٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
83
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى حكى عن المنافقين في هذه الآية نوعا آخر من الأعمال الفاسدة، وهو أنه إذا جاءهم الخبر بأمر من الأمور سواء كان ذلك الأمر من باب الأمن أو من باب الخوف أذاعوه وأفشوه، وكان ذلك سبب الضرر من وجوه: الأول: أن مثل هذه الارجافات لا تنفك عن الكذب الكثير. والثاني: أنه إن كان ذلك الخبر في جانب الأمن زادوا فيه زيادات كثيرة، فاذا لم توجد تلك الزيادات أورث ذلك شبهة للضعفاء في صدق الرسول عليه السلام، لأن المنافقين كانوا يروون تلك الارجافات عن الرسول، وإن كان ذلك في جانب الخوف تشوش الأمر بسببه على ضعفاء المسلمين، ووقعوا عنده في الحيرة والاضطراب، فكانت تلك الارجافات سببا للفتنة من هذا الوجه. الوجه الثالث: وهو أن الارجاف سبب لتوفير الدواعي على البحث الشديد والاستقصاء التام، وذلك سبب لظهور الأسرار، وذلك مما لا يوافق مصلحة المدينة. الرابع: أن العداوة الشديدة كانت قائمة بين المسلمين وبين الكفار، وكان كل واحد من الفريقين في إعداد آلات الحرب وفي انتهاز الفرصة فيه، فكل ما كان آمناً لأحد الفريقين كان خوفا للفريق الثاني، فإن وقع خبر الأمن للمسلمين وحصول العسكر وآلات الحرب لهم أرجف المنافقون بذلك فوصل الخبر في أسرع مدة إلى الكفار، فأخذوا في التحصن من المسلمين، وفي الاحتراز عن استيلائهم عليهم، وإن وقع خبر الخوف للمسلمين بالغوا في ذلك، وزادوا فيه وألقوا الرعب في قلوب الضعفة والمساكين، فظهر من هذا أن ذلك الارجاف كان منشأ للفتن والآفات من كل الوجوه، ولما كان الأمر كذلك ذم الله تلك الاذاعة وذلك التشهير، ومنعهم منه. واعلم أن قوله: أذاع به لغتان. ثم قال تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ }. وفيه مسائل: المسألة الأولى: في {أُوْلِى ٱلأَمْرِ } قولان: أحدهما: إلى ذوي العلم والرأي منهم. والثاني: إلى أمراء السرايا، وهؤلاء رجحوا هذا القول على الأول، قالوا لأن أولي الأمر الذين لهم أمر على الناس، وأهل العلم ليسوا كذلك، إنما الأمراء هم الموصوفون بأن لهم أمراً على الناس. وأجيب عنه: بأن العلماء إذا كانوا عالمين بأوامر الله ونواهيه، وكان يجب على غيرهم قبول قولهم لم يبعد أن يسموا أولي الأمر من هذا الوجه، والذي يدل عليه قوله تعالى: {أية : لّيَتَفَقَّهُواْ فِى ٱلدّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } تفسير : [التوبة: 122] فأوجب الحذر بانذراهم وألزم المنذرين قبول قولهم، فجاز لهذا المعنى إطلاق اسم أولي الأمر عليهم. المسألة الثانية: الاستنباط في اللغة الاستخراج؛ يقال: استنبط الفقيه اذا استخرج الفقه الباطن باجتهاده وفهمه، وأصله من النبط وهو الماء الذي يخرج من البئر أول ما تحفر، والنبط إنما سموا نبطا لاستنباطهم الماء من الأرض. المسألة الثالثة: في قوله: {ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } قولان: الأول: أنهم هم أولئك المنافقون المذيعون، والتقدير: ولو أن هؤلاء المنافقين المذيعين ردوا أمر الأمن والخوف إلى الرسول وإلى أولي الأمر، وطلبوا معرفة الحال فيه من جهتهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم، وهم هؤلاء المنافقون المذيعون منهم، أي من جانب الرسول ومن جانب أولي الأمر. القول الثاني: أنهم طائفة من أولي الأمر، والتقدير: ولو أن المنافقين ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر لكان علمه حاصلا عند من يستنبط هذه الوقائع من أولي الأمر، وذلك لأن أولي الأمر فريقان، بعضهم من يكون مستنبطا، وبعضهم من لا يكون كذلك، فقوله: {مِنْهُمْ } يعني لعلمه الذين يستنبطون المخفيات من طوائف أولي الأمر. فان قيل: إذا كان الذين أمرهم الله برد هذه الأخبار إلى الرسول وإلى أولي الأمر هم المنافقون، فكيف جعل أولي الأمر منهم في قوله: {وَإِلَىٰ أُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ }. قلنا: إنما جعل أولي الأمر منهم على حسب الظاهر، لأن المنافقين يظهرون من أنفسهم أنهم يؤمنون، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطّئَنَّ } تفسير : [النساء: 72] وقوله: {أية : مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مّنْهُمْ } تفسير : [النساء: 66] والله أعلم. المسألة الرابعة: دلت هذه الآية على أن القياس حجة في الشرع، وذلك لأن قوله: {ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } صفة لأولي الأمر، وقد أوجب الله تعالى على الذين يجيئهم أمر من الأمن أو الخوف أن يرجعوا في معرفته إليهم، ولا يخلو إما أن يرجعوا اليهم في معرفة هذه الوقائع مع حصول النص فيها، أولا مع حصول النص فيها، والأول باطل، لأن على هذا التقدير لا يبقى الاستنباط لأن من روى النص في واقعة لا يقال: إنه استنبط الحكم، فثبت أن الله أمر المكلف برد الواقعة إلى من يستنبط الحكم فيها، ولولا أن الاستنباط حجة لما أمر المكلف بذلك، فثبت أن الاستنباط حجة، والقياس إما استنباط أو داخل فيه، فوجب أن يكون حجة. إذا ثبت هذا فنقول: الآية دالة على أمور: أحدها: أن في أحكام الحوادث ما لا يعرف بالنص بل بالاستنباط. وثانيها: أن الاستنباط حجة: وثالثها: أن العامي يجب عليه تقليد العلماء في أحكام الحوادث. ورابعها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مكلفا باستنباط الأحكام لأنه تعالى أمر بالرد إلى الرسول وإلى أولي الأمر. ثم قال تعالى: {لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } ولم يخصص أولي الأمر بذلك دون الرسول وذلك يوجب أن الرسول وأولي الأمر كلهم مكلفون بالاستنباط. فان قيل: لا نسلم أن المراد بقوله: {ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } هم أولوا الأمر، بل المراد منهم المنافقون المذيعون على ما رويتم هذا القول في تفسير الآية، سلمنا أن المراد بالذين يستنبطونه منهم أولو الأمر لكن هذه الآية إنما نزلت في شأن الوقائع المتعلقة بالحروب والجهاد، فهب أن الرجوع إلى الاستنباط جائز فيها، فلم قلتم إنه يلزم جوازه في الوقائع الشرعية؟ فإن قيس أحد البابين على الآخر كان ذلك إثباتا للقياس الشرعي بالقياس الشرعي وإنه لا يجوز، سلمنا أن الاستنباط في الأحكام الشرعية داخل تحت الآية. فلم قلتم: إنه يلزم أن يكون القياس حجة؟ بيانه أنه يمكن أن يكون المراد من الاستنباط استخراج الأحكام من النصوص الخفية أو من تركيبات النصوص، أو المراد من استخراج الأحكام من البراءة الاصلية، أو مما ثبت بحكم العقل كما يقول الاكثرون: إن الاصل في المنافع الاباحة، وفي المضار الحرمة، سلمنا أن القياس من الشرعي داخل في الآية، لكن بشرط أن يكون ذلك القياس مفيداً للعلم بدليل قوله تعالى: {لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } فاخبر تعالى في هذه الآية أنه يحصل العلم من هذا الاستنباط، ولا نزاع في مثل هذا القياس، انما النزاع في أن القياس الذي يفيد الظن هل هو حجة في الشرع أم لا؟ والجواب: أما في السؤال الأول: فمدفوع لأنه لو كان المراد بالذين يستنبطونه المنافقين لكان الأولى أن يقال: ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلموه، لأن عطف المظهر على المضمر، وهو قوله: {وَلَوْ رَدُّوهُ } قبيح مستكره. وأما السؤال الثاني: فمدفوع لوجهين: الأول: أن قوله: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مّنَ ٱلأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ } عام في كل ما يتعلق بالحروب وفيما يتعلق بسائر الوقائع الشرعية، لأن الامن والخوف حاصل في كل ما يتعلق بباب التكليف، فثبت أنه ليس في الآية ما يوجب تخصيصها بأمر الحروب. الثاني: هب أن الامر كما ذكرتم لكن تعرف أحكام الحروب بالقياس الشرعي، ولما ثبت جوازه وجب أن يجوز التمسك بالقياس الشرعي في سائر الوقائع لأنه لا قائل بالفرق، ألا ترى أن من قال: القياس حجة في باب البيع لا في باب النكاح لم يلتفت اليه، فكذا ههنا. وأما السؤال الثالث: وهو حمل الاستنباط على النصوص الخفية أو على تركيبات النصوص فجوابه: أن كل ذلك لا يخرج عن كونه منصوصا، والتمسك بالنص لا يسمى استنباطا. قوله: لم لا يجوز حمله على التمسك بالبراءة الاصلية؟ قلنا ليس هذا استنباطا بل هو إبقاء لما كان على ما كان، ومثل هذا لا يسمى استنباطا ألبتة. وأما السؤال الرابع: وهو قوله إن هذا الاستنباط إنما يجوز عند حصول العلم، والقياس الشرعي لا يفيد العلم. قلنا: الجواب عنه من وجهين: الأول: أن القياس الشرعي عندنا يفيد العلم، وذلك لأن بعد ثبوت أن القياس حجة نقطع بأنه مهما غلب على الظن أن حكم الله في الاصل معلل بكذا، ثم غلب على الظن أن ذلك المعنى قائم في الفرع، فههنا يحصل ظن أن حكم الله في الفرع مساو لحكمه في الاصل، وعند هذا الظن نقطع بأنه مكلف بأن يعمل على وفق هذا الظن، فالحاصل أن الظن واقع في طريق الحكم، وأما الحكم فمقطوع به، وهو يجري مجرى ما إذا قال الله: مهما غلب على ظنك كذا فاعلم ان في الواقعة الفلانية حكمي كذا فإذا حصل الظن قطعنا بثبوت ذلك الحكم. والثاني: وهوأن العلم قد يطلق ويراد به الظن، قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : إذا علمت مثل الشمس فاشهد»تفسير : شرط العلم في جواز الشهادة، وأجمعنا على أن عند الظن تجوز الشهادة، فثبت أن الظن قد يسمى بالعلم والله أعلم. ثم قال تعالى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَـٰنَ إِلاَّ قَلِيلاً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: أن ظاهر هذا الاستنثاء يوهم أن ذلك القليل وقع لا بفضل الله ولا برحمته ومعلوم أن ذلك محال. فعند هذا اختلف المفسرون وذكروا وجوها، قال بعضهم: هذا الاستثناء راجع إلى قوله: {أَذَاعُواْ } وقال قوم: راجع إلى قوله: {لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ } وقال آخرون: إنه راجع إلى قوله: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ }. واعلم أن الوجوه لا يمكن أن تزيد على هذه الثلاثة لأن الآية متضمنة للاخبار عن هذه الأحكام الثلاثة، ويصح صرف الاستثناء إلى كل واحد منها، فثبت أن كل واحد من هذه الأقوال محتمل. أما القول الأول: فالتقدير: وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به إلا قليلا، فأخرج تعالى بعض المنافقين عن هذه الاذاعة كما أخرجهم في قوله: {أية : بَيَّتَ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِى تَقُولُ }تفسير : [النساء: 81] والقول الثاني: الاستنثاء عائد إلى قوله: {لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } يعني لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا القليل: قال الفراء والمبرد: القول الأول أولى لأن ما يعلم بالاستنباط فالأقل يعلمه، والأكثر يجهله، وصرف الاستثناء إلى ما ذكره يقتضي ضد ذلك. قال الزجاج: هذا غلط لأنه ليس المراد من هذا الاستثناء شيئا يستخرجه بنظر دقيق وفكر غامض، إنما هو استنباط خبر، وإذا كان كذلك فالأكثرون يعرفونه، إنما البالغ في البلادة والجهالة هو الذي لا يعرفه ويمكن أن يقال: كلام الزجاج إنما يصح لو حملنا الاستنباط على مجرد تعرف الاخبار والاراجيف، أما إذا حملناه على الاستنباط في جميع الأحكام كما صححنا ذلك بالدليل كان الحق كما ذكره الفراء والمبرد. القول الثالث: أنه متعلق بقوله: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ } ومعلوم أن صرف الاستثناء إلى ما يليه ويتصل به أولى من صرفه إلى الشيء البعيد عنه. واعلم أن هذا القول لا يتمشى الا إذا فسرنا الفضل والرحمة بشيء خاص، وفيه وجهان: الأول: وهو قول جماعة من المفسرين، أن المراد بفضل الله وبرحمته في هذه الآية إنزال القرآن وبعثة محمد صلى الله عليه وسلم، والتقدير: ولولا بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وإنزال القرآن لاتبعتم الشيطان وكفرتم بالله الا قليلا منكم، فإن ذلك القليل بتقدير عدم بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وعدم إنزال القرآن ما كان يتبع الشيطان، وما كان يكفر بالله، وهم مثل قس بن ساعدة وورقة بن نوفل، وزيد بن عمرو بن نفيل، وهم الذين كانوا مؤمنين بالله قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم. الوجه الثاني: ما ذكره أبو مسلم، وهو أن المراد بفضل الله وبرحمته في هذه الآية هو نصرته تعالى ومعونته اللذان عناهما المنافقون بقولهم: {أية : فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً } تفسير : [النساء: 73] فبين تعالى أنه لولا حصول النصر والظفر على سبيل التتابع لاتبعتم الشيطان وتركتم الدين الا القليل منكم، وهم أهل البصائر الناقدة والنيات القوية والعزائم المتمكنة من أفاضل المؤمنين الذين يعلمون أنه ليس من شرط كونه حقا حصول الدولة في الدنيا، فلأجل تواتر الفتح والظفر يدل على كونه حقا، ولأجل تواتر الانهزام والانكسار يدل على كونه باطلا، بل الامر في كونه حقا وباطلا على الدليل، وهذا أصح الوجوه وأقربها إلى التحقيق. المسألة الثانية: دلت الآية على أن الذين اتبعوا الشيطان فقد منعهم الله فضله ورحمته، والا ما كان يتبع، وهذا يدل على فساد قول المعتزلة في أنه يجب على الله رعاية الاصلح في الدين. أجاب الكعبي عنه بأن فضل الله ورحمته عامان في حق الكل، لكن المؤمنين انتفعوا به، والكافرين لم ينتفعوا به، فصح على سبيل المجاز أنه لم يحصل للكافر من الله فضل ورحمة في الدين. والجواب: أن حمل اللفظ على المجاز خلاف الاصل.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلأَمْنِ} في «إذا» معنى الشرط ولا يجازي بها وإن زيدت عليها «ما» وهي قليلة الاستعمال. قال سيبويه. والجيِّد ما قال كعب بن زهير: شعر : وإذا ما تشاء تَبعثُ منها مغربَ الشمسِ ناشِطاً مذعوراً تفسير : يعني أن الجيِّد لا يجزم بإذا ما كما لم يجزم في هذا البيت، وقد تقدّم في أوّل «البقرة». والمعنى أنهم إذا سمعوا شيئاً من الأُمور فيه أمْنٌ نحو ظفر المسلمين وقتل عدوّهم {أَوِ ٱلْخَوْفِ} وهو ضد هذا{أَذَاعُواْ بِهِ} أي أفشوه وأظهروه وتحدّثوا به قبل أن يقفوا على حقيقته. فقيل: كان هذا من ضَعفة المسلمين؛ عن الحسن؛ لأنهم كانوا يفشون أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم ويظنّون أنهم لا شيء عليهم في ذلك. وقال الضحاك وابن زيد: هو في المنافقين فنُهُوا عن ذلك لما يلحقهم من الكذب في الإرجاف. قوله تعالىٰ: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ}أي لم يحدّثوا به ولم يفشوه حتى يكون النبيّ صلى الله عليه وسلم هو الذي يحدّث به ويُفشيه. أو أُولو الأمر وهم أهل العلم والفقه؛ عن الحسن وقتادة وغيرهما. السُّدِّي وابن زيد: الوُلاةُ. وقيل: أمراء السرايا. {لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} أي يستخرجونه، أي لعلموا ما ينبغي أن يفشى منه وما ينبغي أن يكتم. والاستنباط مأخوذ من استنبطت الماء إذا استخرجته. والنبط: الماء المستنبط أوّلَ ما يخرج من ماء البئر أوّل ما تُحفر. وسُمِّي النَّبَط نبطاً لأنهم يستخرجون ما في الأرض، والاستنباط في اللغة الاستخراج، وهو يدل على الاجتهاد إذا عدم النص والإجماع كما تقدّم. قوله تعالىٰ: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} رفع بالابتداء عند سيبويه، ولا يجوز أن يظهر الخبر عنده. والكوفيون يقولون: رفع بلولا. {لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً} في هذه الآية ثلاثة أقوال؛ قال ابن عباس وغيره: المعنى أذاعوا به إلاَّ قليلاً منهم لم يُذع ولم يُفشِ. وقاله جماعة من النحويين: الكسائي والأخفش وأبو عبيد وأبو حاتم والطبري. وقيل: المعنى لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلاَّ قليلاً منهم؛ عن الحسن وغيره، واختاره الزجاج قال: لأن هذا الاستنباط الأكثرُ يعرفه؛ لأنه استعلام خبر. واختار الأوّل الفراء قال: لأن علم السرايا إذا ظهر علمه المستنبط وغيره، والإذاعة تكون في بعض دون بعض. قال الكَلْبيّ عنه: فلذلك استحسنتُ الاستثناء من الإذاعة. قال النحاس: فهذان قولان على المجاز، يريد أن في الكلام تقديماً وتأخيراً. وقول ثالث بغير مجاز: يكون المعنى ولولا فضل الله عليكم ورحمته بأن بعث فيكم رسولاً أقام فيكم الحجة لكفرتم وأشركتم إلاَّ قليلاً منكم فإنه كان يُوَحّد. وفيه قولٌ رابع ـ قال الضحاك: المعنى لاتبعتم الشيطان إلاَّ قليلاً، أي إن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حدّثوا أنفسهم بأمر من الشيطان إلاَّ قليلاً، يعني الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى. وعلى هذا القول يكون قوله {إِلاَّ قَلِيلاً} مستثنى من قوله {لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَانَ}. قال المهدويّ: وأنكر هذا القول أكثر العلماء، إذ لولا فضل الله ورحمته لاتبع الناسُ كلُّهم الشيطانَ.
