والمعارف، وبه يستنتج كل خير وتستخرج منه جميع العلوم، وبه يزداد الإيمان في القلب وترسخ شجرته. فإنه يعرِّف بالرب المعبود، وما له من صفات الكمال; وما ينزه عنه من سمات النقص، ويعرِّف الطريق الموصلة إليه وصفة أهلها، وما لهم عند القدوم عليه، ويعرِّف العدو الذي هو العدو على الحقيقة، والطريق الموصلة إلى العذاب، وصفة أهلها، وما لهم عند وجود أسباب العقاب. وكلما ازداد العبد تأملا فيه ازداد علما وعملا وبصيرة، لذلك أمر الله بذلك وحث عليه وأخبر أنه [هو] المقصود بإنزال القرآن، كما قال تعالى: {أية : كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ } تفسير : وقال تعالى: {أية : أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } . تفسير : ومن فوائد التدبر لكتاب الله: أنه بذلك يصل العبد إلى درجة اليقين والعلم بأنه كلام الله، لأنه يراه يصدق بعضه بعضا، ويوافق بعضه بعضا. فترى الحكم والقصة والإخبارات تعاد في القرآن في عدة مواضع، كلها متوافقة متصادقة، لا ينقض بعضها بعضا، فبذلك يعلم كمال القرآن وأنه من عند من أحاط علمه بجميع الأمور، فلذلك قال تعالى: { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا } أي: فلما كان من عند الله لم يكن فيه اختلاف أصلا.