البيضاوي
تفسير : {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مّنَ ٱلأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ} مما يوجب الأمن أو الخوف. {أَذَاعُواْ بِهِ} أفشوه كما كان يفعله قوم من ضعفة المسلمين إذا بلغهم خبر عن سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أخبرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بما أوحي إليه من وعد بالظفر، أو تخويف من الكفرة أذاعوا به لعدم حزمهم فكانت إذاعتهم مفسدة. والباء مزيدة أو لتضمن الإِذاعة معنى التحدث. {وَلَوْ رَدُّوهُ } أي ولو ردوا ذَلك الخبر. {إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ} إلى رأيه ورأي كبار أصحابه البصراء بالأمور، أو الأمراء. {لَعَلِمَهُ} لَعلم ما أخبروا به على أي وجه يذكر. {ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} يستخرجون تدابيره بتجاربهم وأنظارهم. وقيل كانوا يسمعون أراجيف المنافقين فيذيعونها فتعود وبالاً على المسلمين، ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم حتى يسمعوه منهم وتعرفوا أنه هل يذاع لعلم ذلك من هؤلاء الذين يستنبطونه من الرسول وأولي الأمر أي: يستخرجون علمه من جهتهم، وأصل الاستنباط إخراج النبط: وهو الماء، يخرج من البئر أول ما يحفر. {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ } بإرسال الرسول وإنزال الكتاب. {لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَـٰنَ} والكفر والضلال. {إِلاَّ قَلِيلاً} أي إِلا قليلاً منكم تفضل الله عليه بعقل راجح اهتدى به إلى الحق والصواب، وعصمه عن متابعة الشيطان كزيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل. أو إلا اتباعاً قليلاً على الندور.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ } عن سرايا النبي صلى الله عليه وسلم بما حصل لهم {مّنَ ٱلأَمْنِ } بالنصر {أَوِ ٱلْخَوْفِ } بالهزيمة {أَذَاعُواْ بِهِ } أفشوه، نزل في جماعة من المنافقين أو في ضعفاء المؤمنين يفعلون ذلك فتضعف قلوب المؤمنين ويتأذى النبي صلى الله عليه وسلم {وَلَوْ رَدُّوهُ } أي الخبر {إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ } أي ذوي الرأي من أكابر الصحابة أي لو سكتوا عنه حتى يُخْبَروا به {لَعَلِمَهُ } هل هو مما ينبغي أن يذاع أو لا {ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ } يتتبعونه ويطلبون علمه وهم المذيعون {مِنْهُمْ } من الرسول وأولي الأمر {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ } بالإسلام {وَرَحْمَتُهُ } لكم بالقرآن {لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَٰنَ } فيما يأمركم به من الفواحش {إِلاَّ قَلِيلاً }.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَإِذاَ جَآءَهُمْ} أراد المنافقين، أو ضعفة المسلمين. {أُوْلِى الأَمْرِ} العلماء، أو الأمراء، أو أمراء السرايا. {الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ} أولو الأمر، أو المنافقون، أو ضعفة المسلمين. {يَسْتَنبِطُونَهُ} يستخرجونه من استنباط الماء، والنبط، لاستنباطهم العيون. {فَضْلُ اللَّهِ} الرسول صلى الله عليه وسلم، أو القرآن العزيز، أو اللطف. {إِلاَّ قَلِيلاً} من الأتباع، أو لعلمه الذين يستنبطونه إلا قليلاً، أو أذعوا به إلا قليلاً، قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ.
ابن عادل
تفسير : وهذا نوع آخر من أعْمَال المُنَافِقِين الفَاسِدة، وذَلِك أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كان يَبْعَث السَّرايا فإذا غَلَبُوا أو غَُلِبُوا بَادَرَ المُنَافِقون يستَخْبِرُونَ عن حَالِهِم، فَيُفْشُون ويُحَدِّثُون به قَبْل أنْ يُحْدِّثَ به رسُول الله صلى الله عليه وسلم فَيُضْعِفُون به قُلُوبَ المُؤمِنين، فأنْزَل الله - تعالى - {وَإِذَا جَآءَهُمْ} يعني: المُنَافِقِين "أمر من الأمن" أي: الفَتْح والغَنِيمَة "أو الخوف" أي: القتل والهزيمَة "أذاعوا به" أشاعُوه وأفشوْه، وذلك سَبَبٌ للضَّرر من وُجُوهٍ: أحدها: أن مِثْل هذه الإرْجَافَات لا تنفَكُّ عن الكَذِب. وثانيها: إن كان ذلك الخَبَر من جَانِبِ الأمْن زَادُوا فيه زِيَادات كَثِيرة، [فإذا لَمْ تُوجد تلك الزَّيَادات، أوْرَث ذلك شُبْهَة للضُّعَفَاءِ في صدق الرَّسول - عليه السلام-]؛ لأن المنافِقِين كانوا يروون تلك الإرْجَافَات عن الرسُول، وإن كان ذَلِك الخَبَر خَوْفاً، تشوَّشَ الأمر على ضُعَفَاء المُسْلِمين بسبَبِه، ووقعوا في الحَيْرَة والاضْطراب، فكان ذلك سَبَباً للفِتْنَة. وثالثها: أن العَداوَة الشَّدِيدة كانت قَائِمَةً بين المُسْلِمين وبين الكُفَّار، فكان كلّ وَاحِد من الفريقين مُجدًّا في إعْداد آلات الحَرْب وانْتِهَاز الفُرْصَة، فكل ما كان [أمْناً] لأحد الفَرِيقَيْن، كان خَوْفاً للفَريقِ الثَّانِي، وإن [وقع خَبر الأمْن للمُسْلِمين، أرجَفَ بذلك المُنَافِقُون، فوصل الخَبَر في أسْرَع مُدَّة إلى الكُفَّار؛ فاحترزوا وتحصَّنُوا من المُسْلمين، وإن] وَقَعَ خبر الخَوْف للمُسْلِمِين بالَغوا في ذلك وزادوا فيه، وألْقوا الرُّعب في قُلُوب الضَّعْفَة، فظهر أن الإرْجَافَ مَنْشَأ الفِتَنِ والآفَاتِ. قوله: {أَذَاعُواْ بِهِ}: جواب إذا، وعَيْنُ أذَاعَ ياء؛ لقولهم: ذاع الشَّيء يذِيع، ويُقال: أذاع الشَّيْء، أيضاً بمعنى المُجَرَّد، ويكونُ متعدِّياً بنفسه وبالبَاءِ، وعليه الآيةُ الكريمة، وقيل: ضَمَّن "أذاع" مَعْنَى "تَحَدَّثَ" فعدَّاه تعديتَه، أي: تحدَّثوا به مُذيعين له، والإذاعة: الإشاعةُ، قال أبو الأسْوَد: [الطويل] شعر : 1842- ب- أذَاعُوا بِهِ فِي النَّاسِ حَتَّى كَأنَّهُ بِعَلْيَاءَ نَارٌ أوقِدَتْ بِثُقُوبِ تفسير : والضَّمِيرُ في "به" يجُوزُ أن يعودَ على الأمْر، وأن يعُودَ على الأمن أو الخَوْفِ؛ لأنَّ العَطْفَ بـ "أو" والضَّميرُ في "رَدُّوهُ" للأمْر. قوله: "لو ردوه" أي الأمْر، "إلى الرسول" أي: [لَمْ] يحدِّثوا به حَتَّى يكُون النَّبي صلى الله عليه وسلم هو الذِي يُحدِّث به، و "إلى أولي الأمر [منهم]" أي: ذَوِي الرأي من الصَّحَابة؛ مثل أبي بكْر وعُمر وعُثْمَان وعلي، وقيل: أمَرَاء السَّرَايا؛ لأنَّهم الَّذِين لَهُم أمر على النَّاسِ، وأهل العِلْم لَيْسوا كذلِك. وأجيب عن هَذَا: بأن العُلَمَاء يجبُ على غَيْرِهم قُبُول قولِهِم؛ لقوله - تعالى -: {أية : لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} تفسير : [التوبة: 122] فأوجب الحَذَر بإنْذَارِهِم، وألزَم المُنْذرين قُبُول قولهم، فجاز لهذا المَعْنَى إطْلاق اسم أولي الأمْرِ عَلَيهم. قوله: {لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} أي: يستخْرِجُونه، وهُم العُلَماء عَلِمُوا ما يَنْبَغِي أنْ يُكْتَم، وما يَنْبَغِي أن يُفْشَى، والاستِنْبَاط في اللُّغَةِ: الاستِخْراج، وكذا "الإنباط" يقال: استَنْبَطَ الفَقِيهُ: إذا استَخْرَجَ الفِقْهَ البَاطِنَ باجْتِهَادِهِ وفهمه، وأصله من النّبط وهو الماءُ الذي يَخْرج من البَئْرِ أوّلَ حَفْرها قال: [الطويل] شعر : 1843- نَعَمْ صَادِقاً والفَاعِلُ القَائِلُ الذي إذَا قَالَ قَوْلاً أنْبَطَ المَاءَ في الثَّرَى تفسير : ويقال: نَبَطَ المَاءُ يَنْبطُ بفتحِ البَاءِ وضمها. والنبط أيضاً: جِيلٌ من الناس سُمُّوا بذلك؛ لأنهم يستخرجون المياه والنبات. ويقال في الرَّجُل الذي يكُونَ بعيد العِزِّ والمنعة: "ما يجِدُ عَدُوُّه لَهُ نَبَطاً". قال كَعْبٌ: [الطويل] شعر : 1844- قَرِيبٌ ثَرَاهُ مَا يَنَالُ عَدُوُّهُ لَهُ نَبَطاً، آبِي الْهَوَانِ قَطُوبُ تفسير : و "منهم" حَالٌ: إمَّا من الَّذِين، أو من الضَّمير في "يَسْتَنْبِطُونه" فيتعلق بمَحْذُوفٍ. وقرأ أبو السَّمال: "لَعَلْمه" بسُكُون اللام، قال ابن عَطِيَّة: هو كتَسْكِين {أية : فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} تفسير : [النساء: 65] وليس مِثْله؛ لأنَّ تسْكِين فعل بكَسْر العين مَقِيسٌ، وتسكينَ مَفْتُوحها شاذٌّ؛ ومثلُ تسكين "لَعَلْمَهُ" قوله: [الطويل] شعر : 1845- فَإنْ تَبْلُهُ يَضْجَرْ كَمَا ضَجْرَ بَازِلٌ مِنَ الأدمِ دَبْرَتْ صَفْحَتَاهُ وغَارِبُهْ تفسير : أي: دَبِرت، فِسَكَّن. فصل معنى "يستنبطونه" [قيل المراد بـ "يستنبطونه": يَسْتَخْرِجونَهُ، وقال عِكْرمة: يَحْرِصُون عليه ويسألون عنه]، وقال الضَّحَّاك: يتتبّعونه، يريد: الذين سَمِعُوا تلك الأخْبَار من المُؤمنين والمُنَافِقين، لو رَدُّوه إلى الرَّسُول صلى الله عليه وسلم وإلى ذَوِي الرَّأي والعِلْم، لعلمه الذين يَسْتَنْبِطُونه، أي: يُحِبون أي يَعْلَمُوه على حَقِيقَتِهِ كما هُو. وقيل: المُراد بـ "الذين يستنبوطه" أولئك المُنَافِقُون المُذِيعُونَ، والتقدير: ولو أن هؤلاء المُنَافِقِين المُذِيعِينَ رَدُّوا أمر الأمْنِ والخَوْف إلى الرَّسُول وإلى أولي الأمْر، وطلبوا مَعْرِفَة الحَالِ [فيه] من جهتِهِم، لعلمه الَّذين يستَنْبِطُونه مِنْهُم و [هم] هؤلاء المُنَافِقُون المُذِيعُون منهم، أي: من جَانب الرَّسُول، ومن جَانب أولي الأمْر [منهم]. فإن قِيلَ: إذا كَان الَّذين أمَرَهُم الله - تعالى - برد هذه الأخْبَارِ إلى الرَّسُول وإلى أولي [الأمر مِنْهُم وهم المُنَافِقُون، فكَيف جَعَل أولي الأمْر منهم في قوله: {وَإِلَىٰ أُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ}. الجواب: إنما جَعَل أولي] الأمْر مِنْهُم على حَسَب الظَّاهِر؛ لأن المُنَافِقين يظْهِرُون من أنْفسهم أنَّهم مؤمِنُون، ونَظِيرُه: {أية : وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ} تفسير : [النساء: 72] وقوله: {أية : مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ} تفسير : [النساء: 66]. قوله: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً} قال أبو العَباس [المُقْرِئ]: وَرَدَت الرَّحْمَة [في القُرْآن] عَلَى سَبْعَة أوجه: الأوّل: القُرْآن، قال - تعالى -: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} أراد بالفَضْلِ الإسْلام، وبالرَّحْمَة القُرْآن. الثاني: بمعنى الإسْلام؛ قال - تعالى -: {أية : يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ} تفسير : [الإنسان: 31] أي: في الإسلام [ومثله {أية : وَلَـٰكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ} تفسير : [الشورى: 8] أي: في دين الإسلام]. الثالث: [بمعنى]: الجنة؛ قال - تعالى -: {أية : أُوْلَـٰئِكَ يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِي} تفسير : [العنكبوت: 23] أي: من جَنَّتِي. الرَّابع: المَطَر؛ قال - تعالى -: {أية : يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْرًى بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} تفسير : [الأعراف: 57]. الخامس: النِّعمة؛ قال - تعالى -: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ}. السادس: النبوة؛ قال - تعالى -: {أية : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ} تفسير : [الزخرف: 32]، أي: النُّبُوَّة. السابع: الرِّزْق؛ قال - تعالى -: {أية : مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ} تفسير : [فاطر: 2]: من الرِّزْقِ؛ ومثله {أية : وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا} تفسير : [الإسراء: 28] أي: رِزْقاً. فصل اعلم: أن ظَاهِر هذا الاسْتِثْنَاء يوهِمُ أنَّ ذلك القليل وَقَع لا بِفَضْل الله ولا بِرَحْمَتِه، وذلك محال. قوله: "إلا قليلاً" ذكر المفسَِّرُونَ فيها عشرة أوجه: الأول: قال بعضهم: إنه مُسْتَثْنَى من فَاعِل "اتبعتم" أي: لاتَّبعتم الشيطان إلا قليلاً منكم، فإنه لم يتَّبع الشَّيْطَان، على تقدِير كَوْن فَضْل الله لم يأته، ويكونُ أرادَ بفضل الله الإسلام وإرسَالَ محمَّد صلى الله عليه وسلم، ويكون قوله: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَانَ} كلام تامٌّ، [وذلك القَلِيلُ؛ كقِسٍّ بن سَاعِدة الإيَادِي، وزَيْد بن عَمْرو بن نُفَيْل، وورقة بن نوفل، وجماعة سِوَاهم مِمَّن كان على دِين المَسِيحِ قَبل بَعْثَةِ الرسول]. وقال أبو مُسِلم: المراج بِفَضْل اللَّه ورحمته في هذه الآية: هو نُصْرتهُ ومعُونتهُ اللَّذان تمنَّاهُما المُنَافِقُون؛ بقولهم: {أية : فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً} تفسير : [النساء: 73] بيَّن - تعالى - أنَّه لولا حُصُول النَّصْر والظّفَرِ على سبيل التَّتَابُع، لاتَّبَعْتُم الشَّيْطَان وتركتم الدين إلاَّ قليلاً مِنْكُم، وهم أهْل البَصَائِر النَّافِذة، والنِّيَّات القويَّة، والعَزَائم المُتَمكِّنَةِ من أفَاضِل المُؤمِنِين، الذين يَعْلَمُون أنه لَيْس من شَرْطِ كونه حَقّاً هو الدَّوْلَة في الدُّنْيَا، فلأجل تَوَاتُر الفَتْح والظَّفر في الدُّنْيَا يدل على كَوْنه حَقاً؛ ولأجل تواتر الهَزِيمَة والانكِسَار يدلُّ على كونه بَاطِلاً، بل الأمْر في كونه حَقاً وباطلاً على الدَّلِيل، وهو أحْسَن الوُجُوه. [وقيل: المُرَادُ مَنْ مَنْ لم يَبْلغ التكْلِيف، وعلى ذها التَّأويل قيل: فالاستثْنَاء مُنْقَطِع؛ لأن المُسْتَثْنَى لم يَدْخُل تحت الخِطَاب، وفيه نظر يظهر في الوَجْهِ العَاشِر. الثاني: أنه مُسْتَثْنى من فَاعِل "أذاعوا" أي: أظْهَرُوا أمرَ الأمْن أو الخَوْف إلا قَليلاً فأخرج بعض المُنَاقِقِين من هَذِه الإذاعَة. الثالث: أنه مُسْتَثْنى من فَاعِل "عَلِمه" أي: لعلمه المُسْتَنْبِطُون منهم إلا قَلِيلاً]. قال الفرَّاء والمبرد: [وأما] القَوْل بأنَّه مستَثْنى من فاعل "أذاعوا" أوْلى من هَذَا؛ لأن ما يُعْلَم بالاسْتِنْبَاطِ؛ فالأقلُّ يعلمُه والأكْثَر يجهله، وصرف الاسْتِِثْنَاء إلى المسْتَنْبِطِين يَقْتَضِي ضِدَّ ذَلِك. قال الزَّجَّاج: هذا غَلَطٌ؛ لأنه لَيْسَ المراد من هَذَا الاستِثْنَاء شيئاً يَسْتَخْرِجُه بنظر دَقيق وفكْرٍ غَامِضٍ، إنما هو استِنْبَاط خَبَر، وإذا كَانَ كَذَلِك فالأكثرون يَعْرِفُونه إنَّما البالغ في البَلاَدة والجَهَالة هُو الَّذي لا يَعْرِفُه، ويمكن أن يُقَال: كلام الزَّجَّاج إنما يَصِحُّ لو حَمَلْنا الاستِنْبَاطَ على مُجَرَّد تعرُّف الأخْبَارِ والأرَاجِيف، [أمَّا] إذا حملناه على الاستِنْبَاطِ في جَميع الأحْكَام، كان الحَقُّ ما ذكره الفَرَّاء والمُبرِّد. الرابع: أنه مُسْتَثْنَى من فاعل "لوجدوا" أي: لوجدوا فيما هَو من عِنْد غير الله التناقض إلا قليلاً مِنْهُم، وهو مَنْ لم يُمْعِنِ النَّظَرَ، فيظنُّ البَاطِلَ حقاً والمتناقضَ مُوَافِقاً. الخامس: أنه مُسْتَثْنى من الضَّمِير المَجْرُور في "عَلَيْكُم"، وتأويلُه كتأويل الوَجْه الأول. السادس: أنه مُسْتَثْنى من فاعل "يستنبطونه"، وتأويله كتأويل الوجه الثَّالث. السابع: أنه مُسْتَثْنَى من المَصْدَر الدالِّ عليه الفعْلُ، والتقدير: لاتَّبَعْتُم الشيطانَ إلا اتِّباعاً قليلاً؛ ذكر ذلك الزَّمَخْشَري. الثَّامن: أنه مُسْتَثْنَى من المتَّبع فيه، والتقدير: لاتبعتم الشَّيْطَان كلكم إلا قليلاً من الأمُور كُنْتم لا تتِّبِعُون الشَّيْطَان فيها، فالمعنى: لاتبعتم الشَّيْطان في كل شَيْء إلا في قَليلٍ من الأمُور، فإنكم كُنْتُم لا تتَّبِعُونه فيها، وعلى هَذَا فهو استِثْناء مفرَّغ؛ ذكر ذلك ابن عَطِيَّة، إلا أنَّ في كلامه مناقشةً: وهو أنَّه قال "أي: لاتَّبعتُم الشَّيْطَان كلّكم إلا قَلِيلاً من الأمور كنتم لا تتبعون الشيطان فيها"، فجعله هنا مُسْتَثْنَى من المتَّبعِ فيه المَحْذُوف على ما تَقَدَّم تقريره، وكان تَقَدَّم أنه مُسْتَثْنى من الاتِّباع، فتقديُره يؤدِّي إلى اسْتِثْنَائِه من المتَّبَع فيه، وادِّعاؤه أنه استثنَاء من الاتباع، وهما غيران. التاسع: أن المُرَاد بالقلة العدمُ، يريد: لاتَّبعْتُم الشَّيْطان كلكم وعدمَ تخلُّفِ أحَدٍ منكم؛ نقله ابن عطية عن جَمَاعةٍ وعن الطَّبِري، ورَدَّه بأن اقْتِران القِلَّة بالاسْتِثْنَاء يقتضي دُخُولَها؛ قال: "وهذا كَلاَمٌ قَلِقٌ ولا يشبه ما حَكَى سيبَويْه من قَوْلِهِم: "هذه أرضٌ قَلَّ ما تُنْبِتُ كذا" أي: لا تُنْبِتُ شيئاً". وهذا الذي قاله صَحيحٌ، إلا أنه كان تَقَدَّم له في البَقَرَةِ في قوله - تعالى -: {أية : بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ} تفسير : [البقرة: 88] أن التَّقْليل هنا بِمَعْنَى العدم، وتقدَّم الردُّ عليه هُنَاك، فَتَنَبَّهَ لهذا المَعْنَى هُنَا ولم ينتبه له هناك. العاشر: أن المُخَاطب بقوله: "لاتبعتم" جميعُ النَّاس على العُمُوم، والمُرَادُ بالقَلِيل: أمةُ محمَّد صلى الله عليه وسلم خاصةً، وأيَّد صَاحِبُ هذا القَوْلِ قوله بقوله - عليه السلام -: "حديث : ما أنْتُم في سِوَاكُم من الأمَمِ إلاَّ كالرَّقْمَة البَيْضاء في الثَّور الأسود ". تفسير : فصل دلالة الآية على حجية القياس دلت هذه الآية على أنَّ القياس حُجَّة؛ لأن قوله: {ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} صفة لأولي الأمْر، وقد أوْجَب اللَّه على الذين يجيئُهُم أمْرَيْن: الأمن، أو الخوف أن يَرْجَعُوا في مَعْرِفتِه إليهم ولا يَخْلُو إمَّا أن يَرْجِعُوا إليهم في مَعْرِفَة هذه الوَقَائِع مع حُصُول النَّصِّ فيها أوْ لا، والأوَّل باطل؛ لأن من استدلَّ بالنَّصِّ في واقِعةٍ لا يُقَال: إنه استنبط الحكم؛ فثبت أنه - تعالى - أمَر المكَلَّف بِرَدِّ الوَاقعة إلى من يَسْتَنْبِط الحُكْم فيها، ولَوْلاَ أن الاسْتِنبَاط حُجَّة، لما أمَر المُكَلَّف بذلك؛ فَثَبت أن الاستِنْبَاط حُجَّة، وإذا ثبت ذلك فَنَقُول: دلت الآيَةُ على أمُورٍ: منها: أن في الأحْكام ما لا يُعْرف بالنَّصِّ، بل بالاستِنْبَاطِ. ومنها: أنَّ الاستنباط حُجَّة. ومنها: أن العَامِيِّ يجِب عليه تَقْلِيد العُلَمَاء في أحْكَام الحَوَادِث. ومنها: أن النَّبِيَّ - عليه الصلاة والسلام - كان مُكَلَّفاً باستِنْبَاط الأحْكَام؛ لأن الله - تعالى - أمَر بالرَّدِّ إلى أولي الأمْرِ، ثم قال: {لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} ولم يخصّص أولي الأمْر دون الرَّسُول، وذلك يُوجِب الرَّسُول وأولي الأمْر كلهم مُكَلَّفُون بالاسْتِنْبَاطِ. فإن قيل: لا نُسَلَّم أن المراد بـ {ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} أولي الأمْر، لكن هذه الآيَة إنَّما نزلت في بَيَان الوَقَائع المُتَعَلِّقة بالحُرُوب والجِهَاد، فهَبْ أن الرُّجُوع إلى الاستنبَاط جَائِزٌ فيها، فَلِمَ قُلْتُم بجوازِه في الوَقَائِع الشَّرْعِيَّة؛ فإن قِيْسَ أحد البَابَيْن على الآخَر، كان ذَلِك إثْبَاتاً للقِيَاس الشَّرْعِيِّ بالقِياس، وأنَّه لا يجُوز أن الاسْتِنْبَاط في الأحْكَام الشَّرْعِيَّة داخل تحت الآية فلمَّا قُلْتُم يلزم أن يكُون القِيَاس حُجَّة، فإنَّه يمكنُ أن يكُون المُرَاد بالاسْتِنْبَاط: استخراج الأحْكَام من النُّصُوص الخَفِيَّة، أو مِنْ تركيبَاتِ النُّصوصِ، أو المراد منه استخراج الأحكام من البَرَاءة، الأصليَّة، أو مما ثَبَت بحكم العَقْلِ، كما يقول الأكَثُرون إن الأصْل في المَنَافِع الإبَاحَة، وفي المَضَارِّ الحُرْمَة. سلمنا أنَّ القِيَاس الشَّرْعِي داخلٌ في الآية، لكن بِشَرْط أن يكون القياسُ مُفِيداً للعِلْم؛ لقوله - تعالى -: {لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ}. فاعتبر حُصُول العِلْم من هذا الاستِنْبَاط، ونِزَاع في مثل هذا القِيَاس، إنما النِّزاع في القِياس الَّذِي يفيد الظَّنَّ: هل هو حُجَّة في الشرع، أمْ لا. والجواب: أمَّا الأوَّل فلا يصح؛ لأنَّه يَصِيرُ التقدير: أو رَدُّوه إلى الرَّسُول وَإلى أولِي الأمْر مِنْهُم لَعَلِمُوه، وعَطْف المظهر على المُضْمَر، وهو قوله: "ولو ردوه" قَبِيح مستكره. وأما الثَّاني فَمَدْفُوع من وَجْهَيْن: أحدهما: أن قوله: {وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ} حاصل في كل ما يتعلَّق بباب التَّكْلِيف، فَلَيْس في الآيَة ما يوجِبُ تَخْصِيصها بأمر الحُرُوبِ. وثانيها: هَبْ أن الأمْر كما ذكرْتُم، لكن لمَّا ثَبَت تَعَرُّف أحْكَام الحروب بالقِيَاس الشَّرعيِّ، وجب أن يتَمسَّك بالقِيَاس الشَّرْعِيِّ في سَائِر لوَقَائِع، لأنه لا قائل بالفَرْق. وأما الثَّالث: وهو حَمْل الاستِنْبَاط على اسْتِخْرَاج النُّصُوص الخَفِيَّة أو على تَرْكِيبات النُّصُوص فكلُّ ذلك لا يُخْرِجُه عن كونه مَنْصُوصاً، والتَّمَسُّك بالنَّصِّ لا يُسَمَّى استِنْبَاطاً. وأما قوله: لا يجوزُ حَملُه على التَّمسُّكِ بالبَرَاءة الأصْلِيَّة. قلنا: لَيْس هذا استِنْبَاطاً، بل هذا إبقاء لما كان على ما كان، ومثل هذا لا يُسَمَّى استِنْبَاطاً. وأما الرابع: وهو أن هذا الاستِنْبَاط إنَّما يجُوز عند حُصُول العِلْم، والقياس الشَّرْعِيِّ لا يفيد العِلْم. فنقول: جوابُه من وجهين: أحدُهُما: أنَّه عندنا يُفِيدُ العِلْم؛ أن ثُبُوت إن القِيَاسَ حجَّة يقطع بأنَّهُ مهما غَلَب على الظَّنِّ أنَّ حُكْم اللَّه في الأصْل معلَّل بكذا، ثمَّ غَلَب على الظَّنِّ أنَّ ذلك المَعْنَى قَائِمٌ في الفَرْع، فهنا يحصل ظنُّ أنَّ حُكْم الله في الفَرْعِ مُسَاوٍ لحُكْمِه في الأصْل، وعند هذا الظَّنِّ يُقْطَع بأنَّه مكَلَّفٌ بأن يعمل على وَفْقِ هذا الظَّنِّ؛ فالحاصل: أن الظَّنَّ واقع في طَرِيق الحُكْم، وأما الحُكْمُ فمقطوع به، وهو يجري مَجْرَى ما إذا قَالَ الله - تعالى -: مهما غَلَب عَلى ظنِّك كذَا، فاعلم أنَّ حُكْمِي في الوَاقِعَة كذا، فإذا غَلَب الظَّنُّ قَطَعْنَا بثُبُوت ذلك الحُكْمِ. وثانيهما: أن العِلْم قد يُطْلَق ويراد به الظَّنَّ؛ وقال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : إذَا عَلِمْتَ مِثْلَ الشَّمْسِ فاشْهَد" تفسير : شَرَطَ العِلْمَ في جواز الشَّهَادَةِ، وأجْمَعْنَا على أنَّ عند الظَّنِّ تُجُوزُ الشَّهَادة؛ فثبت أنَّ الظَّنِّ قد يُسَمَّى بالعِلْمِ. فصل في رد شبهة للمعتزلة دلَّت [هذه] الآية على أنَّ الذين اتَّبعوا الشَّيْطَان، قد مَنَعَهُم الله فَضْلَه ورحمته وإلا ما كان يتبع، وهذا يَدُلُّ على فَسَادِ قول المُعْتَزِلَة: في أنَّه يجب على اللَّه رعاية الأصْلَحِ في الدِّين. أجابُوا: بأن فَضْلَ اللَّهِ ورَحْمَتَه [عامَّات في حق الكُلِّ، لكن المُؤمنِين انْتَفَعُوا به، والكَافِرِين لم ينْتَفِعُوا به فَصَحَّ عَلَى سبيل المجاز أنه لم يَحْصُل للكَافِرين فَضْل الله ورَحْمَته] في الدِّين. والجواب: أن حَمْل اللَّفظ على المَجَاز خِلاف الأصْل.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد ومسلم وابن أبي حاتم من طريق ابن عباس عن عمر بن الخطاب قال: لما اعتزل النبي صلى الله عليه وسلم نساءه، دخلت المسجد فإذا الناس ينكتون بالحصا ويقولون: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، فقمت على باب المسجد، فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق نساءه. ونزلت هذه الآية في {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به} يقول: أفشوه وسعوا به {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} يقول: لعلمه الذين يتجسسونه منهم. وأخرج ابن جريج وابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به} قال: هذا في الإخبار، إذا غزت سرية من المسلمين خبر الناس عنها، فقالوا: أصاب المسلمين من عدوهم كذا وكذا، وأصاب العدو من المسلمين كذا وكذا، فأفشوه بينهم من غير أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو يخبرهم به. قال ابن جريج: قال ابن عباس: {أذاعوا به} أعلنوه وأفشوه {ولو ردوه إلى الرسول} حتى يكون هو الذي يخبرهم به {وإلى أولي الأمر منهم} أولي الفقه في الدين والعقل. وأخرج ابن جريج وابن أبي حاتم عن السدي {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف} يقول: إذا جاءهم أمر أنهم قد أمنوا من عدوهم، أو أنهم خائفون منه، أذاعوا بالحديث حتى يبلغ عدوهم أمرهم {ولو ردوه إلى الرسول} يقول: ولو سكتوا وردوا الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم {وإلى أولي الأمر منهم} يقول: إلى أميرهم حتى يتكلم به {لعلمه الذين يستنبطونه منهم} يعني عن الأخبار، وهم الذين ينقرون عن الأخبار. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك {وإذا جاءهم أمر} قال: هم أهل النفاق. وأخرج ابن جرير عن أبي معاذ. مثله. وأخرج عن ابن زيد في قوله {أذاعوا به} قال: نشروه. قال: والذين أذاعوا به قوم إمَّا منافقون وإما آخرون ضعفاء. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم} يقول: إلى علمائهم. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال: الولاة الذين يكونون في الحرب عليهم، يتفكرون فينظرون لما جاءهم من الخبر أصدق أم كذب. أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي العالية {لعلمه الذين يستنبطونه منهم} قال: يتبعونه ويتجسسونه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد {لعلمه الذين يستنبطونه منهم} قال: الذين يسألون عنه ويتجسسونه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد {لعلمه الذين يستنبطونه منهم} قال: قولهم ماذا كان وما سمعتم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من طريق سعيد عن قتادة قال: إنما هو {لعلمه الذين يستنبطونه منهم} الذين يفحصون عنه ويهمهم ذلك إلا قليلاً منهم {ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان} . وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق معمر عن قتادة في قوله {ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً} يقول: لاتبعتم الشيطان كلكم. وأما قوله {إلا قليلاً} فهو لقوله {لعلمه الذين يستنبطونه منهم} إلا قليلاً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله {ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان} قال: فانقطع الكلام. وقوله {إلا قليلاً} فهو في أوّل الآية يخبر عن المنافقين قال {فإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به} إلا قليلاً. يعني بالقليل المؤمنين. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: هذه الآية مقدمة ومؤخرة، إنما هي {أذاعوا به إلا قليلاً منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لم ينج قليل ولا كثير} . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله {ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً} قال: هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كانوا حدثوا أنفسهم بأمر من أمور الشيطان إلا طائفة منهم.
ابو السعود
تفسير : {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مّنَ ٱلأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ} يقال: أذاعَ السِّرَّ وأذاع به أي أشاعه وأفشاه، وقيل: معنى أذاعوا به فعلوا به الإذاعةَ وهو أبلغُ من أذاعوه، وهو كلامٌ مسوقٌ لدفع ما عسى يُتوهَّم في بعض الموادِّ من شائبة الاختلافِ بناءً على عدم فهمِ المرادِ ببـيان أن ذلك لعدم وقوفِهم على معنى الكلامِ لا لتخلف مدلولِه عنه وذلك أن ناساً من ضَعَفة المسلمين الذين لا خِبرةَ لهم بالأحوال كانوا إذا أخبرهم الرسولُ عليه الصلاة والسلام بما أوحِيَ إليه من وعدٍ بالظفر أو تخويفٍ من الكَفَرة يُذيعونه من غير فهمٍ لمعناه ولا ضبطٍ لفحواه على حسب ما كانوا يفهمونه ويحمِلونه عليه من المحامل، وعلى تقدير الفهمِ قد يكون ذلك مشروطاً بأمور تفوت بالإذاعة فلا يظهر أثرُه المتوقَّعُ فيكون ذلك منشأً لتوهم الاختلافِ فنُعيَ عليهم ذلك وقيل: {وَلَوْ رَدُّوهُ} أي ذلك الأمرَ الذي جاءهم {إِلَى ٱلرَّسُولِ} أي عرَضوه على رأيه عليه الصلاة والسلام مستكشفين لمعناه وما ينبغي له من التدبـير والالتفاتِ لما أن عنوانَ الرسالةِ من موجبات الردِّ والمراجعةِ إلى رأيه عليه الصلاة والسلام {وَإِلَىٰ أُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ} وهم كبراءُ الصحابةِ البصراءِ في الأمور رضي الله تعالى عنهم {لَعَلِمَهُ} أي لعلم الرادُّون معناه وتدبـيرَه، وإنما وُضع موضِعَ ضميرِهم الموصولُ فقيل: {ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} للإيذان بأنه ينبغي أن يكونَ قصدُهم يردُّه إليهم استكشافُ معناه واستيضاحُ فحواه، أي لعَلِمه أولئك الرادّون الذين يستنبطونه أي يتلَّقوْنه ويستخرجون عليمه وتدبـيرَه منهم أي من جهة الرسولِ عليه الصلاة والسلام وأولي الأمرِ من صحابته رِضوانُ الله عليهم أجمعين، ولمّا فعلوا في حقه ما فعلوا فلم يقَعْ من الاشتباه وتوهّمِ الاختلافِ، وقيل: لعَلمه الذين يستخرجون تدبـيرَه بفِطَنهم وتجاربِهم ومعرفتِهم بأمور الحربِ ومكايدِها، فكلمةُ مِنْ في {مِنْهُمْ} بـيانية، وقيل: إنهم كانوا إذا بلغهم خبرٌ عن سرايا رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ أمن وسلامةٍ أو خوفٍ وخللٍ أذاعوا به وكانت إذاعتُهم مفسدةً، ولو ردوا ذلك الخبرَ إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام وإلى أولي الأمرِ لعلم تدبـيرَ ما أُخبروا به الذين يستنبطونه أي يستخرجون تدبـيرَه بفِطَنهم وتجارِبِهم ومعرفتِهم بأمور الحربِ ومكايدِها، وقيل: كانوا يقِفون من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولي الأمرِ على أمن ووثوقٍ بالظهور على بعض الأعداءِ، أو على خوف فيُذيعونه فينتشرُ فيبلُغُ الأعداءَ فتعود إذاعتُهم مفسدةً، ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمرِ وفوّضوه إليهم وكانوا كأنْ لم يسمعوا لعَلِم الذين يستنبطون تدبـيرَه كيف يُدبِّرونه يأتون وما يذرون فيه، وقيل: كانوا يسمعون من أفواه المنافقين شيئاً من الأخبار عن السرايا مظنوناً غيرَ معلومِ الصِحّةِ فيُذيعونه فيعود ذلك وبالاً على المؤمنين، ولو ردّوه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وإلى أولي الأمرِ وقالوا: نسكُتُ حتى نسمَعَه منهم ونعلمَ هل هو مما يُذاع أو لا يذاع لعَلِم صِحَّتَه وهل هو مما يُذاع أو لا يذاع هؤلاء المذيعون وهم الذين يستنبطونه من الرسول وأولي الأمرِ أي يتلقَّوْنه منهم ويستخرجون عِلمَه من جهتهم فمَساقُ النظمِ الكريمِ حينئذ لبـيان جنايةِ تلك الطائفةِ وسوءِ تدبـيرِهم إثرَ بـيانِ جنايةِ المنافقين ومكرِهم. والخطاب في قوله تعالى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} للطائفة المذكورةِ على طريقة الالتفاتِ أي لولا فضلُه تعالى عليكم ورحمتُه بإرشادكم إلى طريق الحقِّ الذي هو المراجعةُ في مظانِّ الاشتباهِ إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأولي الأمرِ {لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَـٰنَ} وعمِلتم بآراء المنافقين فيما تأتون وما تذرون ولم تهتدوا إلى سُنن الصوابِ {إِلاَّ قَلِيلاً} وهم أولوا الأمرِ الواقفون على أسرار الكتابِ الراسخون في معرفة أحكامِه، فالاستثناءُ منقطعٌ، وقيل: ولولا فضلُه تعالى عليكم ورحمتُه بإرسال الرسولِ وإنزالِ الكتابِ لاتَّبعتم الشيطانَ وبقِيتم على الكفر والضلالةِ إلا قليلاً منكم قد تفضَّلَ عليه بعقل راجح اهتدىٰ به إلى طريق الحقِّ والصوابِ وعصَمَه من متابعة الشيطانِ كقُسِّ بنِ ساعِدةَ الإياديِّ، وزيدِ بنِ عمْرو بنِ نُفيل، ووَرَقةَ بنِ نوفلٍ وأضرابِهم، فالخطابُ للكل، والاستثناءُ متصلٌ، وقيل: المرادُ بالفضل والرحمة النُصرةُ والظفَرُ بالأعداء، أي لولا حصولُ النصرِ والظفرِ على التواتر والتتابعِ لاتبعتم الشيطانَ وتركتم الدينَ إلا قليلاً منكم وهم أولوا البصائرِ النافذةِ والنياتِ القويةِ والعزائمِ الماضيةِ من أفاضل المؤمنين الواقفين على حقبة الدينِ البالغين إلى درجة حقِّ اليقينِ المستغنين عن مشاهدة آثارِ حقِّيتِه من الفتْح والظفَرِ وقيل: إلا اتباعاً قليلاً.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ} [الآية: 83]. قال ابن عطاء: لو أخذوا طريق السنة وطريق الأكابر فى إرادتهم، لأوصلهم ذلك إلى مقامات جليلة من مقامات الإيمان التى هى محل مقامات الاستنباط وطريق المكاشفات قال أبو سعيد الخراز: إن لله عباداً يدخل عليهم الخلل، ولولا ذلك لفسدوا وتعطلوا وذلك أنهم إذا بلغوا من العلم غاية، صاروا إلى العلم المجهول الذى لم ينصه كتابٌ ولا جاء به خبر، لكن العقلاء العارفون يحتجون به من الكتاب والسنة بحسن الاستنباط ومعرفتهم. قال الله تعالى: {لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ}. قال الحسين: استنباط القرآن على مقدار تقوى العبد فى ظاهره وباطنه وتمام معرفته، وهذا أجل مقامات الإيمان. قوله تعالى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ}. قال ابن عطاء: لولا فضله عليكم فى قبول طاعتكم، لخسرتم ما ضمن لكم فى آخرتكم ولكن برحمته نجاكم من خُسرانكم وتفضل عليكم بما نجاكم.
البقلي
تفسير : {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} اعلم الحق سبحانه وتعالى ان المتكفلين برسوم العلم يظهرون من انفهسم بالزى والمقالة الظاهرة انهم بلغوا مقام الربانين والذين مخاطبون من الله باسرار القرأن المكاشفون بانوع عجائبه ولطف حقائقه حين تعرضوا بالارواح الربانية والاسرار القدوسية والملكوت ليسمعوا منهم حقائق مفهوم الخطاب وينحوا من مهالك ارائهم الباطلة قال ابن عطا لو اخذوا طريق السنة وطرق الا كابر فى ارادتهم لا وصلهم ذلك الى المقامات الجليلة من مقامات الايمان التى هى محل الاستنباط وطرق المكاشفات قال الحسين استنباط القرأن على مقدار تقوى العبد فى ظاهره وباطنه وتمام معرفته وهو اجل مقامات الايمان قال ابو سعيد الخراز ان لله بعاد يدخل عليهم الخلل ولولا ذلك تفسدوا وتعطلوا وذلك انهم بلغوا من العلم غاية صاروا الى علم المجهول الذى لم ينصره كتاب ولا جاء به خير لكنم العقلاء العارفون تحتجبون له من الكتاب والسنة بحسن استنباطهم ومعرفتهم قال الله تعالى لعلمه الذين يستنبطونه منهم قوله تعالى {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً} فضل الله معرفته ورحمته حفظه وكلايته عبده من متابعة الشيطان وهذا عام فى المريدين خاص فى العارفين والفضل والرحمة منه للعموم ومحبته للخصوص الذين هم المستثنون بقوله الا قليلا قال ابن عطا لولا فضله عليكم فى قبلو طاعاتكم لحسرتم ما ضمن لكم فى اخرتكم لكن برحمته بخلكم من حسراتكم وتفضل عليكم بما نجاكم وقال الاستاد لولا فضل الله مع اوليائه لها موافى كل واد من التفرقة كاسكانهم فى الوقت.
اسماعيل حقي
تفسير : {واذا جاءهم} اى بلغ ضعفة المسلمين {امر من الامن او الخوف} اى خبر من السرايا الذين بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من ظفر وغنيمة او نكبة وهزيمة {اذاعوا به} اى افشوا ذلك الخبر واظهروه لعدم خبرتهم بالاحوال واستنباطهم للامور وكانت اذاعتهم مفسدة يقال اذاع السرور اذاع به والباء مزيدة {ولو ردوه} اى ذلك الخبر {الى الرسول والى اولى الامر منهم} بترك التعرض له وجعله بمنزلة غير المسموع وتفويض امره الى رأى الرسول صلى الله عليه وسلم ورأى كبار اصحابه كالخلفاء الاربعة او رأى امراء السرايا فكبار الصحابة اولوا امر على معنى انهم البصراء بالامور وان لم يكن لهم امر على الناس والامراء اولوا الامر على الناس مع كونهم بصراء بالامور {لعلمه} اى لعلم تدبير ما اخبروا به على أى وجه يذكرونه {الذين} اى الرسول واولوا الأمر الذين {يستنبطونه منهم} اى يستخرجون تدبيره بتجاربهم وانظارهم الصحيحة ومعرفتهم بامور الحرب ومكايدها. واصل الاستنباط اخراج النبط وهو الماء يخرج من البئر اول ما تحفر يقال انبط الحفار اذا بلغ الماء وسمى القوم الذين ينزلون بالبطائح بين العراقين نبطا لاستنباطهم الماء من الارض وقيل كانوا يقفون من رسول الله صلى الله عليه وسلم واولى الامر على امن ووثوق بالظهور على بعض الاعداء او على خوف واستشعار فيذيعونه فينشر فيبلغ الاعداء فتعود اذاعتهم مفسدة ولو ردوه الى الرسول والى اولى الامر منهم وفوضوه اليهم وكانوا كأن لم يسمعوا لعلمه الذين يستنبطون تدبيره كيف يدبرونه وما يأتون ويذرون منه فالمراد بالمستنبطين منهم على كلا الوجهين الرسول واولوا الامر. ومن فى قوله يستنبطونه منهم اما تبعيضية واما بيانية تجريدية. وفى الآية نهى عن افشاء السر قيل لبعض الادباء كيف حفظك للسر قال انا قبره ومن هذا قيل صدور الابرار قبور الاسرار وفى المثنوى شعر : وربكوئى بايكى دو الوداع كل سر جاوز الاثنين شاع نكته كان جست ناكه اززبان همجوتيرى دان كه جست آن ازكمان وانكردد ازره آن تيراى بسر بند بايد كرد سيلى را زسر تفسير : وفى الآية اشارة الى ارباب السلوك اذا فتح لهم باب من الانس او الهيبة او الحضور او الغيبة من آثار صفات الجمال والجلال اشاعوه الى الاغيار ولو كان رجوعهم فى حل هذه المشكلات الى سنن الرسول صلى الله عليه وسلم والى سير اولى الامر منهم وهم المشايخ البالغون الواصلون ومن كان له شيخ كامل فهو ولى امره لعلمه الذين يستنبطونه منهم وهم ارباب الكشوف بحائق الاشياء فهم الغواصون فى بحار اوصاف البشرية المستخرجون من اصداف العلوم درر حقائق المعرفة {ولولا فضل الله عليكم ورحمته} بارسال الرسول وانزال الكتاب {لاتبعتم الشيطان} بالكفر والضلال {الا قليلا} اى الا قليلا منكم فان من خصه الله بعقل راجح وقلب غير متكدر بالانهماك فى اتباع الشهوات يهتدى الى الحق والصواب ولا يتبع الشيطان ولا يكفر بالله وان فرض عدم انزال القرآن وبعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وغيرهما ممن كان على دين المسيح قبل بعثته. وقال الشيخ نجم الدين قدس سره فى تأويلاته لعل الاستثناء راجع الى الصديق رضى الله عنه فانه كان قبل مبعث النبى عليه السلام يوافقه فى طلب الحق قالت عائشة رضى الله عنها لم اعقل ابوى قط الا وهما يدينان الدين ولم يمر علينا يوم الا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفى النهار بكرة وعشيا ـ وروى ـ عن النبى عليه السلام "حديث : كنت وابو بكر كفرسى رهان سبقته فتبعنى ولو سبقنى لتبعته " .تفسير : وفى الحقيقة كان النبى عليه السلام فضل الله ورحمته يدل عليه قوله تعالى {أية : هو الذى بعث فى الأميين رسولا منهم يتلو} تفسير : [الجمعة: 2]. الى قوله {أية : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء} تفسير : [الجمعة: 4]. وقوله تعالى {أية : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} تفسير : [الأنبياء: 107]. فلولا وجود النبى عليه السلام وبعثته لبقوا فى تيه الضلالة تائهين كما قال تعالى {أية : ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفى ضلال مبين} تفسير : يعنى قبل بعثته وكانوا قد اتبعوا الشيطان الى شفا حفرة من النار وكان وكان عليه السلام فضلا ورحمة عليهم فانقذهم منها كما قال تعالى {أية : وكنتم على شفا حفرة من النار فانقذكم منها}تفسير : [آل عمران: 103]. قال الشيخ العطار قدس سره شعر : خويشتن راخواجه عرصات كفت انما انا رحمة مهدات كفت تفسير : : وقال حضرة الهدايى قدس سره شعر : سرمايه سعادت عالم محمداست مقصود ازين طينت آدم محمد است درصورت آدم آمد اكرجه مقدما درمعنى بيشواومقدم محمد است كرجه هدايى رسالت مكرم است محبوب حق محمد وخاتم محمد است تفسير : قال بعض الحكماء ان الله تعالى خلق محمدا صلى الله عليه وسلم فجعل رأسه من البركة وعينيه من الحياء واذنيه من العبرة ولسانه من الذكر وشفتيه من التسبيح ووجهه من الرضى وصدره من الاخلاص وقلبه من الرحمة وفؤاده من الشفقة وكفيه من السخاوة وشعره من نبات الجنة وريقه من عسل الجنة فلما اكمله بهذه الصفة ارسله الى هذه الامة فقال هذا هديتى اليكم فاعرفوا قدر هديتى وعظموه كذا فى زهرة الرياض. وقيل فى وجه عدم ارتحال جسده الشريف النظيف من الدنيا ان عيسى عليه السلام قد عرج الى السماء بجسده انما بقى جسمه الطاهر هنا لاصلاح عالم الاجساد وانتظامه فانه مظهر الذات وطلسم الكائنات فجميع الانتظام بوجوده الشريف كذا فى الواقعات المحمودية نقلا عن حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس الله سره آمين آمين يا رب العالمين.
ابن عجيبة
تفسير : {وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ...} قلت: استنبط الشيء: استخرجه من غيره، وأصل الاستنباط: إخراج النبط، وهو الماء، يخرج من البئر أول ما يحفر، والجار في {منهم}: إما بيان للموصول، أي: لعلم المستنبطون الذين هم أولو الأمر، أو يتعلق ب(علم)، أي: لعلمه الذين يستخرجونه إلى الناس من أولي الأمر. يقول الحقّ جلّ جلاله: في ذمّ المنافقين أو ضعفة المسلمين: {وإذا جاءهم أمرٌ} أي: خبر عن السرايا الذين توجهوا للغزو، من نصر وغنيمة وأمن أو خوف، وقتل وهزيمة، {أذاعوا به} أي: تحدثوا به، وأشهروه، وأرجفوا به قبل أن يصل إلى الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ وأكابر الصحابة، الذين هم أولو الأمر وأهل البصائر، فيعرفون كيف يتحدثون به، ولو ردوا ذلك {إلى الرسول} وأخبروه به سرًا، أو سكتوا حتى يصل إليه، أو يردوه {إلى أولي الأمر} من أكابر الصحابة، لعلمه الذين يستخرجونه إلى الناس {منهم} فينقلونه على وجهه، ويعرفون كيف يتحدثون به من غير إرجاف ولا تخويف، أو {لعَلمَه الذين يستنبطونه} وهم أولو الأمر أولاً، ثم يعلم الناس، فلا يكون فيه إرجاف ولا سوء أدب. أو: وإذا جاءهم أمر من وحي السماء: من تخويف أو تأمين، أذاعوا به قبل أن يظهره الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ، ولو سكتوا وردوا ذلك إلى الرسول حتى يتحدث به للناس، ويظهره أولو الأمر من أكابر أصحابه، لعلمه الذين يستخرجون ذلك الوحي من أصله، وهو الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ وأكابر أصحابه، كما فعل عمر رضي الله عنه: إذ سمع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق نساءه، فدخل عليه فقال: أطلقت نساءك؟ قال: "حديث : لا" تفسير : فقال على باب المسجد، فقال: إن رسول الله صلى عليه وسلم لم يطلق نساءه، فأنزل الله هذه القصة، قال: وأنا الذي استنبطته. والله تعالى أعلم. الإشارة: قالت الحكماء: قلوب الأحرار قبور الأسرار، وهذه الخصلة التي ذمَّها الله تعالى توجد في كثير من العوام؛ مهما سمعوا خبرًا: خيرًا أو شرًا، بادروا إلى إفشائه، ولا سيما إذا سمعوه على أهل النسبة أو أهل الخصوصية، وقد تُوجد في بعض الفقراء، وهي غفلة ونوع من الفضول، فالفقير الصادق غائب عن أخبار الزمان وأهله، وقد ترك الناسَ وما هم فيه، وقد تغلب عليه الغيبة في الله حتى تغيب عنه الأيام، وأما الفقير الذي يتسمع الأخبار ويبحث عنها فلا نسبة له في الفقر، إلا اسم بلا مسمى، وقد ترى بعض الفقراء، يُبلِّغُ مساوِىءَ إخوانه إلى المشايخ، وهو سبب الطرف، والعياذ بالله. وقد كان صلى الله عليه وسلم يقول: " حديث : لا تبلغوني مساوىء أصحابي "تفسير : ؛ لأن ذلك يسؤوهم، والخير كله في إدخال السرور على قلوب المشايخ. وتنسحب الآية على مَن يُفشِيِ أسرار الربوبية، ويُطلع الفقراء علَى الحقيقة، ولو ردوا ذلك إلى شيخهم حتى يكون هو الذي يطلعهم لكان أحسن، لأن الحقيقة إذا أُخِذَت من الشيخ كان فيها سر كبير، بخلاف ما إذا أُخِذّت من غيره، إلاَّ إذا كان مأذونًا في ذلك فكأنه هو. والله تعالى أعلم. وقال الورتجبي: قال أبو سيعد الخراز: إن له عبادًا يدخل عليهم الخلل، ولولا ذلك لفسدوا وتعطلوا، وذلك أنهم بَلَغُوا من العلم غاية، صاروا إلى علم المجهول، الذي لم ينصُّه كتاب، ولا جاء به خبر، لكن العقلاء العارفون، يحتجون له من الكتاب والسنة، بحسن استنباطهم ومعرفتهم، قال تعالى: {لعلمه الذين يستنبطونه منهم}.هـ. قلت: ومعنى كلامه: أن الله ـ تعالى ـ أشغل علماء الظاهر بتقرير علم الفرق، ولولا اشتغالهم بذلك لتعطلوا وتبطلوا، إذ لا قدرة لهم على عمل القلوب من الفكرة والنظرة، لكن العارفون يقرون لهم ذلك، ويحتجون لهم بما في نشر العلم من الأجور، من الكتاب والسنة، لأنهم قاموا بنظام عمل الحكمة ورفعوا علم الشريعة، ولولا قيامهم بذلك لتعين على أهل الباطن، فتتشوش عليهم قلوبهم، وكان شيخ شيوخنا سيدي علي الجمل العمراني رضي الله عنه يقول: جزاهم الله عنا خيرًا؛ رفعوا لنا علم الشريعة، نحن نغرق في البحر، ثم نرفع رأسنا فنرى العلم قائمًا، ثم نرجع إلى البحر. هـ. بالمعنى، والله تعالى أعلم. ثم إن الهداية بيد الله، قوم أقامهم في الفرق، وقوم هداهم إلى الجمع، كما قال تعالى: {... وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً} يقول الحقّ جلّ جلاله: لولا أن الله تفضل عليكم ورحمكم بنبي الرحمة، وأنقذكم من متابعة الشيطان وعبادة الأوثان، لبقيتم على كفركم وضلالكم، ولاتبعتم الشيطان فيما يأمركم به من الكفر والعصيان، إلا قليلاً ممن اهتدى قبل بعثته، كقس بن ساعدة، وزيد بن نفيل، وورقة بن نوفل، رزقهم الله كمال العقل؛ فنظروا وتفكروا بعقولهم؛ فوجدوا الله واعتزلوا ما كان يعبد آباؤهم وإخوانهم. أما قس فاعتزل قومه، وعبد الله وحده، وكان يخطب على الناس ويأمرهم بالتوحيد، ويعيب عليهم عبادة الأصنام. وعاش سبعمائة عام. وأما زيدٌ فتعلق بالحنيفية، دين إبراهيم، حتى مات قبل البعثة. وأما ورقة ـ فأخذ بدين النصرانية التي لم تُغَيَّر، وأدرك أول البعثة، وآمن بالرسول قبل أن يُؤمر بالإنذار، قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: " حديث : رأيتُه في الجنة عليه ثيابُ خُضر"تفسير : . والله تعالى أعلم. الإشارة: لولا فضل الله عليكم بأن بعث لكم مَن يدلكم على الله ويعرفكم بالله، ورحمته بأن أخرجكم من ضيق الفرق، إلى فضاء الجمع، لاتبعتم الفرق علمًا وعملاً، لكن الله تعالى بفضله ورحمته غيبكم عن شهود الفرق بشهود الملك الحق. إلاّ فرقًا قليلاً تقيمون به رسم العبودية، وتظهرون به الآداب مع الربوبية. قال الورتجبي: الفضل والرحمة منه للعموم، ومحبته للخصوص، الذين هم مستثنون بقوله: "إلا قليلاً ". هـ. قال القشيري: {ولولا فضل الله} مع أوليائه لهاموا في كل وادٍ من الفرقة كأشكالهم في الوقت. هـ. فَخَصَّ الإشارة بالأولياء، وعليه فقوله: {إلا قليلاً} أي: إلا تفرقة قليلة تعرض لهم، تربيةً لهم، وإبقاء لرسمهم ومناطِ تكليفهم. والله تعالى أعلم. قاله في الحاشية.
الطوسي
تفسير : أخبر الله تعالى عن المنافقين، الذين تقدم وصفهم بأنهم إذا جاءهم {أمر من الأمن أو الخوف} وهو ما كان يرجف به من الاخبار في المدينة: اما من قبل عدو يقصدهم أو يظهر المؤمنين على عدوهم، أو هلاك بعض أعدائهم وهو الامن. والاول: الخوف اذاعوا به، وتحدثوا به من غير أن يعلموا صحته، فكره تعالى ذلك، لأن من فعل هذا لا يخلو كلامه من الكذب. ولما يدخل على المؤمنين به من الخوف ومعنى اذاعوا به: أعلنوه، وأفشوه في قول ابن عباس، والحسن، وقتادة، وابن حريج وأصله اشاعة الخبر في الجماعة. اللغة: يقال: اذاعه اذاعة واذاعوا به قال الشاعر: شعر : اذاع به في الناس حتى كأنه بعلياء نار أوقدت بثقوب تفسير : وأصل الاذاعة التفريق. قال تبع: لما ورد المدينة: شعر : ولقد شربت على براجم شربة كادت بباقية الحياة تذيع تفسير : أي تفرق. وبراجم: ماء بالمدينة كان يشرب منه، فنشبت بحلقه علقة. وذاع الخبر ذيعاً. ورجل مذياع: لا يستطيع كتمان خبر. واذاع الناس بما في الحوض: إذا شربوه. وكذلك اذاعوا بالمتاع: إذا ذهبوا به. واذاعة السر: اظهاره. والاذاعة، والاشاعة، والافشاء، والاعلان، والاظهار، نظائر وضده الكتمان، والاسرار، والاخفاء. المعنى: ثم قال: {ولو ردوه إلى الرسول} بمعنى لو ردوه إلى سنته {وإلى أولي الأمر منهم}. قال أبو جعفر (ع): هم الأئمة المعصومون. وقال ابن زيد، والسدي، وأبو علي: هم امراء السرايا، والولاة، وكانوا يسمعون باخبار السرايا ولا يتحققونه فيشيعونه ولا يسألون أولي الامر. وقال الحسن، وقتادة، وابن جريج، وابن أبي نجيح، والزجاج: هم أهل العلم، والفقه الملازمين للنبي (صلى الله عليه وسلم)، لأنهم لو سألولهم عن حقيقة ما أرجفوا به، لعلموا به. قال الجبائي: هذا لا يجوز، لأن أولي الامر من لهم الامرعلى الناس بولاية والاول أقوى، لأنه تعالى بين أنهم متى ردوه إلى أولي العلم علموه. والرد إلى من ليس بمعصوم، لا يوجب العلم لجواز الخطأ عليه بلا خلاف سواء كانوا امراء السرايا، أو العلماء. وقوله: {يستنبطونه} قال ابن عباس، وأبو العالية: معناه يتحسسونه. وقال الزجاج: يستخرجونه. اللغة والاعراب والمعنى: والاستنباط، والاستخراج، والاستدلال، والاستعلام، نظائر، وأصل الاستنباط الاستخراج. يقال لكل ما استخرج حتى تقع عليه رؤية العين، أو معرفة القلب: قد استنبط. والنبط الماء يخرج من البئر أول ما تحفر. وانبط فلان أي استنبط الماء من طين حر. ومنه اشتقاق النبط، لاستنباطهم العيون. والضمير في قوله: {منهم} يحتمل أن يعود إلى أحد أمرين: أحدهما - وهو الاظهر انه عائد إلى أولي الامر. والآخر - إلى الفرقة المذكورة من المنافقين، أو الضعفة. وقوله: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته} معناه لولا اتصال مواد الالطاف من جهة الله، {لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً} وقيل فيما وقع الاستثناء منه: أربعة أقوال: أحدها - {لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً} منكم، فانه لم يكن يتبع الشيطان. ويكون الفضل ها هنا بالنبي (صلى الله عليه وسلم)، والقرآن - في قول الضحاك -، وهو اختيار الجبائي. الثاني - لاتبعتم الشيطان إلا قليلا من الاتباع. ويكون الفضل على جملة اللطف، لأن ذلك لم يكن يزكو به أحد منهم. الثالث - قال الحسن، وقتادة. وذكره الفراء، لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا قليلا. الرابع - قال ابن عباس، وابن زيد: اذاعوا به إلا قليلا هو اختيار الكسائي والفراء والمبرد والبلخي والطبري. وتقديره يستنبطونه منهم إلا قليلا. قال المبرد: لأن العلم بالاستنباط في الناس أقل. وليس كذلك الاذاعة. وغلط الزجاج النحويين في ذلك. وقال: كل هذه الاقوال جائزة. وقال قوم حكاه الطبري: ان مخرجه الاستثناء. وهو دليل الجمع، والاحاطة. والمعنى انه لولا فضل الله لم ينج أحد من الضلالة. فجعل قوله: {إلا قليلاً} دليلا على الاحاطة كما قال الطرماح يمدح بزيد بن المهلب: شعر : قليل المثالب والقادحة تفسير : والمعنى انه لا مثالب.
الجنابذي
تفسير : {وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ} عطف على مجموع اذا برزوا من عندك، او على جزائه اعنى بيّت طائفة، او عطف على لا يتدّبرون القرآن، او على مجموع افلا يتدّبرون القرآن باعتبار المقصود، او حال يعنى اذا جاءهم خبر من سراياك او من جانب العدوّ او من قولك بوعد الفتح او الوعيد من العدوّ اذاعوه لعدم توكّلهم وعدم ثباتهم فى الايمان، وكذا اذا جاءهم امر فى باطنهم من المنامات او الحالات او الخيالات والخطرات المبشّرة او المخوّفة اذاعوه {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ} اى وكلوه اليهم ولا يتكلّموا فيه بشيءٍ او اظهروه عليهم لا على غيرهم {لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} امّا من قبيل وضع الظّاهر موضع المضمر اشعاراً بانّهم اهل الاستنباط، او المراد باولى الامر اعمّ من امراء السّرايا، والمستنبطون هم الرّسول (ص) واوصياؤه (ع) {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} خاطبهم تفضّلاً وتلطفاً لمحمّد (ص) وعلىّ (ع) بعد ما ذمّهم على ضعف عقيدتهم وسوء صنيعتهم، وفضل الله هو الرّسالة، ولمّا كان الرّسالة من شؤن الرّسول وسعة صدره ومتّحدة معه صحّ تفسيره بالرّسول وهو ههنا محمّد (ص) ورحمته هى الولاية والولاية ايضاً متّحدة مع الولىّ فصحّ تفسيرها به وهو ههنا علىّ (ع) ولذلك فسّرا بمحمّد (ص) وعلىّ (ع) فى اخبارنا، ولمّا كان محمّد (ص) اصلاً فى الولاية وان كانت الرّسالة فيه اظهرو علىّ (ع) خليفة فى الرّسالة وان كانت الولاية فيه اظهر صحّ تفسير الفضل بعلىّ (ع) والرّحمة بمحمّد (ص) كما فى الخبر، يعنى انّا لا نخذلكم مع سوء صنيعكم بواسطة محمّد (ص) وعلىّ (ع)، ولولا محمّد (ص) وعلىّ (ع) قائماً عليكم حافظاً لكم {لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} يعنى اذا علمت حال قومك من الجبن والفشل والتّبيت بخلاف طاعتك وعدم حفظهم لما سمعوا من الاخبار وتوّكلت على الله وعلمت كفايته لك فقاتل فى حفظ سبيل الله واعلائه، او حال كونك فى سبيل الله، او فى ولاية علىّ (ع) فانّها سبيل الله وعلىّ (ع) بنفسه ايضاً سبيل الله ولا تبال باعانة قومك وعدمها {لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ} اى الاّ فعل نفسك واصلاحها او اصلاح علىّ (ع) لانّه نفسك والجملة حال او مستأنفة جواب لسؤال مقدّر فى مقام التّعليل او فى مقام بيان الحال {وَحَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} لانّك ان لم تحتج اليهم فانّهم محتاجون اليك فى اصلاحك لهم والمقاتلة اصلاح لهم لانّها تورث التّشجّع والتّمكّن والثّبات والتّوكّل {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} يعنى قريشاً على ما روى انّها نزلت فى موعد بدر الصّغرى وتثبّط القوم عن الخروج فخرج (ص) وما معه الاّ سبعون رجلاً {وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً} اى تعذيباً من الكفّار عطف على ما يستفاد من ذكر بأس الكفّار يعنى لهم بأس والله اشدّ او حال عن الله او عن الّذين كفروا، ولمّا قال حرّض المؤمنين بعد الاشارة الى استغنائه عن الغير وكفاية الله له وامره بالقتال وحده صار المقام مناسباً لان يقال: ولم امرت بتحريض المؤمنين؟ - او صار المقام مقام ان يقال: الا ادلّ الكفار على الخير والا انصحهم وكيف حال من نصحهم وما ينبغى ان يفعل المؤمنون بمن نصحهم؟ - فقال جواباً لذلك
فرات الكوفي
تفسير : {وَلَوْ رَدّوهُ إلى الرَّسولِ وإلى أولي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذينَ يَسْتَنْبِطونَهُ مِنْهُمْ83} فرات قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري معنعناً: عن أبي جعفر عليه السلام قال: يا جابر إنّ حديث آل محمد صعب مستصعب ذكوان أجرد ذعر، لا يؤمن والله به إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو عبدٌ مؤمنٌ [قد. ب] امتحن الله قلبه للإيمان، وإنّما الشقي الذام الهالك منكم من ترك الحديث عليه من [ظ]! حديث آل محمد [صلى الله عليه وآله وسلم. ر] فعرفتموه ولانت [ر: ولاية!] له قلوبكم فتمسكوا به فإنه الحق المبين وما ثقل عليكم فلم تطيقوه [أ، ر: تطيعوه] وكبر عليكم فلم تحملوه فردوا إلينا فإن الراد علينا مخبث ألم تسمع الله يقول: {ولو ردوه إلى الله وإلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم}.
الهواري
تفسير : قوله: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ} أي من أن إخوانهم آمنون ظاهرون {أَوِ الخَوْفِ} يعني القتل والهزيمة {أَذَاعُوا بِهِ} أي أشاعوه وأفشوه. {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ} قال الحسن: الفقهاء. قال: {لَعَلِمَهُ الذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ} أي الذين يفحصون عنه ويهمّهم ذلك. وقال مجاهد: الذين يتبعونه ويتحسّسونه منهم. قوله: {وَلَوَْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاَّ قَلِيلاً}. ولولا فضل الله الإِسلام، ورحمته القرآن. وأما قوله: {لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً} فإنه تقديم وتأخير؛ يقول: لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا قليلاً، ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان.
اطفيش
تفسير : {وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ}: بالنصر لسرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم. {أَوِ الخَوْفِ}: بالهزيمة من الكفار، سواء أخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالوحى عما أصابت السرية، أو أصابها أو أخبرهم غيره بسؤالهم أو بلا سؤال منهم، والهاء للمنافقين، أو لضعفة المسلمين، أو من قلت تجربته منهم أو لهؤلاء كلهم. {أَذَاعُوا بِهِ}: أى صرحوا به، وتحدثوا به، ولذلك تعدى بالباء أو هى زائدة أى أظهروه وشهروه، فما كان من أمن يذكره المنافقون منافقة بذكره، ليظهروا أنهم يحبون النصر للمؤمنين، أو يذكروه على وجه التحقير له، وما كان من خوف يذكروه منافقة باظهار أنهم توجعوا به. وفى ضمن ذكره تعظيم له وكسر لقلوب المؤمنين، وأما من ضعف ايمانه ففيه طرف مما لحق المنافقين، وأما من قلت تجربته فما يؤتى الا من قبل قلتها، والجمهور أنها فى المنافقين، واعلم أن ضعفاء المؤمنين ومن قلَّت تجربته يسمعون الأمن أو الخوف من مخبر، أو وحى كما مر، أو من المنافين يرجعون بالخوف أو التحقير، واذا سمعوه أفشوه، فكان ذلك مفسدة ووبالا على المؤمنين، واذاء النبى صلى الله عليه وسلم. {وَلَوْ رَدُّوهُ}: أى لو ردوا ذلك الأمر الذى جاء وسمعوه. {إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِى الأَمْرِ مِنْهُم}: كأبى بكر وعمر وغيرهما من ذوى البصائر، وقيل أصحاب السرايا والبعوث، كعلى وخالد بن الوليد وغيرهما من أمراء السرايا والبعوث، وانما قال: منهم مع أن أولى الأمر ليسوا من المنافقين، لأن المنافقين فى الظاهر من جملة المؤمنين، ولا إشكال فى ضعفاء المؤمنين ومن قلت تجاربه ومنهم حال من أولى. {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ}: يستخرجون تدابيره وعلمه، والاستنباط اخراج النبط وهو أول ما يخرج من البئر من الماء أول ما تحفر، استعير لما يستخرج بقوة الفهم، والذين يستنبطونه هم الرسول وأولوا الأمر منهم من جملة الناس، ومن للتبعيض كالتى قبلها، وتتعلق بمحذوف وجوبا حال من الواو أى لعلمه من هو من أهل الاستنباط منهم ما هو، وهل صح، وهل الفائدة فى اذاعته، وهل هى فى ترك اذاعته وعلم إما على بابه ومفعوله الثانى محذوف كما علمت، أو بمعنى عرف أو الذين يستنبطونه هم المنافقون أو ضعفاء المؤمنين، ومن قل تجربته أو كلهم، ومنهم متعلق بيستنبطونه، ومن للابتداء، والهاء فى منهم عائدة الى الرسول وأولى الأمر، أى لعلمه هؤلاء المذيعون، ويحصل لهم تحقيقه من الرسول وأولى الأمر، ويجوز تعليق من بعلم أى لعلمه هؤلاء من الرسول وأولى الأمر. وروى حديث : أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه جاء وقوم فى المسجد يقولون: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه قال: فقلت: يا رسول الله أطلقت نساءك؟ فقال: لا. قال عمر: فقمت على باب المسجد فقلت: ألا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يطلق نساءه، فأنزل الله هذه الآية: {وَإِذّا جَآءَهُمْ آَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ} الآية قال: وأنا الذى استنبطهتفسير : ، وقرىء بسكون لام لعلمه الثانية تخفيفا من كسره. {وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ}: ببيان الشريعة بالوحى الى رسوله، فانه فضل من الله وانعام، أو فضله بالاسلام ورحمته بالقرآن. وقال الشيخ هود: فضل الله ورحمته القرآن. {لاتَبَعْتُمُ الشَّيطَانَ}: فى كفره وضلاله. {إِلا قَلِيلاً}: منكم كزيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل، وقس بن ساعدة الايادى، وان قلت: قال أبو عبيدة: انما كره العلماء أن يجعلوا الاستثناء من قوله: {لاتَبَعْتُمُ الشَّيطَانَ} لأنه لا وجه له، لأنه لولا فضل الله ورحمته لاتبعتم الشيطان كلكم. قلت: بل هو صحيح، لأن المعنى لولا فضل الله عليكم ورحمته بالقرآن والرسول، بقيتم على الضلال الا ذلك القليل، فانه على هدى قبل نزول القرآن، وبإرسال الرسول. وعن ابن عباس، وابن زيد، والفراء: الاستثناء من قوله: أذاعوا، ورجحه الطبرى، وقال قتادة والحسن والشيخ هود وابن قتيبة والضحاك والزجاج: من قوله يستنبطونه، ويجوز أن يكون قليلا مفعولا مطلقا، أو ظرف زمان أى الا اتباعا قليلا بأن يتبعوه فى بعض الأشياء فقط، أو بأن يقل زمان بقائهم على الاسلام، ثم يرتدوا فانه ان ارتدوا عن قريب كان اتباعهم قليلا، ولو اتبعوه فى كل شىء، وكذا وجه الظرفية اذا ارتدوا عن قريب كان زمان اتباعهم قليلا، ولو اتبعوه فى كل شىء فبفضل الله ورحمته لم يرتدوا، والصحيح أن الاستثناء من قوله: {لاتَبَعْتُمُ} لقربه وفيه وجهان: أحدهما: ما مر من أنه لولا فضل الله بالقرآن والرسول لاتبعتم الشيطان فى الضلال لعدم بيان الشريعة، وقد كانت شريعة عيسى وما لم ينسخ من التوراة كافيين قبل الوحى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يعذر حينئذ فى جهلهما الا قليلا، فقد كانوا على التوحيد، وما وصل اليهم منهما صافيا لم يرتب فى تفسيره. الثانى: أن المعنى لولا فضل الله عليكم ورحمته بالنصر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لاتبعتم الشيطان فى الكفر، وقلتم: لو كان رسولا لكان منصورا الا قليلا يؤمن به، ولو لم ينصر ولكنه والحمد لله منصور.
اطفيش
تفسير : {وَإِذَا جَآءَهُمْ} أى المنافقين وضعفاء المؤمنين {أَمْرٌ} عن سرايا النبى صلى الله عليه وسلم {مِّنَ الأَمْنِ} بالنصر والغنيمة أو الفتح {أَوِ الْخَوفِ} بالهزيمة {أَذَاعُوا بِهِ} بالأمر أو بأحد من الأمن أو الخوف شهروه، فإن كان الخير قصد المنافقون بإذاعته مراءاة المسلمين والتملق إليهم بإظهار أنهم أَحبوا لهم الخير، وإن كان الشر قصدوا بإذاعته تقوية قلوب المشركين وأصحابهم،وقد وافق ما فى قلوبهم من حب الشر للمسلمين، ويضعف أن يقال، إنهم يذيعون الخير ليجدد المشركون أمرهم فيكونوا غالبين بعد أن كانوا مغلوبين، وفى إذاعة الشر كسر قلوب المؤمنين وتقوية قلوب المشركين، ويجوز عود هاء به إلى الخوف، فهم يذيعون أمر الخوف، ولو جاء الأمن كذبا منهم وتوغلا فى الشر، وأما ضعفاء المؤمنين فلا يقصدون إذاعته سوءا بل شوقا للخير، وتحذراً من الشر، كما كان هؤلاء الضعفاء يذيعون ما أخبرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم من وعد الله له بالظفر، تخويفاً للمؤمنين من الكفرة وإيذاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، ولو لم يكن ذلك قصداً لهم، وكان هؤلاء الضعفاء يذيعون ما سمعوا من المنافقين على حند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفى ذلك كله مفسدة، وفى مسلم عنه صلى الله عليه وسلم: حديث : كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع تفسير : {وَلَوْ رَدُّوهُ} أى ذلك الأمر وسكتوا عنه، وقالوا نسكت حتى نعلم أهو مما يذاع {إِلَى الرَّسُولِ} أى رأيه {وَإِلَى أُولِى الأَمْرِ مِنْهُمْ} أى رأيهم، وهم كبار الصحابة الباصرون بالأمور كأبى بكر، وعمر، وعثمان، وعلى، والعباس، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، حتى يسمعوه من الرسول وأولى الأمر، أو هم الأمراء على القتال والولاة {لَعَلِمَهُ} هل هو مما يذاع {الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ} أى يستنبطونه من الرسول وأولى الأمر، أى يحصل لهم علمه منهم، أو لعلمه من النبى وأولى الأمر، هؤلاء الذين يستنبطونه، أو لعلمه من النبى، وأولى الأمر هؤلاء الضعفاء والمنافقون، حال كونهم من جملة المؤمنين، تحقيقاً فى الضعفاء، وبحسب الظاهر فى المنافقين وأصل الاستنباط إخراج النبط وهو أول ماء البئر وسمى قوم فى البطائح بين العراقين نبطا، لأنهم يستخرجون المياه من الأرض، ومن للابتداء أو للبيان ويجوز أن تكون للتبعيض، أو للتجريد، كقولك رأيت من زيد أسدا، وهى راجعة إلى الابتداء {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} بإرسال الرسول وإنزال القرآن أو فضله بالإسلام ورحمته بالقرآن أو فضله بإرسال الرسول والقرآن ورحمته بالتوفيق وفضله نصره، ورحمته معرفته، واختاره أبو مسلم، والخطاب لضعفاء المؤمنين، أو للمؤمنين أو للناس، والمراد المجموع لأن ذلك ليس رحمة وفضلا للشقى إلا أن يعتبر أن ذلك رحمة وفضل له فضيعه {لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إلاّ قَلِيلاً} فإن القليل لم يتبعه، ولو لم يكن القرآن والرسول، وهم من كان على دين عيسى ولم يغيره، كقس بن ساعدة، ممن آمن قبل البعثة، ومنهم قيل البراء وأبو ذر، واختلفوا فى ورقة بن نوفل، وزيد بن عمرو، وأمية بن أبى الصلت، أو المراد إلا اتباعا قليلا، أو المراد من لم يبلغ، فالاستثناء منقطع، لأنه لم يدخل فى الخطاب، أو استثناء من واو أذاعوا، أو فاعل علم، أو واو وجدوا، والخطاب للناس كلهم، والقليل أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
الالوسي
تفسير : {وَإِذَا جَآءَهُمْ} أي المنافقين ـ كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والضحاك وأبـي معاذ ـ أو ضعفاء المسلمين ـ كما روي عن الحسن وذهب إليه غالب المفسرين ـ أو الطائفتين كما نقله ابن عطية ـ {أَمْرٌ مّنَ ٱلأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ} أي مما يوجب الأمن والخوف {أَذَاعُواْ بِهِ} أي أفشوه، والباء مزيدة، وفي «الكشاف» «يقال: أذاع السر وأذاع به، ويجوز أن يكون المعنى فعلوا به الإذاعة وهو / أبلغ من أذاعوه» لدلالته على أنه يفعل نفس الحقيقة كما في نحو ـ فلان يعطي ويمنع ـ ولما فيه من الإبهام والتفسير وقيل: الباء لتضمن الإذاعة معنى التحديث وجعلها بمعنى مع والضمير للمجيء مما لا ينبغي تخريج كلام الله تعالى الجليل عليه. والكلام مسوق لبيان جناية أخرى من جنايات المنافقين، أو لبيان جناية الضعفاء إثر بيان جناية المنافقين وذلك أنه إذا غزت سرية من المسلمين خبر الناس عنها فقالوا: أصاب المسلمون من عدوهم كذا وكذا، وأصاب العدو من المسلمين كذا وكذا فأفشوه بينهم من غير أن يكون النبـي صلى الله عليه وسلم هو الذي يخبرهم به، ولا يكاد يخلو ذلك عن مفسدة، وقيل: كانوا يقفون من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأولي الأمر على أمن ووثوق بالظهور على بعض الأعداء، أو على خوف فيذيعونه فينشر فيبلغ الأعداء فتعود الإذاعة مفسدة، وقيل: الضعفاء يسمعون من أفواه المنافقين شيئاً من الخبر عن السرايا مظنون غير معلوم الصحة فيذيعونه قبل أن يحققوه فيعود ذلك وبالاً على المؤمنين، وفيه إنكار على من يحدث بالشيء قبل تحقيقه، وقد أخرج مسلم عن أبـي هريرة مرفوعاً «حديث : كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع» تفسير : والجملة عند صاحب «الكشف» معطوفة على قوله تعالى: {أية : وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ} تفسير : [النساء: 81]، وقوله سبحانه: {أية : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ} تفسير : [النساء: 82] اعتراض تحذيراً لهم عن الإضمار لما يخالف الظاهر، فإن في تدبر القرآن جاراً إلى طاعة المنزل عليه أي جار، وقيل: الكلام مسوق لدفع ما عسى أن يتوهم في بعض المواد من شائبة الاختلاف بناءاً على عدم فهم المراد ببيان أن ذلك لعدم وقوفهم على معنى الكلام لا لتخلف مدلوله عنه، وذلك أن ناساً من ضعفة المسلمين الذين لا خبرة لهم بالأحوال كانوا إذا أخبرهم النبـي صلى الله عليه وسلم بما أوحي إليه من وعد بالظفر أو تخويف من الكفرة يذيعونه من غير فهم لمعناه ولا ضبط لفحواه على حسب ما كانوا يفهمونه ويحملونه عليه من المحامل، وعلى تقدير الفهم قد يكون ذلك مشروطاً بأمور تفوت بالإذاعة فلا يظهر أثره المتوقع فيكون ذلك منشأ لتوهم الاختلاف ـ ولا يخلو عن حسن ـ غير أن روايات السلف على خلافه، وأياً مّا كان فقد نعى الله تعالى ذلك عليهم. وقال سبحانه: {وَلَوْ رَدُّوهُ} أي ذلك الأمر الذي جاءهم {إِلَى ٱلرَّسُولِ} صلى الله عليه وسلم {وَإِلَىٰ أُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ} وهم كبائر الصحابة رضي الله تعالى عنهم البصراء في الأمور، وهو الذي ذهب إليه الحسن وقتادة وخلق كثير. وقال السدي وابن زيد وأبو علي الجبائي: المراد بهم أمراء السرايا والولاة، وعلى الأول: المعول {لَعَلِمَهُ} أي لعلم تدبير ذلك الأمر الذي أخبروا به {ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} أي يستخرجون تدبيره بفطنتهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ومكايده، أو لو ردوه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ومن ذكر، وفوضوه إليهم وكانوا كأن لم يسمعوا لعلم الذي يستنبطون تدبيره كيف يدبرونه وما يأتون وما يذرون، أو: لو ردوه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى كبار أصحابه رضي الله تعالى عنهم وقالوا نسكت حتى نسمعه منهم ونعلمه هل مما يذاع أو لا يذاع لعلم صحته، وهل هو مما يذاع أو لا هؤلاء المذيعون وهم الذين يستنبطونه من الرسول وأولي الأمر أي يتلقونه منهم ويستخرجون علمه من جهتهم، أو لو عرضوه على رأيه عليه الصلاة والسلام مستكشفين لمعناه وما ينبغي له من التدبير، وإلى أجلة صحبه رضي الله تعالى عنهم لعلم الرادون معناه وتدبيره وهم الذين يستنبطونه ويستخرجون علمه وتدبيره من جهة الرسول عليه الصلاة والسلام، ومن تشرف بالعطف عليه، والتعبير بالرسالة لما أنها من موجبات الرد. وكلمة ـ من ـ إما ابتدائية والظرف لغو متعلق بيستنبطونه، وإما تبعيضية أو بيانية تجريدية والظرف حال، ووضع / الموصول موضع الضمير في الاحتمالين الأخيرين للإيذان بأنه ينبغي أن يكون القصد بالرد استكشاف المعنى واستيضاح الفحوى، والاستنباط في الأصل استخراج الشيء من مأخذه ـ كالماء من البئر والجوهر من المعدن ـ ويقال للمستخرج: نبط بالتحريك ثم تجوز به فأطلق على كل أخذ وتلق. {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} خطاب للطائفة المذكورة آنفاً بناءاً على أنهم ضعفة المؤمنين على طريقة الالتفات، والمراد من الفضل والرحمة شيء واحد أي لولا فضله سبحانه عليكم ورحمته بإرشادكم إلى سبيل الرشاد الذي هو الرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى أولي الأمر {لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَـٰنَ} وعملتم بآرائكم الضعيفة، أو أخذتم بآراء المنافقين فيما تأتون وتذرون ولم تهتدوا إلى (صوب) الصواب {إِلاَّ قَلِيلاً} وهم أولو الأمر المستنيرة عقولهم بأنوار الإيمان الراسخ، الواقفون على الأسرار الراسخون في معرفة الأحكام بواسطة الاقتباس من مشكاة النبوة، فالاستثناء منقطع أو الخطاب للناس أي: ولولا فضل الله تعالى بالنبـي صلى الله عليه وسلم ورحمته بإنزال القرآن ـ كما فسرهما بذلك السدي والضحاك ـ وهو اختيار الجبائي، ولا يبعد العكس لاتبعتم كلكم الشيطان وبقيتم على الكفر والضلالة إلا قليلاً منكم قد تفضل عليه بعقل راجح فاهتدى به إلى طريق الحق، وسلم من مهاوي الضلالة وعصم من متابعة الشيطان من غير إرسال الرسول عليه الصلاة والسلام وإنزال الكتاب ـ كقس بن ساعدة الأيادي وزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وأضرابهم ـ فالاستثناء متصل، وإلى ذلك ذهب الأنباري. وقال أبو مسلم: المراد بفضل الله تعالى ورحمته النصرة والمعونة مرة بعد أخرى، والمعنى لولا حصول النصر والظفر لكم على سبيل التتابع لاتبعتم الشيطان فيما يلقي إليكم من الوساوس والخواطر الفاسدة المؤدية إلى الجبن والفشل والركون إلى الضلال وترك الدين إلا قليلاً وهم أهل البصائر النافذة، والعزائم المتمكنة والنيات الخالصة من أفاضل المؤمنين الذين يعلمون أنه ليس من شرط كون الدين حقاً حصول الدولة في الدنيا، أو باطلاً حصول الانكسار والانهزام، بل مدار الأمر في كونه حقاً وباطلاً على الدليل، ولا يرد أنه يلزم من جعل الاستثناء من الجملة التي وليها جواز أن ينتقل الإنسان من الكفر إلى الايمان، ومن اتباع الشيطان إلى عصيانه وخزيه، وليس لله تعالى عليه في ذلك فضل ومعاذ الله تعالى أن يعتقد هذا مسلم موحد سنياً كان أو معتزلياً، وذلك لأن لولا حرف امتناع لوجود، وقد أنبأت أن امتناع اتباع المؤمنين للشيطان في الكفر وغيره إنما كان بوجود فضل الله تعالى عليهم، فالفضل هو السبب المانع من اتباع الشيطان فإذا جعل الاستثناء مما ذكر فقد سلبت تأثير فضل الله تعالى في امتناع الاتباع عن البعض المستثنى ضرورة، وجعلهم مستبدين بالإيمان وعصيان الشيطان الداعي إلى الكفر بأنفسهم لا بفضل الله تعالى، ألا تراك إذا قلت لمن تذكره بحقك عليه: لولا مساعدتي لك لسلبت أموالك إلا قليلاً كيف لم تجعل لمساعدتك أثراً في بقاء القليل للمخاطب، وإنما مننت عليه في تأثير مساعدتك في بقاء أكثر ماله لا في كله، لأنا نقول هذا إذا عم الفضل لا إذا خص كما أشرنا إليه لأن عدم الاتباع إذا لم يكن بهذا الفضل المخصوص لا ينافي أن يكون بفضل آخر، نعم ظاهر عبارة «الكشاف» في هذا المقام مشكل حيث جعل الاستثناء من الجملة الأخيرة، وزاد التوفيق في البيان، ويمكن أن يقال أيضاً: أراد به توفيقاً خاصاً نشأ مما قبله، وهذا أولى من الإطلاق ودفع الإشكال بأن عدم الفضل والرحمة على الجميع لا يلزم منه العدم على / البعض لما فيه من التكلف، وذهب بعضهم للتخلص من الإيراد إلى أن الاستثناء من قوله تعالى: {أَذَاعُواْ بِهِ}، وروي ذلك عن ابن عباس ـ وهو اختيار المبرد والكسائي والفراء والبلخي والطبري ـ واتخذ القاضي أبو بكر الآية دليلاً في الرد على من جزم بعود الاستثناء عند تعدد الجمل إلى الأخيرة. وعن بعض أهل اللغة أن الاستثناء من قوله سبحانه: {أية : لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفاً كَثِيراً} تفسير : [النساء: 82] وعن أكثرهم أنه من قوله تعالى: {لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ} واعترضه الفراء والمبرد بأن ما يعلم بالاستنباط فالأقل يعلمه والأكثر يجهله، وصرف الاستثناء إلى ما ذكروه يقتضي ضد ذلك، وتعقب ذلك الزجاج بأنه غلط لأنه لا يراد بهذا الاستنباط ما يستخرج بنظر دقيق وفكر غامض إنما هو استنباط خبر؛ وإذا كان كذلك فالأكثرون يعرفونه ولا يجهله إلا البالغ في البلادة ـ وفيه نظر ـ وبعضهم إلى جعل الاستثناء مفرغاً من المصدر فما بعد {إِلا} منصوب على أنه مفعول مطلق أي لاتبعتموه كل اتباع إلا اتباعاً قليلاً بأن تبقوا على إجراء الكفر وآثاره إلا البقاء القليل النادر بالنسبة إلى البعض، وذلك قد يكون بمجرد الطبع والعادة، وأحسن الوجوه وأقربها إلى التحقيق عند الإمام ما ذكره أبو مسلم، وأيد التخصيص فيما ذهب إليه الأنباري بأن قوله تعالى: {أية : وَمَن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ} تفسير : [النساء: 80] الخ، وقوله سبحانه: {أية : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءانَ} تفسير : [النساء: 82] يشهدان له، وفي الذي بعده بأن قوله عز وجل: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مّنَ ٱلأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ} الخ وقوله جل وعلا: {فَقَٰتلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ...}.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة{أية : ويقولون طاعة}تفسير : [النساء: 81] فضمير الجمع راجع إلى الضمائر قبله، العائدة إلى المنافقين، وهو الملائم للسياق، ولا يعكّر عليه إلاّ قوله: {وإلَى أولي الأمر منهم}، وسنعلم تأويله، وقيل: الضمير هذا راجع إلى فريق من ضعفة المؤمنين: ممّن قلّت تجربَته وضعف جَلده، وهو المناسب لقوله: {وإلى أولي الأمر منهم} بحسب الظاهر، فيكون معَاد الضمير محذوفاً من الكلام اعتماداً على قرينة حال النزول، كما في قوله: {أية : حتّى توارت بالحجاب}تفسير : [ص: 32]. والكلام مسوق مساق التوبيخ للمنافقين واللوم لمن يقبل مثل تلك الإذاعة، من المسلمين الأغرار. ومعنى {جاءهم أمر} أي أخبروا به، قال امرؤ القيس:شعر : وذَلك مِنْ نَبَإ جَاءَني تفسير : فالمجيء مجاز عرفي في سماع الأخبار، مثل نظائره. وهي: بلغ، وانتهى إليه وأتاه، قال التابغة:شعر : أتأني ــــ أبيتَ اللعن ــــ أنَّكَ لُمَتَنِي تفسير : والأمر هنا بمعنى الشيء، وهو هنا الخبر، بقرينة قوله: {أذاعوا به}. ومعنى {أذاعوا} أفْشَوْا، ويتعدّى إلى الخبر بنفسه، وبالباء، يقال: أذاعَه وأذاع به، فالباء لتوكيد اللصوق كما في {أية : وامْسَحُوا برؤوسكم}تفسير : [المائدة: 6]. والمعنى إذا سمعوا خبَراً عن سَرايا المسلمين من الأمن، أي الظَّفَر الذي يوجب أمن المسلمين أو الخوف وهو ما يوجب خوف المسلمين، أي اشتداد العدوّ عليهم، بادروا بإذاعته، أو إذا سمعوا خَبراً عن الرسول ــــ عليه السلام ــــ وعن أصحابه، في تدبير أحوال المسلمين من أحوال الأمن أو الخوف، تحدّثوا بتلك الأخبار في الحالين، وأرجفوها بين الناس لقصد التثبيط عن الاستعداد، إذا جاءت أخبار أمن حتّى يؤخذ المؤمنون وهم غَارَّون، وقصد التجبين إذا جاءت أخبار الخوف، واختلاف المعَاذير للتهيئة للتخلّف عن الغزو إذا استنفروا إليه، فحذّر الله المؤمنين من مكائد هؤلاء، ونبّه هؤلاء على دخيلتهم، وقَطَع معذرتهم في كيدهم بقوله: {ولو ردّوه إلى الرسول} الخ، أي لولا أنّهم يقصدون السوء لاستثبتوا الخبر من الرسول ومن أهل الرأي. وعلى القول بأنّ الضمير راجع إلى المؤمنين فالآية عتاب للمؤمنين في هذا التسرّع بالإذاعة، وأمرُهم بإنهاء الأخبار إلى الرسول وقادة الصحابة ليضعوه مواضعه ويعلّموهم محامله. وقيل: كان المنافقون يختلقون الأخبار من الأمن أو الخوف، وهي مخالفة للواقع، ليظنّ المسلمون الأمْن حين الخوف فلا يأخذوا حذرهم، أو الخوفَ حين الأمن فتضطرب أمورهم وتختلّ أحوال اجتماعهم، فكان دهماء المسلمين إذا سمعوا ذلك من المنافقين راج عندهم فأذاعوا به، فتمّ للمنافقين الدست، وتمشّت المكيدة، فلامهم الله وعلّمهم أن ينهوا الأمر إلى الرسول وجلّة أصحابه قبل إشاعته ليعلموا كنه الخبر وحالَه من الصدق أو الكذب، ويأخذوا لكلّ حالة حيطتها، فيسلم المؤمنون من مكر المنافقين الذي قصدوه. وهذا بعيد من قوله: {جاءهم} وعلى هذا فقوله: {لَعَلِمَه} هو دليل جواب (لو) وعِلَّتُه، فجُعل عوضه وحذف المعلول، إذ المقصود لعلمه الذين يستنبطونه من أولي الأمر فلَبَيَّنُوه لهم على وجهه. ويجوز أن يكون المعنى: ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلم ذلك المنافقون الذين اختلقوا الخبَر فلَخابوا إذ يوقنون بأنّ حيلتهم لم تتمشّ على المسلمين، فيكون الموصول صادقاً على المختلقين بدلالة المقام، ويكون ضمير {منهم} الثاني عائداً على المنافقين بقرينة المقام. والردّ حقيقته إرجاع شيء إلى ما كان فيه من مكان أو يَدٍ. واستعمل هنا مجازاً في إبلاغ الخبر إلى أوْلى الناس بعلمه. وأولو الأمر هم كبّراء المسلمين وأهل الرأي منهم، فإن كان المتحدّث عنهم المنافقين فوصف أولي الأمر بأنّهم منهم جارٍ على ظاهر الأمر وإرخاءِ العِنان، أي أولو الأمر الذين يجعلون أنفسهم بعضَهم؛ وإن كان المتحدّث عنهم المؤمنين، فالتبعيض ظاهر. والاستنباط حقيقته طلب النَّبَط ــــ بالتحريك ــــ؛ وهو أول الماء الذي يخرج من البئر عند الحفر؛ وهو هنا مجاز في العلم بحقيقة الشيء ومعرفة عواقبه، وأصله مكنية: شبّه الخبر الحادث بحفير يُطلب منه الماء، وذكْر الاستنباط تَخييلٌ. وشاعت هذه الاستعارة حتّى صارت حقيقة عرفية، فصار الاستنباط بمعنى التفسير والتبيين، وتعدية الفعل إلى ضمير الأمر على اعتبار المعنى العرفي، ولولا ذلك لقيل: يستنبطون منه، كما هو ظاهر، أوْ هو على نزع الخافض. وإذا جريتَ على احتمال كون (يستنبطون) بمعنى يختلقون كما تقدّم كانت {يستنبطونه} تبعية، بأن شبّه الخبر المختلَق بالماء المحْفور عنه، وأطلق يستنبطون بمعنى يختلقون، وتعدّى الفعل إلى ضمير الخبرلأنّه المستخرَج. والعرب يكثرون الاستعارة من أحوال المياه كقولهم: يُصْدر ويُورِد، وقولهم ضَرَبَ أخماساً لأسْدَاسٍ، وقولهم: يَنْزِع إلى كذا، وقوله تعالى: {أية : فإنّ للذين ظلموا ذَنُوباً مثلَ ذَنوب أصحابهم}تفسير : [الذاريات: 59]، وقال عَبدة بن الطبيب:شعر : فحقّ لشاس من نداك ذَنوب تفسير : ومنه قولهم: تَساجل القوم، أصله من السَّجْل، وهو الدلو. وقال قيس بن الخطيم:شعر : إذَا ما اصطبَحْتُ أرْبعاً خطّ مِئْزَري وأتْبَعْتُ دلوي في السماح رِشاءها تفسير : فذكَر الدلوَ والرشاء. وقال النابغة:شعر : خَطاطِيف حَجْنٍ في حِبالٍ متينَة تَمُدّ بها أيْدٍ إليكَ نَوازِع تفسير : وقال:شعر : ولولا أبُو الشقراء مَا زال ماتح يُعالج خَطَّافاً بإحدى الجرائر تفسير : وقالوا أيضاً: «انتهز الفرصة»، والفرصة نوبة الشرب، وقالوا: صدر الوم عن رأي فلان ووَردوا على رأيه. وقوله: {منهم} وصفٌ للذين يستنبطونه، وهم خاصّة أولي الأمر من المسلمين، أي يردّونه إلى جماعةِ أولي الأمر فيفهمه الفاهمون من أولي الأمر، وإذا فهمه جميعهم فأجدَر. وقوله: {ولولا فضلُ الله عليكم ورحمتُه} امتنان بإرشادهم إلى أنواع المصالح، والتحذير من المكائد ومن حبائل الشيطان وأنصاره. واستثناء {إلاّ قليلاً} من عموم الأحوال المؤذن بها {اتّبعتم}، أي إلاّ في أحوال قليلة، فإن كان المراد من فضل الله ورحمته ما يشمل البعثة فما بعدها، فالمراد بالقليل الأحوال التي تنساق إليها النفوس في بعض الأحوال بالوازع العقلي أو العادي، وإن أريد بالفضل والرحمة النصائح والإرشاد فالمراد بالقليل ما هو معلوم من قواعد الإسلام. ولك أن تجعله استثناء من ضمير {اتّبعتم} أي إلاّ قليلاً منكم، فالمراد من الاتّباع اتّباع مثل هذه المكائد التي لا تروج على أهل الرأي من المؤمنين.
القطان
تفسير : اذاعوا به: اذاعوه ونشروه. يستنبطونه: يستخرجونه. تصوّر هذه الآية حال المؤمنين في المدينة، حيث كوّنوا مجتمعاً جديداً. وكان بينهم طائفة تدّعي الاسلام، وهم المنافقون، وطائفة اخرى ممن لم يتركز حالُهم من ضعاف المؤمنين. لذلك كان كل خبر يصِلُهم يستفزّهم ويطلق ألسنتهم بالكلام فيه وإذاعته بين الناس، سواء أكان من ناحية الجيش الّذي يغزو ويقاتل العدو، أو من ناحية الأمن الداخلي عندهم. وكان لكثير من المسلمين علاقات جوارٍ او نسب أو صداقة مع اليهود والمنافقين، فكان هؤلاء يستغلّون سذاجة المسلمين ويتلقون الأخبار ويشيعونها بين الناس مع زيادة وتغيير وتبديل. لذلك بيّن الله لهم ما ينبغي عمله في مثل هذه الحال، فقال: ولو ردوه الى الرسول وإلى أولي الأمر من القواد وكبار الصحابة ـ لوجدوا عندهم العلم الحقيقي بالأمر، لأن لهم الخبرة والدراية، وهم الذين يعرفون كيف يستخرجون خفايا الحقائق بدقة نظرهم. هذا من جهة سبب نزول الآية. أما حُكمها فإنه عام لجميع المسلمين ودائم في كل زمان ومكان. وفيها تأديب لكل من يحدّث بكل ما يسمع، وكفى بذلك كذبا. وقد روى مسلم عن النبي الكريم أنه قال: "حديث : كفى بالمرء كذباً ان يحدّث بكل ما سمع ". تفسير : ولو تدبر المسلمون القرآن واهتدوا بهديه في كل زمان لما فسدت أخلاقهم وآدابهم، ولما ظلم حكّامهم واستبدّوا، ولما زال مُلكهم وسلطانهم. ولولا فضلُ الله عليكم بتثبيت قلوبكم على الايمان لاتّبع أكثرُكم الشيطان، ولم ينجُ من إغوائه الا القليل. هكذا يربّينا القرآن الكريم ويعلّمنا، ليغرس الإيمان والولاء لصالح المسلمين، يحدّده أولو الرأي فيهم لا أولي القوّة والأموال، ويعلّم نظام الجندية في آية واحدة.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلشَّيْطَانَ} (83) - يُنْكِرُ اللهُ تَعَالَى عَلى مَنْ يُبَادِرُ إلى الأُمُورِ قَبْلَ أنْ يَتَحَقَقُ مِنْهَا، فَيُخْبِرُ بِهَا وَيُفْشِيهَا، وَيَنْشُرُهَا، وَقَدْ لاَ يَكُونُ لَهَا أَسَاسٌ مِنَ الصِّحَّةِ، وَيَكُونُ مِنْ شَأْنِهَا أنْ تُحْدِثَ البَلْبَلَةَ فِي الجَمَاعَةِ، وَقَدْ تَكُونُ صَحِيْحَةٌ وَلَكِنْ يَكُونُ فِي إفْشَائِهَا وَالإِعْلاَنِ عَنْهَا مَضَرَّةٌ بِالأمَّةِ، يُفِيدُ مِنْهَا أعْدَاؤُها. وَقِيلَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ أشِيعَ أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم طَلَّقَ زَوْجَاتِهِ فَجَاءَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، وَرَأى النَّاسَ فِي المَسْجِدِ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ طَلاقِ رَسُولِ اللهِ أَزْوَاجَهُ، فَاسْتَأْذَنَ عُمَرُ عَلَيهِ، فَسَألَهُ إنْ كَانَ طَلَّقَ نِسَاءَهُ، فَقَالَ: لاَ. فَخَرَجَ عُمَرُ وَقَالَ للنَّاسِ إنَّ الرَّسُولَ لَمْ يُطَلِّقْ نِسَاءَهُ. وَقِيلَ أَيْضاً: إِنَّهَا نَزَلَتْ يَوْمَ الأحْزَابِ إذِ اشْتَدَّ الأمْرُ بِالمُسْلِمِينَ، وَجَاءَ مَنْ يُخْبِرُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بِأَنَّ يَهُودَ بَنِي قُرَيْظَةَ نَقَضُوا عَهْدَهُمْ مَعَ المُسْلِمِينَ، فَأَرْسَلَ الرَّسُولُ إِلَيْهِمْ نَفَراً مِنْ أَصْحَابِهِ يَسْتَكْشِفُونَ خَبَرَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَقاَلَ لَهُمْ إنْ وَجَدْتُمُ الخَبَرَ صَحِيحاً فَالْحنُوا إلينَا بِإِشَارَةٍ لِكَيْلاَ يَفُتّ ذَلِكَ فِي عَضُدِ المُسْلِمِينَ، وَيَزِيدَ فِي اضْطِرَابِهِمْ، فَعَادَ الوَفْدُ وَأخْبَرَ النَّبِيَّ بِنَقْضِهِم العَهْدَ، وَانْتَشَرَ خَبَرُ نَقْضِ بَنِي قُرَيْظَةَ العَهْدَ، وَانْضِمَامِهِمْ إلى الكُفَّارِ، وَتَنَاقَلَهُ المُسْلِمُونَ فَزَادَ ذَلِكَ فِي اضْطِرابِهِمْ. وَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى: لَوْ أنَّ هَؤُلاءِ رَدُّوا مَا سَمِعُوا إلى الرَّسُولِ، وَإلى أُولِي الأمْرِ مِنَ المُسْلِمِينَ، الذِينَ يَسْتَطِيعُونَ تَقْدِيرَ الأمُورِ، وَمَعْرِفَةَ مَا يَجُوزُ نَشْرُهُ وَإذَاعَتُهُ، وَمَا لاَ يَجُوزُ، لَقَدَّرُوهُ، وَلَرأوا إنْ كَانَ يَحْسُنُ نَشْرُهُ وَإذَاعَتُهُ أوْ لا. وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ وَرَحْمَتُهُ بِكُمْ - إذْ هَدَاكُمْ إلى طَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ ظَاهِراً وَبَاطِناً، وَرَدَّ الأُمُورَ العَامَّةَ إلى الرَّسُولِ، وَإلَى أولِي الأمْرِ - لاَتَّبَعْتُمْ وَسْوَسَةَ الشَّيْطَانِ، كَمَا اتَّبَعَتْها تِلَكَ الطَّائِفَةُ مِنَ المُنَافِقِينَ، التِي تَقُولُ لِلرَّسُولِ: طَاعَةٌ! ثُمَّ تُبَيِّتُ فِعْلَ غَيْرِ مَا قَالَتْ، وَالتِي تُذْيعُ أمْرَ الأَمْنِ وَالخَوْفِ، وَتُفْسِدُ سِيَاسَةَ الأمَّةِ، وَلأخَذْتُمْ بِآراءِ المُنَافِقِينَ، فِيمَا تَأْتُونَ، وَفِيمَا تَذَرُونَ، وَلَمَا اهْتَدى إلى الصَّوابِ مِنْكُمْ إلاَّ قَلِيلُونَ. أذَاعُوا بِهِ - أَفْشَوْهُ وَأشَاعُوهُ. يَسْتَنْبِطُونَهُ - يَسْتَخْرِجُونَ تَدْبِيرَهُ أو عِلْمَهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق سبحانه وتعالى يربي الأمة الإيمانية على أسلوب يضمن ويؤمّن لهم سرّية حركتهم خاصة أنهم قوم مقبلون على صراع عنيف ولهم خصوم أشداء، فيربيهم على أن يعالجوا أمورهم بالحكمة لمواجهة الجواسيس. فيقول: {وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ}. أي إذا جاءهم خبر أمر من الأمور يتعلق بالقوم المؤمنين أو بخصومهم، وعلى سبيل المثال: يسمعون أن النبي عليه الصلاة والسلام سيخرج في سرية إلى المنطقة الفلانية، وقبيلة فلان تنتظره كي تنضم إليه، وعندما يسمع الضعاف المنافقون هذا الخبر يذيعونه. فيحتاط الخصوم بمحاصرة القبيلة التي وعدت الرسول أن تقاتل معه كي لا تخرج، أو يقولون مثلاً: إن النبي سيخرج ليفعل كذا فيذيعوا أيضاً هذا الخبر! فأوضح لهم الحق: لا تفعلوا ذلك في أي خبر يتعلق بكم كجماعة ارتبطت بمنهج وتريد هذا المنهج أن يسيطر؛ لأن هذا المنهج له خصوم. إياكم أن تسمعوا أمراً من الأمور فتذيعوه قبل أن تعرضوه على القائد وعلى من رأى القائد أنهم أهل المشورة فيه، فقوله: {وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلأَمْنِ} يقصد به أن المسألة تكون في صالحهم {أَوِ ٱلْخَوْفِ} أي من عدوهم {أَذَاعُواْ بِهِ}. كلمة "أذاعة" غير كلمة "أذاع به"، فـ "أذاعه" يعني "قاله"، أما "أذاع به" فهي دليل على أنه يقول الخبر لكل من يقابله، وكأن الخبر بذاته هو الذي يذيع نفسه، فهناك أمر تحكيه وتنتهي المسألة، أما "أذاع به" فكأن الإذاعة مصاحبة للخبر وملازمة له تنشره وتخرجه من طيّ محدود إلى طي غير محدود.. أو من آذان تحترم خصوصية الخبر إلى آذان تتعقب الخبر، ثم يقول: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ} فالرسول أو من يحددهم الرسول صلى الله عليه وسلم هم الذين لهم حق الفصل فيما يقال وما لا يقال: {لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} والاستنباط مأخوذ من "النَبْط" وهو ظهور الشيء بعد خفائه، واستنبط أي استخرد الماء مجتهدا في ذلك والنَبَط هو أول مياه تخرج عند حفر البئر فنقلت الكلمة من المحسات في الماء إلى المعنويات في الأخبار. وصرنا نستخدم الكلمة في المعاني، وكذلك في العلوم. مثلما تعطي الطالب مثلاً تمريناً هندسياً، وتعطيه معطياته، ثم يأخذ الطالب المعطيات ويقول بما أن كذا = كذا.. ينشأ منه كذا، فهو يستنبط من موجودٍ معدوماً. وهنا يوضح الحق لهم: إذا سمعتم أمراً يتعلق بالأمن أو أمراً يتعلق بالخوف، فإياكم أن تذيعوه قبل أن تعرضوه على رسول الله صلى الله عليه وسلم أو تعرضوه على أولياء الأمر الذين رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيهم بعض السلطة فيه؛ لأنهم هم الذين يستنبطون.. هذا يقال أو لا يقال. ويقول الحق: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً} كأنهم أذاعوا بعض أحداث حدثت، لكنهم نجوا منها بفضل من الله سبحانه وتعالى وبعض إلهاماته فكان مما أذاعوا به ما حدث عندما عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم - العزم على أن يذهب إلى مكة فاتحاً.. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد غزوة وَرَّى بغيرها.. أي أنه لا يقول الوجهة الحقيقية كي يأخذ الخصوم على غرة، وعندما يأخذ الخصوم على غرة يكونون بغير إعداد، فيكون ذلك داعياً على فقدانهم قدرة المقاومة. وانظروا إلى الرحمة فيما حدث في غزوة الفتح، فقد أمر رسول الله المسلمين بالتجهيز لغزو مكة حتى إذا ما أبصر أهل مكة أن رسول الله جاء لهم بجنود لا قبل لهم بها؛ يستكينون ويستسلمون فلا يحاربون وذلك رحمة بهم. وكان "حاطب بن أبي بلتعة" قد سمع بهذه الحكاية فكتب كتاباً لقريش بمكة، وأخذته امرأة وركبت بعيرها وسارت. وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بعلى ومن معه وقال لهم: إن هناك امرأة في روضة خاخ معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش يخبرهم بقدومنا إلى مكة، فذهبوا إلى الظعينة فأنكرت، فهددها سيدنا عليٌّ وأخرج من عقاصها - أي من ضفائر شعرها - الكِتَاب، فإذا هو كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش، فاستحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطباً وقال له: أهذا كتابك؟. قال: نعم يا رسول الله، فقال: وما دعاك إلى هذا؟ قال: والله يا رسول الله لقد علمت أن الله ناصرك، وأن كتابي لن يقدم ولن يؤخر. وأنا رجل ملصق في قريش ولم أكن من أنفسهم ليس لي بها عصبية ولي بين أظهرهم ولد وأهل فأحببت أن أتقدم إلى قريش بيد تكون لي عندهم يحمون بها قرابتي وما فعلت ذلك كفرا ولا ارتدادا عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام فقال له النبي: قد صدقت. إذن فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يبني القضايا الإيمانية وخاصة ما يتعلق بأمر المؤمنين مع أعدائهم على الصدق، ولا يستقيم الأمر أن يفشي ويذيع كل واحد الكلام الذي يسمعه، بل يجب أن يردوا هذا الكلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أولى الأمر لأنهم هم الذين يستنبطون ما يناسب ظرفهم من الأشياء، ربما أذنوا لكم في قولها، أو أذنوا بغيرها إذا كان أمر الحرب والخداع فيها يستدعي ذلك. وهذا يدل على أن الحق سبحانه وتعالى وإن كان قد ضمن النصر والغلبة لهم وأوضح: أنا الوكيل وأنا الذي أنصر ولا تهابوهم، إلا أنه سبحانه يريد أن يأخذ المؤمنون بالأسباب.. وبكفايتهم به على أنه هو الناصر. {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً} وهذا يدل على أن هذه المسألة قد حدثت منهم ولكن فضل الله هو الذي سندهم وحفظهم فلم يجعل لهذه المسألة مغبة أو عاقبة فيما يسؤوهم. {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً} ونعرف أنه كلما جاء فعل من الأفعال وجاء بعده استثناء. فنحن ننظر: هل هذا الاستثناء من الفاعل أو من الفعل؟.. وهنا نجد قوله الحق: {لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً} فهل كان اتباع الشيطان قليلاً أي اتبع الشيطان قلة وكثيرون لم يتبعوا الشيطان. فهل نظرت إلى القلة في الحدث أو في المحدِث للحدث؟. فإن نظرت إلى القلة في الحدث فيكون: لاتبعتم الشيطان إلا اتباعاً قليلاً تهتدون فيه بأمر الفطرة، وإن أردت القلة في المحدث: {لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً} أي إلاَّ نفرا قليلا منكم سلمت فطرتهم فلا يتبعون الشيطان. فقد ثبت أن قوماً قبل أن يرسل ويبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جلسوا ليفكروا فيما عليه أمر الجاهلية من عبادة الأوثان والأصنام، فلم يرقهم ذلك، ولم يعجبهم، فمنهم من صَدّ عن ذلك نهائياً، ومنهم من ذهب ليلتمس هذا العلم من مصادره في البلاد الأخرى، فهذا "زيد بن عمرو بن نفيل"، وهذا "ورقة بن نوفل" الذي لم يصدق كل ما عرض عليه، و "أمية بن أبي الصلت"، و "قُسّ بن ساعدة"، كل هؤلاء بفطرتهم اهتدوا إلى أن هذه الأشياء التي كانت عليها الجاهلية لا تصح ولا يستقيم أن يكون عليها العرب فهؤلاء كانوا قلة وكانوا يسمون بالحنفاء والكثير منهم كان يعبد الأصنام ثم أكرمهم الله ببعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذن فقول الحق: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً} أي لأن الحق سبحانه وتعالى بفضله ورحمته لن يدع مجالاً للشيطان في بعض الأشياء.. بل يفضح أمر الشيطان مع المنافقين. فإذا ما فضح أمر الشيطان مع المنافقين أخذكم إلى جانب الحق بعيداً عن الشيطان، فتكون هذه العملية من فضل الله ورحمته. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه مخاطباً سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [الآية: 83]. وهو قوله: ماذا كان؟ وماذا سمعتم؟ أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً}. قال: الشفاعة الحسنة: الشفاعة. و {شَفَاعَةً سَيِّئَةً} [الآية: 85]. يعني شفاعة الناس بعضهم لبعض. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: "المقيت" [الآية: 85]. الشهيد. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: ثنا المبارك بن فضالة، عن الحسن في قوله: {فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ} [الآية: 86]. قال يقول: إِذا سلم عليك أَخوك المسلم، فقال: السلام عليكم. فقل له: السلام عليكم، ورحمة الله، {أَوْ رُدُّوهَآ}. يقول: إِن لم تقل له: السلام عليكم ورحمة الله، فرد عليه كما قال: السلام عليكم. كما سلم ولا تقل وعليك. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {حَسِيباً} [الآية: 86]. يعني: حفيظاً.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} قالَ زيدُ بن علي عليهما السلامُ: معناهُ يَستَخْرِجُونَهُ مِنْهُمْ. تفسير : وقوله تعالى: {أَذَاعُواْ بِهِ} معناهُ أَفْشُوهُ.
الجيلاني
تفسير : {وَ} من ضعفه المسلمين قوم {إِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ} موجبات {ٱلأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ} أي: فشوه ونشروه سواء كان واقعاً أما أراجيف، ولحق للمسلمين بسبب تلك الإذاعة والأشاعة ما لايليق بهم {وَلَوْ} أنهم حين سمعوا الخبر {رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِي ٱلأَمْرِ} أصحاب الرأي والتدبير {مِنْهُمْ} ليتأملوا فيه ويتبصروا { لَعَلِمَهُ} واستخرجه البتة المجتهدون {ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ} وأمثاله {مِنْهُمْ} وجهاً موجباً للإفشاء أو الإسرار، ولا تغتروا أيها المؤمنون بعقولكم، ولا تستبدوا برأيكم {وَ} اعلموا أنه {لَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} بإرسال الرسول فيكم، وإنزال الكتب علكيم {وَرَحْمَتُهُ} الشاملة بكم بتوفيقكم على الإيمان، ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم {لاَتَّبَعْتُمُ} بأجمعكم {ٱلشَّيْطَانَ} المضل عن طريق الحق {إِلاَّ قَلِيلاً} [النساء: 83] منكم، وهم الذين استثناهم الله سبحانه في سابق عمله تفضلاً عليهم وامتناناً، وإن انصرفوا عنك بالمرة وانتشروا من حولك. {فَقَاتِلْ} بنفسك يا أكمل الرسل {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} إذ {لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ} ولا تحمل أعباء الرسالة إلا عليك، فعليك أن تشعر ذيلك لأمر الجهاد، لا تبال بإعانتهم وانتصارهم، ولا بتقاعدهم وانتشارهم، فإن الله ناصرك ومعينك لا الجنود {وَحَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي: رغبهم على القتال؛ إذ ما عليك في شأنهم إلا الترغيب والتبليغ سواء قبلوا أو لم يقبلوا، ولا تخف من كثرة المشركين وعظم شركهم {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ} أي: يمحو عن قبلك {بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} يعني: قريشاً {وَٱللَّهُ} المنتقم المقتدر بالقوة التامة الكاملة {أَشَدُّ بَأْساً} مهابة {وَأَشَدُّ تَنكِيلاً} [النساء: 84] تعذيباً من هؤلاء الغواة الطغاة، يكفيك مؤونة شرورهم عن قريب، وقد كفاه بأن ألقى في قلوبهم الرعب، فرجعوا خائبين خاسرين. {مَّن يَشْفَعْ شَفَٰعَةً حَسَنَةً} يراعي بها حق الله وحقوق عباده، ويرغبهم بها على الخير، ويبعدهم عن الشر، خالصاً لرضا الله بلا تغرير لنفسه وجلب نفع لها، أو دفع ضر عنها {يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا} من ثواب الشفاعة التي تسبب لها، والدعاء الخير للأخ المسلم من هذا القبيل، قال عليه السلام: "حديث : من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له، وقال الملك: ولك مثل ذلك"تفسير : {وَمَن يَشْفَعْ شَفَٰعَةً سَيِّئَةً} يحمل بها إلى ارتكاب محرم، أو يوقعهم في فتنة وبلية {يَكُنْ لَّهُ} أيضاً {كِفْلٌ} نصيب {مِّنْهَا} من أوزارها وآثامها المترتبة عليها مثل فاعلها بل أزيد {وَكَانَ ٱللَّهُ} المجازي لعباه {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} من الحسنة والسيئة {مُّقِيتاً} [النساء: 85] مقتدراً على جزاء كل منهما فضلاً وعدلاً.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : وفي قوله تعالى: {وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ} [النساء: 83]، إشارة إلى أرباب السلوك وأبناء السير إلى الله إذا فتح لهم من الإنس أو الهيبة والحضور والغيبة من آثار صفات الجمال والجلال، تغشوا الأسرار إلى الأغيار، وأشاعوا في الأقطار، {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ} [النساء: 83]؛ يعني: ولو كان رجوعهم في حل مثل هذه المشكلات وكشف هذه المعضلات إلى سنن الرسول صلى الله عليه وسلم، وإلى سير أولي الأمر منهم وهم المشايخ البالغون والواصلون، ومن كان له شيخ كامل فهو ولي أمره، {لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } [النساء: 83]، وهم أرباب الكشوف بحقائق الأشياء، فهم العالمون بعلوم درر ورق دقائق المعرفة، {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} [النساء: 83] ببعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم، {لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً} [النساء: 83]، وفي الحقيقة كان النبي صلى الله عليه وسلم فضل الله ورحمته، يدل عليه قوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ} تفسير : [الجمعة: 2]، إلى قوله: {أية : ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ}تفسير : [الجمعة: 4]، وقوله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} تفسير : [الأنبياء: 107]، فلولا وجود النبي صلى الله عليه وسلم وبعثه لبقوا في نية الضلالة تائهين، كما قال تعالى: {أية : وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} تفسير : [آل عمران: 164]، قبل بعثته، وكانوا قد اتبعوا الشيطان إلى شفا حفرة من النار، وكان صلى الله عليه وسلم فضله ورحمته عليهم فأنقذهم منها، كما قال تعالى: {أية : وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا}تفسير : [آل عمران: 103]، وقوله تعالى: {إِلاَّ قَلِيلاً} [النساء: 83]، لعل استثناء راجع إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فإنه كان قبل بعث النبي صلى الله عليه وسلم مرافقاً في طلب الحق، قالت عائشة - رضي الله عنها -: "لم أعقل أبواي قط إلا وهما يدينان بدين الإسلام دين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يمر علينا يوماً إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية". وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : كنت وأبو بكر كفرسي رهان فسبقته فتبعني، ولو سبقني لتبعته"تفسير : ، والله أعلم. وفي قوله تعالى: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ} [النساء: 84]؛ المعنى: فجاهد في طلب الحق نفسك، فإن في طلب الحق لا تكلف نفس أخرى إلا نفسك، وفيه معنى آخر: لا تكلف نفس أخرى بالجهاد لأجل نفسك؛ لأن حجابك من نفسك لا من نفس أخرى، فدع نفسك وتعالى فإنك صاحب {أية : يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً}تفسير : [الانفطار: 19]؛ وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم اختص بهذا المقام من جميع الأنبياء والمرسلين أن يكون فاني النفس، والذي يدل عليه أن الأنبياء - عليهم السلام - يوم القيامة يقولون لبقاء نفسهم: نفسي مفسي، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم لفناء نفسه: "حديث : أمتي أمتي"تفسير : ، فافهم جيداً. ثم قال تعالى: {وَحَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 84] على القتال؛ يعني: في الجهاد الأصغر والجهاد الأكبر، {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [النساء: 84] ظاهراً وباطناً، فالظاهر الكفار، والباطن النفس، {وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً} [النساء: 84]، في استبطاء سطوات صفات قهره عند تجلي صفة جلاله للنفس من بأس الكافر عليها.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا تأديب من الله لعباده عن فعلهم هذا غير اللائق. وأنه ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة والمصالح العامة ما يتعلق بالأمن وسرور المؤمنين، أو بالخوف الذي فيه مصيبة عليهم أن يتثبتوا ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر، بل يردونه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، أهلِ الرأي والعلم والنصح والعقل والرزانة، الذين يعرفون الأمور ويعرفون المصالح وضدها. فإن رأوا في إذاعته مصلحة ونشاطا للمؤمنين وسرورا لهم وتحرزا من أعدائهم فعلوا ذلك. وإن رأوا أنه ليس فيه مصلحة أو فيه مصلحة ولكن مضرته تزيد على مصلحته، لم يذيعوه، ولهذا قال: { لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } أي: يستخرجونه بفكرهم وآرائهم السديدة وعلومهم الرشيدة. وفي هذا دليل لقاعدة أدبية وهي أنه إذا حصل بحث في أمر من الأمور ينبغي أن يولَّى مَنْ هو أهل لذلك ويجعل إلى أهله، ولا يتقدم بين أيديهم، فإنه أقرب إلى الصواب وأحرى للسلامة من الخطأ. وفيه النهي عن العجلة والتسرع لنشر الأمور من حين سماعها، والأمر بالتأمل قبل الكلام والنظر فيه، هل هو مصلحة، فيُقْدِم عليه الإنسان؟ أم لا فيحجم عنه؟ ثم قال تعالى: { وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ } أي: في توفيقكم وتأديبكم، وتعليمكم ما لم تكونوا تعلمون، { لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلا } لأن الإنسان بطبعه ظالم جاهل، فلا تأمره نفسه إلا بالشر. فإذا لجأ إلى ربه واعتصم به واجتهد في ذلك، لطف به ربه ووفقه لكل خير، وعصمه من الشيطان الرجيم.
همام الصنعاني
تفسير : 612- عبد الرزاق، قال: أنبأنا عن الكلبي وقتادة في قوله تعالى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً}: [الآية: 83]، قالا: لاتبعتم الشيطان كلكم، وأما قوله {إِلاَّ قَلِيلاً} فهو كقوله: {لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ... إِلاَّ قَلِيلاً} [الآية: 83].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